Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سنة ٦٠
الفُرْع هو وأخوه جعفر، ليس معهما ثالث، وتجنّب الطريق الأعظم مخافة ٢٢٠/٢
الطلب ، وتوجه نحو مکة ، فلما أصبح بعث إليه الوليد فوجده قد خرج ،
فقال مروان: واللّه إن أخطأ مكة فَسرِّحْ فى أثره الرجال ، فبعث راكبًا من
موالى بنى أمية فى ثمانين راكبًا ، فطلبوه فلم يقدروا عليه ، فرجعوا ، فتشاغلوا
عن حُسين بطلب عبد الله يومهم ذلك حتى أمسَوْا، ثم بعث الرجال إلى حسين
عند المساء فقال: أصبحوا ثم ترَون ونَرى، فكفّوا عنه تلك الليلة، ولم يُلِحّوا
عليه، فخرج حسين من تحت ليلته، وهى ليلة الأحد ليومين بقيا من رجب
سنة ستين .
وكان مخرج ابن الزبير قبله بليلة ، خرج ليلةَ السبت فأخذ طريقَ
الفُرْع ، فبينا عبد الله بن الزبير يُسايرُ أخاه جعفراً إذ تمثّل جعفرٌ بقول صَبِرة
الحنظليّ :
ولم يَبْق من أَعْقِهِمْ غَيْرٌ واحِد
وكلّ بنى أُمُّ سَيُمْسُون ليلً
فقال عبد اللّه! سبحان الله، ما أردتَ إلى ما أسمعُ يا أخى! قال: والله
يا أخى ما أردتُ به شيئًا مما تكره؛ فقال: فذاك واللّه أكرهُ إلىّ أن يكون جاء
على لسانك من غير تعمّد - قال: وكأنه تَطّيرَ منه - وأما الحسين فإنه خرج
بينيه وإخوَتِه وبنى أخيه وجلّ أهلِ بيته ، إلا محمد بن الحنفيّة فإنه قال
له : يا أخى، أنتَ أحبّ الناس إلى"، وأعزّهم علىّ، ولست أدّخر النصيحة لأحد
من الخلق أحقّ بها منك، تَنَحّ بِتَبَعَتِكَ"(١) عن يزيد بن معاوية وعن
الأمصار ما استطعت ، ثم ابعث رُسُلَك إلى الناس فادعهم إلى نفسك
فإنْ بايعوا لك حمدتُ الله على ذلك، وإن أجمع الناس على غيرك لم يَنقُص
اللّه بذلك دِينَك ولا عقلَك، ولا يُذهب به مروءتَك ولا فضلَك، إنى
أخاف أن تدخل مِصْراً من هذه الأمصار وتأتىَ جماعة من الناس، فيختلفون
بينهم ، فمنهم طائفة معك ، وأخرى عليك، فيقتتلون فتكون لأوّل الأسنّة ،
فإذا خير هذه الأمة كلّها نفسًا وأبًا، وأمَّا أضْيَعُها دمًا وأذلّها أهلاً؛ قال
٢٢١/٢
(١) ابن الأثير: ((ببيعتك)).
٣

٣٤٢
ست: ٦٠
له الحسين : فإنى ذاهب يا أخى؛ قال: فانزل مكة فإن اطمأنّتْ بك الدارُ
فسبيلٌ(١) ذلك، وإن نَبَتْ بك لحقتَ بالرمال، وشَعَف الجبال ، وخرجت
من بلد إلى بلد حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ، وتعرف عند ذلك الرأى ،
فإنك أصْوَب ما تكون رأيًا وأحْزَمه عملاً حين تستقبل الأمور استقبالاً ،
ولا تكون الأمور عليك أبداً أشكل منها حين تستدبرها استدباراً ؛ قال :
يا أخى ، قد نصحتَ فأشفقتَ ، فأرجو أن يكون رأيك سديداً موفَّقًا .
قال أبو مخنف : وحدّثنى عبد الملك بن نوفل بن مُساحق ، عن أبى سعد
المَقْبُرىّ، قال : نظرت إلى الحسین داخلاً مسجد المدينة وإنه ليمشى وهو
معتمد على رَجُلين، يعتمد على هذا مرّةً وعلى هذا مرّة، وهو يتمثّل بقول ابن
مفرِّغ :
حِ مُغِيرًا ولادُعِيتُ يَزِيدا (٢)
لا ذَعَرْتُ السّوامَ فِى فَلَقَ الصّبْ
والَمِنَامَا يَرْصُدْنَنِى أَن أَحیدا
يومَ أُعْطَى من المهابةِ ضَيمًا
قال : فقلت فى نفسى : والله ما تمثّل بهذين البيتين إلا لشىء يريد ،
٢٢٢/٢ قال : فما مكث إلا يومين حتى بلغنى أنه سار إلى مكة .
ثم إن الوليد بعث إلى عبد الله بن عمرَ فقال : بايعْ ليزيد ، فقال : إذا
بايع الناسُ بايعت ؛ فقال رجل: ما يمنعك أن تبايع ؟ إنما تريد أن يختلف
الناسُ فيقتتلوا ويتفانوْا، فإذا جَهَدهم ذلك قالوا: عليكم بعبد الله بن عمر ،
لم يَبْقَ غيرُه، بايعوه! قال عبد الله: ما أحبّ أن يقتتلوا ولا يختلفوا ولا
يتفانَوْا ، ولكن إذا بايع الناس ولم يَبق غيرى بايعتُ ؛ قال : فتركوه وكانوا
لا یتخوّفونه .
، وقبلهما:
(١) ابن الأثير: ((فيسبيل)). (٢) من أصوات الأغانى ١٧: ٥١ (سا
حَىّ ذا الزور وانْهه أَن يعودا إِنّ بالباب حارِسَيْن قُعُودَا
)

٣٤٣
سنة ٦٠
قال : ومضى ابن الزبير حتی أتی مکة وعليها عمرو بن سعيد ، فلما دخل
مکّة قال: إنما أنا عائذ ، ولم یکن یصلی بصلاتهم ، ولا یُفیض بإفاضتهم،
كان يقف هو وأصحابُه ناحيةً، ثم يُفيض بهم وحدَه ، ويصلى بهم
وحدَه ، قال: فلما سار الحسين نحومكة، قال: ﴿ فَخَرَجَ منْها خَائِفاً
يَتْرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجْنِى مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِينَ﴾ (١) . فلما دخل مكة قال:
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَن قَالَ عَسَى رَبِّى أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَاءَ السَّبِيلٍ﴾(٢) .
[ذكر عزل الوليد عن المدينة وولاية عمر بن سعيد ]
وفى هذه السنة عزل یزیدُ الوليد بن عتبة عن المدينة ، عزله فى شهر
رمضان ، فأقرّ عليها عمرو بن سعيد الأشدق .
وفيها قَدِم عَمرو بن سعيد بن العاص المدينةَ فى رمضان ، فزعم الواقدىّ
أن ابن عمر لم يكن بالمدينة حين ورد نعىّ معاوية وبيعة يزيد على الوليد ، وأنّ
ابنَ الزّبير والحسين لما دُعِيا إلى البيعة لیزید أبیًا وخرجًا من ليلتهما إلى مكة،
فلقيهما ابنُ عباس وابن عمر جائِيَيْن من مكة ، فسألاهما ، ما وراء كما ؟
قالا : موتُ معاوية والبيعة ليزيد؛ فقال لهما ابن عمر: اتَّقيا الله ولا تفرقا
جماعة المسلمين ؛ وأما ابنُ عمرَ فقدم فأقام أيّامًا، فانتظر حتى جاءت البيعة
من البُدْدان ، فتقدّم إلى الوليد بن عتبة فبايعه ، وبايَعه ابن عباس .
#
٢٢٣/٢
وفى هذه السنة وجه عمرو بن سعید عمرو بن الز بير إلى أخيه عبد الله بن
الزبير لحربه .
* ذكر الخبر عن ذلك :
ذكر محمد بن عمر أنّ عَمرو بن سعيد بن العاص الأشدق قدم المدينة
فى رمضان سنة ستين فدخل عليه أهلُ المدينة ، فدخلوا على رجل عظيم الكبر
مفوه .
(١) سورة القصص: ٢١.
(٢) سورة القصص: ٢٢.

٣٤٤
سنة ٦٠
قال محمّد بن عمر: حدّثنا هشام بن سعيد ، عن شيبة بن نصاح ، قال :
كانت الرسل تجرى بين يزيد بن معاوية وابن الزبير فى التبيعة ، فحلف
يزيد ألّ يقبل منه حتى يؤتى به فى جامعة ، وكان الحارث بن خالد المخزومىّ
على الصلاة ، فمنعه ابن الزبير ، فلما منعه كتب يزيد إلى عمرو بن سعيد؛ أن
أبعث جيشًا إلى ابن الزبير ، وكان عمروبن سعيد لما قدم المدينة ولّى شُرطته
عمرو بن الزبير ، لما كان يعلم ما بينه وبين عبد الله بن الزبير من البغْضاء ،
فأرسل إلى نفر من أهل المدينة فضربهم ضَرْبًا شديداً .
٢٢٤/٢
قال محمد بن عمر: حدّثّى شُرّحبيل بن أبى عون ، عن أبيه، قال : نظر
إلى كل من كان يَهَوَى هَوَى ابن الزّبير فضَرَبه ، وكان ممن ضرب المنذر
ابن الزبير ، وابنه محمد بن المنذر ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوثَ ،
وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام ، وخُبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد
ابن عمّار بن ياسر ، فضرّبَهم الأربعين إلى الخمسين إلى الستين، وفرّ منه
عبد الرحمن بن عثمان وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل فى أناس إلى مكّة ،
فقال عمرو بن سعيد لعمرو بن الزبير: مَن رجلٌ نوجّه إلى أخيك ؟ قال :
لا توجّه إليه رجلاً أبداً أنكأ له منّى، فأخرج لأهل الديوان عشرات ، وخرج
من موالی أهل المدينة ناس كثير ، وتوجه معه أنیس بن عمرو الأسلمى فى
سبعمائة ، فوجّهه فى مقدّمته ، فعسكر بالجرف ، فجاء مروان بنُ المكتم
إلى عمرو بن سعيد فقال: لا تَغزُ مكة، واتّق اللّه، ولا تُحِلّ حرمةَ البيت،
وخلّوا ابن الزبير فقد كبر، هذا له بِضعٌ وستون سنةً ، وهو رجلٌ لَجوج،
والله لئن لم تقتلوه ليموتَنّ، فقال عمرو بن الزبير: والله لنقاتلنه ولنغزونه فى
جوف الكعبة على رغم أنف من رَغِيمٍ ؛ فقال مروان: والله إنّ ذلك ليسوعنى ؛
فسار أنيس بن عَمرو الأسلمىّ حتى نزل بذى طُوَّى، وسار عمرو بن الزبير
حتى نزل بالأبطح، فأرسل عَمرو بن الزبير إلى أخيه : بَرّ يَمِينَ الخليفة،
واجعل فى عنقك جامعة من فضّة لا ترى ، لا يضرب الناس بعضهم بعضًا ،
واتَّقِ اللّه فإنك فى بلد حرام .
قال ابن الزبير : موعدك المسجد ؛ فأرسل ابن الزبير عبد الله بنَ صفوان

٣٤٥
سنة ٦٠
الجمحىّ إلى أنيس بن عمرو من قبَل ذى طُوَّى، وكان قدضوى إلى عبد الله
ابن صَفْوان قومٌ ممن نزل حول مكة ، فقاتلوا أنيس بن عمرو، فهزم أنيس
ابن عمرو أفَبحّ هزيمة ، وتفرّق(١) عن عمرو جماعةُ أصحابه، فدخل دارَ
علقمة ، فأتاه عبيدة بن الزبير فأجارَه ، ثم جاء إلى عبد الله بن الزبير فقال:
إنى قد أجَرْته ؛ فقال : أتجير من حقوق الناس! هذا ما لا يصلح .
٢/ ٢٢٥
قال محمد بن عمر : فحدّثّت هذا الحديثَ محمد بنَ عُبيد بن عمير
فقال : أخبَرَنى عمرو بن دينار، قال: كتب يزيدُ بن معاويةَ إلى عمرو
ابن سعيد : أن استعمل عمرو بن الزبير على جيش ، وابعثه إلى ابن الزبير ،
وابعث معه أنیس بن عمرو ؛ قال : فسار عمرو بن الزبير حتى نزل فى داره عند
الصّفا، ونزل أنيس بن عمرو بذى طُوَّى، فكان عمرو بن الزبير يصلى بالناس،
ويصلى خلفه عبد الله بن الزبير ، فإذا انصرف شبّك أصابعه فى أصابعه ،
ولم يبق أحدٌ من قريش إلا أتى عَمرو بن الزبير ، وقعد عبد الله بنُ صفوان
فقال: مالى لا أرى عبد الله بنَ صفوان! أما والله لئن سرت إليه ليعلمنّ"
أن بنى جُمَح ومَنْ ضَوى إليه من غيرهم قليل ، فبلغ عبد الله بن صفوان
كلمتُهُ هذه ، فحرّكته ، فقال لعبد الله بن الزبير : إنى أراك كأنك تريد
البُقْيا على أخيك؛ فقال عبد الله: أنا أبقِى عليه يا أبا صَفْوان! والله لو
قَدَرتُ على عَوْن الذَّرّ عليه لاستعنتُ بها عليه؛ فقال ابنُ صفوان : فأنا
أكفيك أنيس بن عمرو ، فاكفنى أخاك ؛ قال ابن الزبير : نعم ؛ فسار عبدالله
ابن صفوان إلى أنيس بن عمرو وهو بذى طُوَّى ، فلاقاه فى جمع كثير من
أهل مكّة وغيرهم من الأعوان، فهزم أنيس بن عمرو ومن معه ، وقتلوا مدبرهم ،
وأجهزوا(٢) على جريحِهم، وسار معصب بنُ عبد الرحمن إلى عمرو ، وتفرّق
عنه أصحابه حتى تخلّص إلى عمرو بن الزبير، فقال عبيدة بن الزبير لعمرو :
تعالَ أنا أجيرك . فجاء عبد الله بن الزبير ، فقال : قد أجرت عمراً ، فأجره
لی ، فأبى أن يجيره ، وضربه بكل من كان ضرب بالمدينة ، وحبسه بسجن
عارم .
(١) ط: ((وتعوق)).
(٢) ط: ((وأجازوا)).
٢٢٦/٢

٣٤٦
سنة ٦٠
قال الواقدىّ: قد اختلفوا علينا فى حديث عمرو بن الزّبير، وكتبت كلّذلك.
حدثنى خالد بن إلياس ، عن أبى بكر بن عبد الله بن أبى الجهْم ، قال:
لما قدم عمرو بن سعيد المدينة واليًا، قدم فى ذى القعدة سنة ستّين، فولّى عمرو
ابن الزبير شُرطتَه ، وقال: قد أقسم أميرُ المؤمنين ألاّ يقبل بيعة" ابن الزبير
إلا أن يؤتى به فى جامعة، فَلْيُبِرَّ يمين أمير المؤمنين ، فإنى أجعل جامعة
خفيفةً من ورِق أو ذهب، ويلبس عليها بُرْنُسًا، ولا تُرَى إلا أن يُسمع
صوتُها ، وقال :
وفيها مقالٌ لامری مُتَذَلِّلٍ
خُذْها فليَستْ لِلعزِيزِ بِخُطَّةٍ
ومالكَ فى الجيران عذلُ مُعَذِّل
أَعامِرُ إِنَّ القَوْمَ ساموكَ خُطَّةٌ
قال محمّد: وحدثنى رياح بن مسلم ، عن أبيه ، قال: بُعث إلى
عبد الله بن الزّبير عَمرو بن سعيد، فقال له أبو شُريح: لا تَغْزُ مكة فإنّى
سمعتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما أذن الله لى فى القتال بمكة
ساعة من نهار، ثم عادت كحُرْمتها))؛ فأبى عَمرو أن يسمع قوله ، وقال :
نحن أعلم بحرمتها منك أيها الشيخ ؛ فبعث عمرو جيشًا مع عمروا ومعه أنّيْس
ابن عمرو الأسلمىّ ، وزيد غلام محمد بن عبد الله بن الحارث بن هشام،
- وكانوا نحو ألفين - فقاتلهم أهلُ مكة، فقُتل أنَّيْس بن عمرو والمهاجر مولى
٢٢٧/٢ القلمَّس فى ناس كثير، وهُزم جيشُ عمرو ، فجاء عبيدة بن الزبير ،
فقال لأخيه عمرو : أنت فى ذمتى ، وأنا لك جار ، فانطلق به إلى عبد الله،
فدخل على ابن الزبير فقال : ما هذا الدّم الذى فى وجهك يا خبيث ! فقال
عمرو :
ولكنْ على أقدامنا تَقْطُرُ الدَّمَا (٣)
لَسْنا على الأَعقاب تَدْعَى كُلُومُنا
فحيسه وأخفر عُبيدة، وقال : أمرْتُك أن تجير هذا الفاسقَ المستحِلّ
لحرمات الله؛ ثم أقاد عمراً من كلّ من ضربه إلا المنذر وابنه، فإنهما أبيا
(١) هو عمرو بن الزبير.
(٢) للحصين بن الحمام المرّىّ من أبيات له فى ديوان الحماسة ١: ١٩١، ١٩٢؛ والرواية هناك:
وقوله: ((تقطر الدما))، أى تقطر الكلوم الدم .
((فلسنا على الأعقاب))،

٣٤٧
سنة ٦٠
أن يستقيدا ، ومات تحت السِّاط. قال : وإنما سمّى سجن عارِم لعبد كان
يقال له: زيد عارِم، فسمّىَ السِّجنُ به، وحَس ابنُ الزبير أخاه عَمراً فيه .
قال الواقدىّ : حدّثنا عبد الله بن أبى يحيى ، عن أبيه ، قال : كان مع
أنيس بن عمرو ألفان .
* *
وفى هذه السنة وجّه أهلُ الكوفة الرسل إلى الحسين عليه السلام وهو
بمكّة يدعونه إلى القدوم عليهم ، فوجه إليهم ابن عمّه مُسلم بن عَقِيل بن
أبى طالب رضى الله عنه .
ذكر الخبر عن مراسلة الكوفيين الحسين عليه السلام للمصير إلى ما قبلهم
وأَمْر مسلم بن عقيل رضى الله عنه
حدّثنى زكرياء بن يحيى الضرير ، قال : حدثنا أحمد بن جناب
المَصَّصى - ويكنى أبا الوليد - قال : حدثنا خالد بن يزيد بن أسد بن
عبد الله القَسْرىّ، قال: حدّثنا عمار الدُّهنيّ ، قال: قلت لأبى جعفر :
حدّثْنِى بمقتل الحسين حتى كأنّى حضرتُه؛ قال: مات معاويةُ والوليدُ بن
عُتبة بن أبى سُفْان على المدينة ، فأرسل إلى الحسين بن علىّ ليأخذ بيعته ،
فقال له: أخرفى وارفُق، فأخّرّه، فخرج إلى مكة ، فأتاه أهلُ الكوفة ورُسُلهم:
إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، ولسنا نحضر الجُمُعة مع الوالى ، فاقدم علينا -
وكان النعمان بن بشير الأنصارىّ على الكوفة ؛ قال : فبعث الحسين إلى
مسلم بن عقيل بن أبى طالب ابن عمّه فقال له : سِرْ إلى الكوفة فانظر ما كَتّبوا
به إلىّ، فإنْ كان حقاً خرجْنا إليهم. فخرج مسلم حتى أتى المدينة ، فأخذ
منها دليلين ، فمرّاً به فى البرّة، فأصابهم عطَشٌ، فمات أحدُ الدّليلين ،
وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه ، فكتب إليه الحسين : أن امض إلى الكوفة .
فخرج حتى قَدِمها ، ونزل على رجل من أهلها يقال له ابن عَوْسجة؛
قال : فلمّا تحدّث أهل الكوفة بمقدمه دبّوا إليه فبايعوه ، فبايعه منهم
٢٢٨/٢

٣٤٨
سنة ٦٠
اثنا عشرَ ألفًا . قال: فقام رجل ممن يَهوَى يزيد بن معاوية إلى النّعمان بن
بَشير ، فقال له : إنك ضعيف أو متضعِّف ؛ قد فسد البلاد ! فقال له
النعمان : أن أكونَ ضعيفًا وأنا فى طاعة الله أحبّ إلىّ من أن أكون قويًا فى
معصية الله ، وما كنتُ لأُهتكَ ستراً سَتَرَهُ اللّه.
فكتب بقول النعمان إلى يزيد ، فدعا مولّ له يقال له : سَرْجون ؛
- وكان يستشيره - فأخبرَه الخبر ، فقال له : أكنتَ قابلا من معاوية لو
كان حياً ؟ قال: نعم؛ قال: فاقبل منّى؛ فإنه ليس الكوفة إلاّ عُبيد الله
ابن زياد، فولّها إيّاه -وكان يزيد عليه ساخطًا، وكان همّ بعزله عن البَصْرة -
فكتب إليه برضائه ، وأنه قد ولاه الكوفة مع البصرة ، وكتب إليه أن يطلب
مسلم بن عَقِيل فيقتلَه إنْ وجده .
٢٢٩/٢
قال : فأقبل عُبيد اللّه فى وجوه أهل البَصْرة حتى قدم الكوفة متشِّماً،
ولا يمرّ على مجلس من مجالسهم فيسلُم إلاّ قالوا: عليك السلام يابن بنتِ رسول
الله - وهم يظنون أنه الحسين بن علىّعليه السّلام - حتى نزل القصر، فدعا مولّى
له فأعطاه ثلاثةَ آلاف ، وقال له : اذهب حتى تسأل عن الرجل الذى
يبايع له أهلُ الكوفة فأعلمه أنك رجل من أهل حِمْصَ جئتَ لهذا الأمر ،
وهذا مالٌ تدفعه إليه ليتقوّى. فلم يزل يتلطّف ويترفُق به حتى دُلّ على شيخ
من أهل الكوفة يلى البيعة ، فلقيه فأخبره ، فقال له الشيخ: لقد سَرَّنى لقاؤك
إيَّى، وقد ساءنى ؛ فأما ما سرّتى من ذلك فما هداك الله له ، وأما ما ساءنى
فإنّ أمرنا لم يستحكم بعدُ. فأدخَلَه إليه، فأخذ منه المال وبايعه ، ورجع إلى
عبيد اللّه فأخبَرَه.
فتحوّل مسلم حين قدم عُبيد الله بن زياد من الدّار التى كان فيها إلى
منزل هانى بن عُروة المُرادِىّ، وكتب مسلم بن عَقِيل إلى الحسين بن علىّ
عليه السلام يخبره ببيعة اثنى عشر ألفًا من أهل الكُوفة ، ويأمره بالقدوم .
وقال عبيد اللّه لوجوه أهل الكوفة: مالى أرى هانئَ بنَ عروةَ لم يأتنى فيمن
أتانى ! قال : فخرج إليه محمّد بن الأشعث فی ناس من قومه وهو على باب

٣٤٩
سنة ٦٠
داره، فقالوا : إنّ الأمير قد ذكَرَك واستبطأك ، فانطلق إليه ، فلم يزالوا به
حتى ركب معهم وسار حتى دخل على عُبيد اللّه وعنده شُريح القاضى، فلما نظر
إليه قال لشريح: (( أتتك محائن رجلاه))(١) ؛ فلمّا ستم عليه قال: يا هانئ ،
أين مسلم ؟ قال : ما أدرى ؛ فأمر عبيد اللّه مولاه صاحب الدراهم فخرج
إليه، فلما رآه قُطع به، فقال: أصلح اللّه الأمير! والله ما دعوتُه إلى منزلى
ولكنه جاء فطرح نفسه علىّ ؛ قال : اثتنى به ؛ قال : والله لو كان تحت
قدمَىَّ ما رفعتهما عنه ؛ قال : أدنُوه إلىّ، فأدنِىَ فضربه على حاجبه فشجّه،
قال: وأهَوى هانىّ إلى سيفٍ شُرَطىّ ليسله، فدُفع عن ذلك، وقال :
قد أحلّ اللّه دمك ، فأمر به فحُبِس فى جانب القصر.
٠
٢٣٠/٢
وقال غير أبى جعفر : الذى جاء بهافى بنِ عُروة إلى عُبيد الله بن زياد
عَمرَوْ بن الحجَّاجِ الزُبيديّ :
* ذكر من قال ذلك :
حدثنا عَمرو بن علىّ ، قال : حدثنا أبو قُتيبة ، قال : حدثنا يونس
ابن أبى إسحاق ، عن العَيْزار بن حُرَيَث ، قال : حدثنا عُمارة بن عُقْبة
ابن أبى معيط ، فجلس فى مجلس ابن زياد فحدّث ، قال : طردتُ اليوم
حُمُراً فأصبتُ منها حماراً فعقرتُه، فقال له عَمرو بن الحجاج الزَّبيدىّ :
إنّ حماراً تَعْقِرُهُ أنتَ لَحِمَارٌ حائن؛ فقال: ألا أخبرك بأحْيَنَ من
هذا كلّه! رجل جىء بأبيه كافراً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر به
أن يضرب عنقه، فقال: يا محمد فمن للصّبْية؟ قال : النارُ ، فأنت من
الصبْية ، وأنت فى النار ؛ قال : فضحك ابن زياد .
#
#
رجع الحديث إلى حديث عمّار الدُّهنىّ ؛ عن أبى جعفر. قال : فبينا هو
(١) أتتك بحائن رجلاه ؛ مثل، وأول من قاله عبيد بن الأبرص، وانظر الفاخر ٢٥١.

٣٥٠
سنة ٦٠
٢٣١/٢
كذلك إذ خرج الخبر إلى مذْحُج ، فإذا على باب القصر جَكبة سمعها
عبيد اللّه، فقال : ما هذا ؟ فقالوا: مذحج، فقال لشُريح: اخرج إليهم
فأعلمهم أنى إنما حبسته لأسائله، وبعث عينًا عليه من مواليه يسمع ما يقول،
فمرّ بهانئ بن عروة، فقال له هانى : - اثّق الله يا شُريح ، فإنه قاتلى،
فخرج شريح حتى قام على باب القصر ، فقال : لا بأس عليه ، إنما حبسه
الأمير ليسائله ، فقالوا : صدق، ليس على صاحبكم بأس ، فتفرّقوا ، فأتى
مَسَلِمًاً الخبرُ ، فنادى بشعاره ، فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة ،
فقدّم مقدّمته، وعَبَّى مَيَمَنته ومَيْسَرته، وسار فى القلب إلى عُبيد اللّه ،
وبعث عُبيد اللّه إلى وجوه أهل الكوفة فجمعهم عنده فى القصر، فلما سار إليه
مسلم فانتهى إلى باب القصر أشرفوا على عشائرهم فجعلوا يكلمونهم ويردّونهم ،
فجعل أصحاب مسلم يتسلَّلون حتى أمسى فى خمسمائة، فلما اختلط الظلام
ذهب أولئك أيضًا .
فلما رأى مسلم أنه قد بقى وحده يتردّد فى الطُّرق أتى بابًا
فنزل عليه ، فخرجت إليه امرأة ، فقال لها: اسقينى، فسقْتُه، ثمّ دخلتْ
فمكثتْ ما شاء اللّه، ثم خرجت فإذا هو على الباب؛ قالت: يا عبدَ الله،
إنّ مجلسك مجلسُ رِبِبة ، فقمْ ؛ قال : إنى أنا مسلم بن عَقِيل ، فهل عندك
مأوَّى ؟ قالت : نعم ، ادخل ، وكان ابنها مولّى لمحمد بن الأشعث ، فلما.
علم به الغلام انطلق إلى محمد فأخبره، فانطلق محمد إلى عبيد اللّه فأخبره، فبعث
عُبيد الله عمرو بن حريث المخزومى- وكان صاحب شُرطه- إلیه،ومعه عبدالرحمن
ابن محمد بن الأشعث ، فلم يعلم مُسلم حتى أحيط بالدار ، فلما رأى ذلك
مسلمٌ خرج إليهم بسيفه فقاتَلَهم ، فأعطاه عبد الرحمن الأمان ، فأمكن
من يده ، فجاء به إلى عبيد اللّه، فأمر به فأصعد إلى أعلى القصر فضُربت عنقُه ،
وألقى جُنَّته إلى الناس، وأمر بهانئ فسُحب إلى الكُناسة ، فصُلب هنالك،
وقال شاعرُهم فى ذلك :
فإِنْ كنتٍ لا تدرینَ ما الموتُ فانظری
٢٣٢/٢
إلى هانى فى السّوقِ وأَبنِ عِقِيلِ

٣٥١
سنة ٦٠
أَحادیثَ منْ يَسْعی بكلِّ سبيل
أَصابَهُمَا أَمْرُ الإِمام فأُصبحا
وقد طَلَبَتْهُ مَذْحِجٌ بِذُحولِ !
أيركبُ أَسماءُ الهَمَالِيج آمِناً
وأما أبو مخنف فإنه ذكر من قصّة مسلم بن عَقِيل وشخوصِه إلى
الكُوفة ومقتله قصّةً هى أشبع وأتمّ من خبر عمَّر الدّهنىّ عن أبى جعفر
الذى ذكرناه ؛ ما حُدّثت عن هشام بن محمد ، عنه ، قال : حدثنى
عبد الرحمن بن جُندَب ، قال : حدثنى عُقبة بن سمعان مولى الرِّباب ابنة
امرئ القيس الكلبيّة امرأة حسين-وكانت مع سُكينة ابنة حسين، وهو مولّی
لأبيها ، وهى إذ ذاك صغيرة - قال : خرجْنا فلزمنا الطريقَ الأعظم ، فقال
للحسين أهلُ بيته: لو تنكَّبتَ الطريقَ الأعظمَ كما فعل ابن الزبير لا يلحقك
الطلب؛ قال : لا، والله لا أفارقه حتى يقضى الله ما هو أحبّ إليه ، قال:
فاستقبَكَتَنَا عَبْدُ اللّه بن مُطيع فقال للحسين: جُعلت فِداك! أين تريد؟ قال:
أما الآن فإنى أريد مكة ، وأما بعدها فإنى أستخير اللّه، قال: خار اللّه لك،
وجَعَلَنَا فداك ؛ فإذا أنت أتيت مكَّةً فإياك أن تَتَقْرُب الكوفة ، فإنها بلدةٌ
مشئومة ، بها قُتِل أبوك ، وحُذل أخوك ، واغتيل بطعنة كادت تأتى على
نفسه ؛ الزّم الحَرَمَ؛ فإنَّك سيِّد العرب، لا يَعَدِل بك والله أهلُ الحجاز أحداً ،
ويتداعَى إليك الناسُ من كلّ جانب ؛ لا تفارق الحرَم فِدَاك عمی وخالى،
فوالله لئن هلكتَ لنُسترقَّنّ بعدك.
فأقبل حتى نزل مكة ، فأقبل أهلُها يختلفون إليه ويأتونه ومن كان بها
من المعتمرين وأهل الآفاق ، وابن الزبير بها قد لزم الكعبة ، فهو قائم يصلّى
عندها عامَّة النهار ويطوف ، ويأتى حُسَيَنًا فيمن يأتيه ، فيأتيه اليومين
المتواليَيْن، ويأتيه بين كلّ يومين مرّة، ولا يزال يشير عليه بالرّأى وهو
أثقل خلْق اللّه على ابن الزَّبير، قد عرف أنّ أهل الحجاز لا يبايعونه
ولا يتابعونه أبداً ما دام حسين بالبلد، وأنّ حسينًا أعظم فى أعينهم وأنفسهم منه،
وأطوَعُ فى الناس منه .
فلما بلغ أهلَ الكوفة هلاكُ معاوية أرجف أهلُ العراق
بيزيد ، وقالوا : قد امتنع حسين وابن الزبير ، ولَحقا بمكة ، فكتب أهل
٢٣٣/٢

٣٥٢
سنة ٦٠
الكوفة إلى حسين ، وعليهم النعمان بن بشير .
قال أبو مخنف: فحدثنى الحجَّاج بن علىّ، عن محمد بن بشر الحَمْدانىّ،
قال : اجتمعت الشيعة فى منزل سليمانَ بن صُرَد ، فذكرْنا هلاكَ معاوية ،
فحمدْنا اللّه عليه، فقال لنا سليمان بن صُرّد: إنّ معاوية قد هلك، وإنّ
حسينًاً قد تقبّضَ على القوم ببيعته، وقد خرج إلى مكة ، وأنتم شيعته وشيعة
أبيه ، فإنْ كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوّه فاكتبوا إليه ، وإن
خفتم الوهَلَ والفَشَل فلا تغرُّوا الرَّجلَ من نفسه، قالوا : لا ، بل نقاتل
عدوّه ونقتل أنفسنا دونه ؛ قال : فاكتبوا إليه ، فكَتّبوا إليه :
بسم الله الرحمن الرحيم. الحسين بن علىّ من سُليمان بن صُرَد والمسيّب
ابن نَجَبة ورفاعة بن شدّاد وحبيب بن مُظاهر وشيعته من المؤمنين والمسلمين
٢٣٤/٢ من أهل الكوفة. سلامٌ عليك، فإنا نحمد إليك اللّه الذى لا إله إلا هو،
أما بعد، فالحمد لله الذى قَصَم عدوَّك الجبّار العنيد الذى انتزى على هذه الأمة
فابتزّها أمرَها، وغصَبَهَا فَيْئُهَا، وتأمّر عَلَيْها بغير رضا منها، ثم قتل خيارها ،
واستبقَى شِرارَها، وجعل مال اللّه دُولةً بين جبابرتها وأغنيائها، فبُعْداً له كما بَعِدتْ
ثمود ! إنه ليس علينا إمام، فأقبِلْ لعلّ اللّه أن يجمعنا بك على الحقّ. والنعمان
ابن بشير فى قصر الإمارة لسنا نجتمع معه فى جُمعة ، ولا نخرج معه إلى
عيد ، ولو قد بلغنا أنك قد أقبلتَ إلينا أخرجْناه حتى ناحقه بالشأم إن شاء اللّه؛
والسلام ورحمةُ الله عليك .
قال: ثمّ سرّحنا بالكتاب مع عبد الله بن سَبُع الهَمْدانىّ وعبد الله بن
وال ، وأمرناهما بالنَّجاء ؛ فخرج الرجلان مسرِعَيْن حتى قَدِما على حسين
لعشر مضين من شهر رمضانَ بمكة، ثم لبثْنا يومين ، ثم سرّحنا إليه قيسَ
ابن مُسْهر الصَّيداوىّ وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحىّ وُمارة بن
عبيد السَّلولى، فحملوا معهم نحواً من ثلاثة وخمسين صحيفةً؛ [الصحيفة] من
الرجل والاثنين والأربعة .

٣٥٣
سنة ٦٠
قال : ثمّ لبثنا يومين آخَرين، ثم سرّحنا إليه هانئ بن هانئ السَّبيعيّ
وسعيد بن عبدالله الحنفىّ، وكتبْنا معهما :
بسم الله الرّحمن الرّحيم. الحسين بن علىّ من شيعته من المؤمنين والمسلمين،
أمّا بعد ، فحيَّهلا، فإنّ الناس ينتظرونك، ولا رأىَ لهم فى غيرك، فالعجَل
العجيل ؛ والسلام عليك .
٢٣٥/٢
وکتب شبٹ بن رِبعی وحجّار بن أبجرویزید بن الحارث بن یزید بن
رُوَيَمَ وعَزْرة بن قيس وَعَمرو بن الحجّاج الزُّبيدىّ ومحمد بن مُمير التميمىّ:
أما بعد، فقد اخضرّ الجنّاب، وأينعَت الثمار، وطَمَّت الجِمام ، فإذا
شئت فاقدَمَ على جند لك مِنَّد ؛ والسلام عليك .
وتلاقت الرسُل كلها عنده ، فقرأ الكتب ، وسأل الرسل عن أمر الناس،
ثم كتب مع هانئ بن هانئ السَّبيعيّ وسعيد بن عبد الله الحنفىّ، وكانا آخر
الرسل :
بسم الله الرّحمن الرحيم. من حسين بن علىّ إلى الملا من المؤمنين والمسلمين؛
أما بعد، فإن هانئًا وسعيداً قدماً علىّ بكتبكم، وكانا آخر مَن قدم علىّ
من رسلكم ، وقد فهمت كلّ الذى اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جُلُّكم: إنه
ليس علينا إمام، فأقبِل لعلّ اللّه أن يجمَعَنا بك على الهدى والحقّ. وقد بعثتُ
إليكم أخى وابن عمّى وثقتى من أهل بيتى، وأمرتُه أن يكتب إلىّ بحالكم وأمر كم
ورأيكم، فإن كتب إلىّ أنه قد أجمع رأى ملئكم وذوى الفضل والحِجَى
منكم على مثل ما قدمتْ علىَّ به رُسُلكم، وقرأتُ فى كُتُبكم ، أقدم عليكم
وشيكًا إن شاء اللّه؛ فلَعمرى ما الإمام إلا العامل بالكتاب ، والآخذ
بالقسط ، والدائن بالحق ، والحابس نفسه على ذات اللّه . والسلام.
قال أبو مخنف : وَذكر أبو المخارق الراسبىّ، قال: اجتمع ناس من الشّيعة
بالبَصْرة فى منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعْد - أو منقذ-
أياماً ، وكانت تشيَّعَ، وكان منزلُها لهم مَألفًا يتحدّثون فيه ، وقد بلغ
ابنَ زياد إقبالُ الحسين، فكتب إلى عامله بالبصرة أن يضع المناظر ويأخذ ٢٣٦/٢
بالطريق .

٣٥٤
سنة ٦٠
قال : فأجمع يزيد بن نُبَيط الخروج - وهو من عبد القيس - إلى
الحسين ، وكان له بَنونَ عشرة ، فقال : أيكم يخرج معى ؟ فانتذب معه
ابنان له : عبد الله وعبيد الله، فقال لأصحابه فى بيت تلك المرأة: إنى قد
أزمعتُ على الخروج ، وأنا خارج ، فقالوا له : إنا نخاف عليك أصحاب
ابن زياد؛ فقال: إنّى والله لو قد استوت أخفافهما بالجَدَد هَانَ علىّ طلب
من طلبنى .
قال: ثم خرج فتقدَّى(١) فى الطريق حتَّى انتهى إلى حسين عليه السلام،
فدخل فى رحله بالأبطح ، وبلغ الحسينَ مجيئُه ، فجعل يطلبه ، وجاء الرجل
إلى رَحْل الحسين ، فقيل له : قد خرج إلى منزلك ، فأقبل فى أثرِه ، ولما
لم يجده الحسين جلس فى رحله ينتظره ، وجاء البصرى فوجَدَه فى رَحْله جالسًا،
فقال: ﴿بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ قال: فسلَّم عليه ،
وجلس إليه، فخبّره بالذى جاء له ، فدعا له بخير، ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل
معه ، فقتل معه هو وابناه. ثم دعا مسلم بن عقيل فسرّحه مع قيس بن مُسهر
الصيداوىّ وعمارة بن عبيد السَّولىّ وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكدن الأرحبىّ،
فأمره بتقوى الله وكتمان أمرِه، واللطف، فإن رأى الناس" مجتمعين مستوسقين
عجّل إليه بذلك .
فأقبل مسلم حتى أتى المدينة فصلّى فى مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه
وسلَّم ، وودّع من أحبّ من أهله، ثم استأجر دليلين من قيس ، فأقبلاً به ،
فضلاً الطريق وجارا ، وأصابهم عطش شديد ، وقال الدّليلان: هذا الطريقَ
حتى تنتهى إلى الماء، وقد كادوا أن يموتوا عطشًا. فكتب مسلم بن عقيل مع
قيس بن مسهر الصيداوىّ إلى حسين ، وذلك بالمتضيق من بطن الخُبيت :
أما بعد ، فإنى أقبلتُ من المدينة معى دليلان لى ، فجارا عن الطريق
وضلاً ، واشتدّ علينا العطش ، فلم يلبثا أن ماتا ، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء ،
فلم ننجُ إلا بُحشاشة أنفسنا ، وذلك الماء بمكان يُدعَى المَضيق من بطن
الخُبيت ؛ وقد تطيّرت من وجهى هذا، فإن رأيتَ أعفيتَنى منه، وبعثتَ
غيرى ، والسلام .
(١) تقدى ، أى أسرع .
٢٢٧/٢

٣٥٥
سنة ٦٠
فكتب إليه حسين :
أمّاً بعد، فقد خشيت ألّ يكون حملك على الكتاب إلىّ فى الاستعفاء
من الوجه الذى وجهتك له إلا الجُبْن ، فامض لوجهك الذى وجهتُك له ؛
والسلام عليك .
فقال مسلم لمن قرأ الكتاب : هذا ما لستُ أتخوّفه على نفسى ؛ فأقبَل
كما هو حتى مرّ بماء لطيِِّئ، فنزل بهم، ثمّ ارتحل منه، فإذا رجل يرمى
الصّيْد، فنظر إليه قد رَمَى ظَبْيًا حين أشرف له ، فصرعه ، فقال مُسلمٍ :
يُقتل عدوُّنا إن شاء اللّه؛ ثم أقبل مسلم حتى دخل الكوفة ، فنزل دارَ المختار
ابن أبى عبيد - وهى التى تدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب - وأقبلتْ الشيعة
تختلف إليه ، فلما اجتمعت إليه جماعةٌ منهم قرأ عليهم كتابَ حسين ،
فأخذوا يبكون .
فقام عابس بن أبى شَبيب الشاكرىّ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد ، فإنى لا أخبرك عن الناس ، ولا أعلم ما فى أنفسهم ، وما أغرُّك
منهم ، واللّهالأحد ثنّك عما أنا موطَّن نفسى عليه، واللّه لأجيبنكم إذا دعوتم ،
ولأقاتلنّ معكم عدوّكم، ولأضربنّ بسيفى دونكم حتى ألقى الله، لا أريد
بذلك إلا ما عند الله.
٢٣٨/٢
فقام حبيب بن مظاهر الفَقْعسىّ ؛ فقال: رحمك الله! قد قضيتَ ما فى
نفسك ، بواجز مِنْ قولكَ؛ ثم قال: وأنا والله الذى لا إله إلا هو على مثل
ما هذا عليه .
ثم قال الحنفىّ مثل ذلك، فقال الحجاج بن علىّ: فقلت لمحمد بن
بِشر : فهل كان منك أنت قولٌ؟ فقال: إن كنتُ لأحبّ أن يعزّ اللّه
أصحابى بالظّفَر، وما كنتُ لأحبّ أن أقتل ، وكرهتُ أن أكذب .
واختلفت الشيعة إليه حتى عُلِمٍ مكانه، فبلغ ذلك النعمان بن بشير.
قال أبو مخْنف: حدثنى نُمير(١) بن وَعلة، عن أبى الودّاك، قال:
خرج إلينا النعمان بن بشير فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد، فاتقوا الله عبادَ الله ولا تُسارعوا إلى الفتنة والفُرْقة، فإنّ فيهما يَهلك
(١) ط: ((نمر))؛ وانظر الفهرس.
٠

٣٥٦
سنة ٦٠
الرجال، وتُسفك الدماء، وتُغصَب الأموال - وكان حليماً ناسكًا يحبّ
العافية - قال: إنىّ لم أقاتل من لم يقاتلنى، ولا أثِب على مَن لا يَثَب علىّ ،
ولا أشاتحكم ، ولا أتحرَّش بكم، ولا آخذ بالقَرْف ولا الظّنّة ولا التُّهمّة،
ولكنكم إن أبْديتمْ صفحتكم لى، ونكنتم بَيْعتكم، وخالفتم إمامكم ، فوالله
الذى لا إله غيره لأضربنكم بسيفى ما ثبت قائمهُ فى يدى، ولو لم يكنلى منكم
ناصر . أما إنىّ أرجو أن يكون من يعرف الحقّ منكم أكثر ممن يُرْديه الباطل.
قال: فقام إليه عبد الله بن مسلم بن سعيد الحضرمىّ حليف بنى أميّة فقال:
إنه لا يصلح ما ترى إلاّ الغَشْ (١)، إنّ هذا الذى أنت عليه فيما بينك وبين
عدّك رأىُ المستضعفين؛ فقال: أنْ أكون من المستضعفين فى طاعة الله
أحبُّ إلىّ من أن أكون من الأعزِّين فى معصية الله ؛ ثم نزل .
وخرج عبد الله بن مسلم ، وكتب إلى يزيد بن معاوية : أما بعد ، فإن
مسلم بن عقيل قد قدم الكُوفة فبايعتْه الشيعةُ للحُسَين بن علىّ ، فإن كان
لك بالكوفة حاجةٌ فابعث إليها رجلاً قويًّا ينفّذ أمرك، ويعمَل مثلَ عملك
فى عدّك، فإنّ النعمان بنَ بشير رجل ضعيف؛ أو هو يتضعّف . فكان
أوّل من كتب إليه .
ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه ، ثم كتب إليه عمر بنُ سعد
ابن أبى وقّاص بمثل ذلك .
· قال هشام : قال عَوانة : فلما اجتمعت الكتب عند يزيدَ ليس بين
كتبهم إلا يومان ، دعا يزيد بن معاوية سَرْجون مولى معاوية فقال: ما رأيك؟
فإنّ حسيناً قد توجّه نحو الكوفة ، ومسلم بن عقيل بالكوفة يبايع للحسين ،
وقد بلغنى عن النعمان ضعْفٌ وقْولٌ سَئ - وأقرأه كتبهم - فما ترى
مَن أستعمل على الكوفة ؟ وكان يزيد عاتباً على عبيد الله بن زياد ؛ فقال
سرجون : أرأيتَ معاويةَ لو نُشرلك، أكنتَ آخذاً برأيه ؟ قال : نعم ؛
فأخرج عهدَ عبيد اللّه على الكوفة فقال : هذا رأىُ معاوية ، ومات وقد أمر
بهذا الكتاب . فأخذ برأيه وضّ المصرَيْن إلى عبيد اللّه، وبعث إليه بعهده
على الكوفة .
(١) الغشم : الظلم .
٢٣٩/٢

٣٥٧
سنة ٦٠
ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلىّ- وكان عنده - فبعثه إلى عبيد اللّه بعهده
إلى البصرة ، وكتب إليه معه : أما بعد ، فإنه كتب إلىّ شيعتى من أهل
الكوفة يخبرونى أنّ ابن عقيل بالكوفة يجمع الجموعَ لشقّعصا المسلمين؛ ٢٤٠/٢
فسِرْ حين تمرأ كتابى هذا حتى تأتى أهل الكوفة فتطلبَ ابنَ عقيل كطلب
الخرزة حتى تَثْقَفَه (١) فتُوثقه أو تقتلَه أو تنفيه؛ والسلام.
فأقبل مسلم بن عمرو حتى قدم على عُبيد الله بالبصرة ، فأمر عُبيد اللّه
بالجهاز والتَّهيؤ والمسير إلى الكوفة من الغد .
وقد كان حسين كتب إلى أهل البصرة كتابًا ؛ قال هشام : قال أبو مخنف:
حدّثنى الصقعب بن زهير ، عن أبى عثمان النَّهدىّ، قال : كتب حسين مع
مولّىّ لهم يقال له : سليمان ، وكتب بنسخة إلى رءوس الأخماس بالبصرة
وإلى الأشراف ؛ فكتب إلى مالك بن مِسمَعَ البكرىّ ، وإلى الأحنف بن
قيس ، وإلى المنذر بن الجارود ، وإلى مسعود بن عمرو ، وإلى قيس
ابن الهيثم، وإلى عَمرو بن عبيد الله بن مَعَمَر، فجاءت منه نسخة واحدة
إلى جميع أشرافها : أمّا بعد ، فإنّ الله اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم على
خلقه ، وأكرمه بنبوّته ، واختاره لرسالته ، ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده ،
وبلَّغ ما أرسل به صلى الله عليه وسلم، وكنا أهلَه وأولياءَه وأوصياءَه وورثتَه
وأحقَّ الناس بمقامه فى الناس ، فاستأثر علينا قومنا بذلك ، فرَضِينا وكرهْنا
الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحقّ بذلك الحقّ المستحقّ علينا ممن
تولاه ، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحرّوا الحقّ، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم .
وقد بعثتُ رسولى إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيه
صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ السنّة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت ،
وإن تَسَمَعَوا قولى وتطيعوا أمرى أهدِ كُمْ سبيلَ الرشاد ، والسلام عليكم
ورحمة الله.
فكلُّمن قرأ ذلك الكتاب من أشراف الناس كَتَمَه، غيرُ المنذر بن الجارود، فإنه ٢٤١/٢
خشىَ بزعمه أن يكون ◌َسيسًا من قبل عبيد اللّه، فجاءه بالرسول من العشيّة
(١) ثُثقفه : تظفر به .

٣٥٨
:
سنة ٦٠
التى يريد صبيحتها أن يسبق إلى الكوفة، وأقرأه كتابه، فقدَّم الرسولَ
فضرب عنقه . وصَعد عبيد اللّه منبرَ البصرة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أما بعد، فوالله ما تُقْرَن بى الصّعْبة، ولا يُقْعقَعَ لى بالشّنان، وإنّى لَنِكْلِ" (١)
لمن عادانى، وسَمٌّ لمن حاربنى، أنصف القارةَ مَنْ راماها . يا أهل البصرة ،
إنّ أمير المؤمنين ولآنى الكوفة وأنا غاد إليها الغداة، وقد استخلفتُ عليكمُ
عثمانَ بن زياد بن أبى سُفْان، وَإِيّاكم والخلاف والإرجاف ، فوالذى
لا إله غيره لئن بلغنى عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنّه وعريفه ووليّه، ولآخذنّ
الأدنى بالأقصى حتى تستمعوا لى ، ولا يكون فيكم مخالف ولا مشاق ، أنا ابن
زياد، أشبهته من بين من وطئ الحصى ولم ينتزعنى شبه خال ولا ابن عمّ .
ثم خرج من البَصرة واستخلف أخاه عثمانَ بن زياد ، وأقبل إلى الكوفة
ومعه مسلم بن عمرو الباهلىّ، وشريك بن الأعور الحارثيّ وحشمه وأهل بيته ،
حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء، وهو متلثّم والناس قد بلغهم إقبال حسين
إليهم ، فهم ينتظرون قدومَه، فظنُّوا حين قدم عبيد اللّه أنه الحسين ، فأخذ
لا يمرّ على جماعة من الناس إلاّ سلموا عليه، وقالوا: مرحباً بك يابن رسول
اللّه! قدمتَ خيرَ مَقْدَمَ ، فرأى من تباشيرهم بالحسين عليه السلام ماساءه،
٢٤٢/٢ فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا: تأخّروا، هذا الأميرُ عُبيد الله بن زياد ،
فأخذ حين أقبل على الظهر؛ وإنما معه بضعة عشر رجلاً ، فلما دخل القصر.
وعلم الناسُ أنه عبيد الله بن زياد دخلَهم من ذلك كآبة وحُزن شديد ، وغاظ
عبيدَ اللّه ما سمع منهم ، وقال : ألا أرى هؤلاء كما أرى .
قال هشام : قال أبو مخنف: فحدّثّنى المعلَّى بن كليب، عن أبى ودَّاك،
قال : لما نزل القصر نودى : الصلاة جامعة ؛ قال : فاجتمع الناس ، فخرج
إلينا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين أصلحه اللّه
ولآنى مصركم وثغركم (٢)، وأمرفى بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم،
وبالإحسان إلى سامعكم ومطيعكم ، وبالشدّة على مريبكم وعاصيكم ، وأنا
(١) يقال: إنه لنكل شر، بكسر النون وسكون الكاف ، أى ينكل بأعدائه
(٢) الثغر: موضع المخافة من فروج البلدان .

٣٥٩
سنة ٦٠
متّبع فيكم أمرَه ، ومنفّذ فيكم عهدَه ، فأنا لمحسنكم ومطيعكم كالوالد البرّ ،
وسوطى وسيفى على مَنْ ترك أمرى، وخالفَ عهدى، فليُبقِ امرؤٌ على نفسه .
الصدق ينبئ عنكَ لا الوعيد ؛ ثم نزل .
فأخذ العُرفاء والناس أخذاً شديداً ، فقال: اكتبوا إلىّ الغرباء ، ومن
فيكم من طِلْبة أمير المؤمنين ، ومَن فيكم من الحروريّة وأهلِ الرّيَب الذين
رأيُهم الخلاف والشقاق ، فمَن كَتّبهم لنا فبرئ ، ومن لم يكتب لنا أحداً ،
فيضمن لنا ما فى عرافته ألّ يخالفنا منهم مخالِفٍ، ولا يبغى علينا منهم باغٍ ،
فمن لم يفعل برئتْ منه الذّمّة، وحلال لنا مالُه وسفكُ دمه ، وأيُّما عريف وجِد
فى عرافته من بُغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه إلينا صُلب على باب داره، وألقيت(١)
تلك العرافة من العطاء، وسُيُّر إلى موضع بعُمانَ الزّارة.
وأما عيسى بن يزيدَ الكنانىّ فإنه قال - فيما ذكر عمر بن شبّة ، عن
هارون بن مسلم، عن علىّ بن صالح، عنه - قال: لمّا جاء كتاب يزيد إلى
عبيد الله بن زياد ، انتخب من أهل البصرة خمسمائة ، فيهم عبد الله بن
الحارث بن نوفل ، وشريك بن الأعور - وكان شيعةً لعلىّ، فكان أوّل من
سقط بالناس شريك ، فيقال: إنه تساقط غَمْرةً ومعه ناس - ثم سقط عبداللّه
ابن الحارث وسقط معه ناس ، ورجَوْا أن يلوىَ عليهم عُبيد اللّه ويسبقه
الحسين إلى الكوفة ، فجعل لا يلتفت إلى من سقط ، ويمضى حتى ورَد
القادسيّة، وسقط مِهْران مولاه، فقال : أيا مِهران، على هذه الحال، إن
أمسكت عنك حتى تنظر إلى القصر فلك مائة ألف، قال : لا ، واللّه
ما أستطيع . فنزل عُبيد الله فأخرج ثيابًا مقطَّعة من مقطعات اليَمَن، ثم
اعتجر بمعجرة يمانية ، فركب بغلته ، ثم انحدر راجلاً وحده ، فجعل يمرّ
بالمحارس فكلّما نظروا إليه لم يشكّوا أنه الحسين ، فيقولون : مرحباً بك يابن
رسول اللّه! وجَعَل لا يكلّمهم ، وخرج إليه الناس من دُورهم وبيوتهم،
وسمع بهم النعمان بن بشير فغلّق عليه وعلى خاصّته، وانتهى إليه عبيد اللّه وهو
لا يشكّ أنه الحسين، ومعه الخلق يضجون، فكلّمه النعمان، فقال: أنشدُك
٢٤٣/٢
(١) ابن الأثير: ((ألغيت)).

٣٦٠
سنة ٦٠
اللّهَ إِلا تنحَّيَّتَ عنى! ما أنا بمسلم إليك أمَانَى، وما لى فى قَتْلك من
أرب؛ فجعل لا يكلمه. ثم إنه دنا وتدلّى الآخر بين شُرْفتين، فجعل يكلّمه
٢٤٤/٢ فقال: افتح لاَ فتحتّ، فقد طال ليْلُك، فسمعها إنسانٌ خلفه، فتكفّ
إلى القوم، فقال : أىْ قومُ، ابن مرجانة ، والذى لا إله غيره ! فقالوا :
وَيْحك! إنما هو الحسين ، ففتح له النعمان ، فدخل ، وضربوا الباب فى
وجوه الناس، فانفَضّوا ، وأصبح فجلس على المنبر فقال : أيُّها الناس ، إنى
لأعلم أنه قد سار معى ، وأظهر الطاعةَ لى من هو عدوّ للحسين حين ظنّ
أنّ الحسين قد دخل البلد وغلب عليه، واللهِ ما عرفتُ منكم أحداً ؛ ثم نزل .
وأخبر أن مسلم بن عقيل قدم قبله بليلة، وأنه بناحية الكوفة ، فدعا
مولّ لبنى تميم فأعطاه مالاً، وقال: انتحلْ هذا الأمرَ ، وأعنْهم بالمال ،
واقصد لهانئ ومسلم وانزل عليه ؛ فجاء هانئًا فأخبره أنه شيعة، وأنّ معه
مالاً . وقدم شريك بن الأعور شاكيًا ، فقال لهانى: مُرْ مسلمًا يكن
عندى ، فإنّ عبيد اللّه يعودفى؛ وقال شريك لمسلم: أرأيتَك إن أمكنتُك من
عُبيد اللّه أضارِبه أنت بالسيف ؟ قال: نعم واللّه. وحاء عبيدُ اللّه شريكاً
يعوده فى منزل هانئ - وقد قال شريك لمسلم: إذا سمعتنى أقول: اسقُونى
ماءً فاخرجْ عليه فاضربه - وجلس عبيد اللّه على فراشٍ شريك ، وقام على
رأسه مِهِْران، فقال: اسقونى ماء، فخرجتْ جاريةٌ بقدح، فرأت مسلمًاً،
فزالت ، فقال شريك: اسقونى ماءً ؛ ثم قال الثالثة: ويَلَكم تحمونى الماء !
اسقُونيه ولو كانت فيه نفسى ؛ ففَطن مهران فغمز عبيدَ اللّه، فوثب ،
فقال شريك : أيّها الأمير ، إنى أريد أن أوصى إليك؛ قال : أعود إليك،
فجعل مهران يطَّرد به ؛ وقال : أراد واللّه قتلك ؛ قال: وكيف مع إكرامى
شريكًا وفى بيت هانئ ويد أبى عنده يد ! فرجع فأرسل إلى أسماءَ بن خارجة
ومحمَّد بن الأشعث فقال : ائتيانى بهانئ ، فقالا له : إنه لا يأتى إلا بالأمان ؛
قال : وما لَّه وللأمان ! وهل أحدثَ حدثًا ! انطلقا فإن لم يأتِ إلا بأمان
فآمناه ، فأتياه فدعَواه ، فقال : إنه إن أخذنى قَتَلَنى ، فلم يزالا به حتى
جاءا به وعبيد الله يخطب يومَ الجمعة ، فجلس فى المسجد ، وقد رجَّل هانى
٢٤٥/٢
٠