Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سنة ٤٥
له حُزنكم ، ولا تُدرِ كوا حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم كان شرًّا لكم.
أسأل الله أن يعين كلاًّ على كل"، وإذا رأيتمونى أَنفِذ فيكم الأمر
فأنفذوه على أذلاله(١)، وإيمُ اللّه إنّ لى فيكم لصرعى كثيرة ، فليحذر كلّ"
امرئٍ منكم أن يكون من صَرْعاى .
٧٦/٢
قال: فقام عبد الله بن الأهتم (٢) فقال: أشهد أيّها الأمير أنك قد
أُوتِيتَ الحكمةَ وفَصْلَ الخِطاب ، فقال : كذبتَ ، ذاك نبيّ اللّه داود
عليه السلام .
قال الأحنف : قد قلتَ فأحسنت أيّها الأمير ، والثناء بعد البلاء ،
والحمدُ بعدَ العطاء ، وإنا لن نُثْىَ حتى نُبتلى؛ فقال زياد : صدقت .
فقام أبو بلال مِرْ داس بن أدبَّة يتهمِس وهو يقول: أنبأ اللّه بغير ماقلت،
قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى ء أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى*
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ (٣)؛ فأوعَدَنا الله خيراً مما واعدت (٤)
يا زياد، فقال زياد: إنا لا نَجِد إلى ما تريد أنتَ وأصحابُك سبيلاً حتى
نخوض إليها الدماء (٥).
حدثنى عمرُ ، قال : حدّثنا خلاّد بن يزيد ، قال : سمعتُ من يخبر
عن الشعبىّ، قال: ما سمعتُ مُتكلّمًا قط تكلّم فأحسن إلا أحببتُ أن يَسكُت(٦)
خوفًا أن يسىء إلاّ زيادًا، فإنه كان كلّما أكثر كان أجود كلامًا.
حدّثنى عمر، قال : حدّثنا علىّ، عن مسلمة، قال : استعمل زيادٌ
(١) على أذلاله، أى على طرق وجوهه، واحده ذل؛ بكسر الذال؛ وهو ما مهد وذلل من
الطريق .
(٢) نوادر القالى ١٨٥: ((صفوان بن الأهتم)).
(٣) سورة النجم: ٣٧ - ٣٩.
(٤) س: ((وأعدتنا)).
(٥) فى البيان بعد الآيات: ((وأنت تزعم أنك تأخذ البرىء بالسقيم، والمطيع بالعاصى،
والمقبل بالمدبر ؛ فسمعه زياد ، فقال : إنا لا نبلغ ما نريد فيك وفى أصحابك حتى نخوض إليكم
الباطل خوضاً )) .
(٦) س: ((تخوفا من أن يسىء)).
١

٢٢٢
سنة ٤٥
على شُرْطته عبد الله بن حصن ، فأمهَل الناس حتى بلغ الخبرُ الكوفةَ، وعاد
إليه وصولُ الخبر إلى الكوفة، وكان يؤخّر العشاء حتى يكون آخر مَن يصلّى
ثم يصلّى؛ يأمر رجلاً فيقرأ سورةَ البقرة ومثلها، يرتّل القرآن، فإذا فرغ أمهل
بقدر ما يَرَى أنّ إنسانًا يبلغ الحُرَيْبة، ثم يأمر صاحبَ شُرطته بالخروج ،
فيخرج ولا يرى إنسانًا إلا قتله . قال : فأخذ ليلةً أعرابيًا، فأتى به زيادًا
٧٧/٢ فقال : هل سمعتَ النداء ؟ قال: لا والله، قدمتُ بحكوبة لى ، وغشَيْنى
الليلُ ، فاضطررْتُها إلى موضع ، فأقمتُ لأصبح، ولا علمَ لى بما كان من
الأمير . قال : أظنك واللّه صادقًا، ولكن فى قتلك صلاحُ هذه الأمّة ؛ ثم
أمر به فضُربتْ عُنْقُه .
وكان زياد أوّلَ من شدّ أمرَ السلطان، وأكّد الملك لمعاوية ، وألزّم
الناسَ الطاعة ، وتقدّم فى العقوبة ، وجرّد السيف، وأخذ بالظِّنّة، وعاقب
على الشبهة ، وخافه الناسُ فى سُلطانه خوفًاً شديداً، حتى أمِن الناسُ
بعضُهم بعضاً ، حتى كان الشىء يسقُط من الرجل أو المرأة (١) فلا يتعرِض
له أحد حتى يأتيه صاحبه فيأخذه ، وتَبيت المرأة فلا تُغلِقِ عليها بابها ،
وساس الناسَ سياسةٌ لم يُرّ مِثِلُها ، وهابه الناس هَيْبةٌ لم يهابوها أحداً قبلَه ،
وأدرَّ العطاءَ ، وبنى مدينة الرّزق(٢).
قال : وسمع زياد جَرْساً من دارٍ مُمَير ، فقال : ما هذا ؟ فقيل :
محترس (٣). قال: فليكفّ عن هذا، أنا (٤) ضامنٌ لما ذهب له ، ما أصاب
من إصْطَخْر .
قال: وجعَل زياد الشُّرَطَ أربعةَ آلاف، عليهم عبد الله بن حِصْن، أحد
بنى عُبيد بن ثعلبة صاحب مقبرة ابن حصن ، والجَعْد بن قيس النميرىّ (٥)
(١) س: ((والمرأة)).
(٢) س: ((الرق))، وفى ياقوت: ((الرزق، بكسر الراء وسكون الزاى - كذا ذكره ابن
الفرات فى تاريخ البصرة - مدينة الرزق، إحدى مسالح العجم بالبصرة قبل أن يختطها المسلمون)).
(٣) ف: ((يحترس)).
(٤) س: ((وأنا)).
(٥) ط: ((التميمى))، وانظر الفهرس.

٢٢٣
سنة ٤٥
صاجب طاقِ الجَعْد ، وكانا جميعًا على شُرَطه ، فبينا زياد يومًا يسير
وهما بين يديه يسيران بحرْبتيْن ، تَنَازَعا بين يديه ، فقال زياد: يا جَعَد ،
ألق الحربة ، فألقاها ، وثبت ابن حصن على شرطه حتى مات زياد .
وقيل: إنه ولّى الجعْد أمرَ الفُسّاق، وكان يتتبّعهم (١)؛ وقيل (٢) ٧٨/٢
لزياد: إن السُّبُل مَخُوفة؛ فقال: لا أعانى شيئًا سوى المِصْر (٣) حتى أغلب
على المصر وأصلحه ، فإنْ غلبنى المصر فغيره أشدّ غلبة ؛ فلما ضبط
المِصْر تكلف ما سوى ذلك (٤) فأحكمه. وكان يقول: لوضاع حَبْلٌ
بينى وبين خُراسانَ علمتُ مَن أخَذَه .
وكتب خمسمائة من مشيخة أهلِ البَصرة فى صحابتهٍ ، فرزقهم ما بين
الثلثمائة إلى الخمسمائة، فقال فيه حارثةُ بن بدر الغُدَانيّ (٥):
فنعْم أَخو الخليفة والأَميرُ !
أَلا مِنْ مُبْلِغُ عنّى زِيادًا
وحَزْمٍ حين تَحضُرك الأُمورُ
فأَنتَ إِمامُ مَعْدَلةٍ وَقَصْدٍ
وَأَنْتَ وزيرُهُ ، نِعْمَ الوزيرُ!
أَخُوكَ خليفةُ اللهِ ابْنُ حَرْبٍ
مُحِبِّك ما يُحِنُّ لنا الضَّميرُ
تُصيب على الهَوَى منه وتأُى
إذا جارَ الرعِيةُ لا تَجُورُ
بأمر الله مَنْصُورٌ مُعانٌ
يَدِرُ على يَدَيْك لما أرادوا
وتقسم بالسّواءِ فلا غَىُّ
وكنتَ حياً وجئتَ على زمانٍ
تَقاسَمَتِ الرّجالُ بههواها
من الدُّنيا لهم حَذَبُ غزِيرُ
لضَيْمٍ يَشْتَكيكَ ولا فقيرُ
خَبِيثٍ ، ظاهرٌ فيه شُرُورُ
فما تُخْفِى ضَغَائِنَها الصُّدُورُ
(١) س: ((يتبعهم)).
(٢) س: ((فقيل)).
(٣) س: ((وراء هذا المصر)).
(٤) س: ((وراء ذلك)).
(٥) س: ((العبدىّ)).

٢٢٤
سنة ٤٥
يُقِيمُ على المخافة أَو يَسِيرُ
وخافَ الحاضرون وكلّ بادٍ
زيادٌ قام أَبْلَجُ مُسْتَنِيرُ
فلمّا قام سيْفُ الله فيهم
ولا جزِعٌ ولا فانِ کبیرُ
قوىٌّ لا مِنَ الحَدَثانِ غِرٍّ
٧٩/٢
حدثنى عمرُ بن شبّة، قال: حدثنا على بن محمد، قال: استعان زيادٌ
بعدّة من أصحاب النبيّ صلىّ اللّه عليه وسلم، منهم عمران بن الحصين الخُزاعىّ
ولآه قضاء البصرة، والحكم بن عمرو الغفارىّ ولاه خُراسان، وَسمرة
ابن جُندب ، وأنَس بن مالك، وعبد الرحمن بن سَمُرة ؛ فاستعفاه عمران
فأعفاه. واستقضى عبد الله بن فضالة الليثىّ، ثم أخاه عاصمَ بن فضالة ،
ثم ز رارة بن أوفیالحرشی" ، و کانت أختُه لبابة عند زياد .
وقيل : إنّ زياداً أوّل مَن سِير بين يديه بالحراب، ومُشِىَ بين
يديه بالعُمُد ، واتّخذ الحرس رابطة خمسمائة، واستعمل عليهم شيبان صاحب
مقبرة شيبان ، من بنى سعد ، فكانوا لا يَبَرَحون المسجد .
حدثنى عمر، قال : خدّتنا علىّ، قال: جعل زيادٌ خُراسانَ أرباعًا ،
واستعمل على مَرْ وَ أَمَيْر بن أحمر اليشكرىّ، وعلى أبْرَ شهر خُلَيَد بن
عبد الله الحنفىّ، وعلى مَرْوَ الرُّوذ والفارياب والطالَقان قيسَ بن الهيثم، وعلى
هَرَاةَ وباذ غيس وقادس وبوشتَنْج نافع بن خالد الطاحِىّ .
حدثنى عمر، قال : حدّثنا علىّ ، قال : حدّثنا مسلمة بن محارب وابن
أبى عمرو ؛ شيخ من الأزْد، أنّ زياداً عَتَب على نافع بن خالد الطاحىّ ،
فحبسه ، وكتب عليه كتابًا بمائة ألف، وقال بعضهم : ثمانمائة ألف ،
وكان سبب مَوْجِدته عليه أنه بعث بخُوان بازهر (١) قوائمه منه ، فأخذ نافع
قائمة ، وجعل مكانها(٢) قائمة من ذهب، وبعث بالخُوان إلى زياد مع غلام
٨٠/٢ لە يقال له زید ، کان قیّمه على أمره كله ،فسعى زيدٌ بنافع، وقال لزياد:
(١) ابن الأثير: ((باذذهر))
(٢) ط: ((مكانه)).
:

٢٢٥
سنة ٤٥
إنه قد خانك، وأخَذَ قائمةً من قوائم الخوان ، وجعل مكانها(١) قائمة من
ذهب، قال : فمشى رِجال من وُجوه الأزْد إلى زياد ، فيهم سَيْف بن وهب
المَعْوَلِىّ ، وكان شريفًا، وله يقول الشاعر :
اعْمِدْ بسَيْفِ للسماحة والنَّدَى واعْمِدْ بِصَبْرَةَ للفعال الأُعظمِ
قال : فدخلوا على زياد وهو يَسْتَاك، فتمثّل زيادٌ حين رآهم:
اذكر بنا مَوْقِفَ أَفْراسِنا بالحِنْوِ إذ أَنتَ إِلينا فَقِيرْ
قال: وأمّا الأزد فيقولون: بل تمثّل سيفُ بن وهب أبو طلحة المَعْوَلىّ
بهذا البيت حين دخل على زياد، فقال: نعم. قال : وإنما ذكّره أيَّام أجاره
صَبْرة ، فدعا زياد بالكتاب فمحاه بسواكه وأخرج نافعًا
حدثنى عمرُ بن شبّة، قال: حدّثنا علىّ، عن مَسلَمة، أنّ زياداً عزل
نافعَ بن خالد الطاحىّ وخُلَيد بن عبد الله الحنفىّ وأمَيْر بن أحمر اليشكُرىّ،
فاستعمل الحكم بن عمرو بن مجدّع (٢) بن حذيمَ بن الحارث بن نُعيلة بن
مُليك - ونُعيلة أخو غفار بن مُليك - ولكنهم قليل ، فصاروا إلى غفار .
قال مسلمة (٣): أمَرَ زيادٌ حاجبه فقال: ادعُ لى الحكم وهو يريد الحكم
ابنَ أبى العاص الثَّقَفىّ - فخرج الحاجبُ فرأى الحكم بن عمرو الغفارى
فأدخله، فقال: زيادٌ: رجل له شَرَف وله صحبةٌ (٤) من رسول الله(٥)
صلى الله عليه وسلم، فعَقَد له على خُراسان، ثم قال له: ما أردْتُك،
ولكنّ اللّه عزّ وجل" أرادَك
٨١/٢
حدّثنى عمر قال : حدثنا علىّ قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن الثَّقَفى
ومحمد بن الفضل(٦)، عن أبيه، أنّ زياداً لمّا ولى العراق" استعمل الحكم بن"
(١) ط: ((مكانه)).
(٢) س: ((مجلج))، ف: ((محدوج)).
(٣) ف: ((سلمة)).
(٤) ف: ((وصحبة)).
(٥) س: ((برسول الله)).
(٦) ط: ((الفضيل))، وانظر الفهرس.

٢٢٦
سنة ٤٥
عَمر و الغفارئَّ على خُراسان ، وجعل معه رجالا على كُوَرٍ ، وأمرهم بطاعته ،
فكانوا على جباية الخَراج، وهم أسلم بن زُرعة، وخُلَيد بن عبد الله الحنفىّ،
ونافع بنُ خالد الطاحىّ ، وربيعةُ بن عَسَل اليربوعىّ ، وأميرُ بن أحمر
اليشكرىّ ، وحاتمُ بن النعمان الباهلىّ ؛ فمات الحكم بن عمرو ، وكان قد
غزا طُخارِسْتان ، فغتم غنائم كثيرة ، واستخلف أنس بن أبى أناس بن
زُنَّم، وكان كَتّب إلى زياد: إنى قد رضيتُه لله وللمسلمين ولك، فقال
زياد: اللهمّ إنّ لا أرضاه لد ينك ولا للمسلمين ولا لِى. وكتب زيادٌ إلى
خُلَيد بنِ عبد الله الحنفىّ بولاية خُراسان، ثم بعث الربيعَ بنَ زياد الحارثىّ
إلى خُراسان فى خمسين ألفًا؛ من البصرة خمسة وعشرين ألفًا ، ومن الكوفة
خمسةً وعشرين ألفًا ، على أهلِ البصرة الربيع ، وعلى أهل الكُوفة عبدُ اللّه
ابن أبى عقيل ، وعلى الجماعة الرَّبيع بن زياد .
وقيل : حجّ بالناس فى هذه السنة مَرْوانُ بن الحكم وهو على المدينة ،
وكانت الولاة والعُمّال على الأمصار فى هذه السنة من تقدم ذكره قبل؛ المُغيرة
ابن شُعْبة على الكُوفة، وشُريح على القضاء(١) بها ، وزياد على البصرة ،
والعُمّال من قد سميَّت قبلُ .
وفى هذه السنة كان مَشتَى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بأرضِ الرُّوم .
(١) س: ((قضائها)).

٨٢/٢
ثم دخلت سنة ست وأربعین
ذ کر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك مَشتَّى مالك بن عبدالله (١) بأرضِ الرّوم، وقيل:
بل كان ذلك عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وقيل بل كان مالك بن هُبيرة
السّكوفیّ .
[ خبر انصراف عبد الرحمن بن خالد إلى حمص وهلا كه ]
وفيها انصرف عبدُالرحمن بن خالد بنِ الوليد من بلاد الرُّوم إلى حِمْص،
فدَسّ ابن أثال النَّصرانىّ إليه شَرْبَةٌ مسمومةً - فيما قيل- فشرِبِهَا فقتَلَتْه.
ذكر الخبر عن سبب هلاكه :
وكان السبب فى ذلك ما حدثنى عمر ، قال: حدثنى علىّ، عنَ مسلمة
ابن محارب ؛ أنّ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد كان قد عَظُمُ شأنُه بالشام ،
ومالَ إليه أهلُها ، لما كان عندهم من آثار أبيه خالد بن الوليد ، ولغنائه
عن المسلمين فى أرض الرُّوم وبأسِهُ ، حتى خافه معاويةُ ، وخشىَ على نفسه
منه، لميل الناس إليه، فأمر ابن أثال أن يحتالَ فى قتله، وضَمِن له إنْ هو
فعل ذلك أن يضع عنه خَرَاجته ما عاش، وأن يولِّيَّه جبايةَ خَرَّاج حِمْصَ،
فلمّا قدم عبد الرحمن بن خالد حِمْصَ منصرفًا من بلاد الروم دَسَ إليه
ابن أثال شربةً مسمومةً مع بعض مماليكه، فشَرِبها فمات بحِمْص ، فوقَّى
له معاويةُ بما ضَمِن له ، وولّه خراجَ حِمْص ، ووضع عنه خراجه .
قال : وقدم خالد بنُ عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المدينةَ ، فجلس
يوماً إلى عُرْوة بن الزُّبير، فسلم عليه ، فقال له عُروة: مَن أنت ؟ قال :
أنا خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ؛ فقال له عُرْوة: ما فعل ابن ٨٣/٢
أثال؟ فقام خالد من عنده ، وشخص متوجُّهًا إلى حمصَ ، ثم رَصَد بها
(١) ط: ((عبيد اللّه))، وانظر الفهرس.
٢٢٧

٢٢٨
سنة ٤٦
"ابنَ أثال، فرآه يومًا راكبًا، فاعترض له خالدُ بن عبد الرحمن، فضَرَبه
بالسيف، فقَتّله ، فرفع إلى معاوية ، فحبسه أيامًا ، وأغرَمَه ديته ، ولم
يقِدْهُ منه . ورجع خالدٌ إلى المدينة ، فلمّا رجع إليها أتَى عروةَ فسلم عليه،
فقال له عُرْوة : ما فعل ابن أثال ؟ فقال: قد كفيتُكَ ابنَ أثال ، ولكن
ما فَعَل ابن جُرْموز؟ فسكت عروةُ . وقال خالدُ بن عبد الرحمن حين
ضرب ابن أثال :
أَنا ابنُ سيْفِ الله فاعْرٍ فُونى
لم یبْقَ إِلا حَسَبی ودینی
وصارِمٌ صَلّ به يميني
[ ذكر خروج سهم والخطيم ]
وفيها خرج الخَطِيم وسهم بن غالب الهُجَيمىّ ، فحكّما ، وكان من
أمرهما ما حدّثنى به عمر، قال: حدّثنا علىّ، قال: لمّا وُلِىّ زياد خافه سهم
ابنُ غالب الهُجيمىّ والخطيم-وهو يزيد بن مالك الباهلىّ - فأما سهم فخرج
إلى الأهواز فأحدث وحكَم ، ثم رَجَع فاختفى وطلب الأمانَ، فلم يؤمّنه
زياد، وطلبه حتى أخذه وقَتّله وصلبه على بابه. وأما الخَطيم فإنّ زيادًا
سيّره إلى البحرين ، ثم أذن له فقدم، فقال له : الزّم مصرَك؛ وقال لمسلم
٨٤/٢ ابن عمرو: اضمنْه؛ فأبى وقال: إن بات عن بيته أعلمتُك. ثم أتاه مسلم
فقال: لم يبت الخَطيم الليلةَ فى بيته ، فأمر به فقُتل، وألقِى فى باهلة
وحجّ بالناس فى هذه السنة عُتْبةُ بن أبى سُفْيان. وكان العمّال والولاة
فيها العمّالَ والولاةَ فى السنة التى قبلها

ثم دخلت سنة سبع وأربعين
ذ کر الأحداث التی کانت فيها
ففيها کان مشتی مالك بن هُبیرة بأرض الروم ، ومشتی أبى عبد الرحمن
القينىّ بأنطاكية" .
[ذكر عزل عبد الله بن عمرو عن مصر وولاية ابن حُدَيَج]
وفيها عُزِل عبدُ اللّه بنُ عمرٍو بنِ العاص عن مصر ، وَوَلِيهَا معاويةُ
ابن حُدَيَج(١)، وسار - فيما ذكر الواقدىّ - فى المغرب، وكان عثمانيًّا.
قال : ومرّ به عبد الرحمن بن أبى بكر وقد جاء من الإسكندرية ، فقال له :
یا معاوية ، قد لعمرى أخذت من معاوية جزاءك، قتلت محمد بن أبى بكر
لأنْ تلىَ مصرَ ، فقد وليتها. قال : ما قتلتُ محمد بن أبى بكر إلا بما صنع
بعُثمان ؛ فقال عبد الرحمن : فلو كنتَ إِنما تطلب بدم عثمان لم تشرك معاوية
فيما صنع حيث صَنع عمرو بن العاص بالأشعرىّ ما صَنع، فوثبتَ أوّلَ
الناس فبايعته.
[ ذكر غزو الغَوْر ]
وقال بعضُ أهلِ السير: وفى هذه السنة وجّه زياد الحكم بن عمرو
الغفارىِّ إلى خُراسان أميرًا، فغزا جبالَ الغَور وفراونده ، فقهرهم بالسيف
عَنْوةَ ففتحها، وأصاب فيها مغانم "(٢) كثيرة وسبايا؛ وسأذكر من خَالَف
هذا القولَ بعدُ إنْ شاء اللّه تعالى.
٠ ٨٥/٢
وذكر قائل هذا القول أن الحكم بن عمرو قَفَل مِن غَزْوته هذه ،.
(١) ضبطه ابن الأثير ((بضم الحاء المهملة وفتح الدال المهملة وبالجيم)).
(٢) ف: ((غنائم)).
٢٢٩

٢٣٠
فمات بمرْوَ .
واختلفوا فيمن حجّ بالناس فى هذه السنة، فقال الواقدىّ: أقام الحجّ
فى هذه السنة عُتْبةُ بن أبى سُفْيان . وقال غيره : بل الذى حجّ فى هذه
السنة عَنْبسة بن أبى سُفْيان .
وكانت الوُلاة والعُمّال على الأمصار الذين ذكرت أنهم كانوا العمّال
والولاةَ فى السنة التى قبلها .

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين
ذکر الأحداث التى كانت فيها
وكان فيها مَشْتَى أبى عبد الرحمن القَيْنى أنطاكية ، وصائفة عبد الله.
ابن قيس الفزارىّ وغزوة(١) مالك بنِ هُبيرة السَّكونىّ البحر(٢)، وغزوة(١)
عُقبة بن عامر الجهنىّ بأهلِ مصرَ البحر (٢)، وبأهل المدينة ، وعلى أهل
المدينة المنذرُ بنُ الزّهير، وعلى جميعهم خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد.
وقال بعضهم : فيها وجّه زيادٌ غالبَ بن فَضالة الليْىّ على خُراسان ،
وكانت له صحبةٌ مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وحجّ بالناس فى هذه السنة مَرْوانُ بن الحكم فى قول عامة أهل السّير ،
وهو يتوقع العزلَ المَوْجِدة كانت من معاويةَ عليه، وارتجاعِه منه فَدَك ،
وقد كان وهبتها له .
وكانت ولاة الأمصار وعمّالُها فى هذه السنة الذين كانوا فى السنة التى
قبلَها .
(١) س: ((وغزاة)).
(٢) س: ((اليمن)).
٢٣١

٨٦/٢
ثم دخلت سنة تسع وأربعين
[ ذكر ما كان فيها من الأحداث]
فكان فيها مشتى مالك بن هبيرة السكون بأرض الروم
وفيها كانت غزوةُ فضالة بن عبيد جَرَبّة ، وشتا بجَرّبّة، وفتحتْ
على يديه ، وأصاب فيها سبْيًا كثيراً .
وفيها كانت صائفةُ عبد اللّه بن كُرْز البَجَلىّ.
وفيها كانت غزوة يزيد بن شَجَرَة الرّهاوىّ فى البحر ، فَشتَاً بأهل
الشأم .
وفيها كانت غزوةُ عقبةَ بن نافع البحر ، فشتا بأهلِ مصرَ .
وفيها كانت غزوةُ يزيد بن معاوية الرّوم حتى بلغ قُسْطَتطينيّة ، ومعه
ابن عباس وابن عمروابن الزّبير وأبو أيوب الأنصارىّ .
وفيها عَزَل معاويةُ مروان بن الحكم عن المدينة فى شهر ربيع الأول.
وأمَّرَ فيها سعيد بن العاص على المدينة فى شهر ربيع الآخر ؛ وقيل فى
شهر ربيع الأول .
وكانت ولايةُ مروانَ كلّها بالمدينة لمعاويةَ ثمان سنينَ وشهرين.
وكان على قضاء المدينة لمروان - فيما زعم الواقدىّ - حين عُزِل عبد الله بن
الحارث بن نوفل ، فلما ولى سعيد بن العاص عزلته عن القضاء ، واستقضى
أبا سَلّمة بن عبد الرّحمن بن عوف .
وقيل : فى هذه السنة وقع الطاعون بالكُوفة ، فهرب المغيرةُ بن شُعبة من
الطاعون ، فلما ارتفع الطاعون قيل له : لو رجعتَ إلى الكُوفة! فقدمها
فطُعِن فمات؛ وقد قيل : مات المغيرة سنة خمسين ، وضمّ معاويةُ الكوفة
إلى زياد ، فكان أوّل من جمع له الكُوفة والبصرة .
٢٣٢

سنة ٤٩
٢٣٣
٨٧/٢
وحجّ بالناس فى هذه السنة سعيد بن العاص .
وكانت الوُلاة والعُمّال فى هذه السنة الذين كانوا فى السنة التى قبلها ،
إلاّ عامل الكُوفة فإنّ فى تاريخ هلاك المُغيرة اختلافًا، فقال: بعض أهل
السّير: كان هلاكُه فى سنة تسع وأربعين؛ وقال بعضهم : فى سنة خمسين.

ثم دخلت سنة خمسین
ذکر ما كان فيها من الأحداث
ففيها كانت غزوة بُسر بن أبى أرطاةَ وسُفْيان بن عوف الأزدىّ أرضَ
الرُّوم .
وقيل : كانت فيها غَزْوة فضالة بن عبيد الأنصارىّ البحر .
[ ذكر وفاة المغيرة بن شعبة وولاية زياد الكوفة ]
وفيها - فى قول الواقدىّ والمدائنىّ - كانت وفاةُ المُغيرة بن شعبة. قال
محمد بن عمر : حدثنى محمد بن أبى موسى الثقفىّ، عن أبيه ، قال : كان
المغيرة بنُ شُعبةَ رجلاً طُوالا، مصابَ العَين، أصيب باليَرْمُوك ،
توفّىَ فى شعبان سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة .
وأما عَوانة فإنه قال - فيما حدّثت عن هشام بن محمد ، عنه :
هَلَك المغيرةُ سنة إحدى وخمسين .
وقال بعضهم : بل هلك سنة تسع وأربعين .
حدثنى عمرُ بن شبّة، قال: حدثنى علىّ بن محمد، قال : كان زيادٌ على
البصرة وأعمالها إلى سنة خمسين ، فمات المغيرة بنُ شعبةَ بالكُوفة وهو أميرُ ها،
فكتب معاويةُ إلى زياد بعَهْده على الكُوفة والبَصْرة ، فكان أوّل من جمع
له الكُوفة والبَصْرة، فاستخلف على البصرة سُرة بن جُنْدَب، وشَخَص
إلى الكُوفة ، فكان زياد يقيم ستة أشهر بالكُوفة، وستة أشهُر بالبَصْرة .
٨٨/٢
حدثنى عمر، قال: حدثنى علىّ، عن مسلمة بن محارب، قال : لما
مات المغيرة جُمِعت العراقُ لزياد، فأتى الكوفةَ فصَعِد المنبرَ، فحمد اللّهَ
وَأَثْنَى عليه، ثم قال: إن هذا الأمرَ أتانى وأنا بالبَصْرة، فأردت أن أشخص
٢٣٤

٢٣٥
سنة ٥٠
إليكم (١) فى ألفين من شُرْطة البَصْرة، ثمّ ذكرتُ أنكم أهلُ حقّ، وأنّ
حقكم طالما دَفَع الباطل، فأتيتُكم فى أهل بيتى ، فالحمد لله الذى رَفَعَ منى
ما وَضّع الناس، وحَفِظ منى ما ضَيَّعوا ... حتى فَرَغ من الخطبة، فحُصِب
على المنبر، فجلس حتى أمسكُوا، ثم دعا قومًا من خاصّته، وأمرهم(٢)،
فأخذوا أبوابَ المسجد ، ثم قال: ليأخذْ كلّ رجل منكم جليسه، ولا يقولن":
لا أدْرِى مَن جليسى ؟ ثم أمر بكرسىّ فوضع له على باب المسجد ، فدعاهم
أربعة أربعةً يحلفون باللّه ما مِنّا مَنْ حَصّبَك، فمن حَلَف خلاّه ، ومن
لم يحلف حبَسه وعَّزّله، حتى صار إلى ثلاثين، ويقال : بل كانوا ثمانين،
فقطّع أيديهم على المكان .
قال الشعبىّ: فوالله ما تعلَّقنا عليه بكذبة، وما وعدنا خيراً ولا شرًّا إلا
أنفَذَه .
حدّثنى عمر قال : حدّثنا علىّ ، عن سلمة بن عثمان ، قال : بلغنى
عن الشعبىّ أنه قال: أوّل رجل قَتلَه زيادٌ بالكوفة أوفى بن حصن، بلغه عنه
شىء فطلبه فهرب ، فعرض الناسَ زياد، فمرّ به، فقال: مَن هذا ؟ قالوا :
أوفى بن حصن الطائىّ؛ فقال زياد: أتتك بحائن رِجْلاه(٣)، فقال أوْفَى:
يَعْجَلُ والناسُ فِيهِمُ عَجَلُهْ
إِنَّ زيادًا أَبا المغيرة لا
خَوفَ الحَفافِيثِ صَولَةَ الأَصَلَهْ (٤) ٨٩/٢
خِفِتُكَ والله فاعْلَمْن حَلِفِى
يكنْ عليها لخِائِفِ وَأَلَهْ (٥)
فجِئْتُ إِذْ ضاقَتِ البلاد فَلم
قال: ما رأيك فى عثمان ؟ قال ختّن رسول الله صلى الله عليه وسلم على
ابنتيه ، ولم أنكِرِه ، ولى محصولُ رأى، قال: فما تقول فى معاوية ؟ قال :
(١) س: ((أن آتيكم)).
(٢) س: ((فأمرهم)).
(٣) مثل؛ وأوّل من قاله الحارث بن جبلة الغسانى قاله الحارث بن عيف العبدى؛ وقيل أول
من قاله عبيد بن الأبرص . وانظر الميدانى ١ : ١٤ .
(٤) الحفافيث: جمع حفاث؛ وهو حية ضخم عظيم الرأس أرقش أحمر، والأصلة جنس من
الحيات هو أخبثها .
(٥) الوألة بسكون الحمز وخففها الشعر : الملجأ .

٢٣٦
سنة ٥٠
جَوَاد حليم؛ قال: فما تقول فىَّ؟ قال: بلغنى أنك قلتَ بالبصرة: والله
لآخذنّ البرىء بالسقيم ، والمقبلَ بالمدبر؛ قال : قد قلتُ ذاك، قال :
خبطتَهَا عَشْواء(١)؛ قال زياد: ليس النفاخ بشَرُ الزَّمَرة، فقتلَه؛
فقال عبد اللّه بن همام السَّولى":
حين أَضْحَى فَرُوجَةَ الرَّفَاءِ
خَيِّبَ اللهُ سَعْىَ أَوفَى بنِ حِصنٍ
ثِ عَرِينٍ وَحَيَّةٍ صَمّاء
قادَهُ الحَيْنُ والشقاءُ إِلى لَيْـ
قال : ولما قدم زياد الكوفةَ أتاه ◌ُمَّارة بن عُقبة بن أبي معيط، فقال:
إنّ عمرو بن الحمق يجتمع إليه من شيعة أبى تُراب ، فقال له عمرو بن
حُرّيث : ما يدعوك إلى رفع ما لا تيقَّنُه ولا تدرى ما عاقبتُه! فقال زياد :
كلا كما لم يُصِب، أنت حيث تكلمنى فى هذا علانيةً وعمرو حِينَ يردُّك عن
كلامك ، قُوَمَا إلى عمرو بن الحمق فقولا له : ما هذه الزَّرافات التى تجتمع
عندك! مَن أرادك أو أردتَ كلامه(٢) ففى المسجد.
قال: ويقال: إنّ الذى رفع على عمرو بن الحمق وقال له: قد أنْفَل(٣)
المِصرَيْن، يزيد بن رُوَيْم ، فقال عمرو بن الحريث : ما كان قطّ أقبل
على ما يَنفَعه منه اليوم ؛ فقال زياد ليزيد بن رُوَيم : أما أنت فقد
أُشطْت(٤) بدمه، وأما عمرو فقد حقن دمه ، ولو علمت أن مخ ساقه قد سال
من بغضى ماهيجته حتى يخرج على .
واتخذ زيادٌ المقصورةَ حين حَصَبه(٥) أهل الكوفة
٩٠/٢
وولّى زياد حين شخص من البصرة إلى الكوفة سَمُرة بن جُنْدب .
فحدّثنى عمر ، قال : حدثنى إسحاق بن إدريس ، قال : حدثنى محمد
ابن سليم قال : سألت أنسَ بن سيرينَ : هل كان سُرة قَتَل أحداً ؟ قال :
(١) فى ابن الأثير: ((خبطتها خبط عشواء)).
(٢) س: ((وأراد كلامك)).
(٣) أنغل المصرين ، أى أندهم
(٤) أشعلت بدمه ، أى أهلكته
(٥) س: ((خصم))

٢٣٧
سنة ٥٠
وهل يُحصى من قَتَل سمرة بن جندب! استخلفَه زيادٌ على البصرة ،
وأتى (١) الكوفة ، فجاء وقد قتل ثمانية آلاف من الناس ، فقال له : هل
تخاف أن تكون قد قتلتَ أحداً بريئًا؟ قال: لوقتلتُ إليهم مثلهم ما خشيتُ.
أو كما قال.
حدثنى عمر ، قال : حدثنى موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا نوح بن
قيس ، عن أشعث الحُدّانىّ، عن أبى سوّار العدوىّ، قال: قتل سمرة من
قومى فى غداة سبعة وأربعين رجلاً قد جمع القرآن
حدثنى عمر، قال : حدثنى على بن محمد ، عن جعفر الصّدَفِى، عن
عوف ، قال : أقبل سَمُرة من المدينة ، فلما كان عند دور بنى أسد خرج
رجل من بعض أزقّتهم ، ففجأ أوائل الخيل ، فحمل عليه رجل من القوم
فَأوْجَرَه الحرْبَةَ. قال: ثم مضت الخيل، فأتّى عليه (٢) سمرة بن جندب،
وهو متشحِّط فى دمه ، فقال : ما هذا ؟ قيل : أصابتْه أوائلُ خيل الأمير ؛
قال : إذا سمعتم بنا قد ركبْنا فاتقوا أسنّتنا .
[ خروج قريب وزحاف ]
حد ثی عمر قال : حدثیزهير بن حرب، قال: حد ◌ّثنا وهب بن جرير،
قال : حدّثنا غسّان بن مضرّ ، عن سعيد بن زيد ، قال : خرج قَريب
وزحاف، وزياد بالكُوفة، وسمُرة بالبصرة، فخرجا(٣) ليلا، فنزلا (٤) بنى
يَشكر، وهم سبعون رجلا ، وذلك فى رمضان ، فأتوا بنى ضبيعة وهم سبعون
رجلاً ، فمرّوا بشيخ منهم يقال له حكّاك ، فقال حين رآهم : مرحباً
بأبى الشَّعْثاء! فرآه ابن حُصين (٥) فقتلوه، وتفرّقوا فى مساجد الأزْد، وأتت فرقة
٩١/٢٠٠
(٣) ط: ((فخرجنا).
(٢) س: ((فأتى على)).
(١) ف: ((فأتى)).
(٤) ط: ((فنزلنا)).
(٥) ط: ((حصن))؛ وانظر الفهرس.

٢٣٨
سنة ٥٠
منهم رَحْبَةَ بنى علىّ، وفرقة مسجدَ المعادل ، فخرج عليهم سيفُ بن
وَهْب فى أصحاب له، فقَتَل مَنْ أتاه، وخرج على قَريب وزحّاف
شَبَابٌ من بنى علىّ وشبابٌ من بنى راسب، فرمَوْهم بالنَّبل . قال قَريب :
هل فى القوم عبدُاللّه بنُ أوس الطاحىّ ؟ وكان يناضله ؛ قيل: نعم؛ قال :
فهلمّ إلى البراز ؛ فقتله عبدُاللّه وجاء برأسه، وأقبل زيادٌ من الكوفة فجعل
يؤذِّبه، ثم قال: يا معشر طاحِيةَ ، لولا أنكم أصبتم فى القوم لنفيتُكم إلى
السجن. قال: وكان قريب من إياد، وزحّاف من طَيِّئ، وكانا ابنىْ خالة،
وكانا أوّلَ من خرج بعد أهل النَّهر .
قال غسّان: سمعت سعيداً يقول: إنّ أبا بلال قال: قريب لاقرّبه اللّه،
وإيمُ اللّه لأن أقع من السماء أحب إلىّ من أن أصنع ما صنع - يعنى الاستعراض.
حدّثنی عمر، قال : حدثنا زهیر، قال: حدثنى وهب، قال: حدّثنی
أبى أن زياداً اشتدّ فى أمر الخرورية بعد قريب وزحّاف، فقتلهم وأمر ◌َسُرة
بذلك ، وكان يستخلفه على البصرة إذا خرج إلى الكوفة ، فقتل سُرة منهم
بَشَراً كثيراً .
حدثنى عمر، قال: حدّثنا أبو عبيدة ، قال: قال زياد يومئذ على المنبر :
يا أهل البصرة، واللّه لتكفُنِّى هؤلاء أو لأبْدأنّ بكم، والله لئن أفلتَ منهم
رجلٌ لا تأخذون العامَ من عطائكم درهماً، قال: فثار الناسُ بهم فقتلوهم .
[ ذكر إرادة معاوية نقل المنبر من المدينة ]
٩٢/٢
قال محمد بن عمر : وفى هذه السنة(١ أمر معاوية بمنبر رسول الله صلى الله
عليه وسلم (١)، أن يُحمَل إلى الشام، فحُرّك، فكُسفت الشمس حتى رُئِيت
النجوم باديةَ يومئذ، فأعظم الناس ذلك ، فقال: لم أرِدْ حمله، إنما خفت
أن يكون قد أرِضَ" (٢)، فنظرت إليه . ثم كساه يومئذ .
(١ - ١) س: ((أراد معاوية قلع منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم)).
(٢) يقال: أرضت الخشبة، فهى مأروضة، إذا وقعت فيها الأرضة وأكلتها. والأرضة:
دودة بيضاء شبه النملة تظهر فى أيام الربيع .

٢٣٩
سنة ٥٠
وذكر محمد بن عمرَ، أنه حدّثه بذلك خالد بن القاسم، عن شعيب بن
عمرو الأموىّ .
قال محمد بن عمر: حدثنى يحيى بن سعيد(١) بن دينار ، عن أبيه، قال:
قال معاوية: إنى رأيتُ أنّ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعصاه لا يتركَان
بالمدينة ، وهم قَتّلة أمير المؤمنين عثمان وأعداؤه ، فلمّا قدم طلب العصا وهى
عند سعد القَرَظ ، فجاءه أبو هريرة وجابرُ بن عبد اللّه، فقالا : يا أمير المؤمنين؛
نذكّرك اللهَ عزّ وجلّ أن تفعلَ هذا، فإنّ هذا لا يصلح، تُخرِج منبرّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع وضعه، وتُخرِج عصاه إلى الشأم؛
فانقل المسجد ؛ فأقصر وزاد فيه ستّ درجات ، فهو اليوم ثمانى درجات ،
واعتذر إلى الناس مما صنع .
قال محمد بن عمر : وحدّثنى سُويد بن عبد العزيز ، عن إسحاق بن
عبد الله بن أبى فَروة، عن أبان بن صالح ، عن قبيصة بن ذُؤَيب ، قال :
كان عبد الملك قدهمّ بالمنبر، فقال له قبيصة بن ذؤيب: أذكُرك اللهَ عزّ وجل"
أن تفعل هذا ، وأن تحوّله ! إنّ أمير المؤمنين معاوية حر كه فكسفت الشمس،
وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((من حلف على منبرى آثمًاً فليتبوّأ
مقعده من النار))، فتخرجه من المدينة وهو مقطع الحقوق بينهم بالمدينة !
فأقصر عبدُ الملك عن ذلك ، وكفّ عن أن يذكره. فلما كان الوليد وحجّ ٩٣/٢
همّ بذلك وقال: خبّرَانِى عنه، وما أرانى إلا سأفعل: فأرسل سعيد بن المسيِّب
إلى عمرَ بن عبد العزيز، فقال: كلِّم صاحبك يتّق الله عزّ وجلّ ولا يتعرّض
الله سبحانه ولسُخْطه، فكّمه عمربن عبد العزيز ، فأقصّر وكفّ عن ذكره ،
فلما حجّ سليمان بن عبد الملك أخبَرَه عمر بن عبد العزيز بما كان الوليد همّ به
وإرسال سعيد بن المسيّب إليه ، فقال سليمان : ما كنت أحبّ أن يذكر هذا
عن أمير المؤمنين عبد الملك ولا عن الوليد ، هذا مكابرة ، وما لنا ولهذا !
أخذنا الدنيا فهى فى أيدينا، ونريد أن نعمد إلى علم من أعلام الإسلام يوفّد
(١) ابن كثير: ((محمد بن سعيد)).

٢٤٠
إليه ، فنحمله إلى ما قبلنا! هذا ما لا يَصلُح .
#
وفيها عُزِلَ معاوية بن حُدَيْج عن مصرَ ووُلَّىَ مسلمة بن مخلّد مصر
وإفريقية، وكان معاوية بن أبى سفيان قد بعث قبل أن يولى مسلمة مصر
وإفريقية عُقْبةَ بن نافع القهرىّ إلى إفريقية، فافتتحها، واختطّ قَيْروانَها،
وكان موضعُه غَيْضةً - فيما زعم محمد بن عمر - لا تُرام من السباع والحيّات
وغير ذلك من الدّوابّ. فدعا الله عزّ وجلّ عليها فلم يَبقَ منها شىء إلا
خرج هاربًا ، حتى إنّ السباع كانت تحمل أولادها
قال محمد بن عمر : حدثنى موسى بن على ، عن أبيه ، قال : نادى
عُقبة بن نافع :
إنّا نازلونا فاظْعنوا عزِينا
فخرجن من جحرتهن هوارب .
قال : وحدثنى المفضّل بن فضالة ، عن زيد بن أبى حبيب ، عن رجل
من جند مصر، قال: قَد منا مع عُقْبة بن نافع، وهو أوّل الناس اختطّها
وأقطعها للناس مساكن ودوراً، وبنى مسجدها . فأقمْنا معه حتى عُزل ،
وهو خير وال وخير أمير .
ثم عَزّل معاويةُ فى هذه السنة - أعنى سنة خمسين ـ معاوية بن حُدَيج
عن مصر، وعُقْبة بن نافع عن إفريقية، وولى مسلمة بن مخلّد مصر والمغرب
كلّه، فهو أوّل من جُمع له المغرب كله ومصر وبَرْقة وإفريقية وطرابلس،
فولى مسلمة بن مخلّد مولّى له يقال له : أبو المهاجر أفريقية ، وعزل عُقبة
ابن نافع، وكشفه عن أشياءَ ، فلم يزل واليًا على مصر والمغرب،
وأبو المهاجر على إفريقية من قبله حتى هلك معاوية بن أبى سُفْیان
وفى هذه السنة مات أبو موسى الأشعرىّ ، وقد قيل : کانت وفاة أبىموسى
سنة اثنتين وخمسين
واختُلِف فيمن حجّ بالناس فى هذه السنة ، فقال بعضهم : حجّ بهم
معاوية ، وقال بعضهم : بل حجّ بهم ابنه يزيد ، وكان الوالى فى هذه السنة
٩٤/٢