Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
سنة ٣٧
على نُصْرتك ، والجدّ فى جهاد عدوّك، فأَبْشِرِ بالنصر، وسِرْ بنا إلى أىّ
الفريقين أحببت ، فإنّا شيعتك الذين نرجو فى طاعتك وجهاد من خالَفَك
صالحَ الثواب ، ونَخاف فى خذلانك والتخلّف عنك شدّةَ الوبال.
حدّثنى يعقوب ، قال : حدثنى إسماعيل ، قال : أخبرنا أيُّوب ، عن
حُميد بن هلال ، عن رجل من عبد القيس كان من الخوارج ثم فارقهم ،
قال : دخلوا قريةً، فخرج عبدالله بن خبّاب صاحب رسول الله ذَعِراً يجرّ
رداءه، فقالوا: لمَ تُرَعْ؟ فقال: والله لقد ذَعَرْ تمونى! قالوا : أ أنت
عبد الله بن خبّاب صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: نعم ؛ قالوا :
فهل سمعتَ من أبيك حديثًا يحدّث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
ذكر فتنةً، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشى، والماشى فيها
خير من الساعى ؟ قال: فإن أدركتم ذلك فكن يا عبد اللّه المقتول - قال
أيوب: ولا أعلمه إلا قال: ((ولا تكن يا عبد الله القاتل)) - قال: نعم ؛ قال :
فقدّموه على ضِفّة النهر ، فضربوا عنقه، فسال دمُه كأنه شراكُ نعل، وبَقَروا
بطنَ أمّ ولده عمّا فى بطنها .
قال أبو مخنف عن عطاء بن عجلان ، عن حُميد بن هلال : إنّ
الخارجة التى أقبلتْ من البصرة جاءت حتى دنتْ من إخوانها بالنَّهر، فخرجتْ
عصابة منهم ، فإذا هم برجل يسوق بامرأة على حمار ، فعبروا إليه ، فدعوه
فتهدّ دوه وأفزعوه ، وقالوا له : من أنت ؟ قال : أنا عبد الله بن خبّاب صاحبُ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أهوى إلى ثوبه يتناوله من الأرض - وكان
سقط عنه لما أفزعوه - فقالوا له : أفزعناك ؟ قال : نعم ؛ قالوا له : لا رَوْع
عليك! فحدّثنا عن أبيك بحديث سمعتَه من النبيّ صلى الله عليه وسلم، لعلّ"
اللّه ينفعنا به! قال: حدثنى أبى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ((أنّ فتنة"
تكون، يموت فيها قلبُ الرجل كما يموتُ فيها بدنُه ، يمسِى فيها مؤمنًا ويصبحُ
فيها كافراً ، ويصبح فيها كافراً ويمسى فيها مؤمنًا))، فقالوا : لهذا الحديث
سألناك، [فما تقول فى أبى بكر وعمر؟ فأثَنَى عليهما خيراً، قالوا : ما تقول
٣٣٧٤/١

٨٢
سنة٣٨
فى عثمانَ فى أوّل خلافته وفى آخرِها ؟ قال : إنه كان محقًّا فى أولها وفى
آخرها؛ قالوا : فما تقول فى علىّ قبل التحكيم وبعده؟ قال: إنه أعلم بالله
منكم، وأشدَ تَوَقِّيًا على دينه، وأنفَذُ بصيرةً". فقالوا: إنك تتّبع الهوى، وتُوالِى
الرّجال على أسمائها لا على أفعالها](١)، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحداً،
فأخذوه فکتفوه ثم أقبلوا به وبامراته وهی حُبلى مُتِم (٢)حتى نزلوا تحت نَخْل
٣٣٧٥/١
مَوَاقر (٣)، فسقطتْ منه رطبةٌ، فأخذها أحدهم فقذف بها فى فمه ، فقال
أحدهم: بغير حِلُّها، وبغير ثمن ! فَلفظها وألقاها من فمه ، ثم أخذ سيفه
فأخذ يمينه، فمرّ به خنزير لأهل الذمة فضربه بسيفه ، فقالوا : هذا فسادٌ
فى الأرض ، فأتى صاحبَ الخنزير فأرضاه من خنزيره ، فلما رأى ذلك منهم
ابن خبّاب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علىَّ منكم بأس، إنى لتمُسلِم؛
ما أحدثتُ فى الإسلام حدَثًا، ولقد أمنتمونى ، قلتم : لا رَوْع عليك!
فجاءوا به فأضجعوه فذبحوه، وسالَ دمه فى الماء، وأقبلوا إلى المرأة ،
فقالت : إنىّ إنما أنا امرأة، ألّا تتقون اللّه! فبَقَروا بطنتها، وقَتَلوا ثلاث
نسوة من طيٌّّ ، وقتلوا أمَّ سنان الصّيداويّة، فبلغ ذلك عليًّا ومن معه من
المسلمين من قتلهم عبد الله بن خبّاب، واعتراضهم الناس ، فبعث إليهم
الحارث بن مرّة العبدىّ ليأتيتهم فينظر فيما بلغه عنهم ، ویکتب به إليه على
وجهه ، ولا يكتمه . فخرج حتى انتهى إلى النهر ليُسائلهم، فخرج القومُ
إليه فقتلوه ، وأتى الخبرُ أميرَ المؤمنين والناس ، فقام إليه الناس ، فقالوا :
يا أميرَ المؤمنين، عَلاَم تَدَع هؤلاء وراءنا يخلفوننا فى أموالنا وعيالنا! سِر
بنا إلى القوم فإذا فرغنا مما بيننا وبينهم سِرْنا إلى عدوّنا من أهل الشأم
وقام إليه الأشعث بن قيس الكندىّ فكلّمه بمثل ذلك ، وكان الناس
يتَرَوْن أن الأشعث يَرَى رأيتهم لأنه كان يقول يومَ صِفّين: أنصفنا
قوم يدعون إلى كتاب الله، فلما أمر عليًّا بالمسير إليهم علم الناس
٣٣٧٦/١ أنه لم يكن يرى رأيهم. فأجمع على ذلك ، فنادى بالرحيل
(١) ما بين العلامتين زيادة من ابن الأثير والنويرى.
(٢) يقال: امرأة متم ، الحامل إذا شارفت الوضع .
(٣) أوقرت النخلة؛ إذا كثر حملها، وخلة موقر والجمع مواقر.

٨٣
سنة ٣٧
وخرج فعَبَر الجسر فصلّى ركعتين بالقنطرة ، ثم نزل ديرَ عبد الرحمن ، ثم
دير أبى موسى ، ثم أخذ على قرية شاهى ، ثم على دَباها ، ثم على شاطئ
الفرات ، فلقيه فى مسيره ذلك منجتم، أشار عليه بسير (١) وقت من النهار، وقال
له : إن سرتَ فى غير ذلك الوقت لقيت أنت وأصحابك ضرّاً شديداً. فخالفه،
وسار فى الوقت الذى نهاه عن السير فيه ، فلما فرغ من النهر حمد الله وأثنى
عليه ثم قال : لو سرنا فى الساعة التى أمرنا بها المنجّ لقال الجهّال الذين لا
يعلمون : سار فى الساعة التى أمره بها المنجم فظفر .
قال أبو مخنف : حدثنى يوسف بن يزيد ، عن عبد الله بن عوف ،
قال : لما أراد علىّ المسيرَ إلى أهل النهر من الأنبار ، قدّم قيس بن سعد بن
عُبادة وأمره أن يأتى المدائنَ فينزلتها حتى يأمرَه بأمره ، ثم جاء مقبِلا إليهم ،
ووافاه قيس وسعد بن مسعود الثقفىّ بالنّهر، وبعث إلى أهل النّهر: ادفعوا
إلينا قَتَلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا تارككم وكافٌّ عنكم حتى ألقى
أهلَ الشأم ؛ فلعلّ اللّه يقلّب قلوبكم، ويردّكم إلى خير مما أنتم عليه من
أمركم. فبعثوا إليه، فقالوا: كلنا قَتَلَتُهُم، وكلنا نستحلّ دماءهم
ودماء
قال أبو مخنف: فحدّثنى الحارث بن حصيرة، عن عبدالرحمن بن عبيد (٢) ٣٣٧٧/١
أبى الكنود ، أن قيس بن سعد بن عبادة قال لهم : عباد اللّه ، أخرجوا إلينا
طَلِبَتَنَا منكم، وادخلوا فى هذا الأمر الذى منه خرجتم ، وعودوا بنا إلى قتال
عدوّنا وعدوكم ، فإنكم ركبتُ عظيماً من الأمر ، تشهدون علينا بالشِّرْك ،
والشَّرْك ظلمٌ عظيم ، وتسفكون دماء المسلمين، وتعدّونهم مشركين ! فقال
عبد الله بن شجرة السُّلّمىّ: إنّ الحقّ قد أضاء لنا، فلسنا نتابعكم (٣) أو تأتونا
بمثل عمر ، فقال : ما نعلمه فينا غير صاحبنا ، فهل تعلمونه فيكم ؟ وقال :
نشدتكم بالله فى أنفسكم أن تُهلكوها، فإنىّ لأرى الفتنة قد غلبتْ عليكم !
(١) ابن الأثير: ((أن يسير)»
(٢) ساقطة من ط .
(٣) ابن الأثير: ((متابعيكم

٨٤
سنة ٣٧
وخطبهم أبو أيُّوب خالد بن زيد الأنصارىّ؛ فقال: عبادَ الله، إنّا
وإيّاكم على الحال الأولى التى كنا عليها ، ليست بيننا وبينكم فُرْقة ، فعلام
تقاتلوننا ؟ فقالوا: إنا لو بايعناكم اليوم حكمتم غداً. قال: فإنِّ أنشُدكم
اللّه أن تعجّلوا فتنة العام مخافة ما يأتى فى قابل .
قال أبو مخنف : حدثنى مالك بن أعين ، عن زيد بن وهب ، أن
عليًّا أتى أهلَ النّهر فوقف عليهم فقال: أيّتها العصابة التى أخرجَتْها عداوةُ
المِراء واللَّجاجة، وصدّها عن الحقّ الهَوَى، وطمح بها النَّزَق، وأصبحتْ
٣٣٧٨/١ فى اللّبس والخْطب العظيم، إنى نذيرٌ لكم أن تُصبحوا تُلفيكم الأمّة غداً
صَرْعَتى بأثناءٍ هذا النّهر ، وبأهضام هذا الغائط، بغير بيّنة من ربكم، ولا
برهان بيِّن. ألم تعلموا أنىّ نهيتكم عن الحكومة ، وأخبرتكم أنّ طلب القوم
إيّاها منكم دَهْن ومكيدة لكم! ونبأتكم أن القوم ليسوا بأصحابٍ دين ولا قرآن ،
وأنى أعرَفُ بهم منكم ، عرفتُهم أطفالا ورجالا ، فهم أهلُ المكر والغَدْرِ،
وأنكم إن فارقتم رأيى جانبتم الجزم! فعصيتمونى، حتى أقررت بأن حَكَّمْتُ،
فلما فعلت شرطت واستوثقت ، فأخذت على الحكمين أن يُحِييا ما أحيا
القرآن ، وأن يُميتًا ما أماتَ القرآن ، فاختَلَفا وخالَفًا حكم الكتاب والسنة ،
فنبذنا أمرهما ، ونحن على أمرنا الأوّل ، فما الذى بكم ؟ ومن أين أتيتم ! قالوا :
إنا حكّمنا، فلمّا حكَّمنا أثمنا، وكنا بذلك كافرين ، وقد تُبْنا فإن تبتَ
كما تبنا فنحنُ منك ومعك، وإن أبيتَ فاعتزِلْنا فإنا منابِذُك على سَوَاء
إن الله لا يحبّ الخائنين. فقال على": أصابكم حاصب، ولا بقى منكم وابر(١)!
ابعد إیمانی برسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتی معه ، وجهادی فی سبیل
اللّه، أشهد على نفسى بالكُفر! لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين . ثم
انصرف عنهم .
قال أبو مخنف: حدّثنى أبو سَلَمة الزُّهرىّ- وكانت أمّه بنت أنس
ابن مالك - أنّ عليًّا قال لأهل النّهر: يا هؤلاء، إنّ أنفسكم قد سوّلت
(١) يقال: ما بالدار وابر ؛ أى ما بها أحد.

٨٥
سنة ٣٧
٣٣٧٩/١
لكم فراقَ هذه الحكومة التى أنتم ابتدأتموها وسألتموها وأنا لها كارهٌ ، وأنبأتكم
أنّ القوم سألوكُمُوها مكيدةً ودَّهنًاً(١)، فأبيتم علىَّ إباءَ المخالِفِين ، وعدلتم
عنّى عدولَ النّكّداء العاصين ، حتى صرفت رأيى إلى رأيكم؛ وأنتم واللّه معاشر
أخفَّاء الهام، سُفتهاء الأحلام، فلم آتٍ- لا أبا لكم .. حرامًا. والله ما خبلتُكم
عن أموركم، ولا أخفيتُ شيئًا من هذا الأمر عنكم ، ولا أوطأتكم عَشْوة ،
ولا دَنّيتُ لكم الضَّرّاء ، وإن كان أمرُنا لأمرِ المسلمين ظاهراً ؛ فأجمَعَ
رأىُ مَلَئِكم على أن اختاروا رجلين ، فأخذْنا عليهما أن يحكما بما فى
القرآن ولا يَعدُواه، فَتَها وتركا الحقَّ وهما يُبصرانه ، وكان الجوْر
هَواهما، وقد سبق استيثاقُنا عليهما فى الحكم بالعدل، والصدّ للحِقّ سوء"(٢)
رأيهما ، وجَوْر حكمهما . والثقة فى أيدينا لأنفسنا حين خالفا سبيل الحق ،
وأتيا بما لا يعرف ؛ فبينوا لنا بماذا تستحلّون قتالنا، والخروج من(٣) جماعتنا؛
إن اختار الناس رجلين أن تضعوا أسيافتكم على عواتقكم ، ثم تستعرضوا الناس ،
تضربون رقابتهم ، وتَسفيكون دماءهم! إنّ هذا لهو الخسران المبين . والله
لو قتلتم على هذا دجاجة لَعَظُم عند اللّه قتلها، فكيف بالنفس التى قَتْلُها
عند الله حرامٌ !
فتنادوا: لا تُخاطبوهم، ولا تكلّموهم، وتهيئوا للقاء الربّ، الرّواحَ الرّواحَ ٣٣٨٠/١
إلى الجنّة! فخرج علىَّ فعبّأ الناس ، فجعل على ميمنته حُجْر بن عدىّ ،
وعلى ميسرته شَبَت بن رِبْعِىّ - أو معقل بن قيس الرّياحىّ - وعلى الخيل
أبا أيوب الأنصارىّ، وعلى الرّجالة أبا قتادة الأنصارىّ، وعلى أهل المدينة
- وهم سبعمائة أو ثمانمائة رجل - قيس بن سعد بن عبادة .
قال : وعبّأت الخوارج، فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حُصَين الطائىّ،
وعلى الميسرة شُريح بن أوفى العبسىّ، وعلى خيلهم حمزة بن سنان الأسدىّ،
وعلى الرّجالة حُرقوص بن زُهير السعدى.
(١) دهناً: خداعاً، وفى ابن الأثير: ((ووهناً)).
(٢) ط: ((بسوء))، والصواب ما أثبته من نهج البلاغة ١ : ٤٢٢ ..
(٣) ابن الأثير: ((عن جماعتنا)) ..

٨٦
سنة ٣٧
قال : وبعث علىّ الأسود بن يزيد المُرادىّ فى ألفى فارس ، حتى
أتى حمزة بن سنان وهو فى ثلثمائة فارس من خيلهم ، ورفع علىّ رابةَ أمان مع
أبى أيوب، فناداهم أبو أيوب: مَن جاء هذه الرّاية منكم ممن لم يقتل ولم يستعرض
فهو آمن؛ ومَن انصرف منكم إلى الكُوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه
الجماعة فهو آمن ؛ إنّه لا حاجة لنا بعد أن نصيب قتلةَ إخواننا منكم فى
سفك دمائكم. فقال فَرْوة بن نوفل الأشجعىّ : والله ما أدرى على أىّ شىءٍ
نقاتل عليًّا! لاأرى إلا أن أنْصرف حتى تنفذ لى بصيرتى فى قتاله أو اتباعه.
وانصرف فى خمسمائة فارس ، حتى نزل البند نيجيْن والدّسْكرة، وخرجت
طائفةٌ أخرى متفرّقين فنزلت الكوفة ، وخرج إلى علىّ منهم نحو من مائة ،
وكانوا أربعة آلاف ، فكان الذين بقُوا مع عبد اللّه بن وهب منهم ألفين
وثمانمائة ، وزحفوا إلى علىّ، وقدّم علىّ الخيلَ دون الرجال ، وصفّ الناس
وراء الخيل صَفّين، وصّفّ المرامية أمامَ الصفّ الأوّل ، وقال لأصحابه:
کفّوا عنھمحییبدءو کم، فإنهم لو قد شدّوا علیکم- وجُلّهمرجال- لم ينتهوا
إليكم إلا لاغبين وأنتم رادّون حامُون. وأقبلت الخوارج، فلما أن دوا
من الناس نادَوا يزيد بن قيس ، فكان يزيد بن قيس على إصبهان . فقالوا :
يا يزيد بن قيس ، لا حُكْمَ إلاّ اللّه، وإن كرهتْ إصبهان! فناداهم عباس
ابن شريك وقبيصة بن ضُبيعة العبسيّان: يا أعداء الله، أليس فيكم شُرَيح
ابن أوفى المسرِف على نفسه؟ هل أنتم إلا أشباهه ! قالوا: وما حجّتكم على
رجل كانت فيه فتنة، وفينا توبة! ثمّ تنادَوا: الرّواحَ الرّواحَ إلى الجنّة!
فشَدّوا على الناس والخيل أمام الرجال ، فلم تثبت خيل المسلمين لشدّتهم ،
وافترقتْ الخيل فرقتين : فرقة نحو الميمنة ، وأخرى نحو الميسرة ، وأقبلوا نحو
الرجال ، فاستقبلتْ المرامية وجوههم بالنّبْل، وعطفتْ عليهم الخيل من الميمنة
والميسرة، ونهض إليهم الرّجال بالرّماح والسيوف، فوالله ما لَبِّئوهم أن أناموهم.
ثم إنّ حمزة بن سنان صاحبَ خيلهم لما رأى الهلاك نادى أصحابه أن
انزلوا ، فذهبوا لينزلوا فلم يتقارّوا حتى حمل عليهم الأسود بن قيس المرادىّ ،
وجاءتهم الخيل من نحو علىّ ، فأهمدوا فى الساعة .
٣٣٨١/١

٨٧
سنة ٣٧
٢٣٨٢/١
قال أبو مخنف : فحدّثنى عبد الملك بن مسلم بن سلام بن ثمامة الحنفىّ،
عن حكيم بن سعد ، قال : ما هو إلاّ أنْ لقينا أهل البصرة، فما لبثناهم،
فكأنما قيل لهم : موتوا ؛ فماتوا قبل أن تشتدّ شوكتهم ، وتعظمَ نكايتُهم .
قال أبو مخنف : فحدّثنى أبو جناب؛ أن أبا أيّوبَ أتى عليًا، فقال:
يا أمير المؤمنين ، قتلتُ زيدَ بن حُصين، قال : فما قلتَ له وما قال لك ؟
قال : طعنتُه بالرّمح فى صدره حتى نجمَ من ظهره ؛ قال : وقلتُ له : أبشر
يا عدوّ اللّه بالنار! قال: ستعلم أيُّنا أولَى بِها صِليًّا؛ فسكت علىّ عليها.
قال أبو مخنف، عن أبى جَناب: إنّ عليًّا قال له: هو أوْلى لها صليًّا
قال : وجاء عائذ بن حملة التميمىّ، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قتلتُ كلاباً ،
قال: أحسنت! أنت محقّ قتلتَ مُبطلا. وجاء هانئ بن خطاب الأرْحَىّ
وزياد بن خَصَّفة يحتجّان فى قتل عبد الله بن وهب الراسبىّ ، فقال لهما :
كيف صنعتها ؟ فقالا : يا أمير المؤمنين، لما رأيناه عرفناه، وابتدرناه فطعنّاه
برمْحَيْنا، فقال علىّ : لا تختلفا ، كلاكما قاتِل . وشدّ جيش بن ربيعة
أبو المعتمر الكنانىّ على حُرُقوص بن زهير فقتله، وشدّ عبد اللّه بن زَحْر
الْخَوْلانىّ على عبد الله بن شَجرَة السُّلُمِىّ فقتله، ووقع شُريح بن أوفَى
إلى جانب جدار، فقاتل على ثُلْمة فيه طويلا من نَهار، وكان قَتَّل ثلاثة
من هَمْدان ، فأخذ يرتجز ويقول :
ناعِمَةٌ فى أَهَلِها مَكْفِيَّهْ
قد عَلِمَتْ جَارِيَةٌ عَبْسِيَّةْ
أَنِّى سَأَحْمِى ثُلْمَتِى العَشِيَّة»
٠
٣٣٨٣/١
فشدّ عليه قيسُ بن معاوية الدُّهِىّ فقطع رجلته ، فجعل يقاتلهم ،
ويقول :
· القَرْمُ يَحْمَى شَوْلَهُ مَعْقولًا»
ثم شدّ عليه قيس بن معاوية فقتله ، فقال الناس :
اقْتَتَلُوا مِنْ غُدْوة حتى الأَصُلْ
اقتَتَلَتْ هَمْدَانُ يَوْمًا ورَجُلْ

٨٨
سنة ٣٧
* فَفتحَ اللهُ لَهِمْدَانَ الرَّجُلْ
وقال شُريح :
ضَرَبْتُهُ بالسيفِ حِی بَطْمَئِنِّ
أَضْرِبُهُمْ وَلَوْ أَرَى أَبا حَسَنْ
وقال :
أَلْبَسْتُهُ أَبْيَضَ مَشْرَفِيًّا
أَضْرِبُهُمْ ولو أَرَى عَلِيًّا
قال أبو مخنف : حدثنى عبد الملك بن أبى حرّة ، أنّ عليًّاً خرج فى
طلب ذى الثُّدَيَّة ومعه سليمان (١) بن ثُمامة الحنفىّ أبو جَبْرة، والرّيان بن صبرة
ابن مَوْذة ، فوجده الريان بن صبرة بن هَوْذة فى حُفْرة على شاطئ النهر
فى أربعين أو خمسين قتيلاً . قال: فلما استُخرِج نظر إلى عَضُدِه ، فإذا
لحم مجتمع على منكبه كثّدى المرأة، له حَلَمة عليها شَعَرَات سُود، فإذا
مُدّت امتدّت حتى تحاذى طول يده الأخرى، ثم تُترك فتعود إلى منكبه
كثدى المرأة، فلما استُخرِج قال على: الله أكبر! والله ماكذَبتُ ولاكذبت،
أما والله لولا أن تنکلوا عن العمل، لأخبرتُكم بما قضی الله علی لسان نبيه صلى
اللّه عليه وسلم لمن قاتلهم مستبصراً فى قتالهم ، عارفًا للحقّ الذى نحن عليه.
قال : ثم مرَّ وهم صرعتى فقال: بؤسًا لكم! لقد ضرّكم مَن غرّكم؛ فقالوا:
يا أمير المؤمنين، من غرّهم؟ قال: الشيطان، وأنفسٌ بالسوء أمارة ، غرّتهم
بالآمانىّ، وزّينتْ لهم المعاصى، ونبّآتهم أنهم ظاهرون. قال: وطلِب مَن به
رَمَقَ منهم فوجدناهم أربعمائة رجل ، فأمر بهم على قدُ فِعوا إلى عشائرهم ،
وقال: احملوهم معكم فداوُوهم ، فإذا بترِئوا فوافُوا بهم الكوفة ، وخذوا ما فى
عسكرهم من شىء .
قال: وأما السلاح والدّوابّ وما شهدوا به عليه الحرب فقسَّمه بين
المسلمين ، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم ردّه على أهله .
وطلب عدىّ بن حاتم ابنه طَرفة فوجده ، فدَفَنه ، ثم قال : الحمد لله الذى
ابتلانى بيومك على حاجتى إليك . ودَفَن رجالٌ من الناس قَتْلاهم ،
(١) ابن الأثير: ((سليم)).
٣٣٨٤/١

٨٩
سنة ٣٧
فقال أمير المؤمنين حين بلغه ذلك : ارتحلوا إذاً ، أتقتلونهم ثم تدفنونهم!
فارتحل الناس .
قال أبو مخنف عن مجاهد ، عن المحلّ بن خليفة : أنّ رجلا منهم
من بنى سدوس يقال له العَيْزار بن الأخنس كان يرى رأى الخوارج، خرج
إليهم ، فاستقبل وراء المدائن عدىّ بن حاتم ومعه الأسود بن قيس والأسود بن
يزيد المُرادِيّان ، فقال له العيزار حين استقبلَه: أسالمٌ غانم، أم ظالمٌ آثم؟
فقال عدىّ: لا ، بل سالمٌ غانم ، فقال له المرادّيان: ما قلت هذا إلا لشرّ
فى نفسك ، وإنك لنعرفك يا عَيزار برأى القوم، فلا تفارقنا حتى نذهب بك
إلى أمير المؤمنين فنخبرَه خبرك. فلم يكن بأوشَكَ أن جاء علىّ فأخبراه خبره،
وقالا : يا أميرَ المؤمنين، إنه يرى رأىَ القوم، قد عرفناه بذلك، فقال : ما
يحلّ لنا دمه ، ولكنا نحبسه ، فقال عدىّ بن حاتم: يا أميرَ المؤمنين ، ادفَعْه
إلىّ وأنا أضمن ألّا يأتيَك مِن قبله مكروه. فد ◌َفَعه إليه .
٣٣٨٥/١
قال أبو مخنف : حدثنى عمران بن حُدير ، عن أبى مِجْلز ، عن
عبد الرحمن بن جندب بن عبد اللّه، أنه لم يقتَل من أصحاب علىّ إلا سبعة.
قال أبو مخنف، عن ◌ُنُمَيْر بن وَعْلة اليناعىّ(١)، عن أبى دَرْداء، قال:
كان علىّ لما فرغ من أهل النهروان حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ الله
قد أحسَن بكم ، وأعزّ نصركم، فتوجّهوا من فَوْركم هذا إلى عدوّ كم . قالوا :
يا أمير المؤمنين، نفدَتْ نبالُنا، وكتَلّت سيوفُنا، ونصَلَتْ أسنّة رماحِنا ،
وعاد أكثرها قِصّدًا(٢)، فارجع إلى مصرنا، فلنستعدّ بأحسن عدّتنا،
ولعلّ أمير المؤمنين يزيد فى عُدَّتنا عُدّة من هلك منا، فإنه أوفى (٣) لنا على
عدّونا . وكان الذى تولى ذلك الكلام الأشعث بن قيس ، فأقبل حتى نزل
النُّخيلة، فأمر الناس أن يلزموا عسكرَهم، ويوطّنوا على الجهاد أنفستهم، وأن
يُقلّوا زيارةَ نسائهم وأبنائهم حتَّى يسيروا إلى عدوّهم، فأقاموا فيه أيامًا ، ثم
(١) ط: ((الساعى))، وانظر المشتبه: ١٠٥
(٢) قصداً؛ أى قطعاً منكسرة؛ الواحدة قصدة. (٣) ابن الأثير والنويرى: ((أقوى)).

سنة ٣٧
تسلّلوا من معسكرهم، فدخلوا إلا رجالا من وجوه الناس قليلاً ، وتُرك العسكر
خاليًا ، فلما رأى ذلك دخل الكوفة ، وانكسر عليه رأيُه فى المسير.
٣٣٨٦/١
قال أبو مخنف عمّن ذكره ، عن زيد بن وهب: إنّ عليًا قال للناس -
وهو أوّل كلام قاله لهم بعد النّهر :
أيّها الناس، استعدّوا للمسير إلى عدوّ(١) فى جهاده القُربة إلى الله ودرّك
الوسيلة عنده. حيارى فى الحقّ، جُفاة عن الكتاب ، نُكُبٌ عن الدّين،
يَعْمَهون فى الطّغيان، ويُعْكَسون فى غَمْرة الضلال، فأعدّوا لهم ما استطعتم
من قوّة ومن رباط الخيل، وتوكلوا على الله، وكفى بالله وكيلا، وكفى بالله
نصيراً !
قال : فلا هم نفروا ولا تيستروا ، فتركهم أيامًا حتى إذا أيس من
أن يفعلوا، دعا رؤساءهم ووجوهتهم، فسألهم عن رأيهم، وما الذى يُنظرهم (٢)،
فمنهم المعتلّ، ومنهم المكرّة ، وأقلّهم من نَشِط . فقام فيهم خطيبًا ،
فقال :
عبادَ اللّه، ما لكم إذا أمرتُكم أن تنفِرِوا اثاقلتم إلى الأرض ! أرضيتم
بالحياة الدنيا من الآخرة، وبالذّل والهوان من العِزّ! أوّ كلّما ندبتُكم إلى
الجهاد دارت أعينُكم كأنكم من الموت فى سكْرة، وكأنّ قلوبكم مألوسة(٣)
فأنتم لا تعقلون! وكأن أبصاركم كُمْه فأنتم لا تُبصِرون. لله أنتم! ما أنتم
إلا أسُود الشرَى فى الدَّعة، وثعالبُ رَوّاغة حين تُدْعَوْن إلى البأس .
ما أنتم لِى بثقة سَجيسَ الليالى(٤)، ما أنتم برَكْب يُصالُ بكم، ولا ذى عِزّ
يُعتصَم إليه. لَعمرُ الله، لبئس حُشَّاش الحرب أنتم (٥) ! إنكم تُكادون
ولا تتكيدون، ويتنقص أطرافكم ولا تتحاشون، ولا يُنام عنكم وأنتم فى غفلة
ساهون؛ إن أخا الحرب اليَقْظان ذو عقل، وبات لذلّ مَن وادَع، وغلب
المتجادلون ، والمغلوب مقهور ومسلوب . ثم قال : أما بعد ، فإنّ لى عليكم
٣٣٨٧/١
:
(١) ابن الأثير: ((عدوكم)
(٢) ابن الأثير: ((يبطىء بهم)).
(٣) مألوسة ؛ من الألس وهو ذهاب العقل.
(٥) حشاش حرب، من حش النار، إذا أشعلها.
(٤) سميس الليالى ؛ أى الدهر كلّه

٩١
سنة ٣٧
حقًّاً، وإن لكم علىَّ حقًّا، فأمّا حقكم علىّ فالنّصيحة لكم ما صحبتُكم،
وتوفيرُ فَيْئكم عليكم ، وتعليمُكم كما لا تجهلوا ، وتأديبُكم كى تَعلَّموا ؛
وأما حقى عليكم فالوفاء بالبيعة ، والنصح لى فى الغيب والمشهد ، والإجابة حين
أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يُرِدِ اللّهُ بكم خيراً انتزعتم عما أكتره .
وتراجعوا إلى ما أحبّ ، تنالوا ما تَطلُبون، وتُدرِ كوا ما تأمُلون.
وكان غير أبى مخنف يقول: كانت الوقعة بين علىّ وأهل النّهر سنة ثمان
وثلاثين ، وهذا القول عليه أكثرُ أهل السِّيَر.
وممّا يصحّحه أيضًا ما حدثنى به عُمارة الأسدىّ، قال: حد ◌ّثنا عبيد الله بن
موسى ، قال : أخبرنا نعيم، قال: حدثنى أبو مريم أن شَبَت بنَ رِبْعىّ وابن
الكوّاء خرَجًا من الكُوفة إلى حروراء، فأمر علىّ الناس أن يخرجوا بسلاحهم،
فخرجوا إلى المسجد حتى امتلأ بهم ، فأرسل إليهم : بئسَ ما صنعتْمْ حين
تدخلون المسجدَ بسلاحكم! اذهبوا إلى جبّانة مُراد حتى يأتيكم أمرى.
٣٣٨٨/١
قال أبو مريم: فانطلقْنا إلى جبانة مُراد فكنّا بها ساعة من نهار، ثم بلغنا
أن القوم قد رجعوا وهم زاحفون. قال: فقلت : أنطلق أنا حتى أنظر إليهم ، فانطلقت
حتى أتخلّل صفوفتهم ، حتى انتهيت إلى شبَبَث بن ربعىّ وابن الكوّاء وهما
واقفان متورّ كان على دابّتيهما، وعندهما رسل على وهم يناشدونتهما اللّه لمًا
رجعا بالناس ! ويقولون لهم: نعيذكم بالله أن تعجلوا بفتنة العام خشية عام قابل.
فقام رجل إلى بعض رسل علىّ فعقر دابته ، فنزل الرجل وهو يسترجع ، فحمل
سرِجَه، فانطلق به وهم يقولون : ما طلبُنا إلا منابذتهم، وهم يناشدونهم الله،
فمكثْنا ساعة ، ثم انصرفوا إلى الكُوفة كأنه يوم فِطْر أو أضحى .
قال: وكان على يحدّثنا قبل ذلك أنّ قومًا يخرجون من الإسلام يمر قون من
الدين كما يمرُّق السهم من الرمية، علامتهم رجل مخْدَج اليد. قال: وسمعتُ
ذلك منه مراراً كثيرة، قال: وسمعه نافع ((المخدج)) أيضًا - حتى رأيته يتكرّه
طعامه من كثرة ما سمعه، يقول: وكان نافع معنا يصلى فى المسجد بالنهار ويبيت
فيه بالليل ، وقد كنت كسوتُهُ بُرْنُسًا، فلقيته من الغد، فسألتُه: هل كان

١٢
سنة ٣٧
خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حرُوراء ؟ فقال : خرجت أريدُهم حتى
إذا بلغت إلى بنى سعد ، لقيسَى صِبيان فنَزّعوا سلاحِى ، وتلعبوا بى، فرجعت
حتى إذا كان الحوْل أو نحوه خرج أهل النّهر ، وسار علىّ إليهم، فلم
أخرج معه وخرج أخى أبو عبد الله. قال: فأخبرنى أبو عبد اللّه أنّ عليًا
سار إليهم حتى إذا كان حذاءَ هم على شطّ النّهروان أرسل إليهم يناشدُهم
اللّهَ ويأمرهم أن يرجعوا، فلم تزل رسُلُه تختلف إليهم، حتى قَتَّلوا رسوله،
فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلتهم حتى فرغ منهم ، ثم أمر أصحابه أن
يلتمسوا المخدَج، فالتمسوه، فقال بعضهم: ما نجدُه، حتى قال بعضهم:
لا، ما هو فيهم . ثم إنه جاء رجل فبشره وقال : يا أمير المؤمنين ، قد وجدناه
تحت قتيلين فى ساقية . فقال: اقطَعوا يدَه المخدَجة، وأتونى بها ، فلما
أُتِى بها أخَذَها ثم رَفَعها، وقال: والله ما كَذَبْتُ ولا كُذ بتُ.
قال أبو جعفر: فقد أنبأ أبو مريم بقوله: (( فرجعت حتى إذا كان الحول
أو نحوه، خرج أهل النهر))، أنّ الحرب التى كانت بين علىّ وأهل حَرُوراء
كانت فى السنة التى بعد السنة التى كان فيها إنكار أهل حَروراءَ على علىّ
التحكيم ، وكان ابتداء ذلك فى سنة سبع وثلاثين على ما قد ثبت قبلُ ، وإذا
كان كذلك، وكان الأمر على ما روينا من الخبر عن أبى مريم ، كان معلومًا
أنّ الوقعة كانت بينه وبينهم فى سنة ثمان وثلاثين .
وذكر علىّ بن محمد، عن عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن شُجيرة،
عن جابر ، عن الشعبىّ، قال: بعث علىّ بعد ما رجع من صفّين جَعْدة
ابن هبيرة المخزومىّ، وأمّ جعدة أمّ هانى بنت أبى طالب- إلى خُراسان ،
٣٣٩٠/١ فانتهى إلى أبْرشهر وقد كفروا وامتنعوا، فقدم على علىّ، فبعث خُليد بن
قرّة اليربوعىّ فحاصر أهل نَيْسابور حتى صالحوه ، وصالحه أهلُ مرْو.
وحجّ بالناس فى هذه السنة- أعنى سنة سبع وثلاثين- عبيد الله بن عبّاس،
وكان عامل على على اليَمَن ومخاليفها . وكان على مكة والطائف قُتَ بن
٣٣٨٩/١

٩٣
سنة ٣٧
العبّاس، وعلى المدينة سهل بن حُنّيف الأنصارىّ، وقيل: كان عليها تمّام
ابن العباس . وكان على البصرة عبد الله بن العباس ، وعلى قضائها أبو الأسود
الدُّؤَلَى"، وعلى مصر محمد بن أبى بكر، وعلى خُراسانَ خليد بن قرّة اليربوعىّ.
وقيل: إن عليًّا لما شخص إلى صِفِّين استَخلَف على الكوفة أبا مسعود
الأنصارىّ؛ حدّثنى أحمد بن إبراهيم الدّوْرقّ ، قال: حدثنا عبدُ اللّه بن
إدريس، قال: سمعتُ ليثًا ذكر عن عبد العزيز بن رُفَيع، أنه لما خرج على إلى
صفّين استخلف على الكوفة أبا مسعود الأنصارىّ عقبة بن عمرو. وأمّا الشام
- فكان بها معاوية بن أبى سُفْيان .

ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين
ذ کر ما كان فيها من الأحداث
٣٣٩١/١
فمما كان فيها مَقتَل محمّد بن أبى بكر بمصر، وهو عاملٌ عليها ، وقد
ذكرنا سببَ تولية على إياه مصر، وعزل قيس بن سعد عنها ، ونذكر الآن
سببَ قتله ، وأين قتل ؟ وكيف كان أمره ؟ ونبدأ بذكر من تتمّة حديث
الزهرىّ الذى قد ذكرنا أوّله قبلُ، وذلك ما حدّثنا عبد الله، عن يونس ،
عن الزّهرىّ ، قال : لما حُدّث قيس بن سعد بمجىء محمد بن أبى بكر ،
وأنه قادم علیه أمیراً ، تلقاه وخلا به وناجاه ، فقال: إنك جئتمن عند امرئ
لا رأىّ له، وليس عَزْلُكم إيّاىَ بمانعى أن أنصح لكم، وأنا مِن أمرٍ كم هذا
على بصيرة ، وإنى فى ذلك على الذى كنت أكايد به معاوية وعمراً وأهل
خربتا ، فکایدهم به ، فإنك إن تکاید هم بغيره تهلك . ووصف قیس
ابن سعد المكايدة التى كان يكايدهم بها، واغتشه محمد بن أبى بكر ، وخالف
كلّ شيء أمره به . فلما قدم محمد بن أبى بكر وخرج قيس قِبل المدينة
بعث محمد أهل مصر إلى خِرْبَتا ، فاقتتلوا ، فهزم محمد بن أبى بكر ، فبلغ
ذلك معاوية وعمرًا، فسارا بأهل الشام حتى افتتحا مصر ، وقَتّلا محمد بن
أبى بكر ، ولم تزل فى حيّز معاوية ، حتى ظهر . وقدم قيس بن سعد المدينة ،
فأخافه مروان والأسود بن أبى البَخْترىّ ، حتى إذا خاف أن يؤخذ أو يُقتَل
ركب راحلته ، وظهر إلى علىّ. فكتب معاوية إلى مروان والأسود يتغيّظ عليهما
ويقول : أمددتُما عليًّا بقيس بن سعد ورأيه ومكايدته ، فوالله لو أنّكما
أمددتُماه بمائة ألف مقاتل ما كان بأغيظ إلىّ من إخراجكما قيس بن سعد
إلى علىّ. فقدم قيس بن سعد على علىّ، فلما بائَّه الحديثَ، وجاءهم قتل
محمد بن أبى بكر ، عرف أنّ قيس بن سعد كان يوازى أمورًا عظامًا من
المكايدة ، وأنّ مَن كان يشير عليه بعزل قيس بن سعد لم ينصّح له .
٣٣٩٢/١
وأمّا ما قال فى ابتداء أمر محمد بن أبى بكر فى مصيره إلى مصر وولايته
٩٤

٩٥
سنة ٣٨
إياها أبو مخنف ، فقد تقدّم ذكرُنا له ، ونذكر الآن بقية خبره فى روايته
ما روى من ذلك عن يزيد بن ظَبْيان الهَمْدانىّ، قال: ولما قتل أهل خِرْبَتا
ابنَ مضاهم الكلىّ الذى وجهه إليهم محمد بن أبى بكر، خرج معاوية بن
حُديج الكندىّ ثم السَّكُوفِىّ، فدعا إلى الطلب بدم عثمانَ ، فأجابه ناس
آخرون، وفسدتْ مصر على محمد بن أبى بكر، فبلغ عليًّاً وثوبُ أهل مصر
على محمد بن أبى بكر ، واعتمادُ هم إياه، فقال: ما لمصرّ إلا أحد الرَّجُلين!
صاحبنا الَّذى عزَكْناه عنها - يعنى قيسًا - أو مالك بن الحارث - يعنى
الأشتر . قال : وكان علىّ حين انصرف من صفّين ردّ الأشتر على عمله
بالجزيرة ، وقد كان قال لقيس بن سعد : أقم معى على شُرَطِى حتى نفرغ
من أمر هذه الحكومة، ثم اخرج إلى أذْرَ بيجان؛ فإنّ قيسًا مقيم مع علىّ على
شُرْطته . فلما انقضى أمرُ الحكومة كتب على إلى مالك بن الحارث الأشتر ،
وهو يومئذ بنصيبين: أمّا بعد، فإنك ممّن استظهرتُه على إقامة الدين، وأقمعُ
به نخوةَ الأثيم ، وأشُدَ به الشّغر المَخُوف. وكنت وليت محمد بن أبى بكر
مصر ، فخرجتْ عليه بها خوارج، وهو غلامٌ حَدَث ليس بذى تجربة
للحَرْب ، ولا بمجرّب للأشياء ، فاقدم على لننظر فى ذلك فيما ينبغى ،
واستخلفْ على ◌َملك أهلَ الثقة والنصيحة من أصحابك . والسلام
٣٣٩٣/١
فأقبَل مالكٌ إلى على حتى دخل عليه ، فحدثه حديث أهل مصرَ،
وخبّرّه خبر أهلها ، وقال: ليس لها غيرك، اخرج رحمك الله! فإنى إن لم
أوصك اكتفيتُ برأيك. واستعن بالله على ما أهمّك، فاخلط الشدّة باللّين،
وارفق ما كان الرفق أبلغ ، واعتزم بالشدّة حين لا يغنى عنك إلا الشدّة
قال : فخرج الأشتر من عند علىّ فأتى رحله ، فتهيَّأ للخروج إلى مصر ،
وأتت معاويةَ عيونُه، فأخبروه بولاية على الأشتر، فعظم ذلك عليه ، وقد
كان طمع فى مصر، فعلم أن الأشتر إنْ قدمها كان أشدّ عليه من محمد
ابن أبى بكر ، فبعث معاوية إلى الجايستار - رجل من أهل الخراج - فقال
له: إنّ الأشتر قد وُلِّىَ مصر، فإن أنت كَفْيتَنيه لم آخذْ منك خراجًا
ما بقيتَ، فاحتلْ له بما قدرتَ عليه. فخرج الجابستار حتى أتى القُلْزم

٩٦
٣٣٩٤/١
سنة ٣٨
وأقام به ، وخرج الأشتر من العراق إلى مصرَ ، فلما انتهى إلى القلزم استقبله
الجايستار، فقال: هذا مَنزِل، وهذا طعامٌ وعَلَف، وأنا رجلٌ من أهل الخراج،
فنزل به الأشتر ، فأتاه الدِّهقان بعَلَف وطعام ، حتى إذا طَعم أتاه بشربة
من عَسَلَ قد جعل فيها سُمّ فسقاه إيّاه ، فلما شربها مات . وأقبل
معاوية يقول لأهل الشأم: إنّ عليًّا وجّه الأشتر إلى مصرَ، فادعوا اللهَ أن
يكفيكُموه. قال: فكانوا كلّ يوم يَدْعون اللّه على الأشتر، وأقبل الذى
سقاه إلى معاوية فأخبره بمهلك الأشتر ، فقام معاوية فى الناس خطيبًا ،
فحَمِد اللّهَ وأثنى عليه وقال: أمّا بعد، فإنه كانت لعلىّ بن أبى طالب
يدان يمينان، قُطعتْ إحداهما يومَ صِفِّين - يعنى عمّار بن ياسر- وقُطِعت
الأخرى اليوم - يعنى الأشتر .
قال أبو مخنف: حدّثنى فُضَيل بن خَدِيج، عن مولّى للأشتر، قال:
لما هلك الأشتر وجدنا فى ثقله رسالة علىّ إلى أهل مصر:
بسم الله الرّحمن الرّحيم. من عبد اللّه على" أمير المؤمنين إلىّ أمّة
المسلمين الذين غَضِبوا لله حين عُصِىَ فى الأرض، وضَرَب الجورُ بأرواقه على
البَرّ والفاجر، فلا حقّ يُستراح إليه، ولا منكرَ يُتناهى عنه. سلام
عليكم ، فإنى أحمد اللّهَ إليكم الذى لا إله إلا هو . أما بعد فقد بعثتُ
إليكم عبدًا من عبيد اللّه لا ينام أيام الخوف، ولا ينكل عن الأعادى
حذارَ الدّوائر، أشدّ على الكفّار من حريقِ النار، وهو مالك بن الحارث
أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا، فإنه سيفٌ من سيوف اللّه ، لا نابى
الضّريبة، ولا كليل الحدّ، فإن أمركم أن تُقدموا فأقدموا، وإن أمَرَكم
أن تَنفِروا فانفروا، فإنه لا يُقدم ولا يُحجم إلا بأمرى، وقد آثرتكم به
على نفسى لنُصحِه لكم،وشدّة شكیمته علىعدوّ كم، عصمكم الله بالهدى،
وثبّتكم على اليقين. والسلام .
قال : ولما بلغ محمّد بن أبى بكر أنّ عليًّا قد بعث الأشتر شقّ عليه ،
فكتب علىّ إلى محمد بن أبى بكر عند مَهلِك الأشتر ، وذلك حين بلغه
مَوْجِدةُ محمد بن أبى بكر لقُدوم الأشتر عليه : بسم الله الرحمن الرّحيم ،
٣٣٩٥/١

٩٧
سنة ٣٨
من عبد اللّه علىّ أمير المؤمنين إلى محمد بن أبى بكر ، سلامٌ عليك ، أما بعد ؛
فقد بلغنى موجدتُك من تسريحى الأشترَ إلى عَمَلَك ، وإنى لم أفعل ذلك
استبطاءً لك فى الجهاد ، ولا ازدياداً منى لك فى الجدّ، ولو نزعتُ ما تحتّ
يدك من سلطانك لوليتُك ما هو أيسرُ عليكَ فى المئونة، وأعجب إليك ولايةً
منه . إنّ الرجل الذى كنتُ وليته مصر كان لنا نصيحًا ، وعلى عدّونا شديداً ،
وقد استكمل أيّامَه، ولاقتى حِمامَه ، ونحن عنه راضُون ، فرضى الله عنه،
وضاعَفَ له الثواب، وأحسَنَ له المآب. اصبر لعدوّك، وشمِّر للحرب،
وادعُ إلى سبيلِ رّبك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثِرْ ذكرَ اللّه، والاستعانة
به ، والخوفَ منه، يكفك ما أهمّك، ويُعِنْك على ما ولّك، أعاننا الله
وإيّاك على ما لا يُنال إلا برحمته . والسلام عليك .
فکتب إلیه محمد بن أبی بکر جواب كتابه :
بسم الله الرحمن الرحيم . لعبد الله على أمير المؤمنين من محمد بن أبى بكر،
سلامٌ عليك، فإنى أحمد الله إليك الذى لا إله غيره، أما بعد، فإنّى قد انتهى
إلىّ كتابُ أمير المؤمنين، ففهِمْته وعرفتُ ما فيه، وليس أحد من الناس بأرضی
منى برأى أمير المؤمنين ، ولا أجهد على عدوّه ، ولا أرأف بواتيه منى، وقد
خرجتُ، فعسكرتُ، وأمَّنْتُ الناس إلا من نَصَب لنا حربًا، وأظهر لنا خلافًا،
وأنا متّع أمرَ أمير المؤمنين وحافظُه، وملتجئ إليه، وقائمُّبُه، والله المستعان
على كلّ حال ؛ والسلام عليك .
٣٣٩٦/١
قال أبو مخنف : حدّثنى أبو جَهضم الأزدىّ - رجل من أهل الشأم -
عن عبد الله بن حَوَالة الأزدىّ، أنّ أهل الشأم لما انصرفوا من صِفِين كانوا
ينتظرون ما يأتى به الحكمان ، فلما انصرفا وتفرّقا بايع أهلُ الشأم معاوية
بالخلافة ، ولم يزدد إلا قوّة، واختلف الناسُ بالعراق على علىّ ، فما كان
لمعاوية همّ إلا مصر ، وكان لأهلها هائبًا خائفًا ، لقربهم منه، وشدّتهم
على من كان على رأىٍ عثمان، وقد كان عَلَى ذلك علمٍ أن بها قومًا قد ساءهم
قتلُ عمّانَ ، وخالفوا عليًّا، وكان معاوية يرجو أن يكون إذا ظهر عليها ظهر
علی حرب علىّ ، لعظم خراجها . قال : فدعا معاوية من کان معه من قریش:

٩٨
سنة ٣٨
عمرو بن العاص وحبيب بن مسلمة وبُسْرَ بن أبى أرطاة والضحّاك بن
قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ؛ ومن غيرهم أبا الأعور عمرو بن
سُفيان السُّلَمىّ وحمزةَ بن مالك الهَمْدانىّ، وشُرّحبيل بن السِّمْط الكندىّ
فقال لهم: أتدرون لِمَّ دعوتكم ؟ إنَّى قد دعوتُكم لأمر مُهِمّ أحبّ أن يكون
اللّهُ قد أعانَ عليه، فقال القوم كلهم - أو من قال منهم: إنّ اللّه
لم يُطلع على الغيب أحداً ، وما يُدرينا ما تُريد! فقال عمرو بن العاص:
٣٣٩٧/١ أرى والله أمر هذه البلاد الكثير خراجُها، والكثير عُدَدُها وعدد أهلها
أهمّك أمرُها، فدعوتنا إذاً لتسألنا عن رأينا فى ذلك، فإن كنتَ لذلك دعوتنا،
وله جمعتنا ، فاعزم وأقدم ، ونعم الرأى رأيتَ ! ففى افتتاحها عزّك وعز
أصحابك، وكَبْت عدوّك، وذلّ أهل الخلاف عليك. قال له معاوية
مجيبًا: أهمَّك يا بن العاص ما أهمّك - وذلك لأنّ عمرو بن العاص كان
صالَح معاويةَ حين بايعه على قتال علىّ بن أبى طالب ، على أنّ له مصر
طُعْمةً ما بقى - فأقبل معاوية على أصحابه فقال: إنّ هذا - يعنى عمرًا .
قد ظنّ ثم حقّق ظنّه، قالوا له : لكنا لا ندرى ؛ قال معاوية : فإن
أبا عبد اللّه قد أصاب، قال عمرو: وأنا أبو عبد اللّه؛ قال: إنّ أفضل الظُّنون
ما أشبه الیقین
ثمّ إنّ معاوية حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فقد رأيتم
كيف صنع اللّهُ بكم فى حربكم عدوّكم ، جاءوكم وهم لا يرون إلا أنهم
سيقيضون بيضتكم ، ويُخربون بلاد كم ، ما كانوا يرون إلا أنكم فى أيديهم،
فرد هم الله بغيظهم لم ينالوا خيراً مما أحبوا، وحاكمناهم إلى اللّه، فحكم لنا
عليهم . ثم جمع لنا كلمتنا ، وأصلح ذاتَ بيننا ، وجعلهم أعداء متفرّقين
يشهدُ بعضُهم على بعض بالكُفْر ، ويسفك بعضهم دَم بعض . والله إنّ
لأرجو أن يتمّ لنا هذا الأمر ، وقد رأيت أن نُحاول أهلَ مصرَ ، فكيف ترون
ارتناءنا لها ! فقال عمرو : قد أخبرتُك عمَّاً سألتنى عنه، وقد أشرتُ عليك
بما سمعت؛ فقال معاوية: إنّ عَمرًا قد عزم وصَرَم ، ولم يفسّر ، فكيف لى
٣٣٩٨/١ أن أصنع! قال له عمرو: فإنّى أشير عليك كيف تصنع ، أرى أن تبعث

٩٩
سنة ٣٨
جيشًا كثيفًا ، عليهم رجلٌ حازم صارم تأمَنُه وتثق به ، فيأتىمصر حتى
يدخلَها ، فإنه سيأتيه من كان من أهلها على رأينا فيظاهرُه على مَن بها مِن
عدوّنا ، فإذا اجتمع بها جندُك ومَن بها من شيعتك على مَن بها من أهل
حربك، رجوتُ أن يعين اللّه بنصرِك، ويُظهِرِ فُلْجَك . قال له معاوية:
هل عندك شىء دون هذا يُعمل به فيما بيننا وبينهم ؟ قال : ما أعلَمه ، قال :
بلى ، فإنّ غير هذا عندى، أرى أن نكاتب من بها من شيعتنا، ومن بها من أهل
عدوّنا ، فأمّا شيعتنا فآمُرُهم بالثبات على أمرهم، ثم أمنَّيهم قُدوصَنا عليهم ،
وأما مَن بها مِن عدّونا فندعوهم إلى صُلْحنا، ونمنَّيهم شكرنا ، ونخوّفهم
حربنا ، فإن صلح لنا ما قبلهم بغير قتال فذاك ما أحببنا، وإلا كان حربُهم
من وراء ذلك كلّه. إنك يابن العاص امرؤ بُورِك لك فى العجلة،
وأنا امرؤٌ بورك لى فى التُّؤْدة؛ قال: فاعمل بما أراك اللّه، فوالله ما أرى أمرك
وأمرَهم يصيرُ إلّ إلى الحرب العنوان. قال: فكتب معاوية عند ذلك إلى
مسلمة بن مخلّد الأنصارىّ وإلى معاوية بن حُديج الكندىّ- وكانا قد خالفا
عليًا: بسم الله الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد، فإنّ اللّه قد ابتعتكما لأمر عظيم
أعظمَ به أجر كما ، ورفع به ذكر كما ، وزيّنكُما به فى المسلمين ؛ طلبكما
بدم الخليفة المظلوم، وغضبكما للّه إذ تُرِك حكم الكتاب، وجاهدتما أهل البغى
والعُدوان ، فأبشروا برضوان الله، وعاجل نصر أولياء الله، والمواساة لكما فى
الدنیا وسلطاننا حتى يُنْتھی فی ذلك ما یرُضیکما، ونؤدی به حقكما إلى ما
يصير أمرٌ كما إليه. فاصبروا وصابروا عدوًّ كما ، وادعوا المدبر إلى هُدا كما
وحفظكما ، فإنّ الجيش قد أضلّ عليكما ، فانقشع كلّ ما تكرهان ، وكان
كلّ ما تَهوَيان ؛ والسلام عليكما
٣٣٩٩/١
وكتب هذا الكتابَ وبعث به مع مولى له يقال له سُبيع .
فخرج الرسول بكتابه حتى قدم عليهما مصر ومحمد بن أبى بكر أميرها ،
وقد ناصب هؤلاء الحرب بها ، وهو غير متخوّن بها يوم الإقدام عليه . فدفع
كتابه إلى مسلمة بن مخلّد وكتاب معاوية بن حديج، فقال مسلمة: امضٍ
بكتاب معاوية إليه حتى يقرأه ، ثم القنى به حتى أجيبه عنى وعنه ، فانطلق

١٠٠
سنة ٣٨
الرسول بكتاب معاويةَ بن حُدَيَج إليه، فأقرأه إيّاه، فلما قرأه قال: إنّ مسلمة
ابن مخلّد قد أمرنى أن أردّ إليه الكتاب إذا قرأته لكى يجيب معاوية عنك وعنه.
قال : قل له فليفعل ؛ ودفع إليه الكتاب ، فأتاه . ثم كتب مسلمة عن نفسه
وعن معاوية بن حُدَيج: أما بعد، فإنّ هذا الأمر الذى بذلنا له نفسنا ،
واتّبَعْنا أمرَ الله فيه، أمرٌ نرجو به ثوابَ ربّنا، والنصرَ ممن خالفنا، وتعجيلَ
النَّقمة لمن سَعَتى على إمامنا ، وطأطأ الرّكض فى جهادنا، ونحن بهذا الحيّز
من الأرض قد نَفينا من كان به من أهل البغى، وأنهَضْنا من كان به من
١/ ٣٤٠٠ أهل القِسْط والعدل، وقد ذكرتَ المواساة فى سلطانك ودنياك، وبالله إنّ
ذلك لأمرٌمَا لَه نهضْنا، ولا إيّاه أردْنا، فإنْ يجمع اللّه لنا ما نطلب ، ويؤتنا
ما تمَنّينا ، فإنّ الدنيا والآخرةَ لله ربِّ العالمين، وقد يؤتيهما الله معاً عالمًا من
خلقه، كما قال فى كتابه ، ولا خلفَ لموعوده، قال: ﴿فَأَتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ
الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَ اللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ (١)، عجّل علينا
خَيَلَك ورَجْلك ، فإنّ عدوّنا قد كان علينا حربًا، وكنا فيهم قليلا ،
فقد أصبحوا لنا هائبين، وأصبحْنا لهم مقرِنين ، فإن يأتنا اللّه بمَدَد من قبلك
يفتح الله عليكم، ولا حولَ ولا قوّة إلا باللّه، وحسبنا الله ونعم الوكيل؛
والسلام عليك .
قال : فجاءه هذا الكتاب وهو يومئذ بفلسطين، فدعا النّفرَ الذين سمّاهم
فى الكتاب فقال : ماذا ترون ؟ قالوا : الرّأى أن تبعث جُنداً من قِبَلَك ،
فإنك تفتتحها بإذن الله . قال معاوية: فتجهّزّ يا أبا عبد اللّه إليها - يعنى
عمرو بن العاص - قال: فبعثه فى ستة آلاف رجل ، وخرج معاوية وودّعه
وقال له عند وداعه إيّاه: أوصيك يا عَمرو بتقوَى اللّه والرفق فإنه يُمْن،
وبالمهَل والتُّؤْدَة، فإنّ العَ كَة من الشيطان، وبأن تقبلَ ممن أقبَل، وأن
تعفوَ عمّن أدبرَ، فإن قبل فَبِها ونِعمتْ، وإن أبى فإنّ السطوة بعد المعذرة
أبلغ فى الحجّة ، وأحسن فى العاقبة ، وادعُ الناسَ إلى الصلح والجماعة ،
(١) سورة آل عمران: ١٤٨.