Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ سنة ٣٦ يا أُمَّنا يا خيْرَ أُمْ تَعَلَمُ أَمَا تَرَيْنَ كَمْ شُجاعٍ يُكَلَمُ! • وتُخْتَلَى هامَّتُهُ والِمِعْصَمُ !. فاختلفا ضربتين ، فرأيتهُما يفحَصان الأرض بأرجُلهما حتى ماتا . فدخلتُ على عائشة رضى الله عنها بالمدينة ، فقالت : من أنت ؟ قلت : رجل من الأزْد ، أسكُن الكوفة ؛ قالت : أشهدْتنا يومَ الجمل ؟ قلت : نعم؛ قالت : ألنا أمْ علينا ؟ قلتُ : عليكم ؛ قالت : أفتعرف الذى يقول : ، يا أمّنا يا خيرَ أمّ نعلمُ . قلت : نعم ، ذاك ابنُ عمّى ، فبكتْ حتى ظننتُ أنها لا تسكت . حدثی عمر ، قال : حدثنا أبو الحسن ، عن أبى ليلى ، عن دينار بن العَيْزار ، قال : سمعت الأشتر يقول: لقيتُ عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد، فلقيت أشدَّ الناس وأروَغَه، فعانقتُه، فسقطْنا إلى الأرض جميعاً، ٣٢٠٢/١ فنادى: ((اقْتُلُونى ومالِكًا)). حدثنى عمر قال : حدثنا أبو الحسن ، عن ابن أبى ليلى ، عن دینار ابن العيزار ، قال: سمعت الأشتر يقول : رأيت عبد الله بن حكيم بن حزام معه رايةُ قريش؛ وعدىّ بن حاتم الطائىّ(١) وهما يتصاوَلان كالفَحلين، فتعاوَرْناه فقتلناه - يعنى عبد الله - فطعن عبد الله عديًّا ففقأ عينته. حدّثنى عمر ، قال : حدثنا أبو الحسن ، عن أبى مخنف ، عن عمّه محمّد بن مخنف، قال: حدَّثنى عدّةٌ من أشياخ الحىّ كلّهم شهد الجمل ، قالوا : كانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخْنف بن سُليم، فقتل يومئذ ، فتناول الرايةَ من أهل بيته الصَّقعب وأخوه عبد الله بن سُلَيمٍ ، فقتلوه، فأخذها العلاء بن عروة ، فكان الفتح ، وهى فى يده ، وكانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن مسلم ، فقتل وقتل معه زيد بن صُوحان وسَيْحان ابن صُوحان؛ وأخذ الراية عدّة منهم فقُتلوا ؛ منهم عبد الله بن رقبة (٢)، (١) ابن الأثير: ((وهو يقاتل عديا)). (٢) ط: ((رقية)) تحريف، وانظر ص ٥١٥ من هذا الجزء. ٥٢٢ سنة ٣٦ وراشد. ثم أخذها مُنْقذ بن النُّعمان ، فدفعها إلى ابنه مُرّة بن منقذ ، فانقضى الأمر وهى فى يده ، وكانت راية بكر بن وائل من أهل الكوفة فى بنى ذُهْل، كانت مع الحارث بن حسَّان بن خُوط الذُّهلىّ، فقال أبو العَرْفاء الرقاشىّ: أبقٍ على نفسك وقومك ، فأقدمَ وقال : يا معشرَ بكربن وائل ، إنّه ٣٢٠٣/١ لم يكن أحدٌ له من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلمنزلة صاحبكم، فانصروه، فأقدمَ ، فقُتل وقُتل ابنه وقُتِل خمسة إخوة له ، فقال له يومئذ بشْر بن خُوط وهو يقاتل : أنا ابنُ حَسَّنَ بنِ خُطٍ وأبى رسولُ بَكْرِ كلّها إلى النَِّ وقال ابنه : أَنْعَى الرئيسَ الحارثَ بنَ حسَّنْ لِآَلِ ذُهْلٍ وَآلِ شَمْيَانْ وقال رجل من ذُهْل : تَنَعَى لنا خيرَ امْرِئٍ مِنْ عَدْنانْ عند الطِّانِ ونِزالِ الأقران وقُتل رجال من بنى محلوج ، وكانت الرِّياسة لهم من أهل الكوفة ، وقُتل من بنی ذُهْل خمسة وثلاثون رجلا ، فقال رجل لأخيه وهويقاتل : يا أخى، ما أحسنَ قتالَنا إِنْ كنّا على حقّ! قال: فإنا على الحقّ، إن الناس أخذوا يمينًا وشمالا ، وإنما تمسكنا بأهل بيت نبيّنا ؛ فقائلاً حتى قُتلا . وكانت رياسة عبد القيس من أهل البصرة - وكانوا مع علىّ - لعمرو بن مرحوم ، ورياسة بكر بن وائل لشقيق بن ثَوْر، والرّاية مع رَشراشة مولاه، ورياسة الأزْد من أهل البصرة - وكانوا مع عائشة - لعبد الرحمن بن جُشَ بن أبى حُنَيْن الحمّامىّ - فيما حدثنى عامر بن حفص، ويقال لصبرة بن شيْمان الحُدّانىّ - والراية مع عمرو بن الأشرف العتكىّ، فقُتل وقتل معه ثلاثة عشر رجلاً من أهل بيته . ٣٢٠٤/١ حدٹی عمر ، قال : حد ◌ّثنا أبو الحسن ، قال : حدثنا أبو ليلى ، عن أبى عكاشة الهَمْدانىّ، عن رفاعة البَجَلىّ، عن أبى البخترىّ الطائىّ، قال: ٥٢٣ سنة ٣٦ أطافت ضبة والأزد بعائشةَ يومَ الجمل، وإذا رجالٌ من الأزد يأخذون بعْرَ الجمل فيفتّونه ويشُمّونه ، ويقولون: بعرْ جملٍ أمُّنا ريحُه ربحُ المسك؛ ورجل من أصحاب علىّ يقاتل ويقول : جَرَّدَتُ سيفي فى رجال الأزْدِ أَضْرِبُ فى كُهُولِهِمْ والمُرْدِ ، كلَّ طويل الساعِدَيْنِ نْهَذِ. وماج الناس بعضُهم فى بعض ، فصرخ صارخ : اعقروا الجمل ؛ فضَربه بُجَير بن دُلْجة الضّبىّ من أهل الكوفة، فقيل له: لِمَ عَقرتَه ؟ فقال : رأيتُ قومى يقتلون ، فخفت أن يفنوا، ورجوت إن عقرته أن يبقى لهم بقية . ,٠ حدثنى عمر ، قال : حدّثنا أبو الحسن ، قال : حدّثنا الصّلْت بن دينار ، قال: انتهى رجلٌ من بنى عُقَيْل إلى كعب بن سُور - رحمه الله - وهو مقتول، فوضع زُجَّ رمحه فى عينيه، ثم خَضخضه، وقال: ما رأيت مالاً قطّ أحكم نَقْداً منك . حدّثنى عمر، قال : حدثنا أبو الحسن ، قال : حدّثنا عَوانة ، قال : اقتَتَلُوا يومَ الجمل يومًا إلى الليل ، فقال بعضهم : شفَى السّيف من زیدٍ وهِنْدِ نفوسنا شِفاء ومن عينيْ عَدِيٍّ بن حاتم بُعُمِّ القَنَا والمُرْهَفاتِ الصَّوارم صَبَرْنا لهم يوماً إلى الليلِ كلّه وقال ابن صامت : ٣٢٠٥/١ على شِمالِكِ إن الموتَ بالقاعِ يا ضَبّ سِيرى فإِنّ الأرضَ واسعةٌ لها أتِيٌّ إذا ما سال دُفَّاعُ كَتيبةٌ كثماعِ الشّمْسِ إذطلعتْ بِالمَشْرَفِيَّةِ ضَرِباً غيرَ إِبْدَاعِ إِذّا نقيم لكمْ فى كلّ مُعْتَرَكٍ حدثنا العباس بن محمد ، قال : حدثنا رَوْح بن عُبادة ، قال : حدثنا رَوْح، عن أبى رَجاء ، قال : رأيت رجلا قد اصطُلمت أذُنه ، قلت: ٥٢٤ ! سنة ٣٦ أخِلْقة ، أم شىء أصابك ؟ قال : أحدثك ؛ بينا أنا أمشى بين القتلى يومَ الجمل ، فإذا رجل يفحص برجله (١)، وهو يقول : فلم نتصرفْ إلَّا ونحن رِواء لقد أوْرَدَتْنَا حَوْمَةَ الموت أُمُّنا وُنُصْرَتَنا أهلَ الحجازِ عَناء أُطْعْنا قريشاً ضَلّةً من حُلومِنا قلت: يا عبد اللّه، قل لا إله إلاّ اللّه، قال: ادنُ منى، ولقِّنَّ فإنّ فى أذنى وَقراً، فدنَوت منه ، فقال لى : ممن أنت ؟ قُلت : رجل من الكوفة ؛ فوثب علىّ، فاصطَلَّم أذنى كما ترى، ثمّ قال: إذا لقيت أمّك فأخبرها أن مُمير بن الأهلب الضبيّ فَعَل بك هذا . حدّثنى عمر، قال : حدّثنا أبو الحسن ، قال : حدثنا المفضَّل الراوية وعامر بن حقص وعبد المجيد الأسدىّ ، قالوا : جُرح يوم الجمل مُمير بن الأهلب الضِّىّ، فمرّ به رجلٌّ من أصحاب على" وهو فى الجرحى، فقال له ◌ُمير : ادْنُ منَّى، فدنا منه ، فقطع أذنه ، وقال ◌ُمير بن الأهلب : فلَم ننصرف إلا ونحن رِواء لقد أوردتْنا حومةً الموت أمُّنا وشيعَتَهَا مَندوحةٌ وغَنَاءُ لقد كان عن نَصرِ ابن ضَّبَّة أمَّهُ وهل تَيٌْ إِلَّا أَعْبُدٌ وإماءُ! أطعنا بنى تَيِ بن مُرَّةَ شَقْوَةً ٣٢٠٦/١ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المقدام الحارثىّ، قال : كان منّا رجل يدعى هانىء بن خطّب ، وكان ممن غزا عثمان ، ولم يشهد الجمل ، فلمّا سمع بهذا الرجز - يعنى رجزَ القائل: • نحنُ بنى٣٢) ضَبَّة أصحابُ الجملْ. فى حديث الناس ، نقض عليه وهو بالكوفة : أَبَتْ شيوخُ مَذْجِحٍ وهَمْدانْ أَلَّا يَرُدُّوا نَعْثَلاً كما كانْ خلقاً جَدِيدًا بعد خَلق الرَّحمُنْ. (١) ابن الأثير: ((برجليه)). (٢) ط: ((نحن بنو))، وانظر ص ٥١٨ من هذا الجزء. ٥٢٥ سنة ٣٦ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصّعب بن عطيّة، عن أبيه ، قال : جعل أبو الجرباء يومئذ يرتجز ويقول : أسامعٌ أنتَ مطيعٌ لَعَلِى مِن قَبْلِ أَن تَذَوقَ حَدَّ الَشْرَفِى أَعْرِفُ قوماً لستُ فيه بِعَنى وخاذِلٌ فى الحقِّ أزواجَ النّبى كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : كانت أمّ المؤمنين فى حلقة من أهل النَّجَدات والبصائر من أفناء مُضَر، فكان لا يأخذ أحد بالزمام إلاّ كان يحمل الرّابة واللواء لا يحسّن تركها، وكان لا يأخذه إلاّ معروف عند المُطيفين بالجمل فينتسب لها : أنا فلان بن فلان ، فوالله إن كانوا لَيقاتلون عليه ؛ وإنه للموتُ لا يوصل إليه إلا بطلّبَةٍ وعَنت، وما رامه أحد من أصحاب علىّ إلاّ قُتل أو أفلت، ثم لم يَعُد. ولما اختلط الناس بالقلب جاء عدىّ بن حاتم فحمل عليه ، ففُقْئتْ عينه ونكل ، فجاء الأشتر فحامله عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد وإنه لأقطع مَنْزوف ، فاعتنقه ، ثم جلد به الأرض عن دابّته ، فاضطرب تحته، فأفلت وهو جريض . ٠ ٣٢٠٧/١ كتب إلىّ السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن هشام بن عروة، عن أبيه ، قال : كان لا يجىء رجل فيأخذ بالزّمام حتى يقول : أنا فلان بن فلان يا أمّ المؤمنين ، فجاء عبدُ اللّه بنُ الزّبير، فقالت حين لم يتكلم : مَن أنت ؟ فقال : أنا عبد الله، أنا ابن أختك، قالت: واتُكْل أسماءُ ! - تعنى أختها - وانتهى إلى الجمل الأشتر وعدي بن حاتم ، فخرج عبد الله ابن حكيم بن حزام إلى الأشتر، فمشى إليه الأشتر ، فاختلفا ضربتين، فقتله الأشتر ، ومشى إليه عبد الله بن الزبير ، فضربه الأشتر على رأسه ، فجرحه جرحًا شديداً، وضرب عبد الله الأشتر ضربةً خفيفة، واعتنق كلّ واحد منهما صاحبه ، وخرّاً إلى الأرض يعتركان ، فقال عبد الله بن الزبير: ((اقْتُلُونِى ومالكاً)). وكان مالك يقول: ما أحبّ أن يكون قال: ((والأشتر)) وأنّ لى حُمْر ٠ ٥٢٦ سنة ٣٦ النَّعَم. وشدّ أناس من أصحاب علىّ وأصحاب عائشة فافترقا، وتنقّذ كلّ واحد من الفريقين صاحبه . ٣٢٠٨/١ كتب إلىّ السّرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن الصَّعْب بن عَطيّة ، عن أبيه ، قال : وجاء محمد بن طلحة فأخذ بزمام الجمل ، فقال : يا أمّتاه ، مُرِينى بأمرِك. قالت: آمرُك أن تكون كخير (١) بنى آدم إن تُرِكتَ". قال: فحمل فجعل لا يحمل عليه أحد إلاّ حمل عليه ويقول(٢): ((حَم لا يُنصّرون))، واجتمع عليه نفر، فكلّهم ادّعى قتلَه: المكعبر الأسدىّ ، والمكعبر الضّىّ، ومعاوية بن شدّاد العَبْسى، وعفّان بن الأشقر النصرىّ، فأنفذه بعضهم بالرّمح ، ففى ذلك يقول قائلُه منهم : قليلِ الأذى فيا ترى العيْنُ مُسْلِمٍ وأَشْعَثَ قَوَّامٍ بَآيَاتِ ربّهِ فخّرَّ صريعاً لليدين ولِلفَمِ هَتَكتُ له بالرمح جَيْبَ قميصِهِ فَهَلا تَلَا حَم قبلَ التَّقَدُّمِ! ◌ُذَكِّرُنى حَمَ والرمحُ شَاجِرٌ عَلِيًّا ومن لا يَتبع الحقَّ يَنْدَمِ على غيرِ شىءٍ غيرَ أن ليس تابِعًاً كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصّعب بن عطيّة ، عن أبيه ، قال : قال القعقاع بن عمرو للأشتر يؤلّبه يومئذ: هل لك فى العود؟ فلم يجبه . فقال: يا أشتر ، بعضنا أعلم بقتالٍ بعض منك. فحمل القعقاع ، وإنّ الزمام مع زُفَر بن الحارث، وكان آخر مَنْ أعقب فى الزّمام ، فلا والله ما بقى من بنى عامر يومئذ شيخٌ إلاّ أصيب قدّام الجمل ، فقُتِل فيمن قُتل يومئذ ربيعة جدّ إسحاق بن مسلم ، وزفر يرتجز ويقول : يا أمَّنا يا عَيْش لن تُراعِى كلُّ بَنِيكِ بَطَلٌ شجاعُ • ليس بوَهَامٍ(٣) ولا بِراعى. ٣٢٠٩/١ (١) ابن الأثير: ((خير)). (٢) ابن الأثير: ((وقال)) . (٣) ابن الأثير: ((بوهواه)). ٥٢٧ سنة ٣٦ وقام القعقاع يرتجز ويقول : إذا وَرَدْنا آجِنَا جَهَرْناهُ ولا يُطَاقُ وِرْدُ ما منعناهْ تمثّلها تمثّلا . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : كان من آخر مَنْ قاتل ذلك اليوم زُفَر بن الحارث، فزحف إليه القعقاع، فلم يبق حول الجمل عامرىّ مكتهل إلاّ أصيب، يتسرّعون إلى الموت ، وقال القعقاع: يا بحير بن دُلحة، صِحْ بقومك فليَعقروا الجمل قبل أن يصابوا(١) وتصاب أمّ المؤمنين؛ فقال: يالَ ضّبة ، يا عمرو بنَ دُلْجة، ادعُ بى إليك؛ فدعا به ، فقال : أنا آمن حتى أرجع ؟ قال : نعم . قال : فاجئثّ ساق البعير ، فرمى بنفسه على شِقّه وجرجر البعير . وقال القعقاع لمن يليه: أنتم آمنون. واجتمع هو وزُفَر على قَطْع بِطَان البعير، وَحمَلا الهودج فوضَعاه ، ثم أطافا به، وتفارّ مَن وراء ذلك من الناس. كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصعب بن عطية ، عن أبيه، قال: لما أمسى الناس وتقدّم علىَّ وأحيط بالجمل ومن حوله، وعَقَرَه بُجَير بن ◌ُدُلْجة، وقال: إنكم آمنون؛ كفَّ بعضُ الناس عن بعض . وقال علىّ فى ذلك حين أمسى وانخَنَس عنهم القتال : ٣٢١٠/١ ومَعْشَرًا غَشَّوْا عَلَىَّ بَصَرى إليك أشكو عُجَرِى وبُجَرِى شَفَيْتُ نفسى وقتلتُ مَغْشَرِى قَتلتُ منهمْ مُضَرَّا بِمُضَرِى كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن حكيم بن جابر، قال: قال طلحة يومئذ: اللهمّ أعطِ عثمانَ منّى حتى يَرَضَى؛ فجاء سهم غَرْبٍ وهو واقف ، فَخلّ ركبته بالسرج ، وثبت حتى امتلأ مَوْزجُه(٢) دمًّا، فلما ثَقُل قال لمولاه: ارد فتى وابغنى مكانًا (١) ابن الأثير: ((تصابوا)). (٢) الموزج : الخلف ، فارسى معرب. ٥٢٨ سنة ٣٦ لا أعرف فيه، فلم أر كاليوم شيخًا أضيَحَ دمًا [منى](١). فركب مولاه وأمسكه وجعل يقول : قد لحقّنا القوم، حتى انتهى به إلى دار من ◌ُدُور البصرة خربة، وأنزله فى فيئها ، فمات فى تلك الخَرِبة ، ودفن رضى الله عنه فى بنى سعد . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن البَخْرىّ العبدىّ، عن أبيه ، قال : كانت ربيعة مع علىّ يوم الجمل ثُلث أهل الكوفة ، ونصف الناس يوم الوقعة ، وكانت تعبيتهم مُضَر ومضر ، وربيعة وربيعة ، واليمن واليمن ؛ فقال بنو صُوحان : يا أميرَ المؤمنين ، ائذن لنا نقف عن مُضر ؛ ففعل ، فأتى زيد فقيل له : ما يوقفك حيال الجمل وبحيال مضر! الموت معك وبإزائك ، فاعتزل إلينا ؛ فقال : الموتَ نريد . فأصيبوا يومئذ ، وأفلت صَعْصعة من بينهم . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصّعب بن عطية ، قال: كان رجل منا يدعَى الحارث ، فقال يومئذ: يَال مُضَر ؛ علامَ يقتل بعضكم بعضًا! تبادرون لاندرى إلاّ أنَّا إلى قضاء، وما تُكْفَوْن فى ذلك. ٣٢١١/١ حدّثنى عبد الله بن أحمد ، قال : حدثنى أبى، قال: حدّى سليمان، قال : حدّثنى عبد الله بن المبارك، عن جرير، قال : حدّثّنى الزبير بن الخرّيت ، قال : حدثنى شيخٌ من الحراميْن يقال له أبو جُبير، قال: مررتُ بكعب بن سُور وهو آخذ بخطام جملِ عائشة رضى الله عنها يومَ الجمل ، فقال: يا أبا جُبير ، أنا والله كما قالت القائلة : • ◌ُبََّّ لا تَبِنْ ولا تُقاتِلْ. ٠ فحدّثّنى الزبير بن الخرّيت، قال: مرّ به علىّ وهو قتيل ، فقام عليه فقال: والله إنك - ما علمتُ - كنتَ الصليبًا فى الحقّ، قاضياً بالعدل، وكيت وكيتَ ؛ فأثنى عليه . (١) من ابن الأثير سنة ٣٦ ٥٢٩ كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن ابن صعصعة المُزْنِىّ - أو عن صعصعة - عن عمرو بن جأوان، عن جرير بن أشرس ، قال : كان القتال يومئذ فى صدر النهار مع طلحة والزبير ، فانهزم الناس وعائشة توقّع الصّلح ، فلم يَفْجأها إلاّ الناس، فأحاطت بها مُضَر، ووقف الناس للقتال، فكان القتال نصف النهار مع عائشة. وعلىّ ... (١) كعب بن سُور أخذ مصحفَ عائشة وعلىّ فبدر بين الصّفين يناشدهم الله عزّ وجلّ فى دمائهم، وأعطِىَ درِعَه فرمى بها تحته، وأتىَ بَرْسه فتنكّبه، فرشقوه ٣٢١٢/١ رِشْقًا(٢) واحداً، فقتلوه رضى الله عنه، ولم يُمهلوهم أن شدّوا عليهم ، والتّحم القتال ، فكان أول مقتول بين يدى عائشة من أهل الكوفة . کتب إلیّ السریّ ، عن شعیب ، عن سیف ، عن مخلد بن کثیر ، عن أبيه ، قال : أرسلْنا مسلم بن عبد اللّه يدعوننى أبينا ، فرَشَقوه - كما صنع القلب بكعب - رِشْقًاً واحداً ، فقتلوه ، فكان أوّلَ من قتل بين يدىْ أمير المؤمنين وعائشة رضى الله عنها ، فقالت أمّ مسلم ترثيه : مُسْتِلِماً للموتِ إذا دَ عَاهُمُ لاهُمَّ إِنّ مسُلماً أَتَامُ . م (٣) إلی کتابٍ اللّهِ لا يخشامُ فرمَّلوهُ من دَرٍ إِذ جاهُ(٣) يأتمرون الغَىَّ لا تنهاهمُ وأمّهم قائمةٌ تراهُمُ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصّعب بن حكيم ابن شريك، عن أبيه، عن جدّه ، قال: لما انهزمت مجنّبتا الكوفة عشيّة الجمل، صاروا إلى القلب - وكان ابن يتربىّ قاضىَ البصرة قبل كعب بن سُور ، فشهدهم هو وأخوه يوم الجمل ، وهما عبد اللّه وعمرو، فكان واقفًا أمامَ الجمل على فرس - فقال علىّ: مَن رجل يحمل على الجمل ؟ فانتدب له هند بن عمرو المرادىّ ، فاعترضَه ابن يثربىّ ، فاختلفا ضربتين ، فقتله ابن يثربىّ ، (١) نقص فى أصول ط . (٢) رشقا واحداً، أى وجهاً واحداً . (٣) رملوه: لطخوه. ٥٣٠ سنة ٣٦ ثم حمل سَيْحان بن صُوحان، فاعترضه ابن يثربىّ، فاختلفا ضربتين فقتله ابن يثربىّ ، ثم حمل علباء بن الهيثم ، فاعترضه ابن يثربّ، فقتله ، ثم حمل ٣٢١٣/١ صعصعة فضربه، فقتل ثلاثة أجهزّ عليهم فى المعركة : علباء ، وهند ، وسَيْحان، وارتُثَّ(١) صعصعة وزيد، فمات أحدهما، وبقى الآخَر. كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو بن محمد ، عن الشعبىّ ، قال: أخذ الخِطامَ يَومَ الجمل سبعون رجلا من قريش ، كلُّهم يُقتل وهو آخذ بالخطام ، وحمل الأشتر فاعترضه عبد الله بن الزبير ، فاختلفا ضربتين ، ضربه الأشتر فأمّه ، وواثَبَه عبد اللّه، فاعتنقه فخرّ بِهِ ، وجعل يقول: ((اقتلُونى ومالكًا)) - وكان الناس لا يعرفونه بمالك، ولو قال : (( والأشتر))، وكانت له ألف نفس ما نجا منها شىء - وما زال يضطرب فى يدىْ عبد اللّه حتى أفلسَت، وكان الرجل إذا حمل على الجمل ثم نجالم يعُد. وجرح يومئذ مَرْوان وعبد الله بن الزبير . حدّثنى عبدُالله بنُ أحمد، قال: حدثنى عمّى ، قال : حدّثنى سليمان ، قال : حدّثنى عبد الله ، عن جرير بن حازم ، قال : حدّثّنى محمد بن أبى يعقوب وابن عون ، عن أبى رجاء ، قال: قال يومئذ عمرو بن يتربىّ الضّبِىّ؛ وهو أخو عميرة القاضى: نحن بنِ ضَّبَّة أصحابُ الجمل·(٢) نْزِلُ بالموتِ إذا الموتُ نَزَلْ وزاد ابن عون - وليس فى حديث ابن أبى يعقوب : القَتْلُ أَحْلَى عِندنا من العَسَلْ نَنْعَى أَبنَ عِفَّنَ بأطراف الأسَلْ * رُدُوا علينا شَيْخَنَا ثُمَّ يَجَلْ. ٣٢١٤/١ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن داود بن أبى هند ، عن شيخ من بنى ضَبّة ، قال : ارتجز يومئذ ابن يثربّ: قاتِلُ عِلْباءَ وهِنْدِ الجِلِى أنا لمن أنكَرَنى ابنُ يَثْرَبِى (١) ارتث، أى حمل جريحاً . (٢) ط: ((بنو))، وانظر ص ٥١٨. سنة ٣٦ ٥٣١ وأبنٍ لِصُوحانَ عَلی دینِ عَلى وقال : مَن يُبارز؟ فبَرَز له رجل ، فقتله ، ثم برز له آخر فقتله ، وارتجز وقال : أُقْتُلُهُمْ وقد أرى عليًّا ولو أشا أوْجَرْتُهُ عَمْرِيّا فبرز له عمّار بن ياسر؛ وإنه لأضعف مَن بارَزّه، وإنّ الناس ليسترجعون حين قام عمار، وأنا أقول لعمار من ضعفه: هذا والله لاحقٌ بأصحابه، وكان قضيفً(١)، حَمْشَ الساقين(٢)، وعليه سيفٌ حمائلُه تشفّ عنه (٣) قريب من إبطه ، فيضربه ابن يثربىّ بسيفه ، فنشِب فى حجقته (٤)، وضَرَبَه عمار وأوهطه، ورَتى أصحابُ علىّ ابنَ يَثربى بالحجارة حتى أثخنوه وارتَشُّوه . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن حمّاد البُرجُمىّ، عن خارجة بن الصلت ، قال : لما قال الضبّىّ يومَ الجمل : نحن بنى ضّة أصحابُ اَلْجَمَلْ"(٥) نتعَى أَبن عفّانَ بأطراف الأسَلْ * ردُّوا علينا شيخَنَا ثُمَّ يَجَلْ" قال ◌ُمير بُن أبى الحارث : كيف نَرُدُّ شيخَكَم وقد قَحَلْ(٦) نحن ضَرَبنا صدرَه حتَّى انجفَلْ!(٧) كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الصّعب بن حكيم ، عن أبيه، عن جدّه، قال: عقَر الجملَ رجلٌ من بنى ضّبة يقال له: ٣٢١٥/١ ابن 'دُلْجة ــ عمرو أو بُجير- وقال فى ذلك الحارث بن قيس - وكان من أصحاب عائشة : (١) القضيف: الدقيق العظيم، القليل اللحم . (٢) جيش الساقين : دقيقهما . (٣) ط: ((بشقة قائمة))، وانظر التصويبات. (٤) الحجفة: الترس ؛ قيل : هو ما كان من الجلود خاصة . (٥) ط ((نحن بنو))، وانظر ص ٥١٨. (٦) قحل؛ فسره صاحب اللسان وقال: ((أى مات وجف جلده)). (٧) انجفل ، أى سقط . ٥٣٢ سنة ٣٦ من ضربَةٍ بالنّفْرِ كانت فَيْصَلاَ(١). نحن ضربنا ساقَهُ فانجدلا لو لم نَكَوَّنْ للرَّسول تَقَلا وحُرْمَةً لاقْتَمَونا عُجَّلا وقد نُحِل ذلك المثنّ بن مخرمة من أصحاب علىْ . ٠ ٠ شدّة القتال يوم الجمل وخبر أعين بن ضُبيعة واطلاعه فى الهودج كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن نُوَيَرة ، عن أبى عثمان، قال: قال القعقاع: ما رأيتُ شيئًا أشبه بشىء من قتال القلب يومَ الجَمَل بقتال صِفّين، لقد رأيتُنا ندافعهم بأسنتنا ونتَّكئ على أزِجَّتنا، وهم مثل ذلك حتى لو أنّ الرجال مشت عليها لاستقلّت بهم . حدّثنى عيسى بن عبد الرّحمن المَروزِىّ، قال: حدّثنا الحسن بن الحسين العُرَنىّ، قال: حدّثنا يحيى بن يعلى الأسلمىّ ، عن سليمان بن قَرْم ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن سنان الكاهلىّ ، قال : لما كان يوم الجمل ترامينا بالنَّبل حتى فنيتْ، وتطاعنًّاً بالرّماح حتى تشبكت فى صدورنا وصدورهم، حتى لوسُيَّرت عليها الخيل لسارت، ثم قال علىّ: السيوفَ يا أبناءَ المهاجرين. قال الشيخ : فما دخلتُ دارَ الوليد إلا ذكرتُ ذلك اليوم . ٣٢١٦/١ حدّثنى عبد الأعلى بن واصل ، قال : حدثنا أبو فُقيم ، قال : حدثنا فِطْر ، قال : سمعت أبا بشير قال : كنتُ مع مولاى زمنَ الجمل ، فما مررتُ بدار الوليد قتَطّ، فسمعت أصواتَ القَصّارين يضربون إلاّ ذكرت نتالهم . حدّثنى عيسى بن عبد الرحمن المروزىّ ، قال : حدّثنا الحسن بن الحسين ، قال : حدثنا يحيى بن يعلى ، عن عبد الملك بن مسلم ، عن عيسى ابن حطّان قال: حاصَ الناس حَيْصة (٢)، ثم رجعنا وعائشة على جمل (١) انجدل : خر إلى الأرض صريعاً. (٢) فى اللسان: ((فى حديث يرويه ابن عمر أنه ذكر قتالا وأمراً فخاص المسلمون حيصة - ويروى : فجاض جيضة - معناهما واحد - أى جالوا جولة يطلبون الفرار)). ٥٣٣ سنة ٣٦ أحمر ، فى هَوْدج أحمر ، ما شبّهته إلا بالقنفذ من النَّبل . حد ◌ّثنی عبد الله بن أحمد ، قال : حدثنى أبى؛ قال: حدّثنی سلمان، قال : حدثنى عبد الله، قال: حدثنى ابن عون ، عن أبى رَجاء ، قال : ذكروا يومَ الجمل فقلتُ: كأنّى أنظر إلى خِدْر عائشةَ كأنه قنفذ مما رُمِىَ فيه من النّبل ، فقلت لأبى رجاء : أقاتلتَ يومئذ ؟ قال: والله لقد رميتُ بأسهم فما أدرى ما صَّنَعْن . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن راشد السُّلَمَىّ ، عن ميسرة أبى جميلة ، أنّ محمد بن أبى بكر وعمّار بن ياسر أتَيَا عائشة وقد عُقِر الجمل، فقطعا غُرْضة(١) الرَّحْل، واحتمَلا الهودج، فنَحَيَاه حتى أمرهما علىٌّ فيه أمرَه بعد؛ قال : أدخلاها البصرة، فأدخَلاها دارَ عبد الله بن خلف الخُزَاعِىّ. كتب إلىّ السرّىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : أمر على نفرًا بحمل المَوْدج من بين القتلى، وقد كان القعقاع وزُفَر بن الحارث أنزلاه عن ظهر البعير ، فوَضَعاه إلى جنبْ البعير ، فأقبل محمد ٣٢١٧/١ ابن أبى بكر إليه ومعه نفر، فأدخل يده فيه ، فقالت : من هذا ؟ قال: أخوكِ البَرّ، قالت : عقوق . قال : عمار بن ياسر: كيفرأيت ضرب بنيك اليوم يا أمّهْ ؟ قالت: من أنت؟ قال: أنا ابنك البارّ عمّار؛ قالت : لستُ لك بأمّ ؛ قال : بلى، وإن كرهْتِ . قالت : فخرتم أن ظفرتم ، وأتيتم مثل ما نقَمتم ، هيهات ؛ واللّه لن يظفر مَن كان هذا دأبته . وأبرزوها بهَوْدجها من القتلى، ووَضَعوها ليس قربها أحد، وكأنّ هودجها فرخ مقصّب(٢) مما فيه من النَّبل ، وجاء أعين بن ضُبيعة المجاشعيّ حتى اطّلع فى الهَوْدج، فقالت: إليكَ لعنك الله! فقال: والله ما أرى إلاّ حُمَيْراء؛ قالت : هتَك اللّه سترك، وقطع يدك ، وأبدى عورتك! فقُتل بالبصرة (١) الغرضة: التصدير، وهو الرحل كالحزام السرج (٢) ط: ((معضب))، والفرخ: الزرع إذا تهيأ للانشفاق بعد ما يطلع، ومقصب؛ أى ذو أنابيب . ٥٣٤ سنة ٣٦ وسُلب، وقطعتْ يده، ورُمى به عريانًا فى خَرِبة من خَربات الأزْد ، فانتهى إليها علىّ، فقال: أىْ أمّه ، يغفر الله لنا ولكم ؛ قالت : غفر الله لنا ولكم . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن الصعب بن حكيم ابن شريك ، عن أبيه ، عن جده ، قال : انتهى محمد بن أبى بكر ومعه عمّار ، فقطع الأنساع عن الهودج، واحتملاه ، فلما وضعاه أدخل محمد يده وقال : أخوك محمد، فقالت: مذّم ، قال: يا أُخيَّة، هل أصابَكِ شىء ؟ قالت : ما أنت من ذاك(١) ؟ قال: فمَن إذاً! الضُّلاّل؟ قالت: بل الهُداة، وانتهى إليها علىّ ، فقال : كيف أنتِ يا أَّه ؟ قالت : بخير ، قال : يغفر اللّه لك. قالت: ولكَ. كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : ٣٢١٨/١ ولما كان من آخر الليل خرج محمد بعائشة حتى أدخلها البصرة ، فأنزلها فى دارٍ عبد الله بن خلف الخُزاعىّ على صفيَّة ابنة الحارث بن طلحة بن أبى طلحة ابن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبدالدّار، وهى أمّ طلحة الطََّحات بن عبد الله ابن خَلَف . وكانت الوقعة يومَ الخميس لعشرٍ خلوْن من جمادى الآخرة سنة ستّ وثلاثين ، فى قول الواقدىّ . مقتل الزبير بن العوَّام رضى الله عنه كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الوليد بن عبد الله، عن أبيه ، قال: لما انهزم الناس يوم الجمل عن طلحة والزبير، ومضى الزّبير رضى الله عنه حتى مرّ بعسكر الأحنف، فلما رآه وأخبر به قال: والله ما هذا بخيار (٢)، وقال للناس: مَن يأتينا بخبره؟ فقال عمرو بن جُرموز لأصحابه : (١) ابن الأثير: ((وذاك)). (٢) أى باختيار له إنما اضطر إلى ذلك. والكلمة فى أصول ط غير واضحة . سنة ٣٦ ٥٣٥ أنا ، فأتبعه ، فلما لحقه نظر إليه الزبير - وكان شديدَ الغضب - قال : ما وراءك ؟ قال : إنما أردتُ أن أسألك ؛ فقال غلام للزّبير بُدعَى عطية كان معه: إنه مُعِدّ؛ فقال: ما يتَهولك من رجل! وحضرت الصّلاة، فقال ابن جُرموز : الصلاة ؛ فقال : الزبير : الصلاة ، فنزلا ، واستدبره ابن جُرموز فطعنه من خلفه فى جُرُبّان(١) درعه، فقتله، وأخذ فرسَه وخاتمَه وسلاحه ، وخلّى عن الغلام ، فدفنه بوادى السباع ؛ ورجع إلى الناس بالخبر. فأما الأحنف فقال: والله ما أدرى أحسنت أم أسأت! ثمّ انحدر إلى علىّ وابن جُرموز معه ، فدخل عليه ، فأخبره ، فدعا بالسيف ، فقال: سيف ٣٢١٩/١ طالمَا جلَّى الكُرَب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ! وبعث بذلك إلى عائشة، ثم أقبل على الأحنف فقال: تربّصتَ ؛ فقال: ما كنتُ أرانى إلاّ قد أحسنتُ، وبأمرك كان ما كان يا أميرَ المؤمنين، فارفُق فإنّ طريقك الذى سلكتَ بعيد، وأفت إلىَّ غداً أحوج منك أمسٍ ، فاعرف إحسانى ، واستصف مودّتى لغَد، ولا تقولَنَّ مثلَ هذا ، فإنى لم أزل لك ناصحًا . من انهزم يوم الجمل فاختفی ومضى فى البلاد كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا: ومضى الزبير فى صدر يوم الهزيمة راجلاً نحو المدينة ، فقتله ابن جُرموز ، قالا: وخرج عُشْبة بن أبى سُفيان وعبد الرحمن ويحيى ابنا الحكم يوم الهزيمة، قد شُجِّجوا (٢) فى البلاد، فلقوا عصمة بن أبير التيمىّ، فقال: هل لكم فى الجوار ؟ قالوا : من أنت ؟ قال : عصمة بن أبير . قالوا : نعم ، قال : فأنتم فى جوارى إلى الحول ؛ فمضى بهم ، ثم حتماهم وأقام عليهم حتى بَرّءوا، ثم قال: اختاروا أحبَّ بلد إليكم أبْلِغِكُموه ، قالوا : الشأم ، فخرج بهم فى أربعمائة راكب من تَيْمُ الرَّباب، حتى إذا وغلوا (٣) فى بلاد كلب بدُومة (١) الجربان: الجيب. (٢) يقال: شج المفازة يشجها أى قطعها . (٣) وغل فى البلاد: ذهب وأبعد؛ ومثلها أوغل . ٥٣٦ سنة ٣٦ قالوا : قد وفّيتَ ذمّتْك وذِ مَمَهم ، وقضيتَ الذى عليك فارجع ، فرجع . وفى ذلك يقول الشاعر : ٣٢٢٠/١ وَفَى ابنُ أَبَيْرِ والرّماح شوارعٌ بِآل أَبِى العاصى وفاء مُذَ كَّرًا وأما ابن عامر فإنه خرج أيضًا مشجّجاً ، فتلقاه رجل من بنى حُرْقوص يُدعَى مُرَيًّا، فدعاه للجوار ، فقال: نعم، فأجاره وأقام عليه ، وقال : أىّ البلدان أحب إليك؟ قال : دمشق ، فخرج به فی ر کب من بنی حُرْ قوص حتى بلغوا به دمشق . وقال حارثةُ بن بدر- وكان مع عائشة ، وأصيب فى الوقعة ابنه أو أخوه زراع (١): أناخَ وألقَى فى دِمَشْقَ الَمَراسيا أتانى من الأنباءِ أنَّ ابْنَ عامٍ وأوَى مَرْوان بن الحكم إلى أهل بيت من عنزة يومَ الهزيمة ، فقال لهم: أعلموا مالكَ بنَ مسمع بمكانى ، فأتَوْا مالكًا فأخبروه بمكانه، فقال لأخيه مقاتل : كيف نصنع بهذا الرجل الذى قد بعث إلينا يُعلِمنا بمكانه ؟ قال : ابعث ابن أخى فأجِرْه، والتمسوا له الأمان من علىّ ، فإن آمنه فذاك الذى نحبّ وإن لم يؤمنه خرجْنا به وبأسيافنا ؛ فإن عرض له جالَدْنا دونَه بأسيافنا ، فإمّا أن نسلم، وإمّا أن نهلك كرامًا. وقد استشار غيره من أهله من قَبْل ٣٢٢١/١ فى الذى استشار فيه مقاتلاً، فنهاه ، فأخذ برأى أخيه ، وترك رأيهم ، فأرسل إليه فأنزله داره ، وعزم على منعه إن اضطر إلى ذلك ، وقال : الموت دون الحوار وفاءٌ، وحفظ لهم بنو مَرْوانَ ذلك بعد، وانتفعوا به عندهم، وشرّفوهم بذلك، وأوى عبد الله بن الزبير إلى دار رجل من الأزْد يُدعَى وزيراً؛ وقال: اثتِ أُمَّ المؤمنين فأعلْمها بمكانى، وإيّاك أن يطّلع على هذا محمد بن أبى بكر ، فأتى عائشة رضى الله عنها فأخبَرَها ، فقالت : علىَّ بمحمد ، فقال: يا أمّ المؤمنين ، إنه قد نهانى أن يعلم به محمد ، فأرسلت إليه فقالت : اذهب مع هذا الرجل حتى تجيئَنى بابن أختك ؛ فانطَلَق معه فدخل بالأزدىّ (١) ط: ((وفى نسخة أخرى دراع)). وفى الحواشى: ربما كانت ((ذراع)). وانظر المشتبه الذهبى. ٥٣٧ سنة ٣٦ على ابن الزبير ، قال: جئتك واللّه بما كرهتَ، وأبتْ أمّ المؤمنين إلاّ ذلك، فخرج عبدُاللّه ومحمد وهما يتشاتمان، فذكر محمد عثمان فشتمه وشتم عبد الله محمداً حتى انتهى إلى عائشة فى دار عبد الله بن خلف - وكان عبد الله ابن خلف قبل يوم الجمل مع عائشة، وقُتل عثمانُ أخوه مع علىّ - وأرسلت عائشةُ فى طلب من كان جريحًا فضمّت منهم ناسًا ، وضمّت مرْوان فيمن ضَمّت ، فكانوا فى بيوت الدار . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : وغشِىَ الوجوهُ عائشة وعلىّ فى عسكره ، ودخل القعقاع بن عمرو على عائشة فى أوّل من دخل ، فسلّم عليها ، فقالت : إنى رأيت رجلين بالأمس اجتكّدا بين يدىّ وارتجزا بكذا ، فهل تعرف كُوُفيَّك منهما؟ قال : نعم، ذاك الذى قال: ((أعقُّ أُمَّ نَعْلم))، وكذَبٍ واللّه، إنكِ لأبرّ أمّ نتعلم، ولكن لم تطاعى. فقالت : والله لوددت أنى متُّ قبل هذا اليوم بعشرين سنة . وخرج فأتى عليًّا فأخبره أنّ عائشة سألتْه، فقال: وَيَْحك! مَن الرجلان؟ قال: ذلك أبو هالة الذى يقول : ٣٢٢٢/١ · كما أرى صاحبه عليّا . فقال : والله لوددتُ أنى متّ قبلَ هذا اليومِ بعشرين سنة، فكان قولُهما واحداً . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : وتسلّل الجرحى فى جوف الليل، ودخلَ البَصْرة مَن كان يطيق الانبعاث منهم ، وسألتْ عائشةُ يومئذٍ عن عِدّة من الناس ، منهم من كان معها ، ومنهم من كان عليها ، وقد غشيتها الناس ، وهى فى دار عبد الله بن خلف، فكلما نُعىَ لها منهم واحد قالت : يرحمُهُ اللّه، فقال لها رجل من أصحابها : كيف ذلك ؟ قالت: كذلك قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: فلانٌ فى الجنة ، وفلانٌ فى الجنة . وقال علىّ بن أبى طالب يومئذ: إنى لأرجو ألاّ يكون أحد من هؤلاء نَقَى قلبَه إلاّ أدخله الله الحنّة كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عطيّة ، عن أبى أيوب، عن على، قال: ما نُزِّل على النبيّ صلى الله عليه وسلّم آية أفرّح له من ٥٣٨ سنة ٣٦ قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبَمَا حَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)(١)، فقال صلى الله عليه وسلم: (( ما أصاب المسلم فى الدّنيا من مصيبة فى نفسه فيذَنْب، وما يعفو الله عزّ وجلّ عنه أكثر ، ٣٢٢٣/١ وما أصابه فى الدنيا فهو كفّارة له وعفوٌ منه لا يُعتدّ عليه فيه عقوبة يوم القيامة، وما عفا الله عزّ وجلّ عنه فى الدنيا فقد عفا عنه، واللّهُ أعظم من أن يعودَ فى عفوه)). توجّع علىّ على قتلى الجمل ودفنهم وجمعه ما كان فى العسكر والبعثُ به إلى البصرة كتب إلىّ السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : وأقام علىّ بن أبى طالب فى عسكره ثلاثةَ أيام لا يدخل البصرة ، ونُدب الناس إلى موتاهم ، فخرجوا إليهم فدفنوهم، فطاف على معهم فى القتلى، فلما أتِىَ بكَعْب بن سُورقال: زعمتم (٢) أنما خرج معهم السفهاء ، وهذا الخبر قد ترون . وأتى على عبد الرحمن بن عتّاب فقال: هذا يَعْسوب القوم - يقول الذى كانوا يُطيفون به - يعنى أنهم قد كانوا اجتمعوا عليه ، ورضُّوا به لصلاتهم. وجعل علىّ كلما مرّ برجل فيه خير قال: زعَمَّ مَن زعم أنه لم يخرج إلينا إلاَّ الغوغاء، هذا العابد المجتهد. وصلّى على قتلاهم من أهل البصرة ، وعلى قتلاهم من أهل الكوفة ؛ وصلى على قريش من هؤلاء وهؤلاء، فكانوا مدتَبيِّن ومَكْتِّين، ودفن علىّ الأطرافَ فى قبر عظيم، وجمع ما كان فى العسكر من شىء ، ثم بعث به إلى مسجد البصرة؛ أنْ من عرف شيئًاً فليأخذه، إلاّ سلاحًا كان فى الخزائن عليه سمة السلطان، فإنه لمّا بقى ٣٢٢٤/١ لم يعرف، خذُوا ما أجلبوا به عليكم من مال اللّه عزّ وجلّ، لا يحلّ المسلم (١) سورة الشورى ٣٠. (٢) ابن الأثير والنويرى: ((أزعمتم)). ٥٣٩ سنة ٣٦ من مال المسلم المتوفَّى شىء، وإنما كان ذلك السلاح فى أيديهم من غير تنفيل(١) من السلطان . # عدد قتلى الجمل كتب إلىَ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : كان قتلى الجمل حول الجمل عشرة آلاف ؛ نصفهُم من أصحاب علىّ ، ونصفهم من أصحاب عائشة ؛ من الأزد ألفان ، ومن سائر اليمن خمسمائة ، ومن مضرَ ألفان، وخمسمائة من قيس ، وخمسمائة من تميم ، وألف من بنى ضبّة، وخمسمائة من بكر بن وائل . وقيل : قتل من أهل البصرة فى المعركة الأولى خمسة آلاف ، وقتل من أهل البصرة فى المعركة الثانية خمسة آلاف ، فذلك عشرة آلاف قتيل من أهل البصرة ، ومن أهل الكوفة خمسة آلاف . قالا : وقُتل من بنى عدىّ يومئذ سبعون شيخًا ، كلهم قد قرأ القرآن، سوى الشّباب ومن لم يقرأ القرآن . وقالت عائشة رضى الله عنها : ما زلتُ أرجو النصرَ حتى خفيتْ أصواتُ بنی عدیّ . دخول علىّ على عائشة وما أمر به من العقوبة فيمن تناولها كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا: ودخل علىّ البصرة يوم الاثنين ، فانتهى إلى المسجد ، فصلى فيه ، ثم دخل البصرة ، فأتاه الناس ، ثم راح إلى عائشة على بغلته ، فلما انتهى إلى دار عبد الله بن خلف وهى أعظم دار بالبصرة، وجد النِّساءَ يبكين على عبد الله ٣٢٢٥/١ وعثمان ابنى خَلَف مع عائشةَ، وصفيّةُ ابنة الحارث مختمرة(٢) تبكى، فلما (٢) مختمرة، أى وضعت الخمار على وجهها . (١) ط: ((تنفل)). ٥٤٠ سنة ٣٦ رأته قالت: يا علىّ، يا قائلَ الأحبّة، يا مفرّق الجمع، أيتمَ اللّهُ بَنيك منك كما أيتمَت وليد عبد الله منه! فلم يردّ عليها شيئًا، ولم يزل على حاله حتى دخل على عائشة، فسلّم عليها، وقعد عندَها، وقال لها: جَبَهَتْنَا صفيّة، أما إنى لم أرها منذ كانت جاريةً حتى اليوم ، فلما خرج علىّ أقبلت عليه فأعادت عليه الكلام، فكفّ بغلته وقال: أمَا لهمَمْتُ . وأشار إلى الأبواب من الدار - أن أفتح هذا الباب واقتلَ من فيه، ثم هذا فأقتل مَن فيه ، ثم هذا فأقتل من فيه - وكان أناس من الجرحتى قد لجئوا إلى عائشة ، فأخبر على بمكانهم عندها ، فتغافل عنهم - فسكتت ، فخرج على ، فقال رجل من الأزد: والله لا تُفلتنا هذه المرأة. فغضب وقال: صَه (١)! لا يَهْتِكُنّ ستراً، ولا تَدخُلنَّ داراً، ولا تتهيّجُنّامرأةً بأذَى، وإن شَتّمن أعراضَكم ، وسفَّهن أمراء كم وصُلَحاءكم، فإنهنّ ضعاف؛ ولقد كنا نؤمر بالكفّ عنهنّ ، وإنهنّ لمشركات، وإن الرجل ليكافئ المرأة ويتناولها بالضرب فيُعيَّر بها عقبه من بعده ، فلا يبلغنِّى عن أحد عرض لامرأة فأنكّل به شرار الناس . ومضى علىّ ، فلحقِ به رجل، فقال: يا أميرَ المؤمنين ، قام رجلان ممن لقيتُ على ٣٢٢٦/١ الباب، فتناولا مَنْ هو أمضُ لك شتيمة من صفّية. قال: ويحك! لعلها عائشة . قال : نعم ، قام رجلان منهم على باب الدار فقال أحدهما : • جُزيت عنّا أمَّنا عُقوقاء : وقال الآخر * يا أُمَّنا تُوبى فقد خَطِيتِ، فبعث القعقاعَ بن عمرو إلى الباب ، فأقبل بمن كان عليه ، فأحالوا على رجلين ، فقال : أضربُ أعناقهما ، ثم قال: لأنهكنّهما عقوبة . فضربهما مائةً مائة ، وأخرجهما من ثيابهما . كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن الحارث بن حصيرة ، عن أبى الكنود ، قال : هما رجلان من أزْد الكوفة يقال لهما عِجْل وسعد ابنا عبد الله . (١) ابن الأثير والنويرى: ((مه)).