Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
سنة ٣٦
كتب إلىّ السرىّ عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا :
ولمّاً نزل علىّ الثعلبيَّة أتاه الذى لقى عمّانُ بن حُنَيف وحرسُهُ، فقام وأخبر القوم
الخبر، وقال : اللهمّ عافى مما ابتليتَ به طلحة والزّبير من قَتْل المسلمين،
وسلّمنا منهم أجمعين . ولما انتهى إلى الإساد أتاه ما لقى حُكَيْمُ بن جَكة
وقتلةُ عثمان بن عفان رضى الله عنه، فقال : الله أكبر ، ما(١) ينجينى من
طلحة والزّبير إذا أصابا ثأرهما أو ينجيهما! وقرأ: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِى
الأرْضِ وَلَا فِ أنْفُسِكُمْ إِلَّ فِىِ كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾(٢). وقال:
دَعَا حُكَّْمٌ دَعوَةَ الزِّمَاعِ حَلَّ بها مَنْزلَةَ الَّزاع
ولما انتهوا إلى ذى قار انتهى إليه فيها عثمان بن حُنَيف ، وليس فى
وجهه شعر ، فلما رآه علىّ نظر إلى أصحابه فقال : انطلق هذا من عندنا وهو
شيخٌ، فرجع إلينا وهو شابّ. فلم يزل بذى قار يتلوّم محمداً ومحمداً ، وأتاه الخبر
بما لقيَتْ ربيعة وخروج عبد القيس ونزولهم بالطريق، فقال: عبد القيس
خيرُ ربيعة ، فى كلّ ربيعة خير . وقال :
يا لَهفَ نَفسى على رَبِيعَهْ رَبِيَةَ السَامِعَةِ الْمُطِيعَهْ
دَعَا عَلَىٌّ دَعوةٌ سَمِيعَةْ
قد سَبَقَتْی فیهِمُ الوَقیعَهْ
حَلُّوا بها المَنْزِلَةَ الرَّفيعَه.
٣١٤٥/١
قال : وعرضَتْ عليه بكر بن وائل ، فقال لهمْ مثل ما قال لطِّئُ وأسد .
ولما قدم محمد ومحمد على الكوفة وأتيا أبا موسى بكتاب أمير المؤمنين ، وقاما
فى الناس بأمره ، لم يجابا إلى شىء، فلما أمسوا دخل ناسٌ من أهل الحجتى
على أبى موسى، فقالوا : ما ترى فى الخروج ؟ فقال : كان الرّأى بالأمس
ليس باليوم ، إنّ الّذى تهاونتم به فيما مضى هو الذى جرّ عليكم ما تَرَوْن؛
وما بقِىَ إنما هما أمران: القُعود سبيل الآخرة والخُروج سبيل الدّنيا ،
فاختاروا. فلم ينفِرِ إليه أحدٌ، فغضِب الرّجلان وأغلظا لأبى موسى ، فقال
(١) ابن الأثير: ((وأما)).
(٢) سورة الحديد ٢٢.

٤٨٢
سنة ٣٦
أبو موسى: والله إنّ بيعة عثمان رضى الله عنه لفى عُنقى وعنق صاحبكما، فإن
لم يكن بُدُّ من قتال لا نقاتل أحداً حتى يُفرَغ (١) من قتلة عثمان حيث
كانوا . فانطلقا إلى علىّ فوافياه بذى قار وأخبراه الخبر ، وقد خرج مع الأشتر
وقد كان يعجل إلى الكوفة ، فقال على : یا أشتر ، أنت صاحبنا فى أبى موسى
والمعترض فى كلّ شيء، اذهب أنت وعبد الله بن عبّاس فأصْلِحْ ما أفْسَدْت.
فخرج عبد الله بن عباس ومعه الأشتر، فقدما الكوفة وَكَلَّما أبا موسى
واستعانا عليه بأناس من الكوفة ، فقال الكوفيين : أنا صاحبكم يوم الجَرّعة
وأنا صاحبكم اليوم؛ فجمع الناس فخطبهم وقال: يأيها الناس، إنّ أصحاب
النبيّ صلى الله عليه وسلم الّذين صحبوه فى المواطن أعلم باللّه جلّ وعزّ وبرسُوله
٣١٤٦/١ صلى الله عليه وسلم ممّن لم يصحبه، وإنَّ لكم علينا حقًا فأنا مؤدّيه إليكم.
كان الرّأى ألاّ تستخفُّوا بسلطان اللّه عزّ وجلّ، ولا تجترئوا على اللّه عزّ وجلّ،
وكان الرّأى الثانى أن تأخذوا من قَدِم عليكم من المدينة فتردّ وهم إليها حتى
يجتمعوا ، وهم أعلم بمن تصلح له الإمامة منكم، ولا تكلّفوا الدّخول فى هذا،
فأمّا إذ كان ما كان فإنها فتنة صماء ، النائم فيها خيرٌ من اليقظان ، واليقظان
فيها خير من القاعد ، والقاعد خير من القائم ، والقائم خيرٌ من الرّاكب ،
فكونوا جرثومة من جراثيم العرب ، فاغمدوا السيوف ، وأنصِلوا الأسنّة ، واقطعوا
الأوتار ، وآووا المظلوم والمضطهد حتى يلتثم هذا الأمر، وتنجلىَ هذه الفِتْنة.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا:
ولما رجع ابن عباس إلى علىّ بالخبر دعا الحسنَ بن علىّ فأرسله، فأرسل معه
عمَّار بن ياسر، فقال له : انطلق فأصلح ما أفسدتَ ؛ فأقبلا حتى دخلا
المسجد، فكان أوّل من أتاهما مسروق بن الأجْدع، فسلّم عليهما، وأقبل على
عمّار فقال: يا أبا اليقظان، علام قتلتم عثمان رضى الله عنه؟ قال: عَلَى
شَتْم أعراضنا وضرب أبشارنا !فقال: والله ما عاقَبْتُمْ بمثلِ ماعوقبتم به ولئن
صبرتم لكان خيراً للصّابرين. فخرج أبو موسى، فلقى الحسَن فضمَّه إليه، وأقبل
على عمّار فقال: يا أبا اليقظان، أعَدَوْت فيمن عدا على أمير المؤمنين، فأحللت
٣١٤٧/١
(١) ابن الأثير والنويرى: ((نفرغ)).

سنة ٣٦
٤٨٣
نفسَك مع الفجار ! فقال: لم أفعل ، وليمَ تسوؤنى؟ وقطع عليهما الحسن ،
فأقبل على أبى موسى ، فقال: يا أبا موسى، لِمَ تثبّط النّاس عنا! فوالله ما أردنا
إلاّ الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يُخاف على شىء. فقال: صدَقْتَ
بأبى أنت وأمىّ! ولكنّ المستشار مُؤْتمن، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه
وسلم يقول: ((إنها ستكون فتنةٌ، القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائم خير من
الماشى، والماشى خيرٌ من الراكب))؛ قد جعلنا الله عزّ وجل" إخوانًا، وحرَّم
علينا أموالنا ودماءَنا، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ
بْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾(١)، ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ
رَحِيماً﴾(١). وقال جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَاً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَّمَ﴾(٢).
فغضب عمارٌ وساءَه وقام وقال : يأيّها الناس، إنما قال له خاصّةً : أنت فيها
قاعداً خيرٌ منك قائمًا. وقام رجلٌ من بني تميم، فقال لعمّار: اسكت أيُّها
العبد ، أنت أمس مع الغوغاء واليوم تُسافِهِ أميرَنا ؛ وثار زَيْدُ بن صُوحان
وطبقتُه وثار الناس، وجعل أبو موسى يُكَفْكِفُ الناس، ثمّ انطلق حتى أتى
المنْبر، وسكن الناس، وأقبل زيد على حمار حتى وقف بباب المسجد ومعه الكتابان
من عائشة رضى الله عنها إليه وإلى أهل الكوفة ، وقد كان طلب كتاب العامّة
فضمّة إلى كتابه، فأقبل بهما ومعه كتاب الخاصة وكتاب العامّة: أمابعد، فثبّطوا
أيّها الناس واجلسوا فى بيوتكم إلاّ عن قتلة عثمان بن عفان رضى الله عنه.
٣١٤٨/١
فلما فرغ من الكتاب قال : أمرتْ بأمر وأمِرْنًا بأمر ؛ أمِرَت أن
تقرّ فى بيتها، وأمرنا أن نقاتل حتى لا تكون فتنة، فأمرتْنا بما أمِرَت به وَرَ كبتْ
ما أمرنا به . فقام إليه شبَت بن رِبْعىّ فقال: يا محمَانىّ - وزيد من عبدالقيس
◌ُمان وليس من أهل البَحْرَيْن - سرقتَ يحلُولاء فقطعك اللّه، وعصيتَ
أم المؤمنين فقتلك اللّه! ما أمرتْ إلا بما أمر الله عزّ وجلّ به بالإصلاح بين
الناس ؛ فقلت : وربّ الكعبة ؛ وتهاوى الناس (٣) وقام أبو موسى فقال: أيّها
الناس ، أطيعونى تكونوا جرثومة من جراثيم العرب يأوى إليكم المظلوم ويأمن فيكم
الخائف، إنّا أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلم أعلم بما سمعنا، إن الفتنة
(٢) سورة النساء ٩٣ .
(١) سورة النساء ٢٩.
(٣) كذا فى أصول ط ، وفى العبارة غموض.
:

٤٨٤
سنة ٣٦
إذا أقبلت شبَّهت وإذا أدبرت بيّنت، وإنّ هذه الفتنة باقرة كَدَاء البطن
تجرى بها الشَّعمال والجَنوب والصَّبًا والدَّبور ، فتسكن أحيانًا فلا يُدْرَى من
أين تؤتى ، تذر الحليم كابن أمس ، شيموا سيوفكم وقصّدوا (١) رماحكم ،
٣١٤٩/١ وأرسلوا سهامكم، واقطعوا أوتاركم، والزموا بيوتكم. خلّوا قريشًا - إذ أبوا إلا
الخروج من دار الهجرة وفراق أهل العلم بالإمرة - ترتُق فتقتها ، وتشعب
صدعتَهَا، فإن فعلت فلأنفسها سَعَت، وإنَ أبَتْ فعلى أنفسها منَتْ (٢)
سمنها ◌ُهريق فى أديمها ؛ استنصحونى ولا تستغِشُّونى ، وأطيعونى يسلم
لكم دينكم ودنياكم، ويشقى بحرّ هذه الفتنة مَنْ جناها .
فقام زيد فشال يدَه المقطوعة فقال: يا عبدَ اللّه بن قيس؛ ردّ الفرات
عن دراجه(٢) ، اردده من حيث يجىء حتى يعود كما بدأ ، فإن قدرت على
ذلك فستقدر على ما تُريد، فدعْ عنك ما لست مدركه . ثمّ قرأ :
﴿الم «أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾(٤) إلى آخر الآيتين ؛ سيروا إلى أمير
المؤمنين وسيّد المسلمين ، وانفروا إليه أجمعين تصيبوا الحقّ.
فقام القعقاع بن عمرو فقال : إنى لكم ناصح ، وعليكم شفيق، أحبّ
أن ترشُدُوا، ولأقولن" لكم قولاً هو الحقّ، أمّا ما قال الأمير فهو الأمر لو أنّ
إليه سبيلاً، وأمّا ما قال زيد فزيدٌ فى الأمر فلا تستَنْصِحوه فإنَّه لا ينتزع
١/ ٣١٥٠ أحد من الفتنةِ طعَن فيها وجرى إليها؛ والقول الذى هو القول(٥) إنه لا بدّ من
إمارةٍ تنظم الناس وتزَع الظالم وتُعزّ المظلوم، وهذا علىّ يلِى بما ولى، وقد أنصف
فى الدّعاء وإنما يدعو إلى الإصلاح، فانفروا وكونوا من هذا الأمر بمرأى ومسمع.
وقال سَيْحان: أيّها الناس ، إنه لا بدّ لهذا الأمر وهؤلاء الناس من
والٍ يدفع الظالم ويُعزّ المظلوم ويجمع الناس ، وهذا واليكم يدعوكم لينظر
فيما بينه وبين صاحبيه، وهو المأمون على الأمّة، الفقيه فى الدّين، فمن نهض إليه
فإنا سائرون معه. ولاَنّ عمّار بعد نَزْوته الأولى . فلما فرغ سَيْحان من
خطبته ، تكلم عمار فقال : هذا ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستنفركم
(١) قصدوا: اجعلوها قصداً، أى قطعاً .
(٣) درج السيل ومدرجه: منحدره وطريقه.
(٥) النويرى وابن الأثير: ((الحق)).
(٢) منت، أى جلبت لنفسها المنية.
(٤) سورة العنكبوت ٢،١ .

٤٨٥
سنة ٣٦
إلى زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى طلحة والزّبير ، وإنى أشهد أنّها
زوجته فى الدنيا والآخرة ، فانظروا ثمّ انظروا فى الحق فقاتلوا معه؛ فقال رجل :
يا أبا اليقظان، لَهو مع مَن شهدتَ له بالجنّة على من لم تشهد له . فقال الحسن:
اكفف عنّا يا عمار، فإنّ للإصلاح أهلاً .
٣١٥١/١
وقام الحسن بن على ، فقال : يأيّها الناس؛ أجيبوا دعوة أمير كم؛ وسيروا
إلى إخوانكم، فإنه سيوجد لهذا الأمر مَن ينفر إليه، والله لأنْ يليه أولو النهى
أمثلُ فى العاجلة وخير فى العاقبة، فأجيبوا دعوتنا وأعينونا على ما ابتلينا به وابتليتم .
فسامح الناس وأجابوا ورضوا به. وأتى قومٌ من طيِّئ عديًا فقالوا: ماذا ترى
وماذا تأمر ؟ فقال : ننتظر ما يصنع الناس ، فأخبر بقيام الحسن وكلام من
تكلم ، فقال : قد بايعنا هذا الرّجل، وقد دعانا إلى جميل، وإلى هذا الحدّث
العظيم لننظر فيه ، ونحن سائرون وناظرون .
وقام هند بن عمرو ، فقال: إنّ أمير المؤمنين قد دعانا وأرسل إلينا رسله
حتى جاءنا ابنه، فاسمعوا إلى قوله، وانتهوا إلى أمره ، وانفروا إلى أميركم فانظروا
معه فى هذا الأمر وأعينوه برأيكم .
وقام حُجْر بن عدىّ، فقال: أيّها الناس أجيبوا أميرَ المؤمنين وانفروا خِفافًا
وثِقالامُرُوا، أنا أولكم. وقام الأشتر فذكر الجاهليّة وشدّها، والإسلام ورخاءَه،
وذكرعثمان رضى الله عنه. فقام إليه المقطّع بن الهيثم بن فجيع العامرىّ ثم البُكائِىّ،
فقال: اسكت قبحك اللّه! كلْبٌ خُلَىَ والنُّباح ؛ فثار الناس فأجلسوه .
وقام المقطع، فقال: إنا والله لا نحتمل بعدها أن يبوء أحدٌ بذكر أحد من
أئمتنا، وإنّ عليًّا عندنا لمنَقْنع، والله لئن يكن هذا الضّرب لا يرضى بعلى"،
فعضّ امرؤ على لسانه فى مشاهدنا ؛ فأقبلوا على ما أحثّاكم .
٣١٥٢/١
فقال الحسن : صدق الشيخ ، وقال الحسن : أيّها الناس، إنّی غادٍ فمن
شاء منكم أن يخرج معى على الظَّهْر، ومن شاء فليخرج فى الماء فنفَرَّ معه
تسعة آلاف، فأخذ بعضهم البرّ، وأخذ بعضهم الماءَ وعلى كل سُبْع رجُلّ؛
أخذ البرّ ستة آلاف ومائتان ، وأخذ الماء ألفان وثمانمائة .
وفيما ذكر نصرُ بن مزاحم العطار ، عن عمر بن سعيد ، عن أسد بن

٤٨٦
سنة ٣٦
عبد اللّه، عمّن أدرك من أهل العلم: أن عبد خير الخَيْوانىّ قام إلى أبى موسى
فقال : يا أبا موسى ، هل كان هذان الرّجلان - يعنى طلحة والزبير - ممن
بايع عليًّا؟ قال: نعم، قال : هل أحدث حدثًا يحِلّ به نقضُ بيعتِهِ ؟
قال : لا أدری ، قال : لا دريت ، فإنا تار کوك حتى تدری ! يا أبا موسى
هل تعلم أحداً خارجًا من هذه الفتنة التى تزعم أنها هى فتنة ؟ إنما بقى أربع
فِرَق (١): علىّ بظهر الكوفة، وطلحة والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشأم، وفرقة
أخرى بالحجاز؛ لا يجبتى بها فىء، ولا يقاتَل بها عدوّ؛ فقال له أبو موسى:
أولئك خيرُ الناس ، وهى فتنة ؛ فقال له عبد خير: يا أبا موسى ، غلب عليك
غشُك.
قال : وقد كان الأشتر قام إلى على فقال : يا أمير المؤمنين ،إنى قد بعثت
٣١٥٣/١ إلى أهل الكوفة رجلاً قبل هذين فلم أره أحكم شيئًا ولا قدر عليه، وهذان
أُخلَقُ من بعثت أن يُنْشَبَ بهم الأمر على ما تحبّ، ولستُ أدرى ما يكون،
فإن رأيتَ - أكرمك الله - يا أمير المؤمنين أن تبعثنى فى أثرهم، فإنّ أهل المصر
أحسن شيء لى طاعةٌ، وإن قدمتُ عليهم رجوت ألاّ يُخالفنى منهم أحدٌ .
فقال له على": الحق" بهم؛ فأقبل الأشترُ حتى دخل الكوفةَ وقد اجتمع الناس
فى المسجد الأعظم ، فجعل لا يمرُّ بقبيلة يرى فيها جماعةٌ فى مجلس أو مسجد
إلاّ دعاهم ويقول : اتّبعونى إلى القصر، فانتهى إلى القصر فى جماعة من
الناس ، فاقتحم القصر فدخله وأبو موسى قائمٌ فى المسجد يخطب الناس
ويثبِّطهم، يقول: أيُّها الناس، إنّ هذه فتنة عمياء صماء تطأُ خِطامها، النائم
فيها خير من القاعد، والقاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشى،
والماشى فيها خير من الساعى، والساعى فيها خير من الرّاكب؛ إنها فتنة باقرة
كداء البطن، أنتكم من قِبَل مأمنكم، تَدع الحليم فيها حيران كابن أمس.
إنا معاشر أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أعلم بالفتنة ، إنها إذا أقبلت
شبّهت وإذا أدبرت أسفرت . وعمّارٌ يُخاطبه والحسن يقول له: اعتزل عَمَلنا
لا أمّ لك! وتنحّ عن منبرنا. وقال له عمار: أنت سمعتَ هذا من رسول الله صلى الله
(١) ط: ((قرون))؛ والصواب ما أثبته.

٤٨٧
سنة ٣٦
عليه وسلم ؟ فقال أبو موسى : هذه يدى بما قلت ، فقال له عمّار: إنما قال
لك رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا خاصةً، فقال: ((أنتَ فيها قاعداً خيرٌ
منك قائمًا))، ثمّ قال عمّار: غلب اللّه مَنْ غالَبَه وجاحده.
٣١٥٤/١
قال نصر بن مزاحم : حدّثنا عمر بن سعيد ، قال : حدثنى رجل ، عن
نُعيم، عن أبى مريم الثقفىّ، قال: والله إنى لفى المسجد يومئذ وعمّار يخاطبُ
أبا موسى ويقول له ذلك القولَ، إذْ خرج علينا غلمان لأبى موسى يشتدّون
ينادون : يا أبا موسى، هذا الأشتر قد دخل القصر فضَرَبنا وأخرجنا ؛ فنزل
أبو موسى ، فدخل القصرَ ، فصاح به الأشتر : اخرج من قَصْرنا لا أمّ لك!
أخرج اللّه نفسَك، فوالله إنك لمن المنافقين قديمًا، قال: أجلى هذه العشية،
فقال : هى لك ، ولا تبيتنّ فى القصر الليلة . ودخل الناس ينتهبون متاع
أبى موسى ؛ فمنعهم الأشتر وأخرجهم من القصر ، وقال : إنى قد أخرجته ،
فكف الناس عنه .
نزول أمیر المؤمنین ذا قار
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو ، عن الشعبىّ ،
قال: لما التقوا بذى قارِ تلقّاهم علىّ فى أناس، فيهم ابن عباس فرحّب بهم ،
وقال: يا أهلَ الكوفة ، أنتم وليتم شوكة العتجتم وملوكهم، وفضضتم جموعهم ؛
حتى صارت إليكم مواريثُهم، فأغنيم حَوْزتكم ، وأعنتم الناس على عدوّهم ،
وقد دعوتُكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة ؛ فإن يرجعوا فذاك ما تُريد
وإن يلجْوا داويناهم بالرفق ، وباينّاهم حتى يبدءونا بظلم ، ولن ندع أمرًا فيه ٣١٥٥/١
صلاحٌ إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله، ولا قوّة إلا بالله.
فاجتمع بذى قار سبعة آلاف ومائتان ، وعبد القيس بأسرها فى الطريق
بين علىّ وأهل البصرة ينتظرون مرور علىّ بهم، وهم آلاف - وفى الماء
ألفان وأربعمائة .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة بإسنادهما،
قالا : لما نزل علىّ ذا قار أرسل ابن عباس والأشتر بعد محمد بن أبى بكر ومحمد

٤٨٨
سنة ٣٦
ابن جعفر، وأرسل الحسنَ بن علىّ وعمارًا بعد ابن عباس والأشتر، فخفً
فى ذلك الأمر جميعُ من كان نَفَر فيه، ولم يقدم فيه الوجوه أتباءتهم فكانوا
خمسة آلاف أخذ نصفهم فى البرّ ونصفهم فى البحر ، وخفّ مَن لم ينفر
فيها ولم يعمل لها. وكان على طاعته(١) ملازمًا للجماعة فكانوا أربعة آلاف ،
فكان رؤساء الجماعة: القعقاع بن عمرو وسعر(٢) بن مالك وهند بن عمرو والهيثم
ابن شهاب؛ وكان رؤساء النّفّار: زيد بن صُوحان، والأشتر مالك بن الحارث،
وعدىّ بن حاتم، والمسيّب بن نَجَبَة، ويزيد بن قيس ومعهم أتباعهم وأمثال
لهم ليسوا دونهم إلاّ أنهم لم يؤمّروا؛ منهم حُجْر بن عدىّ وابن مَحْدُوج
البكرىّ؛ وأشباه لهما لم يكن فى أهل الكوفة أحد على ذلك الرأى غيرهم. فبادروا
فى الوقعة إلا قليلاً ، فلما نزلوا على ذى قار دعا القعقاع بن عمرو فأرسله إلى
أهل البصرة وقال له : الق هذين الرجلين يا بن الحنظليّة - وكان القعقاع من
أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فادعُهما إلى الألفة والجماعة، وعظم عليهما
الفُرْقَة ، وقال له : كيف أنت صانع فيما جاءك منهما مما ليس عندك فيه
وصاة منّى ؟ فقال : نلقاهم بالّذى أمرتَ به ، فإذا جاء منهما أمر ليس عندنا
منك فيه رأىٌ اجتهدنا الرّأى وكلمناهم على قدر ما نتَسْمع ونرى أنه ينبغى .
قال : أنت لها . فخرج القعقاعُ حتى قدم البصرة، فبدأ بعائشة رضى الله عنها
فسلّم عليها ، وقال : أىْ أمَّهْ ؛ ما أشخصك وما أقدمك هذه البلدة؟ قالت:
أىْ بنىّ ، إصلاح بين الناس ، قال : فابعثى إلى طلحة والزّبير حتى تسمعى
كلامى وكلامهما ، فبعثت إليهما فجاءا، فقال : إنى سألت أمَّ المؤمنين :
ما أشخصها وأقدمها هذه البلاد؟ فقالت: إصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما ؟
أمتابعان أم مخالفان؟ قالا: مُتابعان، قال: فأخبرانى ما وَجْهُ هذا الإصلاح؟ فوالله
لئن عرفنا لنُصلحنّ، ولئن أنكرناه لا نُصلح. قالا: قتلة عثمان رضى الله
عنه، فإنّ هذا إن تُرك كان تَرْكًا للقرآن؛ وإن عمل به كان إحياء للقرآن.
فقال: قد قَتَلْتُما قتلةَ عثمان من أهل البصرة، وأنتم قبل قَتْلهم أقرب إلى
الاستقامة منكم اليوم ، قتلتم ستمائة إلاّ رجلاً، فغضب لهم ستة آلاف ، واعتزلوكم
(١) ط: ((وكان على ظاعنا)). وانظر التصويبات. (٢) ط: ((سعد))؛ وانظر الفهرس.
٣١٥٦/١

٤٨٩
سنة ٣٦
وخرجوا من بين أظهركم، وطلبتم ذلك الذى أفلتَ - يعنى حرقوص بن زهير - ٣١٥٧/١
فمنعه ستة آلاف وهم على رِجْل ، فإن تركتموه (١) كنتم تاركين لما تقولون ؛
وإن قاتلتموهم والذین اعتزلوكم فا دیلوا علیکمفالذى حذرتم وقریتم(٢) بههذا الأمر
أعظم ممّا أراكم تكرهون ؛ وأنتم أحميتم مُضَر وربيعة من هذه البلاد، فاجتمعوا
على حربكم وخذلانكم نُصرةً لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحدث العظيم
والذنب الكبير . فقالت أمّ المؤمنين : فتقول أنت ماذا ؟ قال : أقول هذا
الأمر دواؤه التّسكين، وإذا سكن اختُلِجُوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامةُ خير
وتباشير رَحْمة ودرَكٌ بثأر هذا الرّجل، وعافية وسلامة لهذه الأمة، وإن أنتم
أبيتم إلاّ مكابرة هذا الأمر واعتسافه، كانت علامةشرّ، وذهاب هذا الثأر،
وبعثة الله فى هذه الأمة هزاهزها، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح
الخير كما كنتم تكونون ، ولا تعرضونا للبلاء ولا تعرَّضوا له فيصرعنا وإياكم .
وأيم الله إنّى لأقول هذا وأدعوكم إليه وإنى لخائفٌ ألا" يتمّ حتى يأخذ الله عزّ
وجلّ حاجتَه من هذه الأمة التى قلَّ متاعُها ونزل بها ما نزل ، فإنّ هذا الأمر
الذى حدث أمرٌ ليس يقدّر، وليس كالأمور، ولا كقتل الرّجل الرّجل، ولا
النّفر الرجلَ، ولا القبيلة الرجلَ .
٣١٥٨/١
فقالوا : نعم ، إذاً قد أحسنت وأصبت المقالةَ ؛ فارجع فإن قدم على
وهو على مثل رأيك صلح هذا الأمر . فرجع إلى علىّ فأخبره فأعجبه ذلك ،
وأشرف القوم على الصّلح؛ كَرِهِ ذلك مَن كرهه، ورضيه مَنْ رضيه .
وأقبلت وُفود البصرة نحو علىّ حين نزل بذى قار ، فجاءت وفود تميم
وبكْر قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة ، وعلى أىّ
حال نهضوا إليهم، وليعلموهم أنّ الذى عليه رأيُهم الإصلاح، ولا يخطر لهم
قتالٌ على بالٍ . فلمّا لقُوا عشائرهم من أهل الكوفة بالذى بعثهم فيه
عشائرُهم من أهل البصرة وقال لهم الكوفيون مثلَ مقالتهم، وأدخلوهم على على
فأخبروه خبرهم ؛ سأل علىّ جرير بن شرِس عن طلحة والزّبير، فأخبره عن
(١) ابن الأثير والنويرى: ((وإن تركتموه)). (٢) ابن الأثير والنويرى: ((وقويتم)).

٤٩٠
سنة ٣٦
دقيق أمرهما وجليله حتى تمثّل له :
ألا أَبْلِغْ بَنِى بَكْرٍ رَسولا
سَرْ جِعُظَلَكُمْ مِنْكُمْ عَلَيْكُمْ
وتمثّل علىّ عندها :
فَلْسَ إلى بَنِى كَعَبٍ سَبِيلُ
طَوِيلُ الساعِدَيْنِ له فُضولُ
نَردُ الشَّيْخَ مِلَكَ ذا الصُّداعِ !
أَّ تَعْلمْ أَبَا سِيْمانَ أَنَّا
يَقومَ فَيَسْتجيبَ لِغَبْرِ داع
وَيَذْهَلُ عَقْلهُ باَلَحَرْبِ حَتى
وما بك يا سُراقَةُ مِنْ دِفاع
فدافَتَ عن خُزاعَةَ جْعُ مَكْرٍ
٣١٥٩/١
قال أبو جعفر : أخرج إلىّ زیادُ بن أيوب كتابًا فيه أحاديث عن
شيوخ ذكر أنه سمعها منهم ؛ قرأ علىَّ بعضها ولم يقرأ علىّ بعضها، غمما لم
يقرأ علىَّ من ذلك فكتبتُه منه؛ قال: حدثنا مُصعب بن سلام التميمىّ ،
قال : حدّثنا محمد بن سُوقة ، عن عاصم بن كُليب الجرفىّ ، عن أبيه ،
قال : رأيتُ فيما يرى النائم فى زمان عثمان بن عفان أنّ رجلا يلى أمور الناس
مريضًاً على فراشه وعند رأسه امرأةٌ؛ والناس يريدونه ويَبْهَشُون(١) إليه، فلونهتهم
المرأة لانتهوا؛ ولكنها لم تفعل، فأخذوه فقتلوه. فكنتُ أقصّ رؤياىَ على الناس
فى الحضر والسفر، فيعجبون ولا يدرون ما تأويلها! فلما قتل عثمان رضى الله
عنه أتانا الخبرُ ونحن راجعون من غزاتنا؛ فقال أصحابنا: رؤياكَ يا كُليب .
فانتهينا إلى البصرة فلم نلبث إلاّ قليلاً حتى قيل: هذا طلحة والزّبير معهما
أُمّ المؤمنين؛ فراعَ ذلك الناسَ وتعجّبوا، فإذا هم يزعمون للناس أنهم إنما خرجوا
غِضَبًا لعثمان وتوبةً مما صنعوا من خذلانه، وإنّ أمّ المؤمنين تقول : غضبنا
لكم على عثمان فى ثلاث: إمارة الفُتِىّ، وموقع الغمامة، وضربة السوط والعصا،
فما أنصفنا إن لم نغضب له علیکم فیثلاث جر رتموها إليه: حرمة الشهر ،والبلد،
والدم . فقال الناس : أفلم تُبايعوا عليًا وتدخلوا فى أمره ! فقالوا : دخلنا
(١) يمشون إليه: يخفون .
٠٠ ...

٤٩١
سنة ٣٦
واللُّجّ(١) على أعناقنا. وقيل هذا علىّ قد أظّلكم، فقال قومُنا لى ولرجلين
معى : انطلقوا حتى تأتوا عليًّا وأصحا به فسلوهم عن هذا الأمر الذى قد
اختلط علينا ؛ فخرجنا حتى إذا دنونا من العسكر طلع علينا رجل جميل على ٣١٦٠/١
بغلة، فقلت لصاحبىّ : أرأيتم المرأة التى كنت أحدثكم عنها أنها كانت
عند رأس الوالى ؟ فإنها أشبه الناس بهذا، ففطن أنّا نخوض فيه، فلما انتهى
إلينا قال : قفوا ، ما الّذى قلتم حين رأيتمونى ؟؟ فأبينا عليه ، فصاح بنا وقال :
والله لاتبرحون حتى تخبرونى، فدخلتنا منه هيبةٌ، فأخبرناه فجاوزنا وهو يقول :
والله لقد رأيت عجبًا، فقلنا لأدنى أهل العسكر إلينا: مَن هذا ؟ فقال :
محمّد بن أبى بكر، فعرفنا أن تلك المرأة عائشة رضى الله عنها، فازددنا لأمرها
كراهيةً، وانتهينا إلى علىّ فسلمنا عليه، ثم سألناه عن هذا الأمر ، فقال :
عدا الناس على هذا الرّجل وأنا مُعتزل فقتلوه، ثمّ ولَّونى وأنا كارهٌ ولولا خشية
على الدّين لم أجبهم، ثمّ طفق هذان فى النّكث فأخذت عليهما وأخذتُ عهودهما
عند ذلك، وأذ نْتُ لهما فى العُمْرة، فقدما على أمهما حليلة رسول الله صلى
الله عليه وسلم فرضيا لها ما رغبا لنسائهما عنه، وعرّضاها لما لا يحلّ لهما
ولا يصلح؛ فاتّبعتُهما لكيلا يفتقوا فى الإسلام فتقًا ، ولا يخرقوا جماعة .
ثم قال أصحابه: والله ما تُريد قتالهم إلاّ أن يقاتلوا وما خرجنا إلاّ لإصلاح.
فصاح بنا أصحابُ علىّ: بايعوا بايعوا ، فبايع صاحبِىَّ، وأمّا أنا فأمسكتُ
وقلت : بعثنى قومى لأمرٍ ، فلا أحدث شيئًا حتى أرجع إليهم. فقال على" :
فإن لم يفعلوا ؟ فقلتُ: لم أفعل، فقال: أرأيتَ لو أنهم بعثوك رائداً فرجعت
إليهم، فأخبرتَهم عن الكتلا والماء فحالوا إلى المعاطش والجُدوبة ما كنت صانعًا؟
قال : قلتُ: كنت تاركهم ومخالفهم إلى الكلا والماء، قال: فمدّ يدك، ١٦١/١
فوالله ما استطعتُ أن أمتنع، فبسطتُ يدى فبايعتُه. وكان يقول : على من
أُدْهَى العرب. وقال: ما سمعتَ من طلحة والزّبير؟ فقلتُ: أما الزّبير فإنه
يقول : بايعنا كرهًا، وأمّا طلحة فمقبل على أن يتمثّل الأشعار ، ويقول:
(١) الج : السيف .

٤٩٢
سنة ٣٦
ألاَ أَبِلِغ بنى بَكرٍ رسولاً فليسَ إلى بنى كَعبٍ سبيلُ
طويلُ السَّاعدين له فضُول
سيرَجِعِ ظَلَمَكمْ منكمْ عليكمْ
فقال : ليس كذلك، ولكن :
نُصِمِ الشَّيخ مثلك ذَا الصُّداعِ
ألمْ تُعْلَمْ أبا سِمْعان أنَّا
يقومَ فيستجيب لغير داع
ويذْهَلُ عقله بالحرب حتَّی
ثم سار حتى نزل إلى جانب البصرة ؛ وقد خَنْدق طليحة والزّبير ، فقال
لنا أصحابنا من أهل البصرة : ما سمعتم إخواننا من أهل الكوفة يريدون ويقولون ؟
فقلنا : يقولون خرجنا للصّلح وما نريد قتالاً ؛ فبينا هم على ذلك لا يحدّثون
أنفسهم بغيره، إذْخَرج صبيان العسكرين فتسابوا ثم ترامَوْا، ثم تتابع عبيدٌ
العسكرين، ثم ثلَّث السفهاء، ونشبت الحرب، وألحأتهم إلى الخندق ، فاقتتلوا
عليه حتى أجْلَوْا إلى موضع القتال؛ فدخل منه أصحاب علىّ وخرج الآخرون.
ونادى على: ألالاتُتبعوا مُدبِرا، ولا تُجْهِزِ واعلى جَريح، ولا تدخلوا الدّور ،
ونَهَى الناس ، ثم بعث إليهم أن اخرجوا للبيعة ، فبايعهم على الرّايات وقال :
من عرف شيئًا فلْأخذْه، حتى ما بقى فى العسكرين شىء إلاّ قبض ، فانتهى
٣١٦٢/١ إليه قوم من قيس شباب، فخطب خطيبُهم، فقال: أين أمراؤكم؟ فقال
الخطيب : أصيبوا تحت نُظّار الجمل ؛ ثمّ أخذ فى خطبته، فقال علىّ:
أما إنّ هذا لهو الخطيب السحْسَح . وفرغ من البيعة ؛ واستعمل عبد اللّه
ابن عباس وهو يُريد أن يقيم حتى يحكم أمرها ، فأمرنى الأشتر أن أشترىَ له
أثْمنَ بَعَير بالبصرة ففعلتُ، فقال: ائت به عائشة، وأقرتها منى السلام،
ففعلتُ ، فدعتْ عليه وقالت : اردُدْه عليه ؛ فأبلغته ، فقال: تلومنى
عائشة أن أفلتُّ ابنَ أختها !
وأتاه الخبر باستعمال علىّ ابنَ عباس فغضب وقال : علامٌ قتلنا
الشيخ ! إذ اليمَنُ لعبيد الله، والحجاز لقُثَم، والبصرة لعبد الله، والكوفة
لعلىّ. ثم دعا بدا بَتْه فركب راجعًا، وبلغ ذلك عليًّا فنادى: الرّحيل،

٤٩٣
سنة ٣٦
ثمّ أجَدَّ السّيرِ فلحق به فلم يُره أنه قد بلغه عنه وقال: ما هذا السير؟ سبقتنا!
وخشىَ إن تُرِكَ والخروج أن يُوقع فى أنفس الناس شرًّا .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ،
قالا: لما جاءت وفودُ أهل البصرة إلى أهل الكوفة ورجع القعقاع من عند أمّ المؤمنين
وطلحة والزّبير بمثل رأيهم، جمع علىّ الناس، ثمّ قام على الغرائر، فحمد الله
عزّ وجلّ وأثنى عليه وصلى على النبيّ صلى الله عليه وسلم. وذكر الجاهليَّة وشقاءَ ها
والإسلام والسعادة وإنعامَ الله على الأمّة بالجماعة بالخليفة بعد رسول الله صلى
اللّه عليه وسلّم، ثمّ الذى يليه، ثمّ حدث هذا الحدث الذى جرّه على هذه ٣١٦٣/١
الأمّة أقوامٌ طلبوا هذه الدنيا، حسدوا من أفاءها اللّه عليه على الفضيلة ، وأرادوا
رَدَّ الأشياء على أدبارها، واللّه بالغ أمره، ومصيبٌ ما أراد. ألا وإنّ راحل ◌ّغداً
فارتحلوا ، ألاَ ولا يرتحلن" غداً أحدٌ أعان على عُثْمان بشىء فى شىء من
أمور الناس ، وليُغْنِ السفهاء عنى أنفسَهم .
فاجتمع نفرٌ، منهم علباء بن الهيثم، وعدىّ بن حاتم ، وسالم بن ثعلبة
العبسىّ، وشُرَيح بن أوفى بن ضُبيعة، والأشتر ؛ فى عدّة ممن سار إلى عثمان،
ورضىَ بسيْر مَن سار، وجاء معهم (١) المصرّيون: ابن السوداء وخالد بن ملجم
وتشاوروا، فقالوا: ما الرّأى؟ وهذا واللّه علىّ، وهو أبصر النّاس بكتاب اللّوأقرب
ممّن يطلب قتلة عثمان وأقربهم إلى العمل بذلك، وهو يقول ما يقول، ولم ينفر إليه
إلاّ هم والقليلُ من غيرهم، فكيف به إذا شامّ القوم وشامّوه، وإذا رأوا
قِلّتنا فى كثرتهم! أنتم (٢) واللّه ترادُون، وما أنتم بأنْجَى من شَىْء. فقال
الأشتر: أمّا طلحة والزّبير فقد عرفنا أمْرَهما، وأمّا علىّ فلم نعرف أمره حتى
كان اليوم، ورأىُ الناس فينا والله واحد، وإن يصطلحوا وعلى٣(٣) فعلى ٣١٦٤/١
دمائنا؛ فهلموا فلنتواثبْ على علىّ فنلحقه بعثمان؛ فتعود فتنة يُرْضَى منّا فيها
بالسّكون .
(١) ابن الأثير: ((وجامعهم)).
(٢) ابن الأثير والنويرى: ((وانم))
(٣) ابن الأثير والنويرى: ((مع على)).

٤٩٤
سنة ٣٦
فقال عبد اللّه بن االسوداء: بئس الرّأى رأيت! أنتمْ يا قتلةَ عثمان من أهل
الكوفة بذى قار ألفان الخمسمائة أو نحو من ستمائة، وهذا ابن الحنظليّة وأصحابُه
فى خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلاً، فارقاً على ظَلْعك(١).
وقال عيلباء بن الهيثم : انصرفوا بنا عَنْهُمْ ودعوهم، فإن قلّوا كان أقوى
لعدّوهم عليهم، وإن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم؛ دَعُوهم وارجعوا
فتعلّقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تتّقون به، وامتنعوا من الناس .
فقال ابن السوداء : بئس ما رأيت ! ودّ واللّه الناس أنكم على جديلة (٢)،
ولم تكونوا مع أقوام برآء ، ولو كان ذلك الذى تقول لتخطّفكم كلّ شيء .
فقال عدىّ بن حاتم: والله ما رضيتُ ولا كرهت ، ولقد عجبت مِن
تردّد مَن تَرَدّد عن قتله فى خوض الحديث، فأمّا إذ وقع ما وقع ونزل من
الناس بهذه المنزلة، فإنّ لنا عتاداً من خيول وسلاح محموداً ، فإن أقدمتم
أَقْدَمْنا وإإن أمسكتم أحجمنا . فقال ابن السوداء : أحسنت !
وقال «سالم بن ثعلبة: مَنْ كان أراد بما أتى الدّنيا فإنّى لم أرِدْ ذلك ،
والله لئن لاميتُهم غداً لا أرجع إلى بيتى ، ولئن طال بقائى إذا أنا لاقيتُهُم
لا يزد على جزر جزور. وأحلف بالله إنكم لتفرقون السيوف فرق قوم
لا تصير أمورُهم إلاّ إلى السّيف. فقال ابن السوداء: قد قال قولا .
وقال شريح بن أوفى: أبرِموا أمور كم قبل أن تخرجوا ، ولا تؤخّروا أمرًا
ينبغى ألكم تعجيلُه؛ ولا تعجّلوا أمرًا ينبغى لكم تأخيره ؛ فإنا عندَ الناس
بشرّ المنازل ، فلا أدرى ما الناس صانعون غداً إذا ما هم التقوا !
وتكلّم ابن السوداء فقال: ياقوم، إنّ عزّكم فى خُلْطة الناس، فصانعوهم،
وإذا التقى الناس غداً فأنشبوا القتال، ولا تفرّغوهم للنظر، فإذا مَن أنتم معه
لا يجد بدًّا من أن يمتنع؛ ويشغل اللّه عليًّا وطلحة والزبير ومن رأى رأيهم عمّا
تكرهون . فأبصَروا الرّأى ، وتفرّقوا عليه والناس لا يشعرون.
وأصبح علىّ على ظهر ، فمضى ومضى الناس حتى إذا انتهى إلى
عَبْد القيس نزل بهم وبمن خرج من أهل الكوفة وهم أمام ذلك ، ثم ارتحل
(١) يقال: ارقأ على ظلمك، أى أصلح أمرك أولا. (٢) على جديلة، أى على رأى واحد.
٣١٦٥/١

٤٩٥
سنة ٣٦
حتى نزل على أهل الكوفة وهم أمام ذلك ، والناس متلاحقون به وقد قطعهم ،
ولما بلغ أهلَ البصرة رأيُهم ونزل علىّ بحيث نزل، قام أبو الجرباء إلى الزّبير
ابن العوَّام فقال: إنّ الرّأى أن تبعث الآن ألف فارس فيمسّوا هذا الرّجل
ويصبحوه قبل أن يوافى أصحابه؛ فقال الزّبير: يا أبا الجرباء، إنا لنعرف ٣١٦٦/١
أمور الحرب ؛ ولكنهم أهل دعوتنا ؛ وهذا أمر حدث فى أشياء لم تکن قبل
اليوم ، هذا أمرٌ مَنْ لم يلق اللّه عزّ وجلّ فيه بعذر انقطع عذره يوم القيامة ؛
ومع ذلك إنه قد فارقَنا وافدُهم على أمرٍ ، وأنا أرجو أن يتمّ لنا الصّلح ؛ فأبشروا
واصبروا . وأقبل صَبْرة بن شَيْمان فقال: يا طلحة، يازبير ، انتهزابنا هذا الرَّجُل
فإنّ الرّأى فى الحرب خيرٌ من الشدّة. فقالا: يا صَبْرة إنا وهم مسلمون ،
وهذا أمرٌ لم یکن قبل الیوم فینزل فيه قرآن ، أو یکون فیه من رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم سُنّة، إنما هو حدث . وقد زعم قوم أنه لا ينبغى تحريكه اليوم .
وهمّ على وَمَنْ معه، فقلنا: نحن لا ينبغى لنا أن نتركه اليوم ولا نؤخّره. فقال
علىّ : هذا الذی ندعو كم إليه منإقرار هؤلاء القوم شرّ وهو خیر من شرّ منه،
وهو كأمر لا يدرك ، وقد كاد أن يبين لنا ، وقد جاءت الأحكام بين المسلمين
بإيثار أعمُّها منفعةً وأحوطها . وأقبل كعب بن سُورفقال : ما تنتظرون يا قوم
بعد تورّدكم أوائلهم ! اقطعوا هذا العُنق من هؤلاء . فقالوا : يا كعب ،
إنّ هذا أمر بيننا وبين إخواننا، وهو أمرٌ ملتبس، لا والله ما أخذ أصحابُ
محمد صلى الله عليه وسلم مذ بعث اللّه عزّ وجلّ نبيّه طريقًا إلاّ علموا أين مواقع
أقدامهم ؛ حتى حدث هذا فإنهم لا يدرون أمُقبلون هم أم مدبرون! إن الشىء
يحسن عندنا الیوم ویقبحُ عند إخواننا ؛ فإذا كان من الغد قَمُحَ عندنا وحسن
عندهم ؛ وإنا لنحتجّ عليهم بالحجَّة فلا يزوْتها حجَّة ، ثم يحتجُّون بها على
أمثالها، ونحن نرجو الصّلح إن أجابوا إليه وتمّوا، وإلاّ فإن آخر الدواء الكىّ .
وقام إلى علىّ بن أبى طالب أقوامٌ من أهل الكوفة يسألونه عن إقدامهم
على القوم، فقام إليه فيمن قام الأعورُبن بُنان المِنْقرىّ؛ فقال له علىّ: على
الإصلاح وإطفاء النائرة، لعلّ اللّه يجمع شمل هذه الأمة بنا ويضع حَرّبهم؛
وقد أجابونى ، قال : فإن لم يجيبونا ؟ قال : تركناهم ما تركونا ، قال : فإن
٣١٦٧/١

٤٩٦
سنة ٣٦
لم يتركونا ؟ قال : دفعناهم عن أنفسنا ، قال : فهل لهم مثل ما عليهم من
هذا ؟ قال : نعم .
وقام إليه أبو سلامة الدّلانىّ فقال : أترى لهؤلاء القوم حجّة فيما طلبوا
من هذا الدم ، إن كانوا أرادوا اللّه عزّ وجل بذلك ؟ قال: نعم ، قال : فترى
لك حجّة بتأخيرك(١) ذلك ؟ قال: نعم، إنّ الشىء إذا كان لا يُدرك فالحكم
فيه أحوطُه وأعمُّه نفعًا، قال: فما حالنا وحالكم إن ابتلينا غدًّا ؟ قال : إنّى.
لأرجو ألاّ يُقْتَل أحدٌ نَقَى قلبه اللّه منّا ومنهم إلا أدخله الله الجنّة.
وقام إليه مالك بن حبيب ، فقال : ما أنت صانع إذا لقيتَ هؤلاء القوم ؟
٣١٦٨/١ قال: قد بان لنا ولهم أنّ الإصلاح الكفّ عن هذا الأمر، فإنْ بايعونا فذلك،
فإن أبْوا وأبينا إلاّ القتال فصَدْعٌ لا يلتْم؛ قال: فإن ابتلينا فما بال قتلانا ؟
قال : من أراد اللهَ عزّ وجلّ نفعه ذلك وكان نجاءه .
وقام علىّ ، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه وقال : يأيُّها الناس،
املِكوا أنفسكم، كفُوا أيديكم وألسنتكم عن هؤلاء القوم، فإنهم إخوانكم، واصبروا
على ما يأتيكم، وإياكم أن تسبقونا فإنّ المخصوم غداً من خصم اليوم .
ثم ارتحل وأقدم ودفع تعبيته التى قدم فيها حتى إذا أطلّ على القوم بعث
إليهم حكيم بن سلامة ومالك بن حبيب : إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع
ابن عمرو فكفّوا وأقرّونا ننزل وننظر فى هذا الأمر .
فخرج إليه الأحنف بن قيس وبنو سعد مشمّرين ؛ قد منعوا حرقوص
ابن زهير ، ولا يرون القتال مع علىّ بن أبى طالب. فقال: يا علىّ، إنّ قومنا
بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم غداً أنك تقتل رجالهم وتسبى نساء هم .
فقال: ما مثلى يُخاف هذا منه، وهل يحلّ هذا إلاّ ممّن"(٢) تَوَلَّى وكفر،
ألم تسمع إلى قول الله عزّ وجلّ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرِ . إِلَّا مَنْ تَوَلَّ
وَكَفَرَ﴾(٣) ، وهم قوم مسلمون! هل أنت مُغْنٍ عنى قومك ؟ قال : نعم،
(١) ابن الأثير: ((بتأخير ذلك)). النويرى: ((بتأخير ذلك اليوم)).
(٢) ابن الأثير والنويرى: ((لمن)).
(٣) سورة الغاشية ٢٢، ٢٣ .

٠ ٤٩٧
سنة ٣٦
واخْتَرَ منى واحدةً من ثنتين، إمّا أن أكون آتيك فأكون معك بنَفْسى،
وإمَّا أن أكفّ عنك عشرة آلاف سيف . فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القُعود
٣١٦٩/١
وقد بدأ فقال: يالَ خنْدف، فأجابه ناسٌ، ثمّ نادَى يالَّ تميم! فأجابه
ناسٌ ، ثم نادى: يال سعد؛ فلم يبق سعدىّ إلاَّ أجابه ، فاعتزل بهم، ثم نظرَ
ما يصنع الناس ، فلما وقع القِتال وظفر علىّ جاءوا وافرين ، فدخلوا فيما
دخل فيه الناس .
وأما الذی یرویه المحدثون من أمر الأحنف، فغير ما رواهُ سیفٌ عمن
ذ کرمن شيوخه . والذییرویه المحد ◌ّثون من ذلك ما حدثنی يعقوب بنإبراهيم،
قال : حدّثنا ابن إدريس ، قال : سمعت حُصينًا يذكر عن عمرو بن
جأوان ، عن الأحنف بن قيس ، قال : قدمنا المدينةَ ونحن نريد الحجّ ،
فإنا لبمنازلنا نضع رحالنا إذ أتانا آت فقال : قد فزعوا وقد اجتمعوا فى
المسجد ، فانطلقنا فإذا الناس مجتمعون على نَفَر فى وسط المسجد ، وإذا
علىّ والزّبير وطلحة وسعد بن أبى وقّاص، وإنا لكذلك إذ جاء عثمان بن عفان؟
فقيل : هذا عثمان قد جاء وعليه مُلَيئة له صفراء قد قنَّع بها رأسه، فقال :
أهاهنا علىّ ؟ قالوا: نعم، قال : أهاهنا الزّبير ؟ قالوا : نعم، قال : أهاهنا
طلحة ؟ قالوا : نعم ، قال أنشد كم بالله الذى لا إله إلاّ هو؛ أتعلمون أنّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من يَبْتَعْ مِرْبد بنى فلان غفر الله له؛
فابتعتُهُ بعشرين أو بخمسة وعشرين ألفًا، فأتيتُ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ٣١٧٠/١
فقلت: يا رسولَ الله، قد ابتعته، قال: ((اجعله فى مسجدنا وأجرُهُ لك))!
قالوا : اللهمّ نعم، وذكر أشياء من هذا النوّع. قال الأحنف:
فلقيتُ طلحةَ والزّبير فقلتُ: من تأمُرانى به وترضيانه لى ؟ فإنى
لا أرى هذا الرّجل إلاّ مقتولا، قالا: علىّ ؟ قلتُ: أتأمرانى به
وترضيانه لى ؟ قالا : نعم ، فانطلقتُ حتى قدمت مكة، فبينا نحن بها إذا أتانا
قتلُ عثمان رضى الله عنه وبها عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها ، فلقيتُها
فقلت : من تأمرينى أن أبايع ؟ قالت : علىّ ، قلتُ : تأمرينى به وترضينه
:

٤٩٨
سنة ٣٦
لى ؟ قالت : نعم ؛ فمررتُ على علىّ بالمدينة فبايعتُه، ثمّ رجعت إلى أهلى بالبصرة
ولا أرى الأمر إلاّ قد استقامَ، قال : فبينا أنا كذلك ؛ إذ آتانى آت
فقال : هذه عائشة وطلحة والزّبير قد نزلوا جانب الحُرَيْبة ، فقلت : ما جاء
بهم ؟ قالوا : أرسلوا إليك يدعونك يستنصرون بك على دَم عثمان رضى الله
عنه، فأتانى أفظعُ أمر أتانى قطّ! فقلت: إنّ خذلانى هؤلاء ومعهم
أم المؤمنين وحوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم لتشديد، وإنّ قتالى رجلاً ابن
عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرونى ببيعته لشديد . فلما أتيتهم قالوا:
جئنا لنستنصر على دم عثمان رضى الله عنه، قُتل مظلومًا؛ فقلت: يا أمّ المؤمنين،
أنشدك بالله أقلتُ لك: مَن تأمرينى به ؟ فقلت: علىّ؟ فقلتُ : أتأمريننى به
وترضینه لی؟ قلت نعم! قالت : نعم ، ولکنه بدّل . فقلت : يا زُبیر یا حوارىّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ياطلحة، أنشدكما اللّه، أقلتُ لكما: ما تأمرانى
فقلتما: علىّ؟ فقلت: أتأمرانیبه وترضیانهلى؟فقلتما نعم ! قالا: نعم،ولكنه بدّل،
٣١٧١/١ فقلتُ: والله لا أقاتِلُكم ومعكم أمّ المؤمنين وحوارىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ولا أقاتِل رجلاً ابن عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمرتمونى ببيعته ؛
اختاروا منى واحدةً من ثلاث خصال: إما أن تفتحوا لى الجسر فألحق بأرض
الأعاجم حتى يقضىَ اللّه عزّ وجلّ مِن أمره ما قَضى، أو ألحق بمكّة فأكون
فيها حتى يقضى اللّه عزّ وجلّ من أمره ما قضى، أو أعتزل فأكونُ قريباً .
قالوا : إنا نأتمر، ثم نرسل إليك . فائتمروا فقالوا: نفتح له الجسر ويخبرهم
بأخباركم ! ليس ذاكم برأى ، اجعلوه ها هنا قريبًا حيث تطئون على صماخه
وتنظرون إليه . فاعتزل بالجلحاء من البصرة على فرسخين ، فاعتزل معه زهاءٌ
على ستة آلاف .
ثم التّفى القوم فكان أوّل قتيل طلحة رضى الله عنه، وكعب بن سُور معه
المصحف يذكِّر هؤلاء وهؤلاء؛ حتى قتل مَنْ قتل منهم ، ولحق الزبير
بسَفَوان، من البصرة كمكان القادسيّة منكم، فلقيه النَّعِر ؛ رجلٌ من مجاشع،
فقال : أين تذهب يا حوارىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إلىّ فأنت فى
ذمتى لا يوصّل إليك؛ فأقبل معه؛ فأتى الأحنف خبره فقيل: ذاك الزّبير قد لُقى

٤٩٩
سنة ٣٦
بِسَقَتَوَان فما تأمر؟ قال: جمَع بين المسلمين حتى ضرب بعضُهم حواجب
بعض بالسیوف ثم يلحق ببيته ، فسمعه عمير بن جرموز و فضالة بن حابس ،
ونُفِيعَ؛ فركبوا فى طلبه، فلقوه مع النَّعِر، فأتاه عمير بن جرموز من خلفه وهو ٣١٧٢/١
على فرس له ضعيفة، فطعنه طعنةً خفيفة، وحمل عليه الزّبير وهو على فرس له
مقال له ذو الحمار،حتى إذا ظنّ أنه قاتله نادی عمير بن جُرموز : یا نافع،
يافضالة ، فحملوا عليه فقتلوه .
حدّثنى يعقوب بن إبراهيم ، قال : معتمِرٍ بن سليمان ، قال : نبّأنى
أبى ، عن حصين ، قال : حدّثنا عمرو بن جأوان؛ رجل من بني تميم،
وذاك أنى قلت له : أرأيتَ اعتزال الأحنف ما كان ؟ فقال : سمعت الأحنفَ
يقول: أتيتُ المدينةَ وأنا حاجّ؛ فذكر نحوه. الحمد لله على ما قضى وحتكتم .
بعثة علىّ بن أبى طالب من ذى قار ابنه الحسن
وعمّار بن ياسِر ليستنفرا له أهل الكوفة
حدثنى عمر بن شبّة ، قال : حدّثنا أبو الحسن ، قال : حدّثنا بشير
ابن عاصم ، عن ابن أبى ليلى، عن أبيه ، قال : خرج هاشم بن عتبة إلى على
بالرّبذة؛ فأخبره بقُدوم محمد بن أبي بكر وقول أبى موسى ، فقال: لقد أردتُ
عزله، وسألی الأشترُ أن أقرّه فردً علىّ هاشمًا إلى الكوفة و کتب إلى أبى موسى :
إنّى وَجَّهْت هاشم بن عتبة ليُنهض مَنْ قبلك من المسلمين إلىّ، فأشخص
الناس فإنّ لم أولّك الذى أنت به إلاّ لتكون من أعوانى على الحقّ. فدعا
أبو موسى السائب بن مالك الأشعرىّ، فقال له : ما ترى ؟ قال : أرى أن
تتبع ما كتب به إليك، قال: لكنى لا أرى ذلك، فكتب هاشم إلى على": ٣١٧٣/١
إنى قد قد منْتُ على رجُل غالٍ مشاقٌ ظاهر الغلّ والشنآن . وبعث بالكتاب
مع المُحلّ بن خليفة الطائىّ، فبعث علىّ الحسن بن علىّ وعمَّار بن ياسر
يستنفران له الناس ، وبعث قرَظَة بن كعب الأنصارىّ أميراً على الكوفة ،

٥٠٠
سنة ٣٦
و کتب معه : إلى أبى موسى : أما بعد ، فقد كنت أرى أن بعدك (١) من هذا
الأمر الَّذى لم يجعل اللّه عزّ وجلّ لك منه نصيبًا سيمنعك من رد" أمرى ، وقد
بعثتُ الحسنَ بن علىّ وعمّار بن ياسر يستنفران الناس ، وبعثتُ قرَظة بن
كعب واليًا على المصر، فاعتزل عَمَلَنًا مذمومًا مدحوراً، فإن لم تفعل فإنى
قد أمرته أن ينابذك، فإن نابذ ته فظفر بك أن يقطَّعك آرابًاً .
فلما قدم الكتابُ على أبى موسى اعتزل ، ودخل الحسن وعمار المسجد
فقالا: أيّها الناس ، إنّ أمير المؤمنين يقول: إنى خرجتُ مخرجى هذا ظالمًا
أو مظلومًا؛ وإنى أذكر الله عزّ وجلّ رجلاً رعى الله حقًّاً إلا نفر، فإن كنتُ
مظلومًا أعاننى، وإن كنت ظالمًا أخذ منى، والله إنّ طلحة والزّبير لأوّلُ من
بايعنى، وأوّلُ من غدر ، فهل استأثرتُ بمال، أو بدَّلت حُكمًا! فانفِروا ،
فَرُوا بمعروف وانهَوْا عن منكر .
حدّثنى عمر ، قال : حدثنا أبو الحسن ، قال : حدثنا أبو مخنف ،
عن جابر ، عن الشعبىّ، عن أبى الطُّفَيْل، قال: قال علىّ : يأتيكم من
٣١٧٤/١ الكوفة اثنا عشر ألفَ رجل ورجل، فقعدت على نَجَفةِ ذى قار ، فأحصيتهُم
فما زادوا رجلا ، ولا نقصوا رجلاً .
حدّثنى عمر ، قال : حدثنا أبو الحسن ، عن بشير بن عاصم ، عن ابن
أبى ليلى ، عن أبيه ، قال : خرج إلى علىّ اثنا عشر ألف رجل، وهم أسباع:
على قريش وكنانة وأسد وتميم والرِّباب ومُزينة معقل بن يسار الرّياحىّ،
وسُبْع قيس عليهم سعد بن مسعود الثقفىّ، وسُبْع بكر بن وائل وتغليب
عليهم وَعْلة بن مخلوج الذّهلى، وسُبْعِ مَذحِج والأشعَرِين عليهم حُجْر
ابن عدىّ، وسُبْعُ بجيلة وأنمار وخَثْعم والأزْد عليهم مخنف بن سُلَيْمَ الأزدىّ.
نزول علىّ الزاويةَ من البصرة
حدّثنى عمر بن شبَّة ، قال: حدّثنا أبو الحسن ، عن مسلمة بن محارب ،
عن قتادة ، قال : نزل علىّ الزاويةَ وأقام أيامًا، فأرسل إليه الأحنف : إن
(١) ط: ((أرى أن تعذب))، وأثبت ما فى التصويبات.