Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ سنة ٣٥ ٢٠٨٦/١ الدّىّ فى أمرى. قال: فإن كنت قد أبَيْتَ علىّ فانزع من شئت واترك معاوية ، فإنّ لمعاوية جُرْأة ، وهو فى أهل الشأم يُسمع منه، ولك حُجّة فى إثباته ؛ كان عمر بن الخطاب قد ولاه الشأم كلها، فقلتُ: لا والله، لا أستعمل معاوية يومين أبداً. فخرج من عندى على ما أشار به ، ثمّ عاد فقال لى : إنىّ أشرتُ عليك بما أشرتُ به فأبيتَ عَلَىَّ، ثمّ نظرتُ فى الأمر فإذا أنتَ مصيبٌ، لا ينبغى لك أن تأخُذَ أمرك بخَدْعة، ولا يكون فى أمرك دلْسة. قال : فقال ابن عباس: فقلت لعلىّ: أمَّا أوّل ما أشار به عليك فقد نصّحك، وأما الآخِرِ فَغَشّك؛ وأنا أشيرُ عليك بأن تُشْبِت معاوية، فإن بايع لك فعلىّ أن أقلِعَهُ من منزله. قال علىّ: لا والله، لا أعطيه إلاّ السيف. قال: ثم تمثّل بهذا البيت : بِعارٍ إذا ما غالَتِ النفسَ غولُها ما ميتة إن مُثُّها غيْرَ عاجزٍ فقلتُ : يا أمير المؤمنين ، أنت رجلٌ شجاع لست بأرِب بالحرب، أمّا سمعت رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: ((الحرب خُدعة))! فقال على": بلى، فقال ابن عباس: أما والله لْن أَطَعْتَنى لأصدُرَنّ بهم بعد وِرْد، ولأُتركنّهم ينظرون فى دُبُر الأمور لا يعرفون ما كان وجهها، فیغیر نقصان عليك ولا إثم لك . فقال: يا بن عباس، لستُ من هُنيا تك وهنيات معاوية فى شىء ، تُشير علىّ وأرى، فإذا عصيتُك فأطعنى. قال: فقلت: أفْعل، إنْ أيسر مَالَكَ عندى الطاعة . مسيرُ قُشْطنطين ملك الرُّوم يُريد المسلمين : وفى هذه السنة - أعنى سنة خمس وثلاثين سار قسطنطين بن هر قل - فیما ذکر محمد بنعمر الواقديّ عنهشام بن الغاز، عن عبادة بن نُسیّ ۔۔ فى ألف مركب يُريد أرضَ المسلمين، فسلّط الله عليهم قاصِفًا من الرّيح فغرّقهم ، ونجاقسطنطين بن هِرَقل، فأتى صِقِلّيّة، فصنعوا له حمّامًا فدخله فقتلوه فيه ؛ وقالوا : قتلتَ رجالتنا . ٣٠٨٧/١ . ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين تفريق علىّ عمّاله على الأمصار ولمّا دخلت سنة ستّ وثلاثين فرّق علىّ عمّالَه؛ فمما كتب إلى السرىّ،عن شُعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا: بعث علىّعماله على الأمصار، فبعث عُمان بن حُنَيف على البصْرة ، وُعمارة بن شهاب على الكوفة، وكانت له هجرة؛ وعبيدَ اللّه بن عباس على اليَمن، وقيسَ بن سعد على مصر ، وسهل بن حُنّيف على الشأم؛ فأمَّا سهل فإنه خرج حتى إذا كان بتبوك لقيَتْه خيلٌ، فقالوا: مَنْ أنت ؟ قال: أمير ، قالوا: على أىّ شىء ؟ قال : على الشأم ، قالوا: إن كان عثمان بعثتَك فحيَّهلاً بك، وإن كان بعثك غيرُهُ فارجع! قال: أوَما سمعتم بالذى كان؟ قالوا: بلى؛ فرجع إلى علىّ . وأما قيس بن سعد فإنه لما انتهى إلى أيلَة لقِيَتْهُ خيلٌّ، فقالوا: مَنْ أنت؟ قال: من فالَّة عثمان ، فأنا أطلبُ من آوى إليه وأنتصر به ، قالوا : من أنت ؟ قال : قیس ابن سعد ، قالوا : امضٍ ؛ فمضى حتى دخل مصرَ ، فافترق أهلُ مصر فِرَقًا؛ فرقةٌ دخلت فى الجماعة وكانوا معه، وفِرْقَة وقَفَت واعتزلت إلى خَرْبِتَا وقالوا: إن قُتِل قتَلَةُ عثمان فنحن معكم، وإلاّ فنحن على جدٍ يلتنا حتى نحرّك أو نصيب حاجتنا ؛ وفرقةٌ قالوا: نحن مع علىّ ما لم يُقِدْ إخواننا، وهم فى ذلك مع الجماعة ؛ وكتب قَيْس إلى أمير المؤمنين بذلك . وأمّا عثمان بن حُنّيف فسار فلم يردّه أحدٌ عن دخول البصرة ولم يوجد فى ذلك لابن عامر رأىٌ ولا حزم ولا استقلال بحرب . وافترق الناس بها، فاتّبعت فرقةٌ القومَ، ودخلت فرقةٌ فى الجماعة ، وفرقةٌ قالت : ننظرُ ما يصنع أهلُ المدينة فنصنع كما صنعوا. وأمّا ◌ُمارة فأقبل حتى إذا كان بزُبالة لقيه طليحة بن خويلد؛ وقد كان حين بلغهم خبرُ عثمان خرج يدعو إلى الطلب بدمه ويقول : لهفى على أمْرٍ لم يسبقنى ولم أدْرِكْه ! ٣٠٨٨/١ ٤٤٢ ٤٤٣ سنة ٣٦ يا لَيَتَنِى فيها جَذَعْ أكرُّ فيها وأَضَعْ فخرج حين رجع القعقاعُ من إغاثة عثمان فيمن أجابه حتى دخل الكوفّة ، فطلع عليه ◌ُمارة قادمًا على الكوفة ، فقال له : ارجع فإنّ القوم لا يريدون بأميرهم بدلاً، وإن أبيت ضربتُ عنقك. فرجعَ مُمارة وهو يقول: احذر الخطر ما يماسِّكَ ، الشرُّ خير من شرّ منه . ٣٠٨٩/١ فرجع إلى علىّ بالخبر. وغلب على ◌ُمارة بن شهاب هذا المثلُ من لدُنْ اعتاصَت عليه الأمور إلى أن مات. وانطلق عبيدُ اللّه بن عباس إلى اليمن ، فجمع يَعْلَى بن أميّة كلّ شيء من الجباية وتركه وخرج بذلك وهو سائرٌ على حاميته إلى مكة فقَدِمتَها بالمال . ولما رجع سهلُ بن حُنَيف من طريق الشأم وأتَتْه الأخبار ورجع من رجع، دعا علىّ طلحةَ والزُّبير، فقال: إنّ الذّى كنت أحذّركم قد وَقَعَ يا قوم، وإنّ الأمر الذى وقع لا يُدرَك إلا بإمَاتَتِه ، وإنها فتنة كالنار ؛ كلَّما سُعَرَت ازدادت واستنارت . فقالا له : فَأذن لنا أن نخرج من المدينة ، فإمّا أن نُكابر وإما أن تَدَعنا ، فقال : سأمسك الأمر ما استَمْك ؛ فإذا لم أجد بُدَّا فآخِرِ الدواء الكىّ . وكتب إلى معاوية وإلى أبى موسى . وكتب إليه أبو موسى بطاعة أهْل الكوفة وَبَيْعتهم، وَبَيَّنَ الكاره منهم للّذى كانَ، والرَّاضىَ بالذى قد كانَ ، ومن بَيْن ذَلِك حتى كأن عليًّا على المُواجَهَة من أمْر أهل الكوفة . وكان رسول علىّ إلى أبى موسى مَعْبد الأسلمىّ؛ وكان رسول أمير المؤمنين إلى مُعاوية سَبْرة الجُهَنِىّ، فقدم عليه فلم يكتب معاوية بشىء ولم يُحِبْه وردًّ رسولَه، وجعل كلما تنجّز(١) جوابته لم يزد على قوله : حَرْبَا ضَروساً تَشُبُّ الجزْلَ والْضَرَمَا أدِمْ إدامَةً حصن أوُخْدًا بِيَدى شَنعَاءَ شَيََّتِ الأصداغَ والَّلَمَّمَا فى جارِكُم وابنِكُمْ إذ كان مَقْتَلهُ يوجّدْ لها غَيْرُنا مولَى ولا حَكَمَا أَعْيا المسودُ بها والسَّيِّدِّون فَلَم وجعل الجُهنىُّ كلما تنجّز الكتاب لم يزِدْه على هذه الأبيات؛ حتى إذا ٣٠٩٠/١ (١) ابن الأثير: ((يتجز)). ٤٤٤ سنة ٣٦ كان الشّهر الثالث من مَقْتل عثمان فى صفر ، دعا معاويةُ برجُل من بنى عبْس، ثم أحد بسَنى رواحة يُدْعى قبيصة، فدفع إليه طُوماراً مَخْتومًا، عنوانهُ: من معاوية إلى علىّ . فقال : إذا دخلتَ المدينة فاقبض على أسفل الطّومار، ثمّ أوصاه بما يقولُ وسَرَّح رسولَ على" . وخرجا فقد ما المدينة فى ربيع الأوّل لغُرّته، فلما دخلا المدينة رفع العبسىّ الطُّومار كما أمره، وخرج الناس ينظرون إليه ؛ فتفرّقوا إلى منازلهم وقد علموا أنّ معاوية معترض ، ومضى حتى يدخل على علىّ، فدفع إليه الطُّومار، ففضَّ خاتمه فلم يجد فى جَوْفه كتابةً ، فقال للرّسول: ما وراءك؟ قال: آمن أنا ؟ قال: نعم، إنّ الرّسل آمنة لا تُقتل ؛ قال : ورائى أنى تركتُ قومًا لا يرضون إلا بالقُوَد ، قال: ٣٠٩١/١ ممن ؟ قال: من خَيْط نفسك(١)، وتركتُ ستين ألف شَيْخ يبكى تحت قَميص عُمان وهو منصوب لهم، قد ألبسوه منْبتر دمشق. فقال: منّى(٢) يطلبون دمَّ عثمان ! ألستُ موتوراً حِيرَة عمّان! اللهم إنى أبرأ إليك من دَم عثمان؛ نجا واللّه قتلةُ عثمان إلاّ أن يشاء الله، فإنَّه إذا أراد أمرًا أصابه؛ اخرج ؛ قال: وأَنا آمنٌ ؟ قال: وأنت آمن . فخرج العبسىّ وصاحت السّبْئِيّة قالوا : هذا الكلبُ ، هذا وافد الكلاب ، اقتلوه ! فنادى : يا آل مُضر ، يا آل قيس، الخيل والنَّبْل، إنى أحلف بالله جلّ اسمُه ليرُدَّنَّها عليكم أربعة آلاف خَصىّ، فانظرواكم الفحولة والرّكاب! وتعاوَوْا عليه ومنَعنَهُ مُضَر، وجعلوا يقولون له: اسكْت ، فيقول : لا والله ، لا يفلح هؤلاء أبداً ، فلقد أتاهم ما يوعَدُون . فيقولون له : اسكت ، فيقول : لقد حلّ بهم ما يحذّرون، انتهت واللّه أعمالُهم، وذهبَتْ ريحُهم، فوالله ما أمسوا حتى عرف الذلّ فيهم . استئذان طلحة والزبير عليًّا كتب إلىّ السَّرىّ عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا: استأذن طلحةُ والزّبير عليًّاً فى العُمرة، فأذن لهما، فلحقا بمكة؛ وأحبّ أهلُ (١) ابن الأثير والنويرى: ((رقبتك)). (٢) ابن الأثير والنويرى: ((أمنى)). ٤٤٥ سنة ٣٦ المدينة أن يعلموا ما رَأىُ علىّ فى معاوية وانتقاضه، ليعرفوا بذلك رأيته فى قتال أهل القبلة؛ أيجسُر عليه أو ينكُلُ عنه! وقد بلغتهم أنّ الحسن بن علىّ دخل عليه ودعاه إلى القُعود وترْك النّاس، فدسوا إليه زيادَ بن حنظلة التميمىّ-وكان مُنقطعًا إلى علىّ فدخل عليه فجلس إليه ساعةً ثمّ قال له علىّ : يا زياد، تيسّر؛ فقال : لأىّ شىء ؟ فقال: تغزو الشأم، فقال زياد: الأناةُ والرفق أمْثل ، فقال : ٣٠٩٢/١ يُضَرَّس بأنيابٍ ويوطأْ بِنْسِمٍ (١) ومَنْ لا يُصانِعْ فى أمور كثيرةٍ فتمثّل علىٌّ وكأنه لا يريده : مَّى تَجمَع القلبَ الذّكىَّ وصارِمَاً وأَنْفَ حَمِيًّا تَجْتَنِبْكَ المظَالُ (٢) فخرج زياد على النّاس والناس ينتظرونه ، فقالوا : ما وراءك ؟ فقال : السَّيف يا قوم ، فعرفوا ما هو فاعل . ودعا علىّ محمد بن الحنفيّة فدَفَعَ إليه اللواء، وولّى عبد اللّه بن عباس ميمّته، وعمر بن أبى سلمةَ - أو عمرو بن .. سفيان بن عبد الأسد - ولاه ميسرته، ودعا أبا ليلى بن عمر بن الجرّاح؛ ابن أخى أبى عبيدة بن الجرّاح ، فجعله على مقدّمته، واستخلف على المدينة قُثَمَ بن عبّاس، ولم يولّ ممن خرج على عثمان أحداً ، وكتب إلى قيس بن سعد أن يندب الناس إلى الشأم ، وإلى عثمان بن حُنَيف وإلى أبى موسى مثل ذلك ، وأقبل على التهيُّؤْ والتجهّز ، وخطب أهلَ المدينة فدعاهم إلى النهوض فى قتال أهل الفُرْقة، وقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ بعث رسولاً هاديًا مهددًّا بكتاب ناطِقٍ وأمْر قائم واضح؛ لا يهلك عنه إلا هالك، وإنّ المبتدَعات والشبهات هنّ المهلكات إلاّ من حفظ اللّه، وإنّ فى سُلْطان اللّه عصمة أمركم، فأعطوه طاعَتَكم غيرَ مَلْوِيَّة ولا مستكرَه بها، واللّه لتفعلُنّ أو لينقُلُنَّ اللّه عنكم سلطانَ الإِسلام ثمّ لا ينقلُه إليكم أبداً حتى يأرِزَ الأمر إليها (٣)، انهضوا إلى ٣٠٩٣/١ (١) لزهير، ديوانه ٢٩. (٢) لابن براقة الهمذانى، الكامل ١ : ٢٧، وقبله : فَهَلْ أَنَا فِ ذَا يَالَ هَمْدَانَ ظَالِمُ وَكُنْتُ إذَا قَوْمٌ رَمَوْنِى رَمَيْتَهُمْ (٣) أى إلى المدينة . ٤٤٦ سنة ٣٦ هؤلاء القوم الذين يريدون يفرّقون جماعتكم، لعلّ اللّه يصلح بكم ما أفْسد أهلُ الآفاق ، وتقضُون الذى عليكم . فبينا هم كذلك إذ جاءَ الخبرُ عن أهل مكة بنحو آخر وتمام على خلاف، فقام فيهم بذلك؛ فقال: إنّ اللّه عزّ وجلّ" جعل الظالم هذه الأمة العفو والمغفرة، وجعل لمن لزم الأمْر واستقام الفوز والنَّجاة، فمن لم يسعه الحقّ أخذ بالباطل. ألاَ وإنّ طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين قد تمالئوا على سخط إمارتى ، وَدَعوا النّاس إلى الإصلاح، وسأصبر ما لم أخَفْ على جماعتكم ، وأكفّ إن كفّوا ، وأقتصر على ما بلغنى عنهم . ثمّ أتاه أنهم يريدون البصرة لمشاهدة النّاس والإصلاح، فتعبّى للخروج إليهم ، وقال : إن فعلوا هذا فقد انقطع نظامُ المسلمين وما كان عليهم فى المقام فينا مَؤُونة ولا إكْراه . فاشتدّ على أهل المدينة الأمرُ، فتثاقَلُوا ، فبعث ٣٠٩٤/١ إلى عبد الله بن عمر كُميْلا النَّخَعِىّ، فجاء به فقال: انهض معى، فقال: أنا مع أهل المدينة ، إنما أنا رجل منهم وقد دخلوا فى هذا الأمر فدخلت معهم لا أفارقهم ، فإن يخرجوا أخرجْ وإن يقعدوا أقعد . قال : فأعطنِى زعيمًا بألا تخرج ، قال : ولا أعطيك زعيماً، قال : لولا ما أعرف من سوء خلقك صغيراً وكبيراً لأنكرْتنى، دعوه فأنا به زعيم . فرجع عبد الله بن عمر إلى المدينة وهم يقولون : لا والله ما ندرى كيف نصنع، فإنّ هذا الأمر لمشتبه علينا ، ونحن مُقيمون حتى يُضيء لنا ويسفِرِ . فخرج من تحت ليلته وأخبر أمّ كلثوم بنت علىّ بالذى سمع من أهْل المدينة ، وأنه يخرج معتمراً مقيمًا على طاعة علىّ ما خلا النهوض ؛ وكان صدوقًا فاستقَرَّ عندها؛ وأصبح علىّ فقيل له : حدث البارحةَ حدَثٌ هو أشدّ عليك من طلحة والزبير وأمّ المؤمنين ومعاوية. قال: وما ذلك ؟ قال : خرج ابن ◌ُمر إلى الشّأم ؛ فأنى علىّ السوق ودعا بالظَّهر فحمل الرّجال وأعدّ لكل طريق طُلاّبًا. وماج أهل المدينة، وسمعت أمّ كلثوم بالذى هو فيه ، فدعت بيَغْلتها فركبتْها فى رَحْل ثمّ أتت عليًّا وهو واقفٌ فى السوق يفرّق الرّجالَ فى طلبه، فقالت: مَالَكَ لا تَزَنَّد(١) من هذا الرّجل؟ إنّ الأمر (١) يقال : تزند فلان إذا ضاق صدره؛ ورجل مزفّه أى سريع الغضب. ٤٤٧ سنة ٣٦ على خلاف ما بُلِّغتَه وحُدّثته. قالت : أنا ضامنة له، فطابت نفسُه وقال: انصرفوا، لا والله ما كذبَتْ ولا كذَب، وإنه عندى ثِقة فانصرفوا . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا: ولما رأى علىّ من أهل المدينة ما رأى لم يتَرْضَ طاعتهم حتى يكون معها نُصرته، قام فيهم وجمع إليه وجُوهَ أهْل المدينة، وقال: إنّ آخر هذا الأمر لا يَصْلُح ٣٠٩٥/١ إلاّ بما صلح أوّلُه، فقد رأيتم عواقِبَ قضاء الله عزّ وجلّ على من مضى منكم ، فانصروا الله يَنْصرْكم ويصلح لكم أمركم . فأجابه رجلان من أعلام الأنصار ؛ أبو الهيثم بن التَّيِّهان - وهو بدرىّ - وخزيمة بن ثابت ؛ وليس بذى الشهادتين ؛ مات ذو الشهادتين فى زمن عثمان رضى الله عنه . كتب إلىّ السرىّ عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد ، عن عبيد الله، عن الحكم ، قال: قيل له: أشَهِد خُزيمة بن ثابت ذو الشَّهادتين الجَمَل؟ فقال : ليس به ، ولكنّه غيره من الأنصار ؛ مات ذو الشهادتین فی زمان عثمان ابن عفان رضى الله عنه . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سَيْف، عن مجالد ، عن الشعبى، قال: بالله الذّى لا إله إلاّ هو ؛ مانهض فى تلك الفتنة إلاّ ستّة بدريِّين ما لهم سابع ، أو سَبْعة ما لهم ثامن . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو بن محمد ، عن الشعبىّ، قال: بالله الذّى لا إله إلاّ هو ما نهض فى ذلك الأمر إلاّ ستة بدرّيين ما لهم سابع . فقلتُ: اختلفتما. قال: لم يختلف ، إنّ الشّعبِىَّ شكَّ فى أبى أيوب: أُخَرج حيثُ أرسلتْه أمّ سَلَمة إلى علىّ بعد صِفين، أم لم يخرج! إلاّ أنه قدم عليه فمضى إليه، وعلىّ يومَئِذٍ بالنَّهروان . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد ابن ثابت ، عن رجل ، عن سعيد بن زيد ، قال : ما اجتمع أربعةٌ من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ففازوا على الناس بخير يحوزونَه إلا" ٣٠٩٦/١ ٤٤٨ سنة ٣٦ وعلىّ بن أبى طالب أحدهم . ثم إنّ زياد بن حنظلة لما رأى تثاقل الناس عن علىّ ابتدر إليه وقال: من تثاقل عنك فإنا نخفّ معك ونقاتل دونك . وبينما علىّ يمشى فى المدينة إذ سمع زينب ابنة أبى سفيان وهى تقول: ظلامتنا عند مُدَمَّم وعند مكحلة (١)، فقال : إنها لتعلم ما همّا لها بثأر. كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة؛ أن عُمان قُتِل فى ذى الحجة لثمان عشرة خلَتْ منه ، وكان على مكة عبدُ الله بن عامر الحضرمىّ ، وعلى الموسم يومئذ عبد الله بن عباس ، بعثه عثمان وهو محصور ، فتعجّل أناسٌ فى يومين فأدركوا مع ابن عباس، فقدموا المدينة بعد ماقُتِل وقبل أن يُبَايَع علىّ، وهرب بنو أميَّة فلحقوا بمكة ، وبويع علىّ لخمس بقين من ذى الحجَّة يوم الجمعة؛ وتساقط الهرّاب إلى مكة، وعائشة مقيمة بمكّة تريد مُمرة المحرّم ، فلما تساقط إليها الهرّاب استَخْبرتهم فأخبروها أنْ قد قُتِل عثمان رضى الله عنه ولم يُجِبْهم إلى التأمير أحَدٌ؛ فقالت عائشة رضى اللّه عنها : ولكن أكياس ، هذا غِبَّ ما كان يدور بينكم من عتاب الاستصلاح؛ حتى إذا قضَتْ عمرتها وخرجت فانتهت إلى سَرِف لقِيهَا رجلٌ من أخوالها من بنى لَيْث- وكانت واصلة لهم، رفيقة عليهم - يُقال له عبيدبن أبى سلمة يعرف بأمّه أمّ كلاب، فقالت: متَهْم! فأصّم ودمدم، فقالت : ويحكَ ! علينا أو لنا؟ فقال: لا تدرى ، قُتل عثمان وبقوا ثمانياً، قالت : ثمّ صنعوا ماذا ؟ فقال : أخذوا أهلَ المدينة بالاجتماع على علىّ ، والقومُ الغالبون على المدينة . فرجعت إلى مكة وهى لا تقول شَيْئًا ولا يخرج منها شىء ، حتى نزلت على باب المَسْجد وقصدت للحجْر فستَّرَتْ فيه ، واجتمع الناس إليها فقالت: يأيّها الناس ، إنّ الغَوْغاء من أهل الأمصار وأهل المياه وعبيد أهل المدينة اجتمعُوا أن عاب الغوغاءُ على هذا المقتول بالأمْس الإرْب واستعمال مَنْ حدثت سنُّه، وقد استُعمل أسنانهم قبله، ومواضع من مواضع الحمى حماها لهم، وهى أمورٌ قد سُبْق بها لا يصلح غيرها، فتابعهم ونزع لهم عنها استصلاحًا (١) هما محمد بن أبى بكر ومحمد بن جعفر؛ وهذا نبز لهما . ١/ ٣٠٩٧ ٩ ٤٤٩ سنة ٣٦ لهم، فلما لم يجدول حجَّةً ولا عذرًا خلجوا وبادوْا بالعدْوان ونَبًا فِعْلُهُم عن قَوْلهم؛ فسفكوا الدَّمَ الحرام واستحلوا البلد الحرام وأخذوا المالَ الحرام، واستحدّوا الشهر الحرام . واللّهِ الإصبَعَ عثمان خيرٌ من طِباق الأرْض أمثالهم . فنجاة من اجتماعكم عليهم حتى يتنْكل بهم غيرهم ويشرَّد مَنْ بعدهم، ووالله لو أن الَّذى اعتدّوا به عليه كان ذنبًا لُخلّص منه كما يخلّص الذّهب من خَبَثِه أو الثّوب من دَرَنِه إذ ما صُوه(١) كما يماصُ الثوب بالماء . فقال عبد الله ابن عامر الحضرمىّ: هأنذا لها أوّل طالب - وكان أوّل ◌ُمجيب ومنتدب . ٣٠٩٨/١ حدّثنى عمر بن شبة ، قال : حدثنا أبو الحسن المدائنىّ، قال : حد ◌ّثنا سحيم مولى وبرة التميمىّ ، عن عبيد بن عمرو القُرْشِىّ، قال : خرجتْ عائشة رضى الله عنها وعُمان محصورٌ، فقدم عليها مكّة رجلٌ يقال له أخضر، فقالت: ما صنع الناس؟: فقال: قَتَّلَ عثمانُ المصريين، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون! أيتَقْتْلُ قومًا جاءوا يطلبون الحقّ وينكرون الظلم! والله لا نَرْضَى بهذا. ثمّ قدِم آخرُ فقالت: ما صنع الناس؟ قال: قَتَّل المصرّيون عثمانَ، قالت: العجبُ لأخْضر، زعم أنّ المقتول هو القاتل !. فكان يُضْرب به المثلُ: ((أكْذبُ من أخْضر)). كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن عمرو بن محمد ، عن . الشعبىّ، قال : خرجَتْ عائشة رضى الله عنها نحو المدينة من مكّة بعد مقتل عثمان، فلقِّيها رجلٌ من أخْوالها ، فقالت : ما وراءَك ؟ قال: قُتِل عثمان واجتمع الناس على علىّ، والأمرُ أمرُ الغَوْغاء. فقالت: ما أظنّ ذلك تامًّاً، رُدُّونِى. فانصرفَتْ راجعة إلى مكة ، حتى إذ دخَلَتْها أتاها عبد الله ابن عامر الحضرمىّ - وكان أميرَ عثمان عليها - فقال: ما ردَّك يا أمّ المؤمنين؟ قالت: ردّى أنّ عثمانَ قُتِل مظلومًا، وأنّ الأمر لا يستقيم ولهذه الغوغاء أمرٌ ، فاطلبوا بدَمَ عُثمان تُعِزّوا الإسلامَ . فكان أوّل من أجابتها عبدالله بن عامر (١) فى نهاية ابن الأثير: ((فى حديث عائشة قالت عن عثمان: مصتموه كما يماص الثوب ثم عدوتم عليه فقتلتموه. الموص : الغسل بالأصابع ؛ يقال: مصته أموصه موصاً ؛ أرادت أنهم استتابوه عما نقموا منه ؛ فلما أعطاهم ما طلبوه قتلوه)). ٤٥٠ سنة ٣٦ الحضرمىّ، وذلك أوّل ما تكلمت بنو أمية بالحجاز ورفعوا رءوستهم ، وقام ٣٠٩٩/١ معهم سعيد بن العاص ، والوليد بن عقبة ، وسائرُ بنى أميّة . وقد قدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة(١)؛ ويَعْلَى بن أميّة من اليمن، وطلحة والزّبير من المدينة ، واجتمع ملؤهم بعد نظر طويل فى أمرهم على البصرة ، وقالت : أيُّها الناس، إنّ هذا حدَثْ عظيمٌ وأمْرٌ منكر، فانهضوا فيه إلى إخوانِكم من أهْل البصرة فأنكروه، فقد كفاكم أهل الشأم ما عندهم، لعلّ اللّه عزّ وجل يدرك لعثمان وللمسلمين بثأرهم . كتب إلىّ السرىّ عن شُعَيْب، عن سَيْف، عن محمد وطلحة، قالا : كان أوّل من أجاب إلى ذلك عبد اللّه بن عامر وبنو أمية؛ وقد كانوا سقطوا إليها بعد مقتل عثمان، ثم قدم عبد الله بن عامر، ثمّ قدِمِ يَعْلَى ابن أميّة، فاتّفَقًا بمكة ، ومع يَعْلَى سمائة بعير وستمائة ألف ، فأناخ بالأبْطح معسكراً؛ وقدم مَعَهُما طلحةُ والزّبير، فلقِيا عائشة رضى الله عنها، فقالت: ما وراءَ كُما؟ فقالا: وراءنا أنا تحملنا بقلِّيَّتنا(٢) هُرّابًا من المدينة من غوغاء وأعْراب، وفارَقْنا قومًاً حيارى لا يعرفون حقًّا ولا ينكرون باطلاً ولا يمنعون أنفسهم. قالت: فائْتمِرُوا أمراً؛ ثمّ انهضوا إلى هذه الغوغاء. وتمثَّلت : ولو أنَّ قومى طاوَعتنى سَرَاتُهُمْ لأَنْقَذْتُهِمْ من الجبالِ أو الْخْلِ وقال القومُ فيما ائتمروا به : الشأم. فقال عبد الله بن عامر: قد كفاكم ٣١٠٠/١ الشأمَ من يستمرّ فى حَوْزَته، فقال له طلحة والزّبير: فأين ؟ قال : البصرة، فإنّ لى بها صنائعَ ولهم فى طَلْحة هوَى، قالوا: قبحك اللّه! فوالله ما كُنْت بالمسالم ولا بالمحارب ، فهلا أقمتَ كما أقام مُعاوية فَنَكْتَفى بك، وذأتى الكوفة فنسدّ على هؤلاء القوم المذاهب! فلم يجدُوا عنده جوابًا مقبولاً ، حتى إذا استقام لهم الرّأىُ على البصرة قالوا: يا أمّ المؤمنين، دعى المدينةَ فإنّ مَن معنا لا يُقرنون لتلك الغوغاء التى بها، واشْخصى معنا إلى البصرة، فإنّا نأتى بلداً (١) بعدها فى ابن الأثير والنويرى: ((بمال كثير)). (٢) ارتحل القوم بقليتهم، أى لم يدعوا وراءهم شيئاً. ٤٥١ سنة ٣٦ مضيَّعًا، وَسَيَحْتجون علينا فيه ببيعة علىّ بن أبى طالب فتُنهضينهم كما أنْهَضْتِ أهلَ مكّة ثم تقعدين، فإن أصْلَح اللّه الأمر كان الذى تُريدين، وإلاّ احتسبنا ودَفَعْنا عن هذا الأمر بجَهْدنا حتى يَقْضىَ اللّه ما أراد . فلما قالوا ذلك لها - ولم يكن ذلك مستقيمًا إلاَّ بها - قالت : نعم؛ وقد كان أزواج النبيّ صلّى الله عليه وسلّم معها على قَصْد المدينة، فلمّا تحوّل رأيها إلى البصرة تركنّ ذلك ؛ وانطلق القومُ بعدها إلى حَقْصَّة، فقالت: رأيى تَبَعٌ لرأى عائشة؛ حتى إذا لم يبق إلاّ الخروج قالوا: كيف نستقل وليس معنا مالٌ فِجهّز به الناس! فقال يَعْلَى بن أميّة: معى ستمائة ألف وستمائة بعير فار کبوها ؛ وقال ابن عامر : معی کذا و کذا فتجهزوا به . فنادى المنادى : إنّ أمّ المؤمنين وطلحة والزّبير شاخصون إلى البصرة ، فمن كان يُريد إعزاز الإسْلام وقتال المحدّين والطلب بثأر عثمان ومن لم يكن عنده مركب ٣١٠١/١ ولم يكن له جهاز فهذا جهازٌ وهذه نفقةٌ ، فحملوا ستمائة رجُل على ستمائة ناقة سوى من كان له مَرْكب وكانوا جميعًا ألفا وتجهزوا بالمال، ونادَوْا بالرّحيل واستقلُّوا ذاهبين. وأرادت حفْصة الخروجَ فأتاها عبد الله بن عمر فطلب إليها أن تقعد، فقعدت وبعثت إلى عائشة: أنّ عبد الله حال بينى وبَيْن الخروج، فقالت: يغفر الله لعبد الله! وبعثَتْ أمّ الفَضْل بنت الحارث رجلاً من جُهَيْنة يُدْعَى ظفْرًا، فاستأجرَتْه على أن يطوى ويأتى عليًّا بكتابها ، فقدم على علىّ بكتاب أمّ الفضل بالخبر .. حدّثنى عمر بن شبّة، قال : حدثنا علىّ، عن أبى مخنف ، قال : حدّثنا عبد الله بن عبد الرّحمن بن أبى عمرة ، عن أبيه، قال : قال أبو قتادة لعلىّ: يا أميرَ المؤمنين، إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قلّدنى هذا السيف وقد شِمْتُه(١) فطال شَيْمه، وقد أنَّى تَجْرِيدُه على هؤلاء القوم الظالمين الذين لم يألُوا الأمّة غشًّاً، فإن أحببت أن تُقَدّمنى، فقد منى. وقامت أم سلمة فقالت: يا أميرَ المؤمنين، لولا أنْ أعصىَ اللّه عزّ وجلّ وأنك لا تقبله منّى خرجتُ معك ؛ وهذا ابنى ◌ُمر- واللّه لهو أعزّ علىّ من نَفْسى- يَخْرج معك فيشهد (١) شمته ، أى أغمدته. ٤٥٢ سنة ٣٦ مشاهدك. فخرج فلم يَزّل معه، واستعمله على البَحْرين ثم عزله ، ٣١٠٢/١ واستعمل التُّعمان بن عَجْلان الزُّرَقىّ. حدثنى ◌ُمر ، قال : حدّثنا أبو الحسن ، قال : حدّثنا مسلمة ، عن عوف ، قال: أعانَ يَعْلَى بن أميّة الزُّبير بأربعمائة ألف، وحمل سبعين رجلا من قُريش، وحَمَل عائشة رضى الله عنها على جَمَل يقال له عسكر ، أخذه بثمانين ديناراً، وخرجوا. فنظر عبد الله بن الزّبير إلى البَيْت؛ فقال : ما رأيتُ مثلك بركةَ طالب خير ، ولا هاربٍ من شرّ . كتب إلىّ السرىّ عن شعيب، عن سَيْف، عن محمّد وطلحة ، قالا: خرج المغيرة وسعيد بن العاص معهم مرحلةً من مكّة ، فقال سعيد للمغيرة : ما الرّأى؟ قال: الرّأى والله الاعتزال، فإنَّهم ما يفلح أمرهم، فإن أظفره الله أتَيْناه، فقلنا: كان هَوَانَا وصَغْوُنًا(١) معك؛ فاعتزلاَ فجلسا، فجاء سعيدٌ مكة فأقام بها ، ورجع معهما عبد الله بن خالد بن أسيد . حدّثنى أحمد بن زُهَيْر، قال : حدّثنا أبى، قال: حد ◌ّثنا وهب بن جَرير بن حازم ، قال : سمِعْتُ أبى، قال : سمعتُ يونس بن يزيد الأيْلى ، عن الزّهرىّ، قال: ثُمّ ظهرًا - يعنى طلحة والزّبير - إلى مكة بعد قتل عثمان رضى الله عنه بأربعة أشهر وابن عامر بها يجرُّ الدّنيا، وقدم يَعْلى بن أميّة معه بمال كثير ، وزيادة على أربعمائة بعير، فاجتمعوا فى بَيْت عائشة وضى اللّه عنها فأرادوا الرّأى، فقالوا: نسيرُ إلى علىّ فنُقاتِله، فقال بعضُهم: ليس لكم طاقة بأهْل المدينة، ولكنَّا نَسِيرُ حتى نتدخل البصرة والكوفة، ولطلحة بالكوفّة شيعَةٌ وهَوَى، وللزّبير بالبصرة هوّى ومعونة . فاجتمع رأيُهم على أن يسيروا إلى البصرة وإلى الكوفة، فأعطاهم عبد الله بن عامر مالاً كثيراً وإبلا، فخرجوا فى سبعمائة رَجُلٍ من أهل المدينة ومكة، ولحقهم الناس حتى كانوا ثلاثةَ آلاف رَجُل، فبلغ عليًّا مسيرهم، فأمّر على المدينة ستَهْل ٣١٠٣/١ (١) صفونا، أى ميلنا . ٤٥٣ سنة ٣٦ ابن حُنّيف الأنصارىّ، وخَرَجَ فسار حتى نزل ذَاقَارِ ، وكان مسيره إليها ثمان ليال ، ومعه جماعةٌ من أهل المدينة . حدّثنى أحمد بن مَنْصور ، قال : حدّثنى يَحْبِى بن مَعِين ، قال : حدّثنا هشام بن يوسف قاضى صَنْعاء ، عن عبد الله بن مصعب بن ثابت ابن عبد الله بن الزّبير، عن موسى بن عُقْبة، عن علقمة بن وقّاص الليْىّ، قال: لما خرج طَلْحَةُ والزّبير وعائِشة رضى الله عنهم عرضوا الناس بذَاتٍ عِرْق، واستَصْغّروا عروة بن الزّبير وأبا بكر بن عبد الرّحمن بن الحارث ابن هشام فرَدُّوهما . حدّثنى مُمر بن شبّة، قال : حدّثنا أبو الحسن، قال : أخبرنا أبو عمرو، عن عتبة بن المغيرة بن الأختّس ، قال: لَقِىَ سعيد بن العاص مَرْوان بن الحكم وأصحابه بذَاتٍ عِرْق ، فقال: أيْن تَذْهبون وثأركم على أعجاز الإبل! اقتلوهم ثمّ ارجعوا إلى منازلكم لا تقتلوا أنفسكم؛ قالوا : بل نسير فلَعَلّنا نقتل قتلَةَ عمان جميعًا. فخلا سعيدٌ بطلحة والزّبير، فقال: إنْ ظفِرْتُما لمن تَجْعلان الأمْر؟ أصْد قانى؛ قالا: لأحد نا أيَّنَا اختارَه الناس. قال: بل اجعلوه لوَلَد عُمان فإنكم خَرَجْمَ تَطْلبون بدَمِهِ ، قالا: نَدَع شيوخَ المُهاجرين ونَجْعلُها لأبنائهم ! قال : أفلا أرانى أسعى لأُخرِجتها من بنى عبد مناف. فرجع ورجع عبدُ الله بن خالد بن أسيد، فقال المغيرة ١/ ٣١٠٤ ابن شعبة : الرّأى ما رأى سعيد ، مَن كان ها هنا من ثقيف فلْيُرجع ؛ فرجَعَ ومضى القومُ، معهم (١) أبان بن عثمان والوليد بن عثمان ، فاختلفوا فى الطريق فقالوا : من ندعو لهذا الأمْر ؟ فخلا الزّبير بابنه عبد الله ، وخلا طلحةُ بعَكْقمة بن وقّاص الليْىّ - وكان يُؤثِره على ولَده - فقال أحدهما: انت الشأم، وقال الآخر: ائت العراق، وحَاور كل واحد منهما صاحبه ثم اتفقا على البصرة . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن قيس ، (١) ابن الأثير والنويرى: ((ومعهم)). ٤٥٤ سنة ٣٦ عن الأغرّ ، قال: لما اجتمع إلى مكة بنو أميَّة ويَعْلَى بن مُنْية وطلحةُ والزّبير، ائتَمَرُوا أَمْرَهم، وأجمَع ملؤهم على الطلب بدَمِ عُثمان وقتال السبئيّة حتى يثأروا وَيَنْتقموا؛ فأمَرّهم عائشةُ رضى الله عنها بالخروج إلى المدينة، واجتمع القومُ على البصرة وردّوها عن رأيها ، وقال لها طلحة والزّبير: إنا نأتى أرضًا قد أضيعت وصارت إلى علىّ، وقد أجبرنا علىّ على بَيْعته، وهم محتجّون علَيْنا بذلك وتاركو أمْرنا إلاّ أن تَخْرجى فتأمُرى بمثل ما أمرت بمكة ، ثم ٣١٠٥/١ ترجعى . فنادى المنادى: إن عائِشة تريد البصرة وليس فى ستمائة بعير ما تُفْنون(١) به غوغاء وجلبة (٢) الأعراب وعبيداً قد انتشروا وافترشوا أذرعهم مسعد ينلأوّل واعية . وبعثَتْ إلى حتَفْصة، فأرادت الخُروج، فعزم عليها ابن عمر فأقامَتْ ؛ فخرجت عائِشةُ ومعها طلحةُ والزّبير، وأمّرَت على الصّلاة عبدَ الرّحمن ابن عتَّاب بن أسيد، فكان يُصلِّ بهم فى الطريق وبالبصرة حتى قُتِل، وخرج معها مروانُ وسائر بنى أميّة إلاّ من خَشَع، وتتيامنت عن أوطاس؛ وهم ستمائة راكب سوى من كانت له مطيّة ، فتركت الطّريق ليلةً وتيامنت عنها كأنهم سيَّارة ونَجَعة، مساحلين لم يَدْنُ من المنكدر ولا واسط ولا فلْج منهم أحَدٌّ ، حتَّى أتوا البصرة فى عام خصيب . وتمثّلت : دَعى بلادَ جُموع الظُّلْمِ إذ صلُحَت فيها المياهُ وسيرى سيْرَ مَذْعور تَخَيِِّى النَّبْتَ فَارْعِئْ ثَمَّ ظَاهِرَةٌ وَبَطْنَ وَادٍ من الضُّمَّارِ مَعْطُورٍ حدثنى عمر ، قال : حدثنا أبو الحسن ، عن عمر بن راشد المامىّ ، عن أبى كثير السُّحَيمىّ، عن ابن عباس، قال: خرج أصحابُ الجمل فى ستمائة، معهم عبد الرّحمن بن أبى بكرة وعبد الله بن صفوان الجُمَحِى،فلما جاوزا بِئْر مَيمون إذا هم يجَزُور قد فُحِرت ونَحْرُها ينشعب ، فتطيّروا . وأذَّن مَروانُ حين فصل من مكة ثمّ جاء حتى وقف عليهما ، فقال : أيُّكما أسَلِّم بالإمرة وأؤذّن بالصّلاة ؟ فقال عبد الله بن الزبير: عَلَى أبى عبد الله، وقال محمد بن طلحة: على أبى محمد. فأرْسلَتْ عائشةُ رضى اللّه ٣١٠٦/١ (١) ط: ((تعنون)) تصحيف. (٢) ط: ((وجالبة)) تصحيف . ٤٥٥ سنة ٣٦ عنها إلى مروان فقالت: مَالَك؟ أتُريد أن تفرّق أمْرنا! لِيُصَلِّ ابنُ أختى، فكان يصلّى بهم عبد الله بن الزّبير حتى قدم البصرة ، فكان معاذ بن عبيد الله يقول: والله لو ظفرنا لافْتَتَنَّا ما خلى الزّبير بين طلحة والأمر، ولا خلّى طلحة بين الزّبير والأمر . خروج علىّ إلى الرَّبَذَة يُريد البصرة كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سَيْف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال : جاء عليًّا الخبرُ عن طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين، فأمّر على المدينة تمّام بن العباس، وبعث إلى مكّة قُثَم بن العباس، وخرج وهو يَرْجو أن يأخذهم بالطريق، وأراد أن يَعْتَرَضهم، فاستبان له بالرَّبَذَة أن قد فَاتُوه، وجاءه بالخَبَر عطاءُ بن رئاب مولى الحارث بن حّزْن . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة ، قالا : بلغ عليًّاً الخبرُ- وهو بالمدينة باجتماعهم على الخروج إلى البصرة وبالَّذى اجتمع عليه ملؤهم؛ طلحةُ والزّبيرُ وعائشةُ ومَنْ تَبَعهم، وبلغه قولُ عائشة، وخَرَجٌ علىّ يبادِرُهم فى تعْبيته التى كان تعبَّى بها إلى الشام ، وخرج معه من نشط من الكوفيّين والبصريّين متخفِّفين فى سبعمائة رجُل، وهو يرجو أن يُدْرِ كَهم فيَحُول بينهم وبين الخروج، فلقيه عبد الله بن سلام فأخذ ٣١٠٧/١ بعنانه، وقال : يا أميرَ المؤمنين، لا تَخْرج منها؛ فوالله لْن خرَجْتَ منها لا ترجع إليْها ولا يعود إليها سُلطان المسلمين أبداً. فسبُّه، فقال: دَعُوا الرّجل ؛ فنعم الرّجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ! وسار حتى انتهى إلى الرَّبَذَة فبلغه مَمَرُّهم، فأقام حين فَآتُوه بأتمر بالرَّبَذَة. كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سَيْف، عن خالد بن مهران البَجَلَىّ، عن مروان بن عبد الرحمن الحُميسىّ، عن طارق بن شهاب، قال: خَرَجْنا من الكوفة معتمِرين حين أتانا قَتْلُ عثمان رضى الله عنه، فلما انتَهَيْنا إلى الرَّبَذَة- وذلك فى وجه الصّبح- إذا الرّفاق وإذا بعضهم يحدو (١) (١) ط : ((يلو)). ٤٥٦ سنة ٣٦ بعضًا ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : أمير المؤمنين ، فقلتُ : ما لَه ؟ قالوا : غَلَبَهُ طلحة والزّبير، فخرج يعترض لهما ليردّهما، فبلغَهُ أنهما قد فاتاه، فهو يُريد أن يخرج فى آثارِهما، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون! آنى عليًّا فأقاتل معه هذين الرّجلين وأمَّ المؤمنين أو أخالفه! إنّ هذا لشديد. فخرجتُ فأتَيْتُه، فأقيمت الصّلاة بغَلَس، فتقدّم فصلّى، فلما انصرَفَ أتاه ابنهُ الحسن فجلس فقال: قد أمرتك فعصيتنى، فتقتل غداً بمتضيعة(١) لا ناصرلك، ٣١٠٨/١ فقال علىّ: إنك لا تزال تخِن" خنين الجارية! وما الَّذى أمرتسنى فعصيتك؟ قال: أمَرْتُك يوم أُحِيطَ بعثمان رضى الله عنه أن تَخْرج من المدينة فيُقْتل ولست بهما، ثمّ أمَرْتُك يومَ قُتِل ألا" تُبايع حتى يأتيَك وُفود أهل الأمصار والعَرَب وَبَيْعَةُ كلّ مصر، ثمّ أمرتك حين فعل هذان الرّجلان ما فعلا أن تَجْلس فى بيتك حتى يَصْطَلحوا، فإن كان الفساد كان على يدىْ غَيْرك؛ فعصَيْتَنى فى ذلك كله. قال: أىْ بُنىّ، أمّا قولك: لو خرجتَ من المدينة حين أحيط بعُمان؛ فوالله لقد أحيط بنا كما أحيط به. وأما قولُك: لا تُبايع حتى تأتىَ بَيْعَةُ الأمصار، فإنّ الأَمْر أمرُ أهل المدينة، وكَرِهْنا أن يضيع هذا الأمر. وأما قولُك حين خرج طلحةُ والزّبير، فإنّ ذلك كان وهْنًا على أهل الإسلام، ووَاللّهِ ما زلتُ مقهوراً مذ وليتُ ، منقوصًا لا أصل إلى شىء مما ينبغى . وأما قولك : اجلسْ فى بيتك، فكيف لى بما قد لنَزمنى! أوَ مَن تُريدنى؟ أتريد أن أكون مثل الضبُع التى يُحاط بها ويقال: دَبَابٍ دبابٍ(٢) !ليست ها هنا حتى يحلّ عُرْقوباها ثم تُخْرج؛ وإذا لم أنظرْ فيما لزمنى من هذا الأمر ويعنينى فمن يَنْظر فيه! فكفّ عنك أى بُنىّ . ٠ ٠ ٥ شراء الجمل لعائشة رضى الله عنها ، وخبرُ كلاب الحوب حدّثّنى إسماعيلُ بن موسى الفزارىّ، قال : أخبرنا علىّ بن عابس الأزْرَق ، قال : حدثنا أبو الخطّاب الهجَرَىّ، عن صَفْوان بن قبيصة الأحمسىّ، قال: حدثنى العُرَنىّ صاحب الجَمَل، قال: بينما أنا أسيرُ (١) ط: ((بمصعبة))، وفى ابن الأثير: ((بمعصية)). (٢) دباب كقطام: دعاء الضبع الضبع ، أی دبى . ٤٥٧ سنة ٣٦ ٣١٠٩/١ على جَمَل إذا عَرَض لى راكبٌ فقال : يا صاحبَ الجمل ، تبيعُ جملَك ؟ قلت : نعم، قال : بكم؟ قلتُ: بألف درهم، قال: مَجنون أنت! جَمَلٌ يُباع بألف درهم! قال: قلت : نعم، جملى هذا ، قال: وثمّ ذلك ؟ قلت: ما طلبتُ عليه أحدا قَطُّ إلاّ أدركته، ولا طلبنى وأنا عليه أحدٌ إلا فُتّه . قال : لو تَعْلم لمن فُريده لأَحْسَنْتَ بيعنا ، قال : قلت : ولمن تريده؟ قال: لأمّك، قلتُ: لقد تركتُ أمى فى بيتها قاعدةً ما تريد براحا، قال : إنما أريدُه لأمّ المؤمنين عائشة، قلت: فهو لك، فخُذْه بغَيْر ثمن، قال: لا، ولكن ارجع معنا إلى الرّحل فَلْتُعْطِك ناقةً مهريّة ونزيدُك دراهِمٍ ، قال : فرجعْتُ فأعطوْنى ناقةً لها مَهرية، وزادونى أربعمائة أو ستمائة درهم، فقال لى : يا أخا عُرَيْنة، هل لك دلالة بالطريق؟ قال: قلت: نعم، أنا من أدْرِك الناس ، قال: فسِرْ معنا ، فسِرْتُ معهم فلا أمَرّ على واد ولا ماء إلاّ سألونى عنه ؛ حتى طرقْنا ماء الحوْءب فنبحتْنا كلابُها ، قالوا: أىّ ماء هذا ؟ قلتُ: ماء الحوْءب، قال : فصرخت عائشةُ بأعْلَى صوتها، ثم ضربت عَضُد بعيرها فأناخَتْه، ثم قالت: أنا والله صاحبة كلاب الحوْءب طرُوقاً، رُدُّونِى! تقول ذلك ثلاثًاً. فأناخَتْ وأناخوا حَوْلتها وهم على ذلك، وهى تأبى حتى كانت الساعة التى أناخوا فيها من الغّد. قال: فجاءها ابن الزّبير فقال: النّجاء النّجاء، فقد أدْركَكُم والله علىّ بن أبى طالب! قال: فارتحلوا وشَتَّمونى، فانصرفْتُ، فما سِرْت إلاَّ قليلاً وإذا أنا بعلىّ ورَكْب معه نحو من ثلثمائة، فقال لى علىّ: بأيُّها الراكب! فأتَيْته فقال: أين أتيت الظَّعينة ؟ قلت: فى مكان كذا وكذا ، وهذه ناقَتَها، وبعتُهم جَمَلَى ، قال : وقد رَكِبَتْه ؟ قلت : نعم ؛ وسِرْتُ معهم حتى أتينا ماء الخَوْءب فنبحَتْ عليها كلابها، فقالت كذا وكذا، فلما رأيتُ اختلاط أمْرهم انفتَلْتُ وارتحلُوا؛ فقال علىّ: هل لك دلالة بذى قار؟ قلت : لعلّى أدلّ الناس، قال : فَسِرمعنا ؛ فسِرْنا حتى نزلنا ذا قار ، فأمر علىّ بن أبى طالب يُحُوالقين فضمَّ أحدَهُما إلى صاحبه، ثم جىء برحْل فوضع عليهما، ثم جاء يمشى حتى صعد عليه، وسدَل رجليه من جانبٍ واحدٍ، ثمّ حمد الله وأثنى ٣١١٠/١ ٤٥٨ سنة ٣٦ عليه، وصلّى على محمّد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: قد رأيتم ما صنع هؤلاء القَوْمُ وهذه المرأة . فقام إليه الحسنُ فبكى، فقال له علىّ : قد جئتَ تخنَّ خنين الجارية! فقال: أجَلْ، أمرتُك فعصَيْتَنى، فأنت اليوم تقتل بمضيعة(١) لا ناصر لك، قال: حَدَّث القوم بما أمرتَنى به ، قال: أمرتُك حينَ سار الناس إلى عثمان ألاّ تبسط يدك ببَيْعة حتى تجول جائِلةُ العرب ، فإنهم لن يقطعوا أمراً دونك، فأبيتَ عَلَىَّ ، وأمرتُك حين سارت هذه المرأة وصّنَع هؤلاء القَوْم ما صَنَعُوا أن تلزم المدينةَ وترسل إلى من استجاب لك من شيعتك، قال علىّ: صدق واللّه، ولكنْ والله يا بنىّ ما كنتُ لأكون كالضّبُعُ تستمع لِلّدْم، إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قُبِض وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منى، فبايع الناس أبا بكر، فبايَعْتُ كما بايعوا، ثم إن أبا بكر رضى الله عنه هلك وما أرى أحداً أُحقّ بهذا الأمر منى، فبايع الناس ◌ُمرّ بن الخطاب، فبايَعْتُ كما بايعوا، ثمّ إنّ عمر رضى الله عنه هلك وما أرى أحداً أحقّ بهذا الأمر منَّى، فجعلنى سهمًا من ستّة أسهم، فبايع الناس عثمان فبايعتُ كما بايعوا، ثم سار الناس إلى عثمان رضى الله عنه فقَتْلُوه، ثم أتونى فبايعونى طائعين غير مكرّهين ، فأنا مُقاتِلٌ من خالفنى بمن اتَّبعنى حتى يحكم اللّه بينى وبينهم وهو خَيْر الحاكمين . قَوْلُ عائشة رضى الله عنها: والله لأطلبنَّ بدم عُمان وخروجُها وطلحة والزّبير فيمن تبعهم إلى البصرة كتب إلىّ علىّ بن أحمد بن الحسن العجلّ أن الحسين بن نصر العطار، قال : حدّثنا أبى نصر بن مزاحم العطار ، قال : حدّثنا سيف بن عمر ، عن محمد بن نُويرة وطلحة بن الأعلم الحنفىّ. قال: وحدّثنا عمر بن سعد، عن أسد بن عبد الله، عمّن أدرك من أهل العِلْم؛ أنّ عائشة رضى الله عنها لما انتهتْ إلى سَرِف راجعة فى طريقها إلى مكة، لقيها عبد بن أمّ كلاب- وهو (١) مضيعة، أى بدار ضياع. ٣١١١/١ ٤٥٩ سنة ٣٦ عبد بن أبى سلمة ، ينسب إلى أمه - فقالت له : مَهْم؟ قال: قتلوا عثمان رضى الله عنه ، فمكثوا ثمانياً ؛ قالت : ثم صنعوا ماذا ؟ قال: أخَذَها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خَيْر مجاز؛ اجتمعوا على علىّ بن أبى طالب. فقالت: واللّه ليت أنّ هذه انطبقت على هذه إن تمَّ الأمرُ لصاحبك! رُدّونى ردّونى، فانصَرَفَتْ إلى مكَّة وهى تقول: قُتِل واللّه عُمان مظلومًا، والله لأطلبنّ بدَمِهِ، فقال لها ابن أمّ كلاب: ولِمَ ؟ فوالله إن" أول من أمالَ حرفه لأنت ! ولقد كُنْتِ تقولين : اقتلوا نعْثلا فقد كفر ؛ قالت: إنهم استَشَابوه ثم قَتَلُوه، وقد قلت وقالوا، وقولى الأخير خيرٌ من قولى الأوّل ؛ فقال لها ابن أمّ كلاب : ٣١١٢/١ ومنكِ الرِّياحُ ومنكِ المَطَرْ فَمِنْكِ البَداءِ ومِنكِ الفِيَرْ وَقُلْتِ لنا إنّه قد كَفَرْ وأَنْتِ أَمَرْتِ بقَتْل الإمام وقاتِلُهُ عِندنا مَن أَمَرْ فَهَبْنَا أَطَعناكِ فى قَتْلِهِ ولَمَّ تَنْكَفْ ثْنَا وَالقَمَرْ ولمَّ يَشْقُطِ القْفُ مِنْ فَوْقِنَاً يُزِيلُ الشَّبَا وَ يُقيمُ الصَّعَرْ وقَدْ بَابَعَ النَّاسُ ذَا تُدْرَ!(١) وما مَنْ وَفَى مِثْلُ مَنْ قد غَدَرْ وَيْلَبَسُ لِلْحَرْبِ أَثْوَابَهَا فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب المسجد فقصدت للحجْر، فستَّرت واجتمع إليها الناس، فقالت: يأيّها الناس، إنّ عثمان قُتِل مظلومًا، ووالله لأطلبنّ بدَمِه . كتب إلىّ السرىّ عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : کان على فی همّ من توجه القوم لا یدری إلی أین یأخذون! و کان أن يأتوا البصرةَ أحبَّ إليه. فلما تيقَّن أنّ القوم يعارِضون طريقَ البصرة سُرّ بذلك، وقال : الكوفة فيها رجالُ العرب وبُيوتاتهم ، فقال له ابن عباس : إنّ الذى يسرّك(٢) من ذلك ليسوؤنى، إن الكوفة فُسْطاطٌ فيه أعلام من أعلام العرب، ولا يحملهم (١) ذو تدرأ ؛ أى ذوعدة وقوة . (٢) ابن الأثير والنويرى: ((سرك)). ٣١١٣/١ ٤٦٠ سنة ٣٦ عدّة القوم، ولا يزال فيهم من يسمو إلى أمرٍ لا ينالُه؛ فإذا كان كذلك شغب علىّ الذى قد نال حتى يفْئَأه فيفسد بعضهم على بعض. فقال على": إن الأمر ليشبه ما تقول، ولكنّ الأُثْرة لأهْل الطاعة وألْحَقُ بأحسنهم سابقةً وقُدْمة، فإن استووا أعفَيْناهم واجتبرناهم، فإن أقْنَعهم ذلك كان خيراً لهم ، وإن لم يقنعهم كلّفونا إقامتهم وكان شرًّا على من هو شرّ له . فقال ابن عباس: إن ذلك لأمرٌ لا يدرك إلاّ بالقنوع . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : لمَّا اجتمع الرّأى من طلحة والزّبير وأمّ المؤمنين ومن بمكة من المسلمين على السّير إلى البصرة والانتصار من قَتَّة عثمان رضى الله عنه، خرج الزّبير وطلحة حتى لقيا ابن عمر ودعتَوَاه إلى الخفُوف (١)، فقال: إنى امرؤٌ من أهل المدينة، فإن يجتمعوا على النهوض أنهض، وإن يجتمعوا على القُعود أقعد، فتركاه ورجعا . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سَيْف ، عن سعيد بن عبد الله ، عن ابن أبى مُلَيكة، قال: جمع الزّبير بنيه حين أراد الرّحيل، فودّع بعضهم وأخرج بَعْضَهم، وأخرج ابنَىْ أسماء جميعًا، فقال: يا فلان أقِمْ، ياعمرو أقم. فلما رأى ذلك عبد الله بن الزّبير، قال: يا عُرْوة أقمٍ، ويامُنْذُر أقِمْ، فقال الزّبير: وَيَبْحك! أستصحب ابنىّ وأستمتع منهما، فقال: إن خرجتَ بهم جميعًا فاخرجْ، وإن خلّفت منهم أحداً فخلّفهْما ولا تُعرّض أسماء للتُّكْل من بين نسائك . فبكتى وتركَهُما ، فخرجُوا حتى إذا انتهوا إلى جبال أوطاس تيامَنُوا وسلكوا طريقًا نحو البصرة ، وتركوا طريقها يساراً ، حتى إذا دنَوْا منها فدخلوها ركبوا المنكدر . كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سَيْف ، عن ابن الشّهيد ، عن ابن أبى مُلَيكة، قال: خرجَ الزّبير وطلحة ففصَلًا، ثمّ خرجَتْ عائشةُ فتَبعها أمهاتُ المؤمنين إلى ذات عِرْق، فلم يُرَّ يومٌ كان أكثر باكيًا على الإسلام أو باكيًا له من ذلك اليوم، كان يُسَمِىّ يوم النَّحيب. وأمَّرَتْ (١) الخفوف: الخفة معهم وإعانتهم على ما يريدون. ٣١١٤/١