Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٨١
سنة ٣٥
قد علمتْ ذاتُ القرون المِيلِ والكفِّ والأنامِل الطُّفُولِ
٣٠٠٣/١
ثم صاح : مَنْ يبارز ؟ وقد رفع أسفل درعه ؛ فجعله فى منطقته . قال :
فيثب إليه ابن النَّبَاع فضربه ضربة على رقبته من خلفه فأثبته؛ حتى سقط ،
فما ينبض منه عرق، فأدخلتُه بيتَ فاطمة ابنة أوْس جدّة إبراهيم بن العَدِىّ.
قال : فكان عبد الملك وبنوأميّة يعرفون ذلك لآل العدىّ .
حدثنى أحمد بن عثمان بن حكيم ، قال: حدثنا عبدُالرحمن بن شريك ،
قال : حدّثنى أبى ، عن محمد بن إسحاق ، عن يعقوب بن عتبة بن الأخنس،
عن ابن الحارث بن أبى بكر ، عن أبيه أبى بكر بن الحارث بن هشام ، قال :
كأنى أنظر إلى عبد الرحمن بن عنديس البلَوىّ وهو مسند ظهره إلى مسجد
نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم وعثمان بن عفان رضى الله عنه محصور، فخرج
مروان بن الحكم ، فقال : مَن يبارز ؟ فقال عبد الرحمن بن عُدَيس لفلان
ابن عُروة: قم إلى هذا الرّجل، فقام إليه غلام شابّ طُوال؛ فأخذ رَفرف(١)
الدرع فغرزه فى منطقته ، فأعور له عن ساقه ، فأهوى له مروان وضربه
ابن عروة على عنقه ، فكأنى أنظر إليه حين استدار . وقام إليه عبيد بن رفاعة
الزُّرَقىّ ليدفِّف(٢) عليه، قال: فوثبت عليه فاطمة ابنة أوس جدّة إبراهيم
ابن عدىّ - قال : وكانت أرضعت مروان وأرضعت له - فقالت : إن كنت
إنما تريد قتل الرجل فقد قتل ؛ وإن كنت تريد أن تلعب بلحمه فهذا قبيح .
قال : فكفّ عنه ، فما زالوا يشكرونها لها ، فاستعملوا ابنها إبراهيم بعد .
٢٠٠٤/١
وقال ابن إسحاق : قال عبد الرحمن بن عُدَّيس البلوىّ حين سار
إلى المدينة من مصر :
مُسْتَحْقباتٍ حَلَقَ الحديدِ
أقْبلْنَ مِنْ بِلْبِيسَ والصَّعيدِ
حتى رَجَعْنَ بالذى نريدُ
يَطْلُبْنَ حَقَّ الله فى سَعيدٍ
حدّثنى جعفر بن عبد الله المحمدىّ، قال: حدثنا عمرو بن حماد وعلىّ
(١) رفرف الدرع: زرديشد بالبيضة ويطرحه الرجل على ظهره؛ وفى ط: ((رفيف))
(٢) دفف على الجريح، مثل ذفف : أجهز عليه .
تحريف .

٣٨٢
سنة ٣٥
ابن حسين ، قالا : حدّثنا حسين بن عيسى ، عن أبيه ، قال : لما مضت
أيام التشريق أطافوا بدار عثمان رضى الله عنه، وأبى إلاّ الإقامة على أمره ،
وأرسل إلى حشمه وخاصّته فجمعهم، فقام رجل من أصحاب النبي صلى اللّه
عليه وسلم يقال له نيار بن عياض - وكان شيخًا كبيراً - فنادى: ياعثمان ؛
فأشرف عليه من أعلى داره؛ فناشده اللّه، وذكَّره اللّه لَمَّا اعتزلهم! فبينا هو
يراجعه الكلام إذ رَماه رجل من أصحاب عثمان فقتله بسهم ، وزعموا أنْ
الذى رماه كَثِير بن الصَّلْت الكندىّ؛ فقالوا لعثمان عند ذلك: ادفع إلينا
قاتل نيار بن عياض فلنقتله به ، فقال : لم أكن لأقتل رجلا نصرنى وأنتم
تريدون قتلى ؛ فلمَّا رأوا ذلك ثاروا إلى بابِه فأحرقوه ؛ وخرج عليهم مرْوان بن
الحكم من دار عثمان فى عصابة ، وخرج سعيد بن العاص فى عصابة ، وخرج
المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق الثقفىّ حليف بنى زُهرة فى عصابة ؛ فاقتتلوا
قتالاً شديداً ؛ وكان الذى حداهم على القتال أنه بلغهم أن مدداً من أهل
البصرة قد نزلوا صراراً- وهى من المدينة على ليلة - وأن أهل الشام قد توجّهوا
مقبلين ، فقاتلوهم قتالا شديداً على باب الدّار ، فحمل المغيرة بن الأخنس
الثقفىّ على القوم وهو يقول مرتجزاً :
٣٠٠٥/١
قَدْ عَلِمَتْ جارِيةٌ عُطْبُولُ لها وِشَاحٌ وَلهَا حُجول
• أنّى بنَصْلِ السَّيْفِ خَنْشَلِيلُ(١).
فحمل عليه عبد الله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعىّ ، وهو يقول :
إِنْ تَكُ بالسّيْفِ كما تَقُولُ فَأْبَتْ لِقِرْنٍ ماجدٍ يَصَولُ
( بمشْرَفِىّ حدُّهُ مَصْقولُ»
فضربه عبد الله فقتله ، وحمل رفاعة بن رافع الأنصارىّ ثم الزَّرَقىّ
على مروان بن الحكم ، فضربه فصرعه، فنزل عنه وهو يرى أنه قتله ؛ وجرح
عبد الله بن الزبير جراحات ، وانهزم القوم حتى لجئوا إلى القصر، فاعتصموا
(١) الرجز فى اللسان ١٣: ٢٣٦. قال: خنشليل، أى عمول به.

٣٨٣
سنة ٣٥
بيابه، فاقتتلوا عليه قتالا شديداً، فقتِلَ فى المعركة على الباب زياد بن نُعَيْم
الفهرىّ فى ناس من أصحاب عثمان ، فلم يزل الناس يقتتلون حتى فتح عمرو
ابن حزم الأنصارىّ باب داره وهو إلى جنب دار عثمان بن عفان ، ثمّ نادى
الناس فأقبلوا عليه من داره، فقاتلوهم فى جَوْف الدار حتى انهزموا، وخلّى لهم
عن باب الدار ؛ فخرجوا هُرَّابًا فى طرق المدينة ؛ وبقىَ عثمان فى أناس من
أهل بيته وأصحابه فقتلوا معه ؛ وقُتِل عثمان رضى الله عنه .
٣٠٠٦/١
حدّثنى يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا معتمِرِ بن سليمان التيمىّ ،
قال : حدّثنا أبى ، قال : حدّثنا أبو نَضْرة ، عن أبى سعيد مولى أبى أسَيْد
الأنصارىّ، قال: أشرف عليهم عثمان رضى الله عنه ذات يوم ، فقال:
السلام عليكم ، قال. فما سمع أحداً من الناس ردّ عليه إلاّ أن يردّ رجل فى
نفسه، فقال: أنشدُكم باللّهل علمتم أنى اشتريت رومة من مالِى يستعذب
بها، فجعلت رِشائى منها كرِشاء رجل من المسلمين ! قال : قيل: نعم .
قال : فما يمنعنى أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر ! قال : أنشدكم
اللّه هل علمتم أنّى اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته فى المسجد ؟ قيل :
نعم ، قال : فهل علمتم أحداً من الناس مُنع أن يصلّى فيه قبلى ! قال :
أنشدكم الله، هل سمعتم نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم يذكر كذا وكذا ؛ أشياء
فى شأنه، وذكْرَ اللّه إياه أيضًا فى كتابه المفصّل. قال: ففشا النهى.
قال : فجعل الناس يقولون : مهلا عن أمير المؤمنين ، قال : وفشا النهى .
قال : وقام الأشتر - قال: ولا أدرى يومئذ أو فى يوم آخر - فقال: لعله
قد مكر به وبكم ! قال : فوطئه الناس ، حتى لقى كذا وكذا ، قال : فرأيته
أشرف عليهم مرّة أخرى ، فوعظهم وذكَّرهم ، فلم تأخذ فيهم الموعظة .
وكان الناس تأخذ فيهم الموعظة أوّلَ ما يسمعونها؛ فإذا أعيدت عليهم لم تأخذ
فيهم . قال : ثم إنه فتح الباب ووضع المصحف بين يديه . قال : وذاك أنه
رأى من الليل أنّ نبيّ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: ((أفطر عندنا
الليلة )) .
قال أبو المعتمر: فحدّثنا الحسن: أنّ محمد بن أبى بكر دخل عليه ٣٠٠٧/١

٣٨٤
سنة ٣٥
فأخذ بلحيته . قال : فقال له: قد أخذت منّا مأخذاً ، وقعدتَ منى مقعداً
ما كان أبو بكر ليقعده أو ليأخذه . قال : فخرج وتركه . قال : ودخل
عليه رجل يقال له الموت الأسود. قال : فخنقه تم خفقه . قال : ثم خرج
فقال: والله ما رأيت شيئًا قطّ ألينَ من حلقه؛ والله لقد خنقته حتى رأيت
نَفَسه يتردّد فى جسده كنفس الجان". قال : فخرج .
قال فى حديث أبى سعيد : دخل على عثمان رجل ، فقال : بينى وبينك
كتاب الله - قال: والمصحف بين يديه - قال: فيُهوى له بالسيف، فاتّقاه
بيده ، فقطعها ، فقال: لا أدرى أبانها أم قطعها ولم يُبنها . قال : فقال :
أما والله إنها لأوّل كفّ خطّت المفصّل . وقال فی غیر حديث أبىسعيد: فدخل
عليه التُّجييّ، فأشعرهَ مِشْفَصا (١) فانتضح الدّم على هذه الآية :
﴿فَسَيَكْفِيَكَهُمُ اللهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(٢). قال: فإنها فى المصحف
ما حُكَّتَ .
قال وأخذت ابنة الفرافصةفیحدیث أبی سعیدحليها فوضعتهفىحجرها،
وذلك قبل أن يقتّل، قال: فلما أشْعِرَ - أو قال: قتل - ناحت عليه . قال:
فقال بعضهم: قاتلها اللّه! ما أعظم عجيزتها ! قال: فعلمت أن عدوّ اللّه
لم يرد إلاّ الدنيا .
٣٠٠٨/١
وأما سيف، فإنه قال - فيما كتب إلى السرىّ، عن شعيب، عنه: ذُكِر
عن بدر بن عثمان ، عن عمّه ، قال : آخر خطبة خطبها عثمان رضى الله عنه
فى جماعة: إنّ اللّه عزّ وجل" إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم
يعطكموها لتركنوا إليها، إنّ الدنيا تفنّى، والآخرة تبقى؛ فلا تبطرتكم الفانية،
ولا تشغلنّكم عن الباقية ؛ فآثروا ما يبقى على ما يفنى ؛ فإن الدنيا منقطعة ؛
وإنّ المصير إلى الله. اتقوا اللّه جلّ وعزّ، فإنّ تقواه جُنّة من بأسه ، ووسيلة
عنده ؛ واحذروا من اللّه الغيَرَ، والزموا جماعتكم ، لا تصيروا أحزابًا،
﴿وَاذْ كُرُوا نِعَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءَ فَأَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ
فَأَضْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾(٣).
(١) أشعره مشقصاً: رماه به، كذا فسره صاحب اللسان فى (شعر)، وذكر الخبر.
(٣) سورة آل عمران ١٠٣ .
(٢) سورة البقرة ١٣٧ .

٣٨٥
سنة ٣٥
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة وأبى
حارثة وأبى عثمان ، قالوا : لما قضى عثمان فى ذلك المجلس حاجاته وعزم وعزم
له المسلمون على الصبر والامتناع عليهم بسلطان الله ، قال: اخرجوا رحمكم
اللّه فكونوا بالباب، وليجامعكم هؤلاء الذين حُبِسوا عنى . وأرسل إلى طلحة
والزبير وعلىّ وعدّة: أن ادنُوا. فاجتمعوا فأشرف عليهم، فقال: يأيّها الناس؛
اجلسوا ، فجلسوا جميعًا ؛ المحارب الطارئ، والمسالم المقيم، فقال: يا أهلّ
المدينة؛ إنّى أستودعكم الله، وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدى؛ وإنّى
والله لا أدخل على أحد بعد يومى هذا حتى يقضىَ اللّه فى قضاءه؛ ولأدعَنّ"
هؤلاء وما وراء بابی غیر معطيهم شيئًا يتخذونه عليكم دخلا فی دین الله أو دنيا
حتى يكون الله عزّ وجلّ الصانع فى ذلك ما أحبّ. وأمر أهل المدينة بالرجوع
وأقسم عليهم، فرجعوا إلاّ الحسن ومحمداً وابن الزبير وأشباهًا لهم ؛ فجلسوا
بالباب عن أمر آبائهم ؛ وثاب إليهم ناس كثير ، ولزم عثمان الدار .
٣٠٠٩/١
کتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبي حارثة وأبى عثمان
ومحمد وطلحة ، قالوا : كان الحصر أربعين ليلة والنزول سبعين ، فلما مضت
من الأربعين ثمان عشرة، قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيأ إليهم
من الآفاق : حبيب من الشأم ، ومعاوية من مصر ، والقعقاع من الكوفة ،
ومجاشع من البصرة ؛ فعندها حالوا بين الناس وبين عثمان؛ ومنعوه كل شىء
حتى الماء ؛ وقد كان يدخل علىّ بالشىء مما يريد . وطلبوا العلل فلم تطلع
عليهم علّة، فعثروا فى داره بالحجارة ليُرْمَوْا؛ فيقولوا: قوتلنا - وذلك ليلا -
فناداهم: ألا تتقون اللّه!ألا تعلمون أنّ فى الدار غيرى! قالوا: لا والله ما رميناك
قال: فمن رمانا ؟ قالوا: الله، قال: كذبتم؛ إنّ الله عزّ وجلّ لو رمانا
لم يخطئنا وأنتم تخطئوننا . وأشرف عثمان على آل حَزْم وهم جيرانه ؛ فسرّح
ابنًا لعمرو إلى علىّ بأنهم قد منعونا الماء ، فإن قدرتم أن ترسلوا إلينا شيئًا
من الماء فافعلوا. وإلى طلحة وإلى الزبير، وإلى عائشة رضى الله عنها وأزواج
النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ فكان أولهم إنجاداً له علىّ وأمّ حبيبة؛ جاء على
٢٠١٠/١

٣٨٦
سنة ٣٥
فى الغلّس، فقال: يأيّها الناس؛ إنّ الذى تصنعون لا يشبه أمرّ المؤمنين
ولا أمر الكافرين ؛ لا تقطعوا عن هذا الرجل المادّة ؛ فإن الرّوم وفارس لتأسِرُ
فتطعيم وتسقى؛ وما تعرّض لكم هذا الرّجل ؛ فبم تستحلّون حصره وقتله !
قالوا : لا والله ولا نعمة عين ؛ لا نتركه يأكل ولا يشرب ؛ فرمى بعمامته فى
الدار بأنّى قد نهضت فيما أنهضتى؛ فرجع. وجاءت أم حبيبة على بغلة لها
برِ حالة(٢) مشتملةً على إداوة ، فقيل : أم المؤمنين أم حبيبة ، فضربوا وجه
بغلتها ، فقالت: إنّ وصايا بنى أميّة إلى هذا الرجل، فأحببت أن ألقاه فأسأله
عن ذلك كيلا تهلك أموال أيتام وأرامل(٣). قالوا: كاذبة، وأهوْوا لها وقطعوا
حبل البغلة بالسيف ، فندّت بأمّ حبيبة ، فتلقّاها الناس، وقد مالت رِحالتها ،
فتعلّقوا بها وأخذوها وقد كادت تقتل ، فذهبوا بها إلى بيتها . وتجهزّت
عائشة خارجة إلى الحجّ هاربة، واستتبعت أخاها، فأبى ؛ فقالت: أما والله
لئن استطعتُ أن يحرمهم الله ما يحاولون لأفعلنّ.
وجاء حنظلة الكاتب حتى قام على محمد بن أبى بكر ، فقال : يا محمد ،
تستتبعك أم المؤمنين فلا تتبعُها، وتدعوك ذوبان العرب إلى ما لا يحلّ فتتبعهم !
فقال : ما أنت وذاكيابن التميمية ! فقال : يابن الخثعميّة ؛ إن هذا الأمر
إن صار إلى التغالُب غلبتْك عليه بنو عبد مناف، وانصرف وهو يقول :
٣٠١١/١
عَجِبْتُ لِما يَخوضُ الناسُ فيهِ يرُومونَ الخِلافَةَ أن تزولا
وَلَاقَوْا بَعْدَها ذُلاَّ ذَلِيلا
ولَوْ زالَتْ لزالِ الخَيْرُ عَنْهُمْ
سَوَاء كُلُّهُمْ ضَلُوا السبيلا
وكانوا كاليَهودِ أو النَّصَارَى
ولحق بالكوفة . وخرجت عائشة وهى ممتلئة غيظًا على أهل مصر، وجاءها
صَرْوان بن الحكم فقال : يا أمَّ المؤمنين ؛ لو أقمتِ كان أجدر أن يراقبوا
هذا الرجل ، فقالت: أتريد أن يُصنع بى كما صُنع بأمّ حبيبة ، ثم لا أجد مَن
يمنعنى! لا والله ولا أعيّر ولا أدرى إلام يسْلم أمر هؤلاء! وبلغ طلحة
(١) كذا فى أصول ط وفى العبارة غموض .
(٢) الرحالة : السرج من جلود ؛ يتخذ الركض الشديد .
(٣) ابن الأثير والنويرى: ((الأيتام والأرامل)).

سنة ٣٥
٣٨٧٠
والزبيرَ ما لقى علىّ وأم حبيبة ، فلزِموا بيوتهم، وبقىَ عثمان يسقيه آل حزم
فى الغَفَلات ، عليهم الرّقباء ، فأشرف عثمان على الناس ، فقال: يا عبدالله
ابن عباس - فدعى له - فقال: اذهب فأنت على الموسم- وكان ممّن لزم
الباب - فقال: والله يا أميرَ المؤمنين الجهَاد هؤلاء أحبّ إلىّ من الحج ؛ فأقسم
عليه لينطلقنّ . فانطلق ابنُ عباس على الموسم تلك السنة ؛ ورمى عثمان إلى
الزبير بوصيّته ، فانصرف بها- وفى الزبير اختلاف : أأدرك مقتله أو خرج قبله ..
وقال عثمان: ﴿يَا قَوْمِ لَ يَجْرِ مَنَّكُمْ شِفَاقِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ
قَوْمَ نُوحٍ .. ﴾(١) الآية، اللهم حُل بين الأحزاب وبين ما يأملون كما فُعَل
بأشياعهم من قبل .
٣٠١٢/١
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو بن محمد ،
قال : بعثتْ ليلى ابنة مُمَيس إلى محمد بن أبى بكر ومحمد بن جعفر، فقالت :
إنّ المصباح يأكلُ نفسه، ويضىء للناس ؛ فلا تأتما فى أمرٍ تسوقانه إلى مَن
لا يأثم فيكما؛ فإنّ هذا الأمر الذى تحاولون اليوم لغيركم غداً ، فاتّقوا أن
. يكون عملكم اليوم حسرة عليكم ؛ فلجًا وخرجا مغضّبين يقولان : لا ننسى
ما صنع بنا عثمان؛ وتقول: ما صنع بكما ! ألا" ألزمكما اللّه! فلقيهما سعيد
ابن العاص، وقد كان بين محمد بن أبى بكر وبينه شىء ، فأنكره حين لقيه
خارجًا من عند ليلى ، فتمثل له فى تلك الحال بيئًا :
اسْتْقِ وُدَّكَ للصَِّيقِ ولا تَكُنْ فَيْئًا يَعَضُّ بجاذِلٍ مِلْجاجا
فأجابه سعيد متمثلا :
تَرَوْنَ إذَاَ ضَرْبًا صميعاً مِنَ الذى له جانبٌ ناءٍ عَنِ اُلْجُزْمِ مُغْوِرُ
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة
وأبى حارثة وأبى عثمان، قالوا: فلمّا بويع الناس جاء السابق فقَدٍم بالسلامة، فأخبرهم
من الموسم(٢) أنهم يريدون جميعًا المصريين وأشياعهم، وأنهم يريدون أن يجمعوا
ذلك إلى حجّهم ؛ فلمّا أتاهم ذلك مع ما بلغهم من نفور أهل الأمصار ؛
٣٠١٣/١
(١) سورة هود ٨٩ .
(٢) أى من أمر أهل الموسم.
%

٣٨٨
سنة ٣٥
أعلقهم الشيطان ، وقالوا: لا يخرِجُنا مما وقعنا فيه إلاّ قتلُ هذا الرجل؛ فيشتغل
بذلك الناس عنّا، ولم يبق خَصْلة يرجون بها النجاة إلا قتلُه. فراموا الباب ؛
فمنعهم من ذلك الحسن وابن الزبير ومحمد بن طلحة، ومروان بن الحكم وسعيد
ابن العاصُ ومَن كان من أبناء الصحابة أقام معهم، واجتلدوا، فناداهم عثمان :
اللّهَ اللّهَ! أنتم فى حيل من نصرتى فأبوا، ففتح الباب، وخرج ومعه التّرس والسيف
لينهنهَهُم ؛ فلما رأوْه أدبر المصريون، وركبهم هؤلاء، ونهنههُم فتراجعوا
وعظم على الفريقين، وأقسم على الصحابة ليدخلُنّ ، فأبوا أن ينصرفوا، فدخلوا
فأغلق الباب دون المصريين - وقد كان المغيرة بن الأخنس بن شريق فيمن
حجّ ، ثم تعجّل فى نفر حجوا معه، فأدرك عثمان قبل أن يقتَل وشهد المناوشة ،
ودخل الدار فيمن دخل وجلس على الباب من داخل ؛ وقال : ما عذرنا عند
الله إن تركناكونحن نستطيع ألاّ ندعهم حتى نموت! فاتّخذ عثمان تلك الأيام
القرآن نَحْبًا(١)، يصلّى وعنده المصحف ؛ فإذا أعيا جلس فقرأ فيه ـ- وكانوا
يرون القراءة فى المصحف من العبادة - وكان القوم الذين كفكفهم بينه وبين
الباب ؛ فلما بقى المصريون لا يمنعهم أحد من الباب ولا يقدرون على الدخول
جاءوا بنار، فأحرقوا الباب والسقيفة ، فتأجّجَ الباب والسقيفة ؛ حتى إذا احترق
الخشب خرّت السقيفة على الباب ، فثار أهل الدار وعثمان يصلّى ؛ حتى
٣٠١٤/١ منعوهم الدخول ؛ وكان أول مَنْ برز لهم المغيرة بن الأخنس ، وهو يرتجز :
قد عَلِمَتْ جارِيَةٌ عُطبولُ ذاتُ وِشاحٍ وَلها جديلُ
لِأَمْنَعَنَّ مِنْكُمُ خَليلى
أنّى بِنَصْلِ السَّيْفِ خَنْشَليلُ
بصارمٍ ليس بذی فلولٍ.
وخرج الحسن بن علىّ وهو يقول :
حتى أسيرَ إلى طَمَارِ شمامٍ
لا دِينُهُمْ دِينى ولا أنا مِنْهُمُ
وخرج محمد بن طلحة وهو يقول :
ورَدّ أَحْزَابًا على رغْمِ مَعَدْ
أنا ابنُ مَن حامى عليه بأُحُدْ
(١) نحباً : أى هماً وعادة.

سنة ٣٥
٣٨٩
وخرج سعيد بن العاص وهو يقول :
بأسْيافنا دون ابْنِ أَرْوَى نُضاربُ
صَبَرْنَا غَدَاةَ الدارِ والمَوْتُ واقِبُ
نُشَافِهُهُمْ بِالضَّرْبِ والمؤْتُ ثَاقِبُ
وكنّا غَداة الرَّوْعِ فى الدار نَصْرَةً
فكان آخر من خرج عبد الله بن الزبير ؛ وأمره عثمان أن يصير إلى أبيه
فى وصّة بما أراد ، وأمره أن يأتى أهل الدار فيأمرهم بالانصراف إلى منازلهم ؛
فخرج عبد الله بن الزبير آخرهم ؛ فما زال يدّعى بها، ويحدّث الناس عن
عثمان بآخر ما مات عليه .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة
وأبي حارثة وأبى عثمان ، قالوا: وأحرقوا الباب وعثمان فى الصّلاة، وقد افتتح
﴿طهَ ، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى) (١)-وكان سريع القراءة، فما كرثه
ما سمع، وما يخطئ وما يتتعتع حتی أتی عليها قبل أن يصلوا إليه - ثم عاد فجلس
إلى عند المصحف وقرأ: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا
لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْمُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(٢)
٢٠١٥/١
وارتجز المغيرة بن الأخنس وهو دون الدار فى أصحابه :
الطَّفَولِ
والحلى والأنامل
قد عَلِمَتْ ذاتُ القرونِ المِيلِ
بِصار مٍ ذِى رَوْنَقِ مَصْقولٍ
خَليلى
بیعتی
لتصْدُّقَنَّ
، لا أُسْتَقِيلُ إنْ أَقُلْتُ قبلى.
وأقبل أبو هريرة، والناس محجمون عن الدّار إلا أولئك العُصبة، فدسرو(٣)
فاستقتلوا ، فقام معهم، وقال : أنا إسوتكم ؛ وقال هذا يوم طابَ امْضَرْب
- يعنى أنه حَلّ القتال، وطاب وهذه لغة حمير (٤) - ونادى: يا قوم، مَالِى
أدعُوكُم إلى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِى إِلَى النَّارِ! وبادر مروان يومئذ ونادى:
رجل رجل ، فبرز له رجل من بنى لَيْث يدعَى النَّبَاع ؛ فاختلفا، فضربه
(١) سورة طه ٢٠١ .
(٣) دسروا : دفعوا.
(٣) سورة آل عمران ١٧٣.
(٤) انظر اللسان ( طيب).

٣٩٠
سنة ٣٥
مروان أسفل رجليه ، وضربه الآخر على أصل العُنق فقلبه ، فانكبّ مروان ،
واستلقى ، فاجترّ هذا أصحابه، واجترّ الآخر أصحابه؛ فقال المصريون : أما
والله لولا أن تكونوا (١) حجة علينا فى الأمة لقد قتلناكم بعد تحذير(٢)، فقال المغيرة:
مَن يبارز ؟ فبرز له رجل فاجتلد ، وهو يقول :
أضْرِبُهُمْ باليابِس ضَرْبَ غَلَامِ بائس
• من الحياةِ آيسٍ.
فأجابه صاحبه ... (٣). وقال الناس: قتل المغيرة بن الأخنس، فقال الذى
قتله: إنا لله! فقال له عبد الرحمن بن عُديس: مَالَك ؟ قال: إنى أُتّيت
فيما يرى النائم ، فقيل لى : بشّر قاتلَ المغيرة بن الأخنس بالنار ؛ فابتُليت
به ، وقتل قباث الكنانىّ نیار بن عبد الله الأسلمىّ، واقتحم الناس الدار
من الدور التى حولها حتى ملئوها ولا يشعر الذين بالباب ، وأقبلت القبائل
على أبنائهم ؛ فذهبوا بهم إذ غلبوا علىأمیرهم ، وندبوا رجلا لقتله، فانتدب له
رجل ، فدخل عليه البيت ، فقال: اخلعها وندَعك، فقال: ويحك ! والله
ما كشفتُ امرأةً فى جاهليّة ولا إسلام، ولا تغنّيت ولا تمنّيت، ولا وضعت
يمينى على عورتى منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولست خالعاً
قميصًا كسانيه اللّه عزّ وجلّ ، وأنا على مكانى حتى يكرم الله أهل السعادة ،
ويهين أهل الشقاء(٤) .
فخرج وقالوا : ما صنعت ؟ فقال : علِقنا واللّه ؛ واللّه ما ينجينا من
الناس إلا قتله، وما يحلّ لنا قتله؛ فأدخلوا عليه رجلاً من بنى ليث ، فقال :
ممن الرجل ؟ فقال : ليْىّ ؛ فقال: لستَ بصاحبى، قال : وكيف ؟ فقال:
ألست الذى دعا لك النبيّ صلى الله عليه وسلم فى نفر أن تُحفَظُوا يوم كذا
وكذا ؟ قال : بلى ، قال : فلن تضيع ؛ فرجع وفارق القوم ، فأدخلوا عليه
رجلاً من قريش ، فقال: يا عثمان ؛ إنى قاتلُك ، قال : كلاّ يا فلان ،
لا تقتلنى ، قال : وكيف ؟ قال : إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم استغفر
لك يوم كذا وكذا ؛ فلن تقارف دماً حرامًا . فاستغفر ورجع ، وفارق أصحابه
٣٠١٧/١
(١) ط: ((لا أن تكونوا)) (٢) فى الأصول من غير نقط، والمثبت أقرب الكلمات فى هذا المقام.
(٤) ابن الأثير والنويرى: ((الشقاوة)).
(٣) هنا نقص فى أصول ط .
٣٠١٦/١

٣٩١
سنة ٣٥
فأقبل عبد الله بن سلام حتى قام على باب الدار ينهاهم عن قتله ،
وقال : يا قومِ لا تسلّوا سيفَ اللّه عليكم ؛ فوالله إن سللتموه لا تغمدوه ،
ويلكم! إنّ سلطانكم اليوم يقوم بالدُّرّة؛ فإن قتلتموه لا يقوم(١) إلا بالسيف.
ويلكم! إنّ مدينتكم محفوفة بملائكة الله؛ والله لئن قتلتموه لتتركَنّها؛ فقالوا:
يا بنَ اليهودية ؛ وما أنت وهذا ! فرجع عنهم .
قالوا : وكان آخر من دخل علیه ممن رجع إلى القوم محمد بن أبى بكر ،
فقال له عثمان: ويلك! أعلى اللّه تغضب! هل لى إليك جُرْم إلاّ حقَّه(٢) أخذتُه
منك ! فنكل ورجع .
قالوا: فلما خرج محمد بن أبى بكر وعرفوا انكساره، ثار قُتَيْرَةُ وسُودان
ابن حمران السَّكونيّان والغافقيّ؛ فضربه الغافقيّ بحديدة معه، وضرب ٢٠١٨/١
المصحف برجله فاستدار المصحف ، فاستقرّ بين يديه ؛ وسالت عليه الدماء ؛
وجاء سُودان بن حمران ليضربه، فانكبّت عليه نائلة ابنة الفرافصة، واتّقت
السيف بيدها ، فتعمّدها ، ونفح أصابعها ، فأطنَّ أصابع يدِها وولّت ؛
فغمز أوراكها ، وقال : إنها لكبيرة العجيزة ، وضرب عمان فقتله ، ودخل
غِلمة لعثمان مع القوم لينصروه - وقد كان عثمان أعتق مَن كَفّ منهم -
فلمّا رأوا سودان قد ضربه ، أهوى له بعضهم فضرب عنقه فقتله ، ووثب
قتيرة على الغلام فقتله ، وانتهبوا ما فى البيت ؛ وأخرجوا مَن فيه ، ثم أغلقوه
على ثلاثة قتلى. فلما خرجوا إلى الدار ، وثبَ غلام لعثمان آخر على قُتيرة
فقتله، ودار القوم فأخذوا ما وجدوا ؛ حتى تناولوا ما على النساء ، وأخذ رجل
ملاءة نائلة - والرجل يدعى كلثوم بن تُجِيب- فتنحّت نائلة، فقال: ويح
أمِّكِ من عجيزة ما أتمَّكِ! وبصُر به غلام العثمان فقتله وقتِل، وتنادَى القوم:
أبصر رجل مَنْ صاحبه، وتنادَوْا فى الدار: أدركوا بيت المال لا تُسبَقوا (٣)
إليه ؛ وسمع أصحاب بيت المال أصواتهم ؛ وليس فيه إلاّ غرارتان، فقالوا :
النَّجاء؛ فإن القوم إنَّما يحاولون الدنيا، فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه، وماج ٢٠١٩/١
(١) النويرى: ((لا يقم)). (٢) كذا فى ط؛ ولعله: ((لا أحقه))، أى لا أذكره.
(٣) ابن الأثير: ((ولا تسبقوا)). ابن كثير: ((ولا يستقروا إليه)).
سسر

٣٩٢
سنة ٣٥
الناس فيه، فالثّانئ(١) يسترجع ويبكى، والطارئ يفرح. وندم القوم، وكان
الزبير قد خرج من المدينة ، فأقام على طريق مكة لئلاً يشهد مقتله ، فلما
أتاه الخبر بمقتل عثمان وهو بحيث هو ، قال: إنا لله وإنا اليه راجعون ! رحم
الله عثمان. وانتصر له؛ وقيل: إنّ القوم نادمون؛ فقال: دبَّروا دبَّروا،
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ .. ) (٢) الآية. وأتى الخبرُ
طلحةً ، فقال: رحم الله عثمان! وانتصر له وللإسلام ؛ وقيل له :
إن القوم نادمون ، فقال تبًا لهم! وقرأ: ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةَ
ولَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ﴾ (٣). وأتى علىّ فقيل: قُتِل عثمان ، فقال
رحم الله عثمان، وخلّف علينا بخير! وقيل: ندم القوم، فقرأ: ﴿كَمَثَلِ
الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ ... ﴾(٤)، الآية. وطُلِب سعد ، فإذا
هو فى حائطه ، وقد قال : لا أشهد قتلَه ، فلما جاءه قتلُه قال : فررنا
إلى الُدْنية تُدْفِينا؛ وقرأ: ﴿الَّذِينَ صَلّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
يَحْسبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (٥). اللهمّ أندِ مْهم ثم خذهم.
كتب إلىّ السَّرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن المجالد ، عن الشعبىّ،
عن المغيرة بن شعبة، قال: قلت لعلىّ: إنّ هذا الرجل مقتول ؛ وإنّه إن
قتل وأنت بالمدينة اتخذوا فيك، فاخرج فكن بمكان كذا وكذا ؛ فإنك إن
فعلت وكنت فى غارِ باليمن طلبك الناس ؛ فأبى وحُصِر عثمان اثنين وعشرين
يوماً؛ ثم أحرقوا الباب ؛ وفى الدار أناس كثير؛ فيهم عبدُ الله بن الزُّبير
ومروان ، فقالوا: ائذن لنا ؛ فقال: إنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم عهد
إلىّ عهداً، فأنا صابر عليه ؛ وإنّ القوم لم يحرقوا باب الدّار إلا وهم يطلبون
ما هو أعظم منه ؛ فأحرّجُ على رجل (٦ يستقتل ويقاتل٦)؛ وخرج الناس
كلهم ؛ ودعا بالمصحف يقرأ فيه والحسن عنده ، فقال: إنّ أباك الآن لفى
أمر عظيم؛ فأقسمتُ عليك لما خرجت! وأمر عثمان أبا كَرِب-رجلا من هَمْدان-
٣٠٢٠/١
(١) الثانى : المقيم .
(٣) سورة يس ٥٠
(٥) سورة الكهف ١٠٤
(٢) سورة سبأ ٥٤
(٤) سورة الحشر ١٦.
(٦ - ٦) ابن الأثير: ((أن يستقتل أو يقاتل)).

٣٩٣
سنة ٣٥
وآخر من الأنصار أن يقوما على باب بيت المال ؛ وليس فيه إلا غرارتان من
ورق؛ فلما أطفئت النار بعد ما ناوشهم ابنُ الزبير ومروان، وتوعّد محمد بن
أبى بكر ابن الزبير ومروان ؛ فلما دخل على عثمان هربا . ودخل محمد بن
أبى بكر على عثمان ؛ فأخذ بلحيته ، فقال : أرسل لحيتى ؛ فلم يكن أبوك
ليتناولها . فأرسلها؛ ودخلوا عليه؛ فمنهم من يَجَؤُهُ بنعل سيفه، وآخر يلكُزه ؛
وجاءه رجل بمشاقِص معه ، فوجأه فى تَرْقُوَته ، فسال الدّم على المصحف
وهم فى ذلك يهابون فى قتله ؛ وكان كبيراً ؛ وغُشى عليه . ودخل آخرون فلما
رأوه مغشياً عليه جرُّوا برجله؛ فصاحت نائلة وبناته ؛ وجاء التُّجِيبِّ مخترطًا
سيفه ليضعه فى بطنه ، فوقَتْه نائلة ، فقطع يدها ، واتّكأ بالسيف عليه فى
صدره . وقتل عثمان رضى الله عنه قبل غروب الشمس ، ونادى مناد: ما يحلّ
دمُهُ ويحرَجُ ماله ؛ فانتهبوا كلّ شيء ، ثم تبادروا بيت المال، فألقى الرّجلان
المفاتيح ونجوا ، وقالوا : الهرب الهرب ! هذا ما طلب القوم .
وذكر محمد بن عمر، أنّ عبد الرحمن بن عبد العزيز حدّثه عن عبدالرحمن ٣٠٢١/١
ابن محمد ، أنّ محمد بن أبى بكر تسوّر على عثمان من دار عمرو بن حزم ،
ومعه كنانة بن بِشْر بن عتّاب ، وسُودان بن حُمران، وعمرو بن الحمِقِ ؛
فوجدوا عثمان عند امرأته نائلة وهو يقرأ فى المصحف فى سورة البقرة ، فتقد مهم
محمد بن أبى بكر؛ فأخذ بلحية عثمان ، فقال : قد أخزاك الله يا نعثل !
فقال عثمان: لستُ بنعثل؛ ولكنى عبدُ اللّه وأمير المؤمنين. قال محمد :
ما أغنى عنك معاوية وفلان وفلان ! فقال عثمان : يابن أخى ، دَعْ عنك
لحيتى ؛ فما كان أبوك ليقبض على ما قبضتَ عليه . فقال محمد : لو رآك
أبى تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك ؛ وما أريد بك أشدّ من قبضى على
لحيتك ؛ قال عثمان: أستنصر الله عليك وأستعين به. ثم طعن جبينه
بمشقص فی یده . ورفع كنانة بن بشر مشاقص کانت فى يده ، فوجا بها فى
أَصْلِ أذُن عثمان ، فمضت حتى دخلت فى حَلْقُه ، ثمّ علاه بالسيف حتى
قتله ؛ فقال عبد الرحمن : سمعت أبا عون يقول : ضَرَب كنانة بن بشر جَبَينه

٣٩٤
سنة ٣٥
.
ومقدّم رأسه بعمود حديد ، فخرّ لجبينه ، فضربه سودان بن حُمران المرادىّ
بعد ما خرّ لجبينه فقتله .
قال محمد بن عمر : حدثنى عبد الرحمن بن أبى الزّناد ، عن عبد الرّحمن
ابن الحارث، قال : الذى قتله كنانة بن بشر بن عتاب التُّجيبىّ. وكانت
امرأة منظور بن سيار الفزارىّ تقول: خرجنا إلى الحجّ ؛ وما علمنا لعثمان بقتل ؛
حتى إذا كنّا بالعَرْج سمعنا رجلاً يتغنّى تحت الليل :
٣٠٢٢/١
ألا إنَّ خيْرِ الناسِ بعد ثلاثةٍ قَتَيلُ التُّجيبى الذى جاء من مِصْرٍ
قال : وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان ، فجلس على صدره وبه
رمَق ، فطعنه تسعَ طعنات . قال عمرو: فأما ثلاث منهنّ فإنى طعنتهن
إيّاه اللّه؛ وأما ستّ فإنى طعنتهن إيّاه لما كان فى صدرى عليه.
قال محمد: وحد ثني إسحاق بن يحيى، عن موسى بن طلحة ، قال : رأيت
عروة بن شُيَيْم ضرب مروان يوم الدّار بالسيف على رقبته، فقطع إحدى
عِلْباويه(١)، فعاش مروان أوْقصَ (٢) ؛ ومروان الذى يقول:
ما قُلتُ يومَ الدارِ القَوْمِ حاجِزُوا رُوَيْدًا ولا اسْتَبْقوا الحياةَ على القَتَلِ
بأسیافِكُمْ كَيْمَايَصِلْنَ إلى الكَهْل(٣)
ولكنَّنى قد قلتُ للقوم ماصِمُوا.
قال محمد الواقدىّ : وحدّثنى يوسف بن يعقوب ، عن عثمان بن محمد
الأخنسىّ ، قال : كان حصر عثمان قبل قدوم أهل مصر ، فقدم أهل مصر
يوم الجمعة ، وقتلوه فى الجمعة الأخرى .
٣٠٢٣/١
وحدثنى عبد الله بن أحمد المروزىّ، قال : حدثنى أبى، قال :
حدّثّنى سليمان ، قال : حدثنى عبد الله ، عن حَرْملة بن عمران ، قال :
حدّثنى يزيد بن أبى حبيب، قال: ولِىّ قتلَ عثمان نهران الأصبحىّ، وكان
قاتِلَ عبد الله بن بُسرة؛ وهو رجل من بنى عبد الدّار.
قال محمد بن عمر : وحدثنى الحكم بن القاسم ، عن أبى عَوْن مولى
(٢) الأوقص : قصير العنق.
(١) العلباء : عصبة صفراء فى صفحة العنق.
(٣) ما صعوا: قاتلوا وجالدوا.

٣٩٥
سنة ٣٥
المِسْوَر بن مخرمة ، قال: ما زال المصرّيون كافّين عن دمه وعن القتال ؛ حتى
قدمت أمدادُ العراق من البصرة ومن الكوفة ومن الشأم ؛ فلما جاءوا شجعوا
القوم ؛ وبلغهم أن البعوث قد فصلت من العراق ومن مصر من عند ابن سعد ؛
ولم يكن ابن سعد بمصر قبل ذلك ؛ كان هاربًا قد خرج إلى الشأم ، فقالوا :
نعاجله قبل أن تقدم الأمداد .
قال محمد : وحدثنى الزّبير بن عبد اللّه، عن يوسف بن عبد الله بن
سلام ، قال : أشرف عثمان عليهم وهو محصور ؛ وقد أحاطوا بالدّار من
كلّ ناحية، فقال: أنشدكم باللّه جلّ وعزّ؛ هل تعلمون أنكم دعوتم الله
عند مصاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى الله عنه أن يخير لكم، وأن
يجمَعَكم على خيركم! فما ظنُّكُم بالله! أتقولونه: لم يستجب لكم، وهُنْم على
الله سبحانه، وأنتم يومئذ أهل حقّه من خلقه ، وجميع أموركم لم تتفرق ! أم
تقولون : هان علی اللّ دینُه فلم یبال من ولاه ، والد ◌ّین یومئذ يُعبد به الله
ولم يتفرّق أهله ؛ فتوكّلوا أو تخذلُوا، وتُعاقبوا! أم تقولون: لم يكن أخذٌ
عن مشورة ؛ وإنما كابرتم مكابرة ، فوكّل الله الأمة إذا عصته لم تشاوروا
فى الإمام ، ولم تجتهدوا فى موضع كراهته ! أم تقولون: لم يَدْرِ اللّه ما عاقبة
أمرِى ؛ فكنتُ فى بعض أمرى محسنًا ، ولأهل الدين رضًا ، فما أحدثتُ بعدُ
فى أمرى ما يسْخَط اللّه، وتَسْخَطون مما لم يعلم الله سبحانه يومَ اختارنى
وسربلنى سربال كرامته ! وأنشدكم باللّه ، هل تعلمون لى مِن سابقة خير
وسلف خير قدّمه الله لى، وأشهدنيه من حقه! وجهادُ عدوّه حقٌّ على كلّ
مَن جاء بعدى أن يعرفوا لى فضلتها. فمهلاً، لا تقتلونى؛ فإنه لا يحلّ إلا قتل
ثلاثة : رجل زنى بعد إحصانه ، أو كَفَر بعد إسلامه ، أو قتل نفساً بغير
نفس فيقتل بها ؛ فإنكم إن قتلتمونى وضعتم السيف على رقابكم ؛ ثم لم يرفعه
الله عزّ وجلّ عنكم إلى يوم القيامة. ولا تقتلونى فإنكم إن قتلتمونى لم تُصلُّوا
من بعدى جميعاً أبداً، ولم تقتسموا بعدى فيئًا جميعًا أبداً، ولن يرفع الله
عنكم الاختلاف أبداً .
قالوا له: أمّا ما ذكرت من استخارة الله عزّ وجلّ الناس بعد عمر رضى
٣٠٢٤/١

٣٩٦
سنة ٣٥
الله عنه فيمن يولّون عليهم، ثم ولَوْك بعد استخارة اللّه؛ فإنّ كلّ ما صنع الله
الخِيرة؛ ولكن اللّه سبحانه جعل أمرك بليّةً ابتلى بها عباده . وأما ما ذكرت
من قدمك وسبقك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنك قد كنت ذا قدم
وسلَفٍ ، وكنت أهلا للولاية ؛ ولكن بدّلْت بعد ذلك ، وأحدثت ما قد
٣٠٢٥/١ علمت . وأما ما ذكرت مما يصيبنا إن نحن قتلناك من البلاء ؛ فإنه لا ينبغى
تركُ إقامة الحقّ عليك مخافة الفتنة عامًاً قابلا. وأما قولك: إنه لا يحلّ إلاّ
قتل ثلاثة ؛ فإنا نجد فى كتاب اللّه قتلَ غير الثلاثة الذين سمّيتَ؛ قَتْل مّن
سعى فى الأرض فساداً، وقَتْل مَنْ بغى ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال
دون شىء من الحق ومنعه ثم قاتل دونه وكابر عليه؛ وقد بغيتَ، ومنعتَ الحقّ،
وحُلت دونه ؛ وكابرتَ عليه ؛ تأبى أن تُقيدَ من نفسك من ظلمت عمداً،
وتمسّكت بالإمارة علينا وقد جُزْت فى حكمك وقَسْمك! فإن زعمت أنك لم
تكابرنا عليه ، وأنّ الذين قاموا دونك ومنعوك منّا إنما يقاتلون بغير أمرك ؛ فإنما
يقاتلون لتمسّكك بالإمارة؛ فلو أنّك خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال دونك .
ذكر بعض سِيَرَ عثمان بن عفان رضى الله عنه
حدّثنى زياد بن أيوب ، قال : حدثنا هُشيم ، قال : زعم أبو المقدام ،
عن الحسن بن أبى الحسن ، قال : دخلت المسجد ؛ فإذا أنا بعثمان بن عفان
متكئاً على ردائه ، فأتاه سقّاءان يختصمان(١) ، فقضى بينهما
وفيما كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن عمارة بن القعقاع ،
عن الحسن البصرىّ ، قال : كان عمرُ بن الخطاب قد حجر على أعلام
قُريش من المهاجرين الخروج فى البلدان إلاّ بإذن وأجلٍ ، فشكوه فبلغه ،
فقام فقال : ألا إنّى قد سننت الإسلام سَنَّ البعير ؛ يبدأ فيكون جَدَعًا ،
ثم ثَنِيًّاً، ثم ربَاعِيًّاً، ثم سدِيساً، ثم بازلا (٢)، ألا فهل يُنتظر بالبازل
(١) ابن الأثير: ((يختصمان إليه)).
(٢) الثى : الذى يلقى ثنيته، ويكون ذلك فی ذی
الظلف والحافر فى السنة الثالثة، والجذع قبله، والرباعى: الذى ألقى رباعيته ؛ وهو ما كان بعد الشى،
والسديس : ما أتت عليه السادسة ، والبازل : الذى انشق نابه بدخوله فى السنة التاسعة .

٣٩٧
سنة ٣٥
إلا النقصان! ألا فإنّ الإسلام قد بَزّل. ألا وإنّ قريشًا يريدون أن يتخذوا ٢٠٢٦/١
مال اللّه معونات دون عباده ، ألا فأما وابنُ الخطاب حىّ فلا ؛ إنى قائم دون
شعب الحرّة ، آخذ بحلاقيم قريش وحُجَزها أن يتهافتوا فى النار .
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ،
قالا : فلما ولىَ عثمان لم يأخذهم بالذیکان یأخذهم به عمر ، فانساحوا فى البلاد ،
فلمارأوها ورأوا الدنيا، ورآهم الناس، انقطعَ إليهم من لم يكن له طَوْل ولا مَزيّة
فى الإسلام؛ فكان مغمومًا(١) فى الناس، وصاروا أوزاعًا إليهم وأمّلوهم، وتقدّموا
فى ذلك فقالوا : يملكون فنكون قد عرفناهم ، وتقدّمنا فى التقرّب والانقطاع
إليهم ، فكان ذلك أوّل وهَنِ دخل على الإسلام ؛ وأوّل فتنة كانت فى
العامّة ، ليس إلاّ ذلك .
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو ، عن الشعبىّ،
قال: لم يمت ◌ُمر رضى الله عنه حتى ملّتْه قريش، وقد كان حصرهم بالمدينة،
فامتنع عليهم ، وقال : إنّ أخوفَ ما أخاف على هذه الأمة انتشاركم فى
البلاد؛ فإن كان الرجل ليستأذنه فى الغزو- وهو ممن حبس بالمدينة من المهاجرين؛
ولم يكن فعل ذلك بغيرهم من أهل مكة - فيقول : قد كان فى غزوك مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يبلّغك؛ وخير لك من الغزو اليوم ألا ترى
الدنيا ولا تراك ، فلما ولى عثمان خلّى عنهم ، فاضطربوا فى البلاد ، وانقطع
إليهم الناس ، فكان أحبّ إليهم من عمر .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مبشر بن الفُضَيل ،
عن سالم بن عبد الله ، قال: لما ولى عثمان حجّ سنواته كلها إلا آخر. حجّة ،
وحجّ بأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يصنع عمر؛ فكان عبدالرحمن ٣٠٢٧/١
ابن عوف فى موضعه ؛ وجعل فى موضع نفسه سعيد بن زيد ؛ هذا فى مؤخر
القطار ، وهذا فى مقدَّمه، وأمن الناس ؛ وكتب فى الأمصار أن يوافيه العمال
فى كلّ موسم ومَن يشكونهم . وكتب إلى الناس إلى الأمصار ؛ أن ائتمروا
بالمعروف ، وتناهْوا عن المنكر ، ولا يُذِلّ المؤمن نفسه، فإنى مع الضعيف
على القوىّ ما دام مظلومًا إن شاء الله . فكان الناس بذلك ، فجرى ذلك إلى
(١) مغموماً، أى مغطى، وهو استعمال قديم لأهل المدينة. وانظر شفاء الغليل ١٩٣

٣٩٨
سنة ٣٥
أن اتّخذه أقوامٌ وسيلةً إلى تفريق الأمة.
وكتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة ، قالا :
لم تمضٍ سنة من إمارة عثمان حتى اتّخذ رجال من قريش أموالاً فى الأمصار،
وانقطع إليهم الناس، وثبتوا سبع سنين، كلّ قوم يحبّون أن يَلىّ صاحبهم.
ثم إنّ ابن السوداء أسلم، وتكلّم وقد فاضت الدنيا، وطلعت الأحداث على
يديه ، فاستطالوا عُمْرَ عثمانَ رضى الله عنه .
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عثمان بن حكيم
ابن عبّاد بن حُنّيف، عن أبيه، قال : أوّل منكر ظهر بالمدينة حين فاضت
الدّنيا ، وانتهى وُسْع الناس طيران الحمام والرّمى على الجُلاهقات(١)، فاستعمل
عليها عثمان رجلا من بنى ليث سنة ثمان ، فقصّها وكسر الجُلاهقات .
وكتب إلىّ السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن عبد اللّه،
عن عمرو بن شعيب ، قال : أوّل مَن منع الحمام الطيّارة والجُلاهقات
عثمان ؛ ظهرت بالمدينة فأمرّ عليها رجلا ، فمنعهم منها .
٣٠٢٨/١
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن يوسف ،
عن القاسم بن محمد ، عن أبيه نحواً منه ؛ وزاد : وحدث بين الناس النَّشْو .
قال : فأرسل عثمان طائفًا يطوف عليهم بالعصا ، فمنعهم من ذلك ، ثم اشتدّ
ذلك فأفشى الحدود ، ونبّ ذلك عثمان، وشكاه إلى الناس، فاجتمعوا على أن
يجلّدوا فى النبيذ ، فأخذ نفرٌ منهم فجلِدوا .
وكتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن مبشر بن الفضيل ،
عن سالم بن عبد الله ، قال : لما حدثت الأحداث بالمدينة خرج منها رجال
إلى الأمصار مجاهدين ، وليدنوا من العرب ؛ فمنهم مَن أتى البصرة ، ومنهم
مَنْ أتى الكوفة ، ومنهم مَن أتى الشام، فهجموا جميعًا من أبناء المهاجرين
بالأمصار على مثل ما حدث فى أبناء المدينة إلاّ ما كان من أبناء الشام ،
فرجعوا جميعاً إلى المدينة إلاّ مَن كان بالشام ، فأخبروا عثمان بخبرهم ؛ فقام
(١) الجلاهق كملابط: قوس البندق الذى يرمى به .
(٢) ابن الأثير: ((فقص الطيور وكسر الجلاهقات)).

٣٩٩
سنة ٣٫٥
عثمان فى الناس خطيبًا، فقال : يا أهلَ المدينة؛ أنتم أصلُ الإسلام ؛ وإنّما
يفسد الناس بفساد كم، ويصلحون بصلاحكم ؛ والله والله والله لا يبلغى عن أحد
منكم حدث أحدثه إلاّ سيّرته؛ ألا فلا أعرفن" أحداً عرض دون أولئك بكلام
ولا طلب، فإنّ من كان قبلكم كانت تقطَع أعضاؤهم دونَ أن يتكلم أحدٌ منهم
بما عليه ولا له . وجعل عثمان لا يأخذ أحداً منهم على شرّ أو شَهْر سلاح: عصًا
فما فوقها إلاّ سيّره؛ فضجّ آباؤهم من ذلك حتى بلغه أنهم يقولون: ما أحدث
التسيير إلاّ أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سيّر الحكم بن أبي العاص ،
فقال: إنّ الحكم كان مكيًّا، فسيره رسول الله صلى الله عليه وسلم منها
إلى الطائف ، ثم ردّه إلى بلده ؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيّره بذنبه ،
ورسول الله صلى الله عليه وسلم ردّه بعفوه. وقد سيّر الخليفة من بعده ؛ وعمر
رضى الله عنه من بعد الخليفة، وإيمُ اللّه لآخذنّ العفو من أخلاقكم،
ولأبذلنْه لكم من خلقى ؛ وقد دنتْ أمور، ولا أحبّ أن تحلّ بنا وبكم ؛
وأنا على وجَلٍ وحذَر ، فاحذروا واعتبروا .
٣٠٢٩/١
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد
ابن ثابت ويحيى بن سعيد، قالا : سأل سائل سعيد بن المسيّب عن محمد بن
أبى حُذيفة: ما دعاه إلى الخروج على عثمان ؟ فقال: كان يتيمًا فى حِجْر
عثمان، فكان عثمان والىَ أيتام أهل بيته ؛ ومحتمِل كَلِّهم؛ فسأل عثمانَ
العملَ حين وُلِّىَ، فقال: يا بنىّ، لوكنت رضًا ثم سألتنى العمل لاستعملتُك،
ولكن لستَ هناك! قال : فأذن لى فلأخرجْ فلأطلبْ ما يقوتنى ، قال : اذهب
حيث شئتَ ؛ وجهّزه من عنده ، وحمله وأعطاه ، فلما وقع إلى مصر كان
فيمن تغيّر عليه أن منعه الولاية . قيل : فعمّار بن ياسر ؟ قال : كان بينه
وبين عباس بن عُتْبة بن أبي لهب كلامٌ ، فضربهما عثمان ، فأورث ذاك
بين آل عمّار وآل عتبة شرًّا حتى اليوم، وكَنَى عمّا ضُربا عليه وفيه .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن عبد الله بن سعيد
ابن ثابت ، قال : فسألت ابن سليمان بن أبى حَثْمة، فأخبرنى أنه تقاذُف .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن مبشّر، قال : سألت
٣٠٣٠/١

٤٠٠
سنة ٣٥
سالم بن عبد الله عن محمد بن أبى بكر: ما دعاه إلى ركوب عثمان ؟ فقال :
الغضب والطمع ، قلت : ما الغضب والطمع ؟ قال : كان من الإسلام
بالمكان الذى هو به ، وغرّه أقوام فطمع . وكانت له دالّة فلزمه حقّ ،
فأخذه عثمان من ظهره ، ولم يُدهن ؛ فاجتمع هذا إلى هذا ، فصار مذمَّما
بعد أن كان محمَّدًا .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مبشِّر، عن سالم
ابن عبد الله، قال: لما وُلَِّ عثمان لان لهم، فانتزع الحقوق انتزاعًا، ولم
يعطِّل حقًّا، فأحبُّه على لينه، فأسلمهم ذلك إلى أمر الله عزّ وجلّ" .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سهل ، عن القاسم ،
قال: کان مما أحدثعثمان فرُضى به منه أنه ضرب رجلاً فىمنازعة استخفْ
فيها بالعباس بن عبد المطلب، فقيل له ، فقال: نعم، أيفخَّ رسولُ الله
صلى الله عليه وسلم عمّه، وأرخص فى الاستخفاف به! لقد خالف رسولَ اللّه
صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك ، ومَن رضى به منه
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن رزيق بن عبد الله
الرازىّ ، عن علقمة بن مرثد ، عن حمران بن أبان ؛ قال : أرسلنى
عثمان إلى العباس بعد ما بويع، فدعوته إليه ، فقال: مالك تعبّدتَنى !قال:
لم أكن قطّ أحوجَ إليك منى اليوم ، قال: الزم خمسًا ؛ لا. تنازعك الأمة
خزائمها ما لزمتَها ، قال: وما هنّ؟ قال : الصبر عن القتل ، والتحبّب،
والصفح ؛ والمداراة ، وكتمان السرّ .
٣٠٣١/١
وذكر محمد بن عمر، قال : حدثنى ابنُ أبى سبرة ، عن عمرو بن أميّة
الضّمرىّ ، قال : إن قريشًا كان من أسنّ منهم مولعًا بأكل الخزيرة ؛
وإنى كنت أتعشّى مع عثمان خَزِيرًا من طبْخ من أجود ما رأيت قطّ ، فيها
بطون الغنم، وأدُمها اللبن والسمن ، فقال عثمان : كيف ترى هذا الطعام ؟
فقلت : هذا أطيب ما أكلتُ قطّ، فقال: يرحم الله ابنَ الخطّاب! أكلتَ