Indexed OCR Text

Pages 341-360

٣٤١
سنة ٣٥
عليه وسلم، فانهضوا فى هذا الأمر فحرّ كوه ، وابدءوا بالطعن على أمرائكم،
وأظهروا الأمر بالمعروف ، والنهى عن المنكر ؛ تستميلوا الناس ، وادعوهم إلى
هذا الأمر .
٢٩٤٣/١
فبثّ دعاته، وكاتَب من كان استفسد فى الأمصار وكاتبوه، ودعوا
فى السرّ إلى ما عليه رأيهم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،
وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب(١) يضعونها فى عيوب ولاتِهِم، ويكاتبهم
إخوانُهم بمثل ذلك، ويكتب أهلُ كلّ مصرٍ منهم إلى مصرٍ آخَر بما
يصنعون ؛ فيقرؤه أولئك فى أمصارهم وهؤلاء فى أمصارهم، حتى تناولوا
بذلك المدينة، وأوسَعُوا الأرض إذاعة ، وهم يريدون غيرَ ما يُظهرون،
ويُسرّون غيرَ ما يُبدون، فيقول أهلُ كلّ مصر: إنّا لفى عافية مما ابتُلىَ به
هؤلاء ، إلاّ أهل المدينة فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار ، فقالوا:
إنا لفي عافية مما فيه الناس ، وجامعه محمد وطلحة من هذا المكان ، قالوا :
فأتوا عثمان، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين، أيأتيك عن الناس الذى يأتينا ؟ قال:
لا والله، ما جاءنى إلاّ السلامة، قالوا: فإنا قد أتانا .. وأخبروه بالذى
أسقطوا إليهم ؛ قال: فأنتم شركائى وشهود المؤمنين، فأشيروا علىّ؛ قالوا :
نُشير عليك أن تبعث رجالاً ممن تثق بهم إلى الأمصار حتى يرجعوا إليك بأخبارهم.
فدعا محمّد بنَ مسْلمة فأرسله إلى الكوفة، وأرسل أسامة بن زيد إلى البصرة ،
وأرسل عمَّار بن ياسر إلى مصر، وأرسل عبد اللّه بنَ عمر إلى الشام، وفرّق
رجالاً سواهم، فرجعوا جميعًا قبل عمّار، فقالوا : أيّها الناس ، ما أنكرنا
شيئًا ، ولا أنكره أعلامُ المسلمين ولا عوامُّهم ؛ وقالوا جميعًا: الأمر أمر
المسلمين، إلاّ أنّ أمراءهم يُقسطون بينهم، ويقومون(٢) عليهم. واستبطأ
الناس عَمّارا حتى ظنوا أنه قد اغتيل ، فلم يفجّأهم إلاّ كتابٌ من عبد الله
ابن سعد بن أبى سَرْح يخبرهم أنّ عمّاراً قد استماله قومٌ"(٣) بمصر، وقد
انقطعوا إليه ؛ منهم عبدُ اللّه بن السوداء، وخالد بن مُلجَم، وسُودان بن
حُمْران ، و كنانة بن بِشْر
٢٩٤٤/١
(٣) ف: ((استمال قوماً)
(١) ف: ((كتباً)). (٢) ف: ((ويقيمون)).

٣٤٢
سنة ٣٥
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمد وطلحة وعطيّة،
قالوا : كتب عثمانُ إلى أهل الأمصار: أمّا بعد، فإنى آخُذُ العمال بموافاتى
فى كلّ موسم، وقد سلّطت الأمة منذ وَليتُ على الأمر بالمعروف والنهى عن
المنكر ، فلا يُرفع علىّ شىء ولا على أحد من عمالى إلاّ أعطيتُه ، وليس
لى ولعيالى حقّ قِبَل الرعيّة إلاّ" متروك لهم، وقد رفع إلى" أهلُ المدينة أنّ أقوامًا
يُشتّمون، وآخرون يُضرّبون، فيامن ضُرب سِرًّا، وشتم سرًّا، من ادّعى
شيئًا من ذلك فليوافِ الموسمَ فليأخذْ بحقّه حيث كان؛ منّى أو من عمالى،
أو تصدّقوا فإن اللّه يَجزى المتصدّقين. فلما قرئ فى الأمصار أبكى
الناس، ودعوا لعثمان وقالوا: إنّ الأمة لتَمخَّضُ بشرّ. وبعث إلى عمال
الأمصار فقدموا عليه (١): عبد الله بن عامر، ومعاوية ، وعبد الله بن سعد؛
وأدخل معهم فى المَشورة سعيداً وتَمْرًا، فقال: ويحتكم! ما هذه الشكاية ؟
وما هذه الإذاعة ؟ إنى واللّه الخائف أن تكونوا مصدوقًا عليكم، وما يُعصَب (٢)
هذا إلاّ بى؛ فقالوا له: ألم تبعث ! ألم نرجع إليك الخبر عن القوم(٣)! ألم
يرجعوا ولم يشافههم أحدٌ بشىء! لا والله ما صَدَقوا ولا برّوا، ولا نعلم
لهذا الأمر أصلا ، وما كنتَ لتأخذ به أحداً فيقيمك على شىء ؛ وما هى
إلا إذاعة لا يحلّ الأخذُ بها ، ولا الانتهاء إليها .
٢٩٤٥/١
قال : فأشيروا علىّ؛ فقال سعيد بن العاص : هذا أمر مصنوع يُصنع
فى السرّ، فيُلْقى به غير ذى المعرفة، فيُخبَر به، فيُتحدّث به فى مجالسهم ،
قال : فما دواءُ ذلك؟ قال: طلبُ هؤلاء القوم ، ثم قتلُ هؤلاء الذين يخرج
هذا من عندهم .
وقال عبد اللّه بنُ سعد : خذ من الناس الذى عليهم إذا أعطيتهم الذى
ثم ؛ فإنه خير من أن تدَعتَهم . قال معاوية: قد ولّيتنى فولِيتُ قومًا لا يأتيك
إلا الخير، والرّجلان أعلَم بناحيتيهما؛ قال: فما الرأى؟ قال: حسنُ
الأدب ، قال : فما ترى يا عَمرو ؟ قال : أرى أنك قد لِنتَ لهم ، وتراخیت
(١) بعدها فى ابن الأثير: ((فى الموسم)). وفى النويرى: ((ليأخذ بحقه)).
(٢) يعصب بى ، أى يناط .
(٣) ابن الأثير والنويرى: ((العوام)).

٣٤٣
سنة ٣٥
عنهم ، وزدتهم على ما كان يصنع عمر ، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيْك ،
فتشتدَّ فى موضع الشدّة ، وتلينَ فى موضع اللين . إن الشدّة تنبغى لمن لا يألو
الناس شرًّا ، واللين لمن يخلف الناسَ بالنصح، وقد فرشتَهما جميعاً اللين .
وقام عثمان فحمد الله وأثنى عليه وقال: كلّ ما أشرتم به على قد سمعتُ ،
ولكلّ أمر بابٌ يؤتَى منه؛ إنّ هذا الأمر الذى يُخاف على هذه الأمة
كائن، وإنّ بابه الذى يُغلَق عليه فيُكفكف به اللين والمؤاقاة والمتابعة،
إلاّ فى حدود الله تعالی ذکرُه ، التى لا يستطيع أحد أن يبادی بعيب أحدها ،
فإن سدّه شىء فرفْق، فذاك واللّه ليُفْتَحن"، وليست لأحد علىَّ حجة
حقّ، وقد علم اللّه أنّ لم آلُ الناس خيراً، ولا نفسى. ووالله إن رَحا
الفتنة لدائرة ، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحرّكْها . كفكفوا الناس، وهبُوا
لهم حقوقَهم ، واغتفروا لهم، وإذا تُعوطيتْ حقوق اللّه فلا تُدْهِنوا فيها .
٢٩٤٦/١
فلما نفر عثمان أشخص معاوية وعبد الله بن سعد إلى المدينة ، ورجع ابن
عامر وسعيد معه . ولما استقلّ عثمان رَجَزَ الحادى:
قد عَلِمتْ ضَوَامِرُ المَطِىِّ وَضَامِراتُ عَوَجِ القِسِيِّ
أنَّ الأميرَ بعدَه عَلَىُّ وفى الزُّبَيْزِ خَلَفٌ رَضِيُّ
• وطلحةُ الحامى لَهَا وَلِىُّ.
فقال كعب وهو يسير خلفَ عثمان: الأميرُ واللّه بعدَه صاحبُ البغلة -
وأشار إلى معاوية .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن بدر بن الخليل بن
عثمان بن قطبة الأسدىّ ، عن رجل من بنى أسد ، قال: ما زال معاويةُ
يطمع فيها بعد مَقَدَمَه على عثمان حين جمعهم ، فاجتمعوا إليه بالموسم ،
ثم ارتحل ، فحدّاً به الرّاجز:
إن الأميرَ بعده علىّ وفى الزبير خَلَفٌ رضيُّ
قال كعب : كذبتَ! صاحب الشَّهْباء بعده - يعنى معاوية - فأخبر
معاوية ، فسأله عن الذى بلغه ، قال: نعم ، أنت الأمير بعده ، ولكنّها والله
لا تصل إليك حتى تُكذّب بحديثى هذا . فوقعتْ فى نفس معاوية .
وشاركتهم فى هذا المكان أبو حارثة وأبو عمّان، عن رَجاء بن حَيْوة
٢٩٤٧/١

٣٤٤
سنة ٣٥
وغيره. قالوا : فلما وردَ عثمانُ المدينة ردّ الأمراءَ إلى أعمالهم ، فمضوا جميعًا،
وأقام سعيد بعدَهم ، فلما ودّع معاويةُ عثمان خرج من عنده وعليه ثياب
السفر متقلداً سيفته، متنكّبًا قوسه ، فإذا هو بنفر من المهاجرين، فيهم طلحة
والزبير وعلىّ ، فقام عليهم ، فتوكًا على قوسه بعد ما سلّم عليهم ، ثم قال:
إنكم قد علمتم أنّ هذا الأمر كان إذ الناس يتغالبون إلى رجال ، فلم يكن
منكم أحد إلاّ وفى فصيلته من يَوْيُّسه، ويستبدّ عليه، ويقطع الأمرَ دونَه،
ولا يُشهِده، ولا يؤامرُه، حتى بعث الله جلّ وعزّ نبيَّه صلى اللّه عليه وسلم،
وأكرم به من اتبعه؛ فكانوا يُرَئِّسون من جاء من بعده ، وأمرهم شُورَى
بينهم ، يتفاضلون بالسابقة والقُدْمة والاجتهاد ؛ فإن أخذوا بذلك وقاموا عليه
كان الأمر أمرهم، والناس تبعٌ لهم ، وإن أصغَوا إلى الدّنيا وطلبوها بالتغالُب
سُلِبوا ذلك، وردّه اللّه إلى من كان يرتُّسُهم. وإلاّ فليَحذروا الغِيَرَ، فإنّ
اللّه على البَدّل قادر، وله المشيئة فى ملكه وأمره. إنّى قد خلّفت فيكم شيخًا
فاستوصُوا به خيراً ، وكانفوه تكونوا أسعدَ منه بذلك . ثم ودّعهم ومضى ؛
فقال علىّ: ما كنتُ أرى أنّ فى هذا خيراً؛ فقال الزبير: لا والله، ما كان
قطّ أعظم فى صدرك وصدورنا منه الغداة .
حدّثنى عبد الله بن أحمد بن شَبَّوَيْه، قال: حدثنى أبى، قال :
حدّثنی عبد الله ، عن إسحاق بن يحيى ، عن موسى بن طلحة ، قال : أرسل
عثمان إلى طلحة يدعوه ؛ فخرجتُ معه حتى دخل علىّ عثمان ، وإذ على
وسعد والزبير وعثمان ومعاوية، فحمد الله معاويةُ وأثْنَى عليه بما هو أهله،
ثم قال: أنتم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيرتُه فى الأرض ،
وولاة أمر هذه الأمة ، لا يطمع فى ذلك أحد غيركم، اخترتم صاحبكم
عن غير غَلَبَة ولا طمع، وقد كبرتْ سنُّه، وولى عمرُه، ولو انتظرتم به
الهَرَمَ كان قريبًا ؛ مع أنى أرجو أن يكون أكرم على الله أن يبلغ به ذلك ،
وقد فشت قالةٌ خفتُها علیکم ، فما عتبتم فیه من شىء فهذه یدی لگم به ،
ولا تُطمعوا الناس فى أمرٍكم ، فوالله لئن طمعوا فى ذلك لا رأيتم فيها أبداً إلا
إدباراً . قال علىّ: ومَالَكَ وذلك! وما أدراك لا أُمَّ لك! قال: دع أمّى
مكانَها ، ليست بشرّ أمّهاتِكم، قد أسلمتْ وبايَعت النبيَّ صلىّ اللّه عليه
٢٩٤٨/١

٣٤٥
سنة ٣٥
وسلم ، وأجِبْنى فيما أقول لك . فقال عثمان: صدق ابن أخى ، إنّ أخبر كم
عنّى وعمّا وليتُ، إنّ صاحَبىّ اللذين كانا قبلى ظلما أنفسهما ومن كان
منهما بسبيل احتسابًا، وإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطى قرابته ،
وأنا فى رهط أهل عَيْلة ،وقلّة معاش، فبسطت یدیفی شیء منذلك المال،
لمكانٍ ما أقوم به فيه ، ورأيت أنّ ذلك لى ، فإن رأيتم ذلك خطأ فردّوه ،
فأمرى لأمركم تَبَعَ . قالوا : أصبتَ وأحسنتَ ؛ قالوا: أعطيتَ عبد اللّه بن
خالد بن أسيد ومروان - وكانوا يزعمون أنه أعطى مروان خمسة عشر ألفًا ،
وابن أسيد خمسين ألفًا - فرُدّوا منهما ذلك، فرضُوا وقَبلوا، وخرجوا راضين .
٢٩٤٩/١
#
· رجع الحدیث إلی حدیث سیف ، عن شيوخه :
وكان معاوية قد قال لعثمان غداة ودّعه وخرج : يا أميرَ المؤمنين ، انطلق
معى إلى الشأم قبل أن يهجم عليك مَن لا قِبَل لك به ، فإنّ أهل الشأم على
الأمر لم يزالوا . فقال : أنا لا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بشىء؛
وإن كان فيه قَطع خَيْطِ عنقى. قال : فأبعثُ إليك جنداً منهم يقيم بين
ظَهرانىْ أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينةَ أو إياك. قال: أنا أقَتِّر
على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاق بجند تساكنهم ، وأضيّق
على أهل دار الهجرة والنصرة! قال: والله يا أمير المؤمنين، لتُغْتالَنَّ
أو لُتَغْزَيَنَّ؛ قال : حسبىَ الله ونعم الوكيل. وقال معاوية: يا أيسار الجَزُور،
وأين أيسار الجزور! ثم خرج حتى وقف على النفر، ثم مضى . وقد كان أهل
مصر كاتبوا أشياعتهم من أهل الكوفة وأهل البصرة وجميعَ من أجابهم أن يثوروا
خلاف أمرائهم . واتّعدوا یومًا حیث شخص أمراؤهم ، فلم يستقم ذلك لأحدمنهم،
ولم ينهض إلا أهل الكوفة، فإنّ يزيد بن قيس الأرحىّ ثار فيها، واجتمع إليه
أصحابُه، وعلى الحرب يومئذ القعقاع بن عمرو، فأتاه فأحاط النَّاس بهم
وناشدوهم؛ فقال يزيد القعقاع: ما سبيلك علىّ وعلى هؤلاء! فوالله إنى
السامع مطيع ، وإنى للازم لجماعتى إلا أنّى أستعنفى ومن ترى من
إمارة سعيد، فقال: استعفى الخاصةُ من أمر قد رضَيَتْه العامة ؟ قال :
٢٩٥٠/١

٣٤٦
سنة ٣٥
فذاك إلى أمير المؤمنين. فتركهم والاستعفاء ، ولم يستطيعوا أن يُظهروا غيرَ
ذلك ، فاستقبلوا سعيداً ، فردّوه من الجَرّعة ، واجتمع الناسُ على أبى موسى،
وأقرّه عثمان رضى اللّه تعالى عنه. ولما رجع الأمراء لم يكن للسّبئية سبيل إلى
الخروج إلى الأمصار، وكاتبوا أشياءتهم من أهل الأمصار أن يتوافَوا بالمدينة
لينظروا فيما يريدون ، وأظهروا أنهم يأمرون بالمعروف ، ويسألون عثمان عن
أشياءَ لتطير فى الناس ، ولتُحقَّق عليه ؛ فتوافتوا بالمدينة ، وأرسل عثمان رجلين :
مخزوميًا وزُهْريًّا، فقال: انْظُرا ما يريدون، واعلمَا علمتَهم - وكانا ممن
قد ناله من عثمان أدب، فاصطَبرا للحقّ، ولم يضطغنا - فلما رأوهما باثُّوهما
وأخبروهما بما يريدون ، فقالا : مَن معكم على هذا من أهل المدينة ؟ قالوا :
ثلاثة نَفَر ، فقالا: هل إلاّ ؟ قالوا لا! قالا: فكيف تريدون أن تصنعوا ؟
قالوا : نريد أن نذكر له أشياء قد زرعناها فى قلوب الناس ، ثم نرجع إليهم
فنزعم لهم أنا قرّرناه بها، فلم يخرج منها ولم يتب ، ثم نخرج كأنا حجاج حتى
نقدم فنحيط به فنخلَعه، فإنْ أبى قتلناه . وكانت إيّاها، فرجعا إلى عثمان
بالخبر، فضحك وقال: اللهمّ سلم هؤلاء، فإنك إن لم تُسْمهم شقُوا.
٢٩٥١/١
أمَّا عمار فحمل على عباس بن عتبة بن أبى لهب وعتركه . وأما محمّد
ابن أبى بكر فانه أُعجِب حتى رأى أنّ الحقوق لا تلزمه ، وأمّا ابن سهلة
فإنه يتعرّض للبلاء . فأرسل إلى الكوفيين والبصريّين ، ونادى : الصلاة
جامعة ! وهم عنده فى أصل المنبر ، فأقبلَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى أحاطوا بهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، وأخبر هم خبرَ القوم ، وقام
الرجلان، فقالوا جميعاً: اقتُلهم، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
((مَنْ دعا إلى نفسه أو إلى أحد وعلى الناس إمام فعليه لعنةُ اللّه فاقتلوه)). وقال
عمر بن الخطاب رضى الله عنه: لا أحلّ لكم الاّ ما قتلتموه وأنا شريكُكم.
فقال عثمان : بل نعفو ونقبل ونبصِّرهم بجهدنا ، ولا نُحادّ أحداً حتى
يركب حدًّا، أو يبدىّ كُفراً. إنّ هؤلاء ذكروا أموراً قد علموا منها مثل
الذى علمتم ، إلاّ أنهم زعموا أنهم يذاكرونيها ليُوجبوها علىّ عند مَن لا يعلم .
وقالوا : أتمّ الصلاة فى السفر، وكانت لا تُتَمَّ، ألا وإنّى قدمت بلداً
٢٩٥٢/١

٣٤٧
سنة ٣٥
فيه أهلى ، فأتممت لهذين الأمرين؛ أوّ كذلك ؟ قالوا : اللهم نعم .
وقالوا: وحميتَ حمَّى؛ وإنى والله ما حمَيتُ، حُمِىَ قبلى، واللّه
ما حموا شيئًا لأحد ما حموا إلاّ غلب عليه أهل المدينة ، ثم لم يمنعوا من
رِعْية أحداً، واقتصروا لصدقات المسلمين يحمونها لئلا يكون بين من يليها
وبين أحد تنازُع، ثم ما منعوا ولا نحدَّوْا منها أحداً إلاّ من ساق درهمًا ؛
ومَالِ مِن بعير غيرُ راحلتين، ومَالِ ثاغية ولا راغية، وإنّ قد وُلِّيْتُ،
وإنّى أكثر العرب بعيراً وشاءً ، فمالى اليوم شاة ولا بعير غير بعيرين
لحجّى ، أكذلك ؟ قالوا : اللهمّ نعم.
وقالوا: كان القرآن كُتُبًا، فتركتها إلاّ واحداً. ألا وإنّ القرآن
واحد ، جاء من عندٍ واحد؛ وإنما أنا فى ذلك تابع لهؤلاء ؛ أكذلك ؟ قالوا :
نعم، وسألوه أن يقيلهم(١).
وقالوا : إنِّى رددتُ الحكم وقد سيّره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم.
والحكتم مَكِىّ ، سيره رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الطائف،
ثم ردّه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيره،
ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم ردّه؛ أكذلك؟ قالوا: اللهمّ نعم .
وقالوا: استعملتَ الأحداث. ولم أستعمل إلاّ مجتمعًاً محتملاً مرضيًا،
وهؤلاء أهلُ عملهم، فسَلوهم عنه، وهؤلاء أهل بلده ، ولقد ولّى مَن قبلى
أحدثَ منهم، وقيل فى ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشدُّمما قيل لى فى
استعماله أسامة ؛ أكذاك؟ قالوا : اللهمّ نعم، يعيبون للناس ما لا يفسّرون.
٢٩٥٣/١
وقالوا: إنّى أعطيتُ ابن أبى سَرْح ما أفاء الله عليه. وإنى إنما نفَلتُهُ خُمس"
ما أفاء اللّه عليه من الخمس ، فكان مائة ألف ، وقد أنفذ مثل ذلك أبو بكر
وعمر رضى الله عنهما، فزعم الجُند أنهم يكرهون ذلك ، فرددتُه عليهم
وليس ذاك لهم ، أكذاك ؟ قالوا : نعم .
وقالوا: إنى أحبّ أهل بيتى وأعطيهم؛ فأما حبّى فإنه لم يميلْ معهم على
جور، بل أحمل الحقوق عليهم ، وأمَّا إعطاؤهم فإنى ما أعطيهم من مالى ،
ولا أستحلّ أموال المسلمين لنفسى ؛ ولا لأحد من الناس ؛ ولقد كنت
(١) ط: ((يقتلهم)).

٣٤٨
سنة ٣٥
أعطى العطيّة الكبيرة الرغيبة من صُلْب مالى أزمانَ رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأبى بكر وعمر رضى الله عنهما؛ وأنا يومئذ شحيح حريص، أفحينَ
أتيت على أسنان أهل بيتى، وفَنىَ عمرى ، وودّعت الذى لى فى أهلى ، قال
الملحدون ما قالوا! وإنى والله ما حملت على مصْرٍ من الأمصار فضلاً فيجوز
ذلك لمن قاله؛ ولقد رددتُه عليهم، وما قدم علىّ إلا الأخماس، ولا يحلّ لى
منها شىء؛ فولِىَ المسلمون وضعها فى أهلها دونى؛ ولا يُتْلَفّت من مال الله
بفلْس فما فوقه ؛ وما أتبلّغ منه ما آكل إلاّ مالى .
وقالوا : أعطيت الأرض رجالاً ؛ وإنّ هذه الأرضين شاركهم فيها
المهاجرون والأنصار أيام افتُتحت ؛ فَن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو
أسوة أهله ، ومَن رجع إلى أهله لم يُذْهِب ذلك ما حوى اللّه له؛ فنظرت
فى الذى يُصيبهم مما أفاء الله عليهم فبعتُه لهم بأمرهم من رجال أهل عقارٍ
ببلاد العرب فنقلتُ إلیھم نصيبهم ، فهو فی أیدیهم دونى .
وكان عثمان قد قسم ماله وأرضه فى بنى أميّة، وجعل ولدهكبعض من يعطى،
فبدأ بينى أبى العاص، فأعطى آل الحكم رجالهم عشرة آلاف، عشرة آلاف،
فأخذوا مائة ألف ، وأعطى بنى عثمان مثلَ ذلك ، وقسم فى بنى العاص وفى
بنى العيص وفى بنى حرب ، ولانتْ حاشية عثمان لأولئك الطوائف ، وأبى
المسلمون إلاّ قتلتهم، وأبى إلاّ تركهم ؛ فذهبوا ورجعوا إلى بلادهم على أن
يغزوه مع الحجّاج كالحجّاج؛ فتكاتبوا وقالوا: موعدُكم ضواحى المدينة
فى شوّال ؛ حتى إذا دخل شوال من سنة اثنتى عشرة، ضربوا كالحجّاج
فنزلوا قرب المدينة .
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة
وأبى حارثة وأبى عثمان ، قالوا : لما كان فى شوال سنة خمس وثلاثين خرج
أهلُ مصر فى أربع رِفاق على أربعة أمراء ؛ المقلّل يقول : سمائة،
والمكثُر يقول: ألف. على الرّفاق عبد الرحمن بن عُدَيَس البلَوىّ،
وكنانة بن بشر التُّجيبىّ، وعروة بن شييم الليثىّ، وأبو عمرو بن بديل بن ورقاء
الخزاعى وسواد بن رومان الأصبحی ، وزرع بن یشکر الیافعى، وسودان
ابن حُمران السَّكونىّ، وقُتيرة بن فلان السَّكُونيّ ، وعلى القوم جميعًا
٢٩٥٤/١

٣٤٩
سنة ٣٥
الغافقي بن حرب العَكّىّ، ولم يجترئوا أن يُعلموا الناس بخروجهم إلى الحرب؟
وإنما أخرجوا كالحجّاج، ومعهم ابن السوداء . وخرج أهل الكوفة فى أربع
رفاق ، وعلى الرفاق زید بن صُوحان العبدىّ ، والأشتر النخعىّ ، وزياد بن
النضْر الحارثىّ، وعبد الله بن الأصمّ ، أحد بنى عامر بن صعصعة ؛
وعددهم كعدد أهل مصر ؛ وعليهم جميعًا عمرو (١) بن الأصمّ. وخرج
أهلُ البصرة فى أربع رفاق، وعلى الرّفاق حُكَيْم بن جبلة العبدى، وذ ريح
ابن عبّاد العبدىّ، وبشربن شُرّيح الخطم بن ضُبيعة القيسىّ وابن المحَرُّش
ابن عبد بن عمرو الجنفى وعددهم كعدد أهل مصر ، وأميرهم جميعًا حُر قوص
ابن زهير السعدىّ، سوى مَن تلاحق بهم من الناس. فأمّا أهلُ مصر فإنهم
كانوا يشتهون عليًّاً، وأمّا أهلُ البصرة فإنهم كانوا يشتهون طلحة ، وأما أهل
الكوفة فإنهم كانوا يشتهون الزبير .
٢٩٥٥/١
فخرجوا وهم على الخروج جميع. وفى الناس شتى ؛ لا تشكّ(٢) كلّ"
فرقة إلاّ أنّ الفُلْج (٣) معها، وأنّ أمرَها سيتمّ دون الأخْرَيَيْن (٤)؛ فخرجوا
حتى إذا كانوا من المدينة على ثلاث تقدّم ناس من أهل البصرة فنزلوا
ذا خُشُب ، وناس من أهل الكوفة فنزلوا الأعوص ، وجاءهم ناس من
أهل مصر، وتركوا (٥) عامّتهم بذى المرْوَة. ومشى فيما بين أهل مصر
وأهل البصرة زياد بن النّضْر وعبد الله بن الأصمّ، وقالا: لا تتعجلوا
ولا تُعجِلونا حتى ندخل لكم المدينة ونرتاد ؛ فإنه بلغنا أنهم قد عسكروا
لنا؛ فوالله إن كان أهلُ المدينة قد خافونا واستحلّوا قتالنا ولم يعلموا
علمنا فهم إذا علموا عليْمنا أشدّ، وإنّ أمرنا هذا الباطل ؛ وإن لم
يستحدّوا قتالَنا ووجدنا الذى بلغنا باطلاً لترجعن إليكم بالخبر
قالوا : اذهبا ، فدخل الرجلان فلقيا أزواج النبى صلى الله عليه وسلم وعليًّا
وطلحة والزبير ، وقالا: إنما نأتمّ هذا البيت ، ونستعفى هذا الوالىَ من بعض
٢٩٥٦/١
(١) ف: ((عمر)).
(٣) الفلج: الظفر والفوز
(٥) النويرى: ((وترك)).
(٢) كذا فى ابن كثير، وفى ط: ((لا يشك)).
(٤) ب: ((الآخرين)).

٣٥٠
سنة ٣٥
عمّالنا، ما جئنا إلاّ لذلك ، واستأذناهم للناس بالدخول ، فكلّهم أبى، وهي
وقال: بَيْض ما يُفْرِخَنَّ، فرجعا إليهم فاجتمع من أهل مصر نفرٌ فأتوا عليًّا
ومن أهل البصرة نفرٌ فأتوا طلحة ، ومن أهل الكوفة نفر فأتوْا الزبير ؛ وقال
كلّ فريق منهم : إن بايعوا صاحبنا وإلا كدناهم وفرّقنا جماعتهم ؛ ثم
كررنا حتى نبغتَهم ؛ فأتى المصريون عليًا وهو فى عسكر عند أحجار الزّيت؛
٢٩٥٧/١ عليه حلة أفواف(١) معتمّ بشقيقة حمراء يمانية، متقلّد السيف، ليس(٢)
عليه قميص ، وقد سرّح الحسن (٣) إلى عثمان فيمن اجتمع إليه. فالحسنُ
جالس عند عثمان ، وعلىّ عند أحجار الزيت، فسلم عليه المصريون وعرّ ضوا
له ؛ فصاح بهم واطردهم ، وقال : لقد علم الصالحون أن جيش ذى المروة
وذى خُشب (٤) ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، فارجعوا لا صحيكم(٥)
اللّه! قالوا : نعم ، فانصرفوا (٦) من عنده على ذلك.
وأتى البصریون طلحة وهو فى جماعة أخرى إلى جنب علىّ ؛ وقد أرسل
ابنيه إلى عثمان، فسلّم البصريون عليه وعرّضوا له ، فصاح بهم واطّردهم،
وقال: لقد علم المؤمنون أن جيش ذى المرْوة وذى خُشب (٧) والأعوص ملعونون
على لسان محمّد صلى اللّه عليه وسلم .
وأتى الكوفيون الزبير وهو فى جماعة أخرى ؛ وقد سرّح ابنه عبد اللّه إلى
عثمان ، فسلموا عليه وعرّضوا له ، فصاح بهم واطردهم ، وقال : لقد علم
المسلمون أن جَيْش ذى المروة وذى خُشب والأعوص ملعونون على لسان محمد
صلى الله عليه وسلم، فخرج القوم وأرَوْهم أنهم يرجعون؛ فانفشّوا عن ذى
خشُب والأعوص ، حتى انتهوا إلى عساكرهم ؛ وهى ثلاث مراحل ؛ كى
يفترق أهلُ المدينة ، ثم يكرُّوا راجعين . فافترق أهل المدينة لخروجهم.
فلما بلغ القوم عساكرَهم كرُّوا بهم، فبغتوهم، فلم يفجأ أهل المدينة
(١) فى اللسان: ((الفوف: ضرب من برود اليمن. وفى حديث عثمان: خرج وعليه حلة أفواف،
الأفواف: جمع فوف، وهو القطن؛ وواحدة الفوف فوفة، يقال: برد أفواف وحلة أفواف بالإضافة)).
(٢) ابن كثير: ((وليس)). (٣) ابن كثير: ((ابنه الحسن)).
(٤) ف: ذى خشب ((وذى المروة))؛ وأضاف ابن الأثير: ((والأعوص)).
(٦) ابن كثير ((وانصرفوا)).
(٥) ب: ((صبحكم)).
(٧) ب: ((وجيش ذى المروة)).

٣٥١
سنة ٣٥
إلا والتكبير فى نواحى المدينة ، فنزلوا فى مواضع عساكرهم ، وأحاطوا بعثمان ،
وقالوا : مَن كفّ يده فهو آمن .
٢٩٥٨/١
وصلَّى عثمان بالناس أيامًا؛ ولزم الناس بيوتهم، ولم يمنعوا أحداً من كلام،
فأتاهم الناس فكلّموهم، وفيهم علىّ، فقال : مارد كم بعد ذهابكم ورجوعكم
عن رأيكم ؟ قالوا : أخذنا مع بريد كتابًا بقتلنا ؛ وأتاهم طلحة فقال
البصريون مثل ذلك ، وأتاهم الزبير فقال الكوفيون مثل ذلك ، وقال الكوفيون
والبصريون : فنحن ننصر إخواننا ونمنعهم جميعًا ؛ كأنما كانوا على ميعاد .
فقال لهم علىّ: كيف علمتم يا أهل الكوفة ويا أهل البصرة بما لقى أهل مصر؛
وقد سرتم مراحل ؛ ثم طويتم نحونا ؟ هذا واللّه أمرٌ أبرم بالمدينة ! قالوا : فضعوه
على ما شئتم ، لاحاجة لنا فى هذا الرّجل، ليعتزلنا . وهو فى ذلك یصلى بهم ،
وهم يصلّون خلفه ، ويغشى من شاء عثمان وهم فى عينه أدقّ من التراب ؛
وكانوا لا يمنعون أحداً من الكلام ، وكانوا زُمَراً بالمدينة ، يمنعون الناس من
الاجتماع .
وكتب عثمان إلى أهل الأمصار يستمدّهم: بسم الله الرحمن الرحيم ؛
أمّا بعدُ؛ فإنّ اللّه عزّ وجلّ بعث محمداً بالحق بشيراً ونذيراً، فبلّغَ عن اللّه
ما أمره به، ثم مضى وقد قضى الذى عليه؛ وخلّف فينا كتابه ، فيه حلالُه
وحرامه ، وبيان الأمور التى قدّر ، فأمضاها على ما أحبّ العباد وكرهوا ،
فكان الخليفةُ أبو بكر رضى الله عنه وعمرُ رضى الله عنه، ثم أدخِلتُ فى
الشورى عن غير علم ولا مسألة عن ملاٍ من الأمة، ثم أجمع (١) أهل الشورى عن
ملإٍ منهم ومن الناس علىّ، على غير طلَب منى ولا محبّة؛ فعملت فيهم ما يعرفون
ولا ينكرون، تابعًا غير مستتبع، متبعاً غير مبتدع (٢)، مقتديًا غير متكلف.
فلما انتهت الأمورُ ، وانتكث الشرُّ بأهله ؛ بدت ضغائن وأهواء على غير
إجرام ولا تِرةٍ فيما مضى إلاّ إمضاء الكتاب ؛ فطلبوا أمراً وأعلنوا غيره بغير
حجّة ولا عذر، فعابوا على أشياء مما كانوا يرضون ، وأشياء عن ملا من أهل
المدينة لا يصلح غيرها ؛ فصبرتُ لهم نفسى وكففْتها عنهم منذ سنين (٣)
٢٩٥٩/١
(١) ف: ((اجتمع)).
(٣) ف: ((ستين)).
(٢) ف: ((متبدع».

٣٥٢
سنة ٣٥
وأنا أرى وأسمع ؛ فازدادوا على اللّه عزّ وجلّ جُرأة ، حتى أغاروا علينا فى
جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وحترمه وأرض الهجرة، وثابت إليهم الأعراب(١)؛
فهم كالأحزاب أيّام الأحزاب أو مَنْ غزانا بأحُد إلاّ ما يُظهرون ؛ فمن
قدر على اللحاق بنا فلْيَلْحَق .
فأتى الكتاب أهلَ الأمصار، فخرجوا على الصّعبة (٢) والذّلول؛ فبعث
معاوية حبيب بن مسلمة الفهرىّ ، وبعث عبد الله بن سعد معاوية بن حديج
السّكونىّ ، وخرج من أهل الكوفة القعقاع بن عمرو .
٢٩٦٠/١
وكان المحضّضين بالكوفة على إعانة أهل المدينة عُقْبَةُ بن عمرو وعبدالله
ابن أبى أوفتى وحنظلة بن الربيع التميمىّ ، فى أمثالهم من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم . وكان المحضّضين بالكوفة من التابعين أصحابُ عبد الله
مسروق بن الأجدع ، والأسود بن يزيد ، وشُريح بن الحارث ، وعبد الله بن
عُكيم (٣)؛ فى أمثالهم؛ يسيرون فيها، ويطوفون على مجالسها؛ يقولون : يأيها
الناس ؛ إنّ الكلام اليوم وليس به غداً؛ وإنّ النظر يحسن اليوم ويقبح غداً،
وإنّ القتال يحلّ اليوم ويحرُم غداً، انهضوا إلى خليفتكم، وعصْمة أمرٍ كم.
وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك ، وهشام بن عامر فى
أمثالهم من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم يقولون مثل ذلك ، ومن التابعين
كعب بن سُور وهرم بن حَيّان العبدىّ، وأشباه لهما يقولون ذلك !وقام بالشأم
عبادة بن الصامت وأبو الدرداء وأبو أمامة فى أمثالهم من أصحاب النبي صلى
اللّه عليه وسلم يقولون مثل ذلك ؛ ومن التابعين شريك بن خُباشة النُّميرىّ،
وأبو مسلم الخولانيّ ، وعبد الرحمن بن غَنْ بمثل ذلك ، وقام بمصر خارجة
فى أشباه له ؛ وقد كان بعض المحضّضين قد شهد قدومهم ، فلما رأوا حالهم
انصرفوا إلى أمصارهم بذلك وقاموا فيهم .
ولما جاءت الجمعة التى على أثر نزول المصريين مسجد رسول الله صلى
الله عليه وسلم خرج عثمان فصلّى بالناس ثم قام على المنبر فقال : يا هؤلاء
(١) ف: ((العرب)).
(٣) ابن الأثير: ((حكيم)).
(٢) ف: ابن الأثير: ((الصعب)).

سنة ٣٥
٣٥٣
العدى، اللّهَ اللّه! فوالله؛ إنّ أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ٢٩٦١/١
صلى الله عليه وسلم؛ فامحوا الخطايا بالصواب؛ فإن الله عزّ وجلّ لا يمحو
السيّى إلاّ بالحسن.
فقام محمد بن مسلمة ، فقال : أنا أشهدُ بذلك، فأخذه حُكَيم بن جبلة
فأقعده ، فقام زيد بن ثابت فقال : ابغینی(١) الكتاب ، فثار إليه من ناحية
أخرى محمد بن أبى قُتَيرة فأقعده ؛ وقال فأفظَعَ ؛ وثار القوم بأجمعهم ،
فحصَّبُوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد ، وحصبوا عثمان حتى صُرِع
عن المنبر مغشيًا عليه، فاحتمل فأدخل داره ، وكان المصريون لا يطمعون
فى أحد من أهل المدينة أن يساعد هم إلاّ فى ثلاثة نفر ؛ فإنهم كانوا يراسلونهم:
محمد بن أبى بكر ، ومحمد بن أبى حُذيفة ، وعمَّار بن ياسر ؛ وشمر أناس
من الناس فاستقتلوا ؛ منهم سعد بن مالك ، وأبو هريرة ، وزيد بن ثابت ،
والحسن بن علىّ؛ فبعث إليهم عثمان بعزمه لما انصرفوا. فانصرفوا، وأقبل على
عليه السلام حتى دخل على عثمان ، وأقبل طلحة حتى دخل عليه ، وأقبل الزّبير
حتى دخل عليه؛ يعودُونه من صرعته؛ ويشكُون بثّهم، ثم رجعوا إلى منازلهم.
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن أبى عمرو، عن ٢٩٦٢/١
الحسن ، قال : قلت له: (٢هل شهدت حَصْر عثمان٢) ؟ قال: نعم ؛
وأنا يومئذ غلام فى أتراب لى فى المسجد ، فإذا كثُر اللغط جثوتُ على ركبتىّ
أو قمت ؛ فأقبل القوم حين أقبلوا حتى نزلوا المسجد وما حوله ؛ فاجتمع إليهم
أناس من أهل المدينة، يُعظمون ما صنعوا . وأقبلوا على أهل المدينة يتوعدونهم؛
فبينا هم كذلك فى لتغطهم حَوْل الباب ، فطلع عثمان؛ فكأنما كانت نارٌ
طَفِئت، فعمد إلى المنبر فصعده فحمد الله وأثنى عليه، فثار رجل ، فأقعده
رجل ، وقام آخر فأقعده آخر ، ثم ثار القوم فحصّبوا عثمان حتى صُرع ،
فاحتُمِل فأُدْخِل، فصلى بهم عشرين يومًا، ثم منعوه من الصلاة .
:
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة
(١) ابغنى، أى أحضر لى .
(٢-٢) ف: ((وهل شهدت عثمان محصوراً)).
.. ١

٣٥٤
سنة ٣٥
وأبي حارثة وأبى عثمان، قالوا : صلّى عثمان بالناس بعد ما نزلوا به فى المسجد
ثلاثين يومًا، ثم إنهم منعوه الصلاة ، فصلى بالناس أميرهم الغافقيّ ، دان
له المصريون والكوفيّون والبصريون ، وتفرّق أهلُ المدينة فى حيطانهم ، ولزموا
بيوتهم ، لا يخرج أحدٌ ولا يجلس إلاّ وعليه سيفه يمتنع به من رهق القوم(١)
وكان الحصار أربعين يومًا، وفيهنّ كان القتل، ومنْ تعرّض لهم وضعوا فيه
السلاح، وكانوا قبل ذلك ثلاثين يومًا يكفّون .
٢٩٦٣/١
...
وأما غيرُ سيف فإنّ منهم من قال : كانت مناظرة القوم عثمان وسبب
حصارهم (٢) إيّاه ما حدّثّنى به يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا معتمر بن
سليمان التيميّ ، قال : حدثنا أبى ، قال : حدثنا أبو نَضْرة ، عن أبى سعيد
مولى أبي أسيد الأنصارىّ. قال: سمع عثمان أنّ وفد أهل مصر قد أقبلوا، قال:
فاستقبلهم ، وكان فى قرية له خارجة من المدينة ــ أو كما قال - فلمّاً سمعوا
به ، أقبلوا نحوه إلى المكان الذى هو فيه - قال: وكره أن يقدموا عليه المدينة
أوانحواً من ذلك - قال: فأتوه ، فقالوا له : ادعُ بالمصحف ، قال : فدعا
بالمصحف ، قال : فقالوا له : افتح التاسعة - قال : وكانوا يسمون سورة
يونس التاسعة - قال: فقرأها حتى أتى على هذه الآية: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ
اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًاً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِينَ لَكُمْ
أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ﴾(٣). قال: قالوا له: قف ، فقالوا له : أرأيت
ما حَمَيْتَ من الحمى ؟ آللّه أذن لك أم على اللّه تفترى! قال: فقال :
امضِه؛ نزلت فى كذا وكذا . قال: وأما الحمّى فإنّ عمر حمتى الحمى
قبلى لإبل الصّدَقة، فلما وليت زادت إبلُ الصدقة فزدت فى الحِمَى لما زاد
فى إبل الصدقة ، امضِه . قال : فجعلوا يأخذونه بالآية ، فيقول : امضِه ،
نزلت فى كذا وكذا - قال: والذى يتولى كلام عثمان يومئذ فى سنّك، قال:
يقول أبو نضرة، يقول ذاك (٤) إلى أبو سعيد، قال أبو نُضْرة: وأنا فى سنك
٢٩٦٤/١
(١) ف: ((الفتنة)).
(٣) سورة يونس ٥٩
(٢) ف: ((حصار القوم)).
(٤) ف: ((ذلك)).

سنة ٣٥
. ٣٥٥
يومئذ، قال : ولم يخرج وجهى يومئذ، لا أدرى ، ولعله قد قال مرة أخرى :
وأنا يومئذ ابن ثلاثين سنة - ثم أخذوه بأشياء لم يكن عنده منها مخرج . قال :
فعرفها ، فقال : أستغفر الله وأتوب إليه . قال : فقال لهم : ما تريدون؟
قال: فأخذوا ميثاقه - قال: وأحسبه قال: وكتبوا عليه شرطًا - قال: وأخذ
عليهم ألاَّ يشقوا عّصًا ، ولا يفارقوا جماعة ما قام لهم بشرطهم - أو كما أخذوا
عليه - قال: فقال لهم: ما تريدون ؟ قالوا : نريد ألا يأخذ أهل المدينة(١)
عطاء، فإنما هذا المال لمن قاتل عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم . قال : فرضوا بذلك ، وأقبلوا معه إلى المدينة راضين .
قال : فقام فخطب، فقال: إنّى ما رأيت(٢) واللّه وفداً فى الأرض هم
خير لحوباتى من هذا الوفد الذين قدموا علىّ. وقد قال مرّة أخرى : خشيت
من هذا الوفد من أهل مصر ، ألا من کان له زرع فلیلحق بزرعه ، ومن
كان له ضَرْع فليحتلب ؛ ألا إنه لا مال لكم عندنا ، إنما هذا المال لمن قاتل
عليه ولهؤلاء الشيوخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فغضِب
الناس ، وقالوا : هذا مكر بنى أميّة .
قال : ثم رجع الوفد المصريون راضين ؛ فبينا هم فى الطريق إذا هم براكب
يتعرّض لهم ثم يفارقهم ثم يرجع إليهم، ثمّ يفارقهم ويتبيّنُهم . قال: قالوا
له : مَالَك؟ إن لك لأمراً! ما شأنك ؟ قال : فقال: أنا رسول أمير المؤمنين ٢٩٦٥/١
إلى عامله بمصر؛ ففتَّشوه؛ فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه إلى
عامله بمصر أن يصلّبهم أو يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
قال : فأقبلوا حتى قدموا المدينة ، قال: فأتوا عليًّا، فقالوا: ألم تر إلى عدوّ
الله! إنه كتب فينا بكذا وكذا ، وإنّ اللّه قد أحلّ دمه، قم معنا إليه، قال:
واللّه لا أقوم معكم؛ إلى أن قالوا: فلمّ كتبتَ إلينا؟ فقال: والله ما كتبتُ
إليكم كتابًا قطّ ؛ قال : فنظر بعضُهم إلى بعض ، ثم قال بعضهم لبعض :
ألهذا تقاتلون ، أو لهذا تغضبون !
قال : فانطلق علىّ، فخرج من المدينة إلى قرية . قال : فانطلقوا حتى
(٢) ف: ((والله مارأيت)).
(١) ف: ((الذمة)).

٣٥٦
سنة ٣٥
دخلوا على عثمان ، فقالوا : كتبت فينا بكذا وكذا ! قال : فقال: إنما هما
اثنتان: أن تقيموا علىّ رجلين من المسلمين، أو يمينى بالله الذى لا إله إلاّ
هو ما كتبتُ ولا أملَلْت ولا علمت. قال: وقد تعلمون أنّ الكتاب
يكتب على لسان الرّجل، وقد ينقش الخاتم على الخاتم. قال: فقالوا: فقد
واللّه أحلّ اللّه دَمَك، ونقضت العهد والميثاق . قال: فحاصروه .
#
٠
وأمّا الواقدىّ فإنه ذكر فى سبب مسيرِ المصريين إلى عمان ونزولهم
ذا خُشُب أموراً كثيرة ، منها ما قد تقدّم ذِكْرِيه ؛ ومنها ما أعرضت عن
٢٩٦٦/١ ذكره كراهة منى لبشاعته(١). ومنها ما ذكر أنّ عبد الله بن جعفر حدّثه
عن أبى عون مولى المِسْور، قال : كان عمرو بن العاص على مصر عاملاً
لعثمان ؛ فعزله عن الخراج ، واستعمله على الصّلاة ، واستعمل عبد الله بن
سعد على الخراج ؛ ثم جمعهما لعبد الله بن سعد ، فلما قدم عمرو بن العاص
المدينة جعل يطعن على عثمان ، فأرسل إليه يومًا عثمان خاليًا به، فقال : يابن
النابغة، ما أسرع ما قمِل جُرُبّان جُبّتك! إنما عهدك بالعمل عامًا أوّل.
أتطعن علىّ وتأتينى بوجه وتذهب عنّى بآخر! والله لولا أُكْلَةٌ ما فعلتَ
ذلك . قال : فقال عمرو: إنّ كثيراً مما يقول الناس وينقلون إلى ولاتهم
باطل؛ فاتّق الله يا أميرَ المؤمنين فى رعيتك! فقال عثمان: والله لقد استعملتك
على ظلَعِك ، وكثرة القالة فيك . فقال عمرو : قد كنتُ عاملاً لعمر بن
الخطاب ، ففارقنى وهو عنّ راضٍ . قال: فقال عثمان: وأنا والله لو آخذتك
بما آخذك به عمر لاستقمتَ؛ ولكِّنى لنت عليك فاجترأتَ علىّ، أما والله لأنا
أعزُّ منك نفراً فى الجاهليّة؛ وقبل أن ألىّ هذا السلطان . فقال عمرو: دع
عنك هذا ، فالحمد لله الذی أکرمنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وهدانا به ؛ قد
رأيت العاصِيَ بن وائل ورأيت أباك عفان، فوالله للعاصُ كانَ أشرفَ من
أبيك . قال : فانكسر عثمان ، وقال : ما لنا ولذكر الجاهلية !
قال : وخرج عمرو ودخل مَرْوان ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ؛ وقد بلغت
٢٩٦٧/١ مبلغًا يذكر عمرو بن العاص أباك! فقال عثمان: دَعْ هذا عنك، من ذكر
آباء الرجال ذكروا أباه .
(١) فى ((لشناعته)).

٣٥٧
سنة ٣٥
قال : فخرج عمرو من عند عثمان وهو محتقد عليه، يأتى عليًا مرّة فيؤلبه
على عثمان، ويأتى الزّبير مرة فيؤلَّبه على عثمان، ويأتى طلحة مرة فيؤلّبه على عثمان،
ويعترض الحاجّ فيخبرهم بما أحدث عثمان، فلمَّا كان حَصْر عمان الأوّل؛
خرج من المدينة ، حتى انتهى إلى أرض له بفلسطين يقال لها السبع ؛ فنزل
فى قصر له يقال له العجلان ؛ وهو يقول : العجب ما يأتينا عن ابن عفان !
قال: فبينا هو جالس فى قَصْره ذلك، ومعه ابناه محمد وعبد الله؛ وسلامة
ابن رَوْح الجُذامىّ، إذْ مرّ بهم راكب ، فناداه عمرو: من أين قدم الرجل ؟
فقال : من المدينة ، قال : ما فعل الرجل ؟ يعنى عثمان ، قال : تركتُهُ
محصوراً شديد الحصار . قال عمرو: أنا أبو عبد الله؛ قد يضرط العَبْر
والمكواة فى النار (١). فلم يبرح مجلسه ذلك حتى مرّ به راكب آخر، فناداه
عمرو : ما فعل الرجل ؟ يعنى عثمان، قال: قتِل، قال: أنا أبوعبد الله؛ إذا
حكَكْتُ قَرْحةً نكأتها، إن كُنت لأحرّض عليه؛ حتى إنى لأحرّض
عليه الراعى فى غنمه فى رأس الجبل . فقال له سلامة بن روح : يا معشر
قریش ؛ إنه كان بينكم وبين العرب باب وثيق فكسرتموه ، فما حملكم على
ذلك ؟ فقال: أردنا أن نُخرج الحقّ من حافرة الباطل ، وأن يكون الناس
فى الحقّ شرعًا سواء. وكانت عند عمرو اخت عمان لأمّه أم كلثوم بنت
عقبة بن أبي معيط ، ففارقها حين عزله .
٢٩٦٨/١
قال محمد بن عمر : وحدثنى عبد الله بن محمد ، عن أبيه ، قال : كان
محمد بن أبى بكر ومحمد بن أبى حذيفة بمصر يحرّضان على عثمان ، فقدم
محمد بن أبى بكر وأقام محمد بن أبى حُذيفة بمصر ؛ فلما خرج المصريون
خرج عبد الرحمن بن عُدَّيس البدوىّ فى خمسمائة ، وأظهروا أنهم يريدون
العُمرة، وخرجوا فى رجب، وبعث عبد الله بن سعد رسولاً سار إحدى عشرة
ليلة يخبر عمان أنّ ابن عُدَيَس وأصحابه قد وُجَهوا نحوه، وأنّ محمد بن
أبى حذيفة شيّعهم إلى عجرود ، ثم رجع وأظهر محمد أن قال : خرج القوم
◌ُمّاراً ، وقال فى السرّ: خرج القوم إلى إمامهم فإن نزع وإلاّ قتلوه ؛ وسار
(١) مثل يضرب للرجل يخاف الأمر فيجزع قبل وقوعه فيه. مجمع الأمثال ٢ : ٩٥

٣٥٨
سنة ٣٥
القوم المنازل لم يعدوها حتى نزلوا ذا خُشُب . وقال عثمان قبل قدومهم حين
جاءه رسول عبد الله بن سعد: هؤلاء قوم من أهل مصر يريدون - بزعمهم -
العُمْرة، والله ما أراهم يريدونها ؛ ولكن الناس قد دخل بهم؛ وأسرعوا إلى
الفتنة، وطال عليهم عمرى؛ أما والله لئن فارقتُهم ليتمدّون أنّ عمرى كان طال
عليهم مكان كلّ يوم بسنة مما يرون(١) من الدماء المسفوكة، والإحَن والأثرة
الظاهرة ، والأحكام المغيّرة .
٢٩٦٩/١
قال: فلما نزلَ القوم ذا خُشب جاء الخبر أنّ القوم يريدون قتل عثمان"
إن لم ينزع، وأتى رسولهم إلى علىّ ليلاً، وإلى طلحة، وإلى عمّار بن ياسر.
وكتب محمد بن أبى حذيفة معهم إلى علىّ كتابًا، فجاءوا بالكتاب إلى
علىّ ،فلم يظهر على مافيه،فلما رأی عثمان مارأى جاء عليًّا فدخل عليه بيته،
فقال: يابنَ عمّ، إنه ليس لى مثَّرك؛ وإن قرابتى قريبة؛ ولى حقٍّ عظيم
عليك ، وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم، وهم مصبُحىَّ ؛ وأنا أعلم أنّ لك
عند الناس قدرًا، وأنهم يسمعون منك ، فأنا أحبّ أن تركب إليهم فترد هم
عنىّ ، فإنى لا أحبّ أن يدخلوا على"؛ فإن ذلك جرأة منهم علىّ، وليسمع
بذلك غيرُهم. فقال علىَّ: عَلامَ أردّ هم؟ قال: على أن أصير إلى ما أشرتَ
به علىّ ورأيتَه لى؛ ولست أخرج من يديك؛ فقال علىّ: إنى قد كنت
کلمتك مرّة بعد مرّة، فکل" ذلك نخرج فتُگلّم ، ونقول وتقول؛ وذلك كله
فعل مروان بن الحكم وسعيد بن العاص وابن عامر ومعاوية ؛ أطعتتهم وعصيتنى .
قال عثمان : فإنى أعصيهم وأطيعك
قال: فأمر (٢) الناس، فركبوا معه: المهاجرون والأنصار. قال : وأرسل عثمان
إلى عمّار بن ياسر ،یُکلمه أن یر کب مع على فأبى، فأرسل عثمان إلى سعد بن
أبى وقاص، فكلّمه(٣) أن يأتىَ عمّاراً فيكلمه أن يركب مع علىّ؛ قال: فخرج
سعد حتى دخل على عمّار، فقال : يا أبا اليقظان ، ألا تخرج فيمن يخرج!
وهذا (٤) علىّ يخرج فاخرج معه، واردد هؤلاء القوم عن إمامك ، فإنى
٢٩٧٠/١
(١) ف: ((فايريدون)).
(٣) ف: ((يكلمه)).
(٢) ب: ((وأمر)).
(٤) ف: ((فهذا».

٣٥٩
سنة ٣٥
لاحسب أنك لم ترکب مركبًا هو خيرٌ لك منه .
قال: وأرسل عثمان إلى كثير بن الصَّلْت الكندىّ - وكان من أعوان
عثمان - فقال: انطلق فى إثر سعد فاسمع ما يقول سعد لعمّر، وما يردّ عمّار
على سعد ، ثم اثنى سريعًا .
قال : فخرج كثير حتى يجد سعداً عند عمّار ◌ُخلِياً به ، فألقم عينه
جُحْر الباب ، فقام إليه عمَّار ولا يعرفه ، وفى يده قضيب ، فأدخل القضيب
الحُحْر الذى ألقمه كثير عينَه، فأخرج كثير عينه من الجُحْر، وولى
مدبراً متقنّعًا. فخرج عمار فعرف أثره ، ونادى : يا قليل ابن أمّ قليل !
أعلىَّ تطّلع وتستمع حديثى! والله لو دريتُ أنّك هو لفقأتُ عينك بالقضيب؛
فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أحل" ذلك. ثم رجع عمار إلى سعد ،
فكلمه سعد وجعل يفتله بكلّ وجه؛ فكان آخر ذلك أن قال عمَّر: والله
لا أردّ هم عنه أبداً. فرجع سعد إلى عثمان، فأخبره بقول عمار ، فاتّهم عثمان سعداً
أن يكون لم يناصحه ، فأقسم له سعد بالله ؛ لقد حرّض. فقبل منه عثمان.
قال : وركب علىّ عليه السلام إلى أهل مصر ، فرّدهم عنه ، فانصرفوا
راجعين .
قال محمد بن عمر : حدثنى محمد بن صالح ، عن عاصم بن عمر ،
عن محمود بن لَبيد، قال: لما نزلوا ذا خُشب، كلم عثمان عليًا وأصحاب ٢٩٧١/١
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يردّوهم عنه، فركب علىّ وركب معه
نفر من المهاجرين، فيهم سعيد بن زيد، وأبو جَهْم العدوىّ، وجُبير بنُ مطعٍ،
وحكيم بن حزام ، وصَرْوان بن الحكم ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن
عَتَّاب بن أسيد؛ وخرج من الأنصار أبو أسَيْد الساعدىّ وأبو حُميد
الساعدىّ ، وزيد بن ثابت ، وحسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ومعهم
من العرب نيار بن مكرم وغيرهم ثلاثون رجلاً؛ وكلّمهم على ومحمد بن
مسلمة - وهما اللذان قد ما - فسمعوا مقالتهما، ورجعوا . قال محمود: فأخبرنى
محمد بن مسلمة ، قال : ما برِحنا من ذى خُشُب حتى رحلوا راجعين
إلى مصر، وجعلوا يسلّمون علىّ، فما أنسى قول عبد الرحمن بن عنديس:
أتوصينا يا أبا عبد الرحمن بحاجة؟ قال: قلت: تتّقى الله وحده لا شريك له،

٣٦٠
سنة ٣٥
وتردّ مَن قِبَلَك عن إمامه، فإنه قد وَعَدنا أن يرجع وينزع . قال ابنُ
عُديس : أَفعلُ إن شاء الله . قال: فرجع القوم إلى المدينة .
٢٩٧٢/١
قال محمَّد بن عمر: فحدثنى عبد الله بن محمد ، عن أبيه ، قال :
لما رجع علىّ عليه السلام إلى عثمان رضى الله عنه، أخبره أنهم قد رجعوا،
وكلّمه علىّ كلامًا فى نفسه، قال له: اعلم أنى قائل فيك أكثر مما قلت .
قال : ثمّ خرج إلى بيته ، قال : فمكث عثمان ذلك اليوم ؛ حتى إذا كان
الغد جاءه مَرْوان، فقال له : تكلّم وأعليم الناس أنّ أهل مصر قد رجعوا ،
وأنّ ما بلغهم عن إمامهم كان باطلا، فإنّ خطبتك تسير فى البلاد قبل أن
يتحلّب الناس عليك (١) من أمصارهم؛ فيأتيك مَن لا تستطيع دفعه. قال :
فأبى عثمان أن يخرج . قال : فلم يزل به مروان حتى خرج فجلس على
المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمَّا بعدُ، فإن هؤلاء القوم من أهل
مصر كان بلغهم عن إمامهم أمر ؛ فلما تيقنوا أنه باطل ما بلغهم عنه رجعوا
إلى بلادهم . قال : فناداه عمرو بن العاص من ناحية المسجد : اتّق الله
يا عثمان؛ فإنك قد ركبت نهابير (٢) وركبناها معك؛ فتب إلى الله نتب.
قال : فناداه عمّان؛ وإنك هناك يا بن النابغة! قمِلَتْ واللّه جُبّتك منذ
تركتُك من العمل . قال : فنودى من ناحية أخرى: تب إلى اللّه وأظهر التوبة
يكفّ الناس عنك. قال: فرفع عمان يديه مدًّا واستقبل القبلة، فقال:
اللهمّ إنى أوّل تائب تاب إليك . ورجع إلى منزله، وخرج عمرو بن العاص
حتى نزل منزله بفلسطين ، فكان يقول: والله إن كنت لألقى الراعِىّ
فأحرّضه عليه .
قال محمد بن عمر : فحدّثّى علىّ بن عمر ، عن أبيه، قال: ثمّ إن
عليًّا جاء عثمان بعد انصراف المصريين ، فقال له: تكلم كلامًا يسمعه الناس
٢٩٧٣/١ منك ويشهدون عليه(٣)، ويشهد الله على ما فى قلبك من النزوع والإنابة؛
(١) ف: ((عنك)).
(٢) النهابير : المهالك .
(٣) ابن كثير وابن الأثير والنويرى: ((عليك)).