Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سنة ٣٣
٢٩١٣/١
فلمّا خرجوا دعاهم فقال : إنی معید علیکم. إنّ رسول الله صلی الله علیه
وسلم كان معصومًا فولانى ، وأدخلنى فى أمره ، ثم استخلف أبو بكر رضى
الله عنه فولانى؛ ثمّ استُخلف عمر فولانى، ثم استُخْلِف عثمان فولاتى،
فلم ألٍ لأحد منهم ولم يولّى إلا وهو راضٍ عنى ؛ وإنما طلب رسول الله
صلى الله عليه وسلم للأعمال أهلَ الجزاء عن المسلمين والغناء ؛ ولم يطلب لها
أهل الاجتهاد والجهل بها والضعف عنها ؛ وإن اللّه ذو سطَوات ونقمات
يمكر بمن مكربه ، فلا تعرضوا لأمر وأنتم تعلمون من أنفسكم غير ما تظهرون ؛
فإن الله غیر تار کكم حتى يختبر كم ويبدىّ للناس سرائركم ؛ وقد قال عزّ وجل:
﴿الَّمَ، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾(١).
وكتب معاوية إلى عثمان : إنه قدم علىّ أقوام ليست لهم عقول ولا أديان،
أثقلهم الإسلام، وأضجرهم العدْل؛ لا يريدون الله بشىء، ولا يتكلّمون بحجّة؛
إنما همّهم الفتنة وأموال أهل الذّمة ؛ والله مبتليهم ومختبرهم ، ثم فاضحهم
ومخزِيهم (٢)؛ وليسوا بالذين ينكون أحداً إلا مع غيرهم، فانهَ سعيداً ومن قبله
عنهم ؛ فإنهم ليسوا لأكثر من شغَّب أو نكير .
وخرج القوم من دمشق فقالوا : لا ترجعوا إلى الكُوفة ، فإنهم
يشمَتون بكم ، وميلوا بنا إلى الجزيرة ، ودعوا العراق والشام. فأوَوا (٣)
إلى الجزيرة ، وسمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان معاوية
قدولاّه حمْص وولى عامل الجزيرة حَرّان والرّقة - فدعا بهم ، فقال :
يا آلة الشيطان، لا مرحبًا بكم ولا أهلا! قد رجع الشيطان محسوراً وأنتم بعدُ
نشاط؛ خَّر الله عبد الرحمن إن لم يؤدّبكم حتى يحسركم. يا معشر من
لا أدرى أعرب أم عجم ، لكى لا تقولوا لى ما يبلغنى أنكم تقولون لمعاوية ؛ أنا
ابن خالد بن الوليد ، أنا ابن من قد عجمته العاجِمات ، أنا ابن فاقىء الرّدّة ،
والله لئن بلغنى يا صعصعة ابن ذلّ أنّ أحداً ممن معى دق" أنفك ثم أمصّك (٤)
١ /٢٩١٤
(١) سورة العنكبوت ١، ٢ (٢) ف: ((ومحرمهم)).
(٣) ف: ((فأتوا)).
(٤) ابن الأثير ((غمصك))، وأمصك، أى قال له : مص من أبيك.

٣٢٢
سنة ٣٣
لأطيرنّ بك طَيْرة بعيدة المهوى. فأقامهم أشهراً كلّما ركب أمشاهم، فإذامرّ به
[صعصعة](١) قال: يابن الحطيئة(٢)، أعلمت أنّمن لم يصلحه الخير أصلحه الشرّ"!
مَالَك لا تقول كما كان يبلغنى أنك تقول لسعيد ومعاوية ! فيقول ويقولون :
نتوب إلى الله، أقلنا أقالك اللّه! فما زالوا به حتى قال: تاب الله عليكم .
وسرّح الأشترّ إلى عثمان ، وقال لهم: ما شئتم، إن شئتم فاخرجوا، وإن شئتم
فأقيموا . وخرج الأشتر، فأتى عثمان بالتوبة والندم والنزوع عنه وعن أصحابه، فقال:
سلمكم الله . وقدم سعيد بن العاص، فقال عثمان للأشتر: احلل حيث شئت،
فقال: مع عبد الرحمن بن خالد ؟ وذكر من فضله ، فقال : ذاك إليكم ،
فرجع إلى عبد الرحمن .
٢٩١٥/١
وأمّا محمد بن عمر ؛ فإنه ذكر أنّ أبا بكر بن إسماعيل حدّثه عن
أبيه ، عن عامر بن سعد ، أنّ عثمان بعث سعيد بن العاص إلى الكوفة أميراً
عليها ، حين شهد على الوليد بن عُقبة بشرب الخمر من شهد عليه ، وأمره
أن يبعث إليه الوليد بن عقبة. قال : قَدم سعيد بن العاص الكوفّة ، فأرسل
إلى الوليد: إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن تلحق به. قال: فتضجّع (٣) أياماً،
فقال له : انطلق إلى أخيك ؛ فإنه قد أمرنى أن أبعثَك إليه ، قال : وما صعِد
منبرّ الكوفة حتى أمر به أن يُغْسَل(٤)، فناشده رجال من قريش كانوا قد
خرجوا معه من بنى أميّة ، وقالوا: إنّ هذا قبيح ؛ والله لو أراد هذا غيرُك
لكان حقًّا أن تذبّ عنه؛ يلزمه عارُ هذا أبداً . قال: فأبى إلاّ أن يفعل،
فغسله وأرسل إلى الوليد أن يتحوّل من دار الإمارة ، فتحوّل منها ، ونزل دار
عمارة بن عقبة ، فقدم الوليد على عثمان ، فجمع بينه وبين خصمائه ، فرأى
أن يجلده ، فجلده الحدّ .
قال محمّد بن عمر : حدثنى شيبان ، عن مجالد ، عن الشعبىّ ، قال :
قدِم سعيد بن العاص الكوفّة ، فجعل يختار وجوهَ الناس يدخلون عليه
(١) من ابن الأثير.
(٢) ابن الأثير: ((الخطيئة)).
(٣) يقال: تضجع فى الأمر؛ تقعد فيه ولم يقم به.
(٤) الغسل هنا : الضرب بالسوط .

سنة ٣٣
٣٢٣
ويسمُرُون عنده ؛ وإنه سمر عنده ليلةً وجوه أهل الكوفة، منهم مالك بن ٢٩١٦/١
كعب الأرحىّ، والأسود بن يزيد وعلقمة بن قيس النّخَعيّان، وفيهم مالك
الأشتر فى رجال ، فقال سعيد : إنما هذا السواد بستان لقريش؛ فقال الأشتر:
أتزعم أنّ السّواد الذى أفاءه الله علينا بأسيافنا بستان لك ولقومك! واللّهُ ما يزيد
أوفاكم فيه نصيبًا إلا أن يكون كأحدنا ، وتكلم معه القوم .
قال: فقال عبد الرحمن الأسدىّ - وكان على شُرْطة سعيد :
أتردّون على الأمير مقالته! وأغلظ لهم ، فقال الأشتر : مَن ها هنا !
لا يفوتنّكم الرجل ؛ فوثبوا عليه فوطئوه وطأ شديداً ، حتى غُشى عليه ، ثم
جُرّ برجله فألقِىَ، فنضح بماء فأفاق، فقال له سعيد: أبك حياة ؟ فقال:
قتلی من انتخبت ۔۔ زعمت ۔ للإسلام ، فقال : والله لا یسمُر منهم عندى
أحد أبداً ، فجعلوا يجلسون فى مجالسهم وبيوتهم يشتمون عثمان وسعيداً ؛
واجتمع الناس إليهم ؛ حتى كثر من يختلف إليهم . فكتب سعيد إلى عثمان
يخبره بذلك ، ويقول: إنّ رهطًا من أهل الكوفة -- سماهم له عشرة - يؤلبون
ويجتمعون على عيبك وعيبى والطعن فى ديننا، وقد خشيت إن ثبت أمرهم أن
يكثروا؛ فكتب عثمان إلى سعيد: أن سيّرهم إلى معاوية - ومعاوية يومئذ على
الشأم .. فسيرّهم- وهم تسعة نفر - إلى معاوية؛ فيهم مالك الأشتر، وثابت بن
قيس بن مُنْقَّعَ ، وكُمَيل بن زياد النخعىّ ، وصعصعة بن صُوحان .
٢٩١٧/١
ثم ذكر نحو حديث السرىّ، عن شعيب ؛ إلاّ أنه قال: فقال صعصعة:
فإن اختُرُقت الجُنَّة أفليس يُخْلَص إلينا؟ فقال معاوية: إنّ الجُنة لا تخترَق،
فضعْ أمر قريش على أحسن ما يحضرك.
وزاد فيه أيضًا : إنّ معاوية لما عاد إليهم من القابلة وذكرهم، قال فيما
يقول: وإنى والله ما آمركم بشىء إلاّ قد بدأتُ فيه بنفسى وأهل بيتى وخاصّتی ؛
وقد عرفتْ قريش أن أبا سفيان كان أكرمتها وابن أكرمها، إلاّ ما جعل الله
لنبيّه نبيّ الرحمة صلى الله عليه وسلم؛ فإن الله انتخبه وأكرمه، فلم يخلق فى
أحد من الأخلاق الصالحة شيئًا إلا أصفاه الله بأكرمها وأحسنها ؛ ولم يخلق
من الأخلاق السيّئة شيئًا فى أحد إلا أكرمه الله عنها ونزّهه؛ وإنى لأظن أنّ
٢٩١٨/١

٣٢٤
سنة ٣٣
أبا سفيان لو ولد الناس لم يلد إلا حازمًا . قال صعصعة : كذبت ! قد ولد هم
خير من أبى سفيان ؛ مَن خلقه الله بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر
الملائكة فسجدوا له ، فكان فيهم البرّ والفاجر، والأحمق والكيّس.
فخرج تلك الليلة من عندهم ، ثم أتاهم القابلة ، فتحدّث عندهم طويلا ،
ثم قال: أيُّها القوم ، ردوا علىّ خيرًا أو اسكتوا وتفكروا وانظروا فيما ينفعكم
وينفع أهليكم، وينفع عشائركم، وينفع جماعة المسلمين ؛ فاطلبوه (١) تعيشوا ونعش
بكم. فقال صعصعة: لستَ بأهلِ ذلك، ولا كرامة لك أن تطاع فى معصية اللّه .
فقال : أوَ لیس ما ابتدأتُكم به أن أمرتكم بتقوى الله وطاعته وطاعة نبيه صلى
اللّه عليه وسلم، وأن تعتصموا بحبله جميعا ولا تفرّقوا! قالوا: بل أمرتّ
بالفرقة وخلاف ما جاء به النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال: فإنى آمركم الآن ،
إن كنت فعلتُ فأتوب إلى الله، وآمركم بتقواه (٢) وطاعته وطاعة نبيه صلى الله
عليه وسلم ولزوم الجماعة، وكراهة الفُرقة، وأن توقّروا أئمّتكم وتدلّهم على
كلّ حسن ما قدرتم، وتعظوهم فى لين ولطف فى شىء إن كان منهم.
٢٩١٩/١ فقال صعصعة: فإنّا نأمرُك أن تعتزل عملك؛ فإنّ فى المسلمين من هو
أحقّ به منك، قال: من هو ؟ قال : مَن كان أبوه أحسن قدمًا من
أبيك، وهو بنفسه أحسنُ قدمًا منك فى الإسلام، فقال: والله إنّ لى
فى الإسلام قدماً، ولغيرى كان أحسنُ قدمًا منى ؛ ولكنه ليس فى زمانى
أحدٌ أقوى على ما أنا فيه منِّى؛ ولقد رأى ذلك (٣) عمر بن الخطاب، فلو كان
غيرى أقوى منى لم يكن لى عند عمر هوادة ولا لغيرى، ولم أحدث من الحدث
ما ينبغى لى أن أعتزِل عملى ؛ ولو رأى ذلك أمير المؤمنين وجماعة المسلمين
لكتب إلىّ بخط يده فاعتزلت عمله؛ ولو قضى الله أن يفعل ذلك لرجوتُ
ألا يعزم له على ذلك إلا وهو خير ؛ فمهلا فإنّ فى ذلك وأشباهه ما يتمنّى
الشيطان ويأمر ؛ ولعمرى لو كانت الأمور تقضى على رأيكم وأمانيكم
(١) ب: ((واطلبوه)).
(٣) ب: ((رآنى)).
(٢) ف: ((بتقوى الله)).

٣٢٥
سنة ٣٣
ما استقامت الأمور لأهل الإسلام يومًا ولا ليلة، ولكن اللّه يقضيها ويدبّرها؛
وهو بالغ أمره ؛ فعاودوا الخبر وقولوه .
فقالوا: لستَ لذلك أهلاً، فقال: أما والله إنّ اللّه لسطَوات ونقمات،
وإنى لخائف عليكم أن تتابعوا(١) فى مطاوعة الشيطان حتى تُحِلَّكم مطاوعة
الشيطان ومعصية الرحمن دارَ الهوان من نتَقْ اللّه فى عاجل الأمر، والخزى (٢)
الدائم فى الآجل .
٢٩٢٠/١
فوثبوا عليه؛ فأخذوا (٣) برأسه ولحيته، فقال: مه"؛ إنّ هذه ليستبأرض
الكوفة ، والله لو رأى أهل الشأم ما صنعتم بى وأنا أمامهم ما ملكتُ أن
أنهاهم عنكم حتى يقتلوكم. فلعمرى إنّ صنيعكم ليشبه بعضه بعضًا، ثمّ
أقام من عندهم ، فقال: والله لا أدخل عليكم مدخلا ما بقيت.
ثم كتب إلى عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم ؛ لعبد الله عثمان أمير المؤمنين
من معاوية بن أبى سفيان ، أمّا بعد يا أميرَ المؤمنين، فإنك بعثت إلىّ أقوامًاً
يتكلّمون بألسنة الشياطين وما يُمْلون عليهم، ويأتون الناس -زعموا- من قِبَل
القرآن ، فيشبّهون على الناس ، وليس كلّ الناس يعلم ما يريدون ؛ وإنما
يريدون فُرْقة، ويقرّبون فتنة؛ قد أثقلهم الإسلام وأضجرهم ، وتمكّنت رُقَى
الشيطان من قلوبهم ، فقد أفسدوا كثيراً من الناس ممن كانوا بين ظهرانَيْهم
من أهل الكوفة ؛ ولست آمن إن أقاموا وسط أهل الشأم أن يغرّوهم بسخْرهم
وفجورهم؛ فارْدُدُهم إلى مصرهم ؛ فلتكنْ دارهم فى مصرهم الذى نجم فيه
نفاقهم ؛ والسلام .
فکتبإلیه عمان يأمره أن يردّ هم الىسعيد بن العاص بالكوفة،فرد هم إليه،
فلم يكونوا إلاّ أطلق ألسنتَةً منهم حين رجعوا .
٢٩٢١/١
وكتب سعيد إلى عثمان يضجّ منهم؛ فكتب عثمان إلى سعيد أن سيرهم إلى
عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ؛ وكان أميراً على حمص .
(٢) ف: والحزن)).
(١) النويرى: ((تتابعوا)).
(٣) ف وابن الأثير والنويرى: ((وأخذوا)).

٣٢٦
سنة ٣٣
وكتب إلى الأشتر وأصحابه: أمّا بعد؛ فإنى قد سيرتكم إلى حِمْص، فإذا
أتا كم كتابى هذا فاخرجوا إليها؛ فإنكم لستم تألون الإسلام وأهله شرًّا. والسلام.
فلما قرأ الأشتر الكتاب ، قال: اللهمّ أسوأنا نظراً للرعيّة وأعملنا فيهم
بالمعصية ؛ فعجٌل له النقمة .
فكتب بذلك سعيد إلى عثمان ، وسار الأشتر وأصحابه إلى حِمْص ؛
فأنزلهم عبد الرحمن بن خالد الساحل ، وأجرى عليهم رزقًا .
قال محمد بن عمر: حدثنى عيسى بن عبد الرحمن ، عن أبى إسحاق
الهمْدانىّ، قال : اجتمع نفر بالكوفة - يطعنون على عثمان - من أشراف أهل
العراق: مالك بن الحارث الأشتر، وثابت بن قيس الشَّخَعِىّ ، وكُميل بن
زياد النَّخَعَىّ، وزيد بن صُوحان العبدىّ، وجندب بن زهير الغامدىّ ،
وجندب بن كعب الأزدىّ، وعُروة بن الجَّعْد، وعمرو بن الحميق الخُزاعىّ.
فكتب سعيد بن العاص إلى عثمان يخبره بأمرهم، فكتب إليه أن سيرهم
إلى الشأم وألزمهم الدّروب .
٢٩٢٢/١
ذكر الخبر
عن تسيير عثمان مَنْ سيِّر من أهل البصرة إلى الشام
مما كتب به إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عطيّة، عن
يزيد الفَقْعسىّ ؛ قال : لما مضى من إمارة ابن عامر ثلاثُ سنين، بلغه
أن فى عبد القيس رجلاً نازلاً على حُكتيم بن جبلة، وكان ◌ُحكيم بن جبلة
رجلاً لصًّا، إذا قفل الجيوش خّس عنهم، فسعى فى أرض فارس، فيُغِير
على أهل الدّة ، ويتنكر لهم ، ويفسد فى الأرض ، ويصيب ما شاء ثم
يرجع . فشكاه أهل الذمّة وأهل القِبلة إلى عثمان. فكتب إلى عبد الله بن
عامر: أن احبسه ، ومَن كان مثله فلا يخرجنّ من البصرة حتى تأنسوا منه
رُشْدًا؛ فحبسه فكان لا يستطيع أن يخرُج منها . فلما قدم ابنُ السوداء
نزل عليه واجتمع إليه نفر فطرَح لهم ابنُ السوداء ولم يصرّح ، فقبلوا منه ،
واستعظموه ، وأرسل إليه ابنُ عامر ، فسأله : ما أنت ؟ فأخبره أنه رجل من

٣٢٧
سنة ٣٣
أهل الكتاب ، رغب فى الإسلام ، ورغب فى جوارك ؛ فقال : ما يبلغنى
ذلك ، اخرج عنى . فخرج حتى أتى الكوفة فأخرج منها فاستقرّ بمصر ،
وجعل يكاتبهم ويكاتبونه ، ويختلف (١) الرجال بينهم .
٢٩٢٣/١
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة، قالا :
إن حُمران بن أبان تزوّج امرأة فى عِدّتها، فنكّل به عثمان ، وفرّق بينهما ،
وسيّره إلى البصرة ، فلزم ابنَ عامر ؛ فتذاكروا يومًا الركوب والمرور بعامر
ابن عبد قيس - وكان منقبضًا عن الناس- فقال حُمران: ألا" أسبقكم فأخبره !
فخرج فدخل عليه وهو يقرأ فى المصحف ، فقال : الأمير أراد أن يمرّ
بك فأحببت أن أخبرك، فلم يقطع قراءته ولم يُقبل عليه ، فقام من عنده خارجًا.
فلما انتھی إلی الباب لقیه ابن عامر ، فقال : جنتك من عند امرئ لا يرى
لآل إبراهيم عليه فضلا ؛ واستأذن ابن عامر، فدخل عليه، وجلس إليه ،
فأطبق عامرٌ المصحف، وحدّثه ساعة، فقال له ابنُ عامر : ألا تغشانا ؟
فقال: سعد بن أبى العرجاء يحبّ الشرف، فقال: ألا نستعملك ؟ فقال: حصين
ابن أبى الحرّ يحب العمل، فقال: ألا نزوّجك! فقال: ربيعة بن عِسْل
يعجبه النساء ، قال : إن هذا يزعم أنك لا ترى لآل إبراهيم عليك فضلا ،
فتصفّح المصحف؛ فكان أوّل ما وقع عليه وافتتح منه: ﴿إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ
وَنُوحَاً وَآلَ إبْرَاهِيمَ وَآلَ عِزَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾(٢)، فلما رُدّ حُمران
تتبّع ذلك منه ، فسعى به ، وشهد له أقوام فسيّره إلى الشام، فلما علموا علمه
أذنوا له فأبى ولزم الشام .
٢٩٢٤/١
كتب إلىّ السرى، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، أنّ
عثمان سيتر حُمران بن أبان؛ أن تزوَّج امرأة فى عدّتها ، وفرق بينهما، وضربه
وسيّره إلى البصرة؛ فلما أتى عليه ما شاء الله، وأتاه عنه الذى يحبّ، أذن له .
فقدم عليه المدينة ، وقدم معه قوم سعَوْا بعامر بن عبد قيس ؛ أنه لا يرى
التزويج ، ولا يأكل اللحم ؛ ولا يشهد الجمعة - وكان مع عامر انقباض ؛
(١) ابن الأثير: ((وتختلف)).
(٢) سورة آل عمران ٣٣

٣٢٨
سنة ٣٣
٢٩٢٥/١
وكان عمله كله خُفية - فكتب إلى عبد الله بن عامر بذلك، فألحقه بمعاوية ؛
فلما قدم عليه وافقه وعنده ثَريدة (١) فأكل أكلاً غريباً ؛ فعرف أنّ
الرجل مكذوب عليه ، فقال : ياهذا ، هل تدرى فيمّ أُخرجت ؟ قال : لا ،
قال : أبلغَ الخليفة أنك لا تأكل اللحم، ورأيتُك وعرفت أن قد كُذب عليك،
وأنك لا ترى التزويج ، ولا تشهد الجمعة ، قال : أمّا الجمعة فإنى أشهدها
فى مؤخّر المسجد ثم أرجع فى أوائل الناس ؛ وأمّا التزويج فإنى خرجت وأنا
يُخْطَب علىّ؛ وأما اللحم فقد رأيتَ، ولكنى كنت امرأ لا آكل ذبائح القصّابين
منذ رأيت قَصَابًا يجرّ شاةً إلى مذبحها ، ثم وضع السكين على
مذبحها ، فما زال يقول : النَّفاق النَّفاق، حتى وجبت(٢). قال:
فارجع، قال: لا أرجع إلى بلد استحلّ أهله منّى ما استحلوا ولكنّ
أقيم بهذا البلد الذى اختاره الله لى . وكان يكون فى السواحل ؛ وكان يلقى
معاوية ، فيُكثر معاويةُ أن يقول : حاجتك ؟ فيقول : لا حاجة لى ؛ فلما
أكثر عليه، قال : تردّ علىّ من حَرّ البصرة لعلّ الصوم أن يشتدّ علىّ
شيئًا ، فإنه يخفّ علىّ فى بلادكم .
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن أبى حارثة وأبى عثمان ،
قالا : لما قدم مسيّرة أهل الكوفة على معاوية، أنزلهم دارًا ، ثم خلا بهم ، فقال
لهم وقالوا له، فلما فرغوا قال: لم تُؤْتَّوْا إلا من الحمْق، والله ما أرى منطقًا
سديداً ، ولا عذراً مبينًا، ولا حلمًا ولا قوّة؛ وإنّك يا صعصعة لأحمقهم ؛
اصنعوا وقولوا ما شئتم ما لم تتَدَعوا شيئًا من أمر الله؛ فإنّ كلّ شيء يحتمل
لكم إلا معصيته ، فأما فيما بيننا وبينكم فأنتم أمراء أنفسكم . فرآهم بعدُ وهم
يشهدون الصلاة ، ويقفون مع قاصّ الجماعة ، فدخل عليهم يومًا وبعضهم
يقرئ* بعضًا، فقال: إنّ فى هذا الخَلَفًا مما قد متم به علىّ من النزاع إلى
أمر الجاهلية ؛ اذهبوا حيث شئتم ، واعلموا أنكم إن لزمتم جماعتكم سعدتم بذلك
دونهم؛ وإن لم تلزموها شقيتم بذلك دونهم ؛ ولم تضرُّوا أحداً ، فجزَوْه خيراً ،
٢٩٢٦/١
(١) الثريدة : كسر الخبز المبلول بالماء .
(٢) وجبت، أى تم بيعها ونفد .

٣٢٩
سنة ٣٣
وأثنوا عليه ، فقال: يابن الكوّاء ، أىّ رجل أنا ؟ قال : بعيد الثرى ، كثير
المرعى، طيّب البديهة، بعيد الغَوْر، الغالب عليك الحلم ، ركن من أركان
الإسلام ، سُدّت بك فُرجة مخوفة. قال: فأخْبِرنى عن أهل الإحداث من
أهل الأمصار فإنك أعقل أصحابك ؛ قال : كاتبتهُم وكاتبونى ، وأنكرونى
وعرفتهم ؛ فأما أهلُ الإحداث من أهل المدينة فهم أحرصُ الأمّة على الشرّ ،
وأعجزه عنه. وأما أهلُ الإحداث من أهل الكوفة فإنّهم أنظر الناس فى صغير، وأركبه
الكبير. وأمّا أهلُ الإحداث من أهل البصرة، فإنهم يَرِدُون جميعًا، ويصدرُون
شتّى، وأما أهل الإحداث من أهل مصر فهم أوْقَى الناس بشرّ، وأسرعه ندامة؛
وأما أهل الإحداث من أهل الشأم فأطوع الناس لمرشدهم، وأعصاه لمغويهم .
٠
وحجّ بالناس فى هذه السنة عثمان .
وزعم أبو معشر أنّ فتح قُبرس كان فى هذه السنة، وقد ذكرت مّن
خالفه فى ذلك .

٢٩٢٧/١
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين
ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة
فزعم أبو معشر أن غزوة الصوارى كانت فيها ؛ حدّثنی بذلك أحمد ،
عمن حدثه، عن إسحاق ، عنه. وقد مضى الخبر عن هذه الغزوة وذكر
من خالف أبا معشر فى وقتها .
وفيها كان ردّ أهل الكوفة سعيد بن العاص عن الكوفة.
٠٠٠
[ ذكر خبر اجتماع المنحرفين على عثمان ]
وفى هذه السنة تكاتب المنحرفون عن عثمان بن عفان للاجتماع لمناظرته
فيما كانوا يذكرون أنهم نقموا عليه .
• دكر الخبر عن صفة اجتماعهم لذلك وخبر الجرعة :
مما كتب إلىّ به السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المستنير بن
يزيد، عن قيس بن يزيد النَّخَعِىّ ، قال : لما رجع معاوية المسيّرين،
قالوا: إنّ العراق والشأم ليسا لنا بدار ؛ فعليكم بالجزيرة. فأتوْها اختياراً .
فغدا عليهم عبد الرحمن بن خالد ، فسامهم الشدّة ، فضرِعوا له وتابعوه .
وسرّح الأشتر إلى عثمان ، فدعا به ، وقال : اذهب حيث شئت ، فقال :
ارجع إلى عبد الرحمن، فرجع. ووفد سعيد بن العاص إلىعمان فى سنة إحدى
عشرة من إمارة عثمان . وقبْل مخرج سعيد بن العاص من الكوفة بسنة وبعض
أُخرى بعث الأشعثَ بن قيس على أذْ رَبيجان، وسعيدَ بنِ قيس على الرّىّ ؛
وكان سعيد بن قيس على همذان ، فعُزُل وجعل عليها النَّسَير العجلىّ، وعلى
إصبهان السائب بن الأقرع ، وعلى ماهَ مالك بن حبيب اليربوعىّ ، وعلى
الموصيل حكيم بن سلامة الحِزامىّ، وجرير بن عبد الله على قَرْقِيسياء، وسلْمان
٢٩٢٨/١
٣٣٠

٣٣١
سنة ٣٤
ابن ربيعة على الباب ؛ وعلى الحرب القعقاع بن عمرو ، وعلى حُلوان عُشّيبة
ابن النّهاس؛ وختلت الكوفة من الرؤساء إلاّ منزوعًا أو مفتونا .
فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خَلْع عثمان ، فدخل المسجد ، فجلس
فيه، وثاب إليه الذين كان فيه ابن السوداء يكاتبهم ؛ فانقضّ عليه القعقاع ،
فأخذ يزيد بن قيس، فقال : إنما نستعفى من سعيد ، قال : هذا ما لا يعرّض
لكم فيه ، لا تجلس لهذا ولا يجتمعُنّ إليك ، واطلب حاجتك ، فلعمرى
لتُعطَينّها. فرجع إلى بيته واستأجر رجلاً، وأعطاه دراهم وبغلاً على أن يأتىّ
المسيَّرين . وكتب إليهم : لا تضعوا كتابى من أيديكم حتى تجيئوا ، فإنّ
أهل المصر قد جامعونا . فانطلق الرّجل، فأتى عليهم وقد رجع الأشتر ؛ فدفع
إليهم الكتاب ، فقالوا: ما اسمك ؟ قال: بُغْفُر؛ قالوا : ممن ؟ قال : من
كَلْب ، قالوا: سبُع ذليل يبغثِر النفوس ؛ لا حاجة لنا بك . وخالفهم
الأشتر ، ورجع عاصيًا ، فلما خرج قال أصحابه : أخرجنا أخرجه اللّه ؛
لانجد بدًّا مما صنع؛ إن علم بنا عبد الرحمن لم يصدّقنا ولم يستقلها، فاتبعوه
فلم يلحقوه ؛ وبلغ عبد الرحمن أنّهم قد رحلوا فطلبهم فى السواد، فسار الأشتر
سبعًا والقوم عشراً ، فلم يفجل الناس فى يوم جمعة إلاّ والأشتر على باب
المسجد يقول : أيّها الناس ؛ إنى قد جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان ،
وتركت سعيداً يريده على نقصان نسائكم إلى (١) مائة درهم . ورد" أهل
البلاء منكم إلى ألفين، ويقول: ما بالُ أشراف النساء؛ وهذه العلاوة بين هذين
العیدلین! ویزعم أنّ فيئكم بستان قریش ؛ وقد سایرته مرحلةً ، فما زال يرجز
بذلك حتى فارقته ؛ يقول :
٢٩٢٩/١
ويْلٌّ لِأَثْرافٍ النِّساءِ مِى صَمَحْمَحٌ كأنَّنِى مِن جِنِّ
فاستخفّ الناسَ، وجعل أهلُ الحِجى ينهوْنه فلا يُسمع منهم ،
وكانت نفْجة (٣)، فخرج يزيد، وأمر مناديًا ينادى: مَن شاء أن يلحق بيزيد"
(١) ابن الأثير والنويرى: ((على)).
(٢) الصمحمح من الرجال: الشديد المجتمع .
(٣) يريد بالنفجه هنا الضجيّة، انظر الفائق ٣: ١٢٠.

٣٣٢
.
٢٩٣٠/١
سنة ٣٤
ابن قيس لردَ سعيد وطلب أمير غيره فليفعل . وبقىَ حُلماء الناس وأشرافُهم
ووجوههُم فى المسجد ، وذهب مَن سواهم ، وعمرو بن حُرّيث يومئذ الخليفة ،
فصعِد المنبرَ فحمد الله وأثنى عليه، وقال: اذكروا نعمةَ اللّه عليكم إذ
كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً ، بعد أن كنتم على
شَفً حُفرة من النار فأنقذكم منها ، فلا تعودوا فى شرّ قُد استنقذكم الله
عزّ وجلّ منه . أبتَعْد الإسلام وهديه وسنّته لا تعرفون حقًّاً، ولا تصيبون
بابه! فقال القعقاع بنُ عمرو: أتردّ السيلَ عن عُبابه! فاردُد الفراتَ
عن أدراجه، هيهات! لا والله لا تُسكّن الغَوضَاءَ إلاَ المشرفّية (١) ويوشك
أن تُنْتضى، ثم يَعِجّون عجيجَ العِتْدان(٢) ويتمنّون ما هم فيه فلا يردّه
الله عليهم أبداً . فاصبر ؛ فقال : أصبر ، وتحوّل إلى منزله ، وخرج يزيد
ابن قیس حتی نزل الجرعة ، ومعه الأشتر، وقد كان سعید تَلبث فى الطريق،
فطلع عليهم سعيد وهم مقيمون له معسكرون ، فقالوا : لا حاجة لنا بك .
فقال : فما اختلفتم الآن ؛ إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلا
وتضعوا إلىّ رجلا. وهل يخرج الألف لهم عقولٌ إلى رجل! ثم انصرف
عنهم وتحسَّوْاً بمولّى له على بعير قد حُسِير، فقال: والله ما كان ينبغى لسعيد
أن يرجع. فضرب الأشترُ عنقه، ومضى سعيد حتى قَدِم على عثمانَ ،
فأخبره الخبر، فقال: ما يريدون؟ أخَلَعوا يداً من طاعة ؟ قال: أظهروا
أنهم يريدون البدل . قال : فمن يريدون ؟ قال: أبا موسى ؛ قال : قد أثبتّنا
أبا موسى عليهم، ووالله لا نجعل لأحد عُذراً، ولا نترك لهم حجّة، ولنّصبرن"
كما أمرنا حتى نَبلغ ما يريدون. ورجع من قرب عملُه من الكوفة، ورجع
٢٩٣١/١ جرير من قَرْقيسياء وعُتيبة من حُلْوان. وقام أبو موسى فتكلم بالكُوفة
فقال : أيّها الناس، لا تنفروا فى مثل هذا، ولا تعودوا لمثله، الزّموا جماعتكم
والطاعة؛ وإيَّاكم والعجلة، اصبروا، فكأنكم بأمير. قالوا: فصلّ بنا، قال لا، إلا
على السمع والطاعة لعثمان بن عفان ؛ قالوا : على السمع والطاعة لعثمان .
(١) المشرفية: ضرب من السيوف منسوب إلى مشارف، قرى قرب حوران من بلاد
الشام .
(٢) العقود : الجدى الذى استكرش، وقيل: الحيلى من أولاد المعز، وجمعه عتدان.

سنة ٣٤
٣٣٣
حدّثّنى جعفر بنُ عبد الله المحمدىّ، قال : حدّثنا عمرو بن حمّاد بن
طلحة وعلىّ بن حسين بن عيسى ، قالا : حدّثنا حسين بن عيسى ، عن
أبيه ، عن هارون بن سعد ، عن العلاء بن عبد الله بن زيد العنبرىّ ، أنّه
قال : اجتمع ناسٌ من المسلمين ، فتذاكروا أعمالَ عثمان وما صنع ، فاجتمع
رأيهم على أن يبعثوا إليه رجلاً يكلّمه ، ويخبره بإحداثه ، فأرسلوا إليه عامر
ابن عبد اللّه التميمىّ ثم العنبرىّ - وهو الذى يُدعى عامر بن عبد قيس -
فأتاه ، فدخل عليه ، فقال له : إنّ ناسًا من المسلمين اجتمعوا فنظروا فى
أعمالك، فوجدوك قد ركبتَ أموراً عظامًا، فاتّق الله عزّ وجلّ وتُب إليه،
وانزع عنها . قال له عثمان : انظر إلى هذا ، فإنّ الناس يزعمون أنه قارئ ،
ثم هو يجىء فيكلمنى فى المحقّرات، فوالله ما يدرى أين الله ! قال عامر : أنا
لا أدرى أين الله! قال: نعم، والله ما تدرى أين الله؛ قال عامر: بلى والله
إنّى لأدرِى أنّ اللّهَ بالمرصاد لك.
٢٩٣٢/١
فأرسل عثمان إلى معاوية بن أبى سُفيان ، وإلى عبد الله بن سعد بن
أبى سَرْح، وإلى سعيد بن العاص، وإلى عمرو بن العاص بن وائل السهمىّ،
وإلى عبد الله بن عامر؛ فجمعهم ليشاورَهم فى أمره وما طُلِب إليه، وما بلغه
عنهم ، فلما اجتمعوا عنده قال لهم: إنّ لكلّ امرئ وزراءَ ونُصَحاء،
وإنّكم وزرائى ونُصَحائى وأهل ثقتى، وقد صنع الناسُ ما قد رأيتم ، وطلبوا
إلىّ أن أعزل عمّالى، وأن أرجعَ عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبّون ، فاجتهدوا
رأيَكم ، وأشيروا علىّ .
فقال له عبدُ الله بنُ عامر : رأبى لك يا أمير المؤمنين أن تأمرهم يجهاد
يشغلهم عنك، وأن تُجمّرهم(١) فى المغازى حتى يذِلُّوا لك فلا يكون"
همّة أحدهم إلاّ نفسه، وما هو فيه من دَبَرَة دابته، وقَمْل فَرْوه. ثم
أقبل عثمانُ على سعيد بن العاص فقال له : ما رأيك ؟ قال : يا أمير المؤمنين ،
إن كنتَ ترى رأينا فاحسم عنك الدّاء، واقطع عنك الذی تخاف، واعمل
برأيي تُصِب؛ قال: وما هو ؟ قال: إنّ لكل قوم قادةً متى تَهِلِكْ يتفرّقوا،
(١) يقال: جمر الجيش؛ إذا حبسه فى أرض العدو ولم يقفله من الثغر.

٣٣٤
سنة ٣٤
ولا يجتمعْ لهم أمر ، فقال عثمان: إنّ هذا الرأىُ لولا ما فيه. تم أقبل معاوية
فقال: ما رأيك ؟ قال: أرى لك يا أميرَ المؤمنين أن تردّ عمّالك على الكفاية
لما قِبلهم ، وأنا ضامن لك قِبتَلى .
ثم أقبل على عبد الله بن سعد، فقال: ما رأيك؟ قال: أرى يا أميرَ المؤمنين
أنّ الناسَ أهل طَمَعَ، فأعطهم من هذا المال تعطفْ عليك
٢٩٣٣/١ قلوبهم . ثم أقبل على عمرو بن العاص فقال له: ما رأيك ؟ قال : أرى
أنك قد ركبتَ الناس بما يكرهون ؛ فاعتزم أن تعتدل ، فإن أبيتَ فاعتزمْ
أن تعتزل، فإن أبيْتَ فاعتزِمْ عزمًا، وامض قُدُمًا ؛ فقال عثمان: مَالَك
قَميل فَرْؤُك؟ أهذا الجدّ منك! فأسكتَ عنه دهراً ، حتى إذا تفرّق
القوم قال عمرو : لا والله يا أمير المؤمنين، لأنت أعزُّ علىّ من ذلك ، ولكن
قد علمتُ أن سيبلغ الناسَ قولُ كلّ رجل منا ، فأردتُ أن يبلغهم قولى
فيشَقوا بى، فأقودَ إليك خيراً، أو أدفعَ عنك شرًّا.
حدّثنى جعفر، قال : حدثنا عمرو بن حمّاد وعلىّ بنُ حسين ،
قالا : حدّثنا حسين ، عن أبيه ، عن عمرو بن أبى المقْدام ، عن عبدالملك
ابن ◌ُمير الزُّهرىّ ، أنه قال: جمع عمانُ أمراءَ الأجناد : معاوية بن
أبى سُفيان، وسعيد بن العاص، وعبدَاللّه بن عامر، وعبد الله بن سعد بن
أبى سَرْح، وعمرو بن العاص، فقال: أشيروا علىّ، فإنّ الناس قد تنمّروا
لى ، فقال له معاوية: أشيرُ عليك أن تأمر أمراءَ أجنادِك فيكفيَك كلّ
رجل منهم ما قبله ، وأكفيك أنا أهلَ الشأم؛ فقال له عبد الله بنُ عامر:
أرى لك أن تجمّرهم فى هذه البعوث حتى يهمّ كلّ رجل منهم دَبَرُ دابّته،
وتشغلهم عن الإرجاف بك ، فقال عبد اللّه بنُ سعد: أشير عليك أن تنظر
ما أسخَطهم فتُرضيَهم ، ثم تُخرج لهم هذا المال فيُقْسَم بينهم .
ثم قام عمرو بن العاص فقال : يا عمان ؛ إنك قد ركبتَ الناس بمثل
بنى أميّة، فقلتَ وقالوا، وزِغْتَ وزاغوا، فاعتدلْ أو اعتزِلْ، فإن أبَيْتَ
٢٩٣٤/١ فاعتزم عَزْمًا، وامضٍ قُدُمًا؛ فقال له عمان: مَالَكَ قَمِلِ فَرْوُك!
أهذا الجدّ منك! فأسْكَت عمرو حتى إذا تفرّقوا قال: لا والله يا أميرَ المؤمنين،
:

٣٣٥
سنة ٣٤
لأنت أكرمُ علىَّ من ذلك، ولكنى قد علمتُ أنّ بالباب قومًاً قد علموا
أنك جمعتنا لنُشير عليك، فأحببتُ أن يبلغهم قولى، فأقودَ لك خيراً ، أو أدفعَ
عنك شرًّا. فردّ عثمانُ عمّالَه على أعمالهم، وأمَرّهم بالتضييق على من قبلهم،
وأمرهم بتجمير الناس فى البُعوث ، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ،
ويحتاجوا إليه ، وردّ سعيدَ بن العاص أميراً على الكُوفة، فخرج أهلُ الكوفة
علیه بالسلاح ، فتلقَّوْه فردّوه ، وقالوا : لا والله لا یلی علینا حُكْمًا ما حملْنا
سيوفّنا .
حدّثنى جعفر، قال : حدثنا عمرو وعلىّ بنُ حسين ، عن أبيه ، عن
هارونَ بن سعد ، عن أبى يحيى عمير بن سعد النخعىّ ، أنه قال : كأنّ
أنظر إلى الأشتر مالك بن الحارث النَّخَعىّ على وجهه الغبار ، وهو متقلد
السيف ، وهو يقول : والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا - يعنى سعيداً ،
وذلك يوم الجَرَّعة، والجَرَعة مكانٌ مُشرف قُرْبَ القادسيّة - وهناك تلقاه
أهلُ الكوفة .
حدثنى جعفر ، قال : حدّثنا عمرو وعلىّ ، قالا : حدّثنا حسين ،
عن أبيه ، عن هارون بن سعد، عن عمرو بن مرّة الجَمَلىّ، عن أبى
البَخْتَرىّ الطائىّ، عن أبى ثَوْر الحدائى(١) - وحَدَاء حىّ من مُراد- أنه قال:
دفعتُ إلى حذيفةَ بنِ اليَمان وأبى مسعود عُقْبة بن عمرو الأنصارىّ وهما
فى مسجد الكوفة يومَ الجَرّعة، حيث صَنَعَ الناسُ بسعيد بن العاص
ما صنعوا، وأبو مسعود يُعظيم ذلك ، ويقول : ما أرى أن تُرَدّ على عقبيها
حتّى يكونَ فيها دماء ، فقال حذيفة: واللّ لتُرَدّنّ على عَقبيها ، ولا
يكون فيها محْجَمة من دم ، وما أعلم منها اليوم شيئًا إلاّ وقد علمتُه ومحمد
صلى الله عليه وسلم حىّ؛ وإنّ الرجل ليُصبح على الإسلام ثم يُمْسِى وما معه
منه شىء ، ثم يقاتل أهل القبلة ويقتله اللّه غداً، فينكص قلبُه، فتعلوه
اسْتُه. فقلت لأبى ثَوْر: فلعلّه قد كان، قال: لا والله ما كان . فلما رجع
٢٩٣٥/١
(١) ابن الأثير: ((الحدانى)).

٣٣٦
سنة ٣٤
سعيد بن العاص إلى عثمانَ مطروداً، أرسل أبا موسى أميراً على الكُوفة ،
فأقرُّوه عليها .
كتب إلىّ السرِىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن يحيى بن مسلم ،
عن واقد بن عبد الله، عن عبد الله بن مُمير الأشجَعَىّ ، قال: قام فى المسجد
فى الفتنة فقال: أيّها الناس، اسكُتُوا، فإنّى سمعتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه
وسلم يقول: ((من خرج وعلى الناس إمام - والله ما قال: عادل ـ ليَشُقّ
عصاهم، ويفرّق جماعتَهم، فاقتلوه كائنًا مَن كان )).
كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا :
لما استَعْوى (١)يزيدبن قيس الناسَ على سعيد بن العاص، خرج منه ذِكْرٌ
٢٩٣٦/١ لعثمان، فأقبَلَ إليه القَعْقاع بنُ عمرو حتى أخذه، فقال: ما تُريد ؟
ألك علينا فى أن نَستعفىَ سبيل؟ قال : لا، فهل إلاّ ذلك ؟ قال: لا ،
قال : فاستعفٍ. واستَجلَبَ يزيد أصحابه من حيث كانوا ، فردّوا سعيداً،
وطلبوا أبا موسى ، فكتب إليهم عثمان :
بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد، فقد أمَّرَتُ عليكم من اخترتم ،
وأعفَيْتكم من سعيد، والله لأفْرُشنكم(٢) عرْضى، ولأبذُلنّ لكم صبرى،
ولأستصلحنّكم بجهدى، فلا تَدَعوا شيئًا أحببتموه لا يُعصَّى الله فيه إلاّ
سألتموه، ولا شيئًا كرهتموه لا يُعصَى اللّه فيه إلاّ استعفيتم منه؛ أنزل فيه
عندما أحببتم ، حتى لا يكون لكم علىّ حجّة.
وكتب بمثل ذلك فى الأمصار ، فقدمت إمارة أبى موسى وغزو حُذيفة
وتأمّر أبو موسى ، ورجع العمَّال إلى أعمالهم ، ومضى حُذيفة إلى الباب .
وأما الواقدىّ فإنه زعم أن عبد الله بن محمد حدّثه، عن أبيه ، قال :
لما كانت سنة أربع وثلاثين كتب أصحابُ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
بعضُهم إلى بعض : أن اقدموا ، فإن كنتم تريدون الجهادَ فعندنا الجهاد .
وکثر(٣)الناسُ علی عثمان، ونالوا منه أقبح ما نیل من أحد، وأصحابُ رسول
(٢) ابن الأثير والنويرى: ((لأقرضنكم)).
(١) استحواهم: دعاهم إلى الفتنة .
٢٩٣٧/١
(٣) ابن الأثير والنويرى: ((وعظم)).

سنة ٣٤
٣٣٧
اللّه صلى الله عليه وسلم یترون ويسمعون ؛ ليس فيهم أحد ينهى ولا يذب
إلاّ نُفَيْر؛ [منهم] (١) زيد بن ثابت، وأبو أسَيْد الساعدىّ، وكعب بن
مالك ، وحسان بن ثابت . فاجتمع الناس ، وكلّموا علىّ بن أبى طالب.
فدخل على عثمان، فقال: الناس ورائى، وقد كلّمونى فيك، والله ما أدرى
ما أقولُ لك، وما أعرِف شيئًا تَجهلُه، ولا أدلّك على أمر لا تعرفه ؛ إنك
لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شىء فنُخبرَك عنه، ولا خلونا بشىء فنُبلغكَه،
وما خُصِصنا بأمر دونك(٢)، وقد رأيتَ وسمعتَ، وصحبتَ رسولَ اللّه صلى
اللّه عليه وسلم ونلتَ صهره ، وما ابن أبى قُحافة بأوْلى بعمل الحقّ منك،
ولا ابنُ الخَطَاب بأوْلى بشىء من الخير منك، وإنك أقربُ إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم رَحِمًا، ولقد نلتَ من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم
ما لم يَتالاً، ولا سَبَقاك إلى شىء. فاللّهَ اللّهَ فى نفسك، فإنك والله ما تُبْصَّر
من عِى، ولا تُعلَّمَ من جَهْل، وإنّ الطريق لواضح بيّن، وإنّ أعلامَ
الدّين لقائمة. تَعلَّمْ يا عثمانُ أنّ أفضل عبادِ اللّه عند الله إمامٌ عادل،
هُدِىَ وَهَدَى، فأقام سنّةً معلومة، وأمات بدْعةً متروكة(٣)، فوالله إنّ
كُلاًّ اسَبَيِّن، وإن السُّنَن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمةٌ لها أعلام،
وإن شرّ الناس عند الله إمامٌ جائر، ضَلَّ وضُلَّ به ، فأماتَ سنَّة معلومة،
وأحيا بدعةً متروكة، وإنّى سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( يؤتى
يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصيرٌ ولا عاذر (٤)، فيُلقَى فى جهنم،
فيدور فى جهنم كما تدور الرَّحَا، ثم يرتطم فى غمرةٍ جهنم)). وإنى أحذّرك
اللّه، وأحذّرك سطوَتَه ونقماته(٥)؛ فإنّ عذابه شديد أليم. وأحذّرك
أن تكون إمامَ هذه الأمة المقتول ، فإنه يقال: يُقتَل فى هذه الأمة إمام ،
فُفتَح عليها القتلُ والقتالُ إلى يوم القيامة، وتُلبَّسَ أمورُها عليها، ويتركهم
شِيَعًا، فلا يُبصرون الحقّ لعلوّ الباطل؛ يموجون فيها مَوْجًا، وَيَمْرَجون
فيها مَرَجًا .
٢٩٣٨/١
(١) من ابن الأثير والنويرى .
(٣) ابن كثير: ((معلومة)).
(٥) ابن كثير: ((ونقمته)).
(٢) ابن كثير: ((بأمور عنك)).
(٤) ابن كثير: ((حميم))

٣٣٨
سنة ٣٤
فقال عثمان: قد والله علمت، ليَقولُنّ الذى قلتَ، أما والله لو كنتَ
مكانى ما عنّفتك، ولا أسلَمْتك، ولا عبتُ عليك، ولا جئتُ مُنْكراً أن
وصلتَ رَحمًا ، وسدَدْتَ خَلّة، وآويتَ ضائعًا، وولّيْتَ شبيهاً بمن كان
◌ُمر يولَّى. أنشُدُك اللّهَ يا على"، هل تعلم أنّ المغيرة بنَ شُعْبة ليس هناك!
قال: نعم؛ قال : فتعلم أنّ عمر ولاه ؟ قال: نعم، قال: فلمَ تلومُنى
أن ولّيتُ ابنَ عامر فى رَحِمه وقرابته ؟ قال علىّ: سأخبرك، إنّ عمر
٢٩٣٩/١ ابنَ الخطاب كان كلُّمَن ولى فإنما يطأ على صياخه (١)، إن" بلغه عنه حرفٌ
جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية؛ وأنت لا تفعل، ضعفتَ ورفقتّ(٢) على أقربائك.
قال عثمان: هم أقرباؤك أيضًا. فقال علىّ: لَعَمرى إنّ رَحِمهم
منِّ لقريبة ، ولكنّ الفضلَ فى غيرهم؛ قال عثمان: هل تعلم أنّ عمرَ ولّى
معاويةَ خلافَتَه كلّها ؟ فقد ولّيتُه. فقال علىّ: أنْشُدك اللّه هل تعلم
أنّ معاوية كان أخَوفَ من عمرَ من يَرْفَأ غلام عمر منه؟ قال : نعم .
قال علىّ: فإنّ معاوية يقتطع الأمورَ دونَك وأنت تعلمها ، فيقول للناس:
هذا أمرعثمان ، فيبلغك ولا تغيّر على معاوية . ثم خرج علىّ من عنده ،
وخرج عثمانُ على أثره ، فجلس على المنبر ، فقال : أمَّا بعد، فإنّ لكلّ
شىء آفة، ولكلّ أمر عاهة، وإنّ آفة هذه الأمة، وعاهةَ هذه النعمة،
عَيّابون طعّانون، يُرونكم ما تحبّون ويُسرّون ما تكرهون؛ يقولون
لكم وتقولون ، أمثالُ النعام يتبعون أوّل ناعق ؛ أحبُّ مواردها إليها البعيد ،
لا يشربون إلاّ نَغَصًا ولا يَرِدون إلاّ عكراً، لا يقوم لهم رائد ، وقد أعيتهم
الأمور، وتعذّرت عليهم المكاسب . ألا فقد واللّه عبتم علىّ بما أقررتم لابن
الخطاب بمثله، ولكنّه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم (٣) بلسانه،
٢٩٤٠/١ فد نتم له على ما أحبيتم أو كرهتم ، ولنت لكم، وأوطأت لكم كتفى ، وكففت
،
يدى ولسانى عنكم، فاجترأتم علىّ. أمَّا والله لأنا أعزّ نفراً، وأقربُ ناصراً
(١) ابن كثير: ((صماخيه)).
(٢) النويرى: ((ورققت)).
(٣) ابن الأثير: ((وقهركم)).

٣٣٩
سنة ٣٤
وأكثرُ عدداً، وأقمن إن قلتُ هلمّ أُتِىَ إِلىّ؛ ولقد أعددتُ لكم أقرانكم،
وأفضلتُ عليكم فضولا، وكشَرَتُ لكم عن نانى، وأخرجتم منى خُلُقًا لم أكن
أحسنه، ومنطقاً لم أنطق به، فكُفتوا عليكم ألسنتكم، وطَعْنتكم وعيبكم على
وُلاتكم ، فإنىّ قد كففت عنكم مَنْ لوكان هو الذى يكلمكم لرضيتم منه
بدون منطقى هذا . ألا فما تفقِدون مِن حقكم ؟ واللّهِ ما قصّرت فى بلوغ
ما كان يبلغ مَن كان قبلى، ومَن لم تكونوا تختلفون عليه. فتَضَل فَضْلٌ من
مال ؛ فما لى لا أصنع فى الفَضْل ما أريد! فلمَ كنتُ إمامًاً !
فقام مروان ابن الحكم، فقال: إن شئّم حَكّمنا واللّهِ بيننا وبينكم السيف،
نحن والله وأنتم كما قال الشاعر :
فَرَشْنا لَكُمْ أَعْرَاضَنَا فَبَتْ بَكُمْ مَعَارسُكُمْ تَبْنونَ فِى دِمِنِ الثَّرَى
فقال عثمان: اسكت لاسكتّ، دعنى وأصحابى، ما منطقُك فى هذا! ٢٩٤١/١
ألم أتقدّم إليك ألاّ تنطق! فسكّت مروان ، ونزل عثمان .
وفى هذه السنة مات أبو عَبْس بن جبر بالمدينة ، وهو بدرىّ . ومات
أيضًا مِسْطح بن أثاثة ، وعاقل بن أبى البُكتير من بنى سعد بن ليث ، حليف
لبنى عدىّ ، وهما بدريّان .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عثمان بن عفان رضى الله عنه .

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
ذ کر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك نزول أهل مصرَ ذا خُشُب ، حدّتنى بذلك
أحمد بن ثابت ، عمن حد ثه ، عن إسحاق بن عيسى، عن أبى معشر ،
قال : كان ذو خُشُب سنةَ خمس وثلاثين ، وكذلك قال الواقدىّ .
ذ کر مسیر من سار إلی ذی خُشُب من أهل
مصرَ وسبب مسير مَنْ سار إلى ذى المروة من أهل العراق
٢٩٤٢/١
فيما كتب به إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عطية ، عن
يزيدَ الفَقْعسىّ، قال: كان عبد الله بن سَبَأْ يهوديًا من أهل صَنْعاء ،
أمّه سوداء، فأسلم زمان عثمان، ثم تنقّل فى بلدان المسلمين، يحاول ضلالتهم،
فبدأ بالحجاز ، ثم البصرة ، ثم الكوفة ، ثم الشأم ، فلم يقدر على ما يريد
عند أحد من أهل الشأم، فأخرجوه حتى أتى مصرَ ، فاعتّمر فيهم ، فقال
لهم فيما يقول: لَعجبٌ (١) من يزعم أنّ عيسى يرجع، ويكذّب بأنّ محمداً يرجع ،
وقد قال اللّه عزّ وجلّ: ﴿إِنَّالَّذِىِ فَرَضَ عَلَيْكَ القُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾(٢).
فمحمد أحقّ بالرجوع من عيسى . قال : فقبيل ذلك عنه، ووضع لهم الرّجعة،
فتكلموا فيها . ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبيّ، ولكلّ نبيّ وصىّ ،
وكان علىّ وصىّ محمد ؛ ثم قال: محمد خاتم الأنبياء، وعلىّ خاتمُ الأوصياء،
ثم قال بعد ذلك: من أظلمُ ممن لم يُجِز وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ووثب على وصىّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتناول أمرَ الأمّة! ثم قال
لهم بعد ذلك: إنّ عثمان أخذها بغير حقّ، وهذا وصىّ رسول اللّه صلى اللّه
(١) ب: ((تعجبت))، ابن الأثير والنويرى: ((العجب)). (٢) سورة القصص ٨٥ .
٣٤٠