Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ سنة ٣١ رأيه ؛ فذكر علىّ بن محمد أن مسلمة بن ◌ُمُحارب أخبره عن السَّكن بن قتادة العُرَيْنيّ، قال: فتح ابن عامر فارس" ورجع إلى البصرة ، واستعمل على إصطخر شريكَ بن الأعور الحارثيّ ، فبنى شريك مسجد إصطخر ، فدخل على ابنٍ عامر رجل من بني تميم، قال: كنّا نقول : إنه الأحنف - ويقال: أوْس بن جابر الجُشمىّ جُشَ تميم - فقال له: إنّ عدوّك منك هارب ؛ وهو لك هائب، والبلاد واسعة؛ فسرْ فإنّ اللّه ناصرك ، ومعزّ ديئه. ٢٨٨٥/١ فتجهّز ابن عامر ، وأمر الناس بالجهاز للمسير ، واستخلف على البصرة زياداً، وسار إلى كَرْمان ؛ ثم أخذ إلى خراسان ، فقوم يقولون : أخذ طريق إصبَهان ؛ ثم سار إلى خُراسان . قال علىّ: أخبرنا المفضّل الكَرْمانىّ، عن أبيه، قال : كان أشياخ كرمان یذ کرون أن ابنعامر نزل المعسکر بالسیرجان، ثم سار إلی خراسان، واستعمل على كَرْمان مجاشع بن مسعود السُّلَمىّ ، وأخذ ابن عامر على مفازة رابَر؛ وهى ثمانون فرسخًا، ثم سار إلى الطّبّسَين يريد أبْرَ شهر؛ وهى مدينة نيسابور، وعلى مقدمته الأحنف بنقيس ، فأخذ إلى قُهِستان ، وخرج إلى أَبْرَ شهر فلقيه الهياطلة ؛ وهم أهلُ هَراة ؛ فقاتلهم الأحنف فهزمهم ؛ ثم أتى ابن عامر نيسابور . قال علىّ: وأخبرنا أبو مختف، عن ثُمَير بن وَعْلة، عن الشعبىّ، قال: ٢٨٨٦/١ أخذ ابن عامر على مفازة خَبيص؛ ثم على خُواست - ويقال : على يَزْد - ثمّ على قُهِستان؛ فقدّم الأحنف فلقيه الهياطلة ، فقاتلهم فهزمهم ؛ ثم أتى أَبْرَشهر، فنزلهما ابنُ عامر ؛ وكان سعيد بن العاص فى جُند أهل الكوفة ، فأتى جُرجان وهو يريد خراسان ؛ فلمّا بلغه نزول ابن عامر أبْرَ شهر، رجع إلى الكوفة . قال علىّ: أخبرنا علىّ بن مجاهد، قال : نزل ابن عامر على أبْر شهر فغلب على نصفها عَنْوة ، وكان النّصف الآخر فى يد كنارى، ونصف نَساوطوس؛ فلم يقدر ابنُ عامر أن يجوز إلى مَرْو، فصالح كنارَى، فأعطاه ابنه أبا الصلت ابن كنارى وابن أخيه سليمًا رَهْنًا، ووجّه عبد الله بن خازم إلى هَراة ٣٠٢ سنة ٣١ وحاتم بن النعمان إلى مَرْو، فأخذ ابن عامر ابْنىْ كنارى ، فصارا إلى النعمان ٢٨٨٧/١ ابن الأفقم النَّصْرىّ فأعتقهما. قال على": وأخبرنا أبو حفص الأزديّ، عن إدريس بن حنظلة العمىّ ، قال: فتح ابن عامر مدينة أبْرَشهر عَنْوة؛ وفتح ما حولها طوس وبِيوَرْد ونَسا وحُمْران، وذلك سنة إحدى وثلاثين . قال على: أخبرنا أبو السّرىّ المروزىّ، عن أبيه، قال: سمعتُ موسى بن عبد الله بن خازم يقول: أبى صالح أهلَ سَرَخْس، بعثه إليهم عبد الله بن عامر من أبْرشهر وصالح ابن عامر أهل أبْرشهر صلْحًا ، فأعطوه جاريتين من آل كسرى بابونج وطهميج - أوطمهج - فأقبل بهما معه، وبعث أُمَيْن ابن أحمر اليَشكرىّ، ففتح ما حول أبرْشهر: طُوس وبِيوَرْد ونَسا وحُمران ، حتى انتهى إلى سَرَخْس . قال علىّ: وأخبرنا الصلت بن دينار ، عن ابن سيرين ، قال : بعث ابن عامر عبد الله بن خازم إلى سَرَخْس؛ ففتحها وأصاب ابن عامر جاريتيْن من آل كسرى ، فأعطى إحداهما التّوشجان ؛ وماتت بابونج !. قال علىّ: وأخبرنا أبو الذَّيال زُهير بن هُنَيَد العَدَوٍىّ، عن أشياخ من أهل خُراسان، أنّ ابن عامر سرّح الأسودَ بن كُلثوم العَدَوِىّ- عدىّ الرَّباب - إلى بَيْهق؛ وهو من أبرشهر ، بينها وبين مدينة أبرشهر ستة عشر فرسخًا ، ففتحها وقتل الأسود بن كلثوم . قال : وكان فاضلا فى دينه ، كان من أصحاب عامر بن عبد الله العنبرىّ وكان عامر يقول بعد ما أخرج من البصرة : ما آسى من العراق على شىء إلاّ على مماء الهواجر ، وتجاوب المؤذِّنين ، وإخوان مثل الأسود بن كلثوم. قال علىّ: وأخبرنا زهير بن هُنّيد ، عن بعض عمومته ، قال : غلب ابن عامر على نيسابور، وخرج إلى سَرَخْس، فأرسل إلى أهل مَرْو يتطلب ٢٨٨٨/١ ٣٠٣ سنة ٣١ الصّلح ؛ فبعث إليهم ابن عامر حاتم بن النعمان الباهلىّ ، فصالح براز مرزبان مَرْو على ألفىْ الف ومائتى ألف . قال : فأخبرنا مصعب بن حيّان عن أخيه مقاتل بن حيّان ، قال: صالحهم على ستة آلاف ألف ومائتى ألف . ٠٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة عثمان رضى الله عنه . ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ذكر ما كان فيها من الأحداث المذكورة ٢٨٨٩/١ فمن ذلك غزوة معاوية بن أبى سفيان المتضيق، مضيق القسطنطينية؛ ومعه زوجته عاتكة ابنة قرطة بن عبد عمروبن نوفل بن عبد مناف . وقيل : فاختة؛ حدٹی بذلك أحمد بنثابت،عمن ذكره،عن إسحاق، عن أبى معشر، وهو قول الواقدىّ . وفى هذه السنة استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على فَرْج بَلَنْجَر، وأمدّ الجيش الذى كان به مقيمًا مع حُذيفة بأهل الشام؛ عليهم حبيب بن مسلمة الفھریّ - فی قول سیف- فوقع فيها الاختلاف بين سلمان وحبيب فى الأمر ، وتنازع فى ذلك أهل الشأم وأهل الكوفة . • ذكر الخبر بذلك : فتّا كتب به إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة قالا : كتب عثمان إلى سعيد: أن أغْزِ سلمان الباب؛ وكتب إلى عبد الرحمن ابن ربيعة وهو على الباب : إنّ الرعيّة قد أبطر كثيراً منهم البطنة ، فقصِّر، ولا تقتحم بالمسلمين ؛ فإنى خاشٍ أن يُبتَلوا ، فلم يزجر ذلك عبد الرحمن عن غايته، وكان لا يقصّر عن بَلَنْجر ، فغزا سنة تسع من إمارة عثمان حتى إذا بلغ بلنْجر ؛ حصروها ونصبوا عليها المجانيق والعرّادات(١)، فجعل لا يدنو ٢٨٩٠/١ منها أحد إلا أعنتُوه أو قتلوه؛ فأسرعوا فى الناس؛ وقتِل مِعْضَد فى تلك الأيام . ثم إنّ الترك اتعدوا يومًا، فخرج أهلُ بَلنْجَر؛ وتوافت إليهم الترك فاقتتلوا ؛ فأصيب عبد الرحمن بن ربيعة - وكان يقال له ذو النور - وانهزم المسلمون فتفرّقوا ، فأمّا من آخذ طريق سلمان بن ربيعة فحماه حتى خرج (١) العرادة: من آلات الحرب، ترمى بالحجارة المرمى البعيد. ٣٠٤ ٣٠٥ سنة ٣٢ من الباب ، وأمّا مَن أخذ طريق الخَزر وبلادها، فإنه خرج على جيلان وجُرجان وفيهم سلمان الفارسىّ وأبو هريرة ، وأخذ القوم جسد عبد الرحمن فجعلوه فى سَقَطَ ، فبقىَ فى أيديهم ، فهم يستسقون به إلى اليوم ويستنصرون به . كتب إلىّ السرىُّ عن شعيب ، عن سيف ، عن داود بن يزيد ، عن الشعبىّ، قال: واللّه لَسلمانُ بن ربيعة كان أبصرّ بالمضارب من الجازر بمفاصل الجزور . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الغصن بن القاسم ، عن رجل من بنى كنانة ، قال : لما تتابعت الغزوات على الخزر ، وتذامروا وتعايروا وقالوا: كنّا أمة لا يُقرن(١) لنا أحد حتى جاءت هذه الأمة القليلة، فصرنا لا نقوم لها . فقال بعضهم لبعض: إنّ هؤلاء لا يموتون ؛ ولو كانوا يموتون لما اقتحموا علينا. وما أصيب فى غزواتها أحد إلاّ فى آخر غزوة ٢٨٩١/١ عبد الرحمن ، فقالوا : : أفلا تجرّبون ! فكمنوا فى الغياض ، فمرّ بأولئك الكمين مُرّار من الجند، فرموهم منها؛ فقتلوهم، فواعدوا رءوسهم، ثمّ تداعَوْا إلى حربهم؛ ثم اتَّعدوا يومًا؛ فاقتتلوا، فقتِل عبد الرحمن، وأسرع فى الناس فافترقوا فِرْقين ؛ فِرْق نحو الباب فحماهم سلمان حتى أخرجهم، وفِرْق أخذوا نحو الخزر ؛ فطلعوا على جيلان وجرجان ، فيهم سلمان الفارسىّ وأبو هريرة . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن المستنير بن يزيد ، عن أخيه قيس ، عن أبيه : قال كان يزيد بن معاوية وعلقمة بن قيس ومِعْضَد الشيبانىّ وأبو مفزّر التميمىّ فى خباء، وعمرو بن عتبة وخالد بن ربيعة والحلحال بن ذُرِّىّ والقَرْنَع فى خِباء، وكانوا متجاورين فى عسكر بَلَنْجَر؛ وكان القَرْنَع يقول : ما أحسن لمْع الدماء على الثياب ! وكان عمرو بن عتبة يقول لقباء عليه أبيض : ما أحسن حُمرة الدماء فى بياضك ! وغزا أهل الكوفة بَكَنْجر سنين من إمارة عثمان لم تشِمْ فيهنّ امرأة، ولم يَيْتم فيهنّ صبىّ من قَتْلٍ، حتى كان سنة تسع؛ فلما كان سنة تسع قبل ٢٨٩٢/١ (١) ابن حبيش: ((لا يقوم)). ٣٠٦ سنة ٣٢ المزاحفة بيومين رأى يزيد بن معاوية أنّ غزالا جىء به إلى خِبائه، لم ير غزالا أحسن منه حتى لُفّ فى ملحفته، ثم أتِىَ به قبر عليه أربعة نفرلم ير قبراً أشدّ استواء منه ولا أحسن منه ، حتى دفن فيه ؛ فلمّا تغادى الناس على الترك رُمى يزيد بحجر، فهشم رأسه، فكأنما زُيُّن ثوبه بالدماء زينة ، وليس يتلطّخ؛ فكان ذلك الغزال الذى رأى ، وكان بذلك الدم على ذلك القباء الحسن ، فلما كان قبل المزاحفة بيوم تغادْوا، فقال مِعْضَد لعلقمة: أعِرْنى بُرْدَك أعصُّب به رأسى ؛ ففعل، فأتى البُرْج الذى أصيب فيه يزيد ؛ فرماهم فقتل منهم ، ورُمى بحجر فى عرّادة ، ففضخ هامته ، واجبرّه أصحابُه فدفنوه إلى جنب يزيد، وأصاب عمرو بن عتبة جراحة ؛ فرأى قباءه كما اشتهى . وقتل؛ فلما كان يوم المزاحفة قاتل القَرَثَع حتى خُرَّق بالحراب ، فكأنما كان قباؤه ثوبًا أرضُه بيضاء ووشيُه أحمر، وما زال الناس ثبوتًا حتى أصيب ، وكانت هزيمة الناس مع مقتله . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن داود بن يزيد ، قال : كان يزيد بن معاوية النَّخعىّ رضى الله عنه وعمرو بن عتبة ومِعْضد ٢٨٩٣/١ أصيبوا يوم بَلَنجْر؛ فأمّا معْضد فإنه اعتجر ببُرد لعلقمة، فأتاه شظية من حجر منجنيق فأمّه ، فاستصغره ، ووضع يده عليه فمات فغسل دمه علقمة، فلم يخرج ؛ وكان يحضر فيه الجمعة، وقال يحرّضنى عليه: إنّ فيه دمَ مِعضد. فأما عمرو فلبس قباء أبيض، وقال : ما أحسن الدم على هذا ! فأتاه حجر فقتله ، وملأه دمًا ، وأما يزيد فدلّىَ عليه شىء فقتله ، وقد كانوا حفروا قبراً فأعدّوه ؛ فنظر إليه يزيد ، فقال : ما أحسنه ! وأرىَ فيما يرى النائم أنّ غزالاً لم يُر غزالٌ أحسنُ منه ، جىء به حتى دفن فيه ؛ فكان هو ذلك الغزال . وكان يزيد رقيقًا جميلاً رحمه الله ؛ وبلغ ذلك عثمان ، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! انتكث أهل الكوفة . اللهمّ تُبْ عليهم وأقْبِلْ بهم . كتب إلىّ السرىّ ، عن شُعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة ، قالا : استعمل سعيد على ذلك الفَرْج سلمان بن ربيعة ، واستعمل على الغَزْو ٣٠٧ سنة ٣٢ بأهل الكوفة حُذيفة بن اليمان ؛ وكان على ذلك الفَرْج قبل ذلك عبدالرحمن ابن ربيعة ؛ وأمدّهم عثمان فى سنة عشر بأهل الشأم ؛ عليهم حبيب بن مسلمة القرشىّ، فتأمّر عليه سلمان ، وأبى عليه حبيب ؛ حتى قال أهل الشأم : لقد هممنا بضرب سلمان ، فقال فى ذلك الناس : إذاً والله نضرب حبيبًا ونحبسه ؛ وإن أبيتم كثرت القتلى فيكم وفينا . وقال أوس بن مغراء فى ذلك : وإن تَرْحَلوا نَحْوَ أَبْنٍ عَفَّانَ نَرْحَلٍ إِن تَضْرِ بِواسَلْمانَ نَضْرِبْ حَيَكُمُ(١) وهذا أميرٌ فى الكَتَائِبِ مُقْبِلُ ٢٨٩٤/١ وإن تُقْسِطُوا فالثّغْرُ ثَغْرُ أميرنا وَنُ وَلاءُ الثَّغْرِ كُنَّا حُمَاتَهَ(٢) لَيَالِىَ نَرْمِى كُلَّ ◌َغْرٍ وُنُشْكِلُ فأراد حبيب أن يتأمّر على صاحب الباب كما كان يتأمرّ أمير الجيش إذا جاء من الكوفة؛ فلمّا أحسّ حذيفة أقرّ وأقرّوا ؛ فغزاها حذيفة ابن اليَمان ثلاث غزوات؛ فقتل عثمان فى الثالثة؛ ولقيتهم مقتل عثمان ، فقال : اللهم" العن قتلةعثمان وغُزاة عثمان وشناة عثمان. اللهمّ إنا كنّا نعاتبه ویعاتبنا، متى ما كان مَن قبله يعاتبنا ونعاتبه! فاتّخذوا ذلك سُلّمًّا إلى الفتنة ؛ اللهم لا تُمِتْهم إلاّ بالسيوف. ٠ وفى هذه السنة ماتَ عبدُ الرحمن بن عوف رضى الله عنه ؛ زعم الواقدىّ أنّ عبد الله بن جعفر حدّثّه بذلك عن يعقوب بن عُتْبة ؛ وأنه يوم مات كان ابنَ خمسٍ وسبعين سنة . قال : وفيها مات العباس بن عبد المطلب ؛ وهو يومئذ ابن ثمان وثمانين سنة؛ وكان أسنّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين. قال : وفيها مات عبد اللّه بن زيد بن عبد ربه رحمه اللّه؛ الذى أُرِىَ الأذان . (١) ابن كثير: ((وإن تضربوا)). (٢) ابن الأثير: ((ونحن ولاة الأمر)). 1 أ ٣٠٨ سنة ٣٢ قال : وفيها توفّىَ عبد الله بن مسعود بالمدينة ، فدفن بالبقيع رحمه الله فقال قائل : صلّى عليه عمّار ، وقال قائل : صلّى عليه عثمان . ٢٨٩٥/١ وفيها مات أبو طلحة رحمه الله . : ٠ ٠ [ ذكر الخبر عن وفاة أبى ذرّ] قال : وفيها مات أبو ذرّ رضى اللّه عنه فى رواية سيف. • ذكر الخبر عن وفاته : كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن عطيّة عن يزيد الفقعسىّ ، قال : لما حضرت أبا ذرّ الوفاة ؛ وذلك فى سنة ثمان فى ذى الحِجّة من إمارة عثمان ، نزل بأبى ذرّ؛ فلما أشرف قال لابنته : استشرِفى يابنيّة فانظرِى هل تريْن أحداً ! قالت : لا، قال : فما جاءت ساعتى بعدُ ؛ ثم أمرها فذبحت شاة ، ثم طبختها ، ثم قال : إذا جاءك الذين يدفنوننى فقولى لهم : إنّ أبا ذرّ يقسم عليكم ألاّ تركبوا حتى تأكلوا؛ فلمّاً نضجت قدرُها قال لها: انظرى هل ترين أحداً ؟ قالت : نعم ؛ هؤلاء ركْب مقبلون ، قال: استقبلى بى الكعبة. ففعلت ، وقال: بسم الله، وبالله، وعلى ملّة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم. ثم خرجت ابنته فتلقّتهم وقالت: رحمكم الله ! اشهدوا أبا ذرّ - قالوا : وأين هو ؟ فأشارت لهم إليه وقد مات - فادفنوه ، قالوا : نعم ونعمةَ عيْن! لقد أكرمنا الله بذلك؛ وإذا ركبٌ من أهل الكوفة فيهم ابن مسعود ، فمالوا إليه وابن مسعود يبكى ويقول : صدق رسولُ الله صلى اللّه عليه وسلم: ((يموت وحدَه، ويُبعث وحده))؛ فغسلوه وكفَّنوه وصدّوا عليه ودفنوه ، فلما أرادوا أن يرتحلوا قالت لهم: إنّ أبا ذرّ يقرأ عليكم السلام ، وأقسم عليكم ألا تركبوا حتى تأكلوا، ففعلوا، وحملوهم(١) حتى أقدموهم مكة، ٢٨٩٦/١ ونعوْه إلى عثمان، فضمَ ابنته إلى عياله، وقال: يرحمُ الله أبا ذرّ، ويغفر لرافع ابن خديج سكونه . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن القعقاع بن الصلت ، (١) ابن الأثير والنويرى: ((وحملوا أهله معهم)). ١ سنة ٣٢ ٣٠٩ عن رجل ، عن كُليب بن الخَلْحال ، عن الحلحال بن ◌ُذُرِّىّ ، قال : خرجنا مع ابن مسعود سنة إحدى وثلاثين ونحن أربعة عشر راكبًا حتى أتينا على الرَّبذة فإذا امرأة قد تلقّتنا، فقالت : اشهدوا أبا ذرّ ــ وما شعرنا بأمره ولا بلغنا- فقلنا: وأين أبو ذرّ ؟ فأشارت إلى خِباء، فقلنا : مَالَه ؟ قالت: فارق المدينة لأمر قد بلغه فيها ، ففارقها . قال ابن مسعود : ما دعاه إلى الإعراب ؟ فقالت : أما إن أمير المؤمنين قد كره ذلك ؛ ولكنه كان يقول : هى بَعَدٌ، وهى مدينة. فمال ابن مسعود إليه وهو يبكى، فغسلناه وكفّناه ؛ وإذا خباء منضوخ بمسْك، فقلنا للمرأة:ما هذا؟ فقالت: كانتمستكة، فلما حُضِر قال: إن الميّت يحضُرُه شهود يجدون الرِّيح؛ ولا يأكلون، فَدُوفى (١) تلك المسكة بماء ، ثم رشَى بها الخباء فاقرِيهم ريحها ، واطبخى هذا اللحم ؛ فإنه سيشهدنى قوم صالحون يلون دفْتى ، فاقْريهم؛ فلما دفنّاه دعتنا إلى الطعام فأكلنا ، وأردنا احتمالها، فقال ابن مسعود : أمير المؤمنين قريب ، نستأمره ؛ فقدمنا مكة فأخبرناه الخبر، فقال: يرحم الله أبا ذرّ، ويغفر له نزولَه الرَّبذة ! ولما صدّرَ خرج فأخذ طريق الرَّبَذة، فضمّ عياله إلى عياله ، وتوجّه نحو المدينة، وتوجهنا نحو العراق؛ وعد تنا : ابنمسعود وأبو مفزر التميمى، وبكر بن عبد الله التميمىّ، والأسود بن يزيد النَّخعىّ وعلقمة بن قيس الشَّخعى، والحلحال ٢٨٩٧/١ ابن ذرى الضبيّ والحارث بن سويد التميمىّ، وعمرو بن عتبة بن فرقد السُّلمىّ، وابن ربيعة السلمیّ، وأبو رافع المُزّنىّ، وسوید بن مثعبة التميمى ،وزیاد بن معاوية النخعىّ، وأخو القرئع الصبىّ ؛ وأخو مِعْضد الشيبانىّ. [فتح مروروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان] وفى سنة اثنتين وثلاثين فتح ابن عامر مَرْوروذ والطالقان والفارياب والجُوزَجان وطُخَارِستان . • ذكر الخبر عن ذلك : قال علىّ: أخبرنا سلمة بن عثمان وغيره ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن (١) دوفى: اخلطى . ٣١٠ سنة ٣٢ ابن سيرين ، قال : بعث ابنُ عامر الأحنفَ بن قيس إلى مَرْوروذ ، فحصر أهلها ، فخرجوا إليهم فقاتلوهم ، فهزمهم المسلمون حتى اضطروهم إلى حصنهم (١)، فأشرفوا عليهم ، فقالوا : يا معشرَ العرب ، ما كنتم عندنا كما نرى ؛ ولو علمنا أنتكم كما نرى لكانت لنا ولكم حال غير هذه ؛ فأمهلونا ننظرْ يومنا(٢)، وارجعوا إلى عسكركم (٣). فرجع الأحنف، فلما أصبح غاداهم(٤) وقد أعدُّوا له الحرب ؛ فخرج رجلٌ من العجم معه كتاب من المدينة، فقال: إنّى رسول فأمّنونى، فأمنوه، فإذا رسول من مرزبان مَرْو ٢٨٩٨/١ ابن أخيه وترجمانه، وإذا كتاب المرزُبان إلى الأحنف ، فقرأ الكتاب ؛ قال : فإذا هو: إلى أمير الجيش؛ إنا نحمد الله الذى بيده الدّوّل، يغيّر ما شاء من الملك ، ويرفع من شاء بعد الذّة، ويضع مَنْ شاء بعد الرفعة. إنه دعانى إلى مصالحتك وموادعتك ما كان من إسلام جدّى ، وما كان رأى مَنْ صاحَبُكم من الكرامة والمنزلة ؛ فمرحبًا بكم وأبشروا؛ وأنا أدعوكم إلى الصّلح فيما بينكم وبيننا؛ على أن أؤدّىَ إليكم خراجا(٥) ستين ألف درهم؛ وأن تُقرّوا بيدى ما كان ملك الملوك كسرى أقطع جدّ أبى (٦) حيث قتل الحيّة التى أكلت الناس، وقطعت السُّبل من الأَرضين (٧) والقُرى بما فيها من الرّجال، ولا تأخذوا من أحد من أهل بيتى شيئًا من الخراج ، ولا تخرج المرزبة (٨) من أهل بيتى إلى غيركم ، فإن جعلتَ ذلك لى خرجتُ إليك؛ وقد بعثت إليك ابنَ أخى ماهَك ليستوثق منك بما سألت (٩). قال: فكتب إليه الأحنف: بسم الله الرحمن الرحيم، من صَخْر بن قيس أمير الجيش إلى باذان مرزبان مَرْوروذ ومَن معه من الأساورة والأعاجم (١٠). سلام على من اتبع الهدى، وآمن واتّقى . أما بعد ؛ فإن ابن أخيك ماهَك (١) أبن حبيش: ((حصونهم)). (٢) ابن حبيش: ((فى أمرنا)). (٣) ف: ((عساكركم)). (٤) ب: ((عاد لهم)). (٦) ف: ((جدی» (٥) ابن حبيش: ((خراجنا)). (٧) أبن حبيش: ((الأرض)). (٨) ب، ف: ((المرازبة))، والمرزبة: الرياسة فى العجم، والمرزبان: الرئيس المقدم فيهم. (١٠) ب: ((والعجم)). (٩) ب: ((سألتك)). ٣١١ سنة ٣٢ ٢٨٩٩/١ قدم علىّ ، فنصح لك جهده ، وأبلغ عنك ؛ وقد عرضت ذلك على من معى من المسلمين، وأنا وهم فيما عليك سواء؛ وقد أجبناك إلى ما سألتَ وعرضت على أن تؤدّى عن أكترتيك وفلاّحيك والأرضين ستين ألف (١) درْهم إلىّ وإلى الوالى من بعدى من أمراء المسلمين؛ إلاّ ما كان من الأرضين التى ذكرت أنّ كسرى الظالم لنفسه أقطع جدّ أبيك لِمَا كان من قتله الحية التى أفسدت الأرض وقطعت السُّبْل. والأرضُ لله ولرسوله يُورثها مَن يشاء مِنْ عباده، وإنّ عليك نُصرة المسلمين وقتال عدوّهم بمن معك من الأساورة؛ إنْ أحبَّ المسلمون ذلك وأرادوه؛ وإنّ لك على ذلك نصرة(٢) المسلمين على من يقاتل من وراءك من أهل ملّتك، جارٍ لك بذلك منّى كتاب يكون لك بعدى ، ولا خراجَ عليك ولا على أحد من أهل بيتك من ذوى الأرحام ؛ وإن أنت أسلمت واتبعت الرسول كان لك من المسلمين العطاء والمنزلة والرزق وأنت أخوهم ؛ ولك بذلك ذمتى وذمة أبى وذم المسلمين وذم آبائهم . شهد على ما فى هذا الكتاب جزء ابن معاوية - أو معاوية بن جزء السعدىّ - وحمزة بن الهرْماس وحُميد بن ٢٩٠٠/١ الخيار المازنيّان، وعياض بن ورقاء الأسيدىّ. وكتب كَيْسان مولى بنى ثعلبة يوم الأحد من شهر اللّه المحرّم . وختم أمير الجيش الأحنف بن قيس . ونقش خاتم الأحنف: ((نعبد الله)). قال علىّ: أخبرنا مصعب بن حيّان، عن أخيه مقاتل بن حيان، قال: صالح ابنُ عامر أهلَ مَرْو، وبعث الأحنف فى أربعة آلاف إلى طُخارِستان فأقبل حتى نزل موضع قصر الأحنف من مرو رود، وجمع له أهلطُخَارِستان، وأهل الجوزجان والطالقان والفارياب ؛ فكانوا ثلاثة زحوف ، ثلاثين ألفاً. وأتى الأحنفَ خبرُهم وما جمعوا له، فاستشار الناس فاختلفوا؛ فبين قائل : نرجع إلى مرْو ، وقائل: نرجع إلى أبْرَ شهر، وقائلٍ : نقيم نستمدّ، وقائل: نلقاهم فنناجزهم. قال : فلما أمسى الأحنف خرج يمشى فى العسكر .. ويستمع حديثَ الناس ، فمرّ بأهل خيباء ررجل يوقد تحت خزيرة أو يعجن ؛ وهم يتحدّثون ویذ کرون العدوّ ؛ فقال بعضهم: الرأى للأمير(٣ أن یسیر إذا أصبح٣)؛حتى (١) ف: ((ستين ألفً)). (٢) ف وابن حبيش: ((نصر)). (٣-٣) ابن حبيش: ((إذا أصبح أن يسير)). ٣١٢ سنة ٢٢ بلفى القوم حيث لقيتهم (١) - فإنه أرعب لهم - فيناجزهم . فقال صاحبُ الخزيرة (٢) أو العجين: إن فعل ذلك فقد أخطأ وأخطأتم ؛ أتأمرونه أن يلقى ٢٩٠١/١ حدّ (٣) العدوّ مصحراً فى بلادهم، فيلقى جمعاً كثيراً بعدد قليل، فإن جالوا جولة اصطلمونا ! ولكنّ الرأى له أن ينزل بين المترغاب والجبل ، فيجعل المترغاب عن يمينه والجبل عن يساره ، فلا يلقاه من عدوّه وإن كثروا إلا عدد أصحابه . فرجع الأحنف وقد اعتقد ما قال ؛ فضرب عسكره ، وأقام فأرسل إليه أهل مَرْو يعرضون عليه أن يقاتلوا معه؛ فقال : إنّى أكره أن أستنصر بالمشركين ؛ فأقيموا على ما أعطيناكم ؛ وجعلنا بيننا وبينكم ؛ فإن ظفرنا فنحن على ما جعلنا لكم ؛ وإن ظفروا بنا وقاتلوكم فقاتلوا عن أنفسكم . قال : فوافق المسلمين صلاةُ العصر ؛ فعاجلهم المشركون فناهضوهم فقاتلوهم؛ وصبر الفريقان حتى أمسَوْا والأحنف يتمثّل بشعر ابن جُؤَيّةٌ الأعرجيّ : أَحَقُّ من لم يَكْرَهِ الَنِيَّةِ حَزْوَّرٌ ليست له ذُرِّيَهْ قال على": أخبرنا أبو الأشهب السعدىّ، عن أبيه، قال : لتى الأحنفُ أهلَ مَرْوروذ والطالقان والفارياب والجوزجان فى المسلمين ليلاً ، فقاتلهم ٢٩٠٢/١ حتى ذهب عامة الليل ، ثم هزمهم الله، فقتلهم المسلمون حتى انتهوا إلى رَسْكن-وهى على اثنى عشر فرسخً من قصر الأحنف- وكان مرْزُبان مَرْورود، قد تربّص بحمل ما كانوا صالحوه عليه ؛ لينظر ما يكون من أمرهم . قال: فلمّا ظفر الأحنف سرّح رجُلين إلى المرزُبان، وأمرهما ألاّ يكلّماه حتى يقبضاه (٤). ففعلا. فعلم أنهم لم يصنعوا ذاك به إلاّ وقد ظفروا ، فحمل ما كان عليه . قال علىّ: وأخبرنا المفضّل الضبىّ، عن أبيه ، قال: سار الأقرع بن حابس إلى الجوزجان ؛ بعثه الأحنف فى جريدة خيل إلى بقية كانت بقيت (١) ابن حبيش: ((حيث لاقيناهم)). (٢) الخزيرة: شبه عصيدة بلحم وبلا لحم. (٤) ف: ((يعنفاه))، ابن حبيش: ((يقنعاہ)). (٣) ف: (جند). ٣١٣ سنة ٣٢ من الزّحوف الذين هزمهم الأحنف ، فقاتلهم، فجال المسلمون جَوْلة، فقُتل فرسان من فرسانهم ؛ ثم أظفر اللّه المسلمين بهم فهزموهم وقتلوهم ، فقال كُفَيْرٌ النهشلىّ: مَصارعَ فِيَةَ بُلجوزَ جَانٍ(١) سَقَى مُن السحابِ إذا اسْتَهَلّتْ هُناكَ الأقرعانِ أقادَهُمُ إلى القصْرين من رُسْتَاقٍ خُوطٍ وهی طويلة [ ذكر صلح الأحنف مع أهل بَلخ ] وفى هذه السنة ، جرى صلح بين الأحنف وبين أهل بلغ . * ذكر الخبر بذلك : ٢٩٠٣/١ قال علىّ: أخبرنا زُهير بن الهُنَيَد، عن إياس بن المهلّب ، قال: سار الأحنف من مَرْوالرّوذ إلى بلْخ فحاصرهم ، فصالحه أهلها على أربعمائة ألف ، فرضىَ منهم بذلك (٢)، واستعمل ابن عمّه، وهو أسيد بن المتّشمّس ليأخذ منهم ما صالحوه عليه (٣)، ومضى إلى خارِزْم (٤)، فأقام حتى هجم عليه الشتاء ، فقال لأصحابه : ما ترون ؟ قال له حصين : قد قال لك عمرو بن معد يكرب ، قال : وما قال ؟ قال : قال : إذَا لِمْ تَسْتَطِعْ أمرًاً فَدَعْه(٥). وجاوزْهُ إلى ما تَستطيعُ قال: فأمر الأحنف بالرّحيل، ثمّ انصرف إلى بَلْخ، وقد قبض ابن عمّة ما صالحهم عليه ؛ وكان وافق وهو يجبيهم المهرجان، فأهدوا إليه هدايا من آنية الذهب والفضّة ودنانير ودراهم ومتاع وثياب، فقال ابنُ عمّ الأحنف: هذا ما صالحناكم عليه ؟ قالوا: لا؛ ولكن هذا شىء نصنعه فى هذا اليوم بمَن وليسَنا نستعطفه به ، قال : وما هذا اليوم؟ قالوا: المهرجان ، قال : ما أدرى ما هذا؟ وإنّ لأكره أن أردّه؛ ولعله من حقّى؛ ولكن (٦) أقبضه وأعزله (١) ياقوت ٣ : ١٦٧. (٣) ابن حبيش: ((صالحوا عليه)). (٥) ف وابن كثير: ((شيئاً)) . (٢) ابن حبيش: ((بذلك مهم)). (٤) ابن حبيش وابن الأثير: ((خوارزم) (٦) ف وابن حبيش: ((ولكنى)). ٣١٤ سنة ٣٢ ٢٩٠٤/١ حتى أنظر [فيه](١)؛ فقبضه، وقدم الأحنف فأخبره، فسألهم عنه، فقالوا [له](١)مثل ما قالوا لابن عمّه، فقال : آتِى به الأمير ؛ فحمله إلى ابن عامر ، فأخبره عنه ، فقال : اقبيضه يا أبا بحر ؛ فهو لك ؟ قال : لا حاجة لى فيه ، فقال ابنُ عامر: ضمه إليك يامسمار، قال: قال الحسن : فضمّه القرشىّ وكان مضَمَّاً . قال علىّ: وأخبرنا عمرو بن محمد المرّىّ ، عن أشياخ من بنى مرّة ، أنّ الأحنف استعمل علَى بلْخ بشر بن المتشمّس . قال علىّ: وأخبرنا صدقة بن حُميد، عن أبيه، قال: بعث ابنُ عامر - حين صالح أهلَ مَرْو، وصالح الأحنفُ أهلَ بَلْخ- خُلَيْدَ بن عبد الله الحنفىّ إلى هَراة وباذَغيس؛ فافتتحهما، ثم كفروا بعدُ فكانوا مع قارِنِ . قال على": وأخبرنا مسلمة ، عن داود، قال : ولما رجع الأحنفُ إلى ابنِ عامر قال الناسُ لابن عامر: ما فتح على أحد ما قد فتح علیك؛فارس وكَرمان وسجستان وعامّة خُراسان! قال : لا جَرَم ، لأجعلنّ شكرى لله على ذلك أن أخرج محرمًا معتمراً من موقفى هذا . فأحرم بعُمْرة من نيسابور؛ فلما قدم على عثمان لامه على إحرامه من خُراسان ، وقال : ليتك تضبط ذلك من الوقت الذى يحرم منه الناس ! قال علىّ: أخبرنا مسلمة، عن السكن بن قتادة العُرينىّ، قال: استخلف ٢٩٠٥/١ ابنُ عامر على خُراسان قيسَ بن الهيثم، وخرج ابنُ عامر منها فى سنة اثنتين وثلاثين . قال : فجمع قارن جمعًا كثيراً من ناحية الطَّبسين وأهل باذَغیس وهَرَاة وقُهستان، فأقبل فى أربعين ألفًا، فقال لعبد الله بن خازم: ما ترى ؟ قال : أُرَى أن تُخلِّىَ البلاد فإنى أميرها ؛ ومعى عهدٌ من ابن عامر؛ إذا كانت حرب بخُراسان فأنا أميرها - وأخرج كتابًا قد افتعله عمداً - فكره قيس مشاغبته ، وخلاّه والبلاد ؛ وأقبل إلى ابن عامر ، فلامه ابن عامر ، (١) من ف . ٣١٥ سنة ٣٢ وقال : تركتَ البلاد حربًاً(١) وأقبلت! قال: جاءنى بعهد منك . فقالت له أمّه : قد نهيتك أن تَدَعهما فى بلد، فإنه يشغَب عليه (٢) قال : فسار ابنُ خازم إلى قارِن فى أربعة آلاف، وأمر الناس فحملوا الودَك ؛ فلما قرب من عسكره أمرَ الناس، فقال: ليدرِجْ كلُّ رجل منكم على زُجّ رمحه ما كان معه من خِرْقة أو قطن أو صوف ؛ ثم أوسعوه من الوَدَّك من سمن أودهن أوزيت أو إهالة . ثم سار حتى إذا أمسى قدّم (٣) مقدّمته ستمائة، ثم اتبعهم ، وأمر الناس فأشعلوا النيران فى أطراف الرّماح،} وجعل يقتبس بعضهم من بعض . قال : وانتهت مقدّمته إلى عسكر قارن ، فأتوهم نصفَ الليل ؛ ولهم حرس ، فناوشوهم ، وهاج الناس على دهش ، وكانوا آمنين فى أنفسهم من البيات ، ودنا ابنُ خازم منهم ، فرأوا النيران يمنة ويَسرة، وتتقدّم وتتأخرّ، وتتخفض (٤) وترتفع؛ فلا يرون أحداً . فهالهم ٢٩٠٦/١ ذلك، ومقدّمة ابن خازم يقاتلونهم ؛ ثم غشيتهم ابنُ خازم بالمسلمين ، فقتل قارن ، وانهزم العدوّ فأتبعوهم يقتلونهم كيف شاءوا، وأصابوا سبياً كثيراً ؛ فزعم شيخ من بني تميم ، قال : كانت أمّ الصلت بنحُريث من سَبْى قَارن، وأمّ زياد بن الربيع منهم، وأمّ عون أبى عبد الله بن عون الفقيه منهم . قال علىّ : حدّثنا مسلمة ، قال : أخذ ابن خازم عسكر قارن بما كان فيه ، وكتب بالفتح إلى ابن عامر ؛ فرضىَ وأقرّه على خراسان ، فلَبث عليها حتى انقضى أمرُ الجمل ، فأقبل إلى البَصْرة ، فشهد وقعةَ ابن الحضرىّ ، و کان معه فى دار سبیل . قال علىّ: وأخبرنا الحسن بن رشيد، عن سليمان بن كثير [العمىّ] الخزاعىّ، قال : جمع قارن للمسلمين جمعًا كثيراً (٥)، فضاق المسلمون بأمرهم، فقال قيس (١) ف وابن الأثير والنويرى: ((خراباً)). (٢) ابن حيبش: ((عليك)). (٣) ب: ((أسى وقدم))، ابن الأثير والنويرى: ((أمسى فقدم)). (٤) ابن حييش والنويرى: ((وتنخفض)). (٥) ب: ((كبيراً)). ٣١٦ سنة ٣٢ ابن الهيثم لعبد الله بن خازم : ما ترى ؟ قال: أرى أنك لا تطيق كثرة من قد أتانا ، فاخرج بنفسك إلى ابن عامر فتخبره(١) بكثرة من قد جمعوا لنا ، ونقيم نحن فى هذه الحصون ونطاولهم حتى تقدم ويأتينا مدد كم . قال : فخرج قيس بن الهيثم ، فلما أمعن أظهر ابن خازم عهداً ، وقال : قد ولا نى ابنُ عامر خراسان ؛ فسار إلى قارن ، فظفر به ، وكتب بالفتح إلى ابن عامر ، فأقرّه ابنُ عامر على خُراسان ؛ فلم يزل أهل البصرة يغزُون من لم يكن صالح من أهل خراسان ، فإذا رجعوا خلفوا أربعة آلاف للعقبة ، فكانوا على ذلك حتى كانت الفتنة . مو۔ (١) ب: ((فأخبره)). ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ففيها كانت غزوة معاوية حِصْن المرأة من أرض الرّوم من ناحية مَلَطْية فى قول الواقدى . ٢٩٠٧/١ وفيها كانت غزوة عبد الله بن سعد بن أبى سرْح إفريقية (١) الثانية (٢) حين نقض أهلها العهد . وفيها قدّم عبد الله بن عامر الأحنف بن قيس إلى خراسان وقد انتقض أهلُها ، ففتح المَرْوَيْن: سَرْ والشاهجان صلحًا، وصَرْوالرّوذ بعد قتال شديد ، وتبيعه عبد الله بن عامر، فنزل أبْرشَهْر ، ففتحها صلحاً فى قول الواقدىّ . وأمّا أبو معشر فإنه قال - فيما حدثنى أحمد بن ثابت الرازىّ، عمّن حدّثه ، عن إسحاق بن عيسى ، عنه ، قال : كانت قبرُس سنة ثلاث وثلاثين، وقد ذكرنا قول مَنْ خالفه فى ذلك، والخبرَ عن قُبْرس. وفيها : كان تسيير عثمان بن عفان مَنْ سيِّر من أهل العراق إلى الشأم. ذ کر تسمیر من سير من أهل الكوفة إليها اختلف أهلُ السير فى ذلك، فأما سيف فإنّه ذکر فما كتب به إلى السرىّ عن شعيب عنه ، عن محمد وطلحة ، قالا : كان سعيد بن العاص لا يغشاه إلاّ نازلة أهل الكوفة ووجوه أهل الأيام وأهل القادسيّة وقرّاء أهل البصرة (٣) والمتسمَّتُون، وكان هؤلاء دَخْلته إذا خلا، فأما إذا جلس للناس ١ /٢٩٠٨ (١) ف: ((إلى أفريقية)). (٣) ابن الأثير: ((الكوفة)). (٢) ف: ((المرة الثانية)). ٣١٨ سنة ٣٣ فإنه يدخل عليه كلّ أحد، فجلس للناس يومًا، فدخلوا عليه ؛ فبيناهم(١) جلوس يتحدّثون قال خُنَيس بن فلان(٢): ما أجود طلحة بن عبيد الله ! فقال سعيد ابن العاص: إنّ من له مثل النّشاسْتَج (٣) لحقيق أن يكون جواداً ؛ والله لو أنّ لى مثله لأعاشكم اللّه عيشًا رغداً. فقال عبد الرحمن بن خُنّيس ... وهو حدث: والله لوددتُ أنّ هذا المِلْطاط لك - يعنى ما كان لآل كسرى على جانب الفرات الذى يلِى الكوفة - قالوا: فضّ اللّه فاك! والله لقد هممنا بك ، فقال: خُنيس غلام فلا تجازوه (٤) ، فقالوا : يتمنى له من سوادنا ! قال : ويتمنّى لكم أضعافه ، قالوا : لا يتمنى لنا ولا له، قال : ما هذا بكم ! قالوا : أنت واللّه أمرتَه بها، فثار إليه الأشتر وابن ذى الحبكة وجندب وصَعْصعة وابن الكوّاء وكُميل بن زياد وعُمير بن ضائى ؛ فأخذوه فذهب أبوه يمنع منه فضربوهما حتى غُشِى عليهما ، وجعل سعيد يناشدهم ويأبوْن ، حتى قضوا منهما وطَرًا ، فسمعت بذلك بنو أسد ، فجاءوا وفيهم طليحة فأحاطوا بالقَصْر، وركبت القبائل ، فعاذوا بسعيد ، وقالوا : أفلتنا وخلّصنا . فخرج سعيد إلى الناس، فقال: أيّها الناس ، قوم تنازعوا وتهاووا ، وقد ٢٩٠٩/١ رزق الله العافية. ثم قعدوا وعادوا فى حديثهم، وتراجعوا فساءهم ورد هم، وأفاق الرّجلان ؛ فقال: أبكما حياة ؟ قالا: قتلتْنا غاشيتك، قال : لا يغشونى واللّه أبداً، فاحفظا علىّ ألسنتكما ولا تجرّئا على الناس. ففعلا. ولما انقطع رجاء أولئك النفر من ذلك قعدوا فى بيوتهم، وأقبلوا على الإذاعة حتى لامه أهل الكوفة فى أمرهم ؛ فقال : هذا أميركم وقد نهانى أن أحرّك شيئًا ، فمن أراد منكم أن يحرّك شيئًا فليحرّ كه . فكتب أشراف أهل الكوفة وصلحاؤهم إلى عثمان فى إخراجهم ، فكتب : إذا اجتمع ملؤكم على ذلك فألحقوهم بمعاوية . فأخرجوهم، فذلّوا وانقادوا حتى أتوْه ـ وهم بضعة عشر- فكتبوا بذلك إلى عثمان، وكتب عثمان إلى معاوية: إنّ أهل الكوفة قد أخرجوا إليك نفرًاً خُلِقِوا للفتنة، فرُعْهم وقُمْ عليهم ؛ (١) ف والنويرى: ((فبينما)). (٢) هو خنيس بن حبيش . (٣) النشاستج: ضيعة بالكوفة كانت لطلحة بن عبيد الله التيمى؛ وكانت عظيمة الدخل، اشتراها من أهل الكوفة المقيمين بالحجاز بمال كان له بخيبر ، وعمرها، فعظم دخلها . ياقوت ٨: ٢٨٨. (٤) ف: ((تحاوروه)). ٣١٩ سنة ٣٣ فإن آنست منهم رَشَداً فاقبل منهم ؛ وإن أعيَّوْك فاردُ دْهم عليهم. فلما قدموا على معاوية رحّب بهم وأنزلهم كنيسة تسمتى مريم ، وأجرى عليهم بأمر عثمان ما كان يجرى عليهم بالعراق ، وجعل لا يزال يتغدّى ويتعشّ معهم ، فقال لهم يومًا : إنكم قوم من العرب لكم أسنان وألسنة ، وقد أدركتم بالإسلام شرفًا وغلبتم الأمم وحويتم مراتبتهم ومواريثهم(١)، وقد بلغنى أنكم نقمتم قريشاً؛ ٢٩١٠/١ وإن قريشًا لو لم تكن عدتم أذلّةً كما كنتم، إنّ أمتكم لكم إلى اليوم جُنّة فلا تَشِذُوا (٢) عن جُنتكم؛ وإنّ أئمتكم اليوم يصبرون لكم على الجَوْر (٣)، ويحتملون منكم المؤونة؛ والله لتنتهُنّ أو ليبتلينكم الله بمن يسومكم؛ ثم لا محمد كم على الصبر، ثمّ تكونون شركاء لهم فيما جررتم على الرعيّة فى حياتكم وبعد موتكم . فقال رجل من القوم : أمّا ما ذكرت من قريش فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها فى الجاهلية فتُخوّفَنا، وأما ما ذكرت من الجُنّة فإنّ الجُنّة إذا اخترِقِتْ (٤) خُلِص إلينا . فقال معاوية: عرفتكم الآن، علمتُ أنّ الذى أغراكم على هذا قلّة العقول، وأنت خطيب القوم، ولا أرى لك عقلاً، أُعْظيم عليك أمر الإسلام، وأذكرك به ، وتذ کرنی الجاهلية ! وقد وعظتُك. وتزعم لما يحنُّك أنه يُخترق،ولا ينسب ما يخترق إلى الجُنّة؛ أخزى الله أقوامًا أعظموا أمركم ، ورفعوا إلى خليفتكم ! افقهوا - ولا أظنكم تفقهون - أنّ قريشًا لم تُعَزّ فى جاهلية ولا إسلام إلاّ بالله عزّ وجلّ، لم تكن بأكثر العرب ولا أشدّهم؛ ولكنهم كانوا أكرمتهم أحسابًا، وأمحضهم أنسابًا ، وأعظمهم أخطاراً ؛ وأكملهم مروءة ، ولم يمتنعوا فى الجاهلية والناس يأكل بعضهم بعضًا إلاّ بالله الذى لا يُستذّل مَنْ أعزّ، ولا يوضَع ٢٩١١/١ مَنْ رفع ؛ فبوأهم حرمًا آمنا يُتَخطّف الناس من حَوْلهم! هل تعرفون عربًا أو عجمًا أو سوداً أو حمراً إلاّ قد أصابه الدهر فى بلده وحرمته بد ولة ؛ إلاّ ما كان من قريش ؛ فإنه لم يردْهم أحدٌ من الناس بكيد إلاّ جعل الله (١) ف: ((وحزتم مواريتهم)) (٣) ف: ((الحق)). (٢) ط: ((تسدوا)). (٤) ب: ((احترقت)). ٣٢٠ سنة ٣٣ خدّه (١) الأسفل، حتى أراد الله أن يتنقّذ (٢) من أكرم واتّبع دينه من هوانِ الدّنيا (٣) وسوء مسَردّ الآخرة، فارتضى لذلك خير خلقه، ثم ارتضى له أصحابًا فكان خيارُهم قريشًا ، ثم بنى هذا الملك عليهم ، وجعل هذه الخلافة فيهم ؛ ولا يصلح ذلك إلاّ عليهم ؛ فكان اللّه يحوطهم فى الجاهلية وهم على كفرهم بالله؛ أفتراه لا يحوطهم وهم على دينه وقد حاطهم فى الجاهلية من الملوك الذين كانوا يدينونكم! أف لك ولأصحابك! ولو أنّ متكلماً غيرَك تكلّ؛ ولكنك ابتدأت. فأمّا أنت يا صعصعة فإن قَرْ يتاك شرّ قُرَّى عربيّة؛ أنتنُها نبتًا، وأعمقها وادياً، وأعرفها بالشرّ، وألأمها جيرانًا، لم يسكنها شريف قطّ ولا وضيع إلاّ سُبّ بها ؛ وكانت عليه هُجنة ، ثم كانوا ٢٩١٢/١ أقبح العرب ألقابًا، وألأمه أصهاراً، نزّاع الأمم (٤)؛ وأنتم جيران الخَطّ وفَعملة فارس ، حتى أصابتكم دعوة النبيّ صلّى الله عليه وسلم ونكبتك دعوته ؛ وأنت نزِيع شَطِير (٥) فى عُمان، لم تسكن البَحْرين فتشركتهم فى دعوة النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأنت شرّ قومك، حتى إذا أبرزك الإسلام ، وخلَطك بالناس ، وحملات على الأمم التى كانت عليك ؛ أقبلتَ تبغى دين اللّه عِوَجا؛ وتنزع إلى اللآمة(٦) والذلّة. ولا يضع ذلك قريشًا، ولن يضرّهم، ولن يمنعهم من تأدية ما عليهم ؛ إنّ الشيطان عنكم غير غافل ، قد عرفكم بالشرّ من بين أمّتكم، فأغرى بكم الناس ؛ وهو صارعكم (٧) . لقد علم أنه لا يستطيع أن يردّ بكم قضاءً قضاه الله، ولا أمرًا أراده الله، ولا تدركون بالشرّ أمراً أبداً إلا فتح الله عليكم شرًّاً منه وأخزى . ثم قام وتركهم ؛ فتذامروا . فتقاصرت إليهم أنفسهم ، فلمّا كان بعد ذلك أتاهم فقال : إنى قد أذنت لكم فاذهبوا حيث شئتم؛ لا والله لا ينفع اللّه بكم أحداً ولا يضرّه ؛ ولا أنتم برجال منفعة ولا مضرّة ؛ ولكنكم رجال نكير . وبعد، فإنْ أردتم النجاة فالزموا جماعتكم؛ وليسعكم ماوسع الدَّهْماء، ولا يبطرنتكم الإنعام ؛ فإن البطر لا يعترى الخيار؛ اذهبوا حيث شئتم ، فإنى كاتب إلى أمير المؤمنين فيكم . (١) ف: ((كيده)). (٣) ف: ((الناس)). (٢) ابن الأثير: ((يستنقذ)) .. (٤) النزاع: جمع نزيع ؛ وهو الغريب. (٥) الشطير: الغريب أيضاً. (٦) اللآمة: مصدر لؤم. (٧) ف: ((صادعكم)).