Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ سنة ٢٢ عمر وبعض أخرى . وكتب عمر بن سراقة وهو يومئذ على البصرة إلى عمر ابن الخطاب يذكر له كثرة أهل البصرة ، وعجز خراجهم عنهم ؛ ويسأله أن يزيدهم أحد الماهيْن أو ما سَبَذان . وبلغ ذلك أهل الكوفة ، فقالوا لعمّار: اكتبْ لنا إلى عمر أنّ رامتهُرمز وإيذَج لنا دونهم ، لم يعينونا عليهما بشىء ؛ ولم يلحقوا بنا حتى افتتحناهما ، فقال عمّار : مالى ولما هاهنا ! فقال له عطارد : فعلامَ تدعُ فيئنًا أيها العبد الأجدع! فقال: لقد سبَبْتَ أحبّ أذنىّ إلىّ . ولم يكتب فى ذلك فأبغضوه ؛ ولما أبى أهل الكوفة إلاّ الخصومة فيهما لأهل البصرة شهد لهم أقوام على أبى موسى ؛ أنه قد كان آمن أهلَ رَامَهُرمز وإِيذَج؛ وأنّ أهل الكوفة والنعمان راسلوهم وهم فى ٢٦٧٣/١ أمان . فأجاز لهم عمر ذلك ، وأجراها لأهل البصرة بشهادة الشهود . وادّعى أهل البصرة فى إصبهان قريات افتتحها أبو موسى دون جىّ ، أيام أمدّهم بهم عمر إلى عبد الله بن عبد الله بن عتبان ، فقال أهل الكوفة: أتيتمونا مدداً وقد افتتحنا البلاد، فآسيناكم فى المغانم، والذّمة ذمتنا ، والأرض أرضُنا؛ فقال عمر: صدقوا. ثمّ إنّ أهل الأيّام وأهل القادسيّة من أهل البصرة أخذوا فى أمر آخر حتى قالوا : فليعطونا نصيبنا مما نحن شركائهم فيه من سواد هم وحواشيه . فقال لهم عمر : أترضوْن بماه ؟ وقال لأهل الكوفة : أترضون أن نعطيتهم من ذلك أحد الماهَيْن ؟ فقالوا : ما رأيتَ أنه ينبغى فاعمل به ، فأعطاهم ماةَ دينار بنصيبهم لمن كان شهد الأيام والقادسيّة منهم إلى ستواد البصرة ومِهْرَجَانْقَذَق، وكان ذلك لمن شهد الأيّام والقادسيّة من أهل البصرة . ولما ولىَ معاوية بن أبى سفيان - وكان معاوية هو الذى جنّد قنَّسرين من رافضة العراقين أيام علىّ، وإنما كانت قِنَّسْرين رُستاقً من رَساتيق حِمْص حتّى مصّرها معاوية وجنّدها بمن ترك الكوفة والبصرة فى ذلك الزمان ، وأخذ لهم معاوية بنصيبهم من فتوح العراق أذْرَبِيجان والموصل والباب ، فضمتها فيما ضمّ، وكان أهل الجزيرة والموصل يومئذ ناقلة(١) رُميتا بكلّ من كان ترك هجرته من أهل البلدين ؛ وكانت الباب وأذربيجان والجزيرة ٢٦٧٤/١ (١) س وابن الأثير: ((نافلة)). والناقلة من الناس: خلاف القطان. ١٦٢ سنة ٢٢ والموصل من فتوح أهل الكوفة - نقل ذلك إلى من انتقل منهم إلى الشام أزمانَ علىّ؛ وإلى مَن رُمِيت به الجزيرة والموصل ممن كان ترك هجرته أيام علىّ ، وكفر أهل أرمينية زمانَ معاوية؛ وقد أمّر حبيب بن مسلمة على الباب - وحبيب يومئذ بجُرزان - وكاتبَ أهل تَفْلِيس وتلك الجبال؛ ثم ناجزهم ؛ حتى استجابوا واعتقدوا من حبيب. وكتب (١) بينه وبينهم كتاباً بعد ما كاتبهم : بسم الله الرحمن الرحيم . من حَبيب بن مسلمة إلى أهل (٢) تَفْلِيس من جُرْزَان أرض الهُرْمز. سِلْ (٣) أنتم؛ فإنى أحمد الله إليكم الذى لا إله إلاّ هو ؛ فإنه قد قدم علينا رسولكم تغلى ، فبلَّغ عنكم ، وأدّى الذى بعثّم . وذكر تغلى عنكم أنّا لم نكن أمّة فيما تحسبون؛ وكذلك كنا حتى هدانا الله عزّ وجلّ بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأعزّنا بالإسلام ٢٦٧٥/١ بعد قلة وذلة وجاهلية. وذكر تفلى أنكم أحببتم (٤) سلمنا. فما كرهت والذين آمنوا معى، وقد بعثتُ إليكم عبدَ الرَّحِمن بن جَزْء السُّلَمىّ؛ وهو من أعلمنا(٥) من أهل العلم بالله وأهل القرآن ؛ وبعثت معه بكتابى بأمانكم، فإن رضيتم دفعه (٦) إليكم؛ وإن كرهتم آذنكم (٧) بحرب على سواء إنّ الله لا يحبّ الخائنين : بسم الله الرّحمن الرّحيم . هذا كتاب من حبيب بن مسلمة لأهل تَفْلِيس من جُرْزَان أرض الهُرْمز ؛ بالأمان على أنفسكم وأموالكم وصوامعكم (٨) وبيتَعَكم وصلواتِكم؛ على الإقرار بصغار الجِزْية؛ على كلّ أهل بيت (٩) دينار وافٍ، ولنا نصحُكم ونصركم على عدوّ اللّه وعدوّنا، وقرى المجتاز ليلةً من حلال طعام أهل الكتاب وحلال شرابهم ، وهداية الطريق فى غير ما يُضَرّ فيه بأحد منكم . فإن أسلمتم وأقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ، فإخواننا فى الدّين وموالينا ؛ ومَن . تولّى عن الله ورسله وكتبه وحِزْبه فقد آذنّاكم بحرب على سواء؛ إن الله لا يحبّ (١) س: ((وكتبوا)). (٣) س: ((سلام)). (٥) س وابن حبيش: ((ما علمنا)). (٧) س: ((آذنتكم)). (٩) ف: ((كل بيت)). (٢) ف: ((لأهل)). (٤) س: ((أجبتم)). (٦) ابن حبيش: ((دفعته)). (٨) ف: ((ومواضعكم)). ١٦٣ سنة ٢٢ الخائنین . شهد عبد الرحمن بن خالد ؛ والحجّاج، وعیاض . و کتبرباح، وأشهد الله وملائكته والذين آمنوا، وكفى بالله شهيداً . [ذكر عزل عمَّر عن الكوفة ] وفى هذه السنة عزل عمرُ بن الخطاب عمّاراً عن الكوفة؛ واستعمل ٢٦٧٦/١ أبا موسى فى قول بعضهم ؛ وقد ذكرت ما قال الواقدىّ فى ذلك قبل . * ذكر السبب فى ذلك : قد تقدّم ذکری بعض سبب عزله ، ونذكر بقيّته. ذکر السّرىّ - فيما کتب به إلىّ - عن شعیب ، عن سیف ، عمّن تقدم ذ کری من شيوخه ، قال: قالوا: وكتب أهلُ الكوفة؛ عطاردٌ ذلك وأناس معه إلى عمر فى عمّار، وقالوا : إنه ليس بأمير ، ولا يحتمل ما هو فيه ، ونزا به أهلُ الكوفة . فكتب عمر إلى عمّار: أن أقبل ؛ فخرج بوفد من أهل الكوفة ، ووقَّد رجالا ممن يرى أنهم معه ، فكانوا أشدّ عليه ممن تخلّف ، فجزع فقيل له : يا أبا اليَقْظان ، ما هذا الجزع ! فقال: والله ما أحمد نفسى عليه ؛ ولقد ابتليت به - وكان سعد بن مسعود الثقفىّ عمّ المختار، وجرير بن عبد الله معه - فسعيا به ، وأخبرا عمر بأشياء يكرهها ، فعزله عمر ولم يولته . كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن الوليد بن جميع ، عن أبى الطُّفَيَل، قال : قيل لعمّار: أساءك العزل ؟ فقال: والله ما سرّنى حين استعملت ، ولقد ساءنى حين عُزلت . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف، عن إسماعيل بن ٢٦٧٧/١ أبى خالد ومجالد، عن الشعبىّ، قال: قال عمر لأهل الكوفة: أىّ منزليكم أعجبُ إليكم ؟ - يعنى الكوفة أو المدائن - وقال: إنى لأسألكم وإنى لأعرفُ فضل أحدهما على الآخر فى وجوهكم ، فقال جرير : أما منزلنا هذا الأدنى فإنه أدنَى محِلّةً من السواد من البرّ، وأما الآخر فوعْك (١) البحر وغمُّه وبعوضه. (١) الوعك : سكون الريح وشدة الحر. ١٦٤ سنة ٢٢ فقال عمار: كَذَبَت؛ فقال عمر لعمّار : بل أنت أكذب منه ، وقال : ما تعرفون من أميركم عمّار؟ فقال جرير: هو واللّه غير كافٍ ولا مجزٍ ولا عالم بالسياسة . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن زكرياء بن سياه ، عن هشام بن عبد الرحمن الثقفىّ، أن سعد بن مسعود ، قال : والله ما يدرى علام استعملته (١)! فقال عمر : علام استعملتُك يا عمّار؟ قال : على الحيرة وأرضها . فقال: قد سمعتُ بالحيرة تجاراً تختلف إليها ، قال : وعلى أىّ شىء ؟ قال : على بابل وأرضها ، قال : قد سمعتَ بذكرها فى القرآن . قال : وعلى أىّ شىء ؟ قال : على المدائن وما حولها ، قال : أمدائن كسرى ؟ قال : نعم. قال : وعلى أىّ شىء ؟ قال: على مهرجا نقذق وأرضها . قالوا : قد أخبرناك أنه لا يدرِى علامَ بعثته! فعزله (٢) عنهم، ثم دعاه بعد ذلك ، فقال: أساءك حين عزلتُك؟ فقال: والله ما فرحتُ به حين بعثتَنِى ، ٢٦٧٨/١ ولقد ساءنى حين عزلتَنى. فقال: لقد علمتُ ما أنت بصاحب عمل ، ولكنى تأوّلت: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ تُمُنّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْغُوا فِى الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِيَّةً ونَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين﴾(٣). كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف، عن خُليد بن ذَفَرة النَّصَرَىّ، عن أبيه بمثله وزيادة، فقال: أو تُحْمِد (٤) نفسَك بمعرفة من تُعالجه منذ (٥) قدمت! وقال: والله يا عمّار لا ينتهى بك حدُّك (٦) حتى يلقيَك فى هَنة، وتاللّه (٧) لئن أدركك عمر لترِقَنّ، ولْن رققتَ لسُبْتلينّ(٨)، فسل اللّه الموت. ثمّ أقبل على أهل الكوفة فقال: من تريدون يا أهل الكوفة؟ فقالوا: أبا موسى . فأمّره عليهم بعد عمار، فأقام عليهم (٩) سنة، فباع غلامُهُ (١) كذا فى ابن الأثير، وفى ط: ((استعملت)). (٢) بعدها فى ف: « عمر رضى الله عنه )) . (٤) ف: ((أفتحمد)). (٣) سورة القصص ٥ . (٥) ف: ((مذ) . (٧) س: ((وبالله)). (٦) س: ((حسدك))؛ ف: ((جدك)). (٨) ف: ((لتبلين)). (٩) س: ((عليها)). ١٦٥ سنة ٢٢ العلّفَ. وسمعه الوليد بن عبد شمس ، يقول : ما صحبتُ قومًاً قطّ إلا آ ثرتهم؛ وواللّه (١) ما منعنِى أن أكذِّب شهود" البصرة إلاّ صحبتهُم، ولئن صحبتُكم لأمنحنّكم خيراً . فقال الوليد : ما ذهب بأرضنا غيرُك ؛ ولا جرم لا تعمل علينا . فخرج وخرج معه نفر ، فقالوا : لا حاجة لنا فى أبى موسى ، قال : ولم ؟ قالوا: غلام له يتجر فى حَشَرنا (٢). فعزله عنهم وصرفه إلى البصرة ، وصرف عمرَ بن سراقة إلى الجزيرة . وقال لأصحاب أبى موسى الذین شخصوا (٣) فى عزله من أهل الكوفة: أقوىٌّ مشدّد أحب إليكم أم ضعيف مؤمن ؟ فلم يجد عندهم شيئًا ، فتنحى، فخلا فى ناحية المسجد ، فنام فأتاه المغيرة بن شعبة فكلاه حتى استيقظ ، فقال : ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلاّ من عظيم ؛ فهل نابك من نائب ؟ قال : وأىّ نائب أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير ، ولا يرضى عنهم أمير ! وقال فى ذلك ما شاء الله. واختُطّت الكوفة حين اختُطّت على مائة ألف مقاتل ؛ وأتاه أصحابه ، فقالوا : يا أميرَ المؤمنين ، ما شأنك؟ قال: شأنى أهل الكوفة قد عَضّلوا (٤) بى. وأعاد عليهم عمر المشورة التى استشارفيها ، فأجابه المغيرة فقال : أمّا الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وفضله له ، وأمّا القوىّ المشدّد فقوته لك وللمسلمين، وشداده عليه وله . فبعثه عليهم . ٢٦٧٩/١ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد بن عبد الله ، عن سعيد بن عمرو ؛ أنّ عمر قال قبل أن استعمل المغيرة : ما تقولون فى تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قوىّ مشدّد ؟ فقال المغيرة : أما الضعيف المسليم فإنّ إسلامَه لنفسه وضعفه عليك، وأما القوىّ المشدّد فإنّ شداده لنفسه وقوّته للمسلمين. قال: فإنّا باعثوك يا مغيرة . فكان المغيرة عليها حتى مات عمر رضى اللّه تعالى عنه وذلك نحو من سنتين وزيادة . فلما ودّعه المغيرة للذهاب إلى الكوفة ، قال له : يا مغيرة. ليأمنك الأبرار، وليخفك الفجّار . ثم أراد عمر أن يبعثَ سعداً على عَمل المغيرة فقتل قبل أن يبعثه ، فأوصى به ؛ وكان من سنّة عمر وسيرته أن يأخذ عمّاله بموافاة الحجّ فى كل سنة ٢٦٨٠/١ (١) ف: ((والله)). (٢) الحشرة بالفتح؛ كل ما أكل من بقل الأرض وجمعه حشر. (٤) عضلوا بى ، أى ضاق بى أمرهم . (٣) س: (شخصوا معه)). ١٦٦ سنة ٢٢ للسياسة، وليحجزهم بذلك عن الرعيّة ، وليكون لشكاة الرعية وقتًا وغاية ینھوها. فیه إليه . وفى هذه السنة غزا الأحنف بن قيس - فى قول بعضهم خُراسان - وحارب يَزْد جرد؛ وأما فى رواية سيف فإنّ خروجَ الأحنف إلى خراسان كان فى سنة ثمان عشرة من الهجرة . ٠ ٠٠ ذ کر مصیریزْد چِرد إلى خراسان وما كان السبب فى ذلك اختلف أهل السير فى سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه ؛ فأمّا ما ذكره سيف عن أصحابه فى ذلك ، فإنه فيما كتب به إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا : كان يَزْدَ جِرد بن ٢٦٨١/١ شهريار بن كسرى - وهو يومئذ ملك فارس (١) - لما انهزم أهل جَلُولاء خرج يريد الرّىّ، وقد جعل له محمل واحد يُطبق ظهر بعيره، فكان إذا سار نام فيه ولم يعرّس بالقوم. فانتهوا به إلى مخاضة وهو نائم فى محمله، فأنبهوه ليُعلم، ولئلا يفزع إذا خاض البعير إن هو استيقظ ، فعنّفهم وقال : بئسما صنعتم ! والله لو تركتمونى لعلمت ما مدّة هذه الأمة، إنى رأيتُ أنى ومحمداً تناجينا عند اللّه، فقال له : أملكهم مائة سنة، فقال : زدْنى، فقال: عشرًا ومائة سنة ، فقال: زدنى ، فقال : عشرين ومائة سنة ، فقال : زدنى، فقال: لك . وأنهتمونى ، فلو تركتمونى لعلمت ما مدّة هذه الأمة . فلما انتهى الى الرّىّ ، وعليها آبان جاذويْه ، وثب عليه فأخذه، فقال: یا آبان جاذويه ، تغدر بى ! قال : لا، ولكن قد تركتَ مُلْكك ، وصار فى يد غيرك، فأحببت أن أكتتب على ما كان لى من شىء ، وما أردتُ غير ذلك(٢) . وأخذ خاتم يَزْد جرد ووصل الأدُم؛ واكتتب الصكاك وسجّل السجلات بكلّ ما أعجبه، ثم ختم عليها ورد الخاتم. ثم أتى بعدُ(٣) سعداً فردّ عليه كلّ شىء فى كتابه . ولما صنع آبان جاذويه بيزدَ جِرْد ما صنع (٢) كذا فى ف، وفى ط: ((من غير ذلك)) (١) ابن حبيش: ((ملك أهل فارس)). (٣) س: ((به)). ١٦٧ سنة ٢٢ ٢٦٨٢/١ خرج يَزْدَ جرد من الرّىّ إلى إصبهان، وكره(١) آبانَ جاذويه ، فارًّا منه ولم يأمنه . ثم عزم على كَرْمان، فأتاها والنار معه، فأراد أن يضعها فى كرمان، ثمّ عزم على خراسان، فأتى مَرْوَ ، فنزلها وقد نقل النار، فبنى لها بيتًا واتّخذ بستانًا، وبنى أزَجاً (٢) فرسخين من مَرْو إلى البستان؛ فكان على رأس فرسخين من مَرْو، واطمأنّ فى نفسه وأمِن أن يُؤتَى؛ وكاتب من مَرْوَّ مَن بقىَ من الأعاجم فيما لم يفتتحه المسلمون ، فدانُوا له ، حتى أثار أهلَ فارس والهُرْمزان فنكثوا ، وثار أهل الجبال والفيرُزان فنكثوا ، وصار ذلك داعية إلى إذن عمر للمسلمين فى الانسياح ، فانساح أهل البصرة وأهل الكوفة حتى أثخنوا فى الأرض؛ فخرج الأحنف إلى خُراسان، فأخذ على مِهْرَ جان نقَّق، ثم خرج إلى إصبهان - وأهل الكوفة محاصر و جَىّ - فدخل خراسان من الطِّبَسيْن، فافتتح هَرَاةَ عَنْوةً ، واستخلف عليها صُحار بن فلان العبدئ . ثم سار نحو مرْو الشاهجان ، وأرسل إلى نيسابور ۔۔ وليس دونها قتال - مطرّفَ بن عبد الله بن الشخِّير والحارثَ بن حسان إلى سَرْخس؛ فلما دنا الأحنف من مَرْو الشَّهجان خرج منها يَزْد جرد نحو مَرْو الرّوز ٢٦٨٣/١ حتى نزلها، ونزل الأحنف مَرْوَ الشاهجان؛ وكتب يَزْد جرد وهو بمرْو الرّوذ إلى خاقان يستمدّه ؛ وكتب إلى ملك الصُّغْد يستمدّه ؛ فخرج رسولاه نحو خاقان وملك الصُّغْد ، وكتب إلى ملك الصين (٣) يستعينه، وخرج الأحنف من مَرْو الشاهجان ؛ واستخلف عليها حاتم بن النعمان الباهلى بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة، على أربعة أمراء: علقمة بن النَّضْر النضْرِ ى، وربعىّ بن عامر التميمى"، وعبد الله بن أبى عَقِيل الثقفىّ، وابن أمّ غزال الهمْدانىّ؛ وخرج سائراً نحو مَرْو الرّوذ؛ حتى إذا بلغ ذلك يَزْدَ جِرِد خرج إلى بَلْخ ، ونزل الأحنف مَرْوَ الرّوذ ؛ وقدم أهل الكوفة؛ فساروا إلى بَلْخ ، وأتبعهم الأحنف ، فالتقى أهل الكوفة ويَزْدَ جِرد ببلْخ؛ فهزم اللّه يزْدَ جرد، وتوجّه (٤) فى أهل فارس إلى النهر فعبر، ولحق الأحنف بأهل (١) ف: ((وكر))، وأضاف ابن حبيش: ((جوار)). (٢) الأزج ، محركة : بيت يبنى طولا . (٤) س: (( ثم توجه)). (٣) ابن حبيش: ((صاحب الصين)). ٠ ١٦٨ سنة ٢٢ الكوفة ؛ وقد فتح اللّه عليهم ؛ فبلْخُ من فتوح أهل الكوفة . وتتابع أهل خراسان ممن شذّ أو تحصّن على الصلح فيما بين نيسابور إلى طُخَارستان ممّن كان فى مملكة كسرى ؛ وعاد الأحنف إلى مَرْو الرّوذ، فنزلها واستخلف على طُخَارستان ربعىّ بن عامر؛ وهو الذى يقول فيه (١) النجاشىّ - ونسبه إلى أمّه ؛ وكانت من أشراف العرب: ألارُبَّ مَنْ يُدْعَى فَتَّى ليس بالفَتى(٢) ٢٦٨٤/١ أَلَّا إِنَّ رِبْعِىَّ ابْنَ كأسٍ هو الفَتّى إذا شَبِعُوا من نَفْلِ جَفَتَتِهِ سَقى طويلٌ قُعودُ القومِ فى قَعْرِ بِيتِهِ كتب الأحنف إلى عمر بفتْح 'خراسان ، فقال: لوددت أنى لم أکن بعثتُ إليها جنداً ، ولود دت أنه كان بيننا وبينها بحر من نار ؛ فقال علىّ : ولمّ يا أمير المؤمنين؟ قال: لأنّ أهلتها سينفَضُّون منها ثلاث مرّات، فيُجتاحون فى الثالثة، فكان أن يكون ذلك بأهلها أحبَّ إلىّ من أن يكون بالمسلمين . کتب إلىّ السرئ ، عن شعیب ، عن سیف ، عن أبى عبد الرحمن الفزارىّ ، عن أبى الجَنوب اليشكرى ، عن علىّ بن أبى طالب عليه السلام، قال : لما قدم عمر على فتح خُراسان، قال: لوددت أنّ بيننا وبينها بحراً من نار ، فقال علىّ: وما يشتدّ عليك من فتحها! فإنّ ذلك لموضع سرور ، ٢٦٨٥/١ قال: أجل ولكنى (٣) ... حتى أتى على آخر الحديث. كتب إلىّ السّرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن عيسى بن المغيرة ، وعن رجل من بكر بن وائل يدعى الوازع بن زيد بن خُلَيدة ، قال : لما بلغ عمرَ غلبةُ الأحنف على المرْوَيْن وبلْخ ، قال : وهو الأحنف ، وهو سيّد أهل المشرق المسمّى بغير اسمه . وكتب عمر إلى الأحنف : أما بعد ، فلا تجوزَنَّ النّهر واقتصِرْ على ما دونه ، وقد عرفتم بأىّ شىء دخلتم على خراسان، فداوموا على الذى دخلتم به خراسان يدمْ لكم النصر؛ وإيّاكم أن تعبروا فتفضّوا. ولمّا بلغ رسولا يَزْدجرد خاقانَ وغوزك، لم يستتبّ لهما إنجادُه حتى عبر (١) س وابن حبيش: (( له)). (٢) س: ((ألا ربما))، وابن حبيش: ((يدعى الفتى)). (٣) ف: ((ولكن)). ٠٠٠ ١٦٩ سنة ٢٢ إليهما النهر مهزومًا، وقد استقَبّ فأنجده خاقان - والملوك ترى على أنفسها إنجادَ الملوك - فأقبل فى الترك، وحشر أهل فَرْغانة والصُّغْد ؛ ثم خرج بهم ، وخرج يَزْدَ جرد راجعًا إلى خراسان، حتى عبر إلى بَلْخ، وعبر معه خاقان ، فأرز أهلُ الكوفة إلى مَرْ والرّوذ إلى الأحنف ، وخرج المشركون من بَلْخ حتى نزلوا على الأحنف بمترو الرّوذ . وكان الأحنف حين بلغه عُبور خاقان والصُّغد نهرَ بَلْخ غازيًا له، خرج فى عسكره ليلا يتسمّع: هل يسمع برأى ٢٦٨٦/١ ينتفع به؟ فمرّ برجلين ينقّيان علفًا، إما تبنًّا وإما شعيراً، وأحدهما يقول لصاحبه: لو أنّ الأميرَ أسندنا إلى هذا الجبل، فكان النهر بيننا وبين عدّونا خندقاً؛ وكان الجبل فى ظهورنا من أن نُؤتى من خلفنا ، وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله . فرجع واجتزا بها ، وكان فى ليلة مظلمة ، فلما أصبح جمع الناس، ثم قال : إنّكم قليل ، وإنّ عدوكم كثير ، فلا يهولنكم ؛ فكم مِن فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه والله مع الصابرين ؛ ارتحلوا من مكانكم هذا ، فاسندوا إلى هذا الجبل ، فاجعلوه فى ظهوركم، واجعلوا النهر بینکم وبين عدو کم ، وقاتلوهم من وجه واحد . ففعلوا ، وقد أعدّوا ما يصلحهم، وهو فى عشرة آلاف من أهل البصرة وأهل الكوفة نحو منهم . وأقبلت الترك ومَنْ أجليت حتى نزلوا بهم ، فكانوا يغادونهم ويراوحونهم ويتنحَّوْن عنهم بالليل ما شاء اللّه . وطلب الأحنف عِلْم مكانهم بالليل ، فخرج ليلة بعد ما علم علمتَهم؛ طليعة لأصحابه حتى كان قريباً من عسكر خاقان فوقف ، ٢٦٨٧/١ فلمّا كان فى وجه الصّبح خرج فارس من الترك بطوْقه ، وضرب بطبله ، ثم وقفه من العسكر موقفًا يقفه مثله ، فحمل عليه الأحنف ، فاختلفا طعنتیْن ، فطعنه الأحنف فقتله ، وهو يرتجز ويقول : إِنَّ عَلَى كُلِّ رَئِيسٍ حَقًّا أَنْ يَخْضِبَ الصَّعْدَةَ أَو تَنْدَقًّا سَيْفَ أبى حَفْصِ الذى تَبقَّی إنَّ لنا شَيْخًا بها مُلَفَّى ثم وقف موقف التركى وأخذ طوقه، وخرج (٢) آخر من الترك، ففعل (١) س: ((عاديا)). (٢) ابن حبيش: ((ثم خرج)). ١٧٠ سنة ٢٢ فعل صاحبه الأوّل ، ثم وقف دونه فحمل عليه الأحنف ، فاختلفا طعنتين ، فطعنه الأجنف فقتله وهو يرتجز : إنَّ الرَّئْيسَ يَتَبِى وَيَطْلُعُ وَيَفَعُ الخُلاَّءَ إِمَا أَرْبُوا (١) ثم وقف موقف التركىّ الثانى، وأخذ طوقه، ثم خرج ثالث (٢) من الترك، ففعل فعل الرّجلين ، ووقف دون الثانى منهما ، فحمل عليه الأحنف ، فاختلفا طعنتيْن ، فطعنه الأحنف ، فقتله وهو يرتجز : ٣٦٨٨/١ جَرْىَ الشَّوسِ ناجِزاً بِناجِزْ مُخْتَفِلاَ فِى جَرْيِهِ مُشارِزْ ثم انصرف الأحنف إلى عسكره ؛ ولم(٣) يعلم بذلك أحد منهم حتى دخله واستعدّ . وكان من شيمة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم كهؤلاء(٤)؛ كلُّهم يضرب بطبله، ثم يخرجون بعد خروج الثالث، فخرجت التُّرك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتَِّين، فتشاءم خاقان وتطيّر، فقال : قد طال مقامنا، وقد أصيبَ هؤلاء القوم بمكان لم يُصب بمثله قطّ ؛ ما لنا فى قتال هؤلاء القوم من خير ، فانصرفوا بنا ؛ فكان وجوههم راجعين ، وارتفع النهار للمسلمين ولا يروْن شيئًا ، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان إلى بَلْخ . وقد كان يَزْدَ جرد بن شهريار بن كسرى تَرَك خاقان بِمَرْو الرّوذ، وخرج إلى مَرْو الشاهجان؛ فتحصّن منه حاتم(٥) بن النعمان ومَن معه ، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها ؛ وخاقان ببلْخ مقيم له ، فقال المسلمون للأحنف : ما ترى فى اتباعهم ؟ فقال : أقيموا بمكانكم ودعوهم . ولما جمع يَزْد جرد ما كان فى يديه مما وضع بمَرْو، فأعجِل عنه ؛ وأراد أن يستقلّ به منها ، إذْ هو أمر عظيم من خزائن أهل فارس ، وأراد اللّحاق بخاقاذ فقال له أهل فارس : أىّ شىء تريد أن تصنع ؟ فقال : أريد اللّحاق بخاقان، فأكون معه أو بالصّين ، فقالوا له: مهلا ؛ فإنّ هذا ٢٦٨٩/١ رأى سوء، إنّك إنما تأتى قومًا فى مملكتهم وتدع أرضك وقومك ؛ ولكن ارجع (١) ف وابن حبيش: ((الجلاء)» . (٣) س وابن كثير: ((ولا)). (٢) ف وابن حبيش وابن الأثير: ((الثالث)). (٤) س: ((كهولا)). (٥) ط: ((حارثة))؛ وانظر التصويبات. سنة ٢٢ ١٧١ بنا إلى هؤلاء القوم فنصالحتهم ؛ فإنهم أوفياء وأهل دين ؛ وهم يلُون بلادنا ، وإنَّ عدوًّا يلينا فى بلادنا أحب إلينا مملكة من عدُوّ يلينا فى بلاده ولا دينَ لهم ؛ ولا ندرى ما وفاؤهم ؛ فأبى عليهم وأبوا عليه ؛ فقالوا : فدَعْ خزائننا فردّها إلى بلادنا ومَن يليها، ولا تُخرجها من بلادنا إلى غيرها، فأبى؛ فقالوا : فإنّا لا نَدَعَك؛ فاعتزلوا وتركوه فى حاشيته ، فاقتتلوا ، فهزهوه وأخذوا الخزائن، واستولوا عليها ونكبوه، وكتبوا إلى الأحنف بالخبر ، فاعترضهم المسلمون والمشركون بمَرْو يثفنونه (١)، فقاتلوه وأصابوه فى أُخَرَ القوم، وأعجلوه عن الأثقال ؛ ومضى مُوائلا(٢) حتى قطع النهر إلى فرْغانة والترك ؛ فلم يزل مقيماً زمانَ عمر رضى الله عنه كله يكاتبهم ويكاتبونه ، أو من شاء اللّه منهم . فكفر أهلُ خراسان زمانَ عثمان . وأقبل أهلُ فارس على الأحنف فصالحوه وعاقدوه ، ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال، وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا فى زمان الأكاسرة ؛ فكانوا كأنما (٣) هم فى مُلكهم؛ إلاّ أن المسلمين أوفى لهم وأعدل عليهم، فاغتبطوا وغُبِّطوا ؛ وأصاب الفارسَ يوم يَزْدَ جِرِد كسهم الفارس يوم القادسية. ٢٦٩٠/١ ولما خلع أهل خراسان زمانَ عثمان أقبل يَزْدَ جرد حتى نزل بمَرْو، فلمّا اختلف هو ومن معه وأهل خراسان. أوَى إلى طاحونة ، فأتوا عليه بأ كُل من كرد حول الرّحا ؛ فقتلوه ثم رموا به فى النهر . ولما أصيب يَزْد جرد بمرْوَ - وهو يومئذ مختبئ فى طاحونة يريد أن يطلب اللحاق بكَرْمان - فاحتوى فيئه المسلمون والمشركون ، وبلغ ذلك الأحنف ، فسار من فَوْره ذلك فى الناس إلى بلْخ يريد خاقان ، ويتبع حاشية يَزْدَ جرد وأهله فى المسلمين والمشركين من أهل فارس ، وخاقان والترك ببلْخ . فلما سمع بما ألقى يَزْدَ جرِد وبخروج المسلمين مع الأحنف من مَرْوالرّوذ نحوه، ترك بلْخ وعبر النهر ؛ وأقبل الأحنف حتى نزلَ بلْخ؛ ونزل أهل الكوفة فى كُورها الأربع ، ثم رجع إلى مَرْو الرّوذ فنزل بها ؛ وكتب (١) يثفنونه ، أى يدفعونه . (٢) فى اللسان: ((الموئل: الملجأ، والعرب تقول: إنه ليوائل إلى موضعه، يريدون (٢) ابن حبيش: ((كأنهم))، س: ((كانهم إنما هم)) .: یذهب إلى موضعه وحر زه )» . ٠ ١٧٢ سنة ٢٢ بفتْح خاقان ويَزْد جرد إلى عمر، وبعث إليه بالأخماس ، ووفّد إليه الوفود . قالوا : ولما عبر خاقان النهر، وعبرت معه حاشية آل کسری ، أو من أخذ نحو بتَلْخ منهم مع يَزْدّجرد، لقوا رسولَ يزدجرد الذى(١) كان بعث إلى ملك الصین ، وأهدى إليه معه[ هدايا ] (٢)، ومعه جواب کتابه من ٢٦٩١/١ ملك الصين . فسألوه عمّا وراءه ، فقال: لما قدمت عليه بالكتاب والهدايا کافأنا بما ترون وأراهم هدیته. وأجاب يز دجرد، فكتب إليه بهذا الكتاب بعد ما كان قال لى: قد عرفت أنّ حقًّاً على الملوك إنجاد الملوك على مَنْ غلبهم، فصِفْ لى صفة هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم؛ فإنى أراك تذكر قلّةً منهم وكثرة منكم ؛ ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل الذين تصف منكم فيما أسمع من كثرتكم إلاّ بخيرٍ (٣) عندهم وشرّ فيكم؛ فقلت: سلنِى عما أحببتَ ، فقال: أيوفون بالعهد ؟ قلت : نعم ، قال: وما يقولون لكم قبل أن يقاتلوكم ؟ قلت: يَدْعوننا إلى واحدة من ثلاث: إمّا دينهم فإن أجبناهم أجرونا مجراهم ، أو الجزية والمنعة (٤)، أو المنابذة. قال: فكيف طاعتهم أمراءهم ؟ قلت: أطوَعُ قوم لمرشدِهم، قال: فما يُحلّون وما يُحَرّمون؟ فأخبرته ، فقال: أيحرّمون ما حُلِّل (٥) لهم، أو يحلون ما حرِّم عليهم ؟ قلت: لا ، قال: فإنّ هؤلاء القوم لا يهلكون أبداً حتى يُحدّوا حرامتهم ويحرّموا حلالهم . ثم قال : أخبرنى عن لباسهم ؛ فأخبرته ، وعن مطاياهم ، فقلت : الخيل العراب(٦) - ووصفتها - فقال: نعمت الحصُون هذه! ووصفتُ له الإبلَ وبروكها وانبعاثها بحملها ، فقال: هذه صفة دواب طوال الأعناق. ٢٦٩٢/١ وكتب معه إلى يزدجرد [ كتابًاً](٧): إنه لم يمنعنى أن أبعثَ (٨) إليك يجيش أوّله بمَرْو وآخره بالصّين الجهالةُ بما يحقّ علىّ(٩)، ولكن هؤلاء القوم الذين وصَف لى رسولك صفتتهم لو يحاولون الجبال لهدّوها، ولو ◌ُخُلّى سَرْبهم (١) س وابن حبيش: ((بالذى)). (٣) س وابن حبيش: ((خير)). (٥) س: ((حلل اللّه)). (٧) من س . (٩) ابن حبيش: ((بما يحق لك على)). (٢) من س. (٤) ساقطة من س والنويرى . (٦) الخيل العراب : الكرائم السالمة من الهجئة. (٨) م: ((من أن أبعث)). ١٧٣ سنة ٢٢ أزالونى ما داموا على ما وصف (١)؛ فسالمهم وارضَ منهم بالمساكنة ؛ ولاتُهجهم ما لم يُهِيجُوك. وأقام يَزْدَ جرد(٢) وآل كسرى بفَرْغانة، معهم عهد من خاقان . ولمّا وقع الرسول بالفتح والوفد بالخبر ومعهم الغنائم بعمر بن الخطاب من قِبَل الأحنف ، جمع الناس وخطبهم ، وأمر بكتاب الفتح فقرئ عليهم، فقال فى خطبته: إنّ اللّه تبارك وتعالى ذكر رسولَه صلى الله عليه وسلم وما بعثه به من الهدى ، ووعد على اتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة. فقال: ﴿هُوَ الّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لُيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ﴾ (٣)؛ فالحمد الذى أنجز وعده ، ونصر جنده. ألا إنّ اللّه قد أهلك ملك المجوسية، وفرّق شملتهم، فليسُوا يملكون من بلادهم شبراً يضرّ بمسلم. ألاَ وإنّ اللّه قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم ؛ لينظر كيف تعملون! ألا وإنّ المصرَيْن من مسالحها اليوم كأنم والمصرَّيْن فيما مضى من البُعد، وقد وغلوا فى البلاد، والله بالغ أمره ، ومنجز وعنْده ، ومتبع آخر ذلك أوّلَه ، فقوموا فى أمره على رجل يوفِّ لكم بعهده ، ويؤتِكم وعدَه ؛ ولا تبدّلوا ولا تغيّروا، فيستبدل الله بكم غيركم؛ فإنى لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلاّ من قبلكم . ٢٦٩٣/١ # * قال أبو جعفر: ثمّ إنّ أدانى أهل خراسان وأقاصيه اعترضوا زمانَ عثمان ابن عفان لسنتين خلتا من إمارته؛ وسنذكر بقيّة خبر انتقاضهم فى موضعه إن شاء الله مع مقتل يَزْد جرد. ٠ ٠ وحجّ بالناس فى هذه السنة عمر بن الخطاب ، وكانت عمّالُه على الأمصار فيها عمّالَه الذين كانوا عليها فى سنة إحدى وعشرين غير الكوفة والبَصْرة ؛ فإنّ عامله على الكوفة وعلى الأحداث كان المغيرة بن شعبة، وعلى البصرة أبا موسى الأشعرىّ . (١) س، ف: ((وصفهم)). (٣) سورة التوبة ٣٣ . (٢) ابن حبيش: ((عيال يزدجرد)). ٢٦٩٤/١ ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين فکان فيها فتح إصطخر فى قول أبى منعشر؛ حد ◌ّثنی بذلك أحمد بن ثابت الرازىّ، قال : حدّثنا محدّث ، عن إسحاق بن عيسى ، عن أبى معشر، قال: كانت إصْطَخر الأولى وهتمتذان سنة ثلاث وعشرين. وقال الواقدىّ مثل ذلك. وقال سيف : كان فتح إصْطَخر بعد توّج الآخرة . ٠ ذكر الخبر عن فتح تَوَّج كتب إلىّ السّرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا : خرج أهل البصرة الذين وُجّهوا إلى فارس أمراء على فارس؛ ومعهم سارية بن زُنَيم ومن بُعث معهم إلى ما وراء ذلك ، وأهلُ فارس مجتمعون بتوّج ؛ فلم يصمُدُوا لجمعهم بجموعهم ؛ ولكن قصد كلّ أمير كورة منهم قَصْدَ إمارته وكُورته التى أمر بها ؛ وبلغ ذلك أهلَ فارس ؛ فافترقوا إلى بلدانهم (١)؛ كما افترق المسلمون ليمنعوها؛ وكانت تلك هزيمتهم وتشتُّت (٢) أمورهم وتفريق جموعهم (٣)؛ فتطيّر المشركون من ذلك ؛ وكأنما كانوا ينظرون إلى ما صاروا إليه، فقصد مجاشع بن مسعود لسابور وأردشير خُرّه فيمن معه ٢٦٩٥/١ من المسلمين، فالتقوْا بتوّج (٤) وأهل فارس، فاقتتلوا ما شاء الله. ثمّ إنّ اللّه عزّ وجلّ هزّم أهل توّج للمسلمين ، وسلّط عليهم المسلمين ، فقتلوهم كلّ قتلة، وبلغوا منهم ما شاءوا، وغنّمهم ما فى عسكرهم فحوَوْه؛ وهذه توّج الآخرة ؛ ولم يكن لها بعدها شوْكة، والأولى التى تُنُقّذ فيها جنود العلاء أيّام طاوس، الوقعة التى اقتتلوا فيها ؛ والوقْعتان الأولى والآخرة كلتاهما متساجلتان . ثم دُعُوا إلى الجِزية والذّمة؛ فراجعوا وأقرّوا، وخَمّص مجاشع الغنائم، وبعث (١) ابن حبيش: ((فافترقوا عن تجمعهم)). (٢) ابن حبيش: ((وتشتتت أمورهم)). (٤) ابن حبيش: ((هو وأهل فارس)). (٣) ف: ((وتفرق)). ١٧٤ ١٧٥ سنة ٢٣ بها ، ووفّد وفداً؛ وقد كانت البُشراء والوفود يجازون وتقضى لهم حوائجهم ، لسنة جرت بذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم. كتب إلىّ السرىّ عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن سوقة ، عن عاصم بن كليب ، عن أبيه ، قال : خرجْنا مع مجاشع بن مسعود غازِين توّج، فحاصرناها ، وقاتلناهم ما شاء اللّه، فلمّا افتتحناها وحدَوْنا نَهْبَها نهباً كثيراً، وقتلنا قتلى عظيمة؛ وكان على" قميصٌ قد تخرّق ؛ فأخذت إبرة وسلكًا وجعلت أخيط قميصى بها. ثم إنّى نظرت إلى رجل فى القتلى عليه قميص فنزعته ، فأتيت به الماء ، فجعلت أضربه بين حجرين حتى ذهب ما فيه ، فليسته ؛ فلما جمعت الرّثَّة ، قام مجاشع خطيباً، فحمد ٢٦٩٦/١ اللّه، وأثنى عليه، فقال: أيها الناس لا تَغُلّوا، فإنه من غَلِّ جاء بما غَلَّ يوم القيامة. رُدّوا ولو المخيط. فلما سمعتُ ذلك نزعت القميص فألقيته فى الأخماس . فتح إصطخر قال : وقصد عثمان بن أبي العاص لإصطَخر؛ فالتقى هو وأهل إصْطخر يُجُور فاقتتلوا ما شاء اللّه. ثم إنّ اللّه عزّ وجلَ فتح لهم جُور؛ وفتح المسلمون إصطَخر، فقتلوا ما شاء اللّه، وأصابوا ما شاءوا، وفِرٌّ مَن فرّ. ثمّ إنّ عثمان دعا الناس إلى الجزاء والذّمة ، فراسئوه وراسلهم ، فأجابه الهِرْبِذ وكلّ من هرب أو تنحى ؛ فتراجعوا وباحوا بالجزاء ، وقد كان عثمان لمّا هزم القوم جمع إليه ما أفاء الله عليهم ، فخمّسه ، وبعث بالخُمس إلى عمر ، وقمتم أربعة أخماس المغنم فى الناس، وعفّت الجند عن النّهاب، وأدّوا الأمانة، واستدقّوا الدنيا . فجمعهم عثمان؛ ثم قام فيهم ، وقال: إنّ هذا الأمر لا يزال مقبلاً؛ ، ولا يزال أهله معافَيْن مما يكرهون، ما لم يَغُلُّوا، فإذا غَلُّوا رأوا ما ينكرون (١) ٢٦٩٧/١ ولم يسدّ الكثير مسدّ القليل اليوم. (١) س: (( يكرهون)). ١٧٦ سنة ٢٣ كتبَ إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى سُفيان ، عن الحسن، قال: قال عثمان بن أبى العاص يوم إصْطَخر: إنّ اللّه إذا أراد بقوم خيراً كفّهم ، ووفّر أمانتهم (١)، فاحفظوها ؛ فإنّ أوّل ما تفقدون من دينكم الأمانة؛ فإذا فقد تموها جُدِّد لكم فى كلّ يوم فقدان شيء من أموركم . ثم إنّ شهرك خلع فى آخر إمارة عمر وأوّل إمارة عثمان، ونشَّط (٢) أهلَ فارس، ودعاهم إلى النقض، فوُجِّه إليه عُمان بن أبى العاص ثانيةً ، وبعِث معه جنودٌ أَمِدّ بهم، عليهم عُبيد الله بن مَعْمر، وشِبْل بن معبد البَجَلِىّ، فالتقوْا بفارس ، فقال شهرك لابنه وهو فى المعركة؛ وبينهم وبين قرية تدعى ريشَهْر(٣) ثلاثة فراسخ، وكان بينهم وبين قرارهم اثنا عشر فرسخًا: يا بنىّ ، أين يكون غَدَاؤنا ؟ ها هنا أو ریشهر ؟ فقال : يا أبت إن تر کونا فلا يكون غداؤنا ها هنا ولا ريشهر، ولا يكونَنّ إلاّ فى المنزل، ولكن والله ما أراهم يتركوننا . فما فرغا من كلامهما حتى أنشب المسلمون القتال ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، قتل فيه (٤) شهرك وابنه، وقتل الله جلّ وعزّ منهم مقتلة عظيمة وولى قتلَ شَهْك الحكم بن أبي العاص بن بشر بن دُهمان ، أخو عمّان . ٢٦٩٨/١ وأما أبو معشر فإنّه قال : كانت فارس الأولى وإصطخر الآخرة فى سنة ثمان وعشرين . قال : وكانت فارس الآخرة وجُور سنة تسع وعشرين ؛ حدثنى بذلك أحمد بن ثابت الرازىّ، قال : حدثنى من سمع إسحاق بن عيسى ، يذكر ذلك عن أبى معشر. وحدثنى عبد الله بن أحمد بن شبّويه المروزىّ، قال : حدثنى أبى، قال: حدثنا سليمان بن صالح، قال: حدثنى عبيدالله، قال: أخبرنا عبيد الله بن سليمان، قال: كان عثمان بن أبى العاص أرسل إلى البَحْرين ، فأرسل أخاه الحكم بن أبى العاص فى ألفيْن إلى تَوّج؛ وكان كسرى قد فرّ عن المدائن ، ولحق بحُور من فارس . قال : فحدثنى زياد مولى الحكم بن أبى العاص ، عن الحكم بن أبى العاص ، قال : قصد إلى شهرك - قال عبيد: وكان كسرى أرسله - قال الحكم : فصعد إلىّ فى الجنود فهبطوا من عقبة ، عليهم الحديد، فخشيت (١) س: ((أماناتهم)). (٢) ف: ((فبسط))، س: ((فتسلط)). (٣) ط: ((شهرك))، وانظر التصويبات. (٤) ابن حبيش: ((وقتل فيه)). ١٧٧ سنة ٢٣ أن تعشوَ أبصارُ الناس، فأمرت مناديًا، فنادى أنّ مَن كان عليه عمامة ٢٦٩٩/١ فلْيُلفَّها على عينيه ، ومَنْ لم يكن عليه (١) عمامة فليغمّض بصره؛ وناديت أن حُطّوا عن دوابّكم. فلما رأى شهرك ذلك حطّ أيضًا . ثم ناديت: أن اركبوا، فصففنا لهم وركبوا ، فجعلتُ الجارودَ العبدىّ على الميمنة وأبا صُفْرة على الميسرة - يعنى أبا المهلّب - فحملوا على المسلمين فهزموهم ؛ حتى ما أسمع لهم صوتًا ، فقال لى الجارود : أيّها الأمير؛ ذهب الجند ، فقلت : إنك سترى أمرك ، فما لبثنا أن رجعت خيلُهم، ليس عليها فرسانها (٢)، والمسلمون يتبعونهم يقتلونهم، فنثرت الرءوس بين يدىّ ، ومعى بعض ملوكهم .. يقال له المُكتَعْبر، فارقَ كسرى ولحِق بى- فأتِيتُ برأس ضخم، فقال المُكتَعبر: هذا رأس الازدهاق ۔۔ یعنی شھرك - فحوصروا فیمدینة سابور ، فصالحهم- وملكُهم آذَرْبيان - فاستعان الحكم بآذَرْبيان على قتال أهل إصْطَخر، ومات مُمر رضى الله عنه؛ فبعث عثمان عُبيد الله بن معمر مكانه، فبلغ عبيد اللّه أن آذَرْبيان يريد أن يغدر بهم، فقال له: إنىّ أحبّ أن تتخذ لأصحابى طعامًا، وتذبح لهم بقرة، وتجعل عظامها فى الجَفْنة التى تلينى، فإنىّ أحبّ ٢٧٠٠/١ أن أتشش(٣) العظام. ففعل، فجعل یأخذ العظم الذی لا یکسر إلا بالفئوس، فكسره بيده ، فيتمخّخه(٤) - وكان من أشد الناس - فقام الملك ، فأخذ برجله، وقال: هذا مقام العائذ. فأعطاه عهداً ، فأصابت عبيد اللّه منجنيفة، فأوصاهم ، فقال : إنكم ستفتحون هذه المدينة إن شاء اللّه فاقتلوهم بى فيها ساعة . ففعلوا فقتلوا منهم بشراً كثيراً . وکان عثمان بن أبى العاص لحق الحكم، وقد هزم شهرك، فكتب إلى عمر : إنّ بينى وبين الكوفة فُرْجة أخاف أن يأتينى العدوّ منها . وكتب صاحب الكوفة بمثل ذلك : إنّ بينى وبين كذا فُرجة . فاتفق عنده الكتابان ، فبعث أبا موسى فى سبعمائة ، فأنزلهم البصرة . (١) ابن حبيش: ((له)). (٢) س وابن حبيش: ((فرسانهم)). (٣) تمشش العظم: أكل مشاشه، والمشاش: رأس العظم المين. (٤) تمخخ العظم: أخرج منه. ١٧٨ سنة ٢٣ ذكر فتح فَساودارا مجَرْدَ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو، قالوا: وقصد سارية بن زُنَم، فَسا(١)ودارًابجرد، حتى انتهى إلى عسكرهم ، فنزل عليهم وحاصرهم ما شاء الله. ثم إنهم استمدّوا، فتجمّعوا وتجمّعت إليهم أكراد فارس، فدّهم المسلمين أمرٌ عظيم، وجمع كثير (٢)؛ ٢٧٠١/١ فرأى عمر فى تلك الليلة فيما يرى النائم معر كتهم وعددهم (٣) فى ساعة من النهار ، فنادى من الغد : الصّلاة جامعة ! حتى إذا كان فى الساعة التى رأى فيها ما رأى خرج إليهم ؛ وكان أريتهم والمسلمون بصحراء ؛ إن أقاموا فيها أحيط بهم، وإن أرَزُوا إلى جبل من خلفهم لم يؤتوا إلاّ من وجه واحد. ثمّ قام فقال: بأيّها الناس؛ إنى رأيت هذين الجمعيْن - وأخبر بحالهما - ثم قال: يا سارية، الجبلَ، الجبلَ! ثمّ أقبل عليهم، وقال: إنّ اللّه جنوداً، ولعلّ بعضها أن يبلِّغهم ؛ ولما كانت تلك الساعة من ذلك اليوم أجمع سارية والمسلمون على الإسناد إلى الجبل ، ففعلوا وقاتلوا القوم من وجه واحد ؛ فهزمهم اللّه لهم ؛ وكتبوا بذلك إلى عمر واستيلائهم(٤) على البلد ودعاء أهله وتسكينهم. کتب إلىّ السرىّ ، عن شعیب، عن سیف ، عن أبى عمر دثار بن أبى شبيب ، عن أبى عثمان وأبي عمرو بن العلاء ، عن رجل من بنى مازن ، قالا : كان عمر قد بعث سارية بن زُنيم الدؤلىّ إلى فَسا ودارَابِجِرْد؛ فحاصرهم . ثم إنهم تداعَوْا فأصحرُوا له، وكَثْرُوه فأتوه من كلّ جانب ، فقال عمر وهو يخطب فى يوم جمعة : يا سارية بن زُنيم ، الجبل، الجبل ! ولما كان ذلك اليوم وإلى جنب(٥) المسلمین جبل، إن لجئوا (٦) إليه لم يؤتوا إلا ٢٠٢/١ من وجه واحد، فلجئوا (٦) إلى الجبل، ثم قاتلوهم فهزموهم ، فأصاب مغانمهم، وأصاب فى المغانم سَفَطًا فيه جوهر ، فاستوهبه المسلمين لعمر ، فوهيوه له ، (١) أبن حبيش: ((لفا)). (٣) ف النويرى: ((وعدوهم)). (٥) ف: ((جانب)). (٢) س وابن كثير: (( كبير ). (٤) س: ((وباستيلائهم)). (٦) ابن حبيش: ((فالجئوا)). ١٧٩ سنة ٢٣ فبعث به مع رجل(١)، وبالفتح. وكان الرّسل والوفد يُجازون وتقضى لهم حوائجهم ، فقال له سارية: استقرض ما تُبلّغ به وما تُخلَّه لأهلك(٢) على جائزتك. فقدِمِ الرّجل البَصْرة، ففعل، ثمّ خرج فقدم(٣) على عمر، فوجده يُطعيم الناس، ومعه عصاه التى يزجُر بها بعيرَه ، فقصد له ، فأقبل عليه بها، فقال : اجلس، فجلتَس حتى إذا أكل [القوم ](٤) انصرف عمر ، وقام فأتبعه ، فظنّ عمر أنه رجل لم يشبع ، فقال حين انتهى إلى باب داره : ادخُل - وقد أمر الخبّاز أن يذهب بالخِوان إلى مطبخ المسلمين - فلما جلس فى البيت أتِىَ بغَدائه خبز وزيت وملح جريش، فوُضع وقال : ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟ قالت: إنى لأسمع حسّ رجل، فقال : أجل، فقالت : لو أردتَ أن أبرز للرجال اشتريتَ لى غير هذه الكسوة ؛ فقال : أُوَمَا ترضَيْن أن يقال: أمّ كلثوم بنت علىّ وامرأة عمر! فقالت: ما أقلّ غَناء ذلك عنى ! ثم قال للرجل : ادنُ فكلْ؛ فلو كانت راضيةً لكان أطيب مما تَرى ، فأكلا حتى إذا فرغ قال: رسولُ سارية بن زُنيم يا أمير المؤمنين . فقال : مرحبًا وأهلا، ثم أدناه حتى مست ركبتُهُ ركتبته، ثم سأله عن ٢٧٠٣/١ المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زُنيم، فأخبره، ثم أخبره بقصّة الدُّرْج(٥)، فنظر إليه ثم صاح به ، ثم قال : لاولا كرامةَ حتى تقدم على ذلك الجند فتقسمه بينهم . فطرده ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ؛ إنى قد أنضيتُ إبلى واستقرضت فى جائزتى ، فأعطِى ما أتبلّغ به ؛ فما زال عنه حتى أبدله بعيرً ببعيره من إبل الصدقة ، وأخذَ بعيرَه فأدخله فى إبل الصدقة ، ورجع الرسول مغضوبًا عليه محرومًا حتى قدم البصرة ، فنفذ لأمر عمر ، وقد كان سأله أهل المدينة عن سارية ، وعن الفتح وهل سمعوا شيئًا يوم الوقعة ؟ فقال : نعم، سمعنا: ((ياسارية، الجبل))، وقد كدنا نهلك، فلجأنا إليه، ففتح اللّه علينا. كتب إلى السرىّ ، عن شعيب عن سيف ، عن المجالد ، عن الشعبىّ ، مثل حديث عمرو . (١) ابن حبيش: ((رجلا)). (٣) ف: ((حتى قدم)). (٥) الدرج : سفيط صغير . (٢) ابن حبيش: ((إلى أهلك)). (٤) من ف . ١٨٠ سنة ٢٣ ذکر فتح گرمان كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو ؛ قالوا: وقصد سُهيل بن عدىّ إلى كَرْمان، ولحقه عبد الله بن ٢٧٠٤/١ عبد الله بن عِشْبان، وعلى مقدّمة سُهيل بن عدىّ النُّسير بن عمرو العْجْلىّ، وقد حشد له أهل كَرْمان ، واستعانوا بالقُفْس ؛ فاقتتلوا فى أدنى أرضهم ، ففضّهم اللّه ، فأخذوا عليهم بالطريق، وقَتَل النُّسَيْرُ مرزبانتها ، فدخل سهيل من قِبَل طريق القُرّى اليومَ إلى جِبَرَفْت، وعبد الله بن عبد الله من مفازة شير ، فأصابوا ما شاءوا من بعير أوشاء ، فقوّموا الإبل والغنم فتحاصُّوها بالأثمان لعظَم البُخْت على العراب، وكرهوا أن يزيدوا ، وكتبوا إلى عمر ؛ فكتب إليهم : إنّ البعير العربىّ إنما قُوّم بتعيير(١) اللحم؛ وذلك مثله ؛ فإذا رأيتم أنّ فى البُخت فضلا فزيدوا فإنما هى من قِيَمه . وأما المدائنىّ ، فإنه ذكر أنّ علىّ بن مجاهد أخبره عن حنْبل بن أبى حريدة - وكان قاضى قُهِسْتان عن مَرْزُبان قُهستان، قال: فتح كَرْمان عبد الله بن بُدَيل بن ورقاء الخُزاعىّ فى خلافة عمر بن الخطاب، ثم أتى الطَّبَسَيْن من كَرْمان ، ثم قدم على عمر ، فقال : يا أميرَ المؤمنين ؛ إنى ٢٧٠٥/١ افتتحت الطَّبَسَيْن فأقطِعْنِيهما، فأراد أن يفعل، فقيل لعمر: إنهما رُستاقان عظيمان، فلم يُقطعه إيّاهما ؛ وهما بابا خُراسان . ... ذكر فتح سِجِسْتَان قالوا : وقصد عاصم بن عمرو لسجِسْتَان ، ولحقه عبد الله بن عمير ، فاستقبلوهم فالتقوا هم وأهل سجستان فى أدنى أرضهم ، فهزموهم ثم أتبعوهم ، حتى حصروهم بزَرَنْج، ومخروا أرض سِجِسْتان ما شاءوا. ثمّ إنهم طلبوا الصّلح على زَّرَنْج وما احتازوا من الأرضين ؛ فأعطوه ، وكانوا قد اشترطوا فى صلحهم أنّ فدا فِدَها حِمَّى؛ فكان المسلمون إذا خرجوا تناذَرُوا خِشية (١) ط: ((بتعبير))؛ وأثبت ما فى ابن الأثير؛ وأصله من تعيير الوزن والكيل؛ أى تقديرهما .