Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
سنة ١٤
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن سليمان بن بشير ،
عن أمّ كثير؛ امرأة همّام بن الحارث النَّخَعَىّ، قالت : شهدنا القادسيَّة مع
سعد مع أزواجنا ، فلمَّا أتانا أن قد فُرغ من الناس شددنا علينا ثيابَنا ،
وأخذنا الهَرَاوَى ، ثم أتينا القتْلى ؛ فما كان من المسلمين سقيناه ورفعناه ؛
وما كان من المشركين أجهزنا عليه، وتبعنا الصّبْيان نولّيهم ذلك ، ونصرّ فهم به.
٢٣٦٣/١
كتب إلىّ السرئُّ، عن شعيب ، عن سيف، عن عطّة - وهو ابن
الحارث - عمَّن أدرك ذلك ؛ قال : لم يكن من قبائل العرب أحد أكثر
امرأةٌ يوم القادسيَّة من بجيلة والسَّخَع، وكان فى النَّخَعَ سبعمائة امرأة
فارغة، وفى بَجيلة ألف، فصاهر هؤلاء ألفٌ من أحياء العرب ، وهؤلاء
سبعمائة ، وكانت النَّخَعَ تُسمَّى أصهار المهاجرين ، وبجيلة ، وإنَّما
جرّاهم على الانتقال بأثقالهم توطئةُ خالد، والمثنَّى بعد خالد ، وأبى عُبيد
بعد المثنَّى، وأهل الأيَّام ، فلاقوا بأسًا بعد ذلك شديدًا .
كتب إلىَّ السرِئُّ؛ عن شُعيب ، عن سيف ، عن محمَّد والمهلَّب
وطلحة ، قالوا: وكان بُكَيْر بن عبد اللّه اللَّيْىّ وعتبة بن فَرْقَد السُّلَمِىّ
وسماك بن خَرَشة الأنصارىّ - وليس بأبى دُجانة - قد خطبوا امرأة يوم
القادسيَّة، وكان مع النَّاس نساؤهم؛ وكانت مع النَّخَع سبعمائة امرأة
فارغة؛ وكانوا يُسمَّوْن أختانَ المهاجرين حتى كان قريبًا؛ فتزوجهنّ المهاجرون
قبل الفتح وبعد الفتح ؛ حتى استوعبوهنّ ، فصار إليهن سبعمائة رجل من
الأفناء؛ فلَّما فرغ النَّاس خطب هؤلاء النَّر هذه المرأة - وهى أرْوَى ابنة
عامر الهلاليَّة - هلالِ النَّخَعَ؛ وكانت أختها هُنَيْدة تحتَ القعقاع بن
عمرو التميمىّ، ، فقالت لأختها : استشيرى زوجتَك أيَّهم يراه لنا ! ففعلت ؛
وذلك بعد الوقعة وهم بالقادسيَّة ؛ فقال القعقاع : سأصفهم فى الشعر فانظرى
لأختك ، وقال :
٢٣٦٤/١
سِماكاً أخا الأنصار أوْ إبن فَرْقَدٍ
إن كنتِ حاولتِ الدّراهِمِ فانكِحِى
بُكَيْرًا إذاما الخيلُ جَالَتْ عن الرَّدِى
وإن كنتٍ حاولتِ الطَِّانِ فَيِِّى
فشأْنَكُمُ إِنّ البَيَانَ عن الغَدَ
وكلُّهُمُ فِى ذِرْوة المجدِ نَازلٌ

٥٨٢
سنة ١٤
وقالوا : وكانت العرب توقَّعُ(١) وقعة العرب وأهل فارس فى القادسيّة فيما
بين العُذيب إلى عَدَنِ أَبْيَن، وفيما بين الأُبلّةِ وأيلَة؛ يرون أنّ ثبات
مُلكهم وزواله بها، وكانت فى كلّ بلد (٢) مُصِيخةً إليها، تنظُرما يكون من
أمرها؛ حتَّى إن كان الرجل ليريد الأمر فيقول: لا أنظرفيه حتّى أنظرما يكون من
أمر القادسيَّة . فلمّا كانت وقعة القادسية سارت بها الجنّ ، فأتت بها ناسًا من
الإنس ، فسبقت أخبار الإنس إليهم ؛ قالوا : فبدرت امرأة ليلا على جبل
بصَنْعَاء، لا يُدْرَى مَنْ هى ؟ وهى تقول :
وما خَيْرُ زادٍ بِالْقَلِيلِ الْمُصَرَّدِ
حُِّتِ عنَّا عِكْرِمَ ابنَةً خالِدٍ
٢٣٦٥/١
وَحَيّتْكِ عِّى الشمسُ عند طُلوعها
وحَّاكِ عنّى كلُّ ناجٍ مُفَرَّدٍ
وحَيَّتْكِ عَنِى عُصْبَةٌ نَخَمِيَّةٌ
حِانُ الْوُجوهِ آَمَنوا بِمُحَمَّدٍ
بكلِّ رَقيقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدٍ
أقامو لِكِسْرَى يَضْرِبون جُنودَه
مِنَ الموت تَدْوَدُّ الفَيَاطِلُ بُجْرَدِ
إِذَا تَوَّبَ الدَّاعِى أناخوا بَكَلْكَلِ
وسمع أهل اليمامة مجتازًا يغنِّى بهذه الأبيات:
وَجَدْنا الأكْثَرَينِ بنِى تَجٍ غَدَاةَ الرَّوْعِ أَصْبَرَهُمْ رِجَالا
◌ُ ساروا بِأَرْعَنَ مُكْغَيِرٍ إِلى ◌ِجَبٍ فَزَرِّنْهُمْ رِعالا
كأُنْدِ الغاب تحسَبُهُمْ حِبالا
بُجُورٌ لِلأكاسِرِ مِن رِجالٍ
تَرَكْنَ لهم بقادِسَ عِزَّ فَخْرٍ وبالحيفَْنِ أَيَّامً طِوالا
بِرِدَى حيثُ قابلَتِ الرِّجالا
مُتَطَّةً أكفُّهَمُ وسُوقٌ
٢٣٦٦/١
(١) ابن الأثير: ((تتوقع)).
(٢) ابن حبيش: ((بلدة)).
٠

٥٨٣
سنة ١٤ر
قال: وسُمع بنحو ذلك فى عامَّة بلاد العرب .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمّد والمهلَّب وطلحة،
قالوا : وكتب سعد بالفتح وبعدّة مَنْ قتلوا وبعدّة من أصيب من المسلمين؛
وسَمَتَّى لعمر مَنِ يعرف مع سعد بن عُمَيلةِ الفزارىّ، وشاركهم النَّصْر بن
السرىّ عن ابن الرُّفيل بن مَيْسور؛ وكان كتابه : أمَّا بعد ؛ فإن اللّه نصرنا
على أهل فارس ، ومنحهم سُنَّن مَن كان قبلهم من أهل دينهم، بعد
قتال طويل وزَّلْزال شديد ، وقد لقوا المسلمين بعدّة لم ير الراءون مثل
زُهائها (١) فلم ينفعهم اللّه بذلك ، بل سكبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين ،
واتّبعهم المسلمون على الأنهار وعلى طفوف الآجام وفى الفجاج ؛ وأصيب من
المسلمين سعد بن عبيد القارئ ، وفلان ، وفلان ، ورجال من المسلمين
لا نعلمُھم، اللهُ بهم عالِم ، کانوا یُدوُّون بالقرآن إذا جنّ عليهم الليل
دَوِىَّ النحل ، وهم آساد النَّاس؛ لا يشبههم (٢) الأسود، ولم يفضُل مَن مضى
منهم مَنْ بقى (٣) إلاّ بفضل الشهادة إذلم تُكتَب لهم.
٢٣٦٧/١
كتب إلىَّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مجالد بن سعيد ،
قال: لمّا (٤) أتى عمرَ بن الخطاب (٥) نزولُ رستم القادسيَّة، كان يستخبر الرّكبان
عن أهل القادسيَّة من حين يُصبح إلى انتصاف النهار ، ثم يرجع إلى أهله
ومنزله. قال: فلمَّا لفىَ(٦) البشير سأله من أين (٧)؟ فأخبره، قالُ: يا عبدَ الله
حدّثنى، قال: هزم اللّه العدوّ(٨)، وعمر يخُبّ معه ويستخبره(٩) والآخر يسير
على ناقته ولا يعرفه (١٠)؛ حتى دخل المدينة، فإذا الناس يسلِّمون عليه بإمْزة
المؤمنين ، فقال: فهلاً أخبرتنى رحمك الله، أنَّك أمير المؤمنين! وجعل
عمر يقول : لا عليك يا أخى !
كتب إلىَّ السرىُّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلّب
(١) الزهاء : العدد أو المقدار .
(٣) ابن حبيشٍ: ((على من بقى)).
(٥) ابن حبيش: ((الخبر بنزول)).
(٧) ابن حبيش: ((من أين جاء)).
(٩) ابن الأثير: ((يسأله)).
(٢) ابن حبيش: ((لا تشبههم)).
(٤) ابن حبيش: ((ولما)).
(٦) ابن حبيش: ((لقيه)).
(٨) ابن الأثير: ((المشركين)).
(١٠) ابن حبيش: ((وهو لا يعرفه) .

٥٨٤
سنة ١٤
وزياد ، قالوا : وأقام المسلمون فى انتظار بلوغ البشير وأمرِ عمر ، يقوِّمون
أقباضهم ، ويَحزُرُون جندَهم، ويرمُّون أمورهم . قالوا: وتتابع أهلُ
العراق من أصحاب الأيَّام الذين شهدوا اليرموك ودمشق، ورجعوا مُمِدِّين
لأهل القادسيّة؛ فتوافوْا بالقادسيَّة من الغد ومن بعد الغد، وحاء أوّلهم يوم
أغواث، وآخرهم من بعد الغد من يوم الفتح ، وقدمت أمداد فيها مُراد
٢٣٦٨/١ وهَمْدان، ومن أفناء الناس، فكتبوا فيهم إلى عمر يسألونه عمَّا ينبغى أن
يُسار(١) به فيهم - وهذا الكتاب الثانى بعد الفتح - مع نذير بن عمرو . ولمَّا
أتى عمرَ الفتح قام فى النَّاس فقرأ عليهم الفتح ، وقال: إنى حريص على
ألاَ أُدَعَ حاجة إلاّ سددتها ما اتَّسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك عنَّا
تآسینا فی عیشنا حتى نستوی فی الکفاف ، ولوددت أنّکم علمتم من نفسی
مثل الذى وقع فيها لكم ، ولستُ معلّمكم(٢) إلاّ بالعمل (٣)؛ إنى والله ما أنا
بملك فأستعبد كم ، وإنَّما أنا عبدُ اللّه عَرَضَ على الأمانة، فإن أبيتُها
ورددتها عليكم واتَّبّعتكم حتى تشبعوا فى بيوتكم، وتروَوْاْ سعدتُ ، وإن أنا
حملتها واستتبعتُها (٤) إلى بيتى شقيت؛ ففرِحتُ قليلا، وحزنت طويلا ،
وبقيت لا أقال ولا أرَدّ فأستعتِب .
قالوا : وكتبوا إلى عمر مع أنس بن الحُليس : إنَّ أقوامًا من
أهل السَّواد ادعوا عهوداً، ولم يُقِمْ على عهد أهل الأيام لنا ، ولم يفٍ
به أحد علمناه إلاّ أهل بانِقيا وبَسْما وأهل ألَّيْس الآخرة وادّعى
أهل السَّواد أنَّ فارس أكرهوهم وحشروهم ؛ فلم يخالفوا إلينا ؛ ولم يذهبوا
فى الأرض .
٢٣٦٩/١
وكتب مع أبى الهيّاج الأسدىّ - يعنى ابن مالك - إنّ أهلَ
السّواد جلوا ، فجاءنا من أمسك بعهده ولم يُجلب علينا ؛ فتمّمنا
لهم ما كان بين المسلمين قبلنا وبينهم ؛ وزعموا أنّ أهلَ السَّواد(٥)
قد لحقوا بالمدائن ، فأحدث إلينا فيمن تمَّ وفيمن جلا وفيمن ادّعى أنه
(١) ز: ((يشار)).
(٣) ز: ((بالعلم)) ..
(٥) أبن حبيش: ((الأرض)).
(٢) ابن حبيش: ((معلمكوه).
(٤) كذا فى ز .

٥٨٥
سنة ١٤
استكره وحشر فهرب ولم يقاتل، أو استسلم(١)؛ فإنَّا بأرض رغيبة(٢)، والأرض
خلاء من أهلها ، وعددنا قليل ، وقد كثر أهل صُلحنا؛ وإنّ أعمرَ لنا وأوهن
لعدوّنا تأُّفُهم، فقام عمر فى الناس فقال : إنَّه مَن يعمل بالهوى والمعصية
يسقط حظُّه ولا يضرّ إلا نفسه، ومَنْ يتَّبع السُّنَّة وينتهِ إلى
الشرائع ، ويلزم السبيل النَّهْج ابتغاء ما عند الله لأهل الطاعة ؛ أصاب
أمره، وظفر بحظّه، وذلك بأنَّ اللّه عزّ وجلّ يقول: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً
وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ﴾(٣)، وقد ظفر أهل الأيّام والقوادس بما يليهم ،
وجلا أهله ، وأتاهم مَنْ أقام على عهدهم، فما رأيكم فيمن زعم أنه استُكرِه
وحُشر ؛ وفيمن لم يدّع ذلك ولم يُقِمِ وجَلاً، وفيمن أقام ولم يدّع شيئًا ،
ولم يَجْلُ، وفيمن استسلم. فأجمعوا على أنّ الوفاء لمن أقام وكفَ لم يزده غَلَبُه
إلا خيرًا ، وأن من ادّعى فُصدِّق أو وفى فيمنزلتهم ، وإن كُلِّب نُبذ إليهم
وأعادوا صلحهم ؛ وأن يُجعل أمر مَنْ جلا إليهم ، فإن شاءوا وادعوهم وكانوا
لهم ذمَّة ، وإن شاءوا تموا على منعهم من أرضهم ولم يُعطوهم إلاّ القتال؛
وأن يخيِّرُوا مَن أقام واسستسلم: الجِزاء، أو الجَلاء، وكذلك الفلاح.
٢٣٧٠/١
وكتب جواب كتاب أنس بن الحُليس: أمَّا بعُد ؛ فإنَّ الله جل وعلا
أنزل فى كلّ شيء رُخْصة فى بعض الحالات إلاّ فى أمرين : العدل فى
السيرة والذكر؛ فأمَّا الذكر فلا رخصة فيه فى حالة،ولم يرض منه إلاّ بالكثير،
وأمَّا العدل فلا رخصة فيه فى قريب ولا بعيد، ولا فى شدّة ولا رخاء ، والعدل .-
وإن رُفِىَ ليِّناً - فهو أقوى وأطفأ للجور، وأقمَع للباطل من الجوْر ، وإن
رُئِى شديدًا فهو أنكشُ للكفر؛ فمن تَمّ على عهده من أهل السَّوَاد ، ولم
يُعِنْ عليكم بشىء؛ فلهم الذمّة، وعليهم الجِزْية؛ وأمَّا مَنَ ادّعى أنه
استكرِهِ ممن لم يخالِفْهم إليكم أو يذهب فى الأرض؛ فلا تصدّ قوهم بما ادّعوا
من ذلك إلاّ أن تشاءوا ؛ وإن لم تشاءوا فانبذوا إليهم، وأبلغوهم مأمنتهم .
(١) ابن حبيش: ((واستسلم)).
(٢) أرض رغيبة : مرغوب فيها .
(٣) سورة الكهف ١٩ .

٥٨٦
٢٣٧١/١
سنة ١٤
وأجابهم فى كتاب أبى الهيَّاج: ( أمَّا من أقام ولم يَجْلُ وليس له عهد فلهم
ما لأهل العهد(١) بمقامهم لكم وكفِّهم عنكم إجابة، وكذلك الفلاّحون إذا
فعلوا ذلك ؛ وكلّ من ادّعى ذلك فصُدَّق فلهم الذمَّة ؛ وإن كذّبوا نُبذ
إليهم؛ وأمَّا مَنْ أعان وجلا(٢)؛ فذلك أمرٌ جعله الله لكم؛ فإن شئتم فادعُوهم
إلى أن يقيموا (٣) لكم فى أرضهم، ولم الذِّمَّة ، وعليهم الجزية ؛ وإن کرهوا
ذلك ، فاقسموا ما أفاء الله عليكم منهم .
فلمّا قدمتْ كتُب عمر على سعد بن مالك والمسلمين عرضوا على مَن
يليهم مِمَنْ جلا وتنحى عن السواد أن يتراجعوا، ولهم الذمَّة وعليهم الجزية،
فتراجعوا وصاروا ذمَّة كمن تمّ وازم عهدَه؛ إلاّ أن خراجهم أثقل ؛ فأنزلوا من
ادّعى الاستكراه وهرب منزلتتهم وعقدوا لهم ، وأنزلوا مَن أقام منزلة ذى العهد
وكذلك الفلاحين ، ولم يُدخلوا فى الصلح ما كان لآل كسرى ، ولا ما كان
لمن خرج معهم، ولم يُجبهم إلى واحدة من اثنتين: الإسلام ، أو الجزاء ،
فصارت فيئًا لمن أفاء الله عليه؛ فهى والصوافى (٤) الأولى ملك لمن أفاء اللّه عليه،
وسائر السواد ذمَّة وأخذوهم بخراج كسرى ، وكان خراج كمرى على رءوس
الرّجال على ما فى أيديهم من الحصّة والأموال، وكان مما أفاء الله عليهم ما كان
لآل كسرى، ومن صوّب معهم وعيالُ من قاتل معبهم وماله، وما كان لبيوت
النيران والآجام ومستنقع المياه ، وما كان للسّكك ، وما كان لآل كسرى ،
فلم يَتَأَتَّ قَسْم ذلك الفىء الذى كان لآل كسرى ومن صوّب معهم ؛ لأنه
كان متفرّقًا فى كلّ السّواد، فكان يليه لأهل الفيء مَن وَثِقُوا به ،
وتراضَوْا عليه ؛ فهو الَّذى يَتَداعاه أهلُ الفىء لاعُظْمُ السواد؛ وكانت
الولاة عند تنازعهم فيها تهاونُ بقسمه بينهم ؛ فذلك الذى شَّبه على الجَهَلة
أمر السَّواد، ولو أنّ الحُلماء جامعوا السُّفهاء الذين سألوا الوُّلاةَ قسمَه لقسموه
بينهم ، ولكنَّ الحلماء أبوًا، فتابع الولاة الحلماء ، وتُرِك قول السفهاء .
كذلك صنع علىّ رحمه اللّه، وكلّ مَنْ طُلب إليه قسمُ ذلك، فإنَّما تابع
٢٣٧٢/١
(١) ابن حبيش: ((العهدة)). (٢) ز: ((رجلا)).
(٤) الصوافى: الأرض والأملاك التى جلا عنها أهلها .
(٣) ابن حبيش: ((يقوموا)).

سنة ١٤
٥٨٧
الحُلماء ، وترك قولَ السُّفهاء، وقالوا: لئلاّ يضرب بعضُهم وجوهَ بعض.
کتب إلىّ السَّرئُّ ، عن شعیب ، عن سیف ، عن محمد بن قیس ،
عن عامر الشَّعْبِىّ، قال: قلت له : السّواد ما حاله ؟ قال: أخذعَنْوَةً،
وكذلك كلّ أرض إلاّ الحصون، فجلا أهلها؛، فدُعوا إلى الصّح والذّة،
فأجابوا وتراجعوا، فصاروا ذمَّة، وعليهم الجِزاء، ولم المَنّعة ، وذلك هو
السنَّة، كذلك صنع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بدُومة، وبقىَ ما كان
لآل كسرى ومن خرج معهم فيئًا لمن أفاءه اللّه عليه .
كتب إلىّ السرىُّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن طلحة وسفيان ، عن
ماهان، قالوا: فتح اللّه السَّوَادَ عَنْوةً - وكذلك كلّ" أرض بينها وبين نهر
بِلْخ - إلاّ حصنًا، ودُعُوا إلى الصلح، فصاروا ذمَّة، وصارت لهم أرَضوهم
ولم يُدخلوا فى ذلك أموال آل كسرى ومن اتّبعهم، فصارت فيئًا لمن أفاءه الله
عليه ، ولا يكون شىء من الفتوح فيئًا حتى يُقَسم ؛ وهو قوله: ﴿مَا غِنْتُمْ
مِنْ شَىءٍ)؛ ممّا اقتسمتم.
٢٣٧٣/١
كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن إسماعيل بن مسلم ،
عن الحسن بن أبى الحسن ، قال : عامَّة ما أخذ المسلمون عبَنْوة فدعوهم
إلى الرجوع والذمَّة ، وعرضوا عليهم الجزاء فقبلوه وهنعوهم .
وعن سيف، عن عمرو بن محمَّد ، عن الشعبىّ، قال: قلت له : إنّ
أناسًا يزعمون أنّ أهل السّواد عبيد، فقال: فعلام يؤخذ الجزاء من العبيد ؟
أخذ السَّوَاد عَنْوة، وكلّ أرض علمتتها إلاّ حصنًا فى جبل أو نحوه .
فدَّعوا إلى الرجوع فرجعوا، وقبل منهم الجزاء ، وصاروا ذمَّة؛ وإنَّما يُقْسَ
من الغنائم ما تُغْنُّم؛ فأمَّا ما لم يُغْنَم وأجاب أهله إلى الجزاء من قبل أن يُتُغنّم،
فلهم جرت السنَّة بذلك .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن أبى ضَمْرة ، عن
عبد الله بن المستورِد ، عن محمد بن سيرين ، قال: البلدان كلّها أخذت
عَنْوة إلاّ حصون قليلة، عاهدوا قبل أن يُنزَلوا. ثم دُعوا - يعنى الذين
أخذوا عَنْوة - إلى الرّجوع والجزاء، فصاروا ذمَّة أهل السَّواد، والجَبَل كلّه
١

٥٨٨
سنة ١٤
٢٣٧٤/١
أمر لم يزل يُصنع فى أهل الفىء، وإنما عمل عمر والمسلمون فى هذا الجزاء والذمَّة
على إجريًا (١) ما عمل به رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى ذلك، وقد كان
بعث خالد بن الوليد من تَبُوك إلى دُّومة الجندل ، فأخذها عَنْوة ، وأخذ
ملكها أكتَيْدِرَ بن عبد الملك أسيرًا، فدعاه إلى الذمَّة والجزاء ، وقد أخذت
بلاده عَنْوة، وأخذ أسيرًا؛ وكذلك فعل با بنى عريض (٢)، وقد أخذا
فادّعيا أنهما أودّاؤه، فعقد لهما على الجِزاء والذمَّة، وكذلك كان أمر يُحنّه
ابن رُؤية صاحب أيْلة . وليس المعمول به من الأشياء كرواية الخاصّة، مَن
روى غير ما عمل به الأئمة العدول المسلمون ، فقد كذب وطعن عليهم .
وعن سيف ، عن حجَّاج الصوّاف ، عن مسلم مولى حُذيفة ، قال :
تزوّج المهاجرون والأنصار فى أهلِ السّواد - يعنى فى أهل الكتابْين منهم ،
ولو كانوا عبيدًا لم يستحلّوا ذلك ، ولم يحل لهم أن ينكحوا إماء أهل الكتاب؛
لأنّاللّه تعالى يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً (٣) ... ) الآية، ولم يقل:
(( فتياتهم من أهل الكتابين )) .
٢٣٧٥/١
وعن سيف ، عن عبد الملك بن أبى سليمان، عن سعيد بن جُبير، قال :
بعث عمر بن الخطّاب إلى حُذيفة بعد ما ولاه المدائن وكثر المسلمات : إنه -
بلغنى أنَّك تزوَّجت امرأة من أهل المدائن من أهل الكتاب فطلَّقُها . فكتب
إليه : لا أفعل حتَّى تخبرنى: أحلال أم حرام ، وما أردت بذلك !
فكتب إليه : لا بل حلال ، ولكن فى نساء الأعاجم خلابة ، فإن أقبلتم
عليهنّ غلبنكم (٤) على نسائِكم . فقال : الآن ؛ فطلَّتُها .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عن سيف، عن أشعث بن سِوَار ،
عن أبى الزبير ، عن جابر، قال : شهدت القادسيّة مع سعد ، فتزوّجنا
نساء أهل الكتاب ، ونحن لا نجد كثير مسلمات ، فلمَّا قفلنا ؛ فمنًّا من
طلّق ، ومنًّا من أمسك .
وعن سيف ، عن عبد الملك بن أبى سليمان ، عن سعيد بن جُبَير، قال :
(١) ابن حبيش: ((على آخر ما)).
(٣) سورة النساء ٢٥ .
(٢) ابن حبيش: ((حريض).
(٤) ز: ((غلبتكم)).

٥٨٩
سنة ١٤
أخذ السَّوَادِ عَنْوة ، فدُعوا إلى الرّجوع والجزاء، فأجابوا إليه ، فصاروا
ذمَّة ، إلاّ ما كان لآل كسرى ، وأتباعهم، فصار فيئًا لأهله ، وهو الذى
يتحجَّى أهل الكوفة إلى أن جُهل ذلك، فحسبوه السَّواد كلَّه، وأمَّا سوادهم؛
فذلك .
وعن سيف ، عن المستنير بن يزيد ، عن إبراهيم بن يزيد النَّخعىّ ،
قال: أخذ السَّاد عَنْوة، فدُعوا إلى الرجوع ، فنْ أجابَ فعليه الجزية وله
الذمة، ومن أبى صار ماله فيئًا، فلا يحلّ بيع شىء من ذلك القىء فيما بين
الجَبَل إلى العُذَيب من أرض السَّواد ولا فى الجبَل .
وعن سيف، عن محمَّد بن قيس، عن الشعبىّ، بمثله : لا يحلّ بيع شىء من
ذلك القىء فيما بين الجبل والعُذَيب .
٢٣٧٦/١
وعن سيف ، عن عمرو بن محمَّد ، عن عامر ، قال : أقطع الزبير
وخبّاب وابن مسعود وابنٍ ياسر وابن هبَّار أزمانَ عثمان، فإن يكن عثمان أخطأ
فالَّذين قبلوا منه الخطأ أخطأ ؛ وهم الذين أخذنا عنهم ديننا . وأقطع عمر طلحة
وجرير بن عبد اللّه والرُّبِيل بن عمرو، وأقطع أبا مُفَزْردار الفيل فى عدد
ممَّن أخذنا عنهم ، وإنما القطائع على وجه النّفْل من خُمس ما أفاء الله .
وكتب عُمر إلى عُثمان بن حُنِيف مع جرير : أمَّا بعد ؛ فأقطْع جرير
ابن عبد اللّه قَدْر ما يقُوته لا (١) وَكْس ولا شَطَطَ فكتب عثمان إلى عمر:
إنّ جريرًا قدم على" بكتاب منك تُقْطعه ما يقوته، فكرهت أن أمضى
ذلك حتى أراجعتك فيه . فكتب إليه عمر : أن قد صدق جرير ، فأنفذ
ذلك ، وقد أحسنتَ فى مؤامرتى (٢) وأقْطع أبا موسى، وأقطع علىَّ رحمه الله
كردوسَ بن هانىء الكردُ وسيّة، وأقطع سُويد بن غفلة الجوفىّ.
وعن سيف ، عن ثابت بن هُريْم ، عن سُوَيَد بن غفلة ، قال :
استقطعت عليّا رحمه اللّه، فقال : اكتب : هذا ما أقطع على ◌ّسُوّيدا أرضا
لداذ وَيْه؛ ما بين كذا إلى كذا وما شاء اللّه.
وعن سيف ، عن المستنير، عن إبراهيم بن يزيد، قال: قال عمر: إذا ٢٣٧٧/١
(١) ز: ((ولا)).
(٢) مؤامرقى ، أى مشاورتى .

٢
سنه ١٤
عاهدتم قومًا فأبرءوا إليهم من معرّة الجيوش . فكانوا يكتبون فى الصلح لمن
عاهدوا: ((ونبرأ إليكم من معرّة الجيوش».
وقال الواقدىّ: كانت وقعة القادسيَّة وافتتاحهاسنة ستّ عشرة، وكان بعض
أهل الكوفة يقول : كانت وقعة القادسيَّة سنة خمس عشرة .
قال : والشَّبَت عندنا أنَّها كانت فى سنة أربع عشرة .
وأما محمد بن إسحاق فإنه قال : كانت سنة خمس عشرة ، وقد
مضى ذكرى الروايةَ عنه بذلك .
. .
ذكر بناء البَصْرة
قال أبو جعفر : وفى سنة أربع عشرة أمر عمر بن الخطّاب رحمه الله
- فيما زعم الواقدىّ - النّاس بالقيام فى المساجد فى شهر رمضان بالمدينة، وكتب
إلى الأمصار يأمر المسلمين بذلك .
وفى هذه السنة - أعنى سنة أربع عشرة - وجَّه عمر بن الخطاب عُتْبة
ابن غَزْوان إلى البصرة ، وأمره بنزولها بمَن معه، وقطع مادّة أهلِ فارس
عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم فى قول المدائنی وروايته .
وزعم سيف أن البصرة مُصّرت فى ربيع سنة ست عشرة ، وأنّ عتبة بن
غَزْوان إنَّما خرج إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكْرِيت
والحِصْنين ؛ وجَّهه إليها سعد بأمر عمر .
كتب إلىّ السرىُّ، عن شعيب ، عنه. فحدثنى عمر بن شبة ؛ قال :
حدّثنا علىّ بن محمد، عن أبى مخْنِف، عن مجالد، عن الشعبىّ ، قال :
قُتل مهران سنة أربع عشرة فى صفر ، فقال عمر لعتبة - يعنى ابنَ غزوان -:
قد فتح الله جلّ وعزّ على إخوانكم الحيرة وما حولها ، وقتل عظيم من عظمائها،
١٣٧٨/١

سنة ١٤
ولست آمن أن يمدّهم إخوانُهم من أهل فارس؛ فإنى (١) أريدأن أوجهك إلى أرض
الهند(٢) ، لتمنّع أهلَ تلك الجيزة من إمداد إخوانهم على إخوانكم، وتقاتلهم؛
لعلّ اللّه أن يفتح عليكم. فسرْ على بركة الله، واتَّق الله ما استطعت ،
واحكم بالعدل، وصلّ الصلاة لوقتها، وأكثر ذكر الله . فأقبل عتبة فى
ثلثمائة وبضعة عشر رجلا ، وضوَى إليه قوم من الأعراب وأهل البوادى ،
فقدم البصرة فى خمسمائة ، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا ، فنزلها فى شهر
ربيع الأول - أو الآخر - سنة أربع عشرة ، والبصرة يومئذ تدعى أرضَ الهند
فيها حجارة بيض خُشُن ، فنزل الخُريبة ، وليس بها إلاّ سبع دساكر؛
بالزابُوقة والخُرَيبة ووضع بنى تميم والأزد: ثنتان بالخُريبة، وثنتان بالأزد، وثنتان
فى موضع بنى تميم وواحدة بالزابوقة . فكتب إلى عمر، ووصف له منزله. فكتب
إليه عمر : اجمع للناس موضعًا واحدًا ؛ ولا تفرّقهم ؛ فأقام عتبة أشهراً لا يغزو
ولا يلقى أحدًا .
٢٣٧٩/١
وأنَّا محمد بن بَشَّر؛ فإنَّه حدّثنا، قال : حدّثنا صفوان بن عيسى
الزُّهرىّ ، قال: حدثنا عمرو بن عيسى أبو نَعامة العَدَوِىّ، قال: سمعت
خالد بن عُمَيْر وسُوَيْسًا أبا الرُّقاد، قالا : بعث عمر بن الخطاب عتبة بن
غزوان ، فقال له : انطاق أنت ومن معك ؛ حتّى إذا كنتم فى أقصى
أرض العرب وأدنى أرض العجم ، فأقيموا . فأقبلوا حتى إذا كانوا بالمِرْبَد
وجدوا هذا الكذّان(٣). قالوا: ما هذه البَصْرةُ؟ فسار واحتى بلغوا حيال الجِسْر
الصغير، فإذا فيه حَلْفاء وقصبٌ نابتة، فقالوا: ها هنا أمرتم ، فنزلوا دون
صاحب الفُرات ، فأتوه فقالوا : إنّ ها هنا قومًا معهم راية ، وهم يريدونك ،
فأقبل فى أربعة آلاف أسوار ، فقال : ما هم إلا ما أرى ؛ اجعلوا فى أعناقهم
الحبال؛ وأتونى بهم؛ فجعل عتبة يَزْجَل (٤)، وقال: إنى شهدت الحرب (٥) مع
النبيّ صلّى الله عليه وسلم ؛ حتى إذا زالت الشمس، قال : احملوا ؛ فحملوا
عليهم فقتلوهم أجمعين ، فلم يبق منهم أحد إلاّ صاحب الفرات ، أخذوه
(١) ابن حبيش: ((فأنا)).
(٣) الكذان : حجارة رخوة كالمدر .
(٥) ابن حبيش: ((القتال)).
(٢) ابن حبيش: ((السند)).
(٤) يزجل : يرفع صوته .
:

٥٩٢
سنة ١٤
٢٣٨٠/١
أسيرًا ، فقال عتبة بن غزوان: ابغوا لنا منزلا هو أنزه من هذا - وكان يوم
عكاك (١) وَوَمَد(٢) - فرفعوا له منبرًا، فقام يخطب ، فقال: إنَّ الدنيا قد
تصرّمت وولَّتْ حَذّاء(٣)، ولم يبق منها إلا صُبابة كصُبابة (٤) الإناء. ألا وإنّكم
منتقلون منها إلى دار القرار ، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم . وقد ذكر لى :
لو أنّ صخرة ألقيت من شفير جهنم" هوت(٥) سبعين خريفاً، ولتُملأنّه؛
أوعجِبِتم! ولقد ذكر لى أنَّ ما بين مصراعين من مصاريع الجنَّة مسيرة أربعين
عامًا،، وليأتينّ عليه يوم وهو كظيظ(٦) بزحام، ولقد رأيتُنِى وأنا سابع سبعة
مع النبيّ صلى الله عليه وسلم، مالنا طعام إلا ورق السَّمُر، حتى تقرّحت
أشداقنا؛ والتقطت بُردة فشققتها بينى وبين سعد، فما منّاً من أولئك السبعة من
أحد إلا وهو أمير مِصْر من الأمضار ، وسيُجرِّبون الناس بعدنا.
وعن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلب وعمرو ، قالوا : لما توجَّه عتبة بن
غزوان المازنىّ من بنى مازن بن منصور من المدائن إلى فَرْج الهند ، نزل على
الشاطىء بحيال جزيرة العرب ، فأقام قليلا ثم أرز ، ثم شكوا ذلك حتى أمره
عمر بأن ينزل الحجر بعد ثلاثة أوطان إذا اجتّووا الطين ، فنزلوا فى الرابعة
البصرة - والبصرة كل"أرض حجارتها حصّ- وأمر لهم بنهر يجرَّى من دِجْلة،
فساقوا إليها نهرًا للشّفة، وكان إيطان أهل البصرة البصرة اليوم وإيطانُ
أهل الكوفة الكوفة اليوم فى شهر واحد . فأمَّا أهل الكوفة فكان مقامهم قبل
نزولها المدائن إلى أن وطنوها ، وأمّا أهل البصرة فكان مقامهم على
شاطىء دِجْله . ثم أرزوا مرّات حتى استقرّوا وبدءوا، فخنسوا فرسخًا
وجَرُّوا معهم نهرًا، ثم فرسخا ثم جرّوه ثم فرسخاً، ثم جَرُّوه ثم أتوا
حم ياسارة
٢٣٨١/١
(١) العكاك: شدة الحر مع سكون الريح. وفى ز: ((عكاب))، وهو الغبار.
(٢) الومد : شدة الحر .
(٣) حذاء: أى مسرعة .
(٥) ابن الأثير: ((لهوت)).
(٤) الصبابة: البقية.
(٦) الكليط : الممتلى ..

٥٩٣
سة ١٤
الحجر ، ثم جرُّوه، واختُطت على نحو من خطط الكوفة ، وكان على إنزال
البصرة أبو الجرباء عاصم بن الدُّلف، أحد بنى غيلان بن مالك بن عمرو بن تميم.
وقد كان قُطبة بن قتادة - فيما حدّثنى عمر، قال : حدّثنا المدائنِىّ
عن النّضر بن إسحاق السُّلَّمَىّ، عن قطبة بن قتادة السّدُوسىّ-يُغير بناحية
الخُرَيبة من البصرة ، كما كان المثنى بن حارثة الشيبانيّ يُغير بناحية الحيرة.
فكتب إلى عمر يُعلمه مكانه ، وأنه لو كان معه عدد يسير ظفر بمن قبله
من العجم ، فنفاهم من بلادهم . وكانت الأعاجم بتلك الناحية قد هابوه
بعد وقعة خالد بنهر المرأة ، فكتب إليه عمر : إنَّه أتانى كتابك أنَّك تغيرُ
على مَنْ قِبِلك من الأعاجم، وقد أصبت ووُفِّقت ؛ أقم مكانك ، واحذر على
مَن معك من أصحابك حتى يأتيك أمرى . فوجَّه عمر شريح بن عامر، أحد
بنى سعد بن بَكْر إلى البصرة ؛ فقال له : كن ردءًا للمسلمين بهذه الجيزة،
فأقبلَ إلى البصرة ؛ فترك بها قطبة ، ومضى إلى الأهواز حتى انتهى إلى دارس ،
وفيها مسلحة للأعاجم ؛ فقتلوه، وبعث عمر عُتْبة بن غزوان .
٢٣٨٢/١
حد ◌ّثنا عمر، قال: حدثنى على ،عن عيسى بن يزيد، عن عبد الملك بن
حذيفة ومحمد بن الحجّاج، عن عبد الملك بن ◌ُعُمَير، قال: إنّ عمر قال
لعتبة بن غزوان إذ وجَّهه إلى البصرة : يا عتبة، إنّى قد استعملتك على أرض
الهند ، وهى حومة من حومة العدوّ، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها ، وأن
يُعينك عليها. وقد كتبت إلى العلاء بن الحضرمىّ أن يُمدّك بعَرْفجة بن هرثمة؛
وهو ذو مجاهدة العدوّ ووكايدته ، فإذا قدم عليك فاستشره وقرّبه ، وادع إلى
اللّه؛ من أجابك فاقبل منه، ومَنْ أبى فالجزية عن صَغَار وذلّة، وإلاّ فالسيف
فى غير هوادة . واتّق اللّه فيما وُلِّيت، وإيّاك أن تنازعك نفسك إلى كبير يفسد
عليك إخوتك، وقد صحبتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فعززتَ به بعد الذّلة،
وقوِيتَ به بعد الضعف، حتى صرتّ أميرًاً مسلطاً ومَلكا مطاعًا، تقول فيُسمع منك،
وتأمر فيطاع أمرُك ، فيالها نعمة؛ إن لم ترفعك فوق قدرك وتُبطرك على مَنْ دونك!
احتفظ (١) من النعمة احتفاظك من المعصية؛ ولَهِىَ (٢) أخوَفُهما عندى عليك ٢٣٨٣/١
(١) ابن الأثير: ((واحتفظ)).
(٢) ابن حبيش: ((وهى)).

٥٩٤
سنة ١٤
أن تستدرجك وتخدعك، فتسقط سقطة تصير بها إلى جهنم، أعيذك بالله ونفسى
من ذلك. إنّ الناس أسرعوا إلى اللّه حين رفعت لهم الدنيا فأرادوها، فأرد اللّه ولا
ترد الدنيا ، واتّق مصارع الظالمين .
٢٣٨٤/١
حدّثنى عمر بن شبّة، قال: حدثنا علىّ، قال: حدثنا أبو إسماعيل الهمدانىّ
وأبو مخنف، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبىّ، قال: قدم عتبة بن غزوان البصرة [فى(١)
ثلثمائة ، فلما رأى منبت القصب، وسمع نقيق الضفادع قال : إنّ أمير
المؤمنين أمرنى أن أنزل أقصى البَرّ من أرض العرب، وأدنى أرض الرّيف من
أرض العجم ؛ فهذا حيث واجب علينا فيه طاعة إمامنا . فنزل الخُرَيبة
وبالأبلّة خمسمائة من الأساورة يحمونها . وكانت مرفأ السفن من الصين وما دونها،
فسارعُتْبة فنزل دون الإجّانة ، فأقام نحوا من شهر، ثم خرج إليه أهل الأبلَّة
فناهضهم عُتْبة، وجعل قطبة بن قتادة السدوسىّ وقسامة بن زهير المازنىّ فى
عشرة فوارس ، وقال لهما : كونا فى ظهرنا ، فتردًا المنهزم، وتمنعا مَن
أرادنا من ورائنا. ثم التقوا فما اقتتلوا مقدار جَزْر جَزور وقسمِها ؛ حتى
منحهم الله أكتافهم، وولّوا منهزمين ؛ حتى دخلوا المدينة ، ورجع عتبة
إلى عسكره ، فأقاموا أيامًا، وألقى الله فى قلوبهم الرّعب . فخرجوا عن المدينة،
وحملوا ما خفّ لهم، وعَبَروا إلى الفُرات، وخلَّوا(٢) المدينة، فدخلها المسلمون
٢٣٨٥/١ فأصابوا متاعًا وسلاحًا وسبيًا وعينًا، فاقتسموا العين، فأصاب كلَّ رجل
منهم درهمان ، وولّى عُتْبة نافعَ بن الحارث أقباضَ الأبُلَّة؛ فأخرج
خُمسه ، ثم قسم الباقى بين مَنْ أفاءه اللّه عليه؛ وكتب بذلك مع نافع بن الحارث.
وعن بشير بن عبيد اللّه؛ قال : قتل نافع بن الحارث يوم الأبُلَّة تسعة ،
وأبو بكر ستّة .
وعن داود بن أبى هند، قال: أصاب المسلمون بالأبُلّة «ز المراهم ستمائة
درهم ، فأخذ كلّ رجل درهمين ، ففرض عمر لأصحاب الدّرهبين ممن
أخذهما من فتح الأبُلَّة فى ألفين من العطاء، وكانوا ثلثمائة رجل، وكان فتح
الأبُلَّة فى رجب ، أو فى شعبان من هذه السنة .
(١) من هنا يبدأ النقص الموجود بالمخطوطات التى رجع إليها مصححوط وآخره فى ص ٦١٥
(٢) خلوها : تركوها .
س ٨ من هذا الجزء .
.

سنة ١٤
٥٩٥
وعن الشعبىّ، قال: شهد فتح الأبُلَّة مائتان وسبعون، فيهم أبو بَكْرة،
ونافع بن الحارث، وشِبْل بن معبد ، والمغيرة بن شعبة ، ومُجاشع بن مسعود،
وأبو مريم البلَوىّ، وربيعة بن كلدة بن أبى الصَّلْت الثقفىّ، والحجّاج.
وعن عباية بن عبد عمرو، قال: شهدت فتح الأبُلَّة مع عُتْبة، فبعث
نافع بن الحارث إلى عمر رحمه الله بالفتح، وجمع لنا أهل دستِ ملسان ،
فقال عتبة : أرى أن نسير إليهم ، فسرنا فلقيَنا مَرْزُبان دست مَيْسان، فقاتلناه،
فانهزم أصحابه وأخذ أسيرًا ، فأخذ قباؤه ومنطقته، فبعث به عتبة مع أنس
ابن حُجَيَّة التَشكرى.
٢٣٨٦/١
وعن أبى المَلِيح الهُذَلىّ، قال: بعث عتبة أنسَ بن حُجِيَّة إلى عمر
بمنطقة مرزبان دَسْت ميسان ؛ فقال له : كيف المسلمون ؟ قال : انثالت
عليهم الدنيا ، فهم يَهيلون الذّهب والفضّة . فرغب الناس فى البصرة ،
فأتوْها .
وعن علىّ بن زيد، قال: لما فرغ عتبة من الأبُلَّة ، جمع له مرزبان
دَسْت مَيْسان، فسار إليه عُتْبة من الأبُلَة، فقتله، ثم سرّح مجاشع بن مسعود إلى
الفرات وبها مدينة. ووفد عتبة إلى عمر ، وأمر المغيرة أن يصلّىَ بالناس حتى يقدّم
مجاشع من الفرات، فإذا قدم فهو الأمير . فظفر مجاشع بأهل الفرات ، ورجع
إلى البصرة وجمع الفيلكان (١)؛ عظيم من عظماء أبَزْ قُباذ (٢) للمسلمين ، فخرج
إليه المغيرة بن شعبة، فلقيه بالمرْغاب، فظفر به ، فكتب إلى عمر بالفتح ،
فقال عمر لعتبة: مَن استعملت على البصرة؟ قال: مجاشع بن مسعود ، قال :
تستعمل رجلامن أهل الوَبَر على أهل المدر ؟ تدرى ما حدث! قال : لا ،
فأخبره بما كان من أمر المغيرة ، وأمره أن يرجع إلى عمله ، فمات عُتبة فى
(١) ابن حبيش: ((الميلكان))، ابن الأثير: ((الفيلكان)).
(٢) ابن حبيش: ((أبرقباد)).

٥٩٦
سنة ١٤
الطريق ، واستعمل عمرُ المغيرة بن شعبة .
وعن عبد الرحمن بن جَوْشن، قال : شخص عُشْبة بعد ما قتل مرزبان
دَسْت مَيْسان، ووجَّه مجاشعًا إلى الفرات، واستخلفه على عمله ، وأمر المغيرة
ابن شعبة بالصّلاة حتى يرجع مجاشع من الفرات، وجمع أهل مَيْسان، فلقيتهم
المغيرة ، وظهر عليهم قبل قدوم مجاشع من الفرات ، وبعث بالفتح إلى
عمر .
الطبرىّ ، بإسناده عن قتادة ، قال : جمع أهل متَيْسان للمسلمين ،
فسار إليهم المغيرة ، وخلّف المغيرة الأثقال، فلفى العدوّ دون دِجْلة ، فقالت
أُرْدة بنت الحارث بن كلّدة: لو لحقنا بالمسلمين فكنًا معهم! فاعتقدت
لواءَ من خمارها، واتَّخذ النَّساءُ من خُمُرُهنّ رايات، وخرجْنَ يُرِدْنَ
المسلمين ، فانتهينَ إليهم ، والمشركون يقاتلونهم ، فلمّا رأى المشركون الرايات
مقبلة ، ظلُّوا أنّ مددًا أتى المسلمين فانكشفوا ، وأتبعهم المسلمون فقتلوا
منهم عدّة .
٢٣٨٧/١
وعن حارثة بن مُضّرب، قال: فُتحت الأبُلَّة عَنوة، فقسم بينهم عتبة-
كَكَّة ــ يعنى خبزًا أبيض . وعن محمَّد بن سيرين مثله.
قال الطَّبرىّ، وكان ممَّن سُبِىَ من مَيْسان يسار أبو الحسن البصرىّ،
وأرطَان جدّ عبد الله بن عون بن أرطَبان .
وعن المثنّى بن موسى بن سلمة بن المحبَّق، عن أبيه، عن جدّه ، قال :
شهدت فتح الأبُلَّة ، فوقع لى فى سهمى قِدْر نحاس ، فلَّما نظرت إذا هى
ذهب فيها ثمانون ألف مثقال، فكتب فى ذلك إلى عمر، فكتب أن يُصْبَر (١)
يمين سلمة بالله لقد أخذها وهى عنده نحاس، فإن حلف سُلُّمت إليه ؛
وإلاّ قسمت بين المسلمين. قال : فحلفتُ، فسُلّمت لى .
قال المثنّى : فأصول أموالنا اليوم منها .
(١) فى اللسان: ((ومن هذا يمين الصبر، وهو أن يحبسه السلطان على اليمين حتى
يحلف بها )) .

٥٩٧
سنة ١٤
وعن عمرة ابنة قيس ، قالت: لمّا خرج الناس لقتال أهل الأبُلَّة خرج
زوجى وابنى معهم، فأخذوا الدرهمين وكُّوك زبيب (١)، وإنّهم
مضوا حتى إذا كانوا حيال الأبُلَّة ، قالوا للعدوّ ، نعبر إليكم أو تعبرون
إلينا ؟ قال : بل اعبرُوا إلينا، فأخذوا خشب العُشَر (٢) فأوثقوه ، وعبروا إليهم،
فقال المشركون : لا تأخذوا أوّلهم حتى يعُبرَ آخرهم . فلمَّا صاروا على الأرض.
كبَّروا تكبيرة ، ثم كبَّروا الثانية ، فقامت دوابُّهم على أرجلها ، ثم كبَّروا
الثالثة ، فجعلت الدّابة تضرب بصاحبها الأرض ، وجعلنا ننظر إلى رءوسٍ
تُنْدَرَ ، ما نرى من يضربها ؛ وفتح اللّه على أيديهم .
٢٣٨٨/١
المدائنىّ، قال: كانت عند عتبة صفيّة بنت الحارث بن كلدة ،
وكانت أختها أردة بنت الحارث عند شِبْل بن معبد البَجَلِىّ، فلمّا ولى
عتبة البصرة انحدر معه أصهارُه : أبو بكرة ، ونافع ، وشِبْل بن معبد ؛
وانحدر معهم زياد ؛ فلمَّ فتحوا الأبُلَّة لم يجدوا قاسمًا يقسم بينهم ، فكان
زياد قاسمهم ؛ وهو ابن أربع عشرة سنة ، له ذؤابة، فأجرَوْا عليه كلّ يوم
درهمین .
وقيل: إن إمارة عتبة البصرة كانت سنة خمس عشرة ، وقيل ست عشرة ؛
والأول أصحّ ؛ فكانت إمارته عليها ستة أشهر .
واستعمل عمر على البصرة المغيرة بن شعبة فبقى سنتين ، ثم رُسِى بمارُمِىَ؛
واستعمل أبا موسى ، وقيل استعمل بعد عُتْبة أبا موسى ، وبعده المغيرة .
وفيها - أعنى سنة أربع عشرة - ضرب عمر ابنَه عبيد اللّه وأصحابه فى
شراب شربوه وأبا محجن .
وحجّ بالناس فى هذه السنة عمر بن الخطاب ، وكان على مكَّة عَتَّاب بن
أسيد فى قول، وعلى اليمن يَعَلَى بن مُنْية، وعلى الكوفة سعد بن أبى وقّاص،
وعلى الشأم أبو عبيدة بن الجرّاح ، وعلى البحرين عثمان بن أبي العاص - وقيل:
٢٣٨٩/١
العلاء بن الحضرىّ - وعلى عُمان حُذيفة بن محصن .
(١) المكوك: مكيال يسع صاعاً ونصف صاع .
(٢) العشر كصرد : شجر فيه حراق لم يقتدح الناس فى أجود منه.

ثم دخلت سنة خمس عشرة
قال ابن جرير: قال بعضهم : فيها مصَّر سعد بن أبى وقّاص الكُوفة ؛
دلّهم عليها (١) ابن بُقتيلة ؛ قال لسعد: أدلُّك على أرض ارتفعت عن (٢)
البقّ، وانحدرت عن الفلاة ! فدلتهم على موضع الكوفة اليوم .
ذكر الوقعة بمرج الروم
وفي هذه السنة كانت الوقعة بمرْج الرُّوم ، وكان من ذلك أنّ أبا عبيدة
خرج بخالد بن الوليد من فِحْل إلى حِمْص ، وانصرف بمن أضيف إليهم
من اليرموك : فنزلوا جميعًا على ذى الكتلاع، وقد بلغ الخبر هرقلَ ،
فبعث توذرا البطريق حتى نزل بمرْج دمشق وغربها ، فبدأ أبو عبيدة بمرج
الروم وجمعهم هذا، وقد هجم الشتاء عليهم والجِراحُ فيهم فاشية ، فلمّا نزل
على القوم بمرْج الرّوم نازله يوم نزل عليه شنس الرومىّ ، فیمثل خيل توذرا؛
إمداداً لتوذرا وردءاً لأهل حمص ؛ فنزل فى عسكر على حدّة ، فلمّا كان
٢٣٩٠/١ من الليل أصبحت الأرض من توذرا بلاقعَ ، وكان خالد بإزائه وأبو عبيدة بإزاء
شنس ، وأتى خالداً الخبر أنّ توذرا قد رحل إلى دمشق ، فأجمع رأيه ورأى
أبىعبيدة أن يُتبعه خالد، فأتبعه خالد من ليلته فى جريدة ؛ وقد بلغ یزید بن
أبى سفيان الذى فعل(٣)، فاستقبله فاقتتلوا ، ولحق بهم خالد وهم يقتتلون ؛
فأخذهم من خلفهم، فقتلوا من بين أيديهم ومن خلفهم؛ فأناموهم ولم يفلتْ
منهم إلاّ الشريد ؛ فأصاب المسلمون ما شاءوا من ظَهْرٍ وأداة وثياب ، وقسم
(١) ابن الأثير: ((على موضعها)).
(٢) ابن الأثير: ((من)).
(٣) ابن الأثير: ((فعل توذرا))، النويرى: ((الخبر)).
٥٩٨

٥٩٩
ستة ١٥
ذلك يزيد بن أبى سفيان على أصحابه وأصحاب خالد ، ثم انصرف يزيد إلى
دمشق ، وانصرف خالد إلى أبى عبيدة ، وقد قتل خالد وذرا ، وقال خالد :
نحن قَلْنا توذَرا وشوذرا وقَبْلَه ما قد قَتَلْنَا حَيْدَرا
•نحن أَزَرْنا الغَيْضةَ الأُكَيْدِراء
وقد ناهد أبو عبيدة بعد خروج خالد فى أثر توذرا شنس ، فاقتتلوا
بمرْج الرّوم ، فقتلهم مقتلة عظيمة ، وقتل أبو عبيدة شنس، وامتلأ المرْج
من قتلاهم ، فأنتنت منهم الأرض، وهرب من هرب منهم ، فلم يفلتهم ،
وركبوا أكساءهم إلى حِمْص(١).
#
ذکر فتح حمص
حكى الطبرىّ عن سيف ، فى كتابه، عن أبى عثمان ، قال : ولما بلغ
هرقل الخبر بمقتل أهل المرْج ، أمر أمير حمص بالسّير والمضىّ إلى حِمْص،
وقال: إنّه بلغنى أنّ طعامهم لحوم الإبل، وشرابهم ألبانها، وهذا الشتاء فلا ٢٣٩١/١
تُقاتلوهم إلاّ فى كلّ يوم بارد، فإنه لا يبقى إلى الصيف منهم أحد ، هذا
جُلّ طعامه وشرابه. وارتحل من عسكره ذلك ، فأتى الرُّهاء ، وأخذ عامله
بحمص ، وأقبل أبو عبيدة حتى نزل على حِمْص ، وأقبل خالد بعده حتى
ينزل عليها، فكانوا يُغادون المسلمين ويراوحونهم فى كلّ يوم بارد؛ ولقى
المسلمون بها برداً شديداً، والرّوم حصاراً طويلاً ، فأمّا المسلمون فصبروا ورابطوا،
وأفرغ اللّه عليهم الصَّبْر، وأعقبهم النصر، حتى اضطرب الشتاء، وإنمّا
تمسَّك القوم بالمدينة رجاء أن يهلكهم الشتاء .
وعن أبى الزّهراء القُشَيْرىّ، عن رجل من قومه، قال: كان أهل حِمْص
(١) الأكساء هنا : الأدبار؛ يريد أنهم تتبعوهم .

٦٠٠
سنة ١٥
يتواصوْن فيما بينهم ، ويقولون : تمسكوا فإنّهم حُفاة ، فإذا أصابهم البرد
تقطعت أقدامهم مع ما يأكلون ويشربون؛ فكانت الرّوم تراجعُ، وقد سقطت
أقدام بعضهم فى خفافهم ، وإن المسلمين فى النِّعال ما أصيب أصبع أحد
منهم ، حتى إذا انخنس الشتاء ، قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى مصالحة
المسلمين . قالوا : كيف والملك فى سلطانه وعزّه ، ليس بيننا وبينهم شىء !
فتركهم ؛ وقام فيهم آخر فقال : ذهب الشتاء ، وانقطع الرّجاء ، فما تنتظرون؟
فقالوا : البِرسام ، فإنما يسكن فى الشتاء ويظهر فى الصيف ، فقال : إن
هؤلاء قوم يُعانون؛ ولأنْ تأتوهم بعهد وميثاق ، خير من أن تؤخذوا عَنْوة؛
أجيبونى محمودين قبل أن تجيبونى مذمومين ! فقالوا : شيخ خَرِفٍ ، ولا علم
له بالحرب .
٢٣٩٢/١
وعن أشياخ من غسّانَ وبَلْقَين، قالوا: أثاب اللّه المسلمين على صَبْرهم
أيام حِمْص أن زُلزل بأهل حِمْص؛ وذلك أنّ المسلمين ناهدوهم، فكبّروا
تكبيرة زلزلت معها الرّوم فى المدينة ، وتصدّعت الحيطان ، ففزعوا إلى رؤسائهم
وإلى ذوى رأيهم ممن كان يدعوهم إلى المسالمة ، فلم يجيبوهم وأذلّوهم بذلك ،
ثم كبّرُوا الثانية ، فتهافتت منها دور كثيرة وحيطان ؛ وفزعوا إلى رؤسائهم
وذوى رأيهم ، فقالوا : ألا ترون إلى عذاب الله! فأجابوهم: لا يطلب الصلح
غيرُكم؛ فأشرفوا فنادْوا : الصلح الصلح ! ولا يشعر المسلمون بما حدث فيهم،
فأجابوهم وقبلوا منهم على أنصاف دورهم ، وعلى أن يترك المسلمون أموالَ الرّوم
وبنیانهم ؛ لا ينزلونه عليهم ، فترکوه لهم، فصالح بعضهم على صُلْح دمشق
على دينار وطعام ، على كلّ جريب أبدا أيسروا أو أعسروا . وصالح
بعضُهم على قَدْ رطاقته ؛ إن زاد ماله زيد عليه ، وإن نقص نُقِص ، وكذلك
كان صلْح دمشق والأردن"؛ بعضُهم على شىء إن أيسروا وإن أعسروا،
وبعضُهم على قَدْر طاقته ، ووُلّوا مُعاملةَ ما جلا ملوكهم عنه .
وبعث أبو عبيدة السّمْطَ بن الأسود فى بنى معاوية، والأشعثَ بن مِئناس فى
السَّكون، معه ابن عايس، والمقداد فى بَلِىّ، وبلالا وخالداً فى الجيش، والصبّاح
: