Indexed OCR Text
Pages 361-380
٠٠ سنة ١٢ ٣٦١ القصر من رجال متعلّقى المخالى، يرمون المسلمين بالخزازيف - وهى المدّاحى من الخَزّف - فقال ضرار: ارشقوهم، فدنوْا منهم فرشقُوهم بالنَّبْل، فأعروا رءوس الحيطان ، ثم بَثُّوا غارتهم فيمن يليهم، وصبّح أميرَ كُلّ قوم أصحابه بمثل ذلك ، فافتتحوا الدُّور والدّيرات ،، وأكثروا القتل ، فنادى القسيسون والرُّهبان : يا أهلَ القصور ، ما يقتلنا غيركم . فنادى أهل القصور : يَا معشرَ العرب، قد قبِلْنا واحدة من ثلاث؛ فادعوا بنا وكُفْوا عنّا حتَّى تبلغونا خالدًاً . فخرج إياس بن قبيصة وأخوه إلى ضرار بن الأزور ، وخرج عدىّ بن عدى وزيد بن عدىّ إلى ضرار بن الخطاب - وعدىّ الأوسط الذى رثته أمّه وقتل يوم ذى قَار - وخرج عمرو بن عبد المسيح وابن أكَّال، هذا إلى ضرار بن مقرن، وهذا إلى المثنَّى بن حارثة ، فأرسلوهم إلى خالد وهم على مواقفهم . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد عن أبى عثمان ، وطلحة عن المغيرة، قالا: كان أوّل مَنْ طلب الصلح عمرو بن عبد المسيح ابن قيس بن حيّان بن الحارث وهو بُقَيْلة - وإنما سُمى بُقليلة لأنه خرج على قومه فى برْدَيْن أخضرين، فقالوا: يا حارِ (١) ما أنت إلا بُقتَيَلة خضراء - وتتابعوا (٢) على ذلك، فأرسلهم الرؤساء إلى خالد، مع كل رجل منهم ثقة؛ ليصالح عليه أهلَ الحصن، فخلا خالد بأهلِ كلّ قصرٍ منهم دول الآخرين ، وبدأ بأصحاب عدىّ ، وقال: ويحكم! ما أنتم! أعرب ؟ فما تنقمون من العرب! أو عجم ؟ فما تنقمون من الإنصاف والعدل ! فقال له عدىّ : بل عرب عاربة وأخرى متعرّبة ، فقال : لو كنتم كما تقولون لم تحادُونا وتكرهوا أمرنا ، فقال له عدىّ : لَيدلّك على ما نقول أنَّه ليس لنا لسان إلاّ بالعربية، فقال: صدقت. وقال : اختاروا واحدة من ثلاث: أن تدخلوا فى ديننا فلكم مالنا وعليكم ما علينا إن نهضتم وها جرتم ٢٠٤١/١ (١) ز: ((يا جار)). (٢) ابن حبيش: ((وتبايعوا)). ٣٦٢ سنة ١٢ وإنْ أقمتم فى دياركم، أو الجزية، أو المنابذة والمناجزة ؛ فقد والله أتيتُكم بقوم هم على الموت أحرصُ منكم على الحياة . فقال : بل نعطيك الجِزْية ، فقال خالد: تبًّا لكم، ويحكم! إنّ الكُفْر فلاة مَضَلَّة، فأحمقُ العرب من سلكها فلقيه دليلان: أحدهما عربىّ فتركه واستدلّ الأعجمىّ. فصالحوه على مائة ألف وتسعين ألفا؛ وتتابعوا على ذلك ، وأهَدْوا له هدایا ، وبعث بالفتح والهدايا إلى أبى بكر رحمه اللّه مع الهذيل الكاهلىّ ، فقبلها أبو بكر من الجِزَاء، وكتب إلى خالد أن احسبْ لهم هديّتهم من الجِزَاء، إلاّ أن تكون من الجِزَاء، وخذ بقيّة ما عليهم فَقوّ بها أصحابك: وقال ابنُ بُقَيْلة: تُرَوَّحُ بِاَوَرْنَقَ والسَّدير! أَبَعْدَ الُنْذِرِيْنِ أَرَى سَواماً ٢٠٤٢/١ قَلوصاً بين مُرَّةً وَاَلخِفِيرِ وَبَعْدَ فَوَارِسِ النُّعْمَانِ أَرْعى كجُرْبُ المَعْزِ فى اليومِ المَطِيرِ فَصِرْنا بعدَ هُلْك أَبِى قُبَيْسٍ علاِنِيَةً كَأَيْسارِ الجَزُورِ تَقَسَّمُنَا القبائلُ مِنْ مَعَدّ فنَحْنُ كَضَرَّة الضرَّعِ الفَخُورِ وَكُنَا لا يرامُ لما حَرِيمٌ وخَرْجٍ مِنْ قُرَيْظةَ والنَّضِيرِ تُؤَدِّى الْخَرْجَ بعد خَراج كِسْرَى فَيَوْمٌ مِنْ مَساءَةٍ أَو سُرُورٍ كذاك الدَّهْرُ دَوْلَتُهُ سِجَالٌ ٢٠٤٣/١ كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب، عن سيف ، عن الغصن بن القاسم عن رجل من بني كنانة ، ويونس بن أبى إسحاق بنحو منه، وقالا : فكانوا يختلفون إليه ويقدَمُون فى حوائجهم عمرو بن عبد المسيح، فقال له خالد: كم أتتْ عليك [ من السنين] قال : مئو سنين، قال : فما أعجبُ ما رأيت ؟ قال: رأيتُ القرى منظومةً ما بين دمشق والحيرة، تخرجُ المرأة من الحيرة فلا تُزَوّدُ إلا رغيفًا . فتبسم خالد ، وقال : * هل لك من شَيَخك إلا عَمَلُهْ (١). (١) ط: ((عقله)) تصحيف، وهو يضرب للرجل حين يكبر، وبقيته: • إلّا رسيمه وإلّا رَمَلُهُ. وانظر مجمع الأمثال ٢ : ٢٨٩. سنة ١٢ ٣٦٣ خرفْتَ والله يا عمرو! ثم أقبل على أهل الحيرة فقال: ألم يبلغنى أنَّكم خَبَشَة خدعة مکرة(١) ! فالكم تتناولون حوائجكم بخرفٍ لا یدری من أين جاء ! فتجاهل له عمرو، وأحبَّ أن يريه من نفسه ما يَعْرِفُ به عقله ، ويستدل به على صحَّة ما حدّثّه به، فقال: وحقِّك أيها الأمير، إنَّى لأعرف من أين جئتُ ؟ قال : فمن أين جئتَ ؟ قال : أقْرِب أم أبْعِد ؟ قال : ما شئت ، قال: من بَطْن أمىّ، قال: فأين تريد؟ قال : أمامى، قال: وما هو ؟ قال : الآخرة . قال : فمن أين أقصَى أثرِك؟ قال : من صُلْب أبى، قال : ففيم أنت؟ قال : فى ثيابى، قال : أتعقل؟ قال: إى واللّه وأقيُّد . قال : فوجده حین فَرّه عِضًّا (٢)، وكان أهل قريته أعلم به - فقال خالد: قتلت أرْض" جاهلتها ، وقَتَّل أرْضًا عالمها ؛ والقوم أعلم بما فيهم . فقال عمرو : أيُّها الأمير، النملة أعلم بما فى بيتها من الجمل بما فى بيت النَّملة. وشاركهم فى هذا الحديث من هذا المكان محمد بن أبى السَّفَر، عن ذى الجوشن الضِّبابىّ، وأمَّاً الزهرىّ فإنه حدثنا به ، فقال : شاركهم فى هذا الحديث رجل من الضُّباب . ٢٠٤٤/١ قالوا: وكان مع ابن بُقيلة مَنْصفٌ (٣) له فعلق كيسًا فى حَقْوِهِ، فتناول خالد الكيس ، ونثرما فيه فى راحته ، فقال : ما هذا يا عمرو ؟ قال : هذا وأمانة اللّه سَمّ ساعة، قال: لِمَ تحتقب السمّ؟ قال: حشيت أن تكونوا على غير ما رأيتُ، وقد أتيتُ على أجلِ، والموت أحبُّ إلىّ من مكروه أدخله على قومى وأهل قريتى. فقال خالد: إنَّها لن تموت نفْسٌ حتى تأتى على أجلها ، وقال: بسم الله خير الأسماء، ربّ الأرض وربّ السماء ، الذى ليس يضرّ مع اسمه داء ، الرحمن الرحيم . فأهَوْوا إليه ليمنعوه منه، وبادرهم فابتلعه، فقال عمرو: والله يا معشَر العرب لتملكُنّ ما أردتم ما دام منكم أحد أيّها القرن(٤). وأقبل على أهل الحيرة ، فقال: لم أر كاليوم أمرًا أوضحَ إقبالاً ! (١) خبثة: جمع خبيث، قال فى اللسان: ((وليس فى الكلام ((فعيل)) يجمع على فعلة غيره)). وخدعة مكرة : جمع خادعٍ وماكر . (٢) فره: اختبره، والعض بالكسر: الداهية . (٣) المنصف كمقعد ومنبر: الخادم (٤) القرن هنا : أهل الزمان الواحد. ٣٦٤ سنة ١٢ وأبى خالد أن يكاتبهم إلاّ على إسلام كرامةَ بنت عبدالمسيح إلى شُويل؛ فثقُل ذلك عليهم ، فقالت : هوّنوا عليكم وأسلمونى ، فإنّى سأفتدى. ففعلوا ؛ وكتب خالد بينه وبينهم كتابًا : بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما عاهد عليه خالد بن الوليد عديًّا وعمرا ابنىْ عدىّ، وعمرَوبنَ عبد المسيح وإياس بنَ قَبيصة وحيرىّ بن أكّال - وقال عبيد اللّه: جبرىّ - وهم نقباء أهل الحيرة؛ ورضىّ بذلك أهلُ الحيرة، وأمروهم (١) به - عاهدهم على تسعين ومائة ألف درهم، تُقبَل فى كلّ سنة جزاءً عن أيديهم فى الدنيا؛ رهبانهم وقسيسهم؛ إلاّ مَن كان منهم على غير ذى يد ، حبيسًاً عن الدنيا ، تاركًا لها - وقال عبيدُ اللّه: إلاّ من كان غير ذى يد حبيساً عن الدنيا، تاركا لها - أوسائحًا (٢) تاركاً للدنيا ، وعلى المنَعة ، فإن لم يمنعهم فلا شىء عليهم حتى يمنعهم ، وإن غدروا بفعل أو بقوْل فالذمَّة منهم بريئة . وكُتِب فى شهر ربيع الأول من سنة اثنتى عشرة، ودفع الكتاب إليهم . فلما كفر أهلُ السَّواد بعد موت أبى بكر استخفُّوا بالكتاب، وضيّعوه ، وكفروا فيمن كفر ، وغلب عليهم أهل فارس ؛ فلما افتتح المثنَّى ثانية ؛ أُدْلَوْا بذلك، فلم يجبْهم إليه، وعاد بشرط (٣) آخر ؛ فلما غُلب المثنَّى على البلاد كَفَروا وأعانوا (٤) واستخفُّوا وأضاعوا الكتاب . فلمَّا افتتحها سعد، وأدْلَوا بذلك سألهم واحدًا من الشّرْطين ، فلم يجيئوا بهما ؛ فوضع عليهم وتحرّى ما يرى أنهم مُطيقون(٥)، فوضع عليهم أربعمائة ألف سوى الحَّرّزة. قال عبيدُ اللّه: سوى الخرّزة (٦) حدّثنا عبيد الله، قال: حدّثى عمى، عن سيف - والسّرِىّ، عن (١) س: ((وأمرهم)). (٢) كذا فى ز، وفى ط: ((وسائحاً)) (٣) س: ((ودعا لشرط)). (٤) س: ((وأغاثوا». (٥) ابن حبيش: ((يطيقون)). (٦) الخرزة: نوع من جزية الرءوس، كانت معروفة فى زمن الأكاسرة يؤديها، كل من لم يدخل فى جند الحكومة . الوثائق السياسية : ٤٢٢. ٢٠٤٥/١ سنة ١٢ ٣٦٥ شُعيب ، عن سيف - عن الغُصن بن القاسم الكنانىّ، عن رجل من بنى كنانة ويونسَ بن أبى إسحاق، قالا: كان جرير بن عبد الله ممنّ خرج مع خالد بن سعيد بن العاصى إلى الشأم ، فاستأذن خالدًا إلى أبى بكر ليكلّمه فى قومه وليجمعهم له ؛ وكانوا أوزاعًا فى العرب، وليتخلّصهم ؛ فأذن له ، فقدِم على أبى بكر، فذكر له عدَةً من النبيّ صلى الله عليه وسلم وأتاه على العدة بشهود ، وسأله إنجاز ذلك ، فغضب أبو بكر ، وقال له : ترى شغلنا ٢٠٤٦/١ وما نحن فيه بغوث (١) المسلمين ممن بإزائهم من الأسديْن فارس والروم ؛ ثم أنْتَ تكلّفنى التَّشاغُل بما لا يغنِى عمَّا هو أرضى لله ولرسوله! دعْنِى وسِرْ نحو خالد بن الوليد حتى أنظر ما يحكم الله فى هذين الوجهيْن. فسار حتى قدم على خالد وهو بالحيرة ، ولم يشهد شيئًا ممَّا كان بالعراق إلاّ ما كان بعد الحيرة ؛ ولا شيئًا ممَّا كان خالد فيه من أهل الرّدّة . وقال القعقاع بن عمرو فى أيام الحيرة (٢) : وأخْرَى بأَنْباجِ النّجافِ الكوانِفِ سَقَى اللهُ فَتْلَى بِالْغُراتٍ مُقِيمَةً وبِالِّْ قَرْنَىْ قارِنٍ بِاَلجوارِفٍ فنحْنُ وَطِئْنَا بِالْكواظِمِ هُرْمُزّاً على الحِيرَةِ الرَّوْ حَاء إِحْدَى المَصَارِفِ ويَوْمَ أَحَطْنَا بِالْقُصُورِ تتابَعَتْ ٢٠٤٧/١ يَمِيلُ بهم،ِفِعْلَ الجبانِ المُخَالِفِ(٣) حطَطْنَاهُمُ مِنْهَا وَقَدْ كَادَ عَرْشُهُمْ غَبُوقَ المنايا حَوْلَ تِلكَ الَحَارِفِ رَمَيْنَا عَلَيْهِم بِالْقَبُولِ وَقَدْ رَأَوْا إلى الرِّيفِ مِن أرضِ العُرَيْبِالْقَانِفِ صَبِحَةَ قالوا نَحْنُ قَوْمٌ تَنَزَّلُوا * خبر ما بعد الحيرة حدّثنا عبيد الله بن سعد الزهرىّ، قال: حدثنى عمى، عن سيف ، عن جميل الطائىّ ، عن أبيه ، قال : لما أعطِىَ شُوَيَل كرامة بنت عبد المسيح (١) ز: ((نغوث)). (٣) كذا فى ابن كثير، وفى ط: ((يحيل به)). (٢) ابن كثير: ((الردة)). ٣٦٦ سنة ١٢ قلت لعدىّ بن حاتم : ألا تعجبُ من مسألة شويل كرامةً بنت عبد المسيح على ضَعْفه! قال : كان يَهْرِف بها دهَرَه ، قال: وذلك أنّى لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ما رُفع له من البلدان، فذكر الحيرة فيما رُفع له، وكأنّ شُرَف قصورها أضراسُ الكلاب ؛ عرفت أن قد أرِيتها ، وأنها ستفتح ، فلقّيْتُهُ(١) مسألتها . وحدّثنا عبيد اللّه، قال : حدثنى عمى ، عن سيف ، قال : قال لى ٢٠٤٨/١ عمرو والمجالد، عن الشعبىّ- والسرىّ، عن شُعيب، عن سيف، عن المجالد، عن الشعبىّ - قال: لما قدم شُوَيَل إلى خالد، قال: إنى سمعتُ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم يذكر فتحَ الحيرة، فسألتُه كرامةً، فقال: ((هى لك إذا فتحت عنوةٌ)). وشُهد له بذلك ، وعلى ذلك صالحهم ؛ فدفعها إليه ، فاشتدّ ذلك على أهلِ بيتها وأهل قريتها ما وقعت فيه ، وأعظموا الخَطَر ، فقالت : لا تُخطروه ، ولكن اصبروا ؛ ما تخافون على امرأة بلغت ثمانين سنة! فإنَّما هذا رجلٌ أحمقُ رآنى فى شبيبى فظن أنّ الشباب يدوم. فدفعوها إلى خالد ؛ فدفعها خالد إليه ، فقالت : ما أرَبُك إلى عجوز كما ترى! فَادنى، قال: لا، إلاّ على حُكْمى، قالت: فلك حكمك مُرْسَلًا. فقال: لستُ لأُمّ شويل إن نقَصْتُك من ألف درهم! فاستكثرتْ ذلك لتخدعه ، ثم أتته بها. فرجَعتْ إلى أهلها ، فتسامع الناس بذلك، فعنّفوه ، فقال : ماكنت أرى أن عددًا يزيد على ألف! فأبوا عليه إلاّ أن يخاصمهم [فخاصمهم ] (٢)، فقال: كانت نيسَّى غاية العدد ، وقد ذكروا أنّ العدد يزيد على ألف ، فقال خالد: أردتَ أمرًا وأراد الله غيره ؛ نأخذ بما يظهر ونَدَعَك ونيّتّك ، كاذبًا كنت أو صادقًا . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عمرو ، عن الشعبىّ، قال : لمَّا فتح خالد الحيرةَ صلَّى صلاةَ الفتح ثمانىَ ركعات لا يسلّم فيهنّ ، ثم انصرف ، وقال: لقد قاتلت يوم مُؤتّة فانقطع فى يدى تسعة (١) ابن حبيش: ((فلقنه))، وهما فى المعنى سواء (٢) من ابن حبيش. ٣٦٧ سنة ١٢ أسياف ، وما لقيت قومًا كقوم لقيتُهم من أهل فارس ؛ وما لقيت من أهل فارسَ قومًا كأهل أُلَّيْس ! حدّثنا عُبيد الله ، قال : حدثنى عمّى ، عن سيف ، عن عمرو والمجالد، عن الشعبىّ، قال: صلَّى خالد صلاة الفتح(١)، ثم انصرف. ثم ٢٠٤٩/١ ذكر مثل حديث السرىّ . حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدثنى عمّى، عن سيف- والسرىّ، عن شعيب ، عن سيف - عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن قَيْس بن أبى حازم - وكان قدِم مع جرير على خالد - قال : أتينًا خالدًا بالحيرة وهو متوشّح قد شدّ ثوبه فى عُنُقُه يصلى فيه وحده، ثمّ انصرف، فقال: اندقّ فى يدى تسعةُ أسياف يوم مُؤْنة، ثم صبَرَتْ فى يدى صَفِيحةٌ (٢) يمانية ، فما زالت معى. حدّثنا عبيدُ الله، قال : حدثنى عمّى ، عن سيف ، عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان وطلحة بن الأعلم عن المغيرة بن عُتيبة والغصن ابن القاسم ، عن رجل من بني كنانة وسفيان الأحمرىّ عن ماهان ، قال : ولمَّاً صالحَ أهلُ الحيرة خالدًا خرج صَلُوبا بن نسطونا صاحبٍ قُسٍ. النَّاطف، حتى دخل على خالد عسكره؛ فصالحه على بانِقْا وَبَسْما، وضمِن له ما عليهما وعلى أرضيهما من شاطئ الفرات جميعًا ، واعتقد لنفسه وأهله وقومه على عشرة آلاف دينار سوى الخرزة ، خرزة كسرى ؛ وكانت على كلّ رأس أربعة دراهم، وكتب لهم (٣) كتابًا فتموا وتمَّ، ولم يتعلَّق عليه فى حالٍ غلبة فارس بغدْرٍ ، وشاركهم المجالد فى الكتاب : ٢٠٥٠/١ بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتابٌ من خالد بن الوليد لصلُوبا بن نَسْطونا وقومه؛ إنّى عاهدتكم على الجِزْية والمنّعة ؛ على كلّ ذی ید؛ باقيا وبَسْما جميعًا ، على عشرة آلاف دينار سوى الخرزة ، القوى على (١) س: ((الصبح)). (٢) الصفيحة : السيف العريض. (٣) ابن حبيش: ((وكتب له خالد.)) ٣٦٨ سنة ١٢ قدر قوّته، والمقلّ على قدر إقلاله، فى كلّ سنة. وإنّك قد نُقِّبْتَ على قومك، وإنّ قومك قد رضُوا بك، وقد قبلتُ ومَن معى من المسلمين ، ورضيتُ ورضىَ قومُك ؛ فلك الذّمَّة والمنعة؛ فإن منعناكم فلنا الجزية ؛ وإلاّ فلا حتى نمنعكم . شهد هشام بن الوليد ، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحميرىّ ، وحنظلة بن الربيع . وكتب سنة اثنتى عشرة فى صفر . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن عبد الله ، عن أبى عثمان ، عن ابن أبى مُكنِف ، وطلحة عن المغيرة ، وسفيان عن ماهان . وحد ثنا عبيدُ الله، قال: حدثنى عمّى ، عن سيف، عن محمّد، عن أبى عثمان ، وطلحة عن المغيرة ، قال : كان الدّهاقين يتربصون بخالد وينظُرُون ما يصنع أهلُ الحيرة . فلمَّا استقامَ ما بين أهل الحيرة وبين خالد ، واستقاموا له أنته دهاقين المِلْطاطيْن(١)، وأتاه زاذبن بُهَيْش دهقان فُرات سِرْيَا، وصَلُوبا بن نسطونا بن بَصْبَهْرَى- هكذا فى حديث السرىّ، وقال عبيد اللّه: صلوبا بن بصبهرى ونسطونا - فصالحوه على ما بين الفلاليج إلى هُرْمُزْجِرْدَ على ألفَىْ ألف - وقال عبيد الله فى حديثه: على ألف ألف ثقيل- وأنّ للمسلمين ما كان لآل كسرى، ومَن مالَ معهم عن المقام فى داره فلم يدخل فى الصلح . وضرب خالد رواقه فى عسكره ، وكتب لهم كتابًا : ٢٠٥١/١ بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من خالد بن الوليد لزاذ بن بُهَيَش وصَلُوبا بن نسطونا؛ لكم الذّمَّة وعليكم الجزية ، وأنتم ضامنون لمن نُقُِّم عليه من أهل البِهْقُباذ الأسفل والأوسط- وقال عبيد اللّه: وأنتم ضامنون جزية (٢) من نُقِّم عليه - على ألفي ألف ثقيل(٣) فى كل سنة؛ عن (٤) كلّ ذى يد سوى ما على بانِقْيًا وبَسْمًا وإنَّكم قد أرضيتمونى والمسلمين؛ وإنا قد أرضيناكم وأهل البهْقُباذ (١) كذا ورد الاسم فى ط على التثنية، وفى ياقوت: ((كان يقال لظهر الكوفة اللسان، وما ولى الفرات منه المطاط. وفى فتوح البلدان البلاذرى ٣٤١: ((ما بين الكوفة والحيرة يسمى الملطاط)). (٢) ط: ((حرب)) وانظر التصويبات. (٣) كذا فى ابن حبيش، وفى ط: ((تقبل)). (٤) كذا فى ابن حبيش؛ وفى ط: ((ثم)). ٣٦٩ سنة ١٢ الأسفل؛ ومن دخل معكم من أهل البِهْقُباذ الأوسط على أموالكم ؛ ليس فيها ما كان لآل كسرى ومن مال ميلهم . شهد هشام بن الوليد، والقعقاع بن عمرو، وجرير بن عبد الله الحميْرىّ، وبشير بن عبيد الله بن الخصاصية، وحنظلة بن الربيع . وكتب سنة اثنتى عشرة فى صَفَر . وبعث خالد بن الوليد عمّاله ومسالحه ؛ فبعث فى العمالة عبد الله بن وثيمة النَّصْرىّ، فنزل فى أعلى العمل بالفلاليج على المَنَعة وقبض الجزية ، ٢٠٥٢/١ وجرير بن عبد اللّه على بانقيا وَبَسْما، وبشيرَ بن الخصاصِيَّة على النَّهْرَيْن فنزل الكُوَيْفة بيانبورا، وسُوَيَدَ بن مقرّن المزنىّ إلى نِسْتَر، فنزل العَقْر .. فهى تسمتَى عَقْرْ سُوَيَد إلى اليوم، وليست بسويد المنقرىّ سمّيت - وأطّ بن أبى أط إلى روذمستان، فنزل منزلاً على نهر سُمّىَ ذلك النهر به - ويقال له: نهر أط إلى اليوم؛ وهو رجل من بنى سعد بن زيد مناة؛ فهؤلاء كانوا عمال الخراج زمن خالد بن الوليد وكانت الشُّغور (١) فى زمن خالد بالسِّب ، بعث ضرار بن الأزور وضرار ابن الخطاب والمثنى بن حارثة وضرار بن مقرّن والقعقاع بن عمرو وبُسر بن أبى رُهْم وعُنَيْبة بن النَّهاس؛ فتزلوا على السَّيْب فى عَرْض سلطانه . فهؤلاء أمراءُ ثغور خالد. وأمرهم خالد بالغارة والإلحاح، فمخرُوا ما وراء ذلك إلى شاطئ دِجْلة . قالوا : ولمَّا غلب خالد على أحد جانبى السواد ، دعا من أهل الحيرة ٢٠٥٣/١ برجل ، وكتب معه إلى أهل فارس وهم بالمدائن مختلفون متساندون (٢) لموت أردشير ؛ إلا أنهم قد أنزلوا بهمن جاذويه ببَهُرَ سير ؛ وكأنَّه على المقدّمة ، ومع بهمن جاذويه الآزاذبه فى أشباه له ، ودعا صلوبا برجُلٍ ، وكتب معهما كتابيْن ؛ فأمَّا أحدُهما فإلى الخاصّة وأما الآخر فإلى العامَّة ؛ أحدهما حيرىّ والآخر نَبَطّى. ولما قال خالد لرسول أهل الحيرة : ما اسمك ؟ قال: مُرّة ، قال : خذ (١) ز: ((البعوث)). (٢) س: ((متساترون)). ٣٧٠ سنة ١٢ الكتاب فأتٍ به أهل فارس، لعلّ اللّه أن يُمِرَّ عليهم عيشَهم، أو يُسلموا، أوينيبوا . وقال الرسول صلوبا: ما اسمك؟ قال: هِزْقيل، قال: فخذ الكتاب. وقال (١): اللهمّ أزهق نفوستهم . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن مجالد وغيره ، بمثله . والكتابان : بسم الله الرحمن الرحيم . من خالد بن الوليد إلى ملوك فارس ؛ أمّا بعدُ؛ فالحمد لله الذى حلّ نظامكم، ووهَّن كيدكم، وفرّق كلمتكم ، ولو لم يفعل ذلك بكم كان شرًّاً لكم ؛ فادخلوا فى أمرنا ندعكم وأرضكم ، ونجُوزكم إلى غيركم، وإلاّ كان ذلك وأنتم كارهون على غَلَبٍ، على أيدى قومٍ يحبّون الموت كما تحبّون الحياة . بسم الله الرحمن الرحيم . من خالد بن الوليد إلى مرازبة فارس؛ أمَّا بعد ٢٠٥٤/١ فأسلموا تسلموا؛ وإلاّ فاعتقدوا منى الذَّّة، وأدُّوا الجزية، وإلاّ فقد جئتكم بقوم يحبّون الموت ، كما تحبّون شُربَ الخمر . حدّثْنى عبيدُ اللّه، قال: حدثنى عمّى، عن سيف ، عن محمَّد بن نويرة ، عن أبى عثمان . والسرىّ ، عن شعيب ، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبى عثمان والمهلب بن عُقْبة وزياد بن سَرْجِس، عن سياه وسفيان الأحمرىّ، عن مَاهَان: أن الخراج جُبِىَ إلى خالد فى خمسين ليلة ، وكان الَّذِين ضَمِنوه والذين هم رءوس الرساتيق رُهُنًا فى يده ، فأعطى ذلك كلَّه للمسلمين ، فقوُوا به على أمورهم . وكان أهلُ فارس بموت أردشير مختلفين فى المُلْك ، مجتمعين على قتال خالد ، متساندين؛ وكانوا بذلك سنةً، والمسلمون يمخرُون ما دون دَجْلة ، وليس لأهل فارس فيما بين الحيرة ودجلة أمْر؛ وليست لأحد منهم ذمَّة إلاّ الذين كاتبوه واكتتبوا منه، وسائر أهل السواد جُلاء، ومتحصّنون، ومحاربون. واكُتتب عمّال الخراج، وكتبوا البراءات لأهل الخراج ، من نسخة واحدة : (١) ز: ((وقل)). ٣٧١ سنة ١٢ بسم الله الرحمن الرحيم. براءة لمن كان من كذا وكذا من الجِزْية الَّتى صالحهم عليها الأمير خالد بن الوليد ، وقد قبضت الَّذى صالحهم عليه خالد، وخالد والمسلمون لكم يَدٌ على من بدّل صلح خالد؛ ما أقررتم بالجزية وكففتم . أمانكم أمان ، وصلحكم صلح ؛ نحن لكم على الوفاء. ١ /٢٠٥٥ وأشهدوا لهم النَّفْر من الصحابة الَّذِين كان خالد أشهدهم : هشاما ، والقعقاع ، وجابر بن طارق ، وجريرًا ، وبشيرًا، وحنظلة، وأزداذ ، والحجَّاج بن ذى العُنُق ، ومالك بن زيد . حدّثنا عبيد الله، قال : حدثنى عمى ، عن سيف ، عن عطية بن الحارث ، عن عبد خير ، قال : وخرجَ خالدٌ وقد كتب أهل الحيرة عنه كتابًا: إنَّا قد أدَّيْنا الجِزْية الَّتِى عاهدنا عليها خالدٌ العبد الصالح والمسلمون عباد الله الصالحون ، على أن يمنعونا وأميرهم البغىّ من المسلمين وغيرهم . وأمَّا السرىّ ؛ فإنه قال فى كتابه إلىّ : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن عطية بن الحارث، عن عبد خير، عن هشام بن الوليد، قال: فرغ خالد ... ثم سائر الحدیث مثل حديث عبيد الله بن سعد . حدّثنا عُبيد الله، قال: حدثنى عمّى، عن سيف - والسريّ، عن شعيب عن سيف - عن عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبى ثابت ، عن ابن الهذيل الكاهلى نحواً منه ، قالوا : وأمر الرسولين اللَّذَيْن بعثهما أن يوافِيَاه بالخبر ، وأقام خالد فى عَمَلِه سنة، ومنزله الحيرة ، يصعّد ويصوّب قبل ٢٠٠٦/١ خروجه إلى الشأم ، وأهل فارس يخلعون ويملكون ؛ ليس إلاّ الدّفع عن بَهُرَ سِير ؛ وذلك أن شِيرَى بن كسرى قتل كلّ مَن كان يناسبه (١) إلى كسرى بن قُباذ، ووثب أهل فارس بعده وبعد أردشير ابنه ، فقتلوا كلّ مَن بين كسرى بن قُباذ وبيْن بَهْرام جور ، فبقُوا لا يقدرون على من يملكونه ممن يجتمعون عليه . (١) ز: ((إخوته ومن كان يناسبه)). ٣٧٢ سنة ١٢ حدّثنا عبيدُ اللّه، قال: حدّثَنِى عمَّى، قال : حدّثنِى سيف ، عن عمرو والمجالد ، عن الشعبىّ ، قال : أقام خالدٌ بن الوليد فيما بين فتح الخيرة إلى خروجه إلى الشأم أكثرَ من سنة ، يعالج عَمَل عِياض الذى سُمّىَ له ، وقال خالد للمسلمين: لولا ما عهد إلىّ الخليفة لم أتَنَقّذ (١) عياضًا، وكان قد شجِىَ وأشجى بدُومة ، وما كان دون فتح فارس شىء ؛ إنها لسنّة كأنها سنّة نساء . وكان عهد إليه ألاّ يقتحم عليهم وخلفه نظام لهم. وكان بالعيْن عسكر لفارس وبالأنبار آخر وبالفراض آخر . ولما وقعت كتُب خالد ٢٠٥٧/١ إلى أهل المدائن تكلّم نساء آل كمرى، فوُلَّى الفَرُّخْزاذ بن البِنْدوان إلى أن يجتمع (٢) آل کسری علی رجل إن وجدوه . كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب ، عن سيف ، عن محمد بن عبد الله عن أبى عثمان، وطلحة عن المغيرة ، والمهلَّب عن سياه ، وسُفْيان عن ماهان، قالوا : كان أبو بكر رحمه اللّه قد عهد إلى خالد أن يأتى العراق من أسفل منها، وإلى عياض أن يأتىَ العراق من فَوْقِها ، وأيُّكما ما سبق إلى الحيرة فهو أميرٌ على الحيرة ؛ فإذا اجتمعتما بالحيرة إن شاء اللّه وقد فضضتما مسالح ما بين العرب وفارس وأمنّم أن يؤتىَ المسلمون من خلْفهم فلْيُقِم بالحيرة أحدُ كما، ولْيقتحم الآخر على القوم، وجالدوهم عمَّاً فى أيديهم ، واستعينوا بالله واتَّقُوه، وآثروا أمْرَ الآخرة على الدنيا يجتمعا لكم ؛ ولا تؤثروا الدنيا فتسلبوهما . واحذروا ما حذّركم الله بترك المعاصى ومعاجلة التوبة ؛ وإيَّاكم والإصرار وتأخير التوبة . فأتى خالد على ما كان أمر به، ونزل الحيرة ، واستقام له ما بين الفلاليج إلى أسفل السَّواد ، وفرّق سواد الحيرة يومئذ على جرير بن عبد الله الحميرىّ ، وبشير بن الخَصاصيَّة، وخالد بن الواشمة ، وابن ذى العنق، وأطّ ، وسويد ١ /٢٠٥٨ وضرار؛ وفرّق سواد الأبُلَّة على سُوَيَد بن مقرّن، وحَسكة الحبطىّ، والحصين بن أبى الحُرّ، وربيعة بن عِسْلٍ، وأفرّ المسالحَ على ثُغورهم، (١) يقال: تنقذه، إذا نجاه وخلصه. (٢) ز: ((اجتمع)). ٣٧٣ سنة ١٢ واستخلف على الحيرة القعقاع بن عمرو . وخرج خالد فی عملِ عياض ليقضيّ ما بينه وبينه، ولإغاثته، فسلك الفلوجة حتى نزل بكَرْبَلاء وعلى مَسْلَحتها عاصم بن عمرو، وعلى مقدّمّة خالد الأقرع بن حابس ؛ لأنّ المثنَّى كان على ثتَغْر من الثُّغور التى تلى (١) المدائن؛ فكانوا يغاورون أهل فارس ، وينتهون إلى شاطئ دجلة قبل خروج خالد من الحيرة وبعد خروجه فى إغاثة عياض . كتب إلىّ السرىّ، عن شُعَيَب، عن سيف ، عن أبى رَوْق ، عمَّن شهدهم بمثله، إلى أن قال: وأقام خالد على كتَرْبَلاء أيَّامًا، وشكا إليه عبدُ الله بن وثيمة الذُّباب، فقال له خالد: اصِبْر فإنَّى إنَّما أريد أن أستفرغ المسالح التى أمر بها عياضٌ فنُسكنها العرب، فتأمن جنود المسلمين أن يؤتَوْا من خَلْفُهم ، وتجيئنا العرب أمِنةً وغير مُتْتَعْتَعَةِ؛ وبذلك أمرَنا الخليفة، ورأيه يعدل نَجْدَة الأمَّة. وقال رجل من أشْجَع فيماحكى ابن وثيمة : وفى المَیْنِ حتى عاد غَقًّا سمينُها(٢) لقد حُبسَتْ فِى كَرْبَاء مطيِّى لَعَمْرُ أبيها إِنَّنِى لأهِيْنُها إذا زَحَلَتْ من مَبْرَكٍ رجعَتْ لَه ٢٠٥٩/١ رِفاق من الذُّبان زُرقٌ عيونها ويمنعُها من ماء كلِّ شريعةٍ * حديث الأنبار - وهى ذات العيون - وذكر كَلْواذَی كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد وطلحة وأصحابهما، قالوا : خرج خالد بن الوليد فى تعبيته الَّى خرج فيها من الحيرة ، وعلى مقدّمته الأقرعُ بن حابس. فلمَّا نَزَل الأقرع المنزلَ الَّذى يُسلمه إلى الأنبار أنتَجَ قومٌ من المسلمينَ إبلهم، فلم يستطيعوا العُرْجة (٣)، (١) ط: ((على))، وأثبت ما فى ابن حبيش. (٢) ياقوت ٧ : ٢٢٩. (٣) العرجة : المقام. ٣٧٤ سنة ١٢ لم يجدوا بُدّا من الإقدام ، ومعهم بنات مَخَاض ، تتبعهم . فلمَّاً نودِى بالرَّحيل صَرُّوا(١) الأمَّهات، واحتقبوا المنتوجات؛ لأنها لم تطقِ السَّيْر؛ فانتهوا ركبانا إلى الأنبار ، وقد تحصّنَ أهلُ الأنبار ، وخندقوا عليهم ، وأشرفوا من حصنهم ، وعلى تلك الجنود شيرزاذ صاحب ساباط- وكان أعقل أعجمىّ يومئذ وأسودَه وأقنعَه فى الناس : العرب والعجم - فتصايح عربُ الأنبار يومئذ من السُّور، وقالوا: صبَّح الأنبار شرٌّ؛ جَمَلٌ يحمل جُمَيْلَهُ وجملٌ تُرِبُّهُ عوذٌ (٢). فقال شيرزاذ: ما يقولون؟ ففسَّر له ، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قَضَوْا على أنفسهم ؛ وذلك أنّ القوم إذا قضوا على أنفسهم ٢٠٦٠/١ قضاءً كاد يلزمهم؛ والله لئن لم يكن خالد مجتازاً لأصالحنَّه ؛ فبيناهم كذلك قدم خالد على المقدّمة ، فأطاف بالخندق ، وأنشب القتال ؛ وكان قليل الصَّبْر عنه إذا رآه أو سمع به؛ وتقدّم إلى رُماته ، فأوصاهم وقال : إنّى أرى أقوامًا لا علم لهم بالحرْب ، فارموا عيونهم ولا تَوَخَّوْا غيرَها ، فرموا رِشْقًا(٣) واحدًا، ثم تابعوا، ففقىء ألف عين يومئذ، فسُمّيت تلك الوقعة ذات العيون ؛ وتصايح القوم : ذهبت عيون أهل الأنبار ! فقال شيرزاذ : ما يقولون ؟ ففسر له، فقال: آباذآباذ(٤). فراسل خالدًا فى الصَّلْح على أمر لم يرضَه خالد، فردّ رسلَه، وأتى خالد أضيق مكان فى الخندق برذايا(٥) الجيش فنحرها ؛ ثم رمى بها فيه فأفعمه ؛ ثم اقتحم الخندق - والردايا جسورهم - فاجتمع المسلمون والمشركون فى الخندق . وأرَزّ القوم إلى حصنهم ، وراسل شيرزاذ خالدًاً فى الصُّلْح على ما أراد ، فقبل منه على أن يخليه ويُلحِقَه بمأمنِه فى جريدة خيل، ليس معهم من المتاع والأموال شىء؛ فخرج شيرزاذ ، فلمّا قدم على بهمن جاذويه، فأخبره الخبر لامه ، فقال: إنى كنتُ فى قوم ليست لهم عقول ، وأصلهم من العرب، فسمعتهم مقدمهم علينا يقضون على أنفسهم، وقدَّما قضى قوم على أنفسهم قضاء إلا وجب عليهم . ثم قاتلهم الجند ، (١) صر الناقة: شد ضرعها بالصرار ؛ لئلا يرضعها ولدها (٢) تربه : تصلحه . (٣) رموا رشقا، أى وجهاً واحداً بجميع سهامهم . (٤) آباذ، كلمة ثناء بالفارسية، ومعناها بارك اللّه؛ وانظر المعجم فى اللغة الفارسية. (٥) الرذايا : جمع رذية؛ وهى الناقة المهزولة من السير. سنة ١٢ ٣٧٥ ففقئوا فيهم وفى أهل الأرض ألف عين ؛ فعرفتُ أنّ المسالمة أسلم. ولمّا ٢٠٦١/١ اطمأنّ خالد بالأنبار والمسلمون ، وأمنَ أهلُ الأنبار وظهروا، رآهم يكتبون بالعربية ويتعلّمونها ، فسألهم : ما أنتم ؟ فقالوا : قوم من العرب ، نزلنا إلى قوم من العرب قبلنا - فكانت أوائلهم نزلُوها أيّامَ بختنصر حين أباح العرب ؛ ثمّ لم تزُل عنها- فقال: ممَّنْ تعلمتم الكتاب؟ فقالوا: تعلَّمنا الخطّ من إياد، وأنشدوه قول الشاعر : قَوْنى إِيادُ لو أنَّهِمْ أممُ أَو لو أقاموا فَتُهْزَلَ النَّهَمُ(١) ساروا جميعاً والخَط والقَلَ (٢) قَوْمٌ لهم باحةُ العراق إذا وصالح خالد مَنْ حولهم، وبدأ بأهل البوازيج؛ وبعث إليه أهلُ كَلْوَاذَ ى ليعقد لهم ، فكاتبهم فكانوا عيْبته من وراء دجلة . ثم إن أهل الأنبار وما حولها نقضُوا فيما كان يكون بين المسلمين والمشركين من الدّول ما خلا أهل البوازيج ، فإنَّهم ثبتوا كما ثبت أهل بانِقْا . كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبد العزيز - يعنى ابن سياه - عن حبيب بن أبى ثابت، قال: ليس لأحد من أهلِ السَّواد عَقْد قبل الوقعة إلاّ بنى صلوبا ـ وهم أهل الحيرة- وكلواذى، وقرى من قرى الفرات (٣)، ثم غدروا حتى دُعوا إلى الذمَّة بعد ما غدروا. كتب إلىّ السرىّ، عن شُعيب، عن سيف، عن محمد بن قيس، ١ /٢٠٦٢ قال: قلت للشعبىّ: أخذ السواد عنوة ؟ قال : نعم ، وكلّ أرض إلا بعض القلاع والحصون، فإنّ بعضهم صالح به، وبعضهم غلب (٤) . فقلت: فهل لأهل السَّوَاد ذمَّة اعتقدوها قبل الهَرَب (٥)؟ قال: لا، ولكنَّهم لما دُعُوا ورضُوا بالخَراج وأخذ منهم صاروا ذمّة (١) سيرة ابن هشام ٤٣، ونسبهما إلى أمية بن أبي الصلت. (٢) ابن كثير: ((واللوح والقلم)). ابن هشام: (( والقط والقلم)). (٣) ز وابن كثير. ((من قرى فرات)). (٤) ز: ((غالب)). (٥) ابن كثير: ((الحرب). ٢٠١ ٣٧٦ سنة ١٢ خبر عَيْنِ التّمْر كتب إلىّ السرىّ، عن شعيب، عن سيف ، عن محمد وطلحة والمهلَّب وزياد ، قالوا : ولما فرغ خالد من الأنبار ، واستحكمت له ، استخلف على الأنبار الزّبْرِقان بن بدر، وقصد لعين التَّمْر؛ وبها يومئذ مهران بن بهرام جُوبين فى جمع عظيم من العجم ، وعَقّة بن أبى عقَّة فى جمع عظيم من العرب من النَّمِرِ وتغلِب وإياد ومن لافّهم (١) . فلما سمعوا بخالد قال عقّة لِمهران : إنّ العرب أعلمُ بقتال العرب، فدَعْنا (٢) وخالدًا، قال: صدقت ، لعمرى لأنتم أعلمُ بقتال العرب، وإنّكم لمثلنا فى قتال العجم. فخدعه واتَّى به ، وقال : دونكموهم وإن احتجتم إلينا أعنَّاكم. فلما مضى نحو خالد قالت له الأعاجم : ماحملك على أن تقول هذا القول لهذا الكلب ! فقال: دعونى فإنى لم أرِدْ إلاّ ما هو خير لكم وشرّ لهم؛ إنَّه قد جاءكم مَن قتلَ ملوككم ، ٢٠٦٣/١ وفلَّ حدَّكم، فاتّقيتُهُ بهم ؛ فإن كانت لهم على خالد فهى لكم؛ وإن كانت الأخرى لم تبلغوا منهم حتى يَهنوا، فنقاتلهم ونحن أقوياء وهم مضعفون . فاعترفوا له بفضْل الرّأى ، فلزم مِهْران العين، ونزل عَقَّة لخالد على الطريق، وعلى ميمنته بُجير بن فلان أحدبنى عتبة بن سعد بن زهير ، وعلى ميسرته الهذيل ابن عمران، وبين عَقَّ وبين مهران (٣) رَوْحة أو غدوة، ومِهران فى الحصن (٤) فى رابطة فارس ، وعقّة على طريق الكَرْخ كالخفير . فقدم عليه خالد وهو فى تعبئة جنده ، فعبىّ خالد جندَه وقال لمجنّبتيه(٥): اكفُونا ما عنده ، فإنى حامل ؛ ووكَّل بنفسه حوامىَ ، ثمّ حمل وعقَّة يقيم صُفوفه ؛ فاحتضنه فأخذه أسيرًا ، وانهزم صفّه من غير قتال ، فأكثروا فيهم الأسْر ، وهرب بُجَير والهذيل ، واتَّبعهم المسلمون. ولمَّا جاء الخبرُ مهرانَ هرب فى جُنْده، وتركوا الحِصْن . ولما انتهت فُلاّل عَقَّة من العرب والعجم إلى الحصن اقتحموه واعتصموا به ؛ وأقبل خالد فى النَّاس حتَّى ينزل على الحِصْن ومعه عَقَّة أسير وعمرو بن الصَّعِقِ، وهم يرجون أن يكون خالد كمن كان (١) ب وابن كثير: ((لاقاهم)). (٢) س: ((فدعها)) (٣) ز، س: ((بين عقة ومهران )). (٥) المجنبتان : ميمنة الجيش وميسرته. (٤) س: ((فى حصن)). سنة ١٢ ٣٧٧ يُغير من العرب، فلما رأوه يحاولَم سألوه الأمان، فأبى إلاّ على حُكمه فسكسوا له (١) به. فلما فتحوا دفعهم إلى المسلمين فصاروا مساكًاً(٢)، وأمر خالد بعقَّة وكان خفير القوم فضُربت عنُقه ليُوئس الأسراءَ من الحياة ، ولما رآه الأسراءُ مطروحًا على الجسريئسوا من الحياة، ثم دعا بعمرو بن الصَّعيق فضرب عنقه ، وضرب أعناق أهل الحصْن أجمعين . وسبى كلّ من حوى ٢٠٦٤/١ حصنهم ، وغنم ما فيه ، ووجد فى بيعتهم أربعين غلامًا يتعلّمون الإنجيل، عليهم باب مُغْلَقَ؛ فكسره عنهم(٣)، وقال: ما أنتم؟ قالوا: رُهُن، فمسمهم فى أهل البلاء ؛ منهم أبو زياد مولى ثقيف، ومنهم نُصَيْر أبو موسى بن نصير ، ومنهم أبو عمرة جدّ عبد اللّه بن عبد الأعلى الشاعر . وسيرين أبو محمد بن سيرين، وحُرَيث ، وعُلاثة. فصار أبو عمرة لشُرَحْبِيل ابن حَسَنة، وحُريث لرجل من بنى عِباد، وعلاثة للمعنَى، وحُمران لعثمان . ومنهم عمير وأبو قيس؛ فثبت على نسبه من موالى أهل الشأم القدماء، وكان نُصير يُنسب إلى بنى يشكر، وأبو عمْرة إلى بنى مُرّة. ومنهم ابن أخت النّمير. كتب إلىّ السرىّ، عن شُعَيْب، عن سيف ، عن محمّد وطلحة وأبى سفيان طلحة بن عبد الرحمن والمهلَّب بن عُقْبة، قالوا : ولما قدم الوليد بنُ عُقْبة من عند خالد على أبى بكر رحمه اللّه بما بعث به إليه من الأخْمَاس وجهه إلى عياض ، وأمدّه به ، فقدم عليه الوليد، وعياض محاصرُهمْ وهم محاصروه ، وقد أخذوا عليه بالطّريق ، فقال له : الرأى فى بعض الحالات خيرٌ من جند كثيف ؛ ابعث إلى خالد فاستمدّه . ففعل، فقدم عليه رسولُه غِبَّ وقعة العين مستغيثًا ، فعجل إلى عياض بكتابه : من خالد إلى عياض إيَّاك أريد . لّثْ قليلاً تأتِكَ الخلائبُ(٤) يَحْمِلْن آساداً عليها القاشِبُ كتائبٌ يَتْبَعُها كتائبُ (٢) ابن كثير: ((جعلوا فى السلاسل))، وفى ابن الأثير (١) سلسواله: لانوا (٣) س: ((عليهم). والنويرى: (( فأخذه أسرى (٤) الحلائب: الجماعات؛ يقال: أحلب القوم، إذا اجتمعوا للنصرة. سنة ١٢ ٣٧٨ ٢٠٦٥/١ خير دُومَة الجَنْدَل قالوا: ولما فرغ خالد من عَيْن التَّمْر خلَّف فيها عُوَيْم(١) بن الكاهل (٢) الأسلمىّ، وخرج فى تعبيته الّتى دخل فيها العين ؛ ولمَّا بلغ أهلَ دُومة مُسْيرُ خالد إليهم بعثوا إلى أحزابهم من بَهْراء وكلْب وغسَّان وتَنُوخ والضَّجاعم ، وقبلُ ما قد أناهم وديعة فى كلْب وبَهراء، ومساندُه ابن وَبَرة بن رُوُمانِس، وآتاهم ابن الْحِدْرِجان فى الضَّجاعم ، وابن الأيْهم فى طوائف من غَسَّان وتَنُوخِ ، فأشْجَوْا عياضًا وشجُوا به . فلما بلغهم دنوّ خالد ؛ وهم على رئيسين: أكَيْدر بن عبد الملك والجُوديّ ابن ربيعة، اختلفوا ، فقال أكيدر : أنا أعلمُ النَّاس بخالد؛ لا أحد أيمنُ طائرًاً منه ، ولا أحدٌ فى حرب، ولا يرى وجه خالد قوم أبدًا قَلُّوا أو كثروا إلاّ انهزموا عنه ؛ فأطيعونى وصالحوا القوم . فأبوا عليه، فقال: لن أمالئكم على حِرْب خالد ، فشأنكم . فخرج لطِيَّته ، وبلغ ذلك خالدًا ؛ فبعث عاصم بن عمرو معارضًا له، فأخذه فقال: إنَّما تلقّبْت الأمير خالدًا؛ فلمَّا أتى به خالدًا أمر به فضُرِبت عنقُه، وأخذ ما كان معه من شىء، ومضى خالدٌ حتى ينزل على أهل دُومة ، وعليهم الجودىّ بن ربيعة، ووديعة الكلبىّ، وابن رُومانس الكلبىّ ، وابن الأيهم وابن الحِدْ رجان؛ فجعل خالد دُومة بين عسكره وعسكر ٢٠٦٦/١ عياض، وكان النَّصارى الذين أمدُّوا أهل دُومة من العرب محيطين بحصن دُومة، لم يحملْهم الحصن ، فلما اطمأنّ خالد خرج الجودىّ ، فنهض بوديعة فزحفا لخالد ، وخرج ابن الحدرجان وابن الأيْهم إلى عياض ؛ فاقتتلوا ، فهزم اللّه الجودىَّ ووديعة على يديْ خالد، وهزم عياض مَن يليه ، وركبهم المسلمون ؛ فأمّا خالد فإنه أخذ الجودىّ أخذًا، وأخذ الأقرع بن حابس وديعةً، وأرَزَ بقيّة النَّاس إلى الحصن ؛ فلم يحملهم ؛ فلما امتلأ الحِصْن ، أغلق من فى الحصن الحصنَ دون أصحابهم، فبقُوا حولَه حُرداءَ ؛ وقال عاصم بن عمرو: يا بني تميم ، حلفاؤكم كَلْب، آسوهم (٣) وأجير وهم؛ (١) ابن كثير والنويرى: ((عويمر)). (٢) ز وابن كثير: ((الكاهن))؛ س: ((الطاهر)). (٣) كذا فى ابن حبيش، وفى ط: ((آسر وهم)). سنة ١٢ ٣٧٩ فإنَّكم لا تقدرون لهم على مثْلها ، ففعلوا. وكان سبب نجاتهم يومئذ وصيّة عاصم بنى تميم بهم ، وأقبل خالد على الّذين أرَزُوا إلى الحِصْن فقتلهم حتى سدّ بهم بابَ الحِصْن، ودعا خالد بالجودىّ فضَرَب عنقه ؛ ودعا بالأسرى فضرب أعناقهم إلاّ أسارى كلب، فإنّ عاصمًا والأقرع وبنى تميم قالوا : قد آمناهم ؛ فأطلقهم لهم خالد ، وقال: مالى ولكم! أتخفظون(١) أمر الجاهليَّة وتُضيَّعون أمر الإسلام! فقال له عاصم: لا تحسُدهم العافيةَ؛ ولا يُحوّزهم الشيطانُ(٢) . ثم أطاف خالد بالباب، فلم يزُل عنه حتى اقتلعه ؛ واقتحموا عليهم، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الشَّرْخَ (٣)؛ فأقاموهم فيمن يزيد؛ فاشترى خالد ابنة الجودىّ وكانت موصوفةً، وأقام خالد بدُومة وردّ الأقرع إلى الأنبار. ٢٠٦٧/١ ولما رجع خالد إلى الحيرة ــ وكان منها قريبًا حيث يصبحها - أخذ القعقاع أهل الحيرة بالتَّقْليس (٤)، فخرجوا يتلقَّوْنه وهم يُقْلَّسُون؛ وجعل بعضهم يقول لبعض : مُرّوا بنا فهذا فَرَج(٥) الشرّ! كتب إلىّ السرىّ ، عن شعيب عن سيف، عن محمد وطلحة والمھلّب ، قالوا : وقد كان خالد أقام بدُومة ، فظنّ الأعاجم به ؛ وكاتبهم عرب الجزيرة غضبًا لَعَقَّة؛ فخرج، زَرْمُهْر من بغداد ومعه رُوزبه يريدان الأنبار ؛ واتَّعدا حُصيدًا والخنافس، فكتب الزّبرقان وهو على الأنبار إلى القعقاع بن عمرو وهو يومئذ خليفة خالد على الحيرة ؛ فبعث القعقاع أَعْبَدَ بن فَدَكِىّ السعدىّ وأمره بالحُصيد، وبعث عُرْوة بن الجَعْد البارقيّ وأمره بالخنافس، وقال لهما : إن رأيتما مَقْدَمًا فأقدما . فخرجا فحالا بينهما وبين الريف ، وأغلقاهما ، وانتظر روزبه وزرمهر بالمسلمين ٢٠٦٨/١ اجتماع من كاتبهما من ربيعة؛ وقد كانوا تكاتبوا واتَّعدوا؛ فلمَّا رجع خالد من دُومة إلى الحيرة على الظَّهر وبلغه ذلك وقد عزم على مصادمةٍ أهل المدائن ، كرِه خلافَ أبى بكر، وأن يتعلَّق عليه بشىء، فعجَّل القعقاع (١) ابن حبيش: ((أتحوطون)). (٢) يجوزهم الشيطان: يخالطهم. (٣) الشرخ: النساء الشابات. (٤) التقليس: استقبال القوم عند قدومهم بأصناف اللهو. (٥) س وابن كثير: ((فرح)). ٣٨٠ سنة ١٢ ابن عمرو وأبو ليلى بن فَدَكِىّ إلى رُوزبه وزرمهر ، فسبقاه إلى عين التَّمر، وقدم على خالد كتاب امرئ القيس الكلبىّ، أنَّ الهذيل بن عمران قد عسكر بالمُصَيّخ ، ونزل ربيعة بن بُجير بالثَّنِىّ وبالبِشْر فى عسكر غضباً لعقَّة، يريدأن زرمهر ورُوزبه . فخرج خالد وعلى مقدّمته الأقرع بن حابس ، واستخلف على الحيرة عياض بن غَنْم، وأخذ طريق القعقاع وأبى ليلى إلى الخنافس حتى قدم عليهما بالعين، فبعث القعقاع إلى حُصّيد، وأمَّره على الناس ، وبعث أبا ليلى إلى الختنافس ، وقال : زجياهم ليجتمعوا ومن استثْأرهم؛ وإلاّ فواقِعاهم. فأبيا إلاّ المُقام ٠٠٠ خبر حُصید فلمّا رأى القعقاع أنّ زرمهر وروزبه لا يتحرّكان سار نحو حُصيد ، ٢٠٦٩/١ وعلى من مرّ به من العرب والعجم روزْبه. ولمّا رأى روزْبه أنّ القعقاع قد قصد له استمدّ زرمهر، فأمدّه بنفسه، واستخلف على عسكره المھْبُوذان، فالتقوا بحُصَيَد، فاقتتلوا ، فقتل اللّه العجمَ مقتلةً عظيمة، وقَتَّلَ القعقاعُ زرمهَرَ، وقنُتِل روزبه ؛ قتله عِصْمة بن عبد الله أحد بنى الحارث بن طريف ، من بنى ضَبَّة، وكان عصمة من البَرّرَة - وكلّ فَخِذِ هاجرت بأسرها تُدعى البررة ، وكلّ قوم هاجروا من بطن يُدعون الخيرة - فكان المسلمون خِيرَة وبرَرة . وغنم المسلمون يوم حُصيد غنائم كثيرة وأرز فُلاّل (١) حُصيد إلى الخنافس فاجتمعوا بها . الخنافِس وسار أبو ليلى بن فَدَكِىّ بِمَن معه ومن قدم عليه نحو الخنافس ؛ وقد أرَزت فُلاّل حُصيد إلى المَهْبُوذان، فلما أحسّالمهبوذان [بقد ومهم](٢) هرب ومن معه وأرَزُوا إلى المُصَيَّخ، وبه الهُذيل بن عمران ، ولم يلق بالخنافس كيدًا، وبعثوا إلى خالد بالخبر جميعًا . (١) الفلال: جمع فل ؛ وهم القوم المنهزمون . (٢) من ز . ١٠