Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
سنة ١١
قال : وحدّثنى عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن
حنيف، عن عبد الله بن أبى بكر بن عمرو بن حزم، عن عَمْرة ابنة عبدالرّحمن
قالت : صلّ عليها العباس بن عبد المطلب .
وحد ثنا أبو زيد، قال : حدثنا علىّ ، عن أبى معشر، قال : دخل
قبرَها العباس وعلىّ والفضل بن العباس .
قال: وفيها توفّىَ عبدُ اللّه بن أبى بكر بن أبى قُحافة، وكان أصابه
بالطائف سهمٌّ مع النبيّ صلى اللّه عليه وسلم، رماه أبو محجن، وَدمِلَ الجرح حتى
انتقض به فى شوّال ؛ فمات .
وحدثنى أبو زيد، قال : حدّثنا علىّ ، قال : حدّثنا أبو معشر ومحمد
ابن إسحاق وجُوَيْريَة بن أسماء بإسناده الذى ذكرتُ قبل، قالوا: فى العام الذى
بُويع فيه أبو بكر مَلّكَ أهلُ فارس عليهم يَزْدَ جِرِد.
قال أبو جعفر : وفيها كان لقاء أبى بكر رحمه اللّه خارجة" بن حصْن
الفزارىّ. حدّثنى أبو زيد، قال: حدثنا علىّ بن محمد بإسناده الذى ذكرت
قبل ، قالوا : أقام أبو بكر بالمدينة بعد وفاةِ رسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم
وتوجيهه أسامة فى جيشه إلى حيث قُتل أبوه زيد بن حارثة من أرض الشأم ؛
وهو الموضع الذى كان رسول الله صلّى الله عليه وسلم أمره بالمسير إليه؛ لم يُحْدِثْ
شيئًا ، وقد جاءته (١) وفودُ العرب مرتدين يُقِرُّون بالصّلاة، ويمنعون الزكاة .
فلم يقبل ذلك منهم وردّهم ، وأقام حتى قَدم أسامة بن زيد بن حارثة بعد
أربعين يومًا من شخوصه - ويقال : بعد سبعين يومًا - فلمَّا قدم أسامة بن
زيد استخلفه أبو بكر على المدينة وشخص - ويقال استخلف سنانًا الضَّمْرىّ
على المدينة - فسار ونزل بذى القصّة فى جمادى الأولى؛ ويقال فى جُمادى
الآخرة؛ وكان نوفل بن معاوية الدِّيلىّ بعثه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ،
٨٧٠/١
(١) س: ((جاءت)).

٢٤٢
سنة ١١
فلقيه خارجة بن حصن بالشَّرَبَّة ؛ فأخذ ما فى يديه ؛ فردّه على بنى فزارة؛
فرجع نوفل إلى أبى بكر بالمدينة قبل قدوم أسامة على أبى بكر. فأوّل حرب
كانتْ فى الرُّدّة بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم حرب العنسىّ؛
وقد كانت حرب العنسىّ باليمن ؛ ثم حرب خارجة بن حصن ومنظور بن
زَبَّان بن سيّار فى غطفان ، والمسلمون غارُّون ، فانحاز أبو بكر إلى أجَمَة
فاستتر بها ، ثم هزّم الله المشركين .
١٨٧١/١
وحد ٹی عُبيد الله ، قال : حدثنا عمی، قال : أخبرنا سيف - وحد ٹنی
السَّرىّ ، قال: حدّثنا شُعيب، قال : حدثنا سَيْف - عن المجالد
ابن سعيد، قال: لما فَصَل أسامة كفرت الأرض وتضرَّمت (١)، وارتدّت
من كلّ قبيلة عامة أو خاصة إلا قريشاً وثقيفًا .
وحدثنى عُبيد الله، قال: حدثنا عمّى، قال: أخبرنا سيف -- وحد ثنى
السّرىّ ، قال: حدثنا شعيب ، قال : حدثنا سيْف - عن هشام بن
عُروة ، عن أبيه ، قال: لما مات رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وفَصّل
أسامة ارتدّت العرب عوامً أو خواصً؛ وتوَحَى مسيلمة وطُليحة ، فاستغلظ
أمرهما؛ واجتمع على طليحة عوامُ طِيِّىء وأسد ، وارتدّت غطفان إلى ما كان
من أشْجع وخواص" من الأفناء فبايعوه، وقدّمت هوازن رِجْلاً وأخَّرَتْ
رِجْلاً(٢) أمسكوا الصّدقة إلاّ ما كان من ثقيف ولفها (٣)؛ فإنهم اقتدىبهم
عوامّ" جديلة والأعجاز؛ وارتدّت خواص" من بنى سُلِيْم ؛ وكذلك سائر
الناس بكل مكان
قال : وقدمت رسُل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من اليمن واليمامة وبلاد
بنى أسد ووفود من كان كاتبه النبيّ صلى الله عليه وسلم، وأمر أمرُه فى الأسود
ومسيلمة وطلحة بالأخبار والكتب ؛ فدفعوا كتبهم إلى أبى بكر ، وأخبروه
(١) ابن الأثير -٢: ٢٧١: (وتضرمت الأرض ناراً
(٢) س: ((أخرى)).
(٣) يقال: جاءوا ومن لف لفهم، أى ومن عد فيهم وتأشب إليهم.

٢٤٣
سنة ١١
الخبر، فقال لهم أبو بكر : لا تبرحوا حتى تجىء رسلُ أمرائكم وغيرهم بأدْ هى
ممّا وصفتم وأمرّ؛ وانتقاضٍ الأمور. فلم يلبثُوا أن قَدِ مَتْ كتبُ أمراء النبىّ
صلى الله عليه وسلم من كلّ مكان بانتقاضٍ عامة أو خاصّة، وتبسّطهم بأنواع
الميل على المسلمين، فحاربهم أبو بكر بما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
حاربتهم بالرّسل. فردّ رسلتهم بأمره، وأتبعَ الرّسلَ رسلاً؛ وانتظر بمصادمتهم
قدومَ أسامة ؛ وكان أول مَنْ صادم عَبْس وُذبْيان، عاجلوه فقاتلهم
قبل رجوع أسامة .
١٨٧٢/١
حدثنى عُبيد اللّه، قال: أخبرنا عمى، قال : أخبرنا سَيْف -
وحدّثنى السرىّ، قال: حدّثنا شُعيب، قال : حدّثنا سَيْف - عن
أبى عمرو، عن زيد بن أسلم، قال: ماتَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وُمّاله
على قضاعة ، وعلى كلْب امرؤ القيس بن الأصبغ الكلبىّ من بنى عبد اللّه،
وعلى القَيْن عمرو بن الحكم، وعلى سعد هُذَيْم معاوية بن فلان
الوائلى".
وقال السرىّ الوالبىّ: فارتدّ وديعة الكلىّ فيمن آزره من كلْب، وبقىّ
امرؤ القيس على دينه، وارتدّ زُمَيْل بن قُطْبةَ القَيْىّ فيمن آزره من
بنى القَيْن وبقى عمرو، وارتدّ معاوية فيمن آزره من سعد هُذَيم .
فكتب أبو بكر إلى امرئ القيس بن فلان - وهو جَدّ سُكَيْنة ابنة
حسين - فسار لوديعة، وإلى عمرو فأقام لزميل، وإلى معاوية العذرىّ . فلمّا
توسّط أسامة بلاد قضاعة ، بَثَّ الخيول فيهم وأمرهم أن يُنهضوا مَن أقام
على الإسلام إلى مَن رجع عنه ؛ فخَرجوا هُرَّابًا؛ حتى أرَزُوا (١) إلى
دُومَة، واجتمعوا إلى وديعة ، ورجعت خيولُ أسامة إليه ؛ فمضى فيها أسامه .
حتى أغار على الحَمْقَتَيْن ، فأصاب فى بنى الضُّبيب من جُذام ، وفى
بنى خيليل من لخْ ولِفّها من القبيلين؛ وحازهم من آبل وانكفأ سالمًا غانمًا .
١٨٧٣/١
(١) أرزوا إلى دومة الجندل: التجئوا إليها .

٢٤٤
سنة ١١
فحدّنى السرىّ ، قال : حدّثنا شُعيب ، عن سيف ، عن سهل بن
يوسف ، عن القاسم بن محمد ، قال : ماتَ رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛
واجتمعت أسد وغطفان وطيّئ على طليحة ؛ إلا ما كان من خواص" أقوام
فى القبائل الثلاث ؛ فاجتمعت أسد بسميراء، وفزارة ومَنْ يليهم من غطفان
يجنوب طيبة ، وطيّئُ على حدود أرضهم . واجتمعت ثعلبة بن سعد ومَن
يليهم من مُرّة وعَبْس بالأبرق من الرَّبذة، وتأشَّبَ (١)، إليهم ناسٌ من
بنى كنانة ؛ فلم تحملهم البلاد ؛ فافترقوا فرقتين ؛ فأقامت فرقة منهم بالأبرق ،
وسارت الأخرى إلى ذى القَصّة ، وأمدهم طليحة بحيبال (٢) فكان حبال
على أهل ذى القَصّة من بنى أسد ومن تأشَّب من لَيْث والدّيل ومُدْلِج.
وكان على مُرّة بالأبرق عوف بن فلان بن سنان ، وعلى ثعلبة وعبس الحارث
ابن فلان ؛ أحد بنى سَبيع ، وقد بعثوا وفوداً فقدموا المدينة ، فنزلوا على وجوه
الناس ، فأنزلوهم ما خلاً عبَّاسًا فتحمّلوا بهم على أبى بكر؛ على أن يقيموا
الصّلاة؛ وعلى ألاّ يؤتوا الزّكاة؛ فعزم الله لأبى بكر على الحقّ، وقال: لو
منعونى عقالا(٣) لجاهدتهم عليه - وكانت عُقُل (٤) الصدقة على أهل الصّدقة مع
الصدقة - فردّ هم فرجع وفْدُ من يَلى المدينة من المرتدَّة إليهم ، فأخبروا
(١) تأشبوا إليهم : انضموا والتفوا.
(٢) حبال، ضبطه ابن الأثير: ((بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وبعد الألف لام)).
وهو أخو طليحة .
(٣) قال ابن الأثير فى النهاية ٣: ١١٨: ((وفى حديث أبى بكر: لو منعونى عقالا مما
كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه: أراد بالعقال الحبل الذى يعقل به البعير
الذى كان يؤخذ فى الصدقة ؛ لأن على صاحبها التسليم ؛ وإنما يقع القبض بالرباط . وقيل : أراد
ما يساوى عقالا من حقوق الصدقة . وقيل : إذا أخذ المصدق أعيان الإبل ، قيل : أخذ عقالا ،
وإذا أخذ أثمانها قيل : أخذ نقداً . وقيل: أراد بالعقال صدقة العام ؛ يقال: أخذ المصدق عقال
هذا العام ؛ أى أخذ منهم صدقته ، وبعث فلان على عقال بنى فلان ؛ إذا بعث على صدقاتهم . واختاره
أبو عبيدة؛ وهو أشبه عندى بالمعنى. وقال الخطابى: إنما يضرب المثل فى مثل هذا بالأقل لا بالأكثر ،
وليس بسائر فى لسانهم ؛ لأن العقال صدقة عام . وفى أكثر الروايات : لو منعونفى عناقاً ، وفى أخرى
جدياً )) .
(٤) العقل ، بضمتين: جمع عقال .

٢٤٥
سنة ١١
١٨٧٤/١
عشائرهم بقلّة من أهل المدينة ، وأطمعوهم فيها ؛ وجعل أبو بكر بعد ما أخرج
الوفد على أنقاب المدينة نفراً : عليًّا والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود ؛ وأخذ
أهل المدينة بحضور المسجد ، وقال لهم: إن الأرض كافرة (١)؛ وقد رأى وفدهم
منكم قلّة؛ وإنكم لا تدرون ألَيْلاً تُؤْتَوْن أم نهاراً! وأدناهم منكم على بريد .
وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونوادٍ عهم ؛ وقد أبينا عليهم ، ونبذنا
إليهم عهدهم ، فاستعِدّوا وأعدّوا. فما لبثوا إلا ثلاثًا حتى طرقوا المدينة غارةٌ
مع الليل، وخلّفوا بعضهم بذى حُسَّى (٢)، ليكونوا لهم رِدْءاً، فوافق الغوار (٣)
ليلا الأنقاب ؛ وعليها المقاتلة ، ودونهم أقوام يدرجون ، فنبهوهم؛ وأرسلوا إلى
أبى بكر بالخبر، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أما كنّكم ، ففعلوا . وخرج
فى أهلِ المسجد على النواضح إليهم، فانفشَ(٤) العدوّ، فاتّبعهم المسلمون
على إبلهم ؛ حتى بلغوا ذا حُسَى ؛ فخرج عليهم الرّدء بأنحاء قد نفخوها ،
وجعلوا فيها الحبال ، ثم دَهْدهوها (٥) بأرجلهم فى وجوه الإبل ؛ فتدهده كلّ
نحى (٦) فى ط وله(٧)، فنفرت إبل المسلمين وهم عليها - ولا تنفر الإبل من
شىء نفارَها من الأنحاء - فعاجت بهم ما يملكونها؛ حتى دخلت بهم المدينة؛
فلم يُصْرَعْ مسلمٌ ولم يُصَبْ ؛ فقال فى ذلك الخُطَيل بن أوس أخو الخطيئة
ابن أُوس :
١ / ١٨٧٥
عَشِيّةَ يُحْذَى بالرِّمَاحِ أبو بَكْرٍ
فِدِّى لِبَنِى ذُبْيَان رَحْلی ونَاقتی
إِلى قَدَرِ مَا إِنْ يزيد وَلاَ يَحَرِى(٨)
ولَكِنْ يُدَهْدَى بِالرِّجَالِ فِهِبْنَه
لُحْسِبَ فيما عُدّ مِنْ عَجِبِ الدَّهْرِ!
وللهِ أَجْنَادٌ تُذَاقُ مَذَاقَهُ
(١) كافرة، أى مظلمة .
(٢) ضبطه ابن الأثير: ((بضم الحاء المهملة، والسين المهملة المفتوحة)).
(٣) كذا فى س، وفى ط: ((فوافوا)).
(٤) انفش العدو انفشاشاً: انهزم وفشل.
(٥) دهدهوها، أى دفعوها .
(٦) النحى : الزق .
(٧) الطول : الحبل يشد به .
(٨) أى لا يزيد ولا ينقص. وهذه رواية س. وفى ط: ((ما إن تقيم ولا تسرى)).

٢٤٦
سنة ١١
وأنشده الزهرىّ: ((من حسب الدهر)).
وقال عبدُ اللّه الليْىّ؛ وكانتْ بنو عبد مناة من المرتدّة وهم بنوُ ذبيان -
فى ذلك الأمر بذى القَصَّة وبذى حُسِّى:
أَطَعْنَا رسولَ اللهِ مَا كَانَ بَيْنَا فَيَا أَعِبادِ اللهِ مَا لأبِى بَكْرٍ! (١)
وتِلْكَ لَعَمْرُ اُللهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ(٢)
أَيُورِتُها بكراً إِذا ماتَ بَعْدَه
١٨٧٦/١
وهلَا خَشِ حِسَّرَاغِيَةِ الْبَكرِ!(٢)
فَهَلاَّ رَدَدْ وَفْدَنَا بزمَانِهِ
لكالتّمْرِ أَوْ أَحلى إِلَى مِنَ التْرِ
وإِنَّ التى سالُوكُ فمنْعْتُمُ
فظنَّ القومُ بالمسلمين الوهن ، وبعثوا إلى أهل ذى القَصَّة بالخبر ؛
فقدموا عليهم اعتماداً فى الذين أخبر وهم، وهم لا يشعرون لأمر الله عزّ وجلّ الذى
أراده، وأحبّ أن يبلّغه فيهم، فبات أبو بكر ليلته يتهيأ، فعبَّى الناس ،
ثم خرج على تتَعْبية من أعجاز ليلته يمشى ، وعلى ميمنته النُّعمان بن مُقَرِّن،
وعلى ميسرته عبد الله بن مقرّن، وعلى السَّاقة سُويد بن مقرّن معه الرُّكّاب ؛
هما طلَعَ الفجر إلاّ وهُم والعدوّ فى صعيد واحد، فما سمعوا للمسلمين هَمْساً
ولا حَّسا حتى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم ؛ فما ذَرَّقَرْن
الشَّمس حتى ولَّوْهم الأخبارَ ، وغلبوهم على عامة ظهرهم ؛ وقتل حبال
واتّبعهم أبو بكر؛ حتى نزل بذى الفَصّة ــ وكان أوّل الفتح - ووضع بها النعمان
١٨٧٧/١ ابن مقرّن فى عدد(٤)، ورجع إلى المدينة فذل"(٥) بها المشركون؛ فوثب بنو ذبيان
وعبس على مَن فيهم من المسلمين؛ فقتلوهم كلّ قتلة ؛ وفعل مَنْ وراءهم
فعلهم . وعزَّ المسلمون بوقعة أبى بكر ، وحلَف أبو بكر ليقتلَنّ فى
المشركين كلّ قتلة؛ وليقتلنّ فى كلّ قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة،
وفى ذلك يقول زياد بن حنظلة التمیمی :
(١) أورد صاحب الأغانى (٢، ١٥٧ - طبعة دار الكتب) هذا البيت وتاليه ، ونسبهما
(٢) الأغانى: ((أيورثها)).
إلى الحطيئة .
(٣) ط: ((راعية البكر)) والأجود ما أثبت من س.
(٥) ابن الأثير: ((له)).
(٤) ز: ((عدده)).

٢٤٧
سنة ١١
كما يَسْعَى لمؤْتَتَه جُلاَلُ(١)
غَدَاةَ سَعَى أبو بَكْرٍ إلَيْهِم
أَرَاحَ عَلَى نَوَامِتِها عَلِيًّا وَجَّ لَمَنَّ مُهْجَتَهُ حِبِالُ
وقال أيضًا :
أَقَمْنَا لِ عُرْضَالثَّمَالِ فِكُبْكِبُوا كَكَبْكَةِ الغُرَّى أَنَاخُوا عَلَى الَوفْرِ
صبِيحَةَ يَسْمُوُ بِالرِجَالِ أَبُو بَكْرٍ
فَمَا صَبِّرُوا لِلْحَرْبِ عِندَ قِيَامِهَا
وذُبْيانَ نَهْتَهْنَا بِقَاصِعَةِ الَّهْرِ
طَرَّقْنا بِ عَبْسٍ بِأَدْنِى نِبَاجِهَا
١٨٧٨/١
ثم لم يُصنَعْ إلاّ ذلك ؛ حتى ازداد المسلمون لها ثباتًا على دينهم فى كل".
قبيلة ، وازداد لها المشركون انعكاسًا من أمرهم فى كلّ قبيلة؛ وطرقت المدينة
صدقاتُ نفَرَ: صَفْوان، الزبرقان، عدى؛ صفوان، ثم الزبرقان، ثم عدىّ؛
صفوان فى أول الليل ، والثانى فى وسطه ، والثالث فى آخره . وكان الذى بشر
بصَقْوان سعد بن أبى وقاص ، والذى بشّر بالزبرقان عبدُ الرحمن بن عوف،
والذى بشّر بعدىّ عبدُ الله بن مسعود . وقال غيره : أبو قتادة .
قال : وقال الناس لكلّهم حين طلع: نذير ، وقال أبو بكر: هذا بشير ،
هذا حَامِ وليس بوان ؛ فإذا نادى بالخير ، قالوا : طالما بشّرت بالخير !
وذلك لتمام ستين يوماً من مَخْرج أسامة . وقدم أسامة بعد ذلك بأيام لشهرين
وأيام ، فاستخلفه أبو بكر على المدينة ، وقال له ولجنده : أريحوا وأريحوا
ظهر كم .
ثم خرج فى الذين خرجوا إلى ذى القَصّة والذين كانوا على الأنقاب على
ذلك الظّهر؛ فقال له المسلمون: نَنْشُدُك الله يا خليفة رسول اللّه أنْ تعرّض
نفسك! فإنك إن تُصَبْ لم يكن للناس نِظَامٌ، ومقامُك أشدُّ على العدوّ؛
فابعث رجلاً ، فإن أصيب أمّرتَ آخر ، فقال: لا والله لا أفعلُ ولأ واسينّكم
بنفسى؛ فخرج فى تعبيته إلى ذى حُسَى وذى القَصّة، والنُّعمان وعبد الله
وسُويد على ما كانوا عليه، حتى نزل على أهل الرَّبذَة بالأبرق ؛ فاقتتلوا، فهزم
(١) كذا فى ز، والجلال: البعير العظيم، وفى ط: ((حلال)).

٢٤٨
سنة ١١
اللّه الحارث وعوفًا، وأُخذ الحطَيْئَةُ أسيراً ، فطارت عبس وبنو بكر ؛
وأقام أبو بكر على الأبرق أيامًا ؛ وقد غلَب بنى ذبيان على البلاد . وقال:
حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذْ غذَّمَناها اللّهُ! وأجلاها .
فلما غلب أهل الردّة ؛ ودخلوا فى الباب الذى خرجوا منه، وسامح (١) الناس
جاءت بنو ثعلبة؛ وهى كانت منازلهم لينزلوها ، فمنعوا منها فأتوه فى المدينة ،
فقالوا: عَلاَمَ نُمْنَعَ منْ نزول بلادنا! فقال : كذبتم، ليست لكم ببلاد؛
ولكنّها مَوْهٍ ونَقَذِى (٢)، ولم يُعْتِبِهم، وحمتى الأبرق الخيول المسلمين،
وأرعى سائر بلاد الرَّبذة الناس على بنَى ثعلبة ، ثم حَمَاها كلّها لصدقات
المسلمين ؛ لقتال كان وقع بين الناس وأصحاب الصّدقات ، فمنع بذلك
بعضهم من بعض .
ولما فُضّتْ عبس وذبيان أرَزوا إلى طُلَيحة وقد نزل طليحة على بُزَاخة ،
وارتحل عن سَمِيراء إليها، فأقام عليها ؛ وقال فى يوم الأبرق زياد بن حنظلة:
ويومٍ بالأبارق قد شَهِدْنا على ذُبيانَ يَلْتهب التِهابا
أَقَيْنَاهُمْ بداهَةٍ نَسُوفٍ (٢) مَعَ الصّدّيقِ إذ تَرَكَ المِتَابَا
*
حدّثنى السرىّ ، قال : حدّثنا شعيب ، عن سيف ، عن عبد الله بن
سعيد بن ثابت بن الجِذْع وحرام بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن كعب بن
مالك ، قال : لما قدم أسامة بن زيد خرج أبو بكر واستخلفه على المدينة ،
ومضى حتى انتهى إلى الرَّبَذَة يلقى بنى عبس وذُبيان وجماعة من بنى عبد مناة
١٨٨٠/١ ابن كنانة، فلقيَهم بالأبْرَق، فقاتلهم فهزمَهم اللّه وفَلَّهم. ثم رجع
إلى المدينة، فلما جمّ جند أسامة، وثاب مَن حول المدينة خرج إلى ذى القَصّة
فنزل بهم - وهو على بريد من المدينة تلقاء نَجْد - فقطع فيها الجند ،
وعَقَد الألوية، عقد أحد عشر لواءً على أحد عشر جنداً، وأمر أمير كلّ
(١) ز: ((وشاع البأس)).
(٢) النقذ : ما استنقذ من العدو .
(٣) داهية نسوف: شاقة؛ وفى معجم البلدان: ((نآد)).
١٨٧٩/١

٢٤٩
سنة ١١
جند باستنفار مَنْ مَرّ به من المسلمين من أهل القوّة، وتخلّف بعضُ أهل
القوّة لمنع بلادهم .
حدّثنا السَّرىّ ، قال : حدّثنا شعيب ، عن سيف ، عن سهل بن
يوسف ، عن القاسم بن محمد، قال: لما (١) أراح أسامة وجندهظهرَ هم وجَمُّوا،
وقد جاءت صدقات كثيرة تفضُل عنهم (٢)، قطع أبو بكر البعوثَ وعقد
الألوية، فعقد أحد عشر لواءً : عقد خالد بن الوليد وأمره بطليحة بن
خويلد ؛ فإذا فرغ سار إلى مالك بن نُويرة بالبُطاح إن أقام له ، ولعكْرمة
لابن أبى جهل وأمره بمسيلمة، وللمهاجر بن أبى أميّة وأمره بجنود العنسىّ ومعونة
الأبناء على قيس بن المكشوح ومَنْ أعانه من أهل اليمن عليهم ، ثم يمضى
إلى كنْدة بحضرموت، ولخالد بن سعيد بن العاص - وكان قدم على تفيئة (٣)
ذلك من اليمن وترك عمله - وبعثه إلى الحَمْقَتَيْن من مشارف الشأم ، ولعمرو بن
العاص إلى جماع قُضاعة ووديعة والحارث ، ولحذيفة بن محْصَن الغلفانىّ
وأمرَه بأهل دَبا ولعرفجة بن هرئمة وأمره بمهْرة؛ وأمرهما أن يجتمعا وكلّ
واحد منهما فى عمله على صاحبه ، وبعث شُرحْبيل بن حَسَنة فى أثر عكرمة
ابن أبى جهل، وقال : إذا فرغ من اليمامة فالحق بقُضاعة، وأنت على خيلك
تقاتلُ أهل الرّدّة، ولطُرَيفَة بن حاجز وأمره ببنى سُليم ومَن معهم من
هَوَازن، ولسُويد بن مقرّن وأمره بتهامة اليمن، وللعلاء بن الحضرمىّ وأمره
بِالبَحْرين .
١٨٨١/١
#
[كتاب أبى بكر إلى القبائل المرتدّة ووصيته للأمراء]
ففصلت الأمراء من ذى القَصّة، ونزلوا على قَصْدهم ، فلحق بكلّ
أمير جندُه، وقد عهد إليهم عهده، وكتب إلى مَنْ بعث إليه من جميع
المرتدّة .
(١) س: ((فلما)). (٢) ابن الأثير: ((عليهم)). (٣) تفيئة ذلك: حين ذلك.

سنة ١١
٢٥٠
حدّثنا السرىّ ، قال : حدّثنا شُعيب، عن سيف ، عن عبد الله بن
سعيد ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ؛ وشاركه فى العهد والكتاب
قَحْدَمَ ؛ فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتابًاً واحداً:
بسم الله الرحمن الرحيم . من أبى بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه
وسلَّم إلى من بَلَغه كتابى هذا من عامَّة وخاصَّة ؛ أقام على إسلامه أو رجع
عنه. سلامٌ علَى مَن اتبع الهدى ، ولم يرجع بعدالهدى إلى الضلالة والعمى ؛
فإنى أحمَد إليكم الله الذى لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله، نُقِرُّ بما جاء به، ونكفِّر مَن
أبى وتُجاهده . أمّا بعدُ؛ فإن اللّه تعالى أرسلَ محمداً بالحقّ من عنده إلى
خلقه بشيراً ونذيراً، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجا منيراً، لينذر من كان
حيًا ويحقّ القول على الكافرين . فهدَى اللّه بالحقّ مَن أجاب إليه،
وضرب رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم بإذنه مَنْ أدبر عنه ؛ حتى صار إلى
الإسلام طَوْعًا وكَرْهًا. ثمّ تَوَفَّى اللّه رسولَه صلى اللّه عليه وسلم وقد
نفذ لأمر الله، ونصح لأمّته ؛ وقضى الذى عليه ، وكان اللّه قد بيّن له ذلك
ولأهل الإسلام فى الكتاب الذى أنزل؛ فقال: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنْهُمْ مَيِّتُونَ)(١)،
وقال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونِ)(٢)،
وقال للمؤمنين: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أنَْائِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ
يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى أَلهُ الشَّاكِرِينِ) (٣)؛ فمَن كان إنما يعبد
محمداً فإنّ محمداً قد مات، ومنَن كان إنما يعبذُ اللّه وحده لا شريك
له فإن اللّه له بالمرصاد ؛ حتىٌّ فَيُومٌ لا يموت؛ ولا تَأخذُهُ سِنَِّة ولا
نَومٌ، حافظ لأمره، منتقمٌ من عدوّه، يجزيه. وإنىّ أوصيكم بتقوى الله
وحظكم ونصيبكم من اللّه، وما جاءكم به نبيًّكم صلّى الله عليه وسلّم، وأن تهتدوا
بهُداه، وأن تعتصموا بدين الله، فإنّ كلّ مَن لم يهدِهِ اللّه ضالّ، وكلّ
(١) سورة الزمر: ٣٠ (٢) سورة الأنبياء ٣٤. (٣) سورة آل عمران ١٤٤.
١٨٨٢/١

٢٥١
سنة ١١
١٨٨٣/١
مَنْ لم يُعافِهِ مبتلّى، وكلّ مَنْ لم يُعِنْه الله مخذول، فمن هداه الله كان
مُهْتَدَيًا، ومَنْ أضلّه كان ضالاً؛ قال اللّه تعالى: ﴿ مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ
المُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾(١)، ولم يُقْبَل منه
فى الدنيا عَمَلٌ حَى يقرّ به؛ ولم يُقْبَلْ منه فى الآخرة صَرْف ولا عَدْلٌ.
وقد بلغنى رجوعُ مَنْ رجع منكم عن دينه بعد أن أقرّ بالإسلام وعمل به ؛
اغتراراً باللّه، وجهالةً بأمره، وإجابة للشيطان، قال اللّه تعالى: ﴿وإذْ قُلْنَا
لِلْمَلَائِكَةِ أُسْجُدُوا لَآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ
أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ
لِلَّالِمِينَ بَدَلاً﴾(٢). وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَأْتَّخِذُوهُ عَدُوًّا
إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾(٢)؛ وإنىّ بعثتُ إليكم
فلانًا فى جيش من المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان ، وأمرتُه ألا يقاتل
أحداً ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله؛ فمن استجاب له وأقرّ وكفّ
وعمل صالحًا قَبِلَ منه وأعانه عليه، ومَنْ أبى أمَرتُ أن يقاتلَه على ذلك ؛
ثم لا يبقِى على أحد منهم قَدَرَ عليه ، وأن يُحرقهم بالنار ، ويقتلهم
كلّ قِتْلة، وأن يَسِىَ النساء والذرارىّ، ولا يقبل من أحد إلا الإسلام؛
فمَن اتّبعه فهو خير له، ومَنْ تركه فلن يعجزِ اللّه. وقد أمرتُ رسولى أن ١٨٨٤/١
يقرأ كتابى فى كلّ مجمع لكم ؛ والداعية الأذان ؛ فإذا أذن المسلمون فأذَّنوا
كُفُّوا عنهم؛ وإن لم يؤذّنوا عاجلوهم؛ وإن أذَّنوا اسألوهم ما عليهم ؛ فإن أبوًا
عاجلوهم ، وإن أقرّوا قبل منهم ؛ وحملهم على ما ينبغى لهم.
فنفذت الرُّسل بالكتب أمام الجنود، وخرجت الأمراء ومعهم العهود :
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا عهدٌ من أبى بكر خليفة رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم لفلان حين بعثه فيمن بعثه لقتال من رجع عن الإسلام ، وعهِذْ
إليه أن يتقى الله ما استطاع فى أمره كلُّه سرّه وعلانيته، وأمره بالجدّ فى أمر الله،
(١) سورة الكهف ١٧. (٢) سورة الكهف ٥٠ .
(٣) سورة فاطر ٦ .
:

٢٥٢
سنة ١١
ومجاهدة مَنْ تولّى عنه، ورجع عن الإسلام إلى أمانىّ الشيطان بعد أن يُعذر
إليهم فيدعوّهم بداعية الإسلام ؛ فإن أجابوه أمسك عنهم ، وإن لم يجيبوه شن
غارته عليهم حتى يقرُّوا له ؛ ثم ينبئهم بالذى عليهم والَّذى لهم ، فيأخذ
ما عليهم، ويعطيهم الذى لهم؛ لا يُنظرهم، ولا يردّ المسلمين عن قتال عدوّهم؛
فمن أجاب إلى أمرِ اللّه عزّ وجلّ وأقرّ له قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف؛
وإنما يقاتل(١) مَن كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله؛ فإذا أجاب
الدعوة لم يكن عليه سبيلٌ ؛ وكان الله حسيبه بعد فيما استسرّ به، ومَن لم
يجب داعية الله قُتِل وقوتل حيث كان ؛ وحيث بلغ مراغمه ، لا يقبل من أحد
شيئًا أعطاه إلا الإِسلام؛ فمَن أجابه وأقرّ قبل منه وعلّمه، ومَنْ أبى قاتله؛
فإن أظهره اللّه عليه قتل منهم (٢) كل قتلة بالسلاح والنيران، ثم قسَّم ما أفاء الله
عليه ، إلا الخُمس فإنه يبلغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وألاّ
يُدخل فيهم حدَشْوًا حتى يعرفهم ويعلم ما هم ؛ لا يكونوا عيونًا، ولئلاً يؤتى
المسلمون مِنْ قبلهم، وأن يقتصد بالمسلمين ويرفق بهم فى السير والمنزل ويتفقَّدهم،
ولا يعجل بعضهم عن بعض، ويستوصى بالمسلمين فى حُسْن الصخبة ولين
القول .
١٨٨٥/١
:
(١) س: ((نقاتل)).
(٢) س: ((فيهم)).

سنة ١١
٢٥٣
ذكر بقية الخبر عن غطفان
حين انضمت إلى طُلَيْحَة وما آل إليه أمْرُ طليحة
حدّثنا عبيد الله بن سعد ، قال : حدثنا عمى ، قال : أخبرنا سيف-
وجد تنى السرىّ، قال : حدّثنا شُعيب، قال : حدّثنا سيف -
عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد وبدر بن الخليل وهشام بن عروة ،
قالوا : لما أرَزَتْ عَبْس وُذبيان ولِفُّها إلى البُزَاخَة، أرسل طليحة إلى
جَدِ يلة والغَوْث أن ينضمُّوا إليه، فتعجّل إليه أناس من الحَيَّيْن، وأمروا
قومهم باللحاق بهم ، فقدِ موا على طُلَيحَة ، وبعث أبوبكر عَدِيًّاً قبل توجيه
خالد من ذى القَصَّة إلى قومه ، وقال: أدْرِكْهُم لا يُؤْكَلُوا . فخرج
إليهم ففتّلهم فى الذَّرْوَة والغارب ، وخرج خالد فى أثره ، وأمره أبو بكر أن
يبدأ بطيِّى على الأكتاف ، ثم يكون وجهه إلى البُزاخة، ثم يثلِّث بالبُطاح ،
ولا يريم إذا فرغ من قوم حتى يحدّث إليه ، ويأمره بذلك . وأظهر أبو بكر
أنه خارج إلى خَيْبر ومنصبّ عليه منها حتى يلاقيته بالأكناف ، أكناف
سَلْمَى؛ فخرج خالد فازوارَّ عن البُزاخة ، وجَنّح إلى أجأ ، وأظهر أنه
خارج إلى خْيَبَرِ، ثم منصب عليهم ، فقعَّد ذلك طيِّئاً وبطَّأهم عن طلبحة؛
وقدم عليهم عدىٌّ ؛ فدعاهم فقالوا : لا نبايعْ أبا الفَصِيل أبداً، فقال : لقد
أتا كم قوم ليُبيحُنّ حريمكم، ولتُكنُّنَّه بالفَحْل الأكبر؛ فشأنكم به . فقالوا
له : فاستقبل الجيش فنهنهْه (١) عنّا حتى نستخرج من لحِقٍ بالبُزاخة منّا ،
فإنا إن خالفنا طُلَيحة وهم فى يديه قتلهم أو ارتهنهم . فاستقبل عدىٌّ خالداً
وهو بالسُّنْح، فقال: يا خالد، أمسِكْ عنِّى ثلاثا يجتمع لك خمسمائة
مقاتل تضرب بهم عدّوك ؛ وذلك خيرٌ من أن تُعْجِلَهم إلى النار ؛ وتشاغلُ
بهم ؛ ففعل. فعاد عدىّ إليهم وقد أرسلوا إخوانهم؛ فأتوهم من بُزاخة كالمدّد
لهم؛ ولولا ذلك لم يُتْركوا ؛ فعاد عدىّ بإسلامهم إلى خالد ، وارتحلخالد نحو
الأنسُر يريد جديلة ، فقال له عدىّ: إن طيّئًا كالطائر، وإن جديلة
١٨٨٦/١
١٨٨٧/١
(١) نهنهه عنا؛ أى ادفعه وكفه

٢٥٤
سنة ١١
أحدُ جناحَىْ طِيّى؛ فأجلْنى أيامًا لعلّ الله أن ينتقذ جديلة كما انتقذ
الغوْث ؛ ففعل ، فأتاهم عدىّ فلم يزل بهم حتى بايعوه ، فجاءه بإسلامهم ،
ولحق بالمسلمين منهم ألف راكب ؛ فكان خير مولود وُلد فى أرض طيّئْ
وأعظمه عليهم بركة .
وأما هشام بن الكلىّ؛ فإنه زعم أنّ أبا بكر لما رجع إليه أسامة ومَن
كان معه من الجيش ؛ جَدَّ فى حرب أهل الرّدة ، وخرج بالناس وهو فيهم
حتى نزل بذى القَصّة ؛ منزلا من المدينة على بريد من نحو جد؛ فعَبَّى هنالك
جنودَه ، ثم بعث خالد بن الوليد على الناس ، وجعل ثابت بن قيس على
الأنصار، وأمْرُه إلى خالد، وأمره أن يصمُد لطَلَيْحة وعُيينة بن حصن ،
وهما على بُزَاخة ؛ ماء من مياه بنى أسد ؛ وأظهر أنىّ ألاقيك(١) بمن معى
من نحو خيبر، مكيدة؛ وقد أوعب (٢) مع خالد النّاس؛ ولكنّه أراد أن يبلغ ذلك
١٨٨٨/١ عدوّه فيرعبهم. ثم رجع إلى المدينة، وسار خالد بن الوليد؛ حتى إذا دنا
من القوم بعث عُكاشة بن محصن ، وثابت بن أقرم - أحد بنى العَجْلان
حليفًا للأنصار - طليعة؛ حتى إذا دنتوا من القوم خرج طليحة وأخوه سلمة ،
ينظران ويسألان : فأمّا سلمة فلم يمهل ثابتًا أن قتله ، ونادى طليحة أخاه
حين رأى أن قد فرغ من صاحبه أن أعِنّى على الرجل ؛ فإنه آ كل؛ فاعتونا
عليه ، فقتلاه ثم رجعا ، وأقبل خالد بالناس حتى مرّوا بثابت بن أقرم قتيلاً ،
فلم يفطُنوا له حتى وطئته المطِىُّ بأخفافها ، فكبُر ذلك على المسلمين ، ثم
نظروا فإذا هم بعُكَّاشة بن محصن صريعًا؛ فجزع لذلك المسلمون، وقالوا: قتل
سيِّدان من سادات المسلمين وفارسان من فرسانهم ؛ فانصرف خالد نحو طيِّئ .
قال هشام : قال أبو مْخنف: فحدّثنى سَعْد بن مجاهد، عن المُحِلّ
ابن خليفة، عن عدىّ بن حاتم، قال: بعثتُ إلى خالد بن الوليد أنَ سِرْ إلىّ
فأتم عندى أيامًا حتى أبعث إلى قبائل طيّى ، فأجمع لك منهم أكثر ممن
معك ، ثم أصحبك إلى عدوّك . قال : فسار إلىّ .
قال هشام : قال أبو مِخْنف : حدّثنا عبد السلام بن سُويد أنّ بعض
(١) س: ((لاقيك)).
(٢) أوعب الناس : خرجوا للغزو .

سنة ١١
٢٥٥
الأنصار حدّثه أن خالداً لما رأى ما بأصحابه من الجزع عند مقتل ثابت
وعُكّاشة ، قال لهم: هل لكم إلى أن أميل بكم إلى حىّ من أحياء العرب ؛
١٨٨٩/١
كثير عددهم، شديدة شوْكتهم، لم يرتدّ(١) منهم عن الإسلام أحد!فقال له
الناس: ومَنْ هذا الحىُّ الذى تعنى؟ فنعم والله الحىّ هو !قال لهم: طيى؛ فقالوا:
وفقك الله، نعم الرأى رأيت ! فانصرف بهم حتى نزل بالجيش فى طبّى".
قال هشام : حدّثّنى جديل بن خَبّاب النّبهانىّ من بنى عمرو بن أبىّ ،
أن خالداً جاء حتى نزل على أرُك ، مدينة سَلْمى .
قال هشام : قال أبو مخنف : حدّثى إسحاق أنه نزل بأجأ ، ثم
تعبّ لحربه، ثمّ سار حتى التقيا على بُزّاخة ، وبىو عامر على سادتهم
وقادتهم قريبًا يستمعون ويتربّصون على من تكون الدَّبْرَة .
قال هشام عن أبى مخنف : حدّثنى سعد بن مجاهد ، أنه سمع
أشياخًا من قومه يقولون : سألْنا خالداً أن نكفيه قيسًا فإنّ بنى أسد
حلفاؤنا ، فقال: والله ما قيسٌ بأوهن الشوْكتين، اصمُدُوا إلى أىّ القبلتين
أحببتم ؛ فقال عدىٌّ: لوترك هذا الدين أسْرَتى الأدنى فالأدنى من قومى لجاهدُتهم
عليه ، فأنا أمتنع من جهاد بنى أسد بجلْفهم! لا لعمرُ اللّه لا أفعل! فقال
له خالد : إنّ جهاد الفريقين جميعًا جهادٌ ؛ لا تخالف رأى أصحابك ،
امضٍ (٢) إلى أحدِ الفريقين، وامضٍ بهم إلى القوم الذين هم لقتالهم أنشط (٣).
١٨٩٠/١
قال هشام ، عن أبى مخنف : فحدّثنى عبد السلام بن سُويد ، أن
خيلَ طيّى كانت تلقى خيل بنى أسد وفزارة قبل قُدوم خالد عليهم فيتشامون (٤)
ولا يقتتلون ، فتقول أسد وفزارة: لا والله لانبايع (٥) أبا الفَصِيل أبداً. فتقول لهم
خيل (٦) طي : أشهد ليقاتلنّكم حتى تكنوه أبا الفحل الأكبر !
فحدّثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق ، .
(١) ز: ((يرجع)).
(٢) ابن الأثير: ((وامض)).
(٣) س: ((نشاط)).
(٤) يتشامون، أى يدنو بعضهم من بعض، وفى س: ((يتشاتمون))
(٦) ساقطة من ز .
(٥) ب ((نتابع)).

٢٥٦
سنة ١١
عن محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة ، عن عُبيد الله بن عبد اللّه بن عتبة،
قال : حُدَّثت أنّ الناس لما اقتتلوا ، قاتل عُبينة مع طليحة فى سبعمائة من
بنى فزارة قتالا شديداً ، وطُلَيحة متلفّف فى كساء له بفناء بيت له من
شَعَرَ، يتنبّأ لهم، والناس يقتتلون، فلما هزَّتْ عُيّينة الحرب ، وضرَس
القتال ، كرَّ على طليحة ، فقال: هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : لا ، قال :
فرجع فقاتل حتى إذا ضرَس القتال وهزّته الحرب كرًّ عليه فقال : لا
أبا لك ! أجاءك جبريل بعد ؟ قال : لا والله، قال : يقول عيينة حلِفًا:
حتى متى ! قد واللّه بلغ منّا! قال: ثم رجع فقاتل ، حتى إذا بلغ كرَّ
عليه، فقال : هل جاءك جبريل بعد ؟ قال : نعم، قال : فماذا قال لك ؟
١٨٩١/١ قال: قال لى: ((إنّ لك رحًا كرَحاه، وحديثًا لا تنساه))، قال: يقول
عيينة: أظنّ أن قد علم الله أنه سيكون حديث(١) لا تنساه ؛ يا بنى فزارة
هكذا؛ فانصرفوا؛ فهذا والله كذّاب. فانصرفوا وانهزم الناس فغَشُوا طليحة
يقولون: ماذا تأمرنا ؟ وقد كان أعدّ فرسه عنده، وهيّأ بعيراً لامرأته النّوَار،
فلما أن غَشُوه يقولون : ماذا تأمرنا ؟ قام فوثب على فرسه ، وحمل امرأته ثم
نجا بها ، وقال : من استطاع منكم أن يفعل مثل ما فعلت وينجو بأهله
فلْيفعل؛ ثم سلك الحوشيّة حتى لحق بالشأم وارفضّ جمعه؛ وقتل اللّه من
قتل منهم ، وبنو عامر قريبًا منهم على قادتهم وسادتهم ؛ وتلك القبائل
من سُلَيم وهوازن على تلك الحال ؛ فلما أوقع اللّه بطُلَيحة وفَزّارة ما أوقع ،
أقبل أولئك (٢) يقولون: ندخل فيما خرجنا منه، ونؤمن بالله ورسوله ، ونُسلّم
لحُكْمه فى أموالنا وأنفسنا .
قال أبو جعفر: وكان سبب ارتداد عُيينة وغطفان ومَن ارتدّ من طئ
ماحدثنا عبيد الله بن سعد، قال : أخبرنى عمی ، قال : أخبرنى سیف وحدثی
السرىّ قال : حدثنا شعيب عن سيف - عن طلحة بن الأعلم عن حبيب
١٨٩٢/١ ابن ربيعة الأسدىّ، عن مُمارة بن فلان الأسدىّ، قال: ارتدّ طُلَيحَة
فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فادّعى النبوّة، فوجَّه النبىّ
(١) س: ((حدیثاً )»
(٢) س: ((أولئك النفر)).

سنة ١١
٢٥٧
صلى الله عليه وسلم ضرار بن الأزور إلى عمّاله على بنى أسد فى ذلك ؛ وأمرهم
بالقيام فى ذلك على كلّ من ارتدّ ، فأشجَوْا (١) طليحة وأخافوه ، ونزل
المسلمون بوَارِدَات ، ونزل المشركون بسميراء ، فما زال المسلمون فى نماء
والمشركون فى نقصان؛ حتى همّ ضرار بالمسير (٢) إلى طليحة، فلم يَبْق
[أحد] (٣) إلا أخذه سلمًا (٤)، إلاّ ضربةً كان ضربها بالجُراز(٥)، فنباعنه، فشاعت
فی النّاس. فأتى المسلمون وهم على ذلك بخبر موت نبيهم صلى الله عليه وسلم،
وقال ناس من الناس لتلك الضربة: إنّ السلاح لا يُحيك(٦) فى طليحة؛
فما أمسى المسلمون من ذلك اليوم حتى عرفوا النقصان، وارفض الناس إلى طليحة
واستطار أمرُه ، وأقبل ذو الخِماريين عوفُ الجَذَمِىّ حتى نزل بإزائنا ،
وأرسل إليه 'ثمامة بن أوْس بن لأم الطائيّ: إنّ معى من جديلة خمسمائة،
فإِنْ دَهِمِكم أمر فنحن بالقُرْدُودة والأنسُر ◌ُدُوَيْنَ الرمل. وأرسل إليه
مُهَلْهِلُ بن زيد: إنّ معى حدّ الغوث؛ فإنْ دهِمكم أمرٌ فنحن بالأكناف ١
بحيال فَيْد. وإنما تحدَّبتْ طيّى على ذى الخمارين عوف، أنه كان بين أسد
وغَطَفان وطبُّ حِلْفٌ فى الجاهلية، فلما كان قبل مبعث النبيّ صلى الله عليه
وسلم اجتمعتْ غَطَفان وأسد على طيّى، فأزاحوها عن دارها فى الجاهلية: غَومها
وجّديلتها، فكره ذلك عُوْف؛ فقطع ما بينه وبين غَطَفان ، وتتابع
الحيَّانِ على الجَلاء، وأرسل غوف إلى الحيّيْن من طيّئْ، فأعاد حِلْفهم،
وقام بنصرتهم ، فرجعوا إلى دورهم، واشتدّ ذلك على غَطَفان؛ فلما مات
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قام عُيَينة بن حِصْن فى غَطَفان، فقال:
ما أعرف حدودَ غَطَفان منذ انقطع ما بيننا وبين بنى أسد ؛ وإنى لمجدّد
الحلْف الذى كان بيننا فى القديم ومتابعٌ طليحة ؛ واللّه (٧) لأنْ نتبع نبيًّا من
الحليفيْن أحبُّ إلينا من أن نتّبع نبيًّاً(٨) من قريش؛ وقد مات محمد، وبَقِىَ
طليْحة . فطابَقُوه على رأيِهِ ، ففعل وفعلوا .
٠١٨٩٣/١
(١) أشجوه: أوقعوه فى الهم والخوف.
(٣) تكملة من ز.
(٥) الجراز : السيف القطاع.
(٧) ب: ((ووالله)).
(٢) ب: ((بالسير)).
(٤) سلما بالتحريك، أى صلحا .
(٦) لا يحيك فيه السیف ؛ أى لا يؤثر.
(٨) ب: ((بيتا)).

٢٥٨
سنة ١١
فلمّا اجتمعت غطفان على المطابقة(١) لطليحة هرب ضرار وقُضاعىّ
وسنان ومن كان قام بشىء من أمر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فى بنى أسد
إلى أبى بكر، وارفضّ مَن كان معهم ، فأخبروا أبا بكر الخبر ، وأمروه
بالحذر، فقال ضرار بن الأزور: فما رأيتُ أحداً - ليس رسولَ اللّه صلّى الله
عليه وسلم- أمْلأَ بحرب شَعْواء من أبى بكر؛ فجعلنا نخبره، ولكأنما نخبره
١٨٩٤/١ بما له ولا عليه. وقدمتْ عليه وفودُ بنى أسد وغَطَفَان وهَوَازِن وطيّى،
وتلقتْ وفودُ قضاعة أسامة بن زيد، فحوَّزها(٢) إلى أبى بكْر؛ فاجتمعُوا
بالمدينة فنزلوا على وجوه المسلمين ؛ العاشر من مُتَوَفّى رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلم ، فعرضوا الصلاةَ على أن يُعْفوْا من الزّكاة ، واجتمع مَلأ مَن
أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون ؛ فلم يبق من وجوه المسلمين
أحد إلا أنزل منهم نازلا إلا العيّاس . ثم أتوا أبا بكر فأخبروه خبرهم وما
أجمع عليه ملؤُهم، إلاّ ما كان من أبى بكر ، فإنه أبى إلاّ ما كان رسولُ الله
صلّى الله عليه وسلّم يأخذ، وأبوًا، فردّهم وأجَّهم يومًا وليلة ؛ فتطايروا إلى
عشائرهم .
حدّثنى السّرىّ ، قال : حدّثنا شُعيب، عن سيف ، عن الحجاج ،
عن عمروبن شعيب، قال: كانَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم قد بعثَ عمرو
ابن العاص إلى جَيْفر، منصرَفَه من حجَّة الوداع ، فماتَ رسولُ الله صلى
اللّه عليه وسلم وعمرو بعُمَان، فأقبل حتى إذا انتهى إلى البحرين وجد
المنذر بن ساوى فى الموت . فقال له المنذر: أشِرْ علىَّ فى مالِى بأمرٍ لى
ولا علىّ، قال: صَدِّقْ بعقار صَدَقَةً تجرى مِن بعدك ، ففعل. ثم
خرج من عنده ، فسار فى بنى تميم ، ثم خرج منها إلى بلاد بنى عامرٍ ،
فنزل على قُرَّة بن هبيرة، وقرّة يقدّم رِجْلا ويؤثِّر رجلاً ؛ وعلى ذلك
١٨٩٥/١ بنو عامر كلّهم إلاّ خواص"، ثم سارحتى قدم المدينة، فأطافت به قريش،
وسألوه فأخبرهم أنّ العساكر مُعَسْكرة من دَبًا إلى حيث انتهيت إليكم ،
فتفرّقُوا وتَحلَّقُوا حَلَقًا، وأقبل عمر بن الخطاب يريد التسليم على عمرو ،
(١) ب: ((المقاتلة)).
(٢) س: ((فجوزها)).

٢٥٩
سنة ١١
فمرّ بحلْقة، وهم فى شىء مِنَ الذى سمعوا من عمرو فى تلك الحلقة: عثمان وعلىّ
وطلحة والزبير وعبد الرحمن وسعد ؛ فلما دنا عمر منهم سكتوا ، فقال : فيم
أنتم ؟ فلم يجيبوه ، فقال : ما أعلمنى بالذى خلوتم عليه ! فغضب طلحة ،
وقال: تالله يابن الخطاب لتُخْبرنا بالغيب! قال: لا يعلم الغيب إلا اللّه؛
ولكن أظنّ قلتم: ما أخوفَنا على قريش من العرب وأخلقهم (١) ألا" يقرُّوا
بهذا الأمر ! قالوا : صدقت ، قال : فلا تخافوا هذه المنزلة ، أنا والله منكم
على العرب أخوفُ منِّى من العرب عليكم؛ والله لو تدخلون معاشرَ تقريش
جُجْرًا لدخلتْه العرب فى آثاركم؛ فاتقوا الله فيهم. ومضى إلى عمرو فسلّمٍ
عليه ، ثم انصرف إلى أبى بكر.
حدّ ثنا السِّرِىّ، قال: حدّثنا شُعيب، عن سيف ، عن هشام بن عروة ،
عن أبيه ، قال : نزل عمرو بن العاص منصرفته من مُمّان بعد وفاة رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم - بُقرَّة بن هُبيرة بن سلمة بن قُشير، وحولتَه عسكر من
بنى عامر من أفنائهم، فذبح له وأكرمَ مثواه ، فلمّا أراد الرحلة خلا به
قرّة، فقال: يا هذا، إنّ العرب لا تطيبُ لكم نفسًا بالإتاوة ، فإن
أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع (٢) لكم وتطيع؛ وإن أبيتم فلا أرى أن
تجتمع (٣) عليكم. فقال عمرو: أكفرت (٤) يا قرّة! وحوله بنو عامر؛ فكرِهِ
أن يبوح بمتابعتهم فيكفروا بمتابعته ، فينفر (٥) فى شرّ، فقال: لنردّنكم
إلی فیٹتِکم۔ و کان من أمره الإسلام - اجعلوا بيننا وبينكم موعداً . فقالعمرو:
أتوعدنا (٦) بالعرب وتخوّفنا بها ! موعدك حَفْشُ (٧) أمك؛ فوالله لأوطِئِنّ
عليك الخيل . وقدم على أبى بكر والمسلمين فأخبرهم .
١٨٩٦/١
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال: حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
لمّا فرغ خالد من أمربنى عامر وبيعثهم على ما بايعهم عليه ، أوثق عيينة بن
(١) كذا فى ب، س، وفى ط: ((أحلفهم)).
(٣) ب: ((تجمع)).
(٤) ب: ((كفرت)).
(٥) ز ((وينفر)).
(٢) ز: ((فتسمع))
(٦) كذا فى ب، وفى ط: ((أتواعدنا)).
(٧) الحفش : حقيبة المرأة تضع فيه زينتها ، يريد تحقيره.

٢٦٠
سنة ١١
حصن وقُرّة بن هبيرة ، فبعث بهما إلى أبى بكر ، فلمّا قد ما عليه قال
له قرّة: يا خليفة رسول اللّه، إنى قد كنت مسلمًا، ولى من ذلك على إسلامى
عند عمرو بن العاص شهادة ؛ قد مرّ بى فأكرمته وقرّبته ومنعته . قال : فدّعا
أبو بكر عمروبن العاص ، فقال : ما تعلم من أمر هذا ؟ فقصّ عليه الخبر،
حتى انتهى إلى ما قال له من أمر الصّدقة ، قال له قرّة: حسبك رحمك الله !
قال : لا والله ؛ حتى أبلغ له كلّ ما قلت ، فبلغ له ، فتجاوز عنه أبو بكر ،
وحقَن دمه (١).
١٨٩٧/١
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عن محمّد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة ، عن عبيد الله بن عبد الله
ابن عُتْبة، قال : أخبرنِى مَنْ نظر إلى عُيَينة بن حصن مجموعةً يداه
إلى عُنِقِه بجبل ، يَنْخُسه غلمان المدينة بالجرِ يد (٢) ، يقولون: أىْ عدوّ
اللّه، أكفرت بعد إيمانك! فيقول: والله ما كنت آمنت بالله قط". فتجاوز
عنه أبو بكر وحقن له دمه.
حدّثنى السرىّ ، قال : حدثنا شُعيب ، عن سيف ، عن سَهْل بن
يوسف ، قال: أخذ المسلمون رجلاً من بنى أسد، فأتِىَ به خالد بالغَمْر-
وكان عالمًا بأمر طُليحة - فقال له خالد : حدثنا عنه وعمًا يقول لكم ، فزعم
أن مما أتى به: ((والحمام واليمام، والصُّرَدِ الصَّوَّام، قد صمن قبلكم بأعوام، ليبلغن
مُلْكُنا العراق والشام)) .
حدّثنى السرىّ ، قال : حدثنا شعيب ، عن سيف ، عن أبى يعقوب
سعيد بن عبيد ، قال: لما أرْزَى أهل الغَمْر إلى البُزاخة (٣)، قام فيهم
طليحة، ثم قال: ((أمرت أن تصنعوا رحًا ذات عُرًا، يرمى الله بها مَنْ رَمی،
يهوى عليها من هوى))، ثم عَبَّى جنوده، ثم قال: ((ابعثوا فارسيْنَ، على فرسين
(١) يقال: حقن دمه؛ إذا حل به القتل فأنقذه.
(٢) الجريد : قضبان النخل ، واحدته جريدة .
(٣) أرزى أهل الغمر إلى البزاحة: التجئوا إليها .