Indexed OCR Text

Pages 221-240

٢٢١
سنة ١١
المُحَكِّك، وعُذَيَقُها المُرَجَّب! أمَّا واللّه أمْن شئتم لنعيدنّها
جذّعَةً(١)؛ فقال عمر: إذاً يقتلك اللّه! قال: بل إياك يقتل!
فقال أبو عبيدة: يا معشر الأنصار؛ إنّكم أوّل مَنْ نصر وآزرَ؛ ١٨٤٢/١
فلا تكونوا أوّل مَنْ بدّل وغيّر .
فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير فقال : يا معشر الأنصار ؛
إنا والله لئن كنا أولى فضيلة فى جهاد المشركين ، وسابقة فى هذا الدّين؛
ما أردنا به إلاّ رضا ربنا وطاعة نبينا؛ والكَدْحَ لأنفسنا ؛ فما ينبغى
لنا أن نستطيل على النّاس بذلك ، ولا نبتغى به من الدنيا عرضا ؛
فإن اللّه ولىّ المنة علينا بذلك؛ ألا إنّ محمداً صلى اللّه عليه وسلم من
قريش، وقومُه أحقّ به وأولى. وايم الله لا يرانى الله أنازعهم هذا الأمر أبدا،
فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم !
فقال أبو بكر : هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيّهما شئتم فبايعوا . فقالا :
لا والله لا نتولى هذا الأمر عليك؛ فإنك أفضلُ المهاجرين وثانى اثنين إذْ هما
فى الغار، وخليفةُ رسول اللّه على الصّلاة؛ والصَّلاةُ أفضلُ دين المسلمين؛
فمن ذا ينبغى له أن يتقدّمك أو يتولّى هذا الأمر عليك ! ابسط يدك نبايعك .
فلما ذهبا ليبايعاه ، سبقهما إليه بشير بن سعد ، فبايعه ، فناداه الحباب
ابن المنذر: يا بشير بن سعد: عَقّتك(٢) عَقاق؛ ما أحوجك إلى ما صنعت،
أنَفِسْتَ على ابن عمّك الإمارة! فقال: لا والله ؛ ولكنى كرهت أن أنازع
قومًا حقًّا جعله الله لهم .
ولما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد ، وما تدعو إليه قريش ، وما
تطلبُ الخزرجُ من تأمير سعد بن عبادة ، قال بعضهم لبعض ، وفيهم أسيْد
ابن حُضير - وكان أحدَ النقباء: والله لئن وليَتْها الخزرج عليكم مرّة لا زالت
لهم عليكم بذلك الفضيلة ؛ ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيبًا أبداً ، فقوموا فبايعوا
(١) جذعة : فتية .
(٢) ط: ((عققت))، والتصويب من اللسان.
١٨٤٣/١

٢٢٢
سنة ١١
أبا بكر . فقاموا إليه فبايعوه ، فانكسر على سعد بن عبادة وعلى الخزرج
ما كانوا أجمعوا له من أمرهم.
قال هشام : قال أبو مخنف: فحدّثّنى أبو بكر بن محمد الخُزاعىّ ،
أن أسلمَ أقبلتْ بجماعتها حتى تضايَقَ بهم السكك، فبايعوا أبا بكر ؛ فكان
عمر يقول: ما هو إلاّ أن رأيتُ أسلم ، فأيقنتُ بالنّصر.
قال هشام، عن أبى مخنف : قال عبدُ اللّه بن عبد الرحمن : فأقبَل
الناس من كلّ جانب يبايعون أبا بكر ، وكادوا يطئون سعد بن عبادة ، فقال
ناس من أصحاب سعد : اتقوا سعداً لا تطئوه، فقال عمر: اقتلوه قتله اللّه !
ثم قام على رأسه ، فقال: لقد هممتُ أن أطأكَ حتى تُنْدَر عَضُدك (١)، فأخذ
سعد بلحية عمر ، فقال : والله لو حصصتَ منه شعره ما رجعت وفى فيك
واضحة(٢)؛ فقال أبو بكر: مهلاً يا عمر! الرّفْقُ ها هنا أبلغ . فأعرض
عنه عمر. وقال سعد: أما والله لو أنّ بى قوّة مًّا، أقوى على النهوض، لسمعت
منّى فى أقطارها وسككها زَثيراً يُحْحِرك (٣) وأصحابك؛ أما والله إذاً لألحقنك
يقوم كنتَ فيهم تابعًاً غير متبوع ! احملونى مِنْ هذا المكان ، فحملوه
١٨٨٤/١ فأدخلوه فى داره، وتركاً يامًاً ثم بعث إليه أن أقْبِل فبايع فقد بايع الناس
وبايع قومُك ؛ فقال: أما والله حتى أرميكم بما فى كنانتى من نَبْلى، وأخْضِب
سنان رمْحى، وأضربكم بسيفى ما ملكته يدى ، وأقاتلكم بأهل بيتى ومَنْ
أطاعنى من قومى؛ فلا أفعل، وايْمُّ اللّه لو أنّ الجنّ اجتمعتْ لكم مع الإنس
ما بايعتُكم ، حتى أعرض على ربّى، وأعلم ما حسابى .
فلما أتى أبو بكر بذلك قال له عمر: لاتد عه حتى يبايع . فقال له بشيربن
سعد : إنه قد لجّ وأبى ؛ وليس بمبايعكم حتى يُقتل، وليس بمقتول حتى يُقتل معه
ولدُه وأهل بيته وطائفة من عشيرته ؛ فاتركوه فليس تركُه بضارّ كم ؛ إنما هو
رجلٌ واحد. فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدًا لهم منه ؛
(١) تندر عضدك: تزال عن موضعها، وفى ط: ((عضوك)).
(٢) الواضحة: الأسنان التى تبدو عند الضحك.
(٣) يححرك وأصحابك ، أى يدخلكم المضايق.

٢٢٣
سنة ١١
فكان سعْد لا يصلِّى بصلاتهم، ولا يجمع معهم ويحجّ ولا يُفيض معهم
بإفاضتهم ؛ فلم يزل كذلك حتى هلك أبو بكر رحمه الله .
حدّثنا عبيد الله بن سعد، قال: حدثناعمى ، قال : أخبرنا سَيْف
ابن عمر، عن سهل وأبى عثمان، عن الضحدّاك بن خليفة، قال: لما قام الحبابُ
ابن المنذر انتضَى سيفه؛ وقال: أنا جُذَيلُها المحكّك وعُذَيقها المرجّب؛ أنا
أبو شبل فى عریسة الأسد، يعزى إلى الأسْد . فحاملهعمر فضرب یده،فندر
السيفُ ، فأخذه ثم وثب على سعد ووثبوا على سعد ؛ وتتابع القوم على البيعة ؛
وبايع سعد ؛ وكانت فلتةً كفلتات الجاهليّة ؛ قام أبو بكر دونها . وقال
قائل حين أوطىء سعد: قتلتم سعداً، فقال عمر: قتله اللّه ! إنه منافق ، واعترض
عمرّ بالسيف صخرةٌ فقطعه .
١٨٤٥/١
حدّثنا عُبيد اللّه بن سعيد، قال: حدّثنى عمّى يعقوب ، قال : حدثنا
سيف، عن مبشّر، عن جابر، قال : قال سعد بن عبادة يومئذ لأبى بكر :
إنكم يا معشر المهاجرين حسد تمونى على الإمارة ؛ وإنك وقومى أجبرتمونى على
البَيْعة، فقالوا : إنا لو أجْبَرْناك على الفُرقة فصرت إلى الجماعة كنت فى
سَعَة ؛ ولكنا أجبرنا على الجماعة ، فلا إقالة فيها؛ لئن نزعت يدأ من طاعة ،
أو فرّقت جماعة ، لَنَضرِ بنّ الذى فيه عيناك.
٠ ٠
[ ذكر أمر أبى بكر فى أول خلافته ]
حدّثنا عبيدُ اللّه بن سعد، قال : أخبرنا عمى ، قال : حدثنا سيف-
وحدّثنى السرىّ بن يحيى ، قال : حدثنا شُعيب بن إبراهيم ، عن سيف بن
عمر - عن أبى ضَّمْرة ، عن أبيه ، عن عاصم بن عدّى ، قال : نادى
منادى أبى بكر ، من بعد الغدِ مِنْ متوفَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
ليُنَّمّ بعث أسامة؛ ألا لا يبقينّ بالمدينة أحدٌ من جُنْد أسامة إلاّ خرج
إلى عسكره بالجُرف. وقام فى الناس ، فحمد الله وأثنى عليه وقال :
٢٠٫٠٠

٢٢٤
١١ سنة
يأيها الناس، إنما أنا مثلُكم ؛ وإنى لا أدرى لعكم ستكلفونى ما كان
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يطبق؛ إن الله اصطفى محمدًاً على العالمين وعصمه
١٨٤٦/١ من الآفات؛ وإنما أنا متبعٌ واست بمبتدع؛ فإن استقمت فتابعونى، وإن زغت
فقومونى؛ وإنّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم قبض وليس أحدٌ من هذه الأمة
يطلبه بمظلمة ضربة سوط فما دونها ؛ ألاَ وإنّ لى شيطانًا يعترينى؛ فإذا أتانى
فاجتنبونى ؛ لا أؤثر فى أشعاركم وأبشاركم ؛ وأنتم تغدون وتَرُوحون فى أجلٍ
قد غيّب عنكم علمه؛ فإن استطعتم ألاّ يمضى هذا الأجل إلاّ وأنتم فى عمل
صالح فافعلوا ؛ ولن تستطيعوا ذلك إلاّ باللّه، فسابقوا فى مستهل آجالكم من
قبل أن تُسلمكم آجالكم إلى انقطاع الأعمال ؛ فإن قومًا نسوا آجالهم ،
وجعلُوا أعمالهم لغيرهم؛ فإيّاكم أن تكونوا أمثالهم . الجدّ الجدّ! والوحا الوحا !
والنّجاء النّجاء! فإن وراءكم طالباحثيثًا، أجلاً مَرُّه سريعٌ . احذروا الموت،
واعتبروا بالآباء والأبناء والإخوان، ولا تغبطوا الأحياء إلا بما تغبطون به الأموات.
وقام أيضًا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ لا يقبل من
الأعمال إلاّ ما أريد به وجهه ؛ فأريدوا اللّه بأعمالكم، واعلموا أنّ ما أخلصتم
اللّه من أعمالكم فطاعة أتيتموها، وخطأٌ ظفرتم به، وضرائب أديتموها، وسلَفٌ
قَدَّمتموه من أيام فانية لأخرى باقية ؛ لحين فقركم وحاجتكم . اعتبروا عباد
١٨٤٧/١ اللّه بمَنْ مات منكم، وتفكّروا فيمن كان قبلكم . أين كانوا أمس، وأين
هم اليوم! أين الجبّارون! وأين الذين كان لهم ذكْر القتال والغلبة
فى مواطن الحروب! قد تضعضع بهم الدّهر ، وصاروا رميماً ؛ قد تُركت
عليهم القالات ؛ الخبيثات للخبيثين ، والخبيثون للخبيثات . وأينَ الملوك
الذين أثاروا الأرض وعمرُوها؛ قد بعدوا ونُسِيَ ذكرهم ، وصاروا
كلا شىء. ألا إنّ اللّه قد أبقى عليهم التَّبعات، وقطع عنهم الشهوات ،
ومضواً والأعمال أعمالهم ، والدنيا دنيا غيرهم ، وبقينا خلفًا بعدهم ؛ فإن نحن
اعتبرنا بهم نجوْنا؛ وإن اغتررنا كذا مثلهم ! أين الوُضّاءُ الحسنة وجوهُهم،
المعجبون بشبابهم! صاروا ترابًا ، وصار ما فرطوا فيه حَسْرَة عليهم ! أين
الذين بنوا المدائن وحصّنوها بالحوائط ، وجعلوا فيها الأعاجيب ! قد تركوها

٢٢٥
سنة ١١
لمن خَلَفتَهم ؛ فتلك مساكنهم خاوية ، وهم فى ظلمات القبور ، هل نحس
منهم من أحد أو تسمع لهم ركزاً! أين مَنْ تعرفون من أبنائكم وإخوانكم ؛
قد انتهت بهم آجالهم، فوردوا على ما قدموا فحأُّوا عليه وأقاموا للشَّقْوة والسعادة
فيما بعد الموت. ألاّ إنّ اللّه لا شريك له، ليس بينه وبين أحد مِنْ خلقه
سببٌ يعطيه به خيراً، ولا يصرف عنه به سوءًا، إلاّ بطاعته واتباع أمره
واعلموا أنكم عبيدٌ مَدِ ينُونَ، وإنّ ما عنده لا يُدْرك إلاّ بطاعته؛ أما أنه
لا خير بخير بَعْدَه النارُ ، ولا شر بشرّ بعده الجنة.
حدثنى عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرنى عمىّ، قال: أخبرنى سيف - ١٨٤٨/١
وحدّثنى السَّرِىّ ، قال : حدّثنا شُعيب، قال : أخبرنا سيف- عن هشام
ابن عروة ، عن أبيه ، قال: لما بويع أبو بكر رضى الله عنه وجمع الأنصار
فى الأمر الذى افترقوا فيه ، قال: لِيُتّمّ بعثُ أسامة ؛ وقد ارتدت العرب؛
إمّا عامة وإمّا خاصّة فى كلّ قبيلة؛ ونجتم النفاق، واشرأبت اليهود والنصارى،
والمسلمون كالغَنَم فى الليلة المطيرة الشاتية، لفقد نبيهم صلى الله عليه وسلم
وقِّتِهم، وكثرة عدوّهم. فقالَ له الناس: إن هؤلاء جُلّ المسلمين والعرب
- على ما ترى - قد انتقضت بك ؛ فليس ينبغى لك أن تفرّق عنك جماعة
المسلمين . فقال أبو بكر: والذى نفس أبى بكر بيده ، لو ظننت أن السُّباع
تخطّفنى لأنفذت بعثَ أسامة كما أمَر به رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلم ،
ولو لم يبق فى القری غیری لأنفذته !
حدّثنى عبيد الله ، قال : حدثنى عمى، قال : أخبرنى سيف - وحدثنى
السرىّ ، قال : حدّثنا شعيب ، قال : حدثنا سيف - عن عطية ، عن
أبى أيوب عن علىّ، وعن الضّحاك عن ابن عباس ، قالا: ثم اجتمعَ من
حول المدينة من القبائل التى غابت فى عام الحديبية، وخرجوا وخرج أهلُ
المدينة فى جُنْد أسامة؛ فحبس أبو بكر مَنْ بَقِىَ من تلك القبائل التى
كانت لهم الهجرة فى ديارهم ، فصاروا مسالحَ حول قبائلهم وهم قليل .
حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدثنى عمى، قال: أخبرنى سيف - وحدثنى ١٨٤٩/١
السرىّ ، قال : حدثنا شعيب، قال : حدثنا سَيْف - عن أبى ضَمْرة
.

٢٢٦
سنة ١١
وأبى عمرو وغيرهما؛ عن الحسن بن أبى الحسن البصرىّ، قال: ضرب رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثًا على أهل المدينة ومَنْ حولهم؛ وفيهم عمر
ابن الخطاب، وأمَّر عليهم أسامة بن زيد . فلم يجاوز آخرهم الخندقَ ،
حتى قُبِض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فوقف أسامةُ بالناس ، ثم قال
لعمر: ارجع إلى خليفة رسول اللّه فاستأذِنْه؛ يأذن لى أن أرجع بالناس ؛ فإنّ
معى وجوه الناس وحدَّهم؛ ولا آمن على خليفة رسول اللّه وثَقَلِ رسول الله
وأثقال المسلمين أن ينخطّفهم المشركون . وقالت الأنصارُ : فإن أبى إلاّ أن
نمضىَ فأبلغْه عنّا، واطلب إليه أن يولِّىَ أمرنا رجلاً أقدمَ سنًّا من أسامة .
فخرج عمر بأمر أسامة ، وأتى أبا بكر فأخبره بما قال أسامة ، فقال أبو بكر ،
لو خَطَفْتنى الكلاب والذئاب لم أردّ قضاء قَضَى به رسولُ الله صلى الله عليه
وسلم! قال : فإنّ الأنصار أمرونِى أن أبلغك، وإنهم يطلبون إليك أن تُولَّى
أُمرَّهم رجلاً أقدمَ سنًّا من أسامة ؛ فوثب أبو بكر - وكان جالسًا - فأخذ
بلحية عمر، فقال له : ثكلتك أمُّك وعدمَتْك يابن الخطاب! استعملته رسولُ
اللّه صلى الله عليه وسلم وتأمرنى أن أنزِعتَه! فخرج عمر إلى الناس فقالوا له:
ما صنعت ؟ فقال: امضوا ، ثكلّتْكم أمَّهاتُكم! ما لقيتُ فى سببكم من
خليفة رسول الله !
ثم خرج أبو بكر حتى أتاهم ، فأشخصهم وشيّعهم وهو ماش وأ سامة
راكبٌ ، وعبد الرحمن بن عوف يقودُ دابة أبى بكر ، فقال له أسامة :
يا خليفة رسول اللّه، والله لتركبنّ أو لأنزلن"! فقال: والله لاتنزل ووالله
لاأركب! وما علىّ أن أغيّرَ قدمَىّ فى سبيل اللّه ساعةً؛ فإن للغازى بكلّ
خطوة يخطوها سبعمائة حسنة تكتب له ، وسبعمائة درجة ترتفع له ، وترفع
عنه سبعمائة خطيئة ! حتى إذا انتهى قال : إن رأيتَ أن تعينَنِى بعمر فافعل !
فأذن له ، ثم قال: يأيها الناس، قفُوا أوصِكُمْ بعشر فاحفظوها عنّى:
لا تَخُونُوا ولا تُغِلّوا، ولا تَغْدِروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلاً صغيرًا ،
ولا شيخًا كبيراً ولا امرأة، ولا تعقِرُوا (١) نخلا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة
١٨٥٠/١
(١) عقر النخلة : قطع رأسها .

٢٢٧
سنة ١١
مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكلة؛ وسوف تمرُّون بأقوام قد
فرّغوا أنفسهم فى الصوامع؛ فدَعُوهم وما فرّغوا أنفسهم له ، وسوف تقدّمون
على قوم يأتونكم بآذية فيها ألوانُ الطعام؛ فإذا أكلتم منها شيئًا بعد شىء
فاذكروا اسمَ اللّه عليها . وتلقوْن أقوامًا قد فحصوا أوساط رءوسهم وتركوا حولها
مثل العصائب؛ فاخفقوهم بالسيف خَفْقًا . اندفعوا باسم الله، أفناكم الله
بالطعن والطاعون(١).
حدّقنى السرىّ، قال: حدثنا شعيب، قال: حدثنا سيف - وأخبرنا ١٨٥١/١
عبيد الله، قال : أخبرنى عمى ، قال : حدثنا سيف - عن هشام بن عروة ،
عن أبيه ، قال : خرج أبوبكر إلى الجُرْف، فاستَقْرى أسَامة وبعْثه، وسأله
عمرَ فأذن له، وقال له: اصنع ما أمرك به نبىُّ اللّه صلّى الله عليه وسلّم، ابدأ
ببلاد قُضاعة ثم إيتِ آبلَ، ولا تقصّرنّ فى شىء من أمر رسول الله صلى الله
عليه وسلّم، ولا تعجلنّ لما خلّفتَ عن عهده. فضى أسامة مُغِذًّا على
ذى المَرْوَّة والوادى، وانتهى إلى ما أمره به النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من بسَثة
الخيول فى قبائل قُضاعة والغارة على آبيل، فسيلم وغنيم ، وكان فراغه فى
أربعين يومًا سوى مقامه ومنقلبه راجعًا .
فحدّثّنى السرىّ بن يحيى ، قال : حدّثنا شعيب ، عن سيف - وحدّتنا
عُبيد الله ، قال : أخبرنا عمى ، قال : أخبرنا سيف - عن موسى بن عقبة ،
عن المغيرة بن الأختّس .
وعنهما، عن سيف، عن عمرو بن قيس، عن عطاء الخراسانى مثلُه .
*
بقّة الخبر عن أمر الكذّاب العنسىّ
كان رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم جمع - فيما بلغنا - لباذام حين أسلم
وأسلمت اليمن عَمَل اليمن كلّها، وأمَّرَه على جميع مخالفيها، فلم يزل عامل رسول اللّه
(١) كذا فى س، وفى ط: ((أقناكم))، ولا معنى له، وما أثبته يتفق مع الحديث: ((فناء أمّ
بالطعن والطاعون)). وانظر النهاية ٣ : ٣٩.

٢٢٨
سة ١١
صلى الله عليه وسلم أيام حياته ، فلم يعزله عنها ولا عن شىء منها ، ولا أشرك
معه فيها شريكًا حتى مات باذام ، فلمّا مات فرّق عملها بين جماعة من
أصحابه .
فحدّثنى عُبيد اللّه بن سعد الزُّهرىّ، قال: حدّثنا عمّى، قال: حدّثنا
١٨٥٢/١ سيف - وحدّثنى السرىّ بن يحيى، قال: حدّثنا شُعيب بن إبراهيم ، عن
سيف - قال : حدّثنا سَهْل بن يوسف ، عن أبيه ، عن عبيد بن صَخْر
ابن تَوْذان الأنصارىّ السُّلمىّ-وكان فيمن بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مع
عمَّل اليمن فى سنة عشر بعد ما حجّ حجَّة التّمام: وقد مات باذام ، فلذلك
فرّق عملتها بين شَهْر بن باذام ، وعامر بن شهر الهَمْدانىّ ، وعبد الله بن
قيس أبى موسى الأشعرىّ، وخالد بن سعيد بن العاص ، والطَّاهر بن أبى هالة،
ويعلّ بن أمّيّة ، وعمربن حَزْم، وعلى بلاد حَضْرمَوْت زياد بن لبيد
البَيَاضى وعُكَّاشة بن ثور بن أصغر الغَوْتِىّ؛ على السَّكاسك والسَّكون ومعاوية
ابن كندة ، وبعث معاذ بن جبل معلِّمًا لأهل البلديْن : اليمن وحضرموت .
حدثنى عبيدُ اللّه، قال: أخبرنى عمِى ، قال : أخبرنى سَيْف - يعنى
أبن عمر - عن أبى عمرو مولى إبراهيم بن طلحة ، عن عبادة بن قُرْص بن
عبادة ، عن قُرْص الليْىّ، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم رجع إلى المدينة بعد
ما قضى حجّة الإسلام، وقد وجَّه إمارة اليمن وفرّقها بين رجال، وأفرد كلَّ
رجل بحَيِّزِهِ ، ووجّه إمارة حضر موت وفرّقها بين ثلاثة ، وأفرد كلَّ واحد منهم
بحيّزه، واستعمل عمرو بن حزم على نَجْران، وخالد بن سعيد بن العاص على
ما بين نَجْران ورِمَعَ وزَبِيد ، وعامر بن شهر على هَمْدان ، وعلى صنعاء
ابن باذام ، وعلى عَكّ والأشعريّين الطّاهر بن أبى هالة ، وعلى مأرب أبا موسى
الأشعرىّ، وعلى الجنّد يعلى بن أميّة. وكان معاذ معلِّمًا يتنقّل فى عمالة كلّ
عامل باليمن وحضرموت ؛ واستعمل على أعمال حضرموت ؛ على السَّكاسك
والسَّكون عُكّاشة بن ثور، وعلى بن معاوية بن كندة عبد اللّه (١) - أو المهاجر-
فاشتكى فلم يذهب حتى وحَّهه أبو بكر. وعلى حضرموت زياد بن لبيد
١٨٥٣/١
(١) هو عبد الله بن قيس، أبو موسى الأشعرى.

٢٢٩
سنة ١١
البياضىّ ، وكان زياد يقوم على عمل المهاجر ؛ فمات رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهؤلاء عمّاله على اليمن وحضرموت؛ إلاّ مَنْ قُتِل فى قتال الأسود
أو مات؛ وهو باذام ، مات ففرّق النبيّ صلى الله عليه وسلم العملَ من أجله .
وشهر ابنُه ـ يعنى ابن باذام - فسار إليه الأسود فقاتله فقتله .
وحدثنى بهذا الحديث السرىّ، عن شعيب بن إبراهيم ، عن سَيْف .
فقال فيه: عن سيف، عن أبى عمرو مولى إبراهيم بن طلحة . ثم سائر الحديث
بإسناده مثل حديث ابن سعد الزُّهرىّ.
قال : حدثنى السرىّ ، قال : حدثنا شعيب بن إبراهيم ، عن سيف،
عن طلحة بن الأعلم ، عن عِكْرمة ، عن ابن عبّاس، قال : أوّل
من اعترض على العَّنْسىّ وكاثره عامرُ بن شَهْر الهمْدانىّ فى ناحيته
وفيروز وداَذَوَيْه فى ناحيتهما ، ثم تتابع الذين كتب إليهم على
ما أمروا به .
حدّثنا عُبيد الله بن سعد ، قال : أخبرنا عمى، قال : أخبرنى سَيْف ،
قال . وحد ثنا السریّ ، قال: حدّٹنا شعيب ، قال : حدثنا سیف- عن
سهل بن يوسف ، عن أبيه، عن عبيد بن صخر، قال: فبينا نحن بالجند قد
أقمناهم على ما ينبغى ، وكتبتا بيننا وبينهم الكتب ، إذ جاءنا كتاب من
الأسْود : أيها المتوّردُون علينا، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا ، ووفِّروا
ما جمعتم ؛ فنحن أوْلى به وأنتم على ما أنتم عليه . فقلنا للرسول: مِنْ أين
جئت ؟ قال : من كهف خُبَّان. ثم كان وجّهه إلى نَجْران ؛ حتى أخذها
فى عشرٍ لمخرجه ، وطابقه عوامّ مذحج . فبينا نحن ننظر فى أمرنا ، ونجمع
جمعنا ، إذ أتينا فقيل: هذا الأسود بشَعُوب (١)، وقد خرج إليه شهر بن
باذام؛ وذلك لعشرين ليلة من منجمه . فبينا نحن ننتظر الخبر على من تكون
الدَّبْرَة، إذ أتانا أنه قتل شهرًا ، وهزم الأبناء ، وغلب على صَنْعاء
لخمس وعشرين ليلة من منجّمه . وخرج معاذ هاربًا، حتى مرّ بأبى موسى
١٨٥٤/١
(١) شعوب: قصر باليمن معروف بالارتفاع، أو بساتين بظاهر صنعاء - ياقوت ..

٢٣٠
سنة ١١
وهو بمأرب، فاقتحما حضرموت؛ فأما معاذ فإنه نزل فى السّكون؛ وأما أبو موسى
فإنه نزل فى السَّكاسك مما يلى المفُّور والمفازة (١) بينهم وبين مأرب، وانحاز
سائر أمراء اليمن إلى الطاهر إلاّ عمرًا وخالدًا؛ فإنهما رجعا إلى المدينة؛ والطّاهر.
يومئذ فى وسَط بلاد عنَكّ بحيال صنعاء . وغلب الأسودُ على ما بين صَهِيد -
١٨٥٥/١ مفازة حضرموت - إلى عمل الطائف إلى البحرين قِبل عدن، وطابقت عليه
اليمن، وعك" بتهامة معترضون عليه ؛ وجعل يستطير استطارة الحريق ، وكان
معه سبعمائة فارس يوم لفىَ شهراً سوى الرُّكبان ؛ وكان قُوَّاده قيس بن
عبد يغوث المُرادىّ ومعاوية بن قيس الجَنْبِىّ ويزيد بن محرم ويزيد بن
حُصين الحارثيّ ويزيد بن الأَفْكَل الأزدىّ. وثبت ملكُه واستغلظ أمرُه،
ودانَتْ له سواحل من السواحل؛ حاز عَشْر (٢) والشّرْجَة والحرْدة(٣) وغلافقة
وعَدَن، والجَنّد؛ ثم صَنْعاء إلى عَمَل الطائف، إلى الأحسية وعُلَيْب؛
وعامله المسلمون بالبّقيّة (٤)، وعامله أهلُ الرّدّة بالكفر والرجوع عن الإسلام.
وكان خليفته فى مذحج عمرو بن معد يكرب ، وأسند أمره إلى نفر؛ فأما أمرُ
جنده فإلى قيس بن عبد يغوث ، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز وداذويْه .
فلمّا أثخن فى الأرض استخفَّ بقيس وبفيروز وداذوْيه ، وتزوّج امرأة
شهر؛ وهى ابنة عمّ فيروز؛ فبينا نحن كذلك بحضر موت - ولا نأمن أن
يسير إلينا الأسود، أو يبعث إلينا جيشًا ، أو يخرج بحضرموت خارجٌ يدّعى
يمثل(٥) ما ادّعى به الأسود ، فنحن على ظهر، تزوّج مُعاذ إلى بنى بكرة ؛" (٦)
حى من السّكون ، امرأة أخوالها بنوزنكبيل يقلل لها رَمْلة، فحَد بوا لصهره (٧)
١٨٥٦/١
(١) ز: ((أظفور وأظفارة)).
(٢) عثر، ضبطه صاحب مراصد الاطلاع بفتح أوله ويكون ثانيه، وقال: ((وهو عثر،
بالتشديد ؛ إلا أن أهل اليمن لا يقولونه إلا بالتخفيف)).
(٣) كذا ضبطه ياقوت بالفتح، وقال: ((بلد باليمن له ذكر فى حديث العنسى)) وفى ط بكسر الحاء.
(٤) س: ((بالتقية)).
(٥) س: ((مثل)).
(٦) س: ((نكره)).
(٧) س: ((بصبره)).

سنة ١١
: ٢٣١
علينا(١)، وكان معاذ بها معجبًا، فإن كان ليقول فيما يدعو الله به :
اللهمّ ابعثنِى يوم القيامة مع السَّكون، ويقول أحيانًا: اللهم اغفر للسّكون -
إذ جاءتْنا كتبُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يأمرُنا فيها أن نبعثَ الرّجالَ المجاولته
أو لمصاولته ؛ ونُبلِغَ(٢) كلّ مَنْ رجا عنده شيئًا من ذلك عن النبيّ صلى
اللّه عليه وسلم. فقام معاذ فى ذلك بالذى أمر به، فعرفنا القوّة ووثقنا بالنصر. (٣)
حدّثنا السرىّ، قال : أخبرنا شعيب، قال: حدثنا سَيْف۔۔ وحدّ ثنی
عُبيد اللّه، قال: أخبرنا عمّى، قال : أخبرنا سيف - قال : أخبرنا المستنير
ابن يزيد ، عن عروة بن غزّية الدَّتِيْنِىّ، عن الضّحاك بن فيروز - قال
السرىّ: عن جُشَيْش بن الديلمىّ، وقال عبيد الله: عن جشنس (٤) بن الديلمىّ-
قال: قدِمٍ علينا وَبَرُ بن يُحَنّس بكتاب النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم، يأمرنا
فيه بالقيام على ديننا ، والنهوض فى الحرب، والعمل في الأسود: إمّا غيلة وإما
مصادمة ؛ وأن نبلغ عنه من رأينا أنّ عنده نجدة ودينًا . فعملنا فى ذلك ،
فرأينا أمراً كثيفًا ، ورأيناه قد تغّير لقيس بن عبد يغوث - وكان على جنده -
فقلنا : يُخاف على دمه ؛ فهو لأوّل دعوة؛ فدعوناه وأنْبَأناه الشأنَ ، وأبلغناه
عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم؛ فكأنما وقعنا عليه من السماء ، وكان فى غمّ
وضيق بأمره ؛ فأجابنا إلى ما أحببنا من ذلك ، وجاءنا(٥) وبر بني يحنّس،
وكاتبْنا الناسَ ودعوناهم؛ وأخبره الشيطان بشىء، فأرسل إلى قيس
وقال: يا قيس ، ما يقول هذا ؟ قال: وما يقول ؟ قال: يقول : عَمَدَت إلى
قيس فأكرمته ؛ حتى إذا دخل منك كلّ مدخل ، وصار فى العزّ مثلك، مال
ميل عدّوك ؛ وحاول ملكَك وأضمر على الغدر ! إنه يقول : يا أسود يا أسود !
يا سوءة يا سوءة! اقطف قُنَّتَه، وخذْ من قيس أعلاه؛ وإلاّ سلبك أو قطف
قُنّتَك. فقال قيس - وحلَف به : كذَبَ وذى الخِمار؛ لأنتَ أعظمُ فى
١٨٥٧/١
(١) ز: ((عليه)).
(٣) ز: ((بالنصرة)).
(جشيش))، تحريف.
(٢) س: ((أو نبلغ)).
(٤) كذا فى المشتبه ١٨٦، وفى ط :
.(٥) ز: ((وجاء)).

٢٣٢
سنة ١١
نفسى وأجَلُ عندى من أنْ أحدّث بك نفسى؛ فقال: ما أجفاك! أتكذّب
المَلَك! قد صدق الملَك؛ وعرفت الآن أنك تائبٌ مما اطلع عليه منك.
١٨٥٨/١
ثم خرج فأتانا ، فقال : ياجُشيش، ويافَيْروز، وياداذويه ؛ إنه قد
قال وقلت(١)؛ فما الرأىُ؟ فقلنا: نحن على حذر ؛ فإنا فى ذلك،إذ أرسل إلينا،
فقال: ألم أشرِّفْكُم على قومِكم، ألم يبلغنى عنكم! فقلنا: أقِلْنا مرّتّنا هذه،
فقال : لا يبلغی عنكم فأقتلكم(٢) ؛ فنجونا ولم نكد ؛ وهو فى ارتیاب من
أمرنا وأمر قيس ؛ ونحن فى ارتياب وعلى خطر عظيم ؛ إذ جاءنا اعتراض عامر
ابن شَهْر وذى زود وذى مُرّان وذى الكلاع وذى ظُلَيْم عليه ، وكاتبونا وبذلوا
لنا النَّصر؛ وكاتبناهم وأمرناهم ألاّ يحركوا شيئًا حتى نُبْرم الأمْرَ - وإنما
اهتاجوا لذلك حين جاء كتاب النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ (٣) وكتب النبيّ صلى
الله عليه وسلم إلى أهل نَجْران(٣)؛ إلى عَرّبهم وساكنى الأرض من غير العرب؛
فثبتوا فتنحّوا وانضموا إلى مكان واحد - وبلغه ذلك، وأحسّ بالهلاك، وفرّق
لنا الرّأىُ، فدخلتُ على آذاد ؛ وهى امرأته، فقلت: يا ابنةَ عمّ ؛ قد
عرفتِ بلاءَ هذا الرجل عند قومك ؛ قَتّل زوجك، وطأطأ فى قومك القتل (٤)،
وسفل بمن بقى منهم ؛ وفضح النساء ؛ فهل عندك من ممالأة عليه! فقالت :
على أىّ أمرِه(٥)؟ قلت: إخراجه، قالت: أو قتله، قلت: أو قتله، قالت: نعم
واللّه ما خَلَق الله شخصًا أبغضَ إلىَّ منه؛ ما يقوم لله على حقّ، ولا ينتهى له
عن حُرْمة (٦)؛ فإذا عزمتم فأعلمونى أخبركم بمَأْتَّى هذا الأمر . فأخرجُ
فإذا فيروز وداذويه ينتظرانى ، وجاء قيس ونحن نريد أن نناهضه، فقال له
رجل قبل أن يجلس إلينا: المملك يدعوك، فدخل فى عشرة من مَذْحج
وهَمْدان ، فلم يقدر (٧) على قتله معهم - قال السِرّىّ فى حديثه: فقال :
(٢) كذا فى ز، وفى ط: ((فأقيلكم)).
(١) س: ((وقد قلت)).
(٣ - ٣) ساقط من ز .
(٤) طأطأً القتل فى قومه؛ أى أسرع فيهم بالقتل.
(٥) ز: أضاف: ((هو)).
(٦) " ابن الأثير: ((محرم)).
(٧) ز: ((فلم يقدم)).

٢٣٣
سنة ١١
يا عيْهلة بن كعب بن غوث ، وقال عبيدُ اللّه فى حديثه : يا عبهلة بن
كعب بن غوث - أمِنِّى تحتَصَّنُ بالرّجال! ألم أخبرك الحقَّ وتخبرنى
الكذابة (١)! إنه يقول: ياسوءة ياسوءة! إلا تقطع من قيس يده يقطع
قُنْتُك(٢) العُلْيا ؛ حتى ظن أنه قائله ؛ فقال : إنه ليس من الحق أن
أقتلك (٣) وأنت رسول الله، فمر (٤) بى بما أحببت؛ فأما الخوف والفَزّع
فأنا فيهما مخافة [ أن تقتلنى](٥) - قال الزّهرىّ: فإمّا قتلتّنى فموتة، وقال
السّرىّ: اقتلنى فموتةٌ أهوَنُ علىّ من موتات أموتُها كلّ يوم - فرق" له
فأخرجه، فخرج علينا فأخبرنا وواطأنا(٦)، وقال: اعْملُوا عَملَكم؛ وخرج علينا
فى جمع، فقمنا مُثُولا له، وبالباب مائة ما بين بقرة وبعير، فقام وخَطَّ خَطًّا
فأقيمت من ورائه ، وقام من دونها ، فنحرها غير محبّة ولا معقَّلة ، ما يقتحم
الخطّ منها شىء، ثم خلاّها فجالتْ إلى أن زَهَقت ؛ فما رأيت أمراً كان
أفظع منه ، ولا يومًا أوحش منه. ثم قال : أحقٌّ ما بلغنى عنك يا فيروز ؟
وَبَوَّأْ له الحربة - لقد هممتُ أن أنْحَرَك فأتْبعَك هذه البهيمة، فقال:
اخترتَنَا لِصهْرِك وفضّلتنا على الأبناء ؛ فلو لم تكن نبيًّا ما بعْنَا نصيبنا
منك بشىء ؛ فكيف وقد اجتمع لنا بك أمرُ آخرة ودنيا ؛ لا تقبلن
علينا أمثال ما يبلغك ؛ فإنّا بحيث تحبّ . فقال : اقسمْ هذه؛
فأنتِ أعلم بمَنْ ها هنا ، فاجتمع إلىّ أهلُ صنعاء ، وجعلت آمر
للرهط بالجَزور ولأهل البيت بالبقرة، ولأهل الحِلَّة(٧) بعدّة، حتى أخذ
أهل كلّ ناحية بقسطهم . فلحق به قبل أن يصل إلى داره - وهو واقف
على - رجل" یسعی إلیه بفیروز؛ فاستمع له ، واستمع له فيروز وهو يقول:
أنا قاتله غداً وأصحابه ؛ فاغدُ علىّ، ثم التفت فإذا به (٨)، فقال: مه! فأخبره
بالذى صنع ، فقال : أحسنت، ثم ضرب دابّته داخلاً ، فرجع إلينا فأخبرنا
١٨٥٩/١
١٨٦٠/١
(١) ابن الأثير: ((الكذب)).
(٣) ابن الأثير: ((أهلك)).
(٥) من النويري .
(٧) ط: ((الحلة))، والصواب ما أثبته من ز.
(٢) ابن الأثير: ((قبتك)).
(٤) ابن الأثير: ((فرن)).
(٦). ط: ((وطوانا))، وانظر ص ٢٣٢ س ١٤
(٨) ز: ((بفيروز)).

٢٣٤
سنة ١١
الخبر، فأرسلنا إلى قيس ؛ فجاءنا؛ فأجمع ملؤهم أن أعود إلى المرأة فأخبرها
بعزيمتنا لتخبرنا بما تأمر ؛ فأتيتُ المرأة وقلت : ما عندك ؟ فقالت : هو
متحرِّزْ متحرِّس ؛ وليس من القَصْر شىء إلاّ والحَرَسُ محيطون به غير هذا
البيت؛ فإنّ ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطريق ؛ فإذا أمسيتُم فانقُبُوا
عليه ؛ فإنّكم من دون الحرَس ؛ وليس دون قتله شىء. وقالت: إنكم ستجدون
فيه سراجًا وسلاحًا . فخرجتُ فتلقّانى الأسود خارجًا من بعض منازله ،
فقال لى . ما أدخلك علىّ؟ ووجَا رأسى حتى سقطتُ - وكان شديداً -
وصاحت المرأة فأدهشتْه عنّى؛ ولولا ذلك لقتلى . وقالت : ابن عمّى جاءنى
زائراً ، فقصّرْتَ بى! فقال: اسكتى لا أبالك ، فقد وهبته لك! فتزایلَتْ
عنّى، فأتيت أصحابى فقلت : النَّجاء ! الهَرب! وأخبرتُهم الخبر؛ فإنا
على ذلك حَيَارَى إذ جاءنى رسولُها : لا تَدَعَنَّ ما فارقُتُك عليه ؛ فإنى
١٨٦١/١ لم أزكْ به حتى اطمأنّ؛ فقلنا لفيروز: انتها فتثبّتْ منها؛ فأما أنا
فلا سبيلَ لى إلى الدخول بعد النَّهْى. ففعل، وإذا هو كان أفطنَ منى؛ فلما
أخبرتْه قالتْ: وكيف ينبغى لنا أن ننقّب على بيوت مبطنة ! ينبغى لنا أن نقلع
بطانَةَ البيت؛ فدخلا فاقتلعا البطانة ، ثم أغلقاه ؛ وجلس عندها كالزائر ؛
فدخل عليها [الأسود](١) فاستخفّتْه غَيْرة (٢)، وأخبرته برضاع وقرابة منها عنده
محرم ، فصاح به وأخرجه . وجاءنا بالخبر ؛ فلما أمسينا عملنا فى أمرنا ؛
وقد واطأنا أشياعُنا، وعجِلْنا عن مراسلة الهمدانيّين والحميريِّين ؛ فنقبنا
البيتَ من خارج، ثم دخلنا وفيه سراج تحت جَفْنة؛ واتّقينا بفَيْروز؛ وكان
أنجدنا وأشدّنا - فقلنا : انظر ماذا ترى! فخرج ونحن بينه وبين الحرس
معه فى مقصورة ؛ فلمّا دنا من باب البيت سمع غطيطًا شديداً ، وإذا المرأة
جالسة؛ فلمّا قام (٣) على الباب أجلسه الشَّيْطان فكلّمه على لسانه - وإنه
ليغُطّ جالسًا . وقال أيضاً: مالى ولك يا فيروز ! فخشىَ إن رجع أن يهلك
وتهلك المرأة ، فعاجله فخالطه وهو مثل الجمَل ؛ فأخذ برأسه فقتله ، فدقّ
(١) من ابن الأثير .
(٣) س: ((قدم)).
(٢) س: ((الغيرة)).

سنة ١١
٢٣٥
١٨٦٢/١
عنقه ، ووضع ركبته فى ظهره فدقّه ، ثم قام ليخرج ؛ فأخذت المرأة بثوبه
وهى ترى أنه لم يقتله ، فقالت : أين تَدعُنِى ! قال : أخبرُ أصحابی بمقتله ؛
فأتانا فقمنا معه ؛ فأردنا حزّ رأسه ؛ فحرّكه الشيطان فاضطرب (١) فلم يضبطه ؛
فقلت : اجلسوا عَلَى صدره ؛ فجلس اثنان على صدره ، وأخذت المرأة بشعره،
وسمعنا بربرة (٢) فألجمتُهُ بمثلاة (٣)؛ وأمرَّ الشَّفْرة على حَلْقه فخار كأشدّ
خُوار ثور سمعته قطّ ؛ فابتدر الحرس الباب وهم حول المقصورة ، فقالوا :
ما هذا، ما هذا! فقالت المرأة: النبيّ يوحتى إليه! فخمد . ثم سمرنا ليلتنا ونحن
نأتمر كيف نخبرُ أشياعتنا ، ليس غيرنا ثلاثتنا : فيروز وداذویه وقیس (٤)؛
فاجتمعنا على النداء بشعارنا الذى بيننا وبين أشياعنا، ثم يُنادى بالأذان ، فلما
طلع الفجر نادى داذويه بالشعار، ففزع المسلمون والكافرون ، وتجمّع الحرس
فأحاطوا بنا ، ثم ناديت بالأذان ، وتوافت خيولُهم إلى الخرس ، فناديتهم :
أشهدُ أنّ محمداً رسول اللّه؛ وأن عَبْهلة كذّاب! وألقينا إليهم رأسه ،
فأقام وَبَر الصلاة، وشَنّها القوم غارةً؛ ونادينا: يا أهلَ صَنْعاء، مَن
دخل عليه داخل فتعلّقوا به ، ومَن كان عنده منهم أحد فتعلقوا به .
ونادينا بمن فى الطريق : تعلَّقوا بمن استطعتم ! فاختطفوا صبيانًا كثيرين ؛
وانتهبوا ما انتهبوا ، ثم مضوا خارجين ؛ فلمّا برزوا فقدوا منهم سبعين فارساً
ركبانا؛ وإذا أهلُ الدّور والطُرُق وقد وافوْنا بهم ؛ وفقدنا سبعمائة عَيِّل
فراسلونا وراسلناهم أن يتركُوا لنا ما فى أيديهم ، ونترك لهم ما فى أيدينا ؛ ففعلوا
فخرجوا لم يظفرُوا منّا بشىء؛ فتردَّدوا فيما بين صنعاء وذَجْران ، وخلصت
صنعاء والجَنّد، وأعزّ اللّه الإسلام وأهله؛ وتنافسْنا الإمارة ؛ وتراجع أصحابُ
النبيّ صلّى الله عليه وسلم إلى أعمالهم ؛ فاصطلحنا على معاذبن جبل ، فكان
يصلّى بنا ، وكتبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخبر ؛ وذلك فى حياة
١٨٦٣/١
(١) س: ((فاضطرب فيه)).
(٢) البربرة : الصياح .
(٣) المثلاة : الخرقة التى تمسكها المرأة عند النوح تشير بها.
(٤) كذا فى ط، وعبارة ابن الأثير: ((وقعدنا نأتمر بيننا : فيروز وداذويه وقيس؛
كيف نخبر أشياعنا))، ويلاحظ أن راوى الخبر هنا هو جشنس الديلمى، وانظر أوله ص ٢٣١.

٢٣٦
سنة ١١
النبيّ صلى الله عليه وسلم. فأتاه الخبر مِنْ ليلته، وقدمَتْ رُسُلُنا؛ وقد
مات النبيُّ صلى الله عليه وسلم صبيحةَ تلك الليلة ؛ فأجابنا أبو بكر رحمه الله.
حدّثنا عُبيد الله، قال : أخبرنا عَمّى، قال : أخبرنا سيفــ وحد ثنى
السَّرِىّ ، قال: حدثنا شُعيب، عن سَيْف - عن أبى القاسم الشَّنَوىّ،
عن العلاء بن زياد، عن ابن عمر، قال : أتى الخبرُ النبيَّ صلى الله عليه
وسلم من السماء الليلة التى قتل فيها العَنْسىُّ ليبشِّرنا، فقال: قُتِل العنسى
البارحةَ، قتله رجلٌ مباركٌ من أهل بيت مباركين ، قيل: ومن هو ؟ قال:
فيروز، فاز فيروز !
حد ◌ّثنا عبيد الله ، قال : أخبرنا ◌َمی ، قال : أخبرنِی سیف- وحد ثمی
السرىّ، قال : حدثنا شُعيب ، عن سيف - عن المستنير ، عن عروة،
عن الضّحاك ، عن فيروز ، قال : قتلنا الأسود ، وعاد أمرنا كما كان ؛ إلاّ
أنا أرسلْنا إلى مُعاذ، فتراضينا(١) عليه؛ فكان يصلَّى بنا فى صَنْعاء ؛ فوالله
ما صلَّى بنا إلا ثلاثا ونحن راجون مؤمّلون، لم يبق شىء نكرهه إلاّ ما كان
من تلك الخيول التى تتردّد بيننا وبين نَجْران ؛ حتى أتانا الخبر بوفاة رسول
اللّه صلّى الله عليه وسلّم، فانتقضت الأمور؛ وأنكرنا كثيراً مما كنّا نعرف،
واضطربت الأرض .
١٨٦٤/١
حدثنى السرىّ ، قال : حدّثنا شُعيب ، قال : حدّثنا سيف ، عن
أبى القاسم وأبى محمد ، عن أبى زرعة يحيى بن أبى عمرو السّيبانىّ(٢) ، من جُنْد
فلسطين؛ عن عبد اللّه بن فيروز الدّيلمىّ؛ أنّ أباه حدثه أنّ النبيّ صلّى
اللّه عليه وسلم بعث إليهم رسولاً، يقال له: وَبَر بن يحنّس الأزدىّ؛ وكان
منزله على داذَويه الفارسىّ ، وكان الأسود كاهنًا معه شيطان وتابع له ، فخرج
فنزل على ملك اليمن ؛ فقتل ملكها ونكح امرأته وملك اليمن ؛ وكان باذام
هلك قبل ذلك ، فخلف ابنه على أمره ، فقتله وتزّوجها ، فاجتمعتُ أنا وداذويه
وقيس بن المكشوح المرادىّ عند وَبَر بن يُحَنّص رسول نبيّ اللّه صلى اللّه عليه
(١) س: ((فتواصينا)).
(٢) ط: ((الشيبانى))، وانظر تصويبات ط .

٢٣٧
سنة ١١
وسلم نأتمر بقتل الأسود. ثمّ إنّ الأسود أمر الناس فاجتمعوا فى رَحَبَّة من
صنعاء ، ثمّ خرج حتى قام فى وسطهم، ومعه حربة الملك، ثم دعا بفرَس الملك
فأوْجَرَه الحربة ، ثم أرسل فجعل يجرى فى المدينة ودماؤه تسيل حتى
مات. وقام وسط الرّحبة؛ ثمّ دعا بحُزُر (١) من وراء الخطّ فأقامها، وأعناقُها
ورءوسُها فى الخطّ ما يَجُزْنَه. ثمّ استقبلهنّ بحربّته فنحرهنّ فتصدّعْن
عنه ؛ حتى فرغ منهنّ ، ثم أمسك حربته فى يده ، ثم أكبّ على الأرض ،
ثم رفع رأسه ، فقال: إنه يقول - يعنى شيطانه الذى معه: إنّ ابنَ المَكْشُوح
من الطغاة ، يا أسود اقطع قُنّةَ رأسه العليا. ثم أكبّ رأسه أيضًا ينظر، ثمّ
رفع رأسه ، فقال : إنه يقول: إنّ ابن الديلمىّ من الطغاة ؛ يا أسود اقطع يده
اليمنى ورجله اليمنى ؛ فلمّا سمعتُ قولَه قلت: والله ما آمن أن يدعوَ بى ،
فینحرنی بحربته كما نحر هذه الجُزُر ؛ فجعلت أستتر بالناس لئلا يرانِى ،
حتى خرجت ولا أدرى من حذرى(٢) كيف آخذ! فلما دنوتُ من منزلى لقينى
رجلٌ من قومه ، فدقّ فى رقبتى، فقال: إنّ الملك يدعوك وأنت تَرُوغ!
ارجع ؛ فردّنى ، فلمّا رأيتُ ذلك خشيت أن يقتلنى. قال : وكنّا لا يكاد
يفارق رجلا منا أبداً خنجرُه ، فأُدسّ يدى فى خفى ، فأخذت خِنجَرَى ،
ثم أقبلت وأنا أريد أن أحمل عليه ، فأطعنه به حتى أقتله ، ثم أقتل من معه ،
فلمّا دنوت منه رأى فى وجهى الشَّرّ، فقال: مكانك! فوقفت ، فقال: إنّك
أكبُرُ مَن هاهنا وأعلمُهم بأشراف أهلها، فاقِسمْ هذه الجُزُرَ بينهم . وركب
فانطلق وعلقتُ أقسم اللّحم بين أهل صنعاء، فأتانى ذلك الذىدق فىرقبتى ،
فقال : أعطِنى منها ، فقلت : لا والله ولا بضعة واحدة؛ ألَسْتَ الذى
دققتَ فى رقبتى! فانطلق غضبانَ حتى أتى الأسْوَد ؛ فأخبره بما لقِى منىّ
وقلت له . فلمّا فرغتُ أتيتُ الأسودَ أمشى إليه ، فسمعت الرّجل وهو يشكونى
إليه ، فقال له الأسود: أما والله لأذبحنّه ذبحًا! فقت له: إنى قد فرغت
١٨٦٥/١
(١) الجزر: جمع جزور، بالفتح ، وهو ما يذبح من الإبل.
(٢) س: ((حذره).

٢٣٨
سنة ١١
١٨٦٦/١
ممّا أمرتَنى به، وقسَمْتُه بين الناس . قال: قد أحسنت فانصرف. فانصرفت،
فبعثنا إلى امرأة الملك: إنا نريد قتل الأسود ؛ فكيف لنا! فأرسلت إلىّ : أن
هلمّ. فأتيتها ، وجعلت الجارية على الباب لتُؤْذِنتَنا إذا جاء ؛ ودخلتُ أنا وهى
البيتَ الآخر ، فحفرنا حتى نقبنا ثقباً، ثم خرجنا (١) إلى البيت ، فأرسلنا
السّتر ، فقلت: إنا نقتُله الليلة ، فقالت : فتعالوا ؛ فما شعرت بشيء حتى
إذا الأسود قد دخل البيت ؛ وإذا هو معنا؛ فأخذته غَيْرة شديدة ، فجعل
يدقّ فى رقبتى، وكَفْكَفْتُهُ عنّى، وخرجت فأتيتُ أصحابى بالذى
صنعت، وأيقنت بانقطاع الحيلة عنّا فيه؛ إذ جاءنا رسولُ المرأة؛ ألا يَكْسِرن"
عليكم أمركم ما رأيتُم ؛ فإنى قد قلت له بعد ما خرجتَ : ألستم تزعمون أنكم
أقوام أحرار لكم أحسابٌ (٢) ! قال: بلى، فقلت: جاءنى أخى يُسلّم
علىّ ويكْرمنى، فوقعتَ عليه تدق" فى رقبته ؛ حتى أخرجته ، فكانت هذه
كرامتك إيّاه ! فم أزَّلْ ألومه حتى لام نفسه ، وقال : أهو أخوك ؟ فقلت :
نعم ، فقال : ما شعرتُ؛ فأقبلوا الليلة لما أردتم .
قال الديلمىّ: فاطمأنّتْ أنفسُنا، واجتمع لنا أمرُنا ؛ فأقبلنا من الليل
أنا وداذويه وقيس حتى ندخل البيت الأقصى من النّقْب الذى نَقَبْنا ، فقلت:
يا قيس ، أنت فارس العرب، ادخل فاقْتُل الرّجل، قال: إنى تأخذنى
رِعْدة شديدة عند البأس، فأخاف أن أضرب الرجل ضربةٌ لا تُغْنى شيئاً ؛
ولكن ادخل أنت يا فيروز، فإنّك أشَبُّنا وأقوانَا ، قال : فوضعتُ سيفى عند
القوم ، ودخلت لأنظر أين رأسُ الرجل ! فإذا السراج يزهر ؛ وإذا هو راقد
على فُرُش قد غاب فيها لا أدرى أين رأسه من رجليْه ! وإذا المرأة جالسة
عنده كانت تطعمه رمَّانًا حتى رقَد ، فأشرتُ إليها : أين رأسه ؟ فأشارت
إليه ، فأقبلتُ أمشِى حتى قمتُ عند رأسه لأنظر ، فما أدرى أنظرتُ فى وجِهه
أم لا! فإذا هوقد فَتّح عينيه؛ فنظر إلىّ، فقلت: إن رجعتُ إلى سيفى خفت
أن يفوتنى ويأخذ عُدَّة يمتنع (٣) بها منَّى؛ وإذا شيطانه قد أنذره بمكانى وقد
١٨٦٧/١
(١) س: ((خرجت)).
(٣) س: ((فيمتنع)).
(٢) ز: ((حسنات)).

سنة ١١
٢٣٩
أيقظه ، فلمّا أبطأ كلّمنِى على لسانه، وإنه لينظر ويغُطُّ ، فأضرب بيدىّ
إلى رأسه، فأخذت رأسه بيد ولحيته بيدٍ ؛ ثم ألْزِى عنقه فدققتها ؛ ثم أقبلت
إلى أصحابى ، فأخذت المرأة بثوبى ، فقالت : أختكم نصيحتكم ! قلت :
قد والله قتلتُهُ وأرحْتُك منه. قال : فدخلتُ على صاحبِىَّ فأخبرتُهما، قالا:
فارجع فاحتزّ رأسَه وائتنابه، فدخلت فبرَبَر فألحمته فحززت رأسه، فأتيتهما(١)
به، ثم خرجنا حتى أتينا منزلنا؛ وعندنا وَبَرُ بن يحنّس الأزدىّ، فقام معنا
حتى ارتقينا على حِصْن مرتفع من تلك الحصون ؛ فأذَّنَ وَبَر بن يحنّس
بالصلاة، ثم قلنا: ألا إنّ اللّه عزّ وجل" قد قتل الأسود الكذّاب ، فاجتمع
الناس إلينا فرمْينا برأسه ، فلمّا رأى القوم الذين كانوا معه أسْرَجوا خيولهم ؛
ثم جعل كلّ واحد منهم يأخذ غلامًا من أبنائنا معه من أهل البيت الذى كان
غازلا فيهم ؛ فأبصرتُهم فى الغَلَ مُرْدفِى الغلمان، فناديت أخى وهو أسفل
منّى مع الناس: أن تعلّقوا بمن استطعتم منهم ؛ ألا ترون ما يصنعون بالأبناء!
فتعلّقوا بهم؛ فحبسنا منهم سبعين رجلاً، وذهبوا منّا بثلاثين غلامًا، فلمّا
برزوا إذا هم يفقدون سبعين رجلا حين تفقّدوا أصحابتهم ، فأتونا فقالوا :
أرسلوا إلينا أصحابَنا، فقلنالهم: أرسلوا إلينا أبناءنا، فأرسلوا إلينا الأبناء ،
وأرسلنا إليهم أصحابهم .
قال: وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إنّ اللّه قد قتل ١٨٦٨/١
الأسوَدِ الكذّاب العَنْسىَّ، قتله بيَدِ رجل من إخوانكم، وقوم أسلموا وصدّ قوا؛
فكنّا كأنّا على الأمر الذى كان قبل قدوم الأسود علينا وأمِن الأمراءُ وتراجعوا،
واعتذر الناسُ وكانوا حديثِى (٢) عهد بالجاهلية(٢).
حدّثنا عبيدُ الله، قال: حدثنا عمی، قال : أخبرنا سیف - وحد ٹنی
السرِىّ ، قال: حدثنا شُعيب ، قال: حدثنا سيف- عن سهل بن يوسف، .
عن أبيه ، عن عُبيد بن صَخْر ، قال: كان أول أمره إلى آخره ثلاثة أشهر .
(١) س: (( ثم أتيتهم)).
(٢) ط: ((حديث)).
(٣) س: ((بجاهلية)).

٢٤٠
سنة ١١
وحدّثنى السرىّ، قال: حدّثنا شُعيب، عن سيف - وحدّثنا عبيد الله
قال : أخبرنا عمّى، قال : أخبرنا سَيْف - عن جابر بن يزيد، عن عُروة
ابن غَزِيّة، عن الضّحّاك بن فيروز، قال : كان ما بين خروجه بكَهْف
خُبَّان ومقتله (١) نحواً من أربعة أشهر؛ وقد كان قبل ذلك مستسرًّاً بأمره.
حتى بادى (٢) بعد .
حدثنى عمر بن شبَّة، قال : حدثنا علىّ بن محمد ، عن أبى معْشر
ويزيد بن عياض بن جُعْدَبَة وغسّان بن عبد الحميد وجُوَّيْرِيَة بن أسماء ،
عن مشيختهم ، قالوا : أمضى أبو بكر جيش أسامة بن زيد فى آخر ربيع
الأول ، وأتى مقتلُ العنسىّ فى آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة ؛ وكان ذلك
أوّل فتح أتى أبا بكر وهو بالمدينة .
٠
وقال الواقدىّ : فى هذه السنة - أعنى سنة إحدى عشرة - قدم وفد
١٨٦٩/١ النَّخَعَ فى النصف من المحرّم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأسُهم
زرارة بن عمرو، وهم آخر من قدم من الوفود .
وفيها : ماتت فاطمة ابنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فى ليلة الثلاثاء ،
لثلاث خلوْن من شهر رمضان ؛ وهى يومئذ ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها .
وذكر أنّ أبا بكر بن عبد الله، حدّثه عن إسحاق بن عبد الله، عن أبان بن
صالح بذلك . وزعم أنّ ابن جريج حدثه عن عمرو بن دينار ، عن
أبى جعفر، قال: تُوقِّيَتْ فاطمة عليها السلام بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم بثلاثة
أشهر .
قال : وحدّثنا ابن جُريج، عن الزهرى ، عن عروة ، قال : توفّيتْ
فاطمة بعد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بستة أشهر.
قال الواقدىّ : وهو أثبت عندنا .
قال : وغسّلها علىّ عليه السلام وأسماء بنت عُمَيَس.
(١) س: ((إلى مقتله)).
(٢) يقال: بادى بالأمر؛ إذا جاهر به .