Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سنة ١١
وتركوا عمر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: أيّها الناس؛ إنه مَنْ كان
يعبُد محمداً فإن محمداً قد مات؛ ومَنْ كان يعبد اللّه فإنّ اللّه حىٍّ لا يموت.
ثم تلا هذه الآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْخَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل .... ﴾(١)
إلى آخر الآية. قال: فوالله لكأنّ الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت على
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى لاها أبو بكر يومئذ. قال: وأخذها الناس
عن أبى بكر فإنما هی فی أفواههم ..
قال أبو هريرة : قال عمر: والله ما هو إلاّ أن سمعتُ أبا بكر يتلوها ١٨١٧/١
فعقرتُ (٢) حتى وقعتُ إلى الأرض؛ ما تحمِلِى رِجْلاى، وعرفتُ أنّ
رسول الله قد مات(٣).
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا جرير، عن مغيرة ، عن أبى معشر
زياد بن كُلَيْب، عن أبى أيوب، عن إبراهيم ، قال: لما قُبِض النبى صلّى
اللّه عليه وسلم كان أبو بكر غائبًا، فجاءَ بعد ثلاث، ولم يجترئ أحدٌ أن
يكشفَ عن وجهه ؛ حتى اربدَّ بطنُه؛ فكشف عن وجهه ، وقبَّل بين عينيه،
ثم قال : بأبى أنت وأمىّ ! طبْت حيًّا وطبت ميّتًا! ثم خرج أبو بكر ،
فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: مَنْ كان يعبدُ اللّه فإنّ اللّه حىٌّ لا يموت،
ومَنْ كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات. ثم قرأ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلّ
رَسُولٌ قَدْ خَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرَّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ
عَلَى أَعْتَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى
أُلْهُ الشّاكِرِينَ).(١) وكان عمر يقول: لم يمُت؛ وكان يتوعد الناس
بالقتل فى ذلك .
فاجتمع الأنصار فى سقيفة بنى ساعدة ليبايعوا سعدَ بن عُبادة ، فبلغ
ذلك أبا بكر، فأتاهم ومعه مُمر وأبو عبيدة بن الجراح ، فقال : ما هذا ؟
(١) سورة آل عمران ١٤٤.
(٢) عقرت: دهشت.
(٣) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٧١، ٣٧٢.

٢٠٢
سنة ١١
١٨١٨/١
فقالوا : منّا أميرٌ ومنكم أمير، فقال أبو بكر : منًا الأمراء ومِنْكم الوزراء.
ثم قال أبو بكر: إنىّ قد رضيتُ لكم أحدَ هذيْن الرجُلين: عمر أو أباعبيدة،
إنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم جاءَه قومٌ فقالوا: ابعث معنا أمينًا فقال :
لأبعثنَّ معكم أمينًا حَقَّ أمين ؛ فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ؛ وأنا أرضى
لكم أبا عُبيدة. فقام عمر، فقال: أيّكُمُ تطيب نفسه أن يخلُف قَدَمَيْن
قدَّمهما النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ! فبايعه عمر وبايعه الناس ، فقالت
الأنصار - أو بعض الأنصار؛ لا نبايع إلاّ عليًّا.
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حد ◌ّثنا جرير ، عن مغيرة ، عن زياد بن
كليب ، قال : أتى عمرُ بن الخطاب منزلَ على" وفيه طلحة والزبير ورجالٌ
من المهاجرين، فقال: والله لأحرِقنَّ عليكم أو لتخرُجُنَّ إلى البَيْعة. فخرج
عليه الزبيرُ مُصْلِتًا بالسيف ، فعثر فسقط السَّيْف من يده ، فوثبوا عليه
فأخذوه .
حدّثنا زكرياء بن يحيى الضرير ، قال : حدّثنا أبو عَوانة ، قال :
حدّثنا داود بن عبد الله الأوْدِىّ، عن حُميد بن عبد الرحمن الحميرىّ،
قال: تُوُفّىَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فى طائفة من المدينة،
فجاء فكشف الثوبَ عن وجْهه فقبّله، وقال : فداك أبى وأمى! ما أطْيَبَك
حيًّاً وميتًا! مات محمدٌ وربّ الكعبة! قال: ثم انطلق إلى المنبر ، فوجد عمر
ابن الخطاب قائمًا يُوعِد الناس، ويقول: إنَّ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم
حىٌّ لم يمت ؛ وإنه خارج إلى من أرْجَفَ به ، وقاطع أيديهم ، وضارب
أعناقتهم ، وصالبهم. قال: فنكلّ أبو بكر، وقال: أنصتْ. قال : فأبى
عمر أن يُنصِت ، فتكلّم أبو بكر ، وقال : إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:
١٨١٩/١ ﴿إنّكَ مَيِّت وَإِنَّهُمْ مَيُِّون. ثُمَّ أَنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَّبْكُمْ
تَخْتَصِمُون﴾ (١). ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّ رَسُولٌ قد خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ
مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ... )(٣)؛ حتى ختم الآية، فمن
(١) سورة الزمر ٣٠، ٣١.
(٢) سورة آل عمران ١٤٤ .

٢٠٣
سنة ١١
كان يعبدُ محمداً فقد مات إلهه الذى كان يعبِّده، ومَنْ كان يعبد الله
لا شريك له ، فإن الله حىّ لا يموت .
قال: فحلف رجالٌ أدركناهم من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم:
ما علمنا أنّ هاتين الآيتين نزلتًا حتى قرأهما أبو بكر يومئذ ؛ إذ جاء رجل
يسعى فقال : هاتيكَ الأنصار قد اجتمعتْ فى ظُلّة بنى ساعدة ، يبايعون
رجلاً منهم ، يقولون : منّاً أميرٌ ومن قريش أمير ، قال : فانطلق أبو بكر
وعمر يتقاودان حتى أتياهم ؛ فأراد عمر أن يتكلّم ، فنهاه أبو بكر ، فقال :
لا أعصى خليفةَ النبيّ صلى الله عليه وسلم فى يوم مرَّتّيْن.
قال : فتكلّم أبو بكر، فلم يترك شيئًا نزل فى الأنصار، ولا ذكره رسولُ
الله صلى الله عليه وسلم من شأنهم إلاّ وذكره. وقال: لقد علمتْ أنّ رسول"
الله قال: لوسلك النَّاس واديًا وسلكت الأنصارُ واديًا سلكتُ وادى الأنصار،
ولقد علمتَ يا سعد أنّ رسول الله قال وأنت قاعدٌ: قريش ولاةُ هذا الأمر،
فِبَرُّ الناسِ تَبَحٌ لبَرّهم، وفاجرهم تبعٌ لفاجرهم. قال: فقال سعد: صدقتَ،
فنحن الوزراء وأنتم الأمراء. قال : فقالعمر : ابسط يدك يا أبا بكر فلأبايعك؛
فقال أبوبكر: بل أنت يا عمر، فأنتَ أقوَى لها منَّى. قال: وكان عمر أشدّ
الرجلین ، قال: و کان کلُ واحد منهما يريد صاحبه يفتح يده يضرب عليها ،
ففتح عمر يد أبى بكر وقال: إن لك قوّى مع قوّتك. قال : فبايع الناس واستثبتوا
للبيْعة، وتخلّف على والزّبير، واخترط الزَّبير سيفه، وقال: لا أغمده ١٨٢٠/١
حتى يُبَايَع علىّ، فبلغ ذلك أبا بكر وعمر، فقال عمر: خُذُوا سيفَ الزُّبير ،
فاضربوا به الحجر . قال : فانطلق إليهم عمر ، فجاء بهما تعبًاً ، وقال :
لتبايعان وأنتما طائعان ، أو لتبايعان وأنتما كارهان ! فبايعا.
٠
٠٠
حديث السقيفة
حدثنى علىّ بن مسلم ، قال: حدثنا عَبّاد بن عبّاد، قال : حدّثنا
عباد بن راشد، قال: حُدّثنا عن الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة،
عن ابن عبّاس ، قال: كنت أقْرئ عبد الرحمن بنَ عَوْف القرآن ، قال :

٢٠٤
سنة ١١
فحجّ عمر وحججنا معه ، قال : فإنى لنَفِى منزل بمنَّى إذ جاءنى عبدُ الرحمن
ابن عوف، فقال : شهدتُ أمير المؤمنين اليوم ، وقام إليه رجلٌ فقال: إنى
سمعت فلانًا يقول: لوقد مات أمير المؤمنين لقد بايعتُ فلانًا (١). قال: فقال
أمير المؤمنين: إنى لقائم العشيّة فى الناس فمحذّرُهم هؤلاء الرّهط الذين يريدون
أن يغصبوا الناس أمرهم . قال : قلتُ: يا أمير المؤمنين ؛ إنّ الموسم يجمع
رعاع الناس وغوغاءَ هم ؛ وإنهم الذين يغلبون على مجلسك ، وإنى لخائف
إن قلت اليوم مقالة ألاَّ يَعُوها ولا يحفظوها ، ولا يضعوها على مواضعها ،
وأن يطيروا بها كلَّ مطيرٍ ؛ ولكن أمهل حتى تقدَم المدينة ، نقدم دار الهجرة
والسنَّة، وتخلُص بأصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار، فتقول ما قلت
١٨٢١/١ متمكّنًا فيعُوا مقالتَك، ويضعوها على مواضعها. فقال: والله لأقومنّ بها
فى أوّل مقام أقومُه بالمدينة .
قال : فلمّا قدمْنا المدينة، وجاء يوم الجمعة هجرَّت للحديث الذى
حدثنيه عبد الرحمن ؛ فوجدت سعيد بن زيد قد سبقنى بالتّهجير ،
فجلست إلى جنبه عند المنبر ، ركبتى إلى ركبته ؛ فلمّا زالت الشمس لم يلبث
عمر أن خرَج، فقلت لسعيد وهو مقبل: ليقولنّ أميرُ المؤمنين اليومَ على
هذا المنْبر مقالةً لم تُقُلْ قبلَه .. فغضب وقال: فأىّ مقالة يقول لم تُقَل قبله !
فلمّا جلس عمر على المنبر أذَّن المؤذنون ، فلمّا قضى المؤذن أذانه قام عمر ،
فحمد الله وأثنى عليه، وقال : أمّا بعد، فإنّى أريد أن أقول مقالة قد قُدّر أن
أقولها، مَنْ وعاها وعقلها وحفظها ، فليحدّث بها حيث تنتهى به راحلته ،
ومَنْ لم يعِها فإنى لا أحلّ لأحد أن يكذب علىّ. إن اللّه عزّ وجلّ بعث
محمداً بالحق، وأنزل عليه الكتاب؛ وكان فيما أنزل عليه آية الرَّجْ،
فرجم رسولُ اللّه ورجمنا بعده، وإنى قد خشيتُ أن يطولَ بالناس زمان ،
فيقول قائل: والله ما نجد الرَّجْم فى كتاب الله، فيَضدُّوا بتَرْك فريضة
أنزلها الله، وقد كنا نقول: لا تَرْغبوا عن آبائكم؛ فإنه كفرٌ
(١) بعدها فى ابن هشام: ((والله ما كانت بيعة أبى بكر إلا فلتة، فتمت، قال : فغضب
عمر فقال: إنى لم إن شاء اللّه لقائم العشية ... )).

سنة ١١
٢٠٥
بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ثم إنه بلغنى أنّ قائلاً منكم يقول:
لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلانًا! فلا يَغُرَّنَ امراً أن يقول: ١٨٢٢/١
إن بيعة أبى بكر كانت فَلْتَة؛ فقد كانت كذلك ؛ غير أنّ اللّه وَفى
شرّها؛ وليس منكم من تُقطعُ إليه الأعناق مثل أبىبكر (١)! وإنه کادمن خبرنا
حين توفّى الله نبيه صلى الله عليه وسلم أنّ عليًّا والزُّبير ومَنْ معهما تخلّوا عنا
فى بيت فاطمة ، وتخلّفت عنا الأنصار بأسْرِها ، واجتمع المهاجرون إلى
أبى بكر، فقلت لأبى بكر : انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا
نؤمَّهم؛ فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدرًا ، فقالا : أين تريدون يا معشر
المهاجرين ؟ فقلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار . قالا: فارجعوا فاقضوا
أمرَكم بينكم . فقلنا: والله لنأتينّهم ، قال : فأتيناهم وهم مجتمعون فى سقيفة
بنى ساعدة. قال: وإذا بين أظهرهم رجلٌ مزمَّلٌ(٢)، قال: قلتُ: مَنْ
هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة ، فقلت : ما شأنه ؟ قالوا: وَجِعٌ ، فقام
رجلُ منهم ، فحمد الله، وقال: أمّا بعد، فنحنُ الأنصار وكتيبة الإسلام ،
وأنتم يا معشر قريش رهطُ نبيّنا ؛ وقد دفّت إلينا من قومكم دَافّةٌ (٣)
قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزِلُونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر. وقد كنت
زوَّرت (٤) فى نفسى مقالةً أقدمها بين يدى أبى بكر ، وقد كنت أدارى
منه بعض الحدّ(٥)، وكان هو أوقرَ منّى وأحلم؛ فلمّا أردت أن أتكلم ، قال:
على رِسْلِكَ! فكرهت أن أعصيَه؛ فقام فحمد الله وأثنى عليه، فما ترك شيئًا
كنتُ زوّرت فى نفسى أن أتكلّم به لو تكلمت؛ إلاقد جاء به أو بأحسنَ منه .
وقال: أما بعدُ يا معشر الأنصار؛ فإنكم لا تذكُرون منكم فضلاً إلاّ وأنتم
له أهلٌ ؛ وإنّ العربَ لا تعرف هذا الأمرَ إلاّ لهذا الحىّ من قريش ؛ وهم
١٨٢٣/١
(١) بعدها فى ابن هشام: ((فمن بايع رجلا عن غير مشورة المسلمين فإنه لا بيعة له هو ولا الذى
بايعه تغرة أن يقتلا )).
(٢) مزمل : ملتف فى كساء أو غيره.
(٣) الدافة : القوم يسيرون جماعة سيراً ليس بالشديد.
(٤) زورت مقالة: هيأتها وأعددتها.
(٥) الحد ؛ أى الحدة .

٢٠٦
سنة ١١
أوسط [العرب](١) دارًا ونسبًا، ولكن قد رضيتُ لكم أحدَ هذين
الرجلين ، فبايعوا أيّهما شئتم. فأخذ بيدى وبيد أبى عبيدة بن الجراح .
وإنىّ والله ما كرهتُ من كلامه شيئًا غيرَ هذه الكلمة؛ إن كنت لأقَدَّم
فَتُضْرَب عنى فيما لا يقرّبنى إلى إثم أحبُّ إلىّ من أن أؤمَّر على قوم فيهم
أبو بكر . فلمّا قضى أبوبكر كلامَه ، قام منهم(٢) رجلٌ، فقال :
أنَا جُذَيْلُها(٣) المُحتَكّكِ، وَعُذْ يْقُها (٤) المُرَجَّب؛ منّا أميرٌ
ومنكم أمير ؛ يا معشر قريش .
قال: فارتفعت الأصوات ، وكثر اللَّغَط (٥)، فلمّا أشفقت الاختلاف ،
قلت لأبى بكر : ابسُطْ يدك أبايعك . فبسط يده فبايعتُه وبايعه المهاجرون ،
وبايعه الأنصار . ثم تزونا (٦) علىسعد، حتى قال قائلهم : قتلتُمُ سعد بن عبادة !
فقلت : قتل اللّه سعداً! وإنا واللّه ما وجدنا أمراً هو أقوى من مبايعة أبى بكر؛
خشينا إنْ فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يحدثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم
على ما نرضى ، أو نخالفهم فيكون فساد (٧) ..
حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
الزَّهرىّ، عن عروة بن الزبير، قال: إن أحدَ الرجُلين اللذيْن لقوا من الأنصار
حين ذهبوا إلى السقيفة ، عُوَيْ بن ساعدة والآخر معْنُ بن عدىّ ؛ أخو بنى
العجلان ، فأما عُويم بن ساعدة فهو الذى بلغنا أنه قيل لرسول اللّه صلى اللّه
١٨٢٤/١
(١) من ابن هشام، وأوسط الغرب: أشرفهم. وداراً؛ أى بلدا ؛ يريد مكة .
(٢) ابن هشام: ((من الأنصار)).
(٣) الجذيل : تصغير جذل، وهو عود يكون فى وسط مبرك الإبل تحتك به وتستريح إليه ،
فيضرب به المثل فى الرجل يشتفى برأيه .
(٤) العذيق : تصغير عذق ؛ وهو النخلة نفسها . والمرجب: الذى تبنى إلى جانبه دعامة
ترفده لكثرة حمله ولعزه على أهله ؛ فضرب به المثل فى الرجل الشريف الذى يعظمه قومه .
(٥) اللغط : اختلاط الأصوات .
(٦) نزونا على سعد: وثبنا عليه ووطئناه.
(٧) الخبر فى سيرة ابن هشام ٢: ٣٧٢، ٣٧٣ برواية ابن إسحاقه، عن عبد الله بن
أبى بكير، عن ابن شهاب الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن
عباس ، عن عبد الرحمن بن عوف .

سنة ١١
٢٠٧
عليه وسلم: مَن الذين قال اللّه لهم: ﴿فِيهِ رِ جَالٍ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ
يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِين)(١)؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم المرء
منهم عُويم بن ساعدة! وأما معن فبلغنا أنّ الناس بكَوْا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم حين توفّه اللّه، وقالوا: والله لوددنا أنا متنا قبلَه ؛ إنا نخشى
أن نفتتن بعده. فقال معن بن عدىّ: والله ما أحبُّ أنى متُّ قبله حتى أصدّقه ميتًا
كما صدّقته حيًّا. فقتل مَعْنٌ يوم اليمامة شهيداً فى خلافة أبى بكر يوم
مُسَيْلمة الكذّاب (٢).
حدّثنا عبيد الله بن سعيد الزهرىّ ، قال : أخبرنا عمى يعقوب بن إبراهيم
قال : أخبرنى سَيْفُ بن عمر، عن الوليد بن عبد اللّه بن أبى ظَبْية البَجَلىّ،
قال : حدثنا الوليد بن جُمَيْع الزُّهرىّ، قال : قال عمروبن حريث لسعيد
ابن زيد : أشهدت وفاةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم ، قال :
فتى بويع أبو بكر ؟ قال : يوم مات رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كرهوا
أن يبقوا بعض يوم وليسوا فى جماعة ، قال : فخالف عليه أحدٌ ؟ قال:
لا إلا مرتدّ أو مَنْ قد كاد أن يرتدّ، لولا أنّ الله عزّ وجلّ ينقذهم من
الأنصار. قال : فهل قعد أحد من المهاجرين ؟ قال: لا، تتابع المهاجرون ١٨٢٥/١
على بيعته ، من غير أن يدعوهم .
حدثنا عبيد اللّه بن سعد ، قال : أخبرنى عمى، قال : أخبرنى سيف ،
عن عبد العزير بن سياه ، عن حبيب بن أبى ثابت ، قال : كان علىّ فى
بيته إذْ أتِيَ فقيل له : قد جلس أبو بكر للبيعة ، فخرج فى قميص ما عليه
إزارٌ ولا رداءٌ ، عجلاً، كراهية أن يُبْطئ عنها، حتى بايعه . ثم جلس إليه
وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجله، ولزم مجلسه. بن
حدّثنا أبو صالح الضّرارىّ، قال: حدّثنا عبد الرزاق بن همّام، عن
معمَرَ ، عن الزهرىّ ، عن عروة ، عن عائشة ، أنّ فاطمةَ والعباس أتيا
(١) سورة التوبة ١٠٨.
(٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٧٣، ٣٧٤.

٢٠٨
سنة ١١
أبا بكر يطلُبان ميراثهما من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهما حينئذ يطلبان
أرضَه من فَدَك، وسهمَه من خيبر ، فقال لهما أبو بكر : أما إنّى سمعتُ
رسولَ الله يقول: لا نورَثُ، ما تَرَكْنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد فى
هذا المال . وإنى واللّه لا أدَعُ أمراً رأيت رسول الله يصنعه إلاّ صنعته. قال:
فهجرته فاطمة فلم تكلّمْه فى ذلك حتى ماتت ، فدفنها علىّ ليلاً ، ولم
يؤذنْ بها أبا بكر. وكان لعلىّ وَجْهٌ من الناس حياةَ فاطمة، فلمّا توفِّيتْ
فاطمة انصرفتْ وجوه الناس عن علىّ؛ فمكثتْ فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ثم تودِّيت .
قال معمر : فقال رجلٌ للزهرىّ: أفلم يبايعه علىّ ستة أشهر! قال :
لا ؛ ولا أحدٌ من بنى هاشم؛ حتى بايعه علىّ. فلما رأى علىَّ انصراف وجوه
١٨٢٦/١ الناس عنه ضرع إلى مصالحة أبى بكر ، فأرسل إلى أبى بكر : أن ائتنا ولا يأتنا
معك أحدٌ ، وكره أن يأتيَه عمر لما علم من شدّة عمر ، فقال عمر : لا تأتهم
وحدك ، قال أبو بكر : ولله لآتينّهم وحدى، وما عسى أن يصنعوا بى !
قال: فانطلق أبو بكر ، فدخل على علىّ ، وقد جَمَعَ بنى هاشم عنده ،
فقام علىّ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أمّا بعد، فإنه لم يمنعنا
من أنْ نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك ، ولا نَفَاسَةٌ عليك بخيْرِ ساقه
اللّه إليك، ولكنا كنّا نرى أنّ لنا فى هذا الأمر حقًّا، فاستبددتم به علينا .
ثم ذكر قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وحقّهم. فلم يزل علىّ يقول
ذلك حتی بکی أبو بكر .
فلما صمت علىّ تشهّد أبو بكر . فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله،
ثم قال: أما بعدُ؛ فوالله لقرابة رسول الله أحبُّ إلىّ أن أصلَ من قرابتى ؛
وإنى والله ما ألوتُ فى هذه الأموال التى كانت بينى وبينكم غيرَ الخير؛
ولكنّى سمعت رسول اللّه يقول: ((لا نورث؛ ما تركنا فهو صدقة، إنما
يأكل آل محمد فى هذا المال))؛ وإنى أعوذ بالله لا أذكر أمراً صنعه
محمد رسول اللّه إلاّ صنعتُه فيه إن شاء اللّه.
ثم قال على: موعدك العشيّة للبَيْعة، فلمّا صلى أبو بكر الظّهْرَ أقبلَ

٢٠٩
سنة ١١
على النّاس ، ثم عذر عليًّا ببعض ما اعتذر، ثم قام علىّ فعظّم من حقّ أبى بكر،
وذكر فضيلته وسابقته ، ثم مضى إلى أبى بكر فبايعه . قالت: فأقبل الناس
إلى علىّ فقالوا : أصبت وأحسنت، قالت: فكان الناس قريبًا إلى علىّ حين
قاربَ الحق والمعروف .
١٨٢٧/١
حدثنى محمد بن عثمان بن صفوان الثقفىّ، قال : حدّثنا أبو قُتيبة ،
قال : حدثنا مالك - يعنى ابن مِغْوَل - عن ابن الحرّ ، قال: قال أبوسفيان
لعلىّ: ما بالُ هذا الأمر فى أقلّ حىّ من قريش! والله لأُنْ شئت لأملأنّها
عليه خيلاً ورجالاً ! قال : فقال علىّ: يا أبا سفيان ، طالما عاديتَ الإسلام
وأهلَه فلم تضرّه بذاك شيئًا! إنا وجدنا أبا بكر لها أهلاً .
حدثنى محمد بن عثمان الثَّقَفِىّ ، قال : حدّثنا أميّة بن خالد ، قال :
حدثنا حماد بن سلمة ، عن ثابت ، قال : لما استخلف أبو بكر قال
أبو سُفيان: ما لنا ولأبى فَصِيل ؛ إنما هى بنو عبد مناف! قال : فقيل له :
إنه قد ولّى ابنَك، قال : وصَلَتْه رَحِيم !
حُدَّثت عن مِشام ، قال : حدثنى عَوَانَة ، قال: لما اجتمَعَ الناسُ
على بيعة أبى بكر ، أقبل أبو سفيان؛ وهو يقول: والله إنىّ لأرَى عجاجةً
لا يطفئها إلاّ دم! يا آل عبد مناف فيم أبوبكر من أموركم! أين المستضعفان!
أين الأذلان علىّ والعباس! وقال : أبا حسنٍ ! ابسط يدك حتى أبايعَك.
فأبى علىٌّ عليه ، فجعل يتمثل بشعر المتلمّس :
إلَّا الْأذلّانِ عَيْرُ الحَىِّ وَالوَتِدُ
وَلَنْ يُقِيمَ عَلَى خَسْفٍ يُرادُ بِهِ
هُذَا عَلَى الْخَسْفِ مَعْكُوسٌ بِرُمَّتِهِ(١) وَذَا يُشَجُّ فَلَا يَبكى لَهُ أَحَدُ
١٨٢٨/١
قال : فزجره علىّ، وقال: إنك واللّه ما أردتَ بهذا إلا الفتنة ؛ وإنك
واللّه طالما بغيتَ الإسلامَ شرًّا! لا حاجة لنا فى نصيحتك .
(١) الرمة: الحبل، والعكس: شد عنق الدابة إلى إحدى يديها.

٢١٠
سنة ١١
قال هشام بن محمّد : وأخبرنى أبو محمد القرشىّ ، قال : لما بويع أبو بكر،
قال أبوسفيان لعلىّ والعباس: أنتما الأذلان ! ثم أنشد يتمثّل :
إِنَّ الهوَانَ حِمَارُ الأهلِ يعْرِفُهُ وَاُلْخُرُّ يَنْكَرُهُ والرَّسْلَةُ الأُجُد
ولاً يُقِيمُ عَلَى ضَيْمٍ يُرَادُ به إلا الأَذَلَنِ عَيْرُ الحىِّ وَالوِدُ
هُذَا عَلى الخَنْفِ معكوسٌ بِرُمَّتِهِ وَذَا يُشَجُّ فَلَا يَبَكَى لَه أحد
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
الزهرىّ ، قال : حدّثنا أنس بن مالك ، قال : لما بويع أبو بكْر فى السقيفة ؛
وكان الغدُ، جلس أبوبكر على المِنْبَر، فقام مُمر فتكلّم قبل أبى بكر؛ فحمد
اللّهَ وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال: أيها الناس؛ إنىّ قد كنتُ قلت لكم
بالأمس مقالة ما كانت إلا عن رأيى ؛ وما وجدتُها فى كتاب اللّه؛ ولا كانت
عهداً عَهِده إلىَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؛ ولكنى قد كنت أرى أنّ
رسول اللّه سيدبّر أمرنا؛ حتى يكون آخرَنا؛ وإنّ اللّه قد أبقى فيكم
كتابه الذى هدى به رسول الله؛ فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه
له؛ وإنّ اللّه قد جمع أمر كم على خير كم؛ صاحِب رسول الله، وثانى اثنين إذْ هما
١٨٢٩/١ فى الغار؛ فقوموا فبايعوا. فبايع الناس أبا بكر بيعة العامّة بعد بيعة السقيفة.
ثم تكلّم أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بالذى هو أهلُه، ثم قال :
أما بعدُ أيها الناس؛ فإنى قد وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيرِكم ؛ فإن أحسنت
فأعينونى ؛ وإن أسأت فقَوّمونى . الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف
فيكم قوىٍّ عندى حتى أريح عليه حقّه إن شاء الله، والقوىُّ منكم الضعيف
عندى حتى آخذَ الحقّ منه إن شاء الله. لا يَدَع أحدٌ منكم الجهاد فى
سبيل الله؛ فإنه لا يَدعُه قوم إلاّ ضربهم الله بالذلّ، ولا تشيع الفاحشة فى
قومٍ إلاّ عَمَّهم اللّه بالبلاء. أطيعونى ما أطعتُ اللّه ورسوله؛ فإذا عصيتُ اللّهَ
ورسوله فلا طاعة لى عليكم. قوموا إلى صلاتكم رحمكم الله! (١)
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٧٤.

٢١١
سنة ١١
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق ، عن
حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة ، عن ابن عباس ، قال: والله إنى لأمشى
مع عمر فىخلافته ؛ وهو عاهد إلى حاجة له ، وفى يده الدِّرّة ، وما معه غیری.
قال وهو يحدّث نفسه، ويضرب وَحْشِىَّ(١) قدمه بدِرَّه، قال إذ التفت
إلىّ فقال: يابنَ عباس، هلْ تدرى ما حملى على مقالتى هذه التى قلت
حين توفّى الله رسوله ؟ قال: قلت : لا أدرى يا أميرَ المؤمنين ؛ أنت أعلم ،
قال: والله إنْ حَمَلنى على ذلك إلاّ أنى كنتُ أقرأ هذه الآية:
﴿ وَكَذْلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(٢)؛ فوالله إنىّ كنت لأظنّ أنّ رسول الله سيبقى فى
أمّه حتى يشهد عليها بآخر أعمالها ؛ فإنه كانذى حملنى على أن قلتُ ما قلت(٣)
١٨٣٠/١
[ ذكر جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفنه]
قال أبو جعفر : فلما بويع أبو بكر أقبلَ الناسُ علَى جِهازِ رسولِ الله
صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : كان ذلك من فعلهم يوم الثلاثاء ؛ وذلك
الغدُ من وفاتِه صلى اللّه عليه وسلم .
وقال بعضهم : إنما دُفن بعد وفاته بثلاثة أيام ، وقد مضی ذکرُ بعض
قائلى ذلك .
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
عبد الله بن أبى بكر وكثير بن عبد اللّه وغيرهما من أصحابه ، عمّن يحدثه ؛
عن عبد اللّه بن عباس، أنّ علىَّ بن أبى طالب والعباس بن عبد المطلب والفضل
ابن العباس وقُتّم بن العباس وأسامة بن زيد وشُقران مولى رسول الله صلى الله
عليه وسلم هُم الذين وَلُوا غَسْلَهَ، وإنّ أوسَ بن خَوْلِىّ أحد بنِى عوف
ابن الخزرج؛ قال لعلىّ بن أبى طالب: أنشُدك الله يا علىُّ؛ وحَظّنا من رسول
(١) الوحشى من أعضاء الإنسان: ما كان إلى خارج.
(٢) سورة البقرة ١٤٣ .
(٣) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٧٤ .

٢١٢
سنة ١١
اللّه! وكان أوْس من أصحاب بدر (١) ؛ وقال : ادخل ؛ فدخل فحضر
غُسْلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأسنده على بن أبى طالب إلى صدره ،
وكان العبّاس والفضل وقُثم هم الذين يقدِّبونه معه؛ وكان أسامة بن زيد وشُقْران
مولياه هُمَا اللذان يصبّان الماء، وعلىّ يغسله قد أسنده إلى صدره، وعليه قميصه
يَدْلُكِه مِنْ ورائه، لا يفْضى بيده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى
يقول: بأبى أنت وأمىّ! ما أطيبك حيًّا ومَيّنا! ولم يُرّ من رسول اللّه شىء
مما يُرَى من الميت(٢).
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن يحيى
ابن عَبَّاد، عن أبيه عَبّاد، عن عائشة، قالت: لما أرادوا أن يَغْسِلوا النبىّ
صلى اللّه عليه وسلم اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندرى أنُجرّد رسولَ الله من
ثيابه كما نجرّد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه! فلما اختلفوا ألقِىَ عليهم السّنّةُ
حتى ما منهم رجل إلا وَذقْنُه فى صدره، ثم كدّمهم متكلّمٌ من ناحية البيت
لا يُدْرِى مَنْ هو: أن اغسلوا النبىّ وعليه ثيابُه؛ قالت : فقاموا إلى رسولِ
الله صلى الله عليه وسلم فغسّلوه وعليه قميصه يصبّون عليه الماء فوق القميص ،
ويدلُكونه والقميص دون أيديهم(٣).
قال : فكانت عائشة تقول : لو استقبلتُ من أمرى ما استدبرتُ ما غسّله
إلا نساؤه .
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن جعفر
ابن محمد بن على بن حسين ، عن أبيه ، عن جدّه علىّ بن حسين. قال ابن
إسحاق: وحدّثنى الزّهرىّ، عن علىّ بن حسين ، قال : فلما فُرغ من
غُسْل رسول الله صلى الله عليه وسلم كُفِّن فى ثلاثة أثواب: ثوبين
صُحَارِيَّيْن (٤) وبُرد حِبَرَة؛ أدرج فيها إدراجا(٥) .
(١) فى ابن هشام: ((وكان أوس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بدر)).
(٢) سيرة ابن هشام ٢: ٣٧٤، ٣٧٥.
(٣) الخبر إلى هنا فى سيرة ابن هشام ٢: ٣٧٥.
(٤) ثوب صحارى: منسوب إلى صحار؛ وهى مدينة باليمن.
(٥) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٧٥.
١٨٣١/١

٢١٣
سنة ١١
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق،
عن حسين بن عبد الله، عن عكرمة مولى ابن عبدّاس، عن عبد الله بن ١٨٣٢/١
عبّاس، قال: لما أرادوا أن يحفِرُوا لرسولِ اللّه صلى اللّه عليه وسلم - وكان
أبو عبيدة بن الجرّاح يَضْرَح(١) كحفر أهل مكة ، وكان أبو طلحة زيد
ابن سهل هو الذى يحفر لأهل المدينة، وكان يَلْحَد - فدعا العباسُ رجلين،
فقال لأحدهما: اذهب إلى أبى عبيدة، وللآخر: اذهب إلى أبى طلحة؛ اللهم"
خِرْ لرسولك ؛ قال : فوجد صاحبُ أبى طلحة أبا طلحة فجاء به فلحد
لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فلمّا فرغ من جهاز رسول الله يوم الثلاثاء
وُضع على سريره فى بيته ؛ وقد كان المسلمون اختلفوا فى دفنه ؛ فقال قائل:
ندفنه فى مسجده ، وقال قائل : يدفَن مع أصحابه ؛ فقال أبو بكر : إنّى
سمعتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما قِبض نبيّ إلاّ يدفن حيث
قُبِض))؛ فرُفع فراش رسولِ الله الذى توفَّىَ عليه؛ فحُفِرَ له تحته ؛ ودخل
الناس على رسول الله يصدّون عليه أرْسالا(٢)؛ حتى إذا فرغ الرجال أدخل
النساء ، حتى إذا فرغ النساء أدخِل الصبيان ؛ ثم أدخل العبيد ؛ ولم يؤم
الناسَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدٌ، ثم دفن رسولُ اللّه صلى اللّه
عليه وسلم من وسَط الليل ليلة الأربعاء (٣).
حدّثنا ابنُ حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن
فاطمة بنت محمد بن عمارة، امرأة عبد الله - يعنى ابن أبى بكر - عن عمرة بنت
عبد الرحمن بن سعد بن زرارة ، عن عائشة أمّ المؤمنين ، قالت : ما علمنا
بدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا صوتَ المَسَاحِى من جوف
الليل ليلة الأربعاء .
١٨٣٣/١
قال ابن إسحاق : وكان الذى نزل قبرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم
علىّ بن أبى طالب والفضل بن العبّاس وقُثْمَ بن العباس وشُقران مولى رسول
اللّه صلى اللّه عليه وسلم؛ وقد قال أوس بن خَولى": أنشدك الله يا على وحَظّنا
(١) يضرح: يشق الأرض للقبر.
(٢) أرسالا : جماعة بعد جماعة .
(٣) سيرة ابن هشام ٢: ٣٧٥، ٣٧٦.

٢١٤
سنة ١١
من رسول الله! فقال له : انزل، فنزل مع القوم ؛ وقد كان شُقران مواّى
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وُضِع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حفرته،
وبنىَ عليه؛ قد أخذ قطيفة كان رسول الله يلبسها ويفترشها ؛ فقذفها فى القبر ،
وقال : والله لا يلبَسها أحدٌ بعدَك أبداً. قال: فدفنت مع رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم.
قال ابن إسحاق : وكان المغيرة بن شعبة يدّعى أنه أحدثُ الناس عهداً
برسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول: أخذت خاتمى فألقيتُه فى القبر،
وقلت: إنّ خاتمى قد سقط، وإنما طرحته عمدًا لأمسّ رسول اللّه، فأكون
آخرَ الناس به عهداً(١).
حدثنى ابنُ حُميد ، قال : حدثنا سلّمة ، عن محمد بن إسحاق ،
عن أبيه إسحاق بن يسار، عن مقسم أبى القاسم، مولى عبد الله بن الحارث
ابن نوفل ، عن مولاه عبد الله بن الحارث، قال: اعتمرتُ مع علىّ بن
أبیطالب فى زمان عمر۔۔ أو زمانعمّان - فنزل على أخته أمّ هانئ بنت أبى طالب،
١٨٣٤/١. فلما فرغ من ◌ُمرته رجع وسكبتُ له غسلا فاغتسل ؛ فلما فرغ من غُسْله دخل
عليه نفرٌ من أهل العراق ؛ فقالوا ، يا أبا الحسن ؛ جثنا نسألك عن أمر
نحبّ أن تخبرنا به ! فقال : أظنّ المغيرة يحدّثكم أنه كان أحدثَ الناس
عهداً برسول الله صلّى الله عليه وسلم ! قالوا: أجل ، عن ذا جئنا نسألك!
قال : كذب؛ كان أحدثُ الناس عهداً برسول الله قُتَمَ بن العبّاس(٢).
حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدثنا سدّمة ، عن ابن إسحاق ، عن صالح
ابن كيسان ، عن الزهرىّ ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة ، قالت :
کان على رسول الله صلى الله عليه وسلم خميصة (٣) سوداء حین اشند به وجعه،
قالت : فهو يَضَعُها مرّة على وجهه، ومرّة يكشفها عنه ، ويقول : قاتل
اللّه قومًا اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ! يحذّر ذلك على أمته (٤).
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، عن صالح
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٧٦.
(٢) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٧٦.
(٣) خميصة سوداء: ثوب خز أو صوف معلم. (٤) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٧٧.

٢١٥
.
سنة ١١
[ ابن كيسان، عن الزهرىّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة،
قالت : كان آخر ما عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يُتْرَك
بجزيرة العرب دینان(١)
قالت: وتوفّىَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لاثنتى عشرة ليلة مضت من
شهر ربيع الأول، فى اليوم الذى قدم فيه المدينة مهاجراً فاستكمل فى هجرته
عشر سنين كوامل .
واختلف فى مبلغ سنّه يوم توفى صلى اللّه عليه وسلم ، فقال بعضهم : كان
له يومئذ ثلاث وستون سنة .
* ذكر من قال ذلك :
حدّثنا ابن المثنّى، قال : حدّثنا حجّاج بن المنهال ، قال : حدّثنا
حمّاد - يعنى ابنَ سلَمة - عن أبي جمرة ، عن ابن عباس ، قال : أقام
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بمكّة ثلاث عشرة سنة يُوحَى إليه ، وبالمدينة
عشرا ؛ ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة .
١٨٣٥/١
حدّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدّثنا حجاج بن المنهال ، قال : حدّثنا
حمّاد، عن أبى جمرة، عن أبيه، قال: عاش رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم
ثلاثًا وستين سنة .
حدّثنا ابنُ المثنّى، قال : حدثنا عبد الوهاب ، قال : حدثنا يحيى بن
سعيد ، قال: سمعت سعيد بن المسيّب، يقول: أنزل على رسول اللّه صلّى الله
عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ، وأقام بمكّة عشراً ، وبالمدينة عشراً ،
وتوفی وهو ابن ثلاث وستين.
حدّثنا محمد بن خلف العسقلانىّ ، قال : حدّثنا آدم ، قال : حدثنا
حمّاد بن سلمة ، قال : حدّثنا أبو جمرة الضُّبْعىّ، عن ابن عباس ، قال :
L
(١) سيرة ابن هشام ٢ : ٣٧٧.

٢١٦
سنة ١١
بُعِث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة ، وأقام بمكّة ثلاث عشرة
يوحى إليه ، وبالمدينة عشرًا، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة .
حدّثنى أحمدُ بن عبد الرحمن بن وهب، قال : حدّثّى عمى عبد اللّه،
قال: حدثنا يونس، عن الزُّهرىّ، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: توفّىَ
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وستين.
وقال آخرون : كان له يومئذ خمس وستون .
• ذكر من قال ذلك :
حدثنى زياد بن أيوب ، قال : حدثنا هُشَم ، قال : أخبرنا علىّ بن
زيد، عن يوسف بن مهران ، عن ابن عبّاس ، قال: قبض النبيّ صلى اللّه
عليه وسلم وهو ابن خمس وستين .
حدّثنا ابنُ المثنّى، قال : حدّثنا معاذ بن هشام ، قال : حدثنى أبى ،
عن قتادة، عن الحسن ، عن دغْفل - يعنى ابن حنظلة - أن النبيّ صلى اللّه
عليه وسلم توفَّ وهو ابن خمس وستين سنة .
#
#
وقال آخرون : بل كان له يومئذ ستون سنة .
١٨٣٦/١
• ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن المثنّى، قال : حدّثنا حجاج، قال : حدّثنا حمّاد ، قال :
حدّثنا عمرو بن دينار ، عن عُرْوة بن الزبير ، قال .: بُعِث رسولُ الله صلى
اللّه عليه وسلم وهو ابن أربعين ، ومات وهو ابن ستين .
حدّثنا الحسينُ بن نصر ، قال : أخبرنا عبيدُ اللّه ، قال : أخبرنا شيبان،
عن يحيى بن أبى كَشِير، عن أبى سلمة، قال : حدثتْنِى عائشة وابنُ عبّاس،
أن رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن ،
وبالمدينة عشراً .

٢١٧
سنة ١١
ذكر الخبر عن اليوم والشهر
اللَّذَیْن توفى فيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال أبو جعفر : حدّثنا عبد الرحمن بن الوليد الجرجانىّ ، قال :
حدّثنا أحمد بن أبى طَيْبَة ؛ قال : حدّثنا عبيد اللّه ، عن نافع ، عن ابن
عمر، أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم استعمل أبا بكر على الحجّ سنة تسع ،
فأراهم مناسكهم ، فلمّا كان العام المقبل حجّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
حجّةَ الوداع سنة عشر؛ وصدر إلى المدينة، وقُبِض فى ربيع الأول .
حدّثنى إبراهيم بن سعيد الجوهرىّ ، قال : حدثنا موسى بن داود ، عن
ابن لهيعة، عن خالد بن أبى عمران، عن حنّش الصنعانىّ، عن ابن عباس ،
قال: وُلد النبيّ صلى الله عليه وسلم يومَ الاثنين، واستُنْبِئ يوم الاثنين،
ورفع الحجر يوم الاثنين، وخرج مهاجراً من مكة إلى المدينة يوم الاثنين ،
وقدم المدينة يوم الاثنين ، وقبض يوم الاثنين .
١٨٣٧/١
حد ◌ّثنی أحمدُ بن عثمان بن حكيم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن شريك،
قال : حدثنى أبى ، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبى بكر بن محمد
ابن عمرو بن حزم، عن أبيه، قال: توفّىَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى
شهر ربيع الأوّل فى اثنتى عشرة ليلة مضتْ من شهر ربيع الأوّل يوم الاثنين
ودفن ليلةَ الأربعاء .
حدّثنى أحمدُ بن عثمان ، قال : حدثنا عبد الرحمن ، قال : حدّثنا
أبى ، قال : حدثنا محمد بنُ إسحاق ، عن عبد الله بن أبى بكر ، أنه دخل
عليه فقال لامرأته فاطمة : حَدَّتِى محمداً ما سمعتٍ من عَمْرة بنت عبد الرحمن.
فقالت : سمعت عَمْرة تقول : سمعت عائشة تقول : دُفِن نىّ اللّه صلى اللّه عليه
وسلم ليلةَ الأربعاء ؛ وما علمنا به حتى سمعنا صوتَ المسَاحِى.
.

٢١٨
سنة ١١
ذكر الخبر عما جرى
بين المهاجرين والأنصار فى أمر الإمارة فى سقيفة بنى ساعدة
حدّثنا هشام بن محمد ، عن أبى مِحْنف ، قال : حدثنى عبد اللّه
ابن عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصارىّ، أنّ النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لما قُبِض
اجتمعت الأنصارُ فى سقيفة بنى ساعدة ، فقالوا : نُولّى هذا الأمر بعد محمد
عليه السلام سعدَ بن عبادة، وأخرجوا سعدًا إليهم وهو مريض؛ فلما اجتمعوا
قال لابنه أو بعض بنى عمّه : إنىّ لا أقدر لشكواى أن أسمع القوم كلّهم
كلامى؛ ولكن تَلَقَّ منّى قولى فأسْمِعْهموه ؛ فكان يتكاتم ويحفظ الرجل
قوله، فيرفع صوته فيسمع أصحابه، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه : يا معشر
الأنصار ؛ لكم سابقةٌ فى الدين وفضيلة فى الإسلام ليست لقبيلة من
العرب ؛ إنّ محمّداً عليه السلام لتَبث بضع عشرة سنة فى قومِه يدعوهم
إلى عبادة الرّحمن وخلْع الأنداد والأوثان؛ فما آمن به من قومه إلا رجالٌ
قليل؛ وكان ما كانوا يقدرون على أن يمنعُوا رسولَ اللّه؛ ولا أن يُعِزُّوا دينَه ،
ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضَيْمًا مُمُّوا به ؛ حتى إذا أراد بكم الفضيلةَ ، ساق
إليكم الكرامة وخصّكم بالنعمة ، فرزقكم الله الإيمان به وبرسوله ، والمنعَ له
ولأصحابه ، والإعزازَ له ولدينه ؛ والجهادَ لأعدائه ؛ فكنتم أشدَّ الناس على
عدوّه منكم، وأثقلَه على عدوّه من غيركم؛ حتى استقامت العرب لأمر الله
طوعًا وكرهًا؛ وأعطى البعيدُ المقادةَ صاغراً داخراً؛ حتى أثخن الله عز وجل
لرسوله بكم الأرض ، ودانت بأسيافكم له العرب؛ وتوفّاه اللّه وهو عنكم راض ؛
وبكم قرير عين . استبدّوا بهذا الأمر فإنّه لكم دون الناس .
فأجابوه بأجمعهم : أن قد وُفِّقْتَ فى الرأى وأصبت فى القول ، ولن نعدُوَ
ما رأيت، ونولِّيك هذا الأمر، فإنك فينا مَقْنَعٌ ولصالح المؤمنين رضا . ثم
إنهم ترادُّوا الكلامَ بينهم ، فقالوا: فإن أبَتْ مهاجرة قريش ، فقالوا:
نحن المهاجرون وصحابة رسول الله الأوّلون؛ ونحن عشيرته وأولياؤه؛ فعلام
تنازعوننا هذا الأمر بعده ! فقالت طائفة منهم : فإنّا نقولُ إذاً: منَّا أميرٌ
١٨٣٨/١

٢١٩
سنة ١١
ومنكم أميرٌ ؛ ولن نرضى بدون هذا الأمر أبداً . فقال سعدُ بن عبادة حين ١٨٣٩/١
سمعها : هذا أول الوهَن !
وأتى عمرَ الخبرُ ، فأقبل إلى منزل النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأرسل
إلى أبى بكر وأبو بكر فى الدار وعلى بن أبى طالب عليه السلام دائب فى
جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأرسل إلى أبى بكر أن اخرج إلىّ،
فأرسل إليه : إنىّ مشتغل؛ فأرسل إليه أنه قد حدّث أمرٌ لا بدّ لك من
حضوره، فخرج إليه ، فقال : أما علمتَ أنّ الأنصار قد اجتمعت فى
سَقِيفة بنى ساعدة ، يريدون أن يولُّوا هذا الأمر سعدَ بن عبادة ؛ وأحسنهم
مقالةٌ مَنْ يقول: منّا أمير وعِنْ قريش أمير ! فضيا مسرعين نحوهم ؛
فلقيًا أبا عبيدة بن الجراح؛ فماشَوْا إليهم ثلاثتهُم ، فلقيتَهم عاصم بن
عدىّ وعُوَيَمُ بن ساعدة ، فقالالهم : ارجعوا فإنه لا يكون ما تريدون ، فقالوا:
لا نفعل ، فجاءوا وهم مجتمعون . فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم - وقد كنتُ
زوَّرت كلامًا١ً)أردت أن أقوم به فيهم - فلما أن دفعتُ إليهم ذهبتُ
لأبتدئ المنطق ، فقال لى أبو بكر : رُوَيَداً حتى أتكلّم ثم انطِقْ بعد بما
أحببت . فنطق، فقال عمر: فما شيء كنتُ أردت أن أقوله إلاّ وقد أتى به
أو زاد عليه .
فقال عبد الله بن عبد الرحمن (٢): فبدأ أبو بكر ، فحمد الله وأثنى عليه ؛
ثم قال: إنّ الله بعث محمداً رسولاً إلى خلقه، وشهيداً على أمته، ليعبدوا الله
ويوحّدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى؛ ويزعمون أنها لهم عنده شافعةٌ، وله ١٨٤٠/١
نافعة؛ وإنما هى من حجَر منحوت، وخشب منجور، ثم قرأ: ﴿وَ يَعْبُدُونَ
مِنْ دُونِ أَثِْ مَّا لاَ يَضُرُّهُمْ ولاَ يَنْفَعُهُمْ وَ يَقُولونَ هُؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا
عِنْدَ أَقٍ) (٣)، وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقُرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾(٤)
فعظُم على العرب أن يتركوا دين آبائهم ، فخصّ اللّه المهاجرين الأولين. من
(١) زورت كلاماً: حيأته، وفى ز: ((رويت)).
(٣) سورة يونس ١٨.
(٤) سورة الزمر ٣.
(٢) هو راوى الخبر.

٢٢٠
سنة ١١
قومه بتصديقه ، والإيمان به ، والمؤاساة له ، والصبر معه على شدّة أذى قومهم
لهم ؛ وتكذيبهم إياهم؛ وكلُّ الناس لهم مخالف، زارٍ عليهم، فلم يستوحشوا
لقلّة عددِ هِم وشَنَفِ الناس لهم ؛ وإجماع قومهم عليهم ؛ فهم أوّل مَنْ
عَبَدَ اللّه فى الأرض وآمن بالله وبالرسول؛ وهم أولياؤه وعشيرته، وأحقُّ الناس
بهذا الأمر من بعده ؛ ولا ينازعهم ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار، مَنْ
لا ينكر فضلُهم فى الدينِ، ولا سابقتُهم العظيمة فى الإسلام، رضيكم الله
أنصاراً لدينه ورسوله ، وجعل إليكم هجرته ، وفيكم جِلةُ أزواجه وأصحابه ؛
فليس بعد المهاجرين الأولين عندنا [ أحدٌ ](١) بمنزلتكم؛ فنحن الأمراء
وأنتم الوزراء ، لا تُفْتاتون بمشورة ، ولا نقضى دونكم الأمور.
قال : فقام الحُبَابُ بن المنذر بن الجموح ، فقال : يامعشر الأنصار،
املِكوا عليكم أمركم؛ فإنّ الناس فى فيئكم وفى ظلّكم، ولن يجترئ مجترئ
١٨٤١/١ على خلافِكم؛ ولن يُصدر الناس إلاّ عن رأيكم، أنتم أهل العزّ والثَّرْوَة،
وأولو العَدَد والمنعة والتجرِبة ، ذوو البأس والنجْدة؛ وإنما ينظر الناس إلى
ما تصنعون؛ ولا تختلفوا فيفسد عليكم رأيُكم ؛ وينتقض عليكم أمركم؛ [فإن]
أبى هؤلاء إلاّ ما سمعتم ؛ فمنّا أمير ومنهم أمير .
فقال عمر: هيهات لا يجتمع اثنان فى قَرَن! والله لا ترضى العرب أن
يؤثّروكم ونبيها من غيركم ؛ ولكن العرب لاتمتنع أن تولّى أمرّها مَنْ كانت
النبوّة فيهم وولى أمورهم منهم ؛ ولنا بذلك على مَنْ أبى من العرب الحجة
الظاهرة والسلطان المبين؛ مَنْ ذا ينازعنا سلطانَ محمد وإمارته ، ونحن أولياؤه
وعشيرته إلا مُدْلٍ بباطل، أو مُتَجَانِف لإثم، ومتورَّط فى هَلَكَة!
فقام الحباب بن المنذر فقال: يا معشر الأنصار، املِكُوا على أيديكم، ولا تسمعوا
مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر؛ فإن أبوا عليكم ما سألتموه،
فاجلُوهم عن هذه البلاد ، وتولَّوْا عليهم هذه الأمور؛ فأنتم والله أحقُ بهذا الأمر
منهم؛ فإنه بأسيافكم دان لهذا الذين مَنْ دانممّن لم يكن يدين؛ أنا جُذَيْلُها
(١) من ب .