Indexed OCR Text

Pages 581-600

٥٨١
سنة ٥
فرجعتُ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وهو قائم يصلِّى فى مِرْطِ لبعض
نسائه مُرَحَّلٍ ؛ فلمّا رآنى أدخلنى بين رجليه وطرح علىّ طرف المِرْط (١)
ثم ركع وسجد؛ فأذْلَقْتُه. فلمَّا سلَّم أخبرتُه الخبر، وسمعتْ غطفان بما فعلتْ
قريش ، فانشمروا راجعين إلى بلاده (٢)
١٤٨٥/١
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق
قال: فلَّما أصبَح نبىّ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم انصرف عن الخندق راجعا
إلى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح .
غزوة بنى قريظة
فلما كانت الظُّهْر، أتى جبريلُ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم
- كما حدّثنا ابن حُميد، قال : حدّثنا سلمة، قال : حدثنى محمَّد بن
إسحاق(٣)، عن ابن شهاب الزُّهرىّ - معتجرًا(٤) بعمامة من إستبرق، على
بغْلة عليها رِحَالة (٥) ، عليها قطيفة من ديباج ، فقال: أقد(٦) وضعتّ
السِّلاح يا رسول الله ؟ قال نعم ، قال جبريل : ما وضعت الملائكةُ
السُّلاحَ وما رجعت الآن إلا من طلب القوم؛ إنّاللّه يأمرُك يا محمّد بالسَّير إلى
بنى قريظة ، وأنا عامد إلى بنى قريظة .
فأمرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم مناديا، فأذّن فى النَّاس: إنّ (٧)
مَنْ كان سامعًا مطيعًا فلا يصلّينّ العصر إلاّ فى بنى قريظة (٨).
(١) المرط : كساء من صوف وخز أو كتان يؤتزربه.
(٢) الخبر فى التفسير ٢١: ٨٠، ٨١ (بولاق).
(٣) أخبار غزوة بنى قريظة ما نقل عن ابن إسحاق، فى سيرة ابن هشام ٢ : ١٩٤ - ٢٠٣
(٤) الاعتجار : أن يتعمم الرجل دون تلح ، أى لا يلقى شيئاً تحت لحيته.
(٥) الرحالة : السرج .
(٦) ابن هشام والتفسير: ((أوقد))
(٧) ساقطة من ابن هشام .
(٨) بعدها فى ابن هشام: ((واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم)).

٥٨٢
سنة ٥
وقدَّم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم علىّ بن أبى طالب برايته إلى بنى
قُريظة ، وابتدرها الناس ، فسار علىّ بن أبى طالب عليه السلام ؛ حتى إذا
دنا من الحصون، سمع منها مقالة قبيحة لرسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم
منهم؛ فرجع حتى لَقِىَ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بالطريق ، فقال:
يا رسولَ اللّه، لا عليك ألاّ تدنو من هؤلاء الأخابث (١)! قال: لِمّ؟
أظنُّك سمعتَ لى منهم أذّى! قال: نعم يا رسول اللّه . لو قد رأوْنى لم يقولُوا من
ذلك شيئًا. فلمَّا دنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم من حُصونهم ، قال:
١٤٨٦/١ يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله، وأنزل بكم نقمته! قالوا: يا أبا القاسم(٢)،
ما كنتَ جهولا. ومرّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على أصحابه بالصَّوْرَيْن
قبل أن يصلَ إلى بنى قُرَيظة ، فقال: هل مرَّ بكم أحد ؟ فقالوا : نعم
يا رسولَ اللّه، قد مَرَّ بنا دِحْيَةُ بن خليفة الكلبى، على بغلة بيضاء،
عليها رِحالة عليها قطيفة ديباج، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: ذلك
جبريل، بُعِثَ إلى بنى قريظة يُزَلْزِلُ بهم حصونَهم ، ويقذف الرّعب فى
تلوبهم . فلمّا أتى رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم بنى قريظة ، نزل على بثر
من آبارها فى ناحية من أموالهم ، يقال لها شر أذا (٣)؛ فلاحق به النَّاس، فأتاه
رجالٌ من بعد العشاء الآخرة، ولم يُصدّوا العصرَ، لقول رسول الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم: لا يصلّينّ أحدٌ العصر إلاّ فى بنى قريظة ، لشىء لم يكن لهم
منه بُدُّ من حربهم؛ وأبوْا أن يُصدّوا، لقول النبيّ صلى الله عليه وسلَّم:
حتَّى تأتُوا بنى قُرَيظة، فصلُّوا العصر بها بعد العشاء الآخرة. فما عابهم الله بذلك
فى كتابه؛ ولا عنَّفَهم به رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. والحديث عن
محمَّد بن إسحاق، عن أبيه، عن مَعْبَد بن كعب بن مالك الأنصارىّ .
(١) التفسير: ((الأخباث)).
(٢) س: (( يا محمد)).
(٣) أنا، مثل ((هنا))، أو مثل ((حتى))، أو بكسر النون المشددة، ويروى بموحدة
بدل النون : من آبار بنى قريظة - ياقوت .

سنة ٥
٥٨٣
حدثنا ابنُ وكيع ، قال : حدّثنا محمد بن بشر، قال : حدّثنا محمَّد
ابن عمرو، قال : حدثنى أبى ، عن علقمة ، عن عائشة ، قالت: ضرب
رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم على سعد قُبَّة فى المسجد ، ووضع السّلاح -
- يعنى عند منصرف رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الخندق - ووضع
المسلمون السِّلاح ، فجاءه جبريل عليه السَّلام، فقال: أو ضعتم السلاح! ١٤٨٧/١
فوالله ما وضعتِ الملائكة بَعْدُ السلاح، اخرُجْ إليهم (١) فقاتِلْهم ، فدعا
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ بلأمتِهِ فلبسها ، ثم خرج وخرج المسلمون ؛
فرّ ببنى غَنْم ، فقال: من مَرّ بكم؟ قالوا: مرّ علينا دِحْيَة الكلبىّ -
۔ وکان یشبّهُ سُنّتُه(٢) ولحيته ووجهه بجبر یلعلیهالسلام - حتى نزلعليهم،
وسعدٌ فى قُبَّته التى ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المسجد ؛
فحاصرهم شهرًا - أو خمسًا وعشرين ليلة - فلما اشتدّ عليهم الحصار قيل
لهم : انزلوا على حكم رسول اللّه، فأشار أبو لُبابة بن عبد المنذر إنَّه الذبح ،
فقالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ، فقال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم:
انزلوا على حكمه ، فنزلوا، فبعث إليه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم بحمار
بإكاف من ليف، فحمل عليه. قالت عائشة: لقد كان بَرَأْ كَلْمُه(٢)
حتى ما يُرى منه إلا مثل الْخُرْص (٣).
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ، قال : وحاصرهم رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّمَ خمسًا وعشرين ليلة ؛ حتى جهدهم الحصار ؛
وقذف اللّه فى قلوبهم الرّعب - وقد كان حُيتىٌّ بن أخطب دخلَ على بنى
قريظة فى حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان ، وفاءً لكعب بن
أسد بما كان عاهده عليه - فلما أيقنوا أنّ رسولَ اللّه صلى اللّه
عليه وسلَّمَ غيرُ منصرف عنهم حتَّى يناجزَهم ، قال كعب بن أسد لهم:
يا معشرَ بهود، إنَّه قد نزل بكم من الأمر ما ترون (٤)، وإنى عارض (٥)
(٢) السنة هنا : الصورة ، وقيل : صفحة الخد.
(١) س: ((بهم)).
١٤٨٨/١
(٣) الخرص: حلقة القرط؛ وقول عائشة فى الفائق ١: ٣٣٥.
(٤) س: ((قد نزل)).
(٥) س: ((أعرض)).

٥٨٤
: سنة ٥
عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيّها شئتم! قالوا: وما هنّ ؟ قال: نتابع (١)
هذا الرجل ونُصَدَّقه؛ فوالله لقد كان تبيَّن لكم أنَّه لَنبىّ(٢) مرسل ، وأنه
للذى كنتم تجدونه فى كتابكم ، فتأمنُوا علی دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم،
قالوا : لا نفارق حكم التوراة أبدًا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم
هذه علىَّ فَهلمّ فلنقتل أبناءَنا ونساءَنا ، ثم نخرج إلى محمّد وأصحابه
رجالا مُصْلِتِين السيوف؛ ولم نترك وراءَنا ثَقَلاً يهمّنا؛ حتى يحكم الله بيننا
وبين محمَّد؛ فإن نهلِك نهلك ولم نترك وراءنا شيئًا نخشى عليه، وإن نظهر
فَلعمرِى لنجدن" النساءَ والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء المساكين ؛ فما خير
العيش بعدهم! قال: فإذا أبيتم هذه علىّ فإنّ الليلة ليلة السَّبت ؛ وإنه عسى
أن يكون محمد وأصحابه قد أمِنُوا فيها، فانزلوا لعلّنا نصيب من محمد وأصحابه
غِرَّةً . قالوا: نُفْسِد سبتَنا، ونُحْدث فيه ما لم يكن أحدث فيه مَنْ
كان قبلنا، إلاّ مَنْ قد علمت. فأصابه (٣) من المسخ ما لم يخفَ عليك.
قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدّهر حازمًا.
١٤٨٩/١
قال: ثم إنَّهم بعثوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: أن ابعث إلينا
أبا لُبابة بن عبد المنذر ؛ أخابنى عمرو بن عوف - وكانوا (٤) حلفاء الأوس-
نستشيره فى أمرنا، فأرسله رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم فلما رأوْه
قام إليه الرجال، وبهشَ (٥) إليه النساءُ والصبيان يبكون فى وجهه ؛ فرَقًّلهم
وقالوا له : يا أبا لبابة، أترى أن ننزِل على حكم محمَّد! قال: نعم ، وأشار
بيده إلى حلْقه: إنه الَّذبح؛ قال أبو لبابة : فوالله ما زالت قدماى حتى عرفت
أنى خُنْتُ الله ورسوله .
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه، ولم يأت رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم
(١) ابن هشام والتفسير: ((نبايع)).
(٢) و: ((نبى)).
(٣) التفسير: ((فأصابهم)).
(٤) س: ((من حلفاء)).
(٥) بهش إليه النساء: خفوا إليه، وفى ابن هشام والتفسير: ((جهش)).

مجم
٥٨٥
سنة ٥
حتى ارتبط فى المسجد إلى عمود من عُمُده ، وقال : لا أبرح مكانى هذا
حتى يتوبَ اللّه علىَّ مما صنعت؛ وعاهد الله ألاّ يطأ بنى قريظة أبدًا.
وقال: لا يرانى اللّه فى بلد خُنْت اللّه ورسوله فيه أبدًا. فلما بلغ رسول اللّه
صلَّى اللّه عليه وسلَّم خبرُه، وأبطأ عليه - وكان قد استبطأه ـ- قال:
أما لو جاءنى لاستغفرت له ؛ فأمَّا إذْ فعل ما فعل ، فما أنا بالَّذى أطلقه من
مكانه حتى يتوب الله عليه(١) ..
#
۵
حدّثنا ابن حُميد، قال : حدّثنا سَلَمة بن الفضل ، قال: حدّثنا
محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد اللّه بن قُسَيْط، أنّ توبة أبى لُبابة
أُنزِلَتْ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم: وهو فى بيت أمّ سلمة.
قالت أمّ سلمة: فسمعتُ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم من السَّحَر يضحك
فقلت: مِمَّ تضحك يا رسول الله، أضحكَ اللّه سنَّك ! قال : تِيبَ
على أبى لُبابة، فقلت: ألاَ أبشّره بذلك يا رسول الله! قال: بلَى إن
شئتٍ ؛ قال : فقامت على باب حجرتها - وذلك قبل أن يُضرب عليهنّ
الحجاب - فقالت: يا أبا لبابة، أبشِرْ فقد تاب الله عليك. قال: فثارَ
الناس إليه ليُطلقوه؛ فقال: لا والله حتى يكونَ رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم هو الذى يُطْلِقِى بيده، فلما مَرَّ عليه خارجًا إلى الصّبح أطلقته(٢).
قال ابن إسحاق: ثمّ إنّ ثعلبة بن سَعْية وأسَيْد بن سَعْية، وأسد
ابن عُبَيْدٍ - وهم نفر من بنى هَدْل ؛ ليسوا من بنى قُرَيظة ولا النَّضير،
نَسَبَهُم فوق ذلك - هم بنو عمّ القوم أسلموا تلك الليلة التى نزلت فيها قُريظة
على حكم رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم - وخرج فى تلك الليلة عمرو بن
١٤٩٠/١
(١) خبر ابن إسحاق كلة فى التفسير ٢١ : ٩٥، ٩٦ (بولاق).
(٢) بعدها فى السيرة عن ابن هشام: ((أقام أبو لبابة مرتبطاً بالجذع ست ليال، تأتيه امرأته
فى كل وقت صلاة فتحله للصلاة ثم تعود فتربطه بالجذع، فيما حدثنى بعض أهل العلم . والآية
التى نزلت فى توبته قول الله عز وجل: ﴿وَآخَرُون اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا
وَآخَرَ سَيَِّا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٍ).

٥٨٦
سنة ٥
سُعْدَى القرظىّ، فَرَّ بَحَرَس رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّمَ؛ وَعَلَيْهِ
محمد بن مَسْلَمة الأنصارىّ تلك الليلة ؛ فلمَّا رآه قال : من هذا ؟ قال :
عمرو بن سعدى - وكان عمرو قد أبى أن يدخلَ مع بنى قريظة فى غَدْرهم
برسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، وقال: لا أغدر بمحمّد أبدًا - فقال
محمَّد بن مَسْلمة حين عرفه: اللهمّ لا تحرِمْنِى عَشَرَاتِ الكرام. ثمّ
خلَّى سبيله ؛ فخرج على وجهه حتى بات فى مسجد رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم بالمدينة تلك الليلة. ثم ذهب فلا يُدْرَى (١) أين ذهب من أرض الله إلى
١٤٩١/١ يومه هذا! فذكر لرسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلّم شأنه، فقال: ذاك رجل
نجَّاه اللّه بوفائه.
قال ابن إسحاق: وبعضُ النَّاس يزعم أنه كان أوثِقَ برُمَّة(٢) فيمن
أوثق من بنى قريظة حين نزلوا على حكم رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم،
فأصبحَتْ رُمَّتّه مُلْقَاةً لا يُدْرَى أين ذهب، فقال رسولُ الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم فيه تلك المقالة . والله أعلم .
قال ابن إسحاق. فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّمَ، فتواثبت الأوس ، فقالوا : يا رسول الله ، إنَّهم مَوَالينا دون الخزرج ،
وقد فعلت فى موالِى الخزرج بالأمس ما قد علمت - وقد كان رسولُ اللّه
صلَّى اللّه عليه وسلّ قبل بنى قريظة حاصر بنى قَيْنُقاع ، وكانوا حلفاء
الخزرج ، فنزلوا على حكمه ؛ فسأله إيَّاهم عبد اللّه بن أبىّ بن سَلُول،
فوهبهم له. فلمّا كلّمه الأوْس قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ألا
ترضْون يا معشرَ الأوْس أن يحكم فيهم رجل منكم! قالوا : بلى ، قال :
فذاك إلى سَعْد بن معاذ - وكان سعد بن معاذ قد جعله رسولُ الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم فى خَيْمة امرأة(٣) من أسلم (٤) يقال لها رُفَيْدة فى مسجده،
كانت تُدَاوى الجرحى ، وتحتسب بنفسها على خدمة مَنْ كانت به ضَيْعة
من المسلمين ؛ وكان رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم قد قال لقومه حين أصابه
السَّهم بالخندق: اجعلوه فى خيمة رُفَيْدة ، حتى أعودَه من قريب - فلما
i
(١) فى ابن هشام: ((فلم يدر)).
(٢) الرمة : الحبل.
(٤) كذافى ابن هشام وفى ط: ((المسلمين)).
(٣) س: ((لامرأة)).

٥٨٧
سنة ٥
حَكَّمه رسول الله صلَّى الله عليه وسلم فى بنى قريظة، أتاه قومُه، فاحتملوه
على حمار قد وطََّوا له بوسادة من أدَمٍ - وكان رجلا جسيمًا - ثم أقبلوا
معه إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحْسِنْ ١٤٩٢/١
فى مواليك؛ فإنّ رسولَ اللّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنَّما ولاك ذلك لتُحْسِنِ
فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد أنى لسعد ألاَ تأخُذَه فى اللّه لومة
لاثم . فرجع بعضُ مَن كان معه من قومه إلى دار بنى عبد الأشهل، فنعتى
لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته التى
سمع منه .
قال أبو جعفر: فلما انتهى سعْدٌ إلى رسولِ اللّه صلى الله عليه وسلَّم
والمسلمين، قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم - فيما حدّثنا ابنُ وكيع ،
قال : حدثنا محمد بن بشر ، قال : حدّثنا محمد بن عمرو ، قال : حدثنى
أبى ، عن علقمة: فى حديث ذكره ، قال: قال أبو سعيد الخُدِرِىّ: فلما
طلعَ - يعنى سعداً - قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: قوموا إلى سيد كم -
أو قال: إلَى خيركم - فأنزلوه، فقال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم:
احكم فيهم ، قال : فإنّى أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم ، وأن تُسْبَى
ذَرَارِيُّهم، وأن تُقْسَمَ أموالهُم. فقال: لقد حكمْت فيهم بحكم الله وحكم
رسوله .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق : وأمَّا ابن إسحاق فإنَّه قال
فى حديثه: فلما انتهى سعدٌ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون؛
قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: قوموا إلى سيِّدكم ، فقاموا إليه، فقالوا:
يا أبا عمرو، إن رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم قد ولاَك [أمر ](١) مواليك
لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أنّ الحكم فيها
ما حكمت! قالوا: نعم، قال: وعلى من هاهنا؟ فى النَّاحية التى فيها رسولُ ١٤٩٣/١
(١) من سيرة ابن هشام .

٥٨٨
سنة ٥
اللّه صلَّى الله عليه وسلّم، وهو معرض عن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم
إجلالا له - فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: نعم، قال سعْد: فإنى
أحِكُمٌ فيهم بأن تُقتَلَ الرّجال، وتُقْسَمَ الأموال، وتسبَى الذرارى
والنساء .
حدثنا ابن حمید، قال: حد ◌ّثنا سلمة، قال:حدثنى محمد بن إسحاق،
عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ ،
عن علقمة بن وقّاص الليثىّ، قال: قال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمْ لسعد:
لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرْقِعة(١).
قال ابنُ إسحاق: ثمّ استُنْزلوا، فحبسهم رسولُ الله صلَّى اللّه عليه
وسلّ فى دار ابنة الحارث، امرأة من بنى النجَّار. ثمّ خرجَ رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم إلى سوق المدينة التى هى سوقها اليوم، فخندق بها خنادق،
ثم بعث إليهم فضرب أعناقهم فى تلك الخنادق ؛ يُخرَج بهم إليه أرْسَالا؛
وفيهم عدوّ اللّه حُيَّىُّ بن أخطب، وكعب بن أسد ؛ رأس القوم، وهم ستمائة
أو سبعمائة؛ المكثِّرُ لهم يقول : كانوا من الثمانمائة إلى التسعمائة . وقد
قالوا لكعب بن أسد - وهم يُذْهَب بهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
أَرَسالا(٢) -: يا كعب، ما ترى ما يصنع بنا! فقال كعب: فى كلّ موطن
لا تعقلون: ألا تروْن الداعى (٣) لا ينزع، وأنَّه من ذُهِبَ به منكم لا يرجع،
هو والله القتل! فلم يزل ذلك الدّأبُ حتى فرغ منهم رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّمَ، وَأتِىَ بِحُيَِّىّ بن أخطب عدوّ اللّه وعليه حلَّة له فقّاحِيّة (٤) قد
شقَّقها عليه من كل ناحية كموضع الأنملة، أنملة أنملة، لئلا يُسْلَبها، مجموعة
يداه إلى عنقه بحبل. فلمّا نظر إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ ، قال :
أما والله ما لمْتُ نفسى فى عداوتك؛ ولكنه من يَخْذُلِ اللّه يُخْذَل.
١٤٩٤/١
(١) الأرقعة : السموات ، واحدها رقيع .
(٢) أرسالا ، أى طائفة بعد طائفة .
(٣) س: ((الراعى)).
(٤) حلة فقاحية : على لون الورد حين هم أن يتفتح .

٥٨٩
سنة ٥
ثم أقبل على الناس ، فقال: أيها الناس ، إنَّه لا بأس بأمر الله، كتاب الله
وقَدَرُه، وملحمةٌ قد كتبت (١) على بنى إسرائيل . ثم جلس فضُربت عنقه،
فقال جبل بن جَوّال الثعلبىّ :
ولكنه مَنْ يَخْذُلَ اللهَ يُخْذَلِ
لَعَمْرُكُ مَا لامَ ابْنُ أَخْطَبَ نَفْسَهُ.
◌َجَاهَدَ حتى أَبْلَغَ النَّفْسِ عُذْرَهَا وَقَلْقَلَ يَبْغِ العِزَّ كَلَّ مُقَلْفَلٍ
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عن محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ،
قالت : لم يُقتل من نسائهم إلاّ امرأة واحدة . قالت : والله إنَّها لعِنْدِى
تحدّثُ معى، وتضحك ظهرًا وبطنًا، ورسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم
يقتلُ رجالهم بالسوق؛ إذ هتف هاتفٌ باسمها: أين فُلانة؟ قالت: أنا والله. قالت:
قلت: ويلك مالك! قالت: أقتّل! قلت: ولِمَّ ؟ قالت: حَدَثٌ أحدثتُه. ١٤٩٥/١
قالت : فانُطلِقَ بها فضُربت عنقُها(٢). فكانت عائشة تقول: ما أنْسَى
عجبنا منها ، طيبَ نفس وكثرة ضحك، وقد عرفَتْ أنها تُقْتَل!
وكان ثابت بن قيس بن شَمَّاس - كما حدّثنا ابن حُميد ، قال :
حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، عن ابنشهاب الزُّهرىّ-
أتى الزَّبِير(٣) بن باطا القُرّظىّ - وكان يكنى أبا عبد الرحمن - وكان الزَّبير
قد مَنَّ على ثابت بن قيس بن شَمَّاس فى الجاهلية . قال محمّد :
مما ذكر لى بعضُ ولد الزَّبير ، أنه كان مَنَّ عليه يوم بُعاث ؛
أخذه فجَزَّ ناصيته ، ثم خلَّى سبيله - فجاءَه (٤) وهو شيخ كبير ،
فقال : يا أبا عبد الرحمن ، هل تعرفى ؟ قال: وهل يجهَلُ مثلى مثلَك!
(١) فى ابن هشام: ((كتبها الله)).
(٢) قال أبو ذر الخشنى: ((هى امرأة الحسن القرظى))".
(٣) قال السهيلى: ((هو الزبير، بفتح الزاى وكسر الباء ، جد الزبير بن عبد الرحمن
المذكور فى الموطأ فى كتاب النكاح)).
(٤) ابن هشام: ((فجاءه ثابت)).
١

٥٩٠
سنة ٥
قال: إنى قد أردتُ أن أجزِيَك بيدك عندى، قال: إنّ الكريم يجزِى
الكريم. ثم أتى ثابت رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم ، فقال : يا رسول الله ؛
قد كانت للزَّبير عندى يَدّ ؛ وله علىّ مِنَّةٌ ؛ وقد أحببت أن أجزيهُ بها ؛
فهبْ لى دَمَه. فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: هو لك، فأتاه فقال :
إنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قد وهب لى دمك فهو لك؛ قال: شيخ
كبير لا أهْلَ له ولا ولد؛ فما يصنع بالحياة! فأتى ثابت رسولَ اللّه صلَّى الله
عليه وسلَّم ، فقال: يا رسول اللّه ، أهلُه وولده، قال: هم لك ، فأتاه فقال:
إنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم قد أعطانى امرأتك وولدك فهم لك.
قال : أهلُ بيت بالحجاز لا مالَ لهم ، فما بقاؤهم! فأتى ثابتٌ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: يا رسولَ اللّه، ماله! قال: هو لك، فأتاه
فقال : إنّ رسولَ اللّه قد أعطانى مالك فهو لك، قال: أىْ ثابت! ما فعل الذى
١٤٩٦/١ كأنّ وَجْهَهُ مِرْآة صِينِيَّة تتراءى فيها (١) عذارى الحىّ؛ كعب بن أسد؟
قال : قُتل ، قال: فما فعل سيّد الحاضر والبادى؛ حُبِىّ بن أخطب ؟ قال :
قُتل ، قال: فما فعل مقدّمتُنا إذا شددْنا ، وحاميتُنا إذا كررنا؛ عزَّال بن
شمويل ؟ قال: قُتل، قال : فما فعل المجلسان - يعنى بنى كعب بن قريظة
وبنى عمرو بن قريظة - قال: ذَهَبُوا، قتلوا. قال : فإنّى أسألك بيدى
عندك يا ثابت ، إلاّ ألحقْتَنِى بالقوم ؛ فوالله ما فى العيش بعد هؤلاء من
خير ، فما أنا بصابر للّ قَبْلة دَلْو(٢) نَضَح حتى ألقى الأحبّةَ! فقدَّمه
ثابت فضرب عنقه؛ فلما بلغ أبا بكر قوله: ((ألقى الأحبة)) قال: يلقاهم والله
فى نار جهنّم خالدًا فيها مُخَلّداً أبداً . فقال ثابت بن قيس بن الشماس
فی ذلك ، یذ کر الزَّبیر بن باطا :
(١) كذا فى ابن هشام، وفى ط: ((فيه)).
(٢) فى ابن هشام: ((فتلة))، قال أبو ذر الخشى،: ((ومن رواه: ((قبلة)) بالقاف والباء
فهو بمقدار ما يقبل الرجل الدلو ليصبها فى الحوض ثم يصرفها ؛ وهذا كله لا يكون إلا عن استعجال
وسرعة )) .

سنة ٥
٥٩١
صَبُورٌ إذاما القومُ حَادُوا عن الصَّبْرِ
وَفَتْ ذِمْتِى أَنِّى كريمٌ وأننى
عَلَىَّ فلمّا شُدَّ كُوعَاهُ بِالْأَسْرِ
وكان زَبِيرٌ أَعْظَمَ النَّاسِ مِنَّةً
أتيتُ رسولَ الله كَيْمَا أَفُكَّهُ وكان رسولُ اللهِ بَجْرًا لِنا يَجْرِى
قال: وكان رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلم قد أمر بقتل مَنْ أنبت
منهم.
فحدّثنا ابنُ حُميد ، قال: حدثنا سلمة، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عن أيوب بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى صَعْصعة، أخى بنى ١٤٩٧/١
عدىّ بن النَّجار؛ أنّ سَلْمَى بنت قيس أمّ المنذر أخت سَلِيط بن قيس
- وكانت إحدى خالاتٍ رسولِ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلّم، قد صَلَّتْ معه
القبلتين، وبايعَتْه (١) بيعة النساء - سألَتْه رفاعةَ بن شمويل (٢) القرظىّ .-
وكان رجلا قد بلغ ولاذَ بها ، وكان يعرفهم قبل ذلك - فقالت: يا تىّ اللّه،
بأبى أنت وأمىّ! هبْ لى رفاعةَ بن شمويل؛ فإنَّه قِد زعم أنه سِيُصَلِّى،
ويأكل لحم الجمل؛ فوهبه لها ؛ فاستَحْيَتْه .
قال ابن إسحاق: ثم إنّ رسول الله صلَّى اللّو عليه وسلَّم قِيسَّمَّ أموال
بنى قريظة ونساء هم وأبناء هم على المسلمين، وأعلم في ذلك اليومسُهُمْمِيَانَ
الخيل وسهمان الرجال ، وأخرج منها الخُمْس؛ فكان القارس ثلاثة أسهم؛
للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل ممَّن ليس له فرضعلمسهم ، وكانت
الخيل يوم بنى قريظة ستة وثلاثين فرسًا، وكان أوّلِ فَىْء وقع فيه التهمان
وأخرج منه الخمس، فعلى سُنَّتها وما مضى من رسول الله صلَّى اللّه عليه
وسلَّم فيها وقعت المقاسم ، ومضت السنّة فى المغازى؛ ولم يكن يُسهِم للخيل
إذا كانت مع الرجل إلاّ لفرسين .
ثم بعثَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم سعدَ بن زيد الأنصارىّ،
(١) و: ((وبايعت)).
(٢) ابن هشام: ((سمويل)).

سنة ٥
٥٩٢
أخا بنى عبد الأشهل بسبايا من سبايا بنى قُرَيظة إلى نجْد ، فابتاع له بهم
خيلا وسلاحًا، وكان رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم قد اصطفى لنفسه من
١٤٩٨/١ نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خُنافة(١) إحدى نساء بنى عمرو بن قُرَيظة،
فكانت عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ حتى توفّى عنها وهى فى مِلْكِهِ ،
وقد كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم عرض عليها أن يتزوّجها، ويضربَ
عليها الحجاب ، فقالت : يا رسولَ اللّه، بل تتركنى فى ملكك فهو أخف
علىَّ وعليك. فتركها؛ وقد كانت حين سباها رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّمَ
قد تعَصَّتْ(٢) بالإِسلام، وأبَتْ إلاّ اليهوديّة، فعزلها رسولُ الله صلّى الله
عليه وسلَّم ووجد فى نفسه لذلك من أمرها ؛ فبينا هو مع أصحابه إذْ سمع وَقْعَ
نعليْن خلفه، فقال: إنّ هذا لثعلبة بن سعية يبشرنى بإسلام ريحانة ،
فجاءَه فقال: يا رسولَ الله، قد أسلمتْ ريحانة، فسرَّه ذلك.
فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر جُرْحُ سعد بن معاذ ، وذلك أنه دعا
- كما حدثنى ابنُ وكيع، قال : حد ◌ّثنا ابن بشر ، قال : حدثنا محمد بن
عمرو؛ قال: حدّثّنى أبى ، عن علقمة ، فى خبر ذكره عن عائشة : ثم
دعا سعد بن معاذَ ـ يعنى بعد أن حكم فى بنى قريظة ما حكم - فقال: اللهم"
إنَّك قد علمت أنَّه لم يكن قوم أحبَّ إلىّ أن أقاتل أو أجاهد من قوم كذَّ بوا
رسولك . اللهمّ إن كنتَ أبقيت من حرب قريش على رسولك شيئًا فأبقنى لها ،
وإن كنتَ قد قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضنى إليك . فانفجر كَلْمُه،
١٤٩٩/١ فَرَجَعَه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيمته (٣) التى ضربت عليه فى
المسجد. قالت عائشة: فحضره رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ، وأبو بكر ،
وعمر؛ فوالَّذى نفس محمد بيده؛ إنى لأعرف بكاء أبى بكر من بكاء عمر
وإنى لفى حُجرتى. قالت: وكانوا كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿رُحَمَاءَ بَيْنَهُمْ﴾ (٤)
(١) كذا فى ابن هشام وشرح المواهب، والطبرى ٣: ٢٤٣٢؛ وفى الأصل: ((جنافة)).
(٢) تعصت ، أى عصت.
(٣) س: ((القبة)).
(٤) سورة الفتح ٢.

سنة ٥
٥٩٣
قال علقمة: أى أمَّهْ! كيف كان يصنع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟
قالت : كانت عينه لا تَدْمَعُ على أحدٍ؛ ولكنَّه كان إذا اشتدّ وَجْدُه
على أحد ، أو إذا وَجَد فإنما هو آخذٌ بلحيته .
حدّثنا ابنُ حُميد ؛ قال : حدّثنا سلَمة ، قال : حدّثنى ابنُ إسحاق،
قال : لم يُقتل من المسلمين يوم الخندق إلاّ ستة نفر، وقُتل من المشركين
ثلاثة نفر ، وقُتل يوم بنى قريظة خَلاّد بن سُويْد بن ثعلبة بن عمرو
ابن بلحارث بن الخزرج ، طُرِحَتْ عليه رحِى فشدختْهُ شدخًا شديدًا .
ومات أبو سنان بن محصن بن حُرْثان، أخو بنى أسد بن خزيمة ، ورسولُ
اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم محاصِرٌ بنى قريظةَ، فدفن فى مقبرة بنى قريظة .
ولمَّ انصرف رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم عن الخندق، قال: الآن نَغْزوهم
- يعنى قريشًا - ولا يغزوننا، فكان كذلك حتى فتح الله تعالى على رسوله
صلَّى الله عليه وسلَّم مكَّة.
وكان فتح بنى قريظة فى ذى القَعْدة أو فى صدر(١) ذى الحجة، فى قول
ابن إسحاق. وأما الواقدىّ فإنه قال: غَزَاهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
فى ذى القعدة، لليال بقين منه؛ وزعتَ أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
أمر أن يُشَقَّ لبنى قريظة فى الأرض أخاديد ثم جلس؛ فجعل علىّ والزبير
يضربان أعناقهم بين يديه ، وزعم أنّ المرأة التى قتلها النبى صلَّى الله عليه وسلّم
يومئذ كانت تسمى بُنَافَة، امرأة الحكم القرظىّ ، كانت قتلت خلاّد بن
سُوَيَد، رمتْ عليه رَحِى، فدعا له رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم ، فضرب
عنقها بخلاّد بن سويد .
١٥٠٠/١
واختلف فى وقت غزوة النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم بنى المصطلق ؛ وهى
الغزوة التى يقال لها غزوة المُرَيْسيع - والمريسيع اسم ماء من مياه خُزاعة
بناحية قديد إلى الساحل - فقال : ابن إسحاق - فيما حدّثنا ابن حميد ،
(١) ابن هشام: ((وصدر)).
(٣٧)

٥٩٤
سنة ٥
قال: حدّثنا سلمة، عنه، أنّ رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم غزا بنى
المصطلق من خُزّاعة، فى شعبان سنة ست من الهجرة .
وقال الواقدىّ: غزا رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلم المريسيع فى شعبان سنة
خمس من الهجرة . وزعم أن غزوة الخندق وغزوة بنى قريظة كانتا بعد المريسيع
لحرب بنى المصطلق من خُزّاعة .
وزعم ابنُ إسحاق- فيما حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سَلمة ،
عنه - أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم انصرف بعد فراغه من بنى قريظة؛
وذلك فى آخر ذى القعدة أو فى صدر ذى الحجّة - فأقام بالمدينة ذا الحجَّة
والمحرّم وصفراً وشهرى ربيع، وولى الحجّة فى سنة خمس المشركون .

ذكر الأحداث التى كانت فى سنة ست من الهجرة
غزوة بنی لِحیان
قال أبو جعفر: وخرج رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم فى جُمادى
الأولى على رأس ستّة أشهر من فتح بنى قريظة إلى بنى لِحيان، يطلب ١٥٠١/١
بأصحاب الرّجيع؛ خُبيب بن عدىّ وأصحابه؛ وأظهر أنه يريد الشأم ليصيب
من القوم غِرَّةً. فخرج من المدينة، فسلك على غُراب ( جبل بناحية المدينة
على طريقه إلى الشأم ) ثم على مَخِيض ، ثم على البتراء ؛ ثم صفَّق (١) ذات
اليسار ، ثم على يَيْن ، ثم على صُخَيْرات اليمام ، ثم استقام به الطريق
على المحجَّة من طريق مكة، فأغذّ السير سريعًا؛ حتى نزل على غُرَان ؛
وهى منازل بنى لحيان - وغُرَان وادٍ بين أمَج وعُسْفان - إلى بلد يقال له
ساية، فوجدهم قد حذرُوا وتمنَّعوا فى رءوس الجبال، فلمّا نزلها رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم وأخطأه من غرّتهم ما أراد، قال: لو أنَّا هبطنا عسفان
لرأى أهل مكَّةً أنَّا قد جئنا مكَّة . فخرج فى مائتى راكب من أصحابه حتى
نزل عسفان، ثم بعث فارسيْن من أصحابه ؛ حتى بلغا كُرَاع الغَمِيم ،
ثم كَرَّا وراج قافلا(٢).
حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدّثنى ابنُ إسحاق .
- قال : والحديث فى غزوة بنى لحيان - عن عاصم بن عمر بن قتادة
وعبد الله بن أبى بكر ، عن عبيد الله بن كعب .
قال ابن إسحاق: ثم قدِمِ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة ، فلم
يُقِمْ إلاّ ليالىَ قلائل حتى أغار عُيَيْنة بن حِصْن بن حذيفة بن بدر
الفزارىّ فى خيل لغطفان على لقاح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالغابة؛ ١٥٠٢/١
وفيها رجلٌ من بنى غِفَار وامرأته، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة فى اللّقاح (٣).
(١ ) صفق: عدل.
(٢) الخبر فى سيرة ابن هشام ٢: ٢١٢.
(٣) اللقاح: الإبل الحوامل ذوات الألبان.
٥٩٥

٥٩٦
سنة ٦
غزوة ذی قَرَد
حدّثنا ابنُ حُميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عن عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ومَنْ
لا أنَّهم ، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، كلٌّ قد حَدَّثَ فى غزوة ذى
قَرَد بعض الحديث، أنه أوّل من نَذِرَ (١) بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع
الأسلمىّ ، غدا يريد الغابة متوشحًا قوسه ونَبْلَه، ومعه غلام لطلحة بن
عبد الله.
#
وأما الرّواية عن سلمة بن الأكوع بهذه الغزوة من رَسُولِ اللّهِ صلَّى
الله عليه وسلّم بعد مقدَمه المدينة ، منصرفًا من مكة عام الحديبية ، فإن كان
ذلك صحيحاً ، فينبغى أن يكون ما رُوِى عن سلمة بن الأكوع كان إمَّاً
فى ذى الحجّة من سنة ستّ من الهجرة، وإمَّا فى أول سنة سبع، وذلك أنّ
انصراف رَسُول اللّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم من مكَّة إلى المدينة عام الحديبية
كان فى ذى الحجّة من سنة ستّ من الهجرة، وبين الوقت الذى وقَّتَه
ابن إسحاق لغزوة ذى قرَد والوقت الَّذِى رُوِى عن سلمة بن الأكوع
قريب من ستة أشهر. حدّثنا حديث سلمة بن الأكوع الحسنُ بن يحيى،
قال: حدثنا أبو عامر العَقَدِىّ، قال: حدثنا عِكْرمة بن عَمَّار اليمامىّ،
عن إياس بن سلمة، عن أبيه ، قال: أقبلنا مع رَسُولِ اللّه صلَّى اللّه عليه
وسلَّم إلى المدينة - يعنى بعد صلْح الحديبية - فبعث رسولُ الله صلَّى اللّه عليه
١٥٠٣/١ وسلّم بظهره (٢) مع ربتاح غلام رسول الله، وخرجتُ معه بفرس لطلحة بن عبيد الله.
فلمّا أصبحنا إذا عبد الرحمن بن عُيَيْنة قد أغار على ظَهْر رسول الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم ، فاستاقه أجمع ، وقتل راعيه . قلت : يا رَباح ؛ خذ هذا الفرس
وأبلغْه طلحة. وأخبرْ رسولَ اللّه أنّ المشركين قد أغاروا على سَرْحِه. ثم قمت
(١) نذر : علم .
(٢) الظهر : الإبل تعد الركوب أو حمل الثقل .

٥٩٧
سنة ٦
على أكتمة فاستقبلت المدينة، فناديت ثلاثة أصوات : يا صباحاه ! ثم خرجت فى
آثار القوم أرميهم بالنِّبْل، وأرتجز وأقول :: ((أنا(١) ابن الأكوع،
واليوم يوم الرضّع )) .
قال : فوالله ما زلتُ أرميهم وأعِقر بهم (٢)، فإذا رجع إلىّ فارس منهم
أتيت شجرةً وقعدت فى أصلها ، فرميتُه فعقرْت به ؛ وإذا تضايق
الجبل فدخلوا فى مُتْتَضايَقٍ (٣) علوْت الجبل، ثم أرَدّيهم بالحجارة؛ فوالله
ما زلت كذلك حتى ما خلق الله بعيراً من ظهْر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ
إلاّ جعلته وراء ظَهْرِى، وَخَلّوْا بينى وبينه وحتّى ألقوا أكثر من ثلاثين
رُمِحًا وثلاثين بُرْدةٌ (٤)، يستخفُّون (٥) بها لا يُلْقُون(٦) شيئًا إلاّ جعلت عليه
آراما (٧) حتَّى يعرفه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابه ، حتى إذا
انتهَوْا إلى متضايق من ثنيَّة (٨) وإذا هم قد أتاهم عُيَيْنة بن حِصْن بن ١٥٠٤/١
بدر مُمِدًّا، فقعدوا يَضّحَوْن(٩)، وقعدت على قَرْن(١٠) فوقهم، فنظر
(١) كذا فى صحيح مسلم، وفى ط: ((وأنا)).
(٢) فى اللسان: ((أصل العقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم ... ومنه
حديث ابن الأكوع ((وما زلت أرميهم وأعقربهم))، أى أقتل مركوبهم ؛ يقال: عقرت به ؛ إذا
قتلت مركوبه )) .
(٣) صحيح مسلم: ((فدخلوا فى تضايقه)). والتضايق: ضد الاتساع.
(٤) صحيح مسلم: ((ثم أتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بردة)).
(٥) يستخفون ، أى يطلبون بإلقائها الخفة؛ ليكونوا أقدر على الفرار .
(٦) صحيح مسلم: ((لا يطرحون)).
(٧) الآرام : الأعلام.
(٨) الثنية: العقبة والطريق فى الجبل، وفى صحيح مسلم: ((حتى أتوا متضايقا من
ثنية)) .
(٩) فى نهاية ابن الأثير: ((بينما نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أى
نتغدى ، والأصل فيه أن العرب كانوا يسيرون فى ظعنهم ، فإذا مروا ببقعة من الأرض فيها كلا وعشب
قال قائلهم : ألا ضحوا رويداً! أى ارفقوا بالإبل حتى نتضحى أى ننال من هذا المرعى ، ثم وضعت
التضحية مكان الرفق لتصل الإبل إلى المنزل وقد شبعت، ثم اتسع فيه حتى قيل لكل من أكل فى
وقت الضحى : هو يتضحى ؛ أى يأكل فى هذا الوقت ؛ كما يقال : يتغدى ويتعشى فى الغداء
والعشاء)) .
(١٠) القرن: الجبل الصغير المنقطع عن الجبل الكبير، وفى صحيح مسلم: ((وجلست على
رأس قرن )) .

٥٩٨
سنة ٦
عيينة، فقال: ما الذى أرى(١)؟ قالوا: لقينا من هذا البَرْح(٢)، لا والله
ما فارقنا هذا منذ غلّس، يرمينا حتى استنقذ(٣) كلّ شىء فى أيدينا .
قال: فليقُمْ إليه منكم أربعة. فعمَد إلىَّ أربعة (٤) منهم. فلما أمكنونى من
الكلام، قلت : أتعرفونى؟ قالوا: مَنْ أنت؟ قلت: سلمة بن الأكوع؛
والذى كرَّم وَجْهَ محمد لا أطلبُ أحداً منكم إلاّ أدركته ، ولا يطلبنى
رجل منكم فيدركنى. قال أحدهم : أنا(٥) أظنّ ، قال : فرجعوا فما برحت
مكانى ذاك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يتخلَّلون
الشجر؛ أوّلهم الأخْرَم الأسدىّ، وعلى إثْره أبو قتادة الأنصارىّ ، وعلى
إثره المقداد بن الأسود الكندىّ، فأخذت بعينان فرس الأخْرم ، [فولّوا
مدبرين] (٦)، فقلت : يا أخرم ؛ إنّ القوم قليل ، فاحذرهم لا يقتطعوك
حتى يلحقَ بنا رسولُ الله وأصحابه . فقال: يا سلمة ، إن كنتَ تؤمن
بالله واليوم الآخر، وتعلم أنّ الجنة حقّ والنار حقّ، فلا تحُلْ بينى
وبين الشهادة . قال: فحلَّيْتُه، فالتقى هو وعبد الرحمن بنُ عُيَينة ، فعقر
/١٥٠٥ الأخرم بعبد الرحمن فرسه، فطعنه عبدُ الرحمن فقتله ، وتحوّل عبد الرحمن
على فرسه ، ولحِقٍ أبو قَتّادة عبد الرحمن فطعنه وقتله، وعقَرَ عبد الرحمن
بأبى قتادة فرسه ، وتحوّل أبو قتادة على فرس الأخرم ؛ فانطلقوا هاربين .
قال سلّمة : فوالذى كَرَّم وجه محمد، التَبِعتُهم أعْدُو على رجلىّ؛
حتى ما أرى ورائى من أصحاب محمد صلَّى الله عليه وسلَّم ولا غبارهم
شيئًا .
قال : ويعدِ لُون قبل غروب الشمس إلى شِعْب فيه ماء يقال له ذو قَرَد
(١) صحيح مسلم: ((ما هذا الذى أرى؟)).
(٢) البرح : الشدة .
(٣) صحيح مسلم: ((حتى انتزع)).
(٤) صحيح مسلم: ((فصعد إلى أربعة منهم فى الجبل)) .
(٥). ط: ((إن)).
(٦) من صحيح مسلم .

٥٩٩
سنة ٦
يشربون منه وهم عِطَاش؛ فنظروا إلىّ أعدو فى آثارهم؛ فَحلَّيْتُهم (١)
فما ذاقوا منه قطرة .
قال : ويُسْندون(٢) فى ثنيّة ذى أثير (٣)، ويعطف على" واحدٌ فَأَرْشُقُه
بسهم فيقع فى نُغْض (٤) كتفه ، فقلت :
خُذْهَا وأنا ابنُ الأكوع واليومُ يومُ الرُّضَّعِ
فقال: أُكْوَعِى غُدْوَةً (٥)! قلت: نعم يا عدّو نفسه؛ (٦) وإذا
فَرَسان على الثنيَّة، فجئت بهما أقودُهما إلى رسول اللّه (٦)، ولحقنى عامر عمىّ
بعد ما أظلمت بسطيحة (٧) فيها مِذْقَة من لبن ، وسطيحة فيها ماء ،
فتوضّاتُ وصلّيت وشربت، ثمّ جئت إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو
على الماء الذى حلّيْتُهم (٨) عنه، عند ذى قتَرَد، وإذا رسولُ اللّه قد أخذ تلك
الإبل التى استنقذتُ من العدوّ، وكلّ رُمح، وكلّ بُردة ؛ وإذا بلال قد
نفّحَر ناقة من الإبل التى استنفذت من العدوّ، فهو يشوِى لرسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم من كَبِدها وَسَنامها، فقلت: يا رسولَ الله؛ خلِّنى
فْلأنتخِب (٩) مائةَ رجل من القوم، فأتَّبِعُ القوم فلا يبقى (١٠) منهم عين.
فضحك رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم حتى بدا - وَقد بانت ـ نواجذُه.
[ فى ضوء النار](١١). ثم قال: "أكنتَ فاعلا! فقلتُ: إِى والَّذى أكرمك!
١٠٠٦/١
(١) فحليتهم ، أى طردتهم وأجليتهم.
(٢) أسندوا، أى صعدوا، وفى صحيح مسلم: ((ويخرجون فيشتدون فى ثنية)).
(٣) كذا ذكر فى ط ، ولم أجد هذا الموضع فى ياقوت .
(٤) النغض: العظم الرقيق على طرف الكتف؛ سمى بذلك لكثرة تحركة.
(٥) صحيح مسلم: ((قال: يا ثكلته أمه! أكوعه بكرة!)).
(٦ - ٦) صحيح مسلم: ((قال: وأردوا فرسين على ثنية، قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم)).
(٧) السطيحة: إناء من جلود، سطح بعضها على بعض. والمذقة: قليل من لبن ممزوج بماء.
(٨) صحيح مسلم: ((حلاتهم)).
(٩) صحيح مسلم: ((فأنتخب)).
(١٠) صحيح مسلم: ((فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته)).
(١١) من صحيح مسلم .

٦٠٠
سنة ٦
فلَّما أصبحنا قال رسول اللّه إنَّهم ليُقْرَوْن(١) بأرض غَطّفان. قال،
فجاء رجلٌ من غَطَفان، فقال: نحر لهم فلان جَزورا، فلَّما كشطوا (٢)
عنها جلدها رأوْا غُبَارًا؛ فقالوا: أتِيتُمْ! (٣) فخرجوا هاربين، فلمَّا
أصبحنا قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: خير فُرْساننا اليوم أبو قتادة،
وخير رَجّالتنا سلَمَة بن الأكْوع. ثمَّ أعطانِى رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم [ سهمين] (٤) سهم الفارس، وسهْم الراجل؛ [ فجمعهما لى
جمعياً](٤)، ثم أردفنِى رسولُ الله وراءه على العضباء(٥) ؛ [ راجعين
إلى المدينة](٤). فبينما نحن نسير؛ وكان رجل من الأنصار لا يُسْبَقَ شَدًّا(٦)
فجعل يقول : ألا مِن مسابق! فقال ذاك مِرَارًا؛ فلمّا سمعته قلتُ :
أما تُكرم كريمًا ولا تهاب شريفًا! فقال: لا ؛ إلاّ أن يكون رسول الله،
فقلت: يا رسولَ الله، بأبى أنتَ وأمى! ائذَنْ لى (٧) فلأسابق الرجل! قال:
إن شئت ، قال : فطفرت(٨) فعدوتُ، فربطتُ شَرَفًا أو شرفيْن فألحق( ٨)
وأصكُّه بين كتفيْه، فقلت: سبقتك(٩) والله! فقال: إنّى أظنّ، (١٠)
فسبقته إلى المدينة ، فلم نمكث بها إلا ثلاثًا حتى خرجنا إلى خَيْبر (١١).
١٥٠٧/١
(١) يقرون : يضافون.
(٢) صحيح مسلم: ((كشفوا جلدها)).
(٣) صحيح مسلم: ((أتاكم القوم)).
(٤) من صحيح مسلم .
(٥) العضباء: لقب ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(٦) شداً، أى عدوا على الرجلين.
(٧) صحيح مسلم: ((ذرنى)).
(٨- ٨) صحيح مسلم: ((فربطت عليه شرفاً أو شرفين أستبقى لنفسى، ثم عدوت فى إثره ،
فربطت عليه شرفاً أو شرفين ؛ ثم إلى رفعت حتى ألحقه)). والشرف: ما ارتفع من الأرض، ومعنى
ربطت ، حبست نفسى عن الجرى الشديد .
(٩) صحيح مسلم: ((قد سبقت)).
(١٠) أى أظن ذلك، وفى ط: ((إن أظن)).
(١١) الخبر فى صحيح مسلم ٣: ١٤٣٣ - ١٤٤١؛ بسنده عن سلمة بن الأكوع؛ مع
اختلاف فى الرواية .
٠