Indexed OCR Text
Pages 541-560
سنة ٤ ٥٤١ يستطيعوا أن يأخذوا من لحمه شيئًا، فلمَّا خرجوا بخُبَيَب من الحرم ليقتلُوه ، قال: ذَرُونى أصَلّ ركعتيْن، فتركوه فصلَّى سجدتين، فجرت سُنَّة لمن قُتل صبْرًاً أن يصلِّىَّ ركعتين. ثم قال خُسَيَب: لولا أن يقولوا جَزِعَ لزدت، ١٤٣٦/١ وما أبالى : عَلَى أَىِّ شِقٍ كان لله مَضْرَعى(١) # ثم قال : وذلك فى ذاتِ الإله وإن يَشَأْ يُبَارِكْ على أوصالِ شِلْو مُمَّعَ(٣) اللهم أحْصِهِم (٣) عددًا، وخذهم بَدَدًا(٤). ثم خرج به أبو سِرْوَعة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف؛ قضر به فقتله(٥) . حدّثنا أبو كريب، قال: حدثنا جعفر بن عون، عن إبراهيم بن إسماعيل، قال : وأخبر نى جعفر بن عمرو بن أميّة، عن أبيه، عن جدّه، أنّ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بعثه وحدَه عَيْنًا إلى قريش، قال: فجئت إلى خشبة مُحُبَيْبٍ وأنا أتخوَّف العيون، فرَقِيتُ فيها ، فَحللْت خُبَيْبًا، فوقع إلى (١) صدره : فوالله ما أرجو إذا مِتُّ مسلماً * من أبيات ذكرها ابن هشام فى السيرة ٢: ١٧٠، بنسبتها إلى خبيب، وقال: ((وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له)) . (٢) فى ذات الإله ، أى فى طاعته وطلب رضاه . والأوصال: جمع وصل ؛ وهو العضو . وانشلو : الجسد . (٣) أحصهم، أى أهلكهم بحيث لا تبقى من عددهم أحداً . (٤) خذهم بدداً، قال ابن الأثير: ((يروى بكسر الباء؛ جمع بدة؛ وهى الحصة والنصيب ، أى اقتلهم حصصاً مقسمة لكل واحد حصته ونصيبه ، ويروى بفتح الباء ، من التبديد ؛ أى متفرقين فى القتل، واحداً بعد واحد)). (٥) نقله فى الأغانى ٤: ٢٢٧، ٢٢٨. ٥٤٢ سنة ٤ ١/ ١٤٣٧ الأرض، فانتبذتُ(١) غير بعيد، ثم التفتُّ فلم أرلخُبيب رِمّة (٢)؛ فكأنما الأرض ابتلعته ؛ فلم تذكر ◌ُحبيب رِمَّة حتى الساعة(٣). ٠ ٥ قال أبو جعفر : وأما زيد بن الدَّئِنّة ؛ فإنّ صفوان بن أميَّة بعث به - فيما حدثنا ابنُ حميد، قال: حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق - مع مولى له يقال له نِسْطاس إلى التَّنْعيم، وأخرجه من الحرم ليقتُلَه ، واجتمع إليه رَهطٌ من قريش؛ فيهم أبو سفيان بن حرب ، فقال له أبو سفيان حين قُدّمَ ليُقتل: أنشدُك الله يا زيد، أتحبّ أن محمدًا عندنا الآن مكانك نضرب عنقه، وأنَّك فى أهلك! قال: والله ما أحبّ أنّ محمّدًا الآن فى مكانه الذى هو فيه تصيبه شوكةٌ تُؤْذيه وأنا جالس فى أهلى. قال : يقول أبو سفيان : ما رأيتُ فى النَّاس أحدًا يحبّ أحدًا كحبّ أصحاب محمَّد محمّدًاً . ثم قتله نِسطاس (٤). ذكر الخبر عن عمرو بن أميّة الضَّرىّ إذ وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتل أبى سفيان بن حرب ولمَّا قُتِل من وجَّهَه النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى عضَل والقارة من أهل الرّجيع، وبلغ خبرُهم رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بعث عمرو بن أميّة الضَّمْرىّ إلى مكَّة مع رجل من الأنصار.، وأمرهما بقتل أبى سفيان بن حرب ؛ فحدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة بن الفضل ، قال: حدّثنى محمد بن إسحاق، عن جعفر بن الفضل بن الحسن بن عمرو بن أميّة ١ / ١٤٣٨ الضَّمْرىّ، عن أبيه، عن جدّه ــ يعنى عمرو بن أميّة - قال: قال عمرو بن (١) انتبذت : تنحيت . (٢) ط: ((أرمة))، وما أثبته من الأغانى. (٣) الأغانى ٤: ٢٢٨، ٢٢٩. (٤) الأثمانى ٤ : ٢٣٠. ٥٤٣ سنة ٤ أميَّة: بعثنى رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد قتل خُبيب وأصحابه، وبعث معى رجلاً من الأنصار ، فقال : ائتيا أبا سفيان بن حرب فاقتلاه ، قال : فخرجتُ أنا وصاحبى ومعى بعير لى ، وليس مع صاحبى بعير ، وبرجله علَّة . فكنت أحمله على بعيرى ؛ حتى جئنا بطن يأجج ؛ فعقلْنا بعيرنا فى فِناءِ شعْب ، فأسندنا فيه ، فقلت لصاحبى : انطلق بنا إلى دار أبى سفيان ؛ فإنى محاول قتله . فانظر ؛ فإن كانت مجاولة أو خشيت شيئًا فالحق" ببعيرك فاركبه، والحقْ بالمدينة فأتِ رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم فأخبره الخبر، وخلّ عنِّى؛ فإنى رجل عالم بالبلد ، جرىء عليه ، نجيب الساق . فلمَّا دخلنا مكنَّة ومعى مثل خافية النَّسر -يعنى خنجره(١) - قد أعددته؛ إن عانقنى (٢) إنسان قتلته به، فقال لى صاحبى : هل لك أن نبدأ فنطوفَ بالبيت أسبوعا ، ونصلّى ركعتين ؟ فقلت: أنا أعلم بأهلِ مكَّة منك؛ إنهم إذا أظلموا رشُّوا أفنيتهم ، ثم جلسوا بها ، وأنا أعرف بها من الفَرَس الأبلق. قال : فلم يزلْ بى حتَّى أتينا البيت ، فطفنا به أسبوعا ، وصلَّينا ركعتين ، ثم خرجنا فمررنا بمجلس من مجالسهم ، فعرفى رجل منهم ، فصرخ بأعلى صوته: هذا عمرو بن أميَّة! قال: فتبادرتْنَا أهلُ مكّنَّة وقالوا: تالله ما جاء بعمرو خير! والَّذى يُحلّف به ما جاءها قط إلاّ لشرّ - وكان عمرو رجلا فائكا متشيطنًا فى الجاهلية - قال : فقاموا فى طلبى وطلب صاحبى ، فقلت له : النَّجاء! هذا واللّه الَّذى كنت أحذر ؛ أمَّا الرجل فليس إليه ١٤٣٩/١ سبيل ، فانجُ بنفسك ، فخرجنا نشتدّ حتى أصعدنا فى الجبل ، فدخلنا فى غار ، فبتْنا فيه ليلَتَنا ، وأعجزناهم ، فرجعوا وقد استثرتُ دونهم بأحجار حين دخلت الغار، وقلت لصاحبى: أمهِلْنى حتى يسْكُن الطلب عنَّاً؛ فإنهم والله ليطلبُنَّا ليلتهم هذه ويومهم هذا(٣) حتى يمسُوا. قال: فوالله إنى لفيه إذْ أقبل عثمان بن مالك بن عبيد اللّه التيمىّ، يتخيّلُ(٤) بفرس له، فلم يزل يدنُو ويتخيّلُ بفرسه حتى قام علينا بباب الغار. قال: فقلت لصاحبى: هذا واللّه ابنُ مالك؛ (١) و: ((خنجراً)). (٣) و: ((غداً)). (٢) ابن الأثير: ((عاقى)). (٤) يتخيل، أى يعجب بنفسه، وفى ط: ((يختلى)). وفى ابن الاثير: ((يختل)). ٥٤٤ سنة ٤ والله لئن رآنا ليُعلمَنّ" بنا أهل مكَّة. قال: فخرجت إليه فوجأته بالخِنْجر تحت الثَّدى ، فصاح صيحة أسمع أهل مكة ، فأقبلوا إليه ، ورجعت إلى مكانى ، فدخلت فيه ، وقلت لصاحبى : مكانك! قال : واتَّبع أهلُ مكة الصوتَ يشتدّون، فوجدوه وبه رَمق، فقالوا: ويلكَ مَنْ ضربك! قال : عمرو بن أميّة: ثم مات وما أدركوا ما يستطيع أن يخبرهم بمكاننا ، فقالوا: والله لقد علمنا أنَّه لم يأت لخير، وشغلهم صاحبهم عن طلبنا ، فاحتملوه؛ ومكثنا فى الغار يومين حتى سكن عنَّاً الطلب . ثم خرجنا إلى التَّنعيم ؛ فإذا خشبةُ خُبيب ، فقال لى صاحبى: هل لك فى خُبَيّب تُنزله عن خشبته؟ ١٤٤٠/١ فقلت: أين هو؟ قال: هو ذاك حيث ترى. فقلت: نعم، فأمهلْنى وتنحَّ عنّى. قال : وحوله حرس يحرُسونه . قال عمرو بن أميّة: فقلت للأنصارىّ : إن خشيت شيئًا فخذ الطريق إلى جملك فاركبْه والحقْ برسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم، فأخبِرْه الخبر، فاشتددت إلى خشبته فاحتلتُهُ واحتملتُه على ظهرى ؛ فوالله ما مشيتُ إلاّ نحو أربعین ذراعًا حتى نذروا بى ، فطرحته؛ فما أنسى وجْبَتَه حين سقط ؛ فاشتدُّوا فى أثرِى ، فأخذت طريق الصفراء فأعْيَوْاء، فرجعوا ، وانطلق صاحبى إلى بعيره فركبه ؛ ثم أتى النبيّ صلَّى عليه وسلّم فأخبره أمرَنا ، وأقبلت أمشى ، حتى إذا أشرفْتُ على الغليل ، غليل (١) ضَجْنان، دخلت غارًا فيه، ومعى قوسى وأسهمى، فبينا أنا فيه إذْ دخل علىَّ رجل من بنى الدِّيل بن بكر ، أعورُ طويل يسوق غنمًا له ، فقال : مَن الرجل ؟ فقلت : رجل من بنى بكر ، قال : وأنا من بنى بكر ، ثم أحد بنى الدّيل . ثم اضطجع معى فيه ، فرفع عقيرته يتغنّى ويقول : ولسْتُ بمِسْلِمِ ما دمتُ حَيَّ ولستُ أَدِينُ دِينَ الْمُسْلِمِينَا فقلت : سوف تعلم! فلم يلبث الأعرابىّ أن نام وغطٌ"، فقمت إليه فقتلته أسوأ قتْلةِ قَتَلها أحدٌّ أحدًا؛ قمت إليه فجعلت سِيَةَ قوسى فى عينه الصحيحة ، ثم تحاملت عليها حتى أخرجتها من قفاه . قال: ثم أخرج مثل السَّبُع؛ وأخذت المحجَّة كأنى نسر، وكان النَّجاء حتى أخرج على بلد قد وصفه ، ثم على ركوبة ، ثم على النّقيع؛ فإذا رجلان ١٤٤١ (١) الغليل، واحد الغلان: وهى منابت الطلح، وضجنان: موضع بعينه. . " ٥٤٥ سنة ٤ من أهل مكة بعثَتْهما قريش يتحسَّسان من أمرٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفتهما فقلت : استأسرا ، فقالا : أنحن نستأسر لك ! فأربى أحدهما بسهم فأقتله ، ثم قلت للآخر : استأسِر ، فاستأسَرَ ، فأوثقته ، فقدمتُ به على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن سليمان بن وردان ، عن أبيه ، عن عمرو بن أميّة ، قال : لما قدمتُ المدينة ، مررتُ بمشيخة من الأنصار، فقالوا : هذا والله عمرو بن أميَّة، فسمع الصبيان قولهم ، فاشتدّوا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم يخبرونه، وقد شددت إبهام أسيرى بوتر قوسى، فنظر النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّم إليه فضحك حتى بدت نواجذه ، ثم سألنى فأخبرته الخبر ، فقال لى خيراً ودعا لى بخير . وفى هذه السنة تزوّج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة أمّ المساكين من بنى هلال فى شهر رمضان ، ودخل بها فيه ، وكان أصد قها اثنتى عشرة أوقية ونَشًا(١)؛ وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث ، فطلقها . ذكر خبر بئر معونة قال أبو جعفر : وفى هذه السنة - أعنى سنة أربع من الهجرة - كان من أمر السريّة التى وجَّهها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقُتلت ببئر مَعُونة. وكان سبب توجيه النبىّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ إِيَّاهم لِمَا وجَّههم له، ما حد ◌ّثنا ابنُ حمید، قال: حدثنا سلمة ، قال : وحد ٹی محمد بن إسحاق، قال: فأقام رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم بالمدينة بقيّة شوّال وذا القَعْدة وذا الحِجَّة والمحرَّم ، وولىَ تلك الحجّة المشركون. ١/ ١٤٤٢ ثم بعث أصحاب بئر معونة فى صفر على رأس أربعة أشهر من أحد ، وكان من حديثهم ما حدّثنى أبى: إسحاق بن يسار، عن المغيرة بن عبدالرحمن ابن الحارث بن هشام ، وعبد اللّه بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وغيرهمامن أهل العلم ، قالوا : قدم أبو برَاء عامر بن مالك بن جعفر ملاَ عِبُ . (١) النش: وزن نواة من ذهب؛ وقيل: هو وزن عشرين درهماً. ٥٤٦ سنة ٤ الأسنَّة - وكان سيِّد بنى عامر بن صَعْصعة - على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة ، وأهدى له هدّيّة، فأبى رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم أن يقبلها، وقال: يا أبا براء، لا أقبل هديّة مشرك، فأسْلِمْ إن أردتَ أن أقبل هديّتك. ثم عرض عليه الإسلام، وأخبره بما له فيه ، وما وعد الله المؤمنين من الثَّوَاب، وقرأ عليه القرآن فلم يسلم ولم يبعُد ، وقال: يا محمّد، إنَّ أمرك هذا الذى تدعو إليه حَسَنٌ جميل، فلو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نَجْد فدعَوْهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: إنى أخشى عليهم أهل نجد! فقال أبو بَراء: أنا لهم جارٌ ، فابعثهم فليدعُوا النَّاس إلى أمرك. فبعث رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المنذر بن عمرو أخا بنى ساعدة المُعْنِقَ (١) ليموت فى أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين؛ منهم الحارث بن الصِّمَّة ، وحرام بن مِلْحان أخو بنى عدىّ بن النّجار، وعُروة بن أسماء بن الصَّلْت السُّلَمِىّ ، ونافع ١ /١٤٤٣ ابن بُدَيْل بن ورقاء الخُزاعىّ، وعامر بن فُهَيرة مولى أبى بكر؛ فى رجال مُسَمَيْنَ من خيار المسلمين (٢). فحدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، عن حُميد الطويل ، عن أنس بن مالك، قال : بعث رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المنذرَ بن عمرو فى سبعين راكبًا ، فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهى أرض بين أرض بنى عامر وَحرّة بنى سُليم ، كِلاَ البلدين منها قريب ، وهى إلى حرّة بنى سليم أقرب - فلمّا نزلوها بعثوا حرام بن ملْحَان بكتاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطُّفَيْل ، فلمَّا أتاه لم ينظر فى كتابه ، حتى عدًا على الرجل فقتله ، ثم استصرخ عليهم بنى عامر، فأبوا أن يجيبوه إلى مادعاهم إليه، وقالوا: لن نُخْفِرَ أبا بَراء ؛ قد عقد لهم عقدًا وجواراً ، فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سُليم : عُصَيَّة ، ورِعْلًا، وذَكْوَان ؛ فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غَشُوا القوم ، فأحاطوا (١) المعنق: المسرع؛ وإنما سمى بذلك لأنه أسرع إلى الشهادة. (٢) سيرة ابن هشام ٢ : ١٧٤ ٥٤٧ سنة ٤ بهم فى رحالهم، فلمَّا رأوْهم أخذوا السيوف، ثم قاتلوهم حتى قُتلوا عن آخرهم ، إلاّ كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النَّجار، فإنهم تركوه وبه رمقٌ ، فارتُتَّ(١) من بين القتلى ، فعاش حتى قُتِل يوم الخندق . وكان فى سَرْح القوم عمرو بن أمية الضمرىّ، ورجل (٢) من الأنصار أحد بنى عمرو بن عوف ، فلم يُنْبِئِهما بمُصاب أصحابهما إلا الطَّر تحوم على العسكر ، فقالا : والله إن لهذه الطير لشأنًا ، فأقبلا لينظرا إليه ، فإذا القوم فى دمائهم ، وإذا الخيل التى أصابتهم واقفة . فقال الأنصارىّ لعمرو بن أميّة: ماذا ترى ؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلَّى الله ١٤٤٤/١ عليه وسلَّم فنخبره الخبر ، فقال الأنصارىّ : لكنَّى ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قُتِل فيه المنذر بن عمرو ، وما كنتُ لتخبرنى عنه الرجال . ثمّ قاتل القوم حتى قُتِل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرًا ، فلما أخبرهم أنَّه من مُضَر، أطلقه عامر بن الطَُّيل، وجَزَّ ناصيته ، وأعتقه عن رقبة زعم أنَّها كانت على أمّه . فخرج عمرو بن أميّة حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة ، أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه فى ظلّ هو فيه ؛ وكان مع العامريَّيْن عقدٌ من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وجوارٌ لم يعلم به عمرو بن أمية ، وقد سألهما حين نزلا: ممَّن أنتما ؟ فقالا : من بنى عامر ، فأمهلهما حتَّى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما ، وهو يرى أنَّه قد أصاب بهما ثورة (٣) من بنى عامر ، بما أصابوا من أصحاب رسولِ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلم. فلما قدم عمرو بن أميَّة على رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم أخبره الخبر، فقال رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلّم: لقد قتلتَ قتيلين لأد ينهما . ثم قال رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم: هذا عمل أبى براء؛ قد كنت لهذا كارهًا متخوّفًا . فبلغ ذلك أبا براء فشقّ عليه إخْفَارُ عامر إيَّاه، وما أصاب رسولَ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بسببه وجواره، وكان فيمنْ أصيب عامر بن فُهَيْرة(٤). ٠ (١) أرتث، أى وقع وبه جراح . (٢) قال ابن هشام: ((هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح)). (٤) سيرة ابن هشام ٢ : ١٧٤، ١٧٥ (٣) الثورة : الثأر. ٥٤٨ سنة ٤ حدّثنا ابنُ حُميد، قال : حدثنا سَكَمة ، عن محمَّد بن إسحاق ، عن هشام بن عروةَ ، عن أبيه، أنّ عامرَ بن الطُّفَيَل، كان يقول: إنّ الرجل منهم لما قتل رأيته رُفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماءَ من دونه . قالوا : هو عامر بن فهيرة (١). ١٤٤٥/١ حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، عن أحد بنى جعفر ، رجل من بنى جبّار بن سُلْمَى بن مالك ابن جعفر ، قال : كان جبَّار فيمن حَضَرها(٢) يومئذ مع عامر ، ثم أسلم بعد ذلك. قال : فكان يقول : ممَّا دعانى إلى الإسلام أنّى طعنت رجلا منهم يومئذ بالرمح بين كتفيه ، فنظرت إلى سنان الرّمح حين خرج من صدره، فسمعته يقول حين طعنته : فُرْتُ واللّه! قال : فقلت فى نفسى : ما فاز! أليس قد قتلتُ الرجل ! حتى سألت بعد ذلك عن قوله ، فقالوا : الشهادة ، قال: فقلت: فاز لعَمْرُ اللّه! فقال حسَّان بن ثابت يُحَرّضُ بنى أبى البَرَاءِ على عامر بن الطُّفيل: وأنْتُ من ذَوَائِبٍ أَهْلِ نَجْدٍ (٣) بِ أُمّ البَنِيْنَ أَمْ يَرُعَكُمْ لُخْفِرَهُ، وما خَطَأٌ كَعَمْدٍ عامِرِ بأبى بَرَاء فما أحْدَثْتَ فى الحدَ ثانٍ بَعْدِى(٤) ألا أبْلِغْ رَبِيعَةً ذا المسَاعِ وخالُك ماجِدٌ حَكَمُ بن سَعْدٍ أبوك أَبو الْحُرُوبِ أبو بَرَاء وقال كعب بن مالك فى ذلك أيضًا : لقد طارَتْ شَعَاعاً كلِّ وَجْهٍ خِفَارَةُ ما أجارَ أَبُو بَرَاءِ (١) سيرة ابن هشام ٢ : ١٧٥ (٢) أى فيمن حضر يوم بئر معونة . (٣) ديوانه ١٠٧ مع اختلاف فى ترتيب الأبيات (٤) المساعى: السعى فى طلب المجد والمكارم . سنة ٤ ٥٤٩ ١٤٤٦/١ يِنْبِ الرَدَهِ مِنْ كَتَفَىْ سَوَاءِ(١) فِثْلُ مُسَهَّبٍ وبِ أَبِهِ بَنِ أُمِّ الْبَنِينِ أَمَا سَمِعْتُمْ وتَنْوِيهَ الصَّرِيخِ بَلَى وَلَكِنْ فما صَفِرَتْ عِيَابُ بَنِي كِلاَّبٍ دُعاءَ الْمُسْتَغِيثِ مَعَ المَسَاءِ! عَرَفْتُ أنَّه صَدْقُ اللَّقَاءِ ولا القُرَطاء من ذَمِّ الْوَفاء فلا بالعَقْلِ فُزْت ولا السَّنَاءِ أَعامِرَ عَامِرَ السَّوْءاتِ قِدْماً إلى السَّوْءات تَجْرى بالعَرَاءِ! أَأَخْفَرْتَ النََِّّ وَكُنْتَ قِدْماً ولا الأسَدِىّ جارٍ أَبِ العَلَاءِ فَلَسْتَ كجارٍ جَار أبى دُوَادٍ وداءُ الغَدْرِ فَأَعْلَمْ شَرُّ داءِ ولكنْ عارُ كمْ داءِ قديمٌ فلَّما بلغ ربيعةَ بن عامر أبى البَرَاء قولُ حسَّان وقولُ كعب ، حملَ على عامر بن الطُّفَيَل فطعنه ، فشطب الرُّمْحُ عن مقتله ، فخرّ عن فرسه . فقال: هذا عمل أبى بَراء! إنْ متّ فدمى لعَمَّى ولا يُتْبَعَنَّ به ؛ وإن أعش فسأرَى رأيِى فيما أتِىَ إلى (٢) حدّثنى محمد بن مرزوق ، قال : حدّثنا عمرو بن يونس ، عن عكرمة ، قال : حدثنا إسحاق بن أبى طلحة ، قال : حدثنى أنس بن مالك فى أصحاب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم الذين أرسلهم رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم إلى أهل بئر معونة ؛ قال : لا أدرى ، أربعين أو سبعين ! وعلى ذلك الماءِ عامِرُ بن الطُّفَيَل الجعفرىّ، فخرج أولئك النَّفْر من أصحابٍ النبىّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم الذين بُعثوا؛ حتى أتوا غارًا مشرِفا على الماءِ قعدوا فيه . ثم قال بعضهم لبعض: أيُّكم يبلِّغ رسالة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أهل هذا الماءِ ؟ فقال - أراه ابن مِلْحان الأنصارى - : أنا أبلِّغ رسالة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فخرج حتى أتى حِوَاءً منهم، فاحتبى أمام البيوت ، ثم قال : يا أهلَ بئر معونة، إنِّى رسولُ رسولِ الله إليكم، ١٤٤٧/١ (١) و: ((بجنب المرو)). (٢) سيرة ابن هشام ٢ : ١٧٤، ١٧٥ ٥٥٠ سنة ٤ إنّ أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، فآمنوا بالله ورسوله . فخرج إليه من كِسْرِ البيت برمح فضرب به فى جَنْبه حتى خرج من الشِّقِّ الآخر، فقال: الله أكبر، فُرْتُ وربّ الكعبة! فاتبعوا أثره حتى أتوا أصحابه فى الغار، فقتلهم أجمعين عامِرُ بن الطُّفيل . قال إسحاق: حدّثنى أنس بن مالك أنّ اللّه عزّ وجلّ أنزل فيهم قُرْآنًا: ((بَلِّغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربَّنا، فرضِىَ عنَّاً، ورضينا عنه))، ثم نُسخت، فرفعت بعد ما قرأناه زمانًا، وأنزل الله عزّ وجلّ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءِ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرَحِينَ﴾(١) حدّثنى العبَّاس بن الوليد، قال: حدثنى أبى، قال: حدّثنا الأوزاعىّ، قال: حدثنى إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة الأنصارىّ عن أنس بن مالك ، قال: بعث رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى عامر بن الطُّفيل الكلابىّ سبعين رجلا من الأنصار. قال: فقال أميرُهم: مكانكم حتى آتيكم بخبر القوم! فلمّا جاءهم قال: أتؤمنوننِى حتى أخبر كم برسالة رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلّم؟ قالوا : نعم؛ فبينا هو عندهم؛ إذ وخَزَه رجلٌ منهم بالسِّان . قال : فقال الرّجل: فُزْتُ وربِّ الكعبة! فقتل، فقال: عامر: لا أحسبه إلاّ أنّ له أصحابًا، فاقتصّوا أثرَه حتى أتوْهم فقتلوهم، فلم يفلت منهم إلا رَجُلٌ واحِدٌ . قال أنس: فكنا نقرأ فيما نُسِخ: ((بَلِّغْوا عَنّا إخْوانَنَا أنْ قَدْ لقِينَا رَبَّنَا، فرضىَ عنا ورضينا عنه)) . ١٤٤٨/١ * ٠٠ وفى هذه السنة - أعنى السنة الرابعة من الهجرة - أجلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بنى النّضير من ديارهم . * * ذكر خبر جلاء بنى النضير قال أبو جعفر : وكان سبب ذلك ما قد ذكرنا قبل من قَتْل عمْرو بن (١) سورة آل عمران ١٧٠،١٦٩، والخبر فى التفسير ٧ : ٣٩٣. ٥٥١ سنة ٤ أميَّة الضَّمْرِىِّ الرّجُلين الذين قَتَلَهما فى منصرفه من الوجه الذى كان رسول ◌ُالله صلَّى الله عليه وسلَّم وجّهه إليه مع أصحاب بئر معونة، وكان لهمامن رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم جوارٌ وعهدٌ. وقيل إنّ عامرَ بن الطُّفيل كتب إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم: إنك قتلت رجليْن لهما منك جوارٌ وِعهدٌ؛ فابعث بِديَتِهما. فانطلق رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم إلى قُباء ، ثم مال إلى بنى النّضير مستعينًا بهم فى دِيَتِهما ، ومعه نفر من المهاجرين والأنصار ، فيهم أبو بكر وعمر وعلىّ وأسيْد بن حُضّير. فحدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، قال: خرجّ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلى بنى النَّضير ، يستعينهم فى دَيَةٍ ذَيْنِكَ القتيلين(١) من بنى عامر اللََّيْن قتل عمرو بن أمية الضَّمْرىّ، للجوار الذى كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عقده لهما؛ - كما حدثنى يزيد بنُ رُومان- وكان بين بنى النَّضِير وبين بنى عامر حِلْف وعقد؛ فلَّما أتاهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يستعينهم فى دِيَِّة ذيْنك القتيلين ؛ قالوا : نعم يا أبا القاسم ، نعينُك على ما أحببت ممَّا استعنت بنا عليه . ثم خلا بعضُهم ببعض ، فقالوا : إنّكم لن تجدوا هذا الرجل على مثل حاله هذه - ورسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ إلى جَنْب جدار (٢) من بيوتهم، قاعد - فقالوا : من رجل يعلو على هذا البيت، فيلقى عليه صخرة فيقتله بها فيريحنا منه ؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب أحدهم ؛ فقال : أنا لذلك، فصعد ليلقى عليه الصخرة - كما قال - ورسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلم فى نفر من أصحابه؛ فيهم أبو بكر وعمر وعلىّ؛ فأتى رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّمَ الخبرُ من السماء بما أراد القوم ، فقام وقال لأصحابه : لا تبرحوا حتى آتيكم، وخرج راجعًا إلى المدينة، فلمَّا استلْبث رسولَ الله صلَّى اللّه عليه وسلم أصحابُه، قاموا فى طلبه ، فلقُوا رجلاً مقبلا من المدينة، فسألوه عنه ، فقال : رأيتُه داخلا المدينة ، فأقبل أصحابُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى انتهوا إليه ، فأخبرهم الخبر بما كانت يَهُود قد أرادت ١٤٤٩/١ (١) و: ((الرجلين)). (٢) م: ((خراب)). ٥٥٢ سنة ٤ من الغدْر به، وأمر رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلم بالتهيُّؤْ لحربهم ، والسير إليهم . ثم سار بالنَّاس إليهم ؛ حتى نزل بهم ، فتحصّنوا منه فى الحصون ، فأمر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بقطع النخل والتَّحريق فيها، فنادوْه : يا محمَّد، قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على مَنْ صنعه، فما بال قطع النخل وتحريقها(١) ! قال أبو جعفر : وأما الواقدىّ ، فإنه ذكر أن بنى النَّضير لما تآمروا بما تآمروا به من إدلاء الصّخْرة على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ، نهاهم عن ١٤٥٠/١ ذلك سَلاّم بن مِشْكم وخوّفهم الحرب وقال: هو يعلم ما تريدون، فعصوْه، فصعد عمروبن جِحاش لِيُدَحْرِجَ الصخرة، وجاء النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم الخبر من السماء ، فقام كأنَّه يريد حاجة ، وانتظره أصحابه ، فأبطأ عليهم ، وجعلت يهود تقول : ما حبس أبا القاسم ، وانصرف أصحابه ؟ فقال كنانة بن صُورَيًا(٢): جاءه الخبر بما هممتم به ، قال : ولما رجع أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهوا إليه وهو جالس فى المسجد، فقالوا : يا رسول الله، انتظرناك ومضيْت، فقال: همّت يهود بقتلى، وأخبرنيه اللّه عزّ وجلّ ، ادعُوا لِى محمد بن مسلمة ، قال : فأتى محمد بن مسلمة (٣)، فقال : اذهب إلى يهود فقل لهم : اخرجوا من بلادى فلا تساكنونى وقد هممتم بما هممتم به من الغدر. قال: فجاءهم محمد بن مسلمة، فقال لهم: إنّ رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم يأمركم أن تظعنوا من بلاده ، فقالوا: يا محمَّد ، ما كنا نظنّ أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس ! فقال محمد: تغيّرت القلوب ، ومحا الإسلام العهود؛ (١) قال السهيلى: ((قال أهل التأويل: وقع فى نفوس المسلمين من هذا الكلام شىء؛ حتى أنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطْعْمْ مِنْ لِينةٍ أوْ تَرَ كَتُمُوهَا قَاْمَةً عَلَى أصُولِها .. ) الآية. (٢) م: ((من موريا)). (٣) م: ((فأتى بمحمد)). سنة ٤ ٥٥٣ فقالوا : نتحمَّل . قال : فأرسل إليهم عبدُ اللّه بن أبىّ يقول : لا تخرجوا ، فإنّ معى من العرب وممَّن انضوى إلىّ من قومى ألفيْن، فأقيموا فهم يدخلون معكم ، وقُريظة تدخل معكم . فبلغ كعب بن أسد صاحب معهد بنى قريظة فقال: لا ينقض العهدَ رجل من بنى قُرَيَظة وأنا حتىٍّ، فقال سَلاّم بن مِشْكم لحُبىّ بن أخطب: يا حُييّ اقبل هذا الذى قال محمَّد؛ فإنَّما شرُّفْنا على قومنا بأموالنا قبل أن تقبل ما هو شَرِّ منه . قال : وما هو شرٌّ منه ؟ قال : أخذ الأموال وسبْىُ الذريَّة وقتل المقاتلة، فأبى حُيَّىّ ، فأرسل جُدَىّ ابن أخطب إلى رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم: إنا لا نريم(١) دارنا فاصنع ما بدأ لك! قال: فكبَّرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وكبَّر المسلمون معه ، وقال : حاربت يهود ، وانطلق جُدَىّ إلى ابن أبىّ يستمدّه . قال: فوجدْتُه(٢) جالسًا فى نفر من أصحابه، ومنادى النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم ينادى بالسلاح، فدخل ابنه عبد الله بن عبد اللّه ابن أبىّ، وأنا عنده، فأخذ السِّلاح، ثم خرج يعدُو، قال : فأيست من معونته . قال : فأخبرت بذلك كله حُيَيًّا، فقال : هذه مكيدة من محمَّد ، فزحف إليهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فحاصرهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم خمسةَ عشريومًا؛ حتى صالحوه على أن يحقِنَ لهم دماءهم ، وله الأموالُ والحلْقة . ١٤٥١/١ فحدّثّنى محمد بن سعد ، قال : حدّثنى أبى، قال : حدّثنى عمّى ، قال : حدثنى أبى ، عن أبيه ، عن ابن عباس ، قال: حاصرهم رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم - يعنى بنى النَّضير - خمسةَ عشر يومًا حتَّى بلغ منهم كلّ مبلغ، فأعطوْه ما أراد منهم ، فصالحهم على أن يحقِن لهم دماءهم ، وأن يُخرجهم من أرضهم وأوطانهم، ويسيرهم إلى أذرِعات الشأم، وجعل لكلّ ثلاثة منهم بعيرًاً وسِقَاءً . (١) م: ((ندع)). (٢) و: ((فوجده)). ٥٥٤ سنة ٤ حدثنا ابنُ عبد الأعلى ، قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الزّهرىّ، قال: قاتلهم النبيّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم حتى صالحهم على الجلاء ، فأجلاهم إلى الشأم، على أنّ لهم ما أقلَّت الإبلُ من شىء إلا الحلْقة - والحلْقة: السِّلاح . ١ /١٤٥٢ # # # رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق ، قال : وقد كان رهطٌ من بنى عوف بن الخزرج، منهم عبد الله بن أبى بن سَلُول ووديعة ومالك بن أبى قوقل، وسويد وداعس قد بعثوا إلى بنى النَّضير: أن اثبتوا وتمنَّعوا ؛ فإنّا لن تسلمكم؛ وإن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن أخرِ جم خرجنا معكم ، فتربّصوا فلم يفعلوا ؛ وقذف الله فى قلوبهم الرُّعْبَ، فسألوا رسولَ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلم أن يُجلِيَهم، ويكفّ عن دمائهم ؛ على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم؛ إلاّ الحلْقة. ففعل. فاحتملوا من أموالهم ما استقلَّت به الإبل ، فكان الرّجل منهم يهدِم بيتَه عن نجاف(١) بابه ؛ فيضعه على ظهر بعيره ؛ فينطلق به . فخرجوا إلى خَيْبر، ومنهم مَنْ سار إلى الشأم ؛ فكان أشرافهم من سار منهم إلى خيبر سلّ م بن أبى الحُقَيَق ، وكنانة بن الربيع بن أبى الحُقيق، وحُيِىّ بن أخطب، فلما نزلوها دانَ لهم أهلها (٢). حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلَمة، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، عن عبد اللّه بن أبى بكر، أنَّه حدّث أنَّهم استقلوا بالنِّساء والأبناء والأموال، معهم الدّفوف والمزامير والقِيان يعزِفْن خلفهم ، وأنّ فيهم يومئذ لأمّ عمرو، صاحبة عُرْوة بن الورد العبسىّ؛ التى ابتاعوا منه، وكانت ١٤٥٣/١ إحدى نساء بنى غِفار (٣) بُزهاء (٤) وفَخْر، ما رُئِىَ مثله من حىّ من الناس فى (١) النجاف : العتبة التى بأعلى الباب. (٢) سيرة ابن هشام ٢: ١٧٦، ١٧٨ (٣) هى سلمى، وقال الأصمعى: اسمها ليلى بنت شعواء، وقال أبو الفرج: هى سلمى أم وهب ، امرأة من كنانة ؛ كانت ناكحة فى مزينة ، فأغار عليهم عروة بن الورد فسباها . وكنانة من غفار . وانظر الروض الأنف . (٤) الزهاء: الكبر والإعجاب . سنة ٤ ٥٥٥ زمانهم؛ وخلّوا الأموالَ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصَّة يضعها حيث يشاء، فقسَّمها رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم على المهاجرين الأولين دون الأنصار ، إلاّ أنّ سهل بن حُنيف وأبا دُجانة سِمَاك بن خَرَشَةَ، ذكرا فقرًا فأعطاهما رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلّ. ولم يسلم من بنى النَّضير إلاّ رجلان: يا مين بن عمير بن كعب ابن عمّ عمرو بن جِحاش،- وأبو سعد بن وهب ، أسلما على أموالهما فأحرزاها(١). قال أبو جعفر: واستخلف رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم إذ خرج الحرب بنى النّضير - فيما قيل - ابنَ أمّ مكتوم ، وكانت رايتُه يومئذ مع علىّ بن أبى طالب عليه السلام. ٠ وفى هذه السنة ماتَ عبدُ الله بن عثمان بن عفَّان، فى جمادى الأولى منها ، وهو ابن ستّ سنين، وصلَّى عليه رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلّم ، ونزل فى حفرته عثمان بن عفان . وفيها ولد الحسين بن علىّ عليه السلام ، لليالِ خلوْن من شعبان . [ غزوة ذَات الرقاع ] واختلِف فى التى كانت بعد غزوة النبىّ صلَّى اللّه عليه وسلم بنى النَّضير من غزواته ، فقال ابن إسحاق فى ذلك ، ما حدّثنا ابن حُميد ؛ قال : حدّثنا سَلَمَة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق ، قال : ثم أقام رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بالمدينة بعد غزوة بنى النَّضير شهرئْ ربيع، وبعض" شهر جمادى. ثمّ غزا نجدًا - يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان .- حتى (١) سيرة ابن هشام ٢ : ١٧٨. ١٤٥٤/١ ٥٥٦ سنة ٤ نزل نخْلاً، وهى غزوةُ ذات الرّقاع (١)؛ فلقىَ بها جمعًا (٢) من غَطَفان، فتقارب الناس ، ولم يكن بينهُمْ حرب ؛ وقد خاف النَّاس بعضُهم بعضًا ، حتى صلَّى رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم بالمسلمين صلاةَ الخوف، ثم انصرف بالمسلمين (٣). وأما الواقدىّ؛ فإنه زَعَمِ أنّ غزوة رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم ذات الرّقاع، كانت فى المحرّم سنة خمس من الهجرة . قال: وإنما سُمِّيَّت ذاتَ الرّقاع ؛ لأن الجبل الذى سُميت به ذات الرّقاع جبل به سواد وبياض وحمرة؛ فسميت الغزوة بذلك الجبل . قال: واستخلف رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلم فى هذه الغَزْوة على المدينة عثمان بن عفان . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سَكمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، قال: حدثنى محمد بن جعفر بن الزبير ومحمد - يعنى ابن عبدالرحمن- عن عروة بن الزُّبير، عن أبى هريرة، قال: خرجنا مع رسول اللّه صلَّى اللّه عليه وسلم إلى نجْد، حتى إذا كنَّا بذات الرقاع من نَخْل، لفىَ جمعًا من غطفان ؛ فلم يكن بيننا قتال ؛ إلاّ أن الناس قد خافُوهم، ونزلت صلاة الخوف ، فَصَدَع أصحابَه صدعين، فقامت طائفة مواجهة العدوّ ، وقامت طائفة خلْف رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فكبَّرَ رسولُ الله صلّى الله عليه وسلَّم ، فكبَّرُوا جميعًا، ثم ركع بِمَنْ خلْفه ، وسجد بهم ، فلمّا قاموا مشوا القهقرى إلى مصافّ أصحابهم ، ورجع الآخرون ، فصلُّوا لأنفسهم ركعة، ثم قاموا فصلّى بهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم ركعة ١٤٥٥/١ وجلسوا، ورجع الَّذين كانوا مواجهين العدوّ(٤)، فصلّوا الركعة الثانية، (١) قال ابن هشام: ((وإنما قيل لها غزوة ذات الرقاع؛ لأنهم رقعوا بها راياتهم. ويقال: ذات الرقاع: شجرة بذلك الموضع يقال لها ذات الرقاع)). (٢) ابن هشام: ((جمعاً عظيماً)). (٣) سيرة ابن هشام ٢: ١٨٢: ((بالناس)). (٤) س: ((مواجهى العدو)). سنة ٤ ٥٥٧ فجلسوا جميعاً، فجمعهم رسولُ اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم بالسلام، فسلّم عليهم . قال أبو جعفر : وقد اختلفت الرّواية فى صفة صلاة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هذه الصلاة ببطن نخْل اختلافًا متفاوتاً ، كرهت ذكره(١) فى هذا الموضع خشية إطالة الكتاب ، وسأذكره إن شاء الله فى كتابنا المسمّى (( بسيط القول فى أحكام شرائع الإسلام)) فى كتاب صلاة الخوف منه . وقد حدّثنا محمد بن بشّار ، قال : حدّثنا معاذ بن هشام ، قال : حدثنى أبى ، عن قتادة ، عن سليمان اليشكرىّ، أنَّه سأل جابر بن عبد الله عن إقصار الصّلاة: أىّ يوم أنزل، أو فى أىّ يوم هو ؟ فقال جابر: انطلقنا نتلقّى (٢) عير قريش آتية من الشأم؛ حتى إذا كنّا بنخْل جاء رجلٌ من القوم إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، فقال: يا محمد، قال: نعم، قال : هل تخافى ؟ قال: لا، قال: فمن يمنعُك منّى؟ قال : الله يمنعنى منك ، قال: فسلّ السيفَ ثم تهدّده وأوعده. ثم نادى بالرحيل وأخْذ السلاح. ثم نودى بالصّلاة ، فصلَّى نبىّ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلَّم بطائفة من القوم، وطائفة أخرى تحرُسهم ، فصلَّى بالذين يلُونَه ركعتين، ثم تأخَّر الَّذين يُونه على أعقابهم ، فقاموا فى مصافّ أصحابهم، ثمّ جاء الآخرون فصلّى بهم ركعتيْن، والآخرون يحرسونهم. ثم سلَّم، فكانت للنبىّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم أربع ركعات، وللقوم ركعتين ركعتين؛ فيومئذ أنزل الله عزّ وجلّ فى إقصار الصّلاة، وأمِر المؤمنون بأخْذ السلاح(٣). حدّثنا ابنُ حميد، قال : حدّثنا سَلَمة، قال : حدثنى محمد بن ١٤٥٦/١ إسحاق ، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصرىّ ، عن جابر بن عبد الله الأنْصارىّ؛ أنّ رجلاً من بنى محارب يقال له فلان بن الحارث، قال لقومه من غَطّفان ومحارب: ألاّ أقتلُ لكم محمدًا ؟ قالوا : نعم ، وكيف تقتله ؟ قال : أَفْتِكُ به؛ فأقبلَ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو جالسٌ، وسيفُ (١) كذا فى و، وفى ط: ((ذكرها)). (٢) ط: ((متلقى))، وما أثبته من التفسير (٣) الخبر فى التفسير ٩ : ١٣٢ سنة ٤ ٥٥٨ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فى حجره، فقال: يا محمّد ، انظرُ إلى سيفك هذا! قال: نعم، فأخذه فاستلّه، ثم جعل يهزّه ويهمّ به، فيكبته اللّه عزّ وجلَ". ثم قال : يا محمّد، أما تخافى؟ قال : لا ، وما أخاف منك ؟ قال: أما تخافنى وفى يدى السيف؟ قال: لا، يمنعنى اللّه منك! قال: ثم غَمَدَ السيف، فردّه إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فأنزل الله عزّ وجلّ: (يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا أَذْ كُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكمْ﴾(١) . حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، قال : حدّثنى صدقة بن يسار ، عن عَقِيل بن جابر ، عن جابر ابن عبد الله الأنصارىّ، قال: خرجنا مع رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم فى غزوة ذات الرِّقَاع من نخْل، فأصاب رجل من المسلمين امرأة من المشركين، فلَّما انصرفَ رسولُ الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم قافلا أتى زوجُها وكان غائبًا ، فلمّا أخبِر الخبر، حلَف ألاّ ينتَهِىَ حتى يُهريق فى أصحاب محمَّد دما، فخرج يتبع أثر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فنزل رسولُ اللّه صلَّى اللّه ١٤٥٧/١ عليه وسلَّمَ منزلاً، فقال: مَنْ رجل يكلؤنا ليلتنا هذه ؟ فانتدب رجلٌ من المهاجرين ورجُلٌ من الأنصار، فقالا: نحنُ يا رسولَ الله، قال : فكونا بغم الشِّعب- وكان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابُه قد نزلوا الشِّعب، من بطْن الوادى - فلمّا خرج الرجلان إلى فم الشّعب ، قال الأنصارىّ للمهاجرىّ ؛ أى الليل تحبّ أن أكفيكه؟ أوّله أو آخره ؟ قال : بل اكفنى أوّله ؛ فاضطجع المهاجرىّ فنام ، وقام الأنصارىّ يصلَّى ، وأتى زوج المرأة ، فلمّا رأى شخص الرجل عرف أنه رَبِيئَة القوم ، فرمى بسهم فوضعه فيه فنزعه ، فوضعه وثبت قائمًا يصلَّى . ثم رماه بسهم آخر ، فوضعه فيه ، فنزعه ، فوضعه وثبت قائمًا يصلِّى، ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه ، فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ، ثم أهبّ صاحبه، فقال : اجلس ، فقد أتيت(٢). (١) سورة المائدة ١١، وانظر سيرة ابن هشام ٢: ١٨٢. (٢) ابن هشام: ((أثبت)). سنة ٤ ٥٥٩ قال: فوثب المهاجرىّ، فلمَّا رآهما الرجل، عرف أنهم قد نَذِرُوا به؛ ولمَا رأى المهاجرىّ ما بالأنصارىّ من الدماء ، قال : سبحان الله! أفلا ؛ أهبَبْتنى أوّل ما رَمَاك! قال : كنتُ فى سورة أقرؤها فلم أحبّ أن أقطعها حتى أنفدها ؛ فلمّا تتابع علىّ الربىُ ركعتُ فَآذنْتُك، وإيم اللّه لولا أن أضيِّع ثغرًا أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظِهِ لقَطَعَ نفَسْى قبل أن أقطعها أو أنفدَها (١). ذكر الخبر عن غزوة السويق وهى غزوة النبيّ صلى الله عليه وسلم بَدْرًا الثانية لميعاد أبى سفيان . حدّثنا ابنُ حُميد، قال: حدّثنا سَكَمَة، عن ابن إسحاق، قال: ١٤٥٨/١ لما قَدِمَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم المدينة من غزوَة ذات الرّقاع، أقام بها بقيّة جمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجبَ ، ثم خرج فى شعبان إلى بدر لميعاد أبى سفيان حتى نزله ، فأقام عليه ثمانى ليالٍ ينتظر أبا سُفيان، وخرج أبو سُفْيان فى أهل مكَّة ، حتى نزل مَجَنَّة من ناحية مرّ الظَّهْران - وبعض الناس يقول : قد قطع عسفان - ثم بدا له الرجوع ، فقال : يا معشر قريش، إنَّه لا يصلِحكم إلاّ عامٌ خِصْب ترعوْن فيه الشجر، وتشربون فيه اللَّبن؛ وإنّ عامكم هذا عام جَدْب؛ وإنّ راجع فارجعوا . فرجع ورجع الناس، فسمَّاهم أهل مكَّة جيش السَّويق . يقولون: إنَّما خرجتم تشربون السَّويق . فأقام رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم على بدر ينتظر أبا سفيان لميعاده ، فأتاه مَخِشِىُّ بن عمرو الضَّمْرىّ، وهو والذى وادعه على بنى ضَمْرة فى غزوة وَدَّان ، فقال : يا محمد ، أجئت للقاء قريش على هذا الماء ؟ قال : نعم يا أخا بنى ضَمْرة ؛ وإن شئت مع ذلك رَدَدْنا إليك ما كان بيننا وبينك ، (١) سيرة ابن هشام ٢: ١٨٢، ١٨٣. * هى غير الغزوة التى عرفت بهذا الاسم أيضاً؛ وقد مر ذكرها فى حوادث السنة الثانية ص ٤٨٣ . ٥٦٠ سنة ٤ ثم جالدناك. حتى يحكم الله بيننا وبينك. فقال: لا والله يا محمَّد، ما لنا بذلك منك من حاجة ، وأقام رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم ينتظر أبا سفيان ؛ فمرّ به مَعْبَدُ بن أبى معبد الخُزاعىّ، وقد رأى مكان رسول الله صلَّى اللّه عليه وسلَّم وناقته تهوْىٍ (١) به فقال : وعَجَوَةٍ مِن يَثْرِبٍ كالعُنْجُدِ (٢) ٠٠,. (٢) قد نَفَرَتْ مِن رُفَقَتَىْ مَحَمَّدٍ ١٤٥٩/١ تَهْوِى على دِينٍ أبيها الأنْلَدِ(٣) قد جَعَلَتْ مَاءَ قُدَيْدٍ مَوْعِدِى * وماءَ ضَجْنان لها ضُحَى الْغَدَ(٤). # # وأما الواقدىّ ؛ فإنه ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نَدَب أصحابه لغزوة بدْر لموعد أبى سفيان الذى كان وعده الالتقاء فيه يوم أحد رأس الحوْل للقتال فى ذى القعدة . قال : وكان نُعَيم بن مسعود الأشْجَعَىّ قد اعتمر ، فقدم على قريش ، فقالوا : يا نُعيم، من أين كان وجهك ؟ قال : مِنْ يثرب ، قال : وهل رأيتَ لمحمد حركة ؟ قال : تركته على تعبئة لغزوكم ، - وذلك قبل أن يسلم نعيم - قال: فقال له أبو سفيان : يا نُعيم، إنّ هذا عام جَدْبٌ، ولا يصلحنا إلاّ عامٌ ترعى فيه الإبل الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد جاء أوان موعد محمَّد ، فالحق بالمدينة فتَبِّطْهم وأعلمهم أنَّا فى جمع كثير، ولا طاقة لهم بنا؛ فيأتى الخُلْف منهم أحبّ إلىّ من أن يأتى من قبلنا ، ولك عشر فرائض أضعها لك فى (٥) يد سُهيل بن عمرو يضمنُها . فجاء سهيل بن عمرو إليهم ، فقال نعيم لسهيل: يا أبا يزيد ، أتضمن (٦) هذه الفرائض وأنطلق إلى محمد فأثبِّطَه ؟ فقال : نعم ، فخرج نُعيم حتى قدم المدينة ، فوجد الناس يتجهّزون ، فتدسّس لهم ، وقال : ليس هذا برأى ، (١) تهوى : تسرع . (٢) العنجد : حب الزبيب. (٣) الدين هنا: الدأب والعادة . والأتلد: القديم. (٤) سيرة ابن هشام ٢ : ١٨٦. (٥) و: ((على)). (٦) م: ((تقمن)).