Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
قول الرّاهب، وَمّا كان يَرَى من إظلال الملكيْن إيّاه - وكانت خديجة
امرأةً حازمة لبيبة شريفة ؛ مع ما أراد الله بها من كرامته - فلما أخبرها
ميسرة بما أخبرَها، بعثتْ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقالت له - فيما
يزعمون - : يابن عمّ، إنى قد رغبتُ فيك لقرابتك وسطتك (١) فى قومك،
وأمانتك وحسن خُلقك وصدق حديثك . ثم عَرَضت عليه نفسها ، وكانت
خديجة يومئذ أوسطَ نساء قريش نسبًا، وأعظمهنّ(٢) شرفًا، وأكثرهُنّ مالاً؛
كلُّ قومِها كانَ حريصًا على ذلك منها لو يقدرُ عليها(٣).
فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلّم ذكر ذلك لأعمامه، فخرج
معه حمزة بن عبد المطلب عَمّه ؛ حتى دخل على خُويلد بن أسد (٤)،
فخطبها إليه فتزوّجها ، فوَلَدتْ له ولده كلهم إلاّ إبراهيم: زينب، ورقيّة ،
وأمّ كلثوم، وفاطمة، والقاسم - وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلّم ... والطّاهر
والطّيب. فأمّا القاسم والطّاهر والطّيب؛ فهلكوا فى الجاهلية، وأما بناته فكلّهنّ
أدركْن الإسلام فأسلمنَ ، وهاجرنَ معه صلى الله عليه وسلّم (٥).
حدّثنى الحارث ، قال : حدّثنا محمّد بن سعد، قال : حدّثنا محمّد
ابن عمر ، قال : حدّثنا معمَرَ وغيره ، عن ابن شهاب الزّهرىّ - وقد قال
ذلك غيرهُ من أهل البلد : إن خديجة إنما كانت استأجرتْ رسول الله صلى اللّه
١١٢٩/١
(١) السطة: مثل الوسط ؛ وهو من أوصاف المدح والتفضيل.
(٢) فى الأصول: ((وأعظمهم))؛ وما أثبته من ابن هشام.
(٣) ابن هشام: ((لو يقدر عليه))؛ وبعدها هناك: ((وهى خديجة بنت خويلد بن أسد
ابن عبد العزى بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤىّ بن غالب بن فهر . وأمها فاطمة بنت
زائدة بن الأصم بن رواحة بن حجر بن عبد بن معيص بن عامر بن لؤى بن غالب بن فهر . وأم فاطمة
هالة بنت عبد مناف بن الحارث بن عمروبن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤى بن غالب
ابن فهر . وأم هالة قلا بة بنت سعيد بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصیص بن کعب بن لؤي بن
غالب بن فهر)) .
(٤) قال السهيلى: ((وذكر غير ابن إسحاق أن خويلداً كان إذ ذاك قد هلك، وأن الذى
أنكح خديجة رضى الله عنها هو عمها عمرو بن أسد؛ قاله المبرد وطائفة معه . وقال أيضاً: إن أبا طالب
· هو الذى نهض مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو الذى خطب خطبة النكاح)).
(٥) الخبر فى سيرة ابن هشام ١ : ١٢١ - ١٢٣.

٢٨٢
عليه وسلّم ورجلاً آخر من قُريش إلى سوق حُبَاشة بتهامة ؛ وكان الذى
زَوّجها إياه خُوَيَلد، وكان التى مشتْ(١) فى ذلك مولاةٌ مولّدة من مولّدات مكّة.
قال الحارث : قال محمّد بن سعد: قال الواقدىّ: فكلّ هذا غلطٌ.
قال الواقدىّ: ويقولون أيضًا إنّ خديجة أرسلتْ إلى النبيّ صلى اللّه عليه
وسلّم تدعوه إلى نفسها - تَعْنى التزويج - وكانت امرأةً ذاتَ شرف ، وكان
كلّ قريش حريصًا على نكاحها - قد بذلوا الأموال(٢) لو طمعوا بذلك،
فدعتْ أباها فسقته خمراً حتى ثَمِل ، ونحرَتْ بقرة وخَلّقته بَخلوق، وألبسته
حُلّةً حِبْرةً، ثم أرسلتْ إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فى عمومته ، فدخلوا
عليه ، فزوّجه(٣) ، فلمّا صحا قال: ما هذا العَقير ؟ وما هذا العبير؟ وما هذا
الحبير ؟ قالت : زوجتَنى محمّد بن عبد الله، قال: ما فعلتُ أنّى أفعل هذا
وقد خطبكِ أكابرُ قريش ، فلم أفعل !
قال الواقدىّ: وهذا غلطٌ، والثَّبَت عندنا المحفوظ(٤) من حديث محمّد
ابن عبد الله بن مسلم، عن أبيه، عن محمّد بن جُبير بن مطعمٍ . ومن
حديث ابن أبى الزّناد ، عن هشام بن عُرْوة ، عن أبيه ، عن عائشة . ومن
حديث ابن أبى حبيبة ، عن داود بن الخُصَين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس ؛
١١٣٠/١ أن ◌َمّها عمرو بن أسد زوَّجها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وأنّ أباها مات
قبل الفجار (٥) .
٠ ٠ ٠
قال أبو جعفر : وكان منزل خديجة يومئذ المنزل الذى يعرف بها اليوم ،
فيقال : منزل خديجة ، فاشتراه معاوية- فيما ذكر - فجعله مسجداً يصلّى فيه
الناس، وبناه على الذى هو عليه اليوم لم يغيّر. وأمّا الحجر الذى على باب
البيت عَنْ يَسار منْ يدخل البيت فإنّ رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان
يجلس تَحته يستتر به من الرَّمْى إذا جاءه من دار أبى لتَهَب ، ودار عدِىّ
ابن حمراء الثّقِفِىِّ خَلْفَ دارِ ابن عِلْقَمة، والحجَر ذراعٌ وشبر فى ذراع .
(١) م: ((الذى مشى)).
(٣) ر: ((فزوجها)).
(٢) ح: ((لها المال)).
(٤) ابن سعد: ((المحفوظ عن أهل العلم)).
(٥) الخبر فى طبقات ابن سعد ١ : ١٣٢، ١٣٣

٢٨٣
ذكر باقى الأخبار عن الكائن من أمر رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم قبل أن ينبَّأ ، وما كان بين مولده
ءَ
ووقت نبوته من الأحداث فى بلده
قال أبو جعفر : قد ذكرنا قبلُ سببَ تزويج النبيّ صلى الله عليه وسلّم
خديجة واختلاف المختلفين فى ذلك، ووقت نكاحه صلّى الله عليه وسلّم إيّاها.
وبَعْدَ السنة التى نكحها فيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلّمْ هَدَمتْ قريش
الكعبة بعشر سنين ثم بَنّتها - وذلك فى قول ابن إسحاق ــ فى سنة خمسٍ
وثلاثين من مولد رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
وكان سبب هَدْمِهِمْ إياها فيما حدّثنا ابن حُميد ، قال : حدّثنا
سلمة ، عن ابن إسحاق ، أنّ الكعبة كانت رَضْمة (١) فوق القامة ، فأرادوا
رَفْعها وتسقيفها ؛ وذلك أنّ نفراً من قريش وغيرهم سرقوا كنز الكعبة ؛ وإنما
كان يكون فى بئر فى جوف الكعبة .
وكان أمرُ غَزالى الكعبة - فيما حُدَّثت عن هشام بن محمد، عن أبيه-أنّ
الكعبة كانت رفعت حين غرق قوم نوح ، فأمر الله إبراهيم خليلَه عليه السلام ١١٣١/١
وابنه إسماعيل أن يعيدا بناء الكعبة على أسِّها الأول، فأعادا بناءها، كما أنزِل فى
القرآن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبْنَا تَقَبَّلْ مِنَّا
إنّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمِ﴾(٢)، فلم يكن له ولاةٌ منذ زمن نوح عليه السلام؛
وهو مرفوع. ثم أمر الله عزّ وجلّ إبراهيم أن ينزل ابنهُ إسماعيل البيت، لما أراد
اللّه من كرامة مَنْ أكرمه بنبيه محمد صلّى الله عليه وسلّم، فكان إبراهيم خليل
الرحمن وابنه إسماعيل يليَان البيت بعد عَهْد نوح، ومكتّة يومئذ بلاقع؛ ومن
حَوْلِ مكة يومئذ جُرْهم والعماليق . فنكح إسماعيل عليه السلام امرأة من
(١) فى ابن هشام: ((رضما))؛ والرضم: أن تنضد الحجارة بعضها على بعض من غير ملاط.
(٢) سورة البقرة: ١٢٧.

٢٨٤
جُرْهم ؛ فقال فى ذلك عمرو بن الحارث بن مُضَاض :
وصاهَرَنا مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ وَالدّا فأبناؤُهُ مِنَّا ونَحْنُ الْأَصاحِرِ
فولِىَ البيت بعد إبراهيم إسماعيل، وبعد إسماعيل نَبْت؛ وأمُّه الجرهميّة؛
ثم مات نَبْت، ولم يكثر ولد إسماعيل، فغلبت جُرْهم على ولاية البيت ؛
فقال عمرو بن الحارث بن مُضاض :
نَطُوفُ بِذَاكَ الَبَيْتِ ، وَاَلَيْرُ ظَاهِرُ
وَكُنَّا وُلَاةَ الَبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَا بِتٍ
فكان أولَ مَنْ وَلَىَ من جُرْهُمُ البيتَ مُضاض ، ثم وليتْه بعده بنُوه
كابراً بعد كابر(١)؛ حتى بغتْ جُرُهُ بمكّة، واستحدّوا حرمتها، وأكلوا مالَ
الكعبة الذى يُهْدَى لها، وظلموا مَنْ دخل مكّة، ثم لم يتناهَوْا حتى جعل
الرجُلُ منهم إذا لم يجد مكانًا يزنى فيه يدخل الكعبة فزنى . فزعموا أنّ
أُسافا بَغَى بنائلة فى جَوْف الكعبة، فمُسخا حجَرين، وكانت مكّة
١١٣٢/١ فى الجاهلية لا ظلمَ ولا بَغْىَ فيها، ولا يستحِلُّ حرمتها مَلِكٌ إلاّ هلك مكانه
فكانت تسمى النّاسّة، وتُسَمَى بَكّة، تَبُّكَ أعناق البغايا إذا بَغَوْا فيها؛
والجبابرة .
قال: ولمّا لم تتناهَ جُرْهم عن بَغْيها، وتفرّق أولاد عمرو بن عامر من
اليمن، فانخزع(٢) بنو حارثة بن عمرو، فأوْطنوا (٣) تهامة - فسمّيت (٤) خُزاعة،
وهم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة - وأسلم ومالك ومْكان بنو أفْصَى بن حارثة،
فبعث اللّه على جُرْهِم الرّعَاف والنّمل، فأفناهم. فاجتمعت خُزاعة ليجلُوا مَنْ
بَقِىَ، ورئيسُهم عمرو بن ربيعة بن حارثة، وأمّه فُهَيرة بنت عامر بن الحارِث
ابن مُضاض، فاقتتلوا. فلمّا أحسَّ عامر بن الحارث بالهزيمة ، خرج بغزالَ
الكعبة وحجر الرّكن يلتمس التوبة ، وهو يقول:
(١) ر: ((وعن كابر)).
(٢) انخزعوا ، أى تخلفوا .
(٣) أوطن بالمكان : أقام.
(٤) ط: ((سميت)).

٢٨٥
لَا هُمَّ إِنَّ جُرْهُمَا عِبَادُكْ النَّاسِ طُرْفٌ وَهُ تِلاَدُكُ
• ◌ِهِمْ قَدِيماً عِرَتْ بِلاَدُكْ»
فلم تُقْبَل توبتُه، فألتى غزالى الكعبة وحجر الرّكن فى زمزم ، ثم دفنها
وخرج مَنْ بقى من جُرْهم إلى أرض من أرض جهينة، فجاءهم سيل أنِىٌّ فذهب
بهم ، فذلك قول أمية بن أبى الصّلت :
وَجُرْهُمٌ دَمَنُوا بِهَامَةَ فِى الدّهْرِ فَسَالَتْ بِجِمْعِهِمْ إِضَمُ(١).
١١٣٣/١
وَوَلَىَ البيت عمرو بن ربيعة . وقال بنو قصّى: بل وَليَه عمرو بن الحارث
الغُبْشَانِىّ(٢)، وهو يقول:
ونَحْنُ وَلِينا البيْتَ مِنْ بَعْدِ جُرْهُ.
وقال :
وادٍ حَرَامٌ طَيْرُهُ وَوَحْشُهُ
وقال عامر بن الحارث :
كَأَنْ لَّ ◌َكُنْ بَيْنَاَ لَحِجُونِ إلى الصِّفَا
بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا فَأبادَنَا
وقال :
لَنَعْمُرَهُ مِنْ كُلِّ باغٍ ومُلحِدٍ
نَحْنُ وُلاَتُهُ فَلَا نَفَتُهُ
أنيسٌ ولم يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ
صُرُوفُ اللَّالِ وَأُجُدُودُ الْعَوَائِرُ
أنْ تُصبِحُوا ذَاتَ يَوْمِ لَا تَسِيرونا(٣)
يأَيُّهَا النَّاسُ سِيرُوا إنَّ قَصْرَكُمُ
كُنَّا أُناسًاً كما كُنْتُمْ فَغَّرَنَا دَهْرٌ، فَأْتُمْ كَمَا كُنَّا تَكُونُونا
قَبْلَ المماتٍ وَقَضوا ما تُقَضُّونا
حُتُّوا المَطِىَّ وأرْخُوا من أَزِمَّتِهَا
١/ ١١٣٤
يقول: اعملوا لآخرتكم، وافرُغوا من حوائجكم فى الدنيا؛ فولَيَتْ خزاعة
البيتَ ؛ غير أنه كان فى قبائل مُضر ثلاث خلال : الإجازة بالحجّ للناس من
(١) معجم ما استعجم ١٦٦.
(٢) فى الأصول: ((الغسانى))؛ وانظر كتاب الاشتقاق ٤٧٩.
(٣) قصركم : نهايتكم وغايتكم.

٢٨٦
عرفة ، وكان ذلك إلى الغَوْث بن مُرّ - وهو صُوفة - فكانت إذا كانت
الإجازة قالت العرب: أجيزى صُوفة. والثانية الإفاضة من جَمْع غداة النَّحر
إلى مِنّى، فكان ذلك إلى بنى زيد بن عَدْوان؛ فكان آخر مَنْ ولِىَ ذلك
منهم أبو سَيَّارة مُمَّيْلة بن الأعزل بن خالد بن سعد بن الحارث بن وابش(١)
ابن زيد، والثالثة النَّسِىءُ للشهور الحُرُم، فكان ذلك إلى القَلَمَّس، وهو
حُذَيْفة بن فُقَيْم بن عدىّ من بنى مالك بن كنانة ، ثم بنيه حتى صار ذلك
إلى آخرهم أبى ثمامة، وهو جُنادة بن عوف بن أمية بن قَلَعَ بن حُذَيْفة .
وقام عليه الإسلام ، وقد عادت الخرُم إلى أصلها ، فأحكمها اللّه وأبطل
النسىء ؛ فلمّا كثرت معدّ تفرّقت ، فذلك قول مهلهل :
غَنِيَتْ دارُنا تِهِمَةُ فى الدَّهِ ر وفِيها بنو مَعَدٍ حُلُولاً .
وأما قريش ، فلم يفارقوا مكّة ، فلما حفر عبدُ المطلب زمزم ، وَجَدَّ
الغَزَاليْن ، غَزَالتى الكعبة اللذيْن كانت جُرْهِم دفتتْهما فيه ، فاستخرجهما؛
وكان من أمره وأمرهما ما قد ذكرت فى موضع ذلك فيما مضى من هذا الكتاب
قبل .
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . قال : وكان الذى وجد عنده الكنز
دُوَيْكًا مولّى لبنى مُلِيْح بن عمرو، من خزاعة . فقطعت قريش يدَه من
١١٣٥/١° بينهم، وكان ممن اتّهم فى ذلك الحارث بن عامر بن نوفل، وأبو إهاب(٢)
ابن عُزَيْز بن قيس بن سُوَيْد التميمىّ - وكان أخا الحارث بن عامر بن
نوفل بن عبد مناف لأمه - وأبو لتَهَب بن عبد المطلب؛ وهم الذين تزعم
قريش أنهم وضعوا كنز الكعبة حين أخذوه عند ◌ُدُوَيْك مولى بنى مُلَيْح، فلمّا
اتّهمتْهم قريش، دِلّوا على دُوَيْك، فقُطِع، ويقال: هم وضعوه عنده.
(١) ح: ((واشر))، ر: ((واسر))، والمثبت يوافق ما فى الاشتقاق ٢٦٨
(٢) « كذا ضبطه صاحب القاموس بوزن كتاب.

٢٨٧
وذكروا أنّ قريشًا حين استيقَنُوا بأنّ ذلك كان عند الحارث بن عامر
ابن نوفل بن عبد مناف، خرجوا به إلى كاهنة من كُهّان العرب، فسَجَعَتْ
عليه من كهانتها بألا يدخل مكة عشْر سنين ، بما استحلّ من حُرمة الكعبة ،
فزعموا أنّهم أخرجوه من مكّة ، فكان فيما حولتها عشرسنين؛ وكان البحر قد
رَمى بسفينة إلى جُدَّة لرجل من تجّار الروم، فتحطّمت، فأخذوا خَشَبَها
فأعدُّوه لسَّقْفِها؛ وكان بمكّة رجل قبطىٌّ نجَارٌ، فتهيّأ لهم فى أنفسهم
بعض ما يصلحها ، وكانت حيّة تخرج من بئر الكعبة التى يطرح فيها
ما يهدى لها كلّ يوم ، فتُشرف على جدار الكعبة، فكانوا يهابونها ، وذلك
أنه كان لا يدنُو منها أحدٌ إلا احزألّتْ وَكشَت (١) وفتحتْ فاها ؛ فبينا هى
يومًا تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع ، بعث الله عليها طائراً،
فاختطفها فذهب بها، فقالت قريش: إنّا لنرجُوأن يكون اللّه عَزّ وجلّ قد ١١٣٦/١
رَضِىَ ما أردْنا. عندنا عامل رقيقٌ، وعندنا خشبٌ، وقد كفانا اللّه [أمر](٢)
الحيّة. وذلك بعد الفجار بخمس عشرة سنة، ورسول الله صلّى الله عليه
وسلّم عامَئِذٍ ابن خمس وثلاثين سنة .
فلمّا أجمعوا أمرهم فى هَدْمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ
ابن عمران بن مخزوم، فتناول من الكعبة حجرًا ، فوثب من يده ؛ حتى
رجع إلى مَوْضعه ، فقال : يا معشر قريش، لا تُدخلوا فى بنيانها من كَسْبُكم
إلا طيِّبًا، ولا تُدْخِلوا فيها مَهْر بَغِىٍّ، ولا بيع ربًا، ولا مظلمة أحدٍ
من النّاس.
قال : والنّاسُ يَنحَلون هذا الكلامَ الوليد بن المغيرة(٣)؛ حدّثنا ابنُ
حميد، قال : حدّثنا سلّمة، قال : حدّثنا محمّد بن إسحاق ، عن عبد الله
ابن أبى نجيح المكىّ ، أنه حدّث عن عبد اللّه بن صفوان بن أمية بن
(١) أحزألت : انضمت خوفاً، وكشت: صوتت لاحتكاك بعض جلدها ببعض.
(٢) تكملة من ح .
.. (٣) هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم.

٢٨٨
خلف (١)، أنه رأى ابنًا لجعْدَة بن هُبَيْرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ
ابن عمران بن مخزوم يطوف بالبيت ، فسأل عنه فقيل له : هذا ابنٌّ لجَعْدة
ابن هُبيرة، فقال عند ذلك عبد الله بن صفوان جَدّ هذا - يعنى أبا وهب
الذى أخذ من الكعبة حجراً حين اجتمعت قريش لهدمها ، فوثب من يده
حتى رجع إلى موضعه ، فقال عند ذلك: يا معشر قريش، لا تُدْخِلوا فى
بنيانها من كَسْكم إلاّ طيّبًا، لا تُدْخِلوا فيها مَهْر بغىّ ، ولا بيع ربًا
ولا مظلمة أحدٍ .
وأبو وهب خال أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان شريفًا (٢).
١١٣٧/١
حدّثنا ابنُ حميد ، قال : حدّثنا سَكَمة، قال: حدّثنا محمّد بن
إسحاق، قال : ثم إنّ قُرَيَشًا تجزّأت الكعبة، فكان شِقُّ الباب لبنى
عبد مناف وزُهرة ، وكان ما بين الركن الأسود والرّكْن اليمانىّ لبنى مخزوم
وتيْم وقبائلَ من قريش، ضُمّوا إليهم، وكان ظهر الكعبة لبنى جُمَح وبنى
سَهْم(٣)، وكان شقُّ الحِجْر - وهو الحطيم - لبنى عبد الدّار بن قصىّ
ولبنى أسد بن عبد العُزّى بن قصىّ، وبنى عدىّ بن كعب .
ثم إنّ النّاس هابوا هَدْمَها وفرِقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة : أنا
(١) بعده فى ابن هشام: ((ابن وهب بن حذافة بن جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب
بن لؤى )» .
(٢) سيرة ابن هشام ١: ١٣٠، ١٣١، وفيها: وله يقول شاعر من العرب:
غَدَتْ مِنْ نَدَاهُ رَحْلُهَا غير خائبٍ
وَلَوْ بِأَبِى وَهْبٍ أَنَخْتُ مَطِيَّتِى
إِذَا حُصّلتْ أَنْسَابُها فِى الذّوائبِ
بِأَبْيَضَ مِنْ فَرْعَىْ لُؤْىّ بن غالِبٍ
تَوَسّطَ جَدّاهُ فُرُوعِ الأطايبِ
أبىٌّ لِأَخْذِ الضّيْ بِرتَاح ◌ِنَّدَى
مِنَ الخُبْزِ يَعْلُوهُنَّ مِثْلُ السّائِبِ
عَظِيمُ رَمَادِ القِدْرِ يمَلاَ حِفَانَ
(٣) فى ابن هشام: ((لبنى جمح وسهم ابنى عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤى)).

٢٨٩
أبدؤُكم فى هدمها ، فأخذ المِعْوَل ثم قام عليها، وهو يقول: اللهمّ لم تُرَعْ(١)،
اللهمّ لا نريد إلا الخير. ثم هَدَم من ناحية الرُّكْنين، فترّبص النّاس به
تلك اللّيلة، وقالوا : ننظر؛ فإن أصيبَ لم نهدمْ منها شيئًا؛ ورددْناها كما
كانت؛ وإن لم يصبه شىءٌ فقد رضيَ اللّه ما صنعنا هَدَمْنا (٢).
فأصبح الوليد من ليلته غاديًا على عمله ، فهدم والنّاس معه ؛ حتى انتهى
الهَدْم إلى الأساس، فأفضَوْا إلى حجارة خُضْرِ كأنّها أسِنَّة (٣) آخذٌ"
بعضها ببعض (٤) .
حدّثنا ابن حميد ، قال : حَدّثنا سلَمة، قال: حدثنا محمد بن ١١٣٨/١
إسحاق، عن بعض مَنْ يروِى الحديث، أنّ رجلامن قريش ممّنْ كان
يهدمها ، أدخل عَتّلةً بين حجريْن منها ، ليقلع بها أحدهما ، فلما تحرّك
الحجَر انتقضت(٥) مكة بأسْرِها، فانتهوا عند ذلك إلى الأساس(٤).
قال : ثم إنّ القبائل جمعت الحجارة لبنائها، جعلت كلّ قبيلة تجمع
على حدّتها ، ثم بنوا حتى إذا بلغ البنيان مَوْضِع الرّكن اختصموا فيه ؛
كلُّ قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى ؛ حتى تجاوزوا (٦) وتحالفوا
وتواعدوا للقتال ؛ فقرَّبت بنُو عبد الدار جَفْنة مملوءة دماً ؛ ثم تعاقدوا هم
(١) قال السهيلى: ((قولهم: اللهم لم ترع؛ هى كلمة تقال عند تسكين الروع والتأنيس
وإظهار اللين والبر فى القول ؛ ولا روع فى هذا الموطن فينفى ؛ ولكن الكلمة تقتفى إظهار قصد البر ؛
فلذلك تكلموا بها ؛ وعلى هذا يجوز التكلم بها فى الإسلام ؛ وإن كان فيها ذكر الروع الذى هو
محال فى حق البارى تعالى ؛ ولكن لما كان المقصود ما ذكرنا جاز النطق بها، ويروى أيضاً: اللهم
لم نزغ، وهو جلى لا يشكل)).
(٢) فى ابن هشام: ((فقد رضى اللّه صنعنا فهدمنا)).
(٣) ابن هشام: ((أسنمة)). قال السهيلى: ((وتشبيهها بالأسنة لا تشبه بها إلا فى الزرقة، وتشبيهها
بأسئمة الإبل أولى لعظمها )) .
(٤) سيرة ابن هشام ١ : ١٣١.
(٥) فى ابن هشام: ((تنقضت))، أى اهتزت.
(٦) تحاوزوا؛ أى انحازت كل قبيلة إلى جهة، وفى إحدى نسخ ابن هشام: ((تحاوروا))،
أى تجادلوا وكثر الكلام والحوار بينهم .
(١٩)

٢٩٠
وبنو عدىّ بن كعب على الموت ، وأدخلوا أيديهم فى ذلك الدم فى الجَفْنة ؛
فسُمُّوا لَعَقة الدم بذلك؛ فمكثت قريش أربع ليالٍ - أوخمس ليال- على ذلك.
ثم إنّهم اجتمعوا فى المسجد، فتشاوروا وتناصفوا؛ فزعم بعضُ الرّواة أنّ أبا أميّة
ابنّ المغيرة كان عامئذ أسنّ(١) قريش كلّها، قال: يا معشر قريش ؛
اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول مَنْ يدخلُ من باب هذا المسجد، يقضى
بينَكم فيه ؛ فكان أوّلَ مَنْ دخل عليهم رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم،
فلما رأوه قالوا : هذا الأمين، قد رَضَينا به ؛ هذا محمّد . فلمّا انتهى إليهم
١١٣٩/١ وأخبروه الخبر، قال: هُلمّ لى ثوبًا (٢)، فأتِىَ به. فأخذ الرّكن، فوضعه
فيه بيده ثم قال : لتأخذ كلُ قبيلة بناحيةٍ من الثّوب، ثمّ ارفعوه جميعاً ،
ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه ، وضعه بيده ، ثم بنى عليه ؛ وكانت قريش
تسمّى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قبل أن ينزل عليه الوحى الأمين(٣).
قال أبو جعفر : وكان بناءُ قريش الكعبة بعد الفِجَار بخمس عشرة
سنة ، وكان بين عام الفيل وعام الفِجَار عشرون سنة .
واختلف السَّلَف فى سنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حين نُبّى كم
كانت ؟ فقال بعضهم: نُبٌّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد ما بنتْ
قريش الكعبة بخمس سنين ؛ وبعد ما تمّت له من مولده أربعون سنة .
ذكر من قال ذلك :
حدثنى محمد بن خلف العسقلانىّ ، قال : حدّثنا آدم ، قال : حدّثنا
حمّاد بن سلمة ، قال: حَدّثنا أبو جَمْرة الضّبْعِىّ ، عن ابن عباس ،
قال: بُعِث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأربعين سنة .
(١) ر: ((أشرف)).
(٢) ح: ((هلموا إلى بثوب)).
(٣) سيرة ابن هشام ١ : ١٣١، ١٣٢

٢٩١
حدّثنا عمرو بن على وابن المثَنّى، قالا: حدّثنا يحيى بن محمّد بن قيس
قال : سمعتُ ربيعة بن أبى عبد الرحمن يذكر عن أنس بن مالك، أنّ رسولَ
اللّه صلّى الله عليه وسلّم بُعث على رأس أربعين.
حدّثنا العباس بن الوليد ، قال : أخبرنى أبى ، قال : حدثنا الأوزاعىّ ،
قال : حدثنى ربيعة بن أبى عبد الرحمن ، قال : حدثنى أنس بن مالك
أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بُعث على رأس أربعين.
حدّثنى ابنُ عبد الرحيم البرْقىّ ، قال : حدثنا عمرو بن أبى سلمة ،
عن الأوزاعىّ، قال : حدثنى ربيعة بن أبى عبد الرحمن ، قال : حدثنى ١١٤٠/١
أنس بن مالك ، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بُعث على رأس أربعين.
حدثنى أبو شُرَحْبيل الحِمْصىّ، قال : حدثنى أبو اليمان ، قال :
حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، عن يحيى بن سعيد، عن ربيعة بن أبى عبد الرحمن،
عن أنس بن مالك ، قال: أنزل على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن
أربعين .
حدّثنا ابن المثنّى، قال : حدّثنا الحجّاج بن المنهال ، قال : حدّثنا
حَمّاد، قال: حدّثنا ◌َمْرو بن دينار، عن عروة بن الزُّبَير، قال: بُعِث
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو ابن أربعين .
حدثنا ابن المثنّى، قال : حَدّثنا الحجاج ، عن حمّاد ، قال: أخبرنا
عمرو، عن يحيى بن جَعْدة، أنّ رسولَ اللّه صلّى الله عليه وسلّم قال
لفاطمة: إنّه كان يُعْرَض علىّ القرآن كلّ عام مَرّة؛ وإنه قد عُرِض علىّ
العامَ مرتين، وإنه قد خُيِّلَ إلىّ أن أجَلِى قد حضر؛ وأنّ أوّلَ أهلى
لحاقًا (١) بى أنتٍ؛ وإنه لم يُبعث نيّ إلاّ بُعِث الذى بعده بنصفٍ من عمره ،
وبعث عيسى لأربعين ، وبعثتُ لعشرين))(٢).
(١) ح: ((لحوقا)).
(٢) فى ط، وفى المقاصد الحسنة ٣٦٢ :
(( ما بعث الله نبياً إلا عاش نصف ما عاش النبى قبله))، ونقله برواية أخرى فى ص٣٧٢،
وقال : إنه موضوع .

٢٩٢
حدثنى عبيد بن محمد الورّاق ، قال : حدّثنا روْح بن عبادة ، قال :
حدّثنا هشام ، قال : حدّثنا عِكْرمة، عن ابن عباس ، قال : بُعِث رسول
الله صلّى الله عليه وسلّم لأربعين سنة، فمكَثَ بمكّة ثلاث عشرة سنة.
١١٤١/١
حدّثنا أبو كريب، قال : حدثنا أبو أسامة ومحمّد بن ميمون الزّعفرانىّ،
عن هشام بن حسّان ، عن عِكْرمة ، عن ابن عبّاس، قال: بُعِث رسول
الله صلى الله عليه وسلّم وأنزل عليه وهو ابن أربعين سنة، فمكث بمكّة ثلاث
عشرة سنة .
وقال آخرون : بل نُبِّئ حين نُبّئ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة .
* ذكر من قال ذلك :
حدّثنا أحمد بن ثابت الرازىّ، قال : حَدّثنا أحمد، قال: حَدّثنا
يحيى بن سعيد، عن هِشَام ، عن عِكْرمة، عن ابن عبّاس ، قال : أنزِل
على النبيّ صلّى الله عليه وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة .
حدّثنا ابن حُمَيَد ، قال : حدّثنا جرير ، عن يحيى بن سعيد ، عن
سعيد بن المسيّب ، قال: أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الوحىُ وهو
ابن ثلاث وأربعين سنة .
حدّثنا ابن المثنّى ، قال : حَدّثنا عبد الوهّاب، قال: حدّثنا يحيى
ابن سعيد ، قال : سمعت سعيداً - يعنى ابن المسيَّب - يقول: أنزِل على رسول
اللّه صلّى الله عليه وسلّم الوحى؛ وهو ابن ثلاث وأربعين سنة. ]

٢٩٣
ذكر اليوم الذى نُبِّئُ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم
من الشهر الذى نُبِّئ فيه وما جاء فى ذلك
قال أبو جعفر : صَحّ الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بما حدثنا
به ابن المثنّى، قال : حدّثنا محمّد بن جعفر، قال : حدّثنا شعبة ، عن
غَيْلان بن جرير ، أنه سمع عبد الله بن معبد الزّمانىّ، عن أبى قتادة
الأنصارىّ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم سئل عن صوم الاثنين، فقال:
ذلك يوم ولدتُ فیه ، ویوم بعثتُ - أو أنزل علىّ فيه ..
حدّثنا أحمد بن منصور ، قال : حدّثنا الحسن بن موسى الأشيب،
قال: حدثنا أبو هلال، قال : حَدّثنا غَيْلان بن جرير المَعْوَلِىّ قال :
حدّثنا عبد الله بن معبد الزِّمّانىّ، عن أبى قَتّادة، عن عمر رحمه الله أنه قال ١١٤٢/١
للنبىّ صلى الله عليه وسلّم: يا نبيّ اللّه، صومُ يوم الاثنين ؟ قال: ذاك يوم
وُلُدتُ فيه ، ويوم أنزلت علىّ فيه النبوّة .
حدّثنا إبراهيم بن سعيد ، قال : حدثنا موسى بن داود ، عن ابن لهيعة،
عن خالد بن أبى عمران ، عن حَنّش الصَّنْعانىّ، عن ابن عباس، قال :
ولد النبيّ صلى الله عليه وسلّم يوم الاثنين، واستنبِئُ يوم الاثنين(١).
2
قال أبو جعفر : وهذا ممَّا لا خلاف فيه بين أهل العلم .
#
واختلفوا فى أىّ الأثانين كان ذلك ؟ فقال بعضُهم : نزل القرآن على رسول
الله صلى الله عليه وسلّم لمانسِيَ عشرة خَلَتْ من رمضان.
ذ کر من قال ذلك ...
حدّثنا ابنُ حميد، قال": حَدّثنا سلَمة ، قال : حدثنى محمد بن
إسحاق ، عن الحسن بن دينار، عن أيّوب، عن أبى قُلابة عبد الله بن زيد
(١) طبقات ابن سعد ١ : ١٩٣.

٢٩٤
الجَرْمى ، أنه كان يقول - فيما بلغه وانتهى إليه من العلم : أنزل الفرقان على
رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لثمانى عشرة ليلةٌ خَلَتْ من رمضان.
وقال آخرون : بل أنزل لأربع وعشرين ليلة خلَتْ منه .
* ذكر من قال ذلك :
حدّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدّثی محمد بنإسحاق،
قال: حدثنى مَنْ لا يُتّهم(١)، عن سعيد بن أبى عروبة، عن قتادة
ابن دعامة السدُوسىّ، عن أبى الجدْد، قال: نَزَل الفرقان الأربع وعشرين
ليلة خَلَتْ من رمضان .
٠
وقال آخرون : بل نزل لسبعَ عشرة خَلتْ من شهر رمضان ؛ واستشهدوا(٢)
١١٤٣/١ لتحقيق ذلك بقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَمَا أُنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الفُرْقَان
يَوْمَ الْتَقَى اَلَجَمْعَانِ﴾(٣)؛ وذلكُ ملتقى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمشركين
يبدْر؛ وأنّ التقاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم والمشركين بيدْر كان صبيحة
سبع عشرة من رمضان .
#
قال أبو جعفر: وكانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم من قبل أن يظهرَ
له (٤) جبريل عليه السّلام برسالة الله عزّ وجل" إليه - فيما ذكر عنه - یری
ويعاين آثاراً وأسبابًا من آثار مَنْ يريد اللّه إ کرامه واختصاصه بفضله ؛
فكان مِنْ ذلك ما قد ذكرت فيما مضى من خبره عن المَلكَيْن اللذيْن
· أتياه فشقًا بطنه، واستخرجا ما فيه من الغِلّ والدَّنَس؛ وهو عند أمّه من
(١) ح: ((أتهم)).
(٢) ر، م: ((واستشهد لتحقيق قوله).
(٣) سورة الأنفال ٤١.
(٤) ح : ((عليه)).

٢٩٥
الرضاعة حليمة ، ومن ذلك أنه كان إذا مَرّ فى طريق لا يمرّ - فيما ذكر - عنه
بشجرٍ ولا حَجَر فيه إلاّ سلّم عليه .
حدّثنى الحارث بن محمّد ، قال : حدّثنا محمّد بن سعد، قال: أخبرنا
محمّد بن عمر ، قال : حدّثنا علىّ بن محمّد بن عبيد الله بن عمر بن الخطّاب،
عن منصور بن عبد الرحمن ، عن أمّه ، عن بَرّة بنت أبى تجراة ، قالت:
إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتداءه(١) بالنبوة ،
كان إذا خرج لحاجته أبْعَدَ حتى لا يرى بيتًا، ويفضى إلى الشُّعَاب وبطون
الأوْدية ، فلا يمرّ بحجرٍ ولا شجرةٍ إلاّ قالت: السّلام عليك يا رسولَ اللّه،
فكان يلتفِتُ عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحداً (١).
قال أبو جعفر : وكانت الأمم تتحدّث بمبعثه وتخبر علماء كلّ أمة
منها قومها بذلك ؛ وقد حدثنى الحارث ، قال : حدّثنا محمد بن سعد ،
قال : أخبرنا محمد بن عمر، قال : حدثنى على بن عيسى الحکمی، عن أبيه،
عن عامر بن ربيعة ، قال : سمعت زيد بن عمرو بن نُفَيَل يقول : أنا
أنتظر نبيًّا من ولد إسماعيل ، ثم من بنى عبد المطّلب ولا أرانى أدركه ؛ وأنا
أومن به وأصدقه، وأشهد أنهنىّ، فإن طالت بك مدّة فرأيته، فأقرئه مِنی السلام،
وسأخبرك ما نَعْتُه حتى لا يخفى عليك! قلت: هَمّ ، قال : هو رجل
ليس بالقصير ولا بالطويل ، ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيْه
حمرة ، وخاتم النبوّة بين كتفيْه ، واسمه أحمد ، وهذا البلد مولدُهُ ومبعثه ،
ثم يخرجه قومه منها ، ويكرّهون ما جاء به ، حتى يهاجرّ إلى يثرب فيظهرَ
أمرُه؛ فإيّاك أن تُخدَعَ عنه، فإنّى طُفْت البلادَ كُلّها أطلب (٣) دين
إبراهيم ، فكلّ من أسأل من اليهود والنّصارى والمجوس يقولون : هذا الدّين
وراءك ، وينعتونه مثل ما نعتُّه لك ؛ ويقولون : لم يبق نبيٌّ غيره(٤).
١١٤٤/١
(١) م: (( فابتدأه)).
(٢) طبقات ابن سعد ١ : ١٥٧ .
(٣) كذا فى ح، ر وطبقات ابن سعد، وفى ط: ((لطلب)).
( ٤) طبقات ابن سعد ١ : ١٦٢،١٦١.

٢٩٦
قال عامر: فلمّا أسلمتُ أخبرتُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلّم قول زيد
ابن عمرو وأقرأته منه السّلام، فردّ عليه رسولُ اللّه صلى الله عليه وسلّم؛ وترحّمَ (١)
عليه ، وقال : قد رأيتُه فى الجنّة يسحبُ ذیولا .
حدّثنا ابن حميد، قال: حَدّثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمّنْ
لا يُتّهم، عن عبد الله بن كعب مولى عثمان، أنه حدّث أنّ عمر بن الخطّاب
بينا هو جالسٌ فى الناس فى مسجد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ إذ أقبل
رجلٌ من العرب داخل(٢) المسجد ، يريد عمر - يعنى ابن الخطّاب - فلمّا
نظر إليه عمر قال : إنّ الرجلَ لعلى شِرْكِه بعد، ما فارقه - أو لقد كان
١١٤٥/١ كاهنًا فى الجاهلية - فسلم عليه الرجل، ثم جلس فقال له عمر: هل أسلمتَ؟
فقال: نعم، فقال: هلْ كنت كاهنًا فى الجاهلية؟ فقال الرجل(٣: سبحان الله!
لقد استقبلتنى٣) بأمرِما أراك قلته لأحد من رعيّتك منذ ولّيت ! فقال عمر:
اللهم غَفْرًا؛ قد كنّا فى الجاهلية على شَرّ من ذلك، نعبدُ الأصنام ،
ونعتنق الأوثان حتى أكرمنا الله بالإسلام. فقال: نعم والله يا أمير المؤمنين؛
لقد كنت كاهنًا فى الجاهلية. قال : فأخبرنا ما أعجبُ ما جاءك به
صاحبك. قال: جاءنى قبل الإسلام بشهر - أو سنة- فقال لى: ((ألم تر إلى
الجنّ وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها(٤)!)).
قال : فقال عمر عند ذلك يحدّث الناس : والله إنى لعندَ وثنٍ من أوثان الجاهلية
فى نفرٍ من قريش؛ قد ذبح له رجل من العرب عجلاً فنحن ننظرُ قَسْمَه
ليقِسم لنا منه ، إذ سمعتُ من جوف العجل صوتًا ما سمعتُ صوتًا قَطّ أنفذَ
منه ؛ وذلك قبل الإسلام بشهر أو شَيْعه(٥)، يقول: يا آل ذريح ؛
(١) كذا فى ر، م، وفى ط: ((رحم عليه)). (٢) ابن هشام: ((داخلاً)).
(٣ - ٣) ابن هشام: ((سبحان الله يا أمير المؤمنين، لقد خلت فىّ، واستقبلتنى بأمر
ما أراك قلته لأحد)).
(٤) قال ابن هشام: هذا الكلام سجع وليس بشعر. والإبلاس: الذلة. والإياس: اليأس.
والقلاص من الإبل : الفتية . والأحلاس: جمع حلس ، وهو الكساء يوضع على ظهر البعير .
(٥) كذا فى ابن هشام، قال السهيلى: ((أو شيعه، اى دونه بقليل، وشيع كل شىء ما هو
تبع له)). وفى ط: ((أو سنة))، والأجود ما أثبته عن ابن هشام.

٢٩٧
أمْرٌ نجيح، ورَجُلٌ يصيح؛ يقول: لا إله إلا اللّه (١).
حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا علىّ بن مجاهد ، عن ابن إسحاق ،
عن الزهرىّ ، عن عبد اللّه بن كعب ، مولى عثمان بن عفّان، مثله .
حدّثنا الحارث، قال: حدّثنا محمّد بن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر
قال : حدثنى محمد بن عبد الله، عن الزهرى، عن محمد بن جُبير بن مطعم،
عن أبيه، قال: كُنّا جلوسًا عند صّم ببوانة قبل أن يبعثَ رسولُ الله صلى الله ١١٤٦/١
عليه وسلّم بشهر ؛ نحرنا جَزُوراً؛ فإذا صائح يصيح من جَوْف واحدة :
اسمعوا إلى العجب! ذهب استراق الوحى، ونرمى بالشُّهُب لنبىّ بمكة اسمه أحمد،
مهاجَرَه إلى يثرب . قال : فأمسكنا ، وعجبنا ، وخرج رسول الله صلى الله
عليه وسلم (٢).
حدّثنى أحمد بن سنان القطان الواسطىّ ، قال: حدّثنا أبو معاوية قال :
حدّثنا الأعمش ، عن أبى ظَبْيان، عن ابن عبّاس ، أنّ رجلاً من بنى عامر
أتى النبيّ صلى الله عليه وسلّم، فقال: أرفى الخاتم الذى بين كتفيك؛ فإن يَكُ
بك (٣) طِبٌّ داويتُك؛ فإنى أُطبّ العرب، قال: أتحبّ أن أربَكَ آية ؟
قال : نعم ؛ ادعُ ذاك العِذْق، قال : فنظر إلى عِذْق فى نخلة ، فدعاه
فجعلَ ينْقُزُ(٤) ؛ حتى قام بين يديه ، قال : قل له فليرجِعْ ، فرجع ،
فقال العامرىّ : يا بنى عامر ، ما رأيتُ كاليوم أسحر !
*
قال أبو جعفر: والأخبار عن الدلالة على نبوته صلّى الله عليه وسلّم أكثر
من أن تحصى، ولذلك كتاب يفرد إن شاء الله .
ونرجع الآن إلى :
(١) سيرة ابن هشام ١ : ١٣٩ - ١٤٠.
(٢) طبقات ابن سعد ١ : ١٦١.
(٣) الطبّ ها هنا : السحر .
(٤) النقز : الوثب .

٢٩٨
ذكر الخبر عمّا كان من أَمرنبيّ الله صلىّ الله عليه وسلّم
عند ابتداء الله تعالى ذكره إيّاه بإِكرامه بإرسال
جبريل عليه السلام إِليه بوحيه
قال أبو جعفر : قد ذكرنا قبلُ بعضَ الأخبار الواردة عن أوّل وقت
مجىء جبريل نبينا محمّداً صلى الله عليه وسلّم بالوحْى من اللّه، وكم كان سنّ
١١٤٧/١ النبيّ صلى الله عليه وسلّم يومئذ؛ ونذكر الآن صفة ابتداء جبريل إياه بالمصير
إليه ، وظهوره له بتنزيل ربّه .
فحدثنى أحمد بن عثمان المعروف بأبى الجوزاء ، قال : حدّثنا وهب
ابن جرير، قال : حدثنا أبى، قال : سمعتُ النُّعمان بن راشد ، يحدّث عن
الزّهرىّ، عن عُرْوة، عن عائشة أنها قالت: كان أوّل ما ابتدئ به رسول
اللّه صلى الله عليه وسلّم من الوَحْى الرؤيا الصادقة، كانت تجىء مثلَ فَلَق
الصُّبْح، ثم حُبِّبَ إليه الخلاء، فكان بغار بحراء يتحنَّث فيه الليالى ذوات
العدد قبل أن يرجع إلى أهله ، ثم يرجع إلى أهله ، فيتزوّد لمثلها ؛ حتى فجأه
الحقّ، فأتاه، فقال: يا محّمد، أنتَ رسول الله! قال رسول اللّه صلى اللّه
عليه وسلّم: فجثوْتُ لركبتى وأنا قائم، ثمّ زحفتُ(١) ترجُفُ بوادٍرِى(٢)، ثمّ
دخلت على خديجة ، فقلت: زملونى ، زملونى ! حتى ذهب عنى الرَّوْعِ ،
ثم أتانى فقال: يا محمّد، أنت رسولُ الله. قال: فلقد هممت أن أطرح
نفسى من حَالِقٍ من جبل ، فتبدَّى لى حين هممت بذلك، فقال : يا محمّد ،
أنا جبريل، وأنتّ رسول اللّه. ثم قال: اقرأ، قلت: ما أقرأ ؟ قال: فأخذنى
فغتَّى ثلاث مرات، حتى بلغ منى الجهد، ثم قال: ﴿أَقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ
الَّذِى خَلَقَ)(٣) ، فقرأتُ. فأتيتُ خديجة. فقلت: لقد أشفقتُ على نفسى ، فأخبرتها
خبرِى، فقالت: أبشِرْ، فوالله لا يُخزِيكَ اللّه أبداً؛ ووالله إنّك لَتَصِلُ
(١) ر والتفسير: ((رجعت)).
(٢) ر والتفسير: ((فؤادى)).
(٣) سورة العلق ١ .

٢٩٩
الرَّحِيمِ، وتصدقُ الحديث، وتؤدّى الأمانة، وتحملُ الكَلَّ وتَقْرِى
الضّف، وتُعين على نوائب الحقّ. ثم انطلقتْ بى إلى ورقة بن نوفل بن أسد،
قالت : اسمع من ابن أخيك ، فسألى فأخبرته خبرى ، فقال: هذا الناموس ١١٤٨/١
الذى أنزل على موسى بن عمران ، ليتنى فيها جَذَعٌ ! ليتني أكون حيًّا حينَ
يخرجُك قومُك! قلت: أمُخْرِجِىَّ هم؟ قال: نعم؛ إنه لم يجئْ رجُلُ
قطُّ بما جئتَ به إلاّ عُودِىَ، ولئن أدركنى يومك أنصرك نصراً مؤزّراً(١).
ثم كان أول ما نزل علىّ من القرآن بعد (اقرأ): ﴿نّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ.
مَا أَنْتَ بِْمَةٍ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرٌ عَمْنُونٍ ، وَإِنَّكَ لَعَلَى
خُلُقٍ عَظِيمٍ. فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ﴾، ﴿﴿ يَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ. قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾
و﴿ وَالضحَى ، وَالَّلْيْلِ إِذَا سَجَى﴾(١).
حدثنى يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهْب ، قال : أخبرنى
يونس ، عن ابن شهاب ، قال : حَدَّثْنى عُرْوة، أنّ عائشة أخبرته . ثم
ذكر نحوه؛ غير أنه لم يَقُلْ: ((ثم كان أوّل ما أنزل علىّ من القرآن)).
إلى آخره .
حدّثنا محمّد بن عبد الملك بن أبى الشّوارب، قال: حدثنا عبدالواحد بن
زياد، قال: حدّثنا سليمان الشّيبانىّ، قال: حدثنا عبد الله بن شدّاد، قال: أتى
جبريلُ محمّداً صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمّد، اقرأ ؟ فقال: ما أقرأ ؟
قال : فضمه(٢)، ثمّ قال: يا محمّد، اقرأ، قال: ما أقرأ؟ قال: فضمه، ثم
قال: يا محمّد، اقرأ، قال: وما أقرأ؟ قال: ﴿اقْرَأْ بِأُسْ رَبِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ.
خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍَ﴾ حتَّى بلغ ﴿عَلَّمَ اْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) ، قال:
فجاء إلى خديجة، فقال: يا خديجة، ما أرانى إلا قد عُرِض (٣) لى، قالت:
كَلاّ والله ما كان رَبُّك يفعل ذلك بك؛ ما أتيتَ فاحشةً قطْ. قال: فأتتْ
(١) الخبر فى التفسير ٣٠: ١٦١، ١٦٢ (بولاق).
(٢) ط: ((فغمه))، وما أثبته من التفسير.
(٣) عرض لى، أى أصابنى مس من الجن. وانظر النهاية لابن الأثير ٣: ٨٣.

٣٠٠
١١٤٩/١ خديجةُ ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صادقة، إنّ زوجَك
لنبىّ، وليلقينّ من أمّتهِ شدّة، ولْن أدركتُهَ لأومِنَنّ به.
قال : ثم أبطأ عليه جبريل، فقالت له خديجة: ما أرَى رَبَّك إلاّ قد
قَلاك، قال: فأنزل الله عَزَّ وجَلّ: ﴿والضُّحَىّ وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ
رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾(١).
حدّثنا ابن حُميد، قال: حدّثنا سلمة، عن محمّد بن إسحاق ، قال :
حدّثّنى وهب بن كَيْسان مولى آل الزّبير، قال: سمعتُ عبدَ اللّه بن
الزُّبير، وهو يقول لعُبيد بن عمير بن قَتَادة الليْىّ: حدّثنا يا عُبَيْد كيف
کان بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوّة حین جاء جبريل
عليه السّلام؟ فقال عُبيد - وأنا حاضر يحدّث عبد الله بن الزُّبير ومَنْ عنده
من النّاس: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم يجاورُ فى حراء من كلِّ سنة
شهراً، وكان ذلك مما تحنّثُ(٢) به قريش فى الجاهلية - والتحنث: التبرّر-
وقال أبو طالب :
• وَرَاقٍ لِيَرْقی فی حِرَاءُ ونَازِل .(٢)
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلّم يجاورُ ذلك الشهر من كلّ سنة ، يطعم
مَنْ جاءه من المساكين، فإذا قَضَى رسول الله صلى الله عليه وسلّم جواره من
شهره ذلك، كان أوّل ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة قبل أن يدخُل
بيته ، فيطوف بها سبعًا ، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا
كان الشهر الذى أراد الله عزّ وجلّ فيه ما أراد من كرامته، من السّنة التى بعثه
فيها ؛ وذلك فى شهر رمضان، خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم إلى حِرَاء -
١١٥٠/١ كما كان يخرج الحواره - معه أهله؛ حتى إذا كانت الليلة التى أكرمه الله فيها
برسالته ورحم العباد بها ، جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله صلى الله
(١) الخبر فى التفسير ٣٠: ١٦٢ (بولاق).
(٢) ح: ((تتحنث)).
(٣) صدره فى ابن هشام :
• وثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثِيرًا مَكَانَهُ.