Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
وندم النّعمان على موت عدىّ، واحترا أعداء عدىّ على النعمان؛ وها بهم النّعمان هيبة
شديدة، فخرج النعمان فىبعض صَیْدهذات يوم ، فلقى ابنا لعدى ،يقالله زید،
فلمّا رآه عرف شبَهه ، فقال : من أنت ؟ قال : أنا زيد بن عدى بن زيد ،
فكلّمه فإذا غلام ظريف ، ففرح به فرحاً شديداً ، وقرّبه وأعطاه ، واعتذر
إليه من أمر أبيه، وجهّزه(١)، ثم كتب إلى كسرى(٢) إنّ عديًا كان ممّن أعين
به الملك فى نصحه وُلبه ، فأصابه ما لا بدّ منه ، وانقضت مدته ، وانقطع
أُكله، ولم يُصَب به أحد أشدّ من مصيبتى؛ وأما الملك فلم يكن ليفقد
رجلاً إلاّ جعل الله له منه خلفًا، لما عظم الله له من ملكه وشأنه، وقد أدرك
له ابن ليس دونه ، وقد سرّحتُه إلى الملك ، فإن رأى الملك أن يجعله مكان
أبيه ، فلْيفعل .
فلما قدم الغلام علی کسری جعله مكان أبيه، وصرف عمّه إلى عمل آخر،
فكان هو الذى يلى ما كَتّب به إلى أرض العرب ، وخاصّة الملك. وكانت له
من العرب وظيفة موظّفة فى كلّسنة : مُهران أشقران والكَمْأة الرطبة فى حينها
واليابسة، والأقط والأُدْم وسائر تجارات العرب، فكان زيد بنعدى بن زيد
یلی ذلك ، وكان هذا عمل عدىّ .
فلما وقع عند الملك بهذا الموقع ، سأله كسرى عن النّعمان ، فأحسن عليه
الثناء ، فمكث سنوات بمنزلة أبيه، وأعجب به كسرى ، وكان يُكثر الدخول ١٠٢٥/١
عليه ، وكانت لملوك الأعاجم صفة من النساء مكتوبة عندهم ، فكانوا يبعثون
فى تلك الأرضين بتلك الصفة، [فإذا وجدت حملت إلى الملك](٣) غير (٤) أنهم
لم يكونوا يتناولون أرض العرب بشىء من ذلك ، ولا يريدونه . فبدأ الملك فی
طلب النساء فکتب بتلك الصفة ٤). ثم دخل على کسریفکلمه فیما دخل فيه،
(١) جهزه: أعد له معدات السفر.
(٢) ح: ((وانقضى))، والأغانى: ((وانقطعت مدته وانقضى أجله)).
(٣) تكملة من رواية الأغانى .
(٤ - ٤) رواية الأغانى: ((غير أنهم لم يكونوا يطلبونها فى أرض العرب ولا يظنونها عندهم.
ثم إنه بدا للملك فى طلب تلك الصفة، وأمر فكتب بها إلى النواحى)).

٢٠٢
ثم قال : إنّى رأيت الملك كتب فى نسوة يُطلَبن له ، فقرأت الصفة ، وقد كنت
بآل المنذر عالمًا ، وعند عبدك النعمان من بناته وبنات عمّه وأهله أكثر من
عشرين امرأة على هذه الصفة. قال : فتكتب فيهنّ. قال : أيّها الملك؛ إن
شرّ شىء فى العرب وفى النعمان [خاصّة](١) أنهم يتكرّمون - زعموا فى أنفسهم-
عن العجم، فأنا أكره أن يغيّبتهنّ [عمّن تبعث إليه، أو يعرض عليه غيرهُنّ](١)؛
وإن قدمتُ أنا عليه لم يقدر أن يغيّهنّ، فابعثنى وابعث معى رجلا من حَرَسك(٢)
يفقه العربية، [حتى أبلغ ما تحبّه](١). فبعث معه رجلاً جليداً (٣)، فخرج به
زيد ، فجعل يكرم ذلك الرجل ويُلْطِفِه حتى بلغ الحيرة .
فلما دخل عليه أعظم الملك ، وقال : إنه قد احتاج إلى نساء لأهله وولده،
وأراد كرامتك [بصهره](١)، فبعث إليك. فقال: وما هؤلاء النسوة؟ فقال: هذه
صفتھنّ قد جئنا بها .
وكانت الصفةُ أنّ المنذر الأكبر أهدى إلى أنوشروان جارية ، كان
أصابها إذْ أغار على الحارث الأكبر الغسانى بن أبى شمير، فكتب إلى أنوشروان
١٠٢٦/١ يصفها(٤) له، [وقال: إنى قدوجهت إلى الملك جارية](١) معتدلة الخلق، نَقيّة اللون
والثَّغْر، بيضاء، قمراء، وطفاء(٥)، [كحلاء](١) دعجاء(٦)، حوراء(٧)، عيناء(٨)،
قنواء(٩)، شماء(١٠)، زجّاء (١١)، برجاء، (١٢) أسيلة الحدّ، (١٣) شهيّة القدّ"(١٤)،
(١) تكملة من رواية الأغانى.
(٢) الأغانى: ((من ثقاتك)).
(٣) الأغانى: ((جلدا فهما)).
(٤) الأغانى: ((بصفتها)).
(٥) الوطفاء : غزيرة الإهاب وشعر الحاجبين.
(٦) الدعجاء : شديدة سواد العين مع شدة بياض البياض.
(٧) الحور : اسوداد العين كلها مثل الظباء، ولا يكون فى بنى آدم إلا على الاستعارة.
(٨) العين: سعة العين.
(٩) القنواء، من القنا، وهو ارتفاع فى أعلى الأنف واحديداب فى وسطه وسبوغ فى طرفه.
(١٠) الشم فى الأنف : ارتفاع القصبة وحسنها .
(١١) الزجاء : دقيقة الحاجبين فى طول.
(١٢) البرجاء : الجميلة الحسنة .
(١٣) الحد الأسيل : الطويل المسترسل الأملس.
(١٤) الأغانى: ((شهية المقبل)).

٢٠٣
جَثْلَة الشعْر (١)، عظيمةَ الهامة، بعيدةَ مهْوَى القرْط، عيطاء(٢)،
عريضةَ الصَّدْر، كاعبَ الشَّدْى، ضخْمةَ مُشاشة المنْكِب(٣) والعَضُد،
حسنةَ المِعْصِم، لطيفةَ الكفّ، سَبْطةَ البنان، لطيفةَ طَىّ البَطْن، (٤)
خميصةَ الخَصْر، غَرْنَى الوشاح(٥)، رَدَاحَ (٦) القبُل، رابية الكفَل، لَفَّاء
الفَخذبن (٧)، ربّا الروادف، ضَخْمةَ المأكِمَتَيْن(٨)، عَظيمةَ الرُّكْبة
مُفْعَمَة الساق (٩)، مُشْبَعة الخلخال (١٠)، لطيفة الكتَعْب والقَدّم،
قَطوفَ المَشْى(١١)، مكْالَ الضُّحَى (١٢)، بَضّةَ المتجرّد(١٣)، سموعًا
للسّيّد، ليست بخنْساء (١٤)، ولا سعفاء(١٥)، ذليلة الأنف(١٦)، عزيزة النَّفَر،
لم تُغْذَ فى بؤس، حَيِيّة رزينة، حليمةً ركينةً، كريمةَ الحال، تقتصر
بنَسَبِ أبيها دون فصيلتها ، وبفصيلتها دون جماع قبيلتها ، قد أحكمتْها
الأمور فى الأدب ، فرأيها رأى أهل الشَّرَف، وَعَمَلُها عَمَلُ أهل الحاجة ،
(١) الجثلة : كثيفة الشعر سوداؤه .
(٢) العيطاء : الطويلة العنق .
(٣) المشاشة: رأس العظم.
(٤) الأغانى: ((ضامرة البطن)).
(٥) غرنى الوشاح : دقيقة الخصر.
(٦) الرداح: العجزاء الثقيلة الأوراك التامة الخلق. والقبل: ما استقبلك من مشرف.
(٧) اللفاء : الضخمة الفخذين المكتنزتهما.
(٨) المأكتان : اللحمتان اللتان على رءوس الوركين.
(٩) مفعمة الساق : ممتلئتها .
(١٠) مشبعة الخلخال: كناية عن سمن الساقين.
(١١) القطوف، من القطاف؛ وهو تقارب الخطو.
(١٢) المكسال: المرأة لا تكاد تبرح مجلسها؛ وهو ملح لها عندهم؛ كقولهم: ((نثوم
الضحى )» .
(١٣) البضة : الناعمة.
(١٤) الخنساء، من الخنس وهو تأخر الأنف إلى الرأس وارتفاعه عن الشفة، ليس بطويل
ولا مشرف .
(٦٥) السفعاء ، من السفع وهو السواد
(١٦) الأغانى: ((رقيقة الأنف)).

٢٠٤
صناع الكَفيْن، قطيعةَ اللسان (١)، رَهْوَة الصَّوْت(٢)، تزين البيت"(٢))
وتشينُ العَدُوّ، إن أردَتَها اشْتَهَتْ، وإن تركْتها انتَهَتْ، تُحمِلق
عيناها ، وتحمرُ وجنتاها ، وتذبذب شفتاها، وتباد رك الوثبة، [ ولا تجلس إلا
بأمرك إذا جلست](٣) .
فقبلتها كسرى، وأمر بإثبات هذه الصفة فى دواوينه ؛ فلم يزالوا يتوارثونها
حتى أفضى ذلك إلى كسرى بن هرمز ، فقرأ عليه زيد هذه الصفة، فشقّ(٤)
عليه ، فقال لزيد - والرسول يسمع : أما (٥ فى عِين السّواد وفارس ما تبلغون
١٠٢٧/١ حاجتكم! فقال الرسول لزيد: ما العين؟ قال: البقر، فقال زيد للنعمان: إنما أراد
كرامتك؛ ولو علم أن هذا يشقّ عليك لم يكتب إليك به(٥).
فأنزلهما يومين ، ثم كتب إلى كسرى : إنّ الذى طلب الملك ليس عندى،
وقال لزيد : اعذرنى عنده ، فلما رجع إلى كسرى ، قال زيد للرسول الذى جاء
معه : اصدُق الملك الذى سمعت (٦) منه، فإنى سأحدثه بحديثك ولا أخالفك
فيه . فلما دخلا على كسرى ، قال زيد : هذا كتابه ، فقرأه عليه، فقالله
كسرى : فأين الذى كنت خبرتى [به](٧)؟قال: قد كنت أخبرتُك بضَنّهم
بنسائهم على غيرهم ، وأنّ ذلك من شقائهم واختيارهم الجوع والعُرى على الشبع
والرّياش ، واختيارهم السَّموم والرياح على طِيب أرضك هذه، حتى إنّهم
ليسمونها السجن؛ فسل هذا الرسول [الذى كان](٧) معى عن الذى قال، (٨فإنّ أكرم
الملك عن الذى قال وردّ عليه أن أقوله٨)، فقال للرسول : وما قال ؟ قال :
أيها الملك ، أما فى بقر السواد [وفارس](٧) ما يكفيه حتى يطلب ما عندنا !
(١) قطيعة اللسان، أى ليست سليطة.
(٢) رهوة الصوت : رقيقته سهلته .
(٢) الأغانى : الولى
(٣) من رواية الأغانى .
(٤) الأغانى: ((فشقت عليه)).
(٥ - ٥) رواية الأغانى: ((أما فى مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته! فقال:
الرسول لزيد بالفارسية : ما المها والعين ؟ فقال له بالفارسية : كاوان، أى البقر ، فأمسك الرسول
وقال زيد النعمان: إنما أراد الملك كرامتك، ولو علم أن هذا يشق عليك لم يكتب إليك به)).
(٧) من الأغانى
(٦) الأغانى: ((عما سمعت)).
(٨ - ٨) الأغانى: ((فإنى أكرم الملك عن مشافهته بما قال وأجاب به)).

٢٠٥
فعرف الغضب فى وجهه ، ووقع فى قلبه منه ما وقع ، ولكنه قد قال (١): رُبّ
عبد قد أراد ما هو أشدّ من هذا، فيصير أمره إلى التّباب.
وشاع هذا الكلام ، فبلغ النعمان (٢)، وسكت كسرى على ذلك أشهراً ،
وجعل النّعمان يستعدّ ويتوقع؛ حتى أتاه كتابُه: أن أقبِل فإنّ للملك إليك
حاجة ؛ فانطلق حين أتاه كتابُه فحمل سلاحه، وما قوىّ عليه، ثم لحق بجبلى
طيّئْ . وكانت فرعة ابنة سعد بن حارثة بن لأم عنده ، وقد ولدت له رجلاً
وامرأة ، وكانت أيضًا عنده زينب ابنة أوس بن حارثة ، فأراد النعمان طيّئًا
على أن يُدخلوه [ بين الجبلين] (٣) ويمنعوه. فأبوا ذلك عليه، وقالوا: لولا صهرك
لقاتلناك، فإنّه لاحاجة لنا فى معاداة كسرى، [ولا طاقة لنا به](٣). فأقبل [ يطوف
على قبائل العرب ] (٣) ليس أحد من الناس يقبله، غير أنّ بنى رواحة بن سعد (٤)
من بنى عبس قالوا : إن شئت قاتلنا معك- لمنّة كانت له عندهم فى أمر مروان
القَرَظ (٥) - فقال: لا أحبّ أن أهلِكَكُم، فإنه لا طاقة لكم بكسری ..
١٠٢٨/١
فأقبل حتى نزل بذى قار فى بنى شيبان سرًّا ، فلقى هانئ بن مسعود
ابن عامر بن عمرو بن أبى ربيعة بن ◌ُذُهْل بن شيْبان ، وكان سّيداً منيعًا ،
والبيت يومئذ من ربيعة فى آل ذى الجَدّين ، لقيس بن مسعود بن قيس بن
خالد بن ذى الجدّين. وكان كسرى قد أطعم قيس بن مسعود الأبُلّة ، فكره
النعمان أن يدفع إليه أهله لذلك ، وعلم أن هانئًا مانعه مما يمنع منه نفسه .
وتوجيه النعمان إلى كسرى، فلتى زيد بن عدىّ على قنطرة سَاباط ، فقال:
انجُ نعَيْ، [إن استطعت النّجاء](٣)، فقال: أنت يا زيد فعلت هذا(٦)! أما
(١) رواية الأغانى: ((ولكنه لم يزد على أن قال)).
(٣) تكملة من رواية الأغانى .
(٢) الأغانى: ((حتى بلغ النعمان)).
(٤) الأغانى: ((رواحة بن قطيعة بن عبس)).
(٥) هو مروان بن زنباع العبسى، أضيف إلى القرظ؛ لأنه كان يغزو اليمن، وبها منبته.
(٦) رواية الأغانى: ((أفعلتها يا زيد!))

٢٠٦
والله لئن انفلتُّ لأفعلنَ بك ما فعلتُ بأبيك! فقال له زيد: امض نُعَيم، فقد
واللّه وضعتُ لك عنده أخية(١) لا يقطعها المهر الأرن(٢). فلمّا بلغ كسرى
أنه بالباب بعث إليه ، فقيّده وبعث به إلى خانقين ، فلم يزل فى السجن
حتى وقع الطاعون فمات فيه ، والناس يظنّون أنه مات بساباط لبيت قاله الأعشى :
بساباط حتَّى مات، وهو مُحَرَّزْقُ(٣)
فذاك وما أنْجَی من الموتِ رِ بّ
وإنما هلك بيخانقين ، وهذا قبيل الإسلام، فلم يلبث إلاّ يسيراً حتى بعث
اللّه نبيّه صلى الله عليه وسلّم، وكان سبب وقعة ذى قار بسبب النعمان (٤).
١٠٢٩/١
وحدّثْت عن أبى عبيدة مَعْمَر بن المثَنَّى، قال : حدثنا أبو المختار
فراس بن خَنْدَق ، وعدّة من علماء العرب قد سمّاهم، أن النعمان لما قتل
عديًا كاد أخو عدىّ وابنه النعمانَ عند كسرى ، وحرّفا كتاب اعتذاره إليه
بشىء غَضِب منه كسرى ، فأمر بقتله ، وكان النعمانلمّاخاف کسری استودع
هانئ بن مسعود بن عامر الخصيب بن عمرو المزدلف بن أبى ربيعة بن
◌ُذَهْل بن شيبان بن ثعلبة، حلْقَته ونِعَمه وسلاحاً غير ذلك، وذاك أن
التُّعمان كان بنّاه ابنتين له .
- قال أبو عبيدة : وقال بعضهم : لم يدرك هانئ بن مسعود هذا الأمر ،
إنّما هو هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود . وهو الشَّبَت عندى -
فلما قتل كسرى النعمان ، استعمل إياس بن قبيصة الطائىّ على الحيرة
وما كان عليه النُّعمان . قال أبو عبيدة : كان كسرى لما هرب من بتَهْرام
مرّ بإياس بن قبيصة فأهدى له فرسًا وجَزوراً ، فشكر ذلك له كسرى ،
(١) الأخية فى الأصل: أن يدفن طرفا الحبل فى الأرض وفيهما عصية أو حجير، ويظهر
منه مثل عروة تشد بها الدابة .
(٢) الأرن : النشيط.
(٣) ديوانه ١٤٧. وحرزق الرجل، أى حبسه؛ وهذه رواية الطبرى والديوان، وفى الأغانى:
((محزرق))، وهما بمعنى. قال التوزى: قلت لأبى زيد الأنصارى: أنتم تنشدون قول الأعشى: «حتى
مات وهو محزرق)، وأبو عمر الشيبانى ينشده ((محرزق))، بتقديم الراء على الزاى ؟ فقال: إنها
نبطية، وأم أبى عمرو نبطية، فهو أعلم بها منا. (٤) الخبر فى الأغانى ٢ : ١٠٥ - ١٢٨

٢٠٧
فبعث كسرى إلى إياس : أين تركة النعمان ؟ قال: قد أحْرَزها فى بكر بن
وائل ، فأمر كسرى إياسًا أن يضُمّ ما كان للنعمان ويبعث [به](١) إليه،
فبعث إياس إلى هانئ: أن أرسل إلىّ ما استودعك النعمان من الدروع ١٠٣٠/١
وغيرها - والمقلِّل يقول : كانت أربعمائة دِرْع، والمكثِّر يقول: كانت
ثمانمائة درع - فأبى هانئ أن يُسْلِمِ خفارته . قال : فلما منعها هانئ ،
غضب كسرى وأظهر أنه يستأصل بكر بن وائل - وعنده يومئذ النعمان بن
زُرْعة التغْلَبِىّ ؛ وهو يحبّ هلاك بكر بن وائل - فقال لكسرى : يا خيرَ
الملوك ، أدلّك على غِرّة بكر ؟ قال نعم، قال أمهلها حتى تَقِيظ ، فإنّهم
لو قد قالوا تساقطوا على ماء لهم يقال له ذو قار ، تساقُط الفراش فى النار ،
فأخذتَهم كيف شئتَ، وأنا أكفيكهم . فترجموا له قوله: (( تساقطوا تساقط
الفراش فى النار))، فأقرّهم حتى إذا قالوا، جاءت بكر بن وائل فنزلت
الحِنْو، حنْوذي قار؛ وهى من ذى قار [على مسيرة] (١) ليلة، فأرسل إليهم كسرى
النّعمان بن زُرْعة : أن اختاروا واحدة من ثلاث خصال ، فنزل النعمان على
هانئ ثم قال له: أنا رسولُ الملِك إليكم أخيركم ثلاث خصال : إمّا أن
تُعْطوا بأيديكمْ فيحكم فيكم الملك بما شاء، وإما أن تُعَرُّوا الديار، وإمّا أن
تأذنوا نحرب .
فتوامروا فولّوْا أمرهم حنظلة بن ثعلبة بن سيّار العِجْلىّ، وكانوا يتيمنون به
فقال لهم: لا أرى إلاّ القتال؛ لأنكم إن أعطيتم بأيديكم قُتِلِم وسُبْيَتْ
ذراريّكم ، وإن هربتم قتلكم العطش ، وتلْقاكم تميم فتهلككم . فآذنوا الملك
بحرب . فبعث الملك إلى إياس والِى الهامَرْزُ التسترىّ- وكان مسلحُه بالقُطْقُطَانة-
وإلى جلابزين (٢) - وكان مسلحُه ببارق- وكتب كسرى إلى قيس بن مسعود
ابن قيس بن خالد بن ذى الجدّين - وكان كسرى استعمله على طفّ ١٠٣١/١
سفَوان - أن يوافوا إياسًا، فإذا اجتمعوا فإياس على الناس. وجاءت الفرس
معها الجنود والفيول عليها الأساورة، وقد بُعِث النبى صلّى اللّه عليه وسلم ورَقّ
أمر فارس، وقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((اليوم انتصفت العرب من العجم))،
(١) تكملة من ح .
(٢) فى النقائض: ((خنابزين)".

٢٠٨
فحفظ ذلك اليوم؛ فإذا هو يوم الوقْعة . فلما دنت جيوش الفرس بمن معهم
انسلّ قيسُ بن مسعود ليلاً فأتى هانئًا ، فقال له : أعطِ قومك سلاح
النّعمان فيقووْا ، فإن هلكوا كان تبعًا لأنفسهم، وكنتَ قد أخذت بالحزْم ،
وإن ظفروا ردّوه عليك. ففعل وقسّم الدروع والسلاح فى ذوى(١) القُوَى
والجلد من قومه . فلما دنا الجمع من بكْر، قال لهم هانئ : يا معشر بكثر ،
إنَّه لاطاقةَ لكم بجنود كسرى ومَنْ معهم من العرب، فاركبوا الفلاة. فتسارع
الناس إلى ذلك ، فوثب حنظلة بن ثعلبة بن سيّار فقال له : إنما أردتَ نجاتنا
فلم تَزِدْ على أن ألقيتَنا فى الهلكة، فردّ الناس وقطع وُضُن الهوادج لئلا تستطيع
بكر أن تسوق نساءهم إن هربوا - فسمّىَ ((مُقطع الوُضن))، وهى حُزُم الرّحال.
ويقال : مقطع البُطْن، والبُطْن حزم الأقتاب- وضرب حنظلة على نفسه قبّة
ببطحاء ذى قار، وآلى ألاّ يفِرّ حتى تفِرّ القبّة. فمضى مَنْ مضى من
الناس ، ورجع أكثرهم، واستقَوْا ماء لنصف شهر، فأتتهم العجم ، فقاتلتهم
بالحنْو، فجزعت العجم من العطش ، فهربت ولم تقم لمحاصرتهم ، فهربت إلى
١٠٣٢/١ الجُبابات، فتبعتهم بَكْر، وعِجْل أوائل بكْر، فتقدمت عِجْل، وأبلَتْ
يومئذ بلاء حسناً ، واضطمّت عليهم جنود العجم ، فقال الناس : هلكت
عجئل ، ثم حملت بكْر فوجدوا عِجْلا ثابتة تقاتل ، وامرأة منهم تقول :
إنْ يَظْفَروا يحرِّرُوا فينا الغُرَّلْ إِيَ فِدَاءٌ لَكُم بِ عِجِلْ!
وتقول أيضًا تحضِّض الناس :
ونفرشِ النَّعَارِقْ
تَهْزِموا نعانقْ
إن
وَامِقِْ
فرَاقَ غَیْ
أُوْ تَهْرُبُوا نُقارِقْ
فقاتلوهم بالجُبابات يومًا . ثم عطش الأعاجم فمالوا إلى بطحاء ذى قار،
فأرسلت إياد إلى بكر سرًّا - وكانوا أعوانًا على بكثر مع إياس بن قبيصة : أىّ
الأمرين أعجب إليكم ؟ أن نطيرَ تحت ليلتنا فنذهب، أو نقيم ونفرّ حين تلاقوا
(١) ط: ((ذى))، وما أثبته عن ح .

٢٠٩
القوم ؟ قالوا : بل تقيمون ، فإذا التقى القوم انهزمتم بهم . قال : فصبّحتْهم
بكر بن وائل ، والظعُن واقفة يذمُرْن الرجال على القتال . وقال يزيد بن حمار
السَّكُونِىّ - وكان حليفًا لبنى شيبان - : يا بنى شيبان، أطيعونى وأكمْنونى لهم
کمینًا . ففعلوا ، وجعلوا یزید بن حمار رأسهم فکمنوا فی مکان من ذی قار ،
يسمى إلى اليوم الجُبّ ، فاجتلدوا، وعلى ميمنة إياس بن قبيصة الهامَرْز،
وعلى ميسرته الجلابزين ، وعلى میمنة هانئ بن قبيصة رئیس بکر یزید بن
مسهر الشيبانىّ ، وعلى ميسرته حنظلة بن ثعلبة بن سيار العِجْلىّ، وجعل الناس
يتحاضّون ويرجزون ، فقال حنظلة بن ثعلبة :
١٠٣٣/١
قَدْ شَاعَ أَشْيَاءُكُمُ فَجِدُوا مَا عِلَّتِى وأنا مُؤْدٍ جَلْدُ (١)!
مِثْلُ ذِرَاعِ الْبَكْرِ أَوْ أَشَدُّ
وَالقَوْسُ فيها وَكَرٌ عُرُدٌ
قَدْ جَعَلَتْ أَخْبَارُ قَوْمِى تَبْدُو
إنَّ المنايا ليْسَ مِنْهَا بُدُّ
لهَذَا عَيْرٌ تَحَتَهُ أَلَدُ
يَقْدُّمُهُ لْسَ لَهُ مَرَةٌ
خَلُوا بَنِى شَيْبَانَ وَاسْتَبِدُّوا
حَتَّى يَعودَ كَالْكُمَيْتِ الْوَرْدُ
• نَفْسِى فَدَاكُمْ وَأَبِ وَالْجَدُّ(٢).
وقال حنظلة أيضًا :
يا قَوْمِ طِيبُوا بالقِتَالِ نَفْسَا أَجْدَر يَوْمِ أَنْ تَقُلُّوا الغُرْسا
وقال يزيد بن المكسّر بن حنظلة بن ثعلبة بن سيّار :
مَنْ فَرَّ مِنْكُمْ فَرَّ عَنْ حَرِيمِهِ وجارٍهٍ ، وَفَرَّ عَنْ تَدِيمِ
إِنَّ الشِّرَاكَ قُدَّ مِنْ أَدِهِ (٣)
أَنَا ابْنُ سَيَّارِ عَلَى شَكِيِهِ
من قارِح الهُجْنَةِ أَوْ صَمِيِهِ
وَكُلَّهُمْ يَجْرِى عَلَى قَدِيمِهِ
(١) المؤدى: ذو الأداة التامة من السلاح .
(٢) ح: ((فدتكم)).
(٣) الشراك: سير النعل، وقد: قطع، والأديم : الجلد المدبوغ.
( ١٤)

٢١٠
قال فراس : ثم صيّروا الأمر بعد هانئ إلى حنظلة ، فمال إلى مارية ابنته
... وهى أمّ عشرة نفر؛ أحدهم جابر بن أبجر - فقطع وضينها فوقعت إلى الأرض
وقطع وُضُن النساء ، فوقعنَ إلى الأرض ، ونادت ابنة القرين الشيبانيّة حين
وقعت النساء إلى الأرض :
وَيْهَ بِ شَيْبَانَ صَفَّ بَعْدَ صَفْ إِنْ تُهْزَمُوا يُصَبَّقُوا فِينَا الْقُلَفْ
فقطع سبعمائة من بنى شيبان أيدىَ أقْبِيتهم مِنْ قِبَل مناكبهم؛ لأنْ
تخفّ أيديهم بضرب السيوف ، فجالدوهم .
قال: ونادى الهامَرز: مَرْد ومَرْدُ ، فقال بُرْد بن حارثة اليشكرىّ:
ما يقول ؟ قالوا : يدعو إلى البراز رجل ورجُل ، قال: وأبيكم لقد أنصفَ .
فبرز له فقتله برد ، فقال سويد بن أبى کاهل :
. ومِنَّا بُرَيْدٌ إذتحدَّى جُموعَكُمْ فَلَمْ تُقْرِبِوهُ المَرْزُبَانَ الْمُسَوْرا
أى لم تجعلوه . ونادى حنظلة بن ثعلبة بن سيّار: يا قوم لا تقفوا لهم فيستغرقكم
النشّاب ، فحملت ميسرة بكْر وعليها حنظلة على ميمنة الجيش ، وقد قتل
بُرد منهم رئيسَهم الهامرز ، وحملت ميمنة بكْر وعليها يزيد بن مُسهر على
ميسرة الجيش ، وعليهم جلابزين ، وخرج الكمين من جُبّ ذى قار من
ورائهم ، وعليهم يزيد بن حمار ، فشدُّوا على قَلْب الجيش، وفيهم إياس
ابن قبيصة ، وولّت إياد مُنهزمة كما وعدتهم ، وانهزمت الفُرْس.
قال سليط : فحدّثنا أسراؤنا الذين كانوا فيهم يومئذ ، قالوا : فلما التّى
الناس ، ولّت بكثر منهزمة ، فقلنا : يريدون الماء، فلما قطعوا الوادىّ فصاروا
من ورائه ، وجاوزوا الماء ، قلنا : هى الهزيمة ، وذاك فى حَرّ الظهيرة وفى يوم
١٠٣٥/١ قائظ، فأقبلت كتيبة عِجْل كأنهم طُنّ قَصَب ، لا يفوت بعضهم بعضًا ،
لا يُمْعِنُونَ هربًا، ولا يخالطون القوم . ثم تذامروا فزحفوا فرموهم بحباههم ،
فلم تكن إلا إياها، فأمالوا بأيديهم، فولوا، فقتلوا الفرس ومَنْ معهم؛ ما بين
بطحاء ذى قار ، حتى بلغوا الراحضة .
قال فراس: فخبَّرت أنّه تبعه تسعون فارساً(١)، لم ينظروا إلى سلَب ولا
(١) كذا فى النقائض، والعبارة فى ط مصحفة.
١٠٣٤/١

٢١١
إلی شیء حتى تعارفوا بآدم ( موضع قریبمن ذى قار)، فوجد ثلاثون فارسًا
من بنى عِجْل، ومن سائر بَكْر ستون فارسًا ، وقتلوا جلابزين ؛ قتله
حنظلة بن ثعلبة . وقال ميمون بن قيس يمدح بنى شيبان خاصّة فى قوله :
ورَاكِبُهَا يومَ الْلَقَاءِ، وقلَّتِ(١)
فِدِى لِبَنِى ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ نَاقَتَى
مُقدِّمَةَ الهامَرْزِ حَتَّى تَوَلَّتِ
◌ُ ضَرَبُوا بالحِوِ، حِثْوِ قُرَاقٍِ
هُنَالِكَ لَوْ كَانَتْ بِهِ النَّعْلُ زَلَّتِ(٢)
وأَفْتَنَا قَيْسٌ وَقُلْتُ لَعَلَّهُ
فهذا يدلّ على أن قیسًا قد شهد ذا قار .
وقال بُكير ، أصَمُّ بنى الحارث بن عُبَاد، يمدح بنى شيبان :
فَأَسْقِى عَلَى كَرَمٍ بَبِ هَيَّام
إِنْ كُنْتِ سَاقَةَ الْمُدَامَةِ أَهْلَهَا
١٠٣٦/١
وأَبا رَبِيعَةَ ◌ُكْلَّهَا وَُحَلِّاً سَبَقَا بِغَايَةِ أَمْجَدِ الْأَيَّامِ
بالمَشْرَفِىّ عَلَى مَقِيلِ الهامِ
ضَرَبوا بَنِى الْأَحْرَارِ يَوْمَ لَقُوهُمْ
أَلْفَيْنِ أَعْجَمَ مِن بَنِى الفَدَّامِ
عَرَبَ ثَلَاثَةً آلْفُ وكَتِبَةً
ذِكْرَى لَه فى مُعْرِقٍ وَشَآَمٍ
شَدَّ ابْنُ قْسٍ شَدَّةً ذَهَبَتْ لها
عَمْرٌّوُ ومَا عَمْرٌوَ بِقَحْمِ دالهٍ فيها، ولا غَمْرٍ ولا بُغُلَامٍ(٣)
فلما مدح الأعشى والأصمّ بنى شيبان خاصّة غضبت اللهازِم ، فقال
أبو كلبة ، أحد بنى قيس يؤنّبها بذلك :
جُدِّعْتُمَا شَاعِرَىْ قَوْم أُوْلِ حَسَبٍ
حُزَّتْ أَنُوفُهُمَا
حَزَّا بِنْشَارِ
أُعْنِى الأَصَمَّ وأَعْشَانَا إذَا اجْتَمَعَا فلا استعانا عَلَى سَمْعِ بإِنْصَارِ
(١) ديوانه ١٧٩، وفى ط: ((وفلت))، والصواب ما أثبته من الديوان.
(٢) رواية الديوان :
يَيِلُّ لئنْ كانتْ بِهِ الفعلُ زَلَّتِ
وأفلتهم قيس فقلتُ لَعَلَّهُ
(٣) الفحم فى الأصل: المهزول من الإبل، والداله: الضعيف. وفى النقائض: ((دالف)).

٢١٢
لَوْلا فَوَارِ سُِ لامِيلٌ وَلا ◌ُزُلُ(١) مِنَ اللَّهَازِمِ مَا قاظُوا بذِى قارٍ
كَمَا تَلَّسُ وُرَّادٌ بِصُدَّارِ ؟
نَحْنُ أَتَيْنَاهُ مِنْ عِنْدِ أَشْمُلِهِم
قال أبو عمرو بن العلاء : فلما بلغ الأعشى قول أبى كلبة ، قال : صدق .
وقال معتذراً ممّا قال :
١٠٣٧/١
مَتَّى يُقْرَنْ أَصَمُّ بِحْلٍ أَغْشَى يَتِيها فى الضَّلَاَلِ وَفى الخسَارِ
وَلْسَ بِسامِعٍ أَبَدًا حِوَارِى
فَلَسْتُ بِمُبْصِرٍ مَا قَدْ يَرَاهُ
وقال الأعشى فى ذلك اليومٍ :
◌ٍ قَوْلٌ لَمْ يَكُنْ أَ (٢)
أَنَانا عَنْ بَنِى الْأَحْرا
(٣)
أَرادوا فَحْتَ أَنْكَتِا
وقال أيضًا لقيس بن مسعود :
الْخُطَمَا
وكُنَّا نَمْنَعُ
وأَنْتَ أَمْرُؤٌ تَرْجُو شَبابِكَ وائلُ
أُقْس بْنَ مَسعُودِ بْنِ قْسِ بْن خَالِدٍ
أَتَجْمَعُ فِى عَامِ غَزَاةً وَرِحْلَةً أَلا لَيْتَ قَيْسًا غَرَّقْهِ القَوَائِلُ!
وقال أعشى بنى ربيعة :
ونَحْنُ غَدَاةَ ذى قارِ أَقَمْنَا وَقَدْ شَهِدَ الْقَبَائِلُ مُحْلبينا(*)
مُلْلَمَةٍ كَتَائِبُهَا طَحونا
وقَدْ جاءوا بها جَأَوَاءَ فِلْقَاً
ظِلالُ دُجَاهُ عَنَّا مُصْلِتِينَا
لِيَوْمِ كَرِيبَةٍ حَتَّى نَجَلّتْ
بنُعْمَانَ بْنِ زُرْعَةَ أَكْتَعِينَا
فَوَلّوْنا الدَّوَابِرَ وَاتَّقَوْنا
كَمَا وَرَدَ القَطَا النَّمَدَ المَعِينَا
وَذُدْنا عَارِضَ الأحْرَارِ وِرْداً
(١) ميل: جمع أميل؛ وهو الذى لا سيف ولا سلاح معه كالأعزل .
(٢) ديوانه ٢٠٤.
(٣) ديوانه ١٢٨ .
(٤) ديوان الأعشين ٢٨١.

٢١٣
ذكر من كان على ثغر العرب من قِبَل ملوك الفرس
بالحيرة بعد عمرو بن هند
قد مضى ذكرنا مَنْ كان يلى ذلك من قبَل ملوك الفرس من آل نصْر ١٠٣٨/١
ابن ربيعة إلى حين هلاك عمرو بن هند، وقدر مدّة ولاية كلّمَنْ ولى منهم
ذلك، ونذكر الآن مَنْ ولى ذلك لهم بعد عمرو بن هند، إلى أن ولىَ ذلك لهم
النعمان بن المنذر ، والذى ولىَ لهم ذلك بعد عمرو بن هند أخوه قابوس بن
المنذر ، وأمّه هند ابنة الحارث بن عمرو ، فولىَ ذلك أربع سنين ؛ من ذلك
فى زمن أنو شروان ثمانية أشهر ، وفى زمن هرمز بن أنو شروان ثلاث سنين
وأربعة أشهر .
ثم ولى بعد قابوس بن المنذر السُّهْرَب .
ثم ولى بعده المنذر أبو النعمان أربع سنين .
ثم ولى بعده النعمان بن المندر أبو قابوس اثنتين وعشرين سنة ، من ذلك
زمن هرمز بن أنو شروان سبع سنين وثمانية أشهر ، وفى زمن کسری أبرویز
ابن هرمز أربع عشرة سنة وأربعة أشهر .
ثم ولى إياس بن قبيصة الطائىّ ومعه النَّخير جَان ، تسع سنين فى زمن كسرى
ابن هرمز . ولسنة وثمانية أشهر من ولاية إياس بن قبيصة بُعِث النبى صلّى الله
عليه وسلّم فيما زعم هشام بن محمد .
ثم استخلف آزاذبه بن ماهان(١) بن مِهْر بنْداذ الهمذانىّ سبع عشرة سنة،
من ذلك فى زمن كسرى بن هرمز أربع عشرة سنة وثمانية أشهر ، وفى زمن
شيرويه بن كسرى ثمانية أشهر ، وفى زمن أردشير بن شيرويه سنة وسبعة ١٠٣٩/١
أشهر ، وفى زمن بوران دُخْت بنت كسرى شهراً .
ثم ولى المنذر بن النعمان بن المنذر - وهو الذى تسميه العرب الغرور ،
الذى قتل بالبحرين يوم جُؤَاثَى، إلى أن قدم خالد بن الوليد الحيرة - ثمانية شهر.
(١) كذا فى تصويبات ط .
:

٢١٤
فكان آخر مَنْ بقى من آل نصر بن ربيعة ، فانقرض أمرهم مع زوال ملك
فارس .
فجميع ملوك آل نصر - فيما زعم هشام - ومن استخلف من العباد
والفرس عشرون ملكًا . قال : وعدّة ما ملكوا خمسمائة سنة واثنتان وعشرون
سنة وثمانية أشهر
#
#
رجع الحديث إلى ذكر المرُزان وولايته اليمن، من قِبَل هُرْمز وابنه أبرويز،
ومن وليها بعده :
حُدَّثت عن هشام بن محمّد ، قال : عزل هرمزبن كسرى وين (١) عن
اليمن ، واستعمل مكانه المرُوزان ، فأقام باليمن ، حتى ولد له بها ، وبلغ
ولده . ثم إن أهلَ جبل من جبال اليمن يقال له المصانع (٢) خالفوه، وامتنعوا
من حَمْل الخراج إليه - والمصانع جبل طويل ممتنع ، إلى جانبه جبل آخر
قريب منه ، بينهما فضاء ليس بالبعيد ، إلا أنه لا يرام ولا يطمح فيه - فسار
المروزان إلى المصانع، فلما انتهى إليه نظر إلى جبل لا يُطمع فى دخوله إلاّ من
١/ ١٠٤٠ باب واحد، يمنع ذلك الباب رجل واحد؛ فلما رأى أن لا سبيل له إليه، صعد
الجبل الذى يحاذى حصنهم ، فنظر إلى أضيق مكان منه وتحته هواء ذاهب،
فلم ير شيئًا أقرب إلى افتتاح الحصن من ذلك الموضع ، فأمر أصحابه(٣) أن
يصطفّوا له صفين ، ثم يصيحوا به صيحة واحدة ، وضرب (٤) فرسه فاستجمع
حُضْرًا(٥)، ثم رمى به فوثب المضيق ، فإذا هو على رأس الحصن. فلما نظرت
إليه حِمْير وإلى صنيعه قالوا: هذا أيم - والأيم بالحميرية شيطان - فانتهرهم
وزبرهم بالفارسيّة، وأمرهم أن يكتفّ بعضهم بعضًا، فاستنزلهم من حصنهم ،
وقتل طائفة منهم وسبی بعضهم (٦) ، و کتب بالذی کان من أمره إلى کسری
(١) ط: ((زين)) وأثبت ما فى التصويبات. (٢) وقال ياقوت: ((حصن يقال له المصانع)).
(٣) ت، ح: ((فأتى أصحابه فأمرهم)).
(٤) ط: ((فضرب))، وما أثبته من ت، ح.
(٥) الحضر : ارتفاع الفرس فى عدود .
(٦) ت، ح: ((وسبى طائفة منهم)).

٢١٥
ابن هرمز . فتعجّب من صنيعه، وكتب إليه : أن استخلفْ مَنْ شئت ،
وأقبل إلىّ .
قال : وكان للمروزان ابنان : أحدهما تعجبه العربية ، ويروى الشعر ؛
يقال له خُرَّ خُسْرة، والآخر أُسوارٌ يتكلّم بالفارسية ، ويتدهْقَن، فاستخلف
المروزان ابنه خُرّ خُسْرة - وكان أحبّ ولده إليه - على اليمن، وسار حتى إذا
كان فى بعض بلاد العرب هلك ، فوضع فى تابوت، وحمل حتى قدم به على
كسرى ، فأمر بذلك التابوت فوضع فى خزانته ، وكتب عليه فى هذا التابوت :
فلان الذى صنع كذا وكذا ، قصّته فى الجبلين . ثم بلغ كسرى تعرُّب خرّخسرة
وروايته الشعر ، وتأدّبه بأدب العرب، فعزله ، ووّلى باذان، وهو آخر من قدم
اليمن من ولاة العجم .
١٠٤١/١
وكان كسرى قد طغى لكثرة ما قد جمع من الأموال وأنواع الجوهر والأمتعة
والكُراع وافتتح من بلاد العدوّ، وساعده من الأمور ، ورُزِق من مؤاتاته،
وبطِر(١) ، وشره شرها فاسداً ، وحسد الناسَ على ما فى أيديهم من الأموال ،
فولّى جباية البقايا عِلْجًا من أهل قرية تدعى خَشْدق من طَسُّوج بَهُرَسير؛
يقال له : فُّرخْزاذ بن سُمَىّ ، فسام الناس سوء العذاب ، وظلمهم واعتدى
عليهم ، وغَصَبهم أموالهم فى غير حلّه ، بسبب بقايا الخراج ، واستفسدهم
بذلك ، وضيق عليهم المعاش ، وبُغَض إليهم كسرى وملكه .
وحدّثت عن هشام بن محمد ، أنه قال : كان أبرويز كسرى هذا قد
جمع من الأموال ما لم يجمع أحدٌ من الملوك، وبلغت خيلُه القُسْطنطينيّة
وإفريقية ، وكان يشتو بالمدائن ، ويتصيّف ما بينها وبين هَمَذان ، وكان
يقال : إنه كانت له اثنتا عشرة ألف امرأة وجارية، وألف فيل إلاّ واحداً،
وخمسون ألف دابّة بين فرس وبِرْذَون وبغل ، وكان أرغبَ النّاس فى الجوهر
والأوانى وغير ذلك .
وأمّاً غير هشام فإنه قال: كان [له] (٢) فى قصره ثلاثة آلاف امرأة يطؤهنّ،
(١) ت، ح: ((وبطر وأثر)).
(٢) من ر ، ل.

٢١٦
وألوف جوارِ اتّخذهنّ للخدمة والغناء وغير ذلك، وثلاثة آلاف رجل يقومون
بخدمته ، وكانت له ثمانية آلاف وخمسمائة دابة لمركبه ، وسبعمائة وستون
١٠٤٢/١ فيلا ، واثنا عشر ألف بغل لشَقّلِهِ، وأمر فبُنيت بيوت النيران ، وأقام فيها
اثنى عشر ألف هِرْبَذْ للزّمزمة . وإنه أمر أن يحصى ما اجتبى من خراج بلاده
وتوابعه وسائر أبواب المال ، سنة ثمانى عشرة من ملكه ، فرُفع إليه أنّ الذى
اجتُبِى فى تلك السنة من الخراج وسائر أبوابه من الورق أربعمائة ألف ألف
مثقال وعشرون ألف ألف مثقال ؛ يكون ذلك وزن سبعة، ستمائة ألف ألف
درهم، وأمر فحوّل إلى بيت مال بنى بمدينة طَيْسَبون (١)، وسمّاه بهار حفرد
خسرو، وأموال له أخرىمن ضربفیروز بن يزد جرد وقباذ بن فيروز، اثنا
عشر ألف بَدْرة ، فى كلّ بَدْرة منها من الورِق أربعة آلاف مثقال ،
يكون جميع ذلك ثمانية وأربعين ألف ألف مثقال ، وهو وزن سبعة ، ثمانية
وستون ألف ألف وخمسمائة ألف وأحد وسبعون ألفًا وأربعمائة وعشرون درهماً
ونصف وثلث ثمن درهم ، فى أنواع لا يحصى مبلغتها إلا الله، من الجواهر
والكسسى وغير ذلك .
١٠٤٣/١
وإنّ كسرى احتقر الناس، واستخفّ بما لا يستخفّ به الملك الرشيد
الحازم، وبلغ من عتوّه وجرأته على اللّه(٢) أنه أمر رجلا كان على حَرَس
بابه الخاص - يقال له : زاذان فرُّوخ- أن يقتل كل مقيّد فى سجن منسجونه،
فأحصُوا ، فبلغوا ستة وثلاثين ألفًا ، فلم يقدم زاذان فَرُّوخ على قتلهم ، وتقدم
لتأخير ما أمر به كسرى فيهم ، لعلل أعدَّها له ، فكسب كسرى عداوة أهل
مملكته من غير وجه ؛ أحدُ ذلك احتقارُه إيّاهم ، وتصغيره عظماءهم .
والثانى تسليطُ الِعْلج فرّخان زاد بن سمىّ عليهم ، والثالث أمرُه بقتل
مَنْ كان فى السجن ، والرابع إجماعه على قتل الفَلّ الذين انصرفوا إليه
من قبل هِرَقْل والروم ؛ فمضى ناس من العظماء إلى عَقْر بابل ، وفيه
شیری بن أبرویز مع إخوته بها ، قد وكل بهم مؤدبون يؤد بونهم ، وأساورة يحولون
(١) ل، ح: ((طيستون)) ر: ((طيسور)).
(٢) ت، ح: ((عتوه على اللّه عز وجل وجرأته عليه)).

٢١٧
بينهم وبين براح ذلك الموضع ، فأقبلوا به ، ودخل مدينة بَهُرَسير ليلا ،
فخلّى عمّن كان فى سجونها، وخرج مَنْ كان فيها، واجتمع إليه الفَلّ الذين
كان كسرى أجمع على قتلهم ، فنادوا قباذ شَاهنْشاه ، وصاروا حين أصبحوا
إلى رحبة كسرى ، فهرب مَنْ كان فى قصره من حرسه ، وانحاز كسرى بنفسه
إلى باغ له قريب من قصره ، ويدعى باغ الهِنْدوان فارًا مرعوبًا، وطُلب
فأخذ ماه آذر وروز آذر (١)، وحبس فى دار المملكة ، ودخل شيرويه دار ١٠٤٤/١
الملك، واجتمع إليه الوجوه ، فملكوه وأرسل إلى أبيه يقرّعه بما كان منه .
وحدّثت عن هشام بن محمد ، قال : وُلد لكسرى أبرويز ثمانية عشر
ولداً ذكراً ، أكبرهم شَهْرِيار، وكانت شيرين تبنّته، فقال المنجمون
لكسرى : إنّه سيولد لبعض ولدك غلام ؛ ويكون خراب هذا المجلس وذهاب
هذا الملك على يديه ، وعلامته نقصٌ فى بعض بدنه، فحُصِر ولده لذلك عن
النِّساء ، فمكثوا حینًا لا يصلون إلى امرأة، حتی شکا ذلك شهريار إلی شیرین،
وبعث إليها يشكو الشَّبَق ، ويسألها أن تُدْخِل عليه امرأة وإلاّ قتَل نفسه ؛
فأرسلت إليه : إنّى لا أصل إلى إدخال النساء عليك إلاّ أن تكون
امرأة لا يُؤبه لها، ولا يحمُل بك أن تمسّها ، فقال لها : لست(٢) أبالى
ما كانت، بعد أن تكون امرأة . فأرسلت إليه بجارية كانت تحجمها، وكانت
- فيما يزعمون - من بنات أشرافهم ؛ إلاّ أن شيرين كانت غضبت عليها
فى بعض الأمور ، فأسلمتها فى الحجّامين؛ فلما أدخلتها على شهريار وثب
عليها ، فحملت بيزْدَ جِرْد، فأمرت بها شيرين فقُصِرت (٣) حتى ولدت، وكتمتْ
أمرَ الولد خمس سنين . ثم إنّها رأت من كسرى رِقّة للصبيان حين كبر ،
فقالت له: هل يسرّك أيُّها الملك أن ترى ولداً لبعض بنيك على ما كان فى
ذلك من المكروه ؟ فقال: لا أبالى. فأمرت بيْزدَ جِرْد فُطُيّبَ وحُلِّ،
وأدخلتْه عليه ، وقالت : هذا يَزْدَ جِرد بن شَهْريار ، فدعا به فأجلسه فى
(١) المعنى فيما يظهر أنه أخذ فى شهر الربيع ويوم الربيع.
(٢) ت، ح: ((إنى لست)).
(٣) قصرت: حبست .

٢١٨
١٠٤٥/١
حِجْرُه ، وقَبّله وعطف عليه، وأحبّه(١) حبًّاً شديداً، وجعل يبيّته معه؛
فبینا هو یلعبذاتيوم بینیدیه؛ إذ ذكر ما قيل [فيه](٢)،فدعا به فعرّاه من
ثيابه ، واستقبله واستدبره ، فاستبان النقصَ فى أحد وَرِكيْه، فاستشاط غضباً
وأسفًا، واحتمله(٣) ليجلد به الأرض، فتعلّقتْ به شيرين، وناشدته اللّه
ألاّ يقتله، وقالت له : إنه إن يكن أمرٌ قد حضر فى هذا الملك فليس له مردّ .
قال : إن هذا المشئوم؛ الذى (٤) أخبرتُ عنه، فأخرجيه فلا أنظر إليه . فأمرت
به فحمِل إلى سِجِسْتان .
وقال آخرون : بل كان بالسّواد عند ظؤورته فى قرية يقال لها خُمَانية.
ووثبت فارس على كِسْرى فقتلته ، وساعدهم على ذلك ابنه شيرويه بن مريم
الروميّة .
وكان ملكه ثمانيًا وثلاثين سنة . ولمضىّ اثنتين وثلاثين سنة وخمسة أشهر
وخمسة عشر يوماً من ملكه هاجرَ النبيّ صلى الله عليه وسلّم من مكة إلى المدينة.
[ ذكر ملك شيرويه بن أبرويز]
ثم ملك من بعده ابنه شيرويه ، واسمه قباذ بن أبَرْيز بن هُرْمز بن كسرى
أنوشروان. فذُكر أن شيرويه لما مَلَك دخل عظماء الفرس عليه بعد حَبْسه (٥)
أباه، فقالوا له : إنّه لا يستقيم أن يكونَ لنا مَلِكان اثنان، فإمّا أن تقتل كسرى
ونحن خَوَلُك الباخعون لك بالطاعة ، وإمّا أن نخلعَك ونعطيه الطاعة على ما لم
نزل نعطيه قَبْلَ أن تملك . فهدّت هذه المقالة شيرويه وكسرته ، وأمر بتحويل
كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مَارَسْفَنْد . فحمِل كسرى على
١٠٤٦/١
(٢) تكملة من ر، وفى ت، ح: ((له)).
(١) ت، ح: ((فأحبه)).
(٣) ت، ح: ((فاحتمله)).
(٥) ت، ح: ((خلعه)).
(٤) ت، ح: ((وهو الذى أخبرت عنه)).

٢١٩
برذون ، وقُنَّح رأسه، وسير به إلى تلك الدار ، ومعه ناس من الجند ، فمرّوا
به فى مسيرهم (١) على إسكاف جالس فى حانوت شارع على الطريق، فلما بتصُر
بفرسان من الجند معهم فارس مقنّع، عرف أن المقنّع كسرى، فحذفه
بقالب، فعطف إليه (٢) رجلٌ ممّن كان مع كسرى من الجند، فاخترط سيفه
فضرب عنقَ الإسكاف ، ثم لحق بأصحابه .
فلما صار کسری فی دار مارسْفَنْد جمع شیرویه منْ کان بالباب من
العظماء وأهل البيوتات ، فقال : إنّا قد رأينا أن نبدأ بالإرسال إلى الملك أبينا
بما كان من إساءته فى تدبيره ونوقّفه على أشياء منها ، ثم دعا برجل من أهل
أردشير خُرّة يقال له أسفاذ جُشْنَس، ولمرتبته رئيس الكتيبة ، كان يلى
تدبير المملكة، فقال له: انطلقْ إلى الملك أبينا ، فقل له عن رسالتنا : إنا لم
نكن للبليّة التى أصبحتَ فيها ولا أحدٌ من رعيّتنا سببًا، ولكنّ اللّه قضاها
عليك جزاء منه لك بسئء أعمالك ؛ منها اجترامك إلى هرمز أبيك وفَتْكك
به ، وإزالتُّك الملك عنه، وسمْلك عينيه، وقتلُك إياه شرّ قتلة، وما قارفْتَ
فى أمره من الإثم العظيم . ومنها سوء صنيعك إلينا معشر أبنائك فى حَظْرك
علينا مثافنة(٣) الأخيار ومجالستهم، وكلّ أمريكون لنا فيه دَعَة وسرور وغبطة.
ومنها إساءتك كانت بمَنْ خلّدت السجون منذ دهر ، حتى شقوا بشدة ١٠٤٧/١
الفقر وضيق المعاش والغربة عن بلادهم وأهاليهم وأولادهم . ومنها سوء نظرك
فى استخلاصك كان لنفسك من النّساء وتركك العطف عليهنّ بمودّة منك
والصَّرف لهنّ إلى معاشرة مَنْ كُنّ يُرزقنَ منه الولد والنَّسْل، وحبسك
إياهنّ قبلَك مكرّهات. ومنها ما أتيت إلى رعيّتك عامّة فى اجتبائِك إياهم
الخراج ، وما انتهكت منهم فى غلْظتك وفظاظتك عليهم . ومنها جمعُك
الأموال التى اجتبيتها من النّاس فى عنف شديد، واستفساد منك إيتاهم، وإدخالك
البلاء والمضارّ عليهم فيه. ومنها تجميرُك من جمّرت (٤) فى ثغور الروم وغيرهم
(١) ل: ((فى مسيره).
(٢) ت، ح: ((عليه)).
(٣) قال فى اللسان: ((ثافنت الرجل مثافنةً، أى صاحبتُهُ لا يخفى على شىء من أمره)).
(٤) التجمير: حبس الأمير جنوده فى أرض العدو ؛ ولا يأذن لهم فى العودة والقفل.

٢٢٠
من الجنود ، وتفريقُك بينهم وبين أهاليهم . ومنها غدرُك بموريق ، ملك
الروم، وكفرك إنعامه عليك فيما كان من إيوائه إياك، وحسن بلائه عندك ،
ودفعه عنك شرّ عدوك، وتنويه باسمك فى تزويجه إيّاك أكرمَ النساء من بناته
عليه، وآثرهنّ عنده، واستخفافك بحقّه، وتركك إطلابه (١) ما طلب إليك
من ردّ خشبة الصليب، التى لم يكن بك ولا بأهل بلادك إليها حاجة ، علمته (٢).
فإن كانت لك حجج تُدْلى بها عندنا وعند الرعيّة فأدلِ بها، وإن لم تكن لك
حجّة ، فتب إلى اللّه من قريب، وأنبْ إليه حتى نأمر فيك بأمرنا .
فوعى أسفاذ جُشْنَس رسالة كسرى شيرويه هذه، وتوجّه من عنده إلى
كسرى ليبلغه إياها ، فلما توجّه إلى الموضع الذى كان حبس فيه كسرى ألْفَى
رجلاً يقال له جيلنوس كان قائد الجند قد وكل بحراسة كسرى جالسًا ،
١٠٤٨/١ فتحاورا ساعة، ثم سأل أسفاذ جشنس جلينوس أن يستأذن له على كسرى ليلقاه
برسالة من شیرویه ، فرجع جلینوس فرفع الستر الذی کان دون کسری ، فدخل
عليه ، وقال له : عمّرك الله! إن أسفاذ جشنس بالباب، وذكر أنّ الملك
شيرويه أرسله إليك فى رسالة (٣)، وهو يستأذن عليك ، فرأيك فى الأمر فيه
برأيك ! فتبستم كسرى وقال مازحًا : يا جلينوس أسفاذان ، كلامك مخالف
كلام أهلِ العقل ، وذلك أنه إن كانت الرسالة التى ذكرت من شيرويه الملك،
فليس لنا مع ملكه إذْن ، وإن كان لنا إذن وحجِب فليس شيرويه بملك؛
ولكن المثَل فى ذلك كما قيل : يشاء اللّه الشىء فيكون ، ويأمر الملك بأمر
فينفذ. فَأذَنْ لأسفاذ جشنس يبلغ الرسالة التى حملها. فلما سمع جلينوس هذه
المقالة خرج من عند كسرى ، وأخذ بيد إسفاذ جشنس، وقال له : قم فادخل
إلی کسری راشداً
فنهض أسفاذ جشنس ، ودعا بعضَ من كان معه من خدمه ، ودفع إليه
(١) يقال: أطلبه؛ إذا أعطاه ما طلب.
(٢) علمته، أى علمت ذلك الأمر من طلب رد خشية الصليب.
(٣) ت، ح: ((برسالة)).