Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ ٩٧٤/١ إلى جدّه، فقال: يا بن عبد المطّلب، إنّ أنْبِئْتُ أنّك تزعم أنّك رسول الله إلى النَّاس، أرسلك بما أرْسَل به إبراهيمَ ، وموسى، وعيسى ، وغيرهم من الأنبياء ، ألا وإنَّك فوّهت بعظيم، وإنَّما كانت الأنبياءُ والخلفاءُ فى بيْتَيْن من بنى إسرائيل، وأنت ممَّن يَعْبُد هذه الحجارةَ والأوثان، فما لك ولنبوّة! ولكنّ لكلّ قول حقيقة، فأنبْثنى بحقيقة قولك، وبدء شأنك؛ قال: فأُعْجِبَ النبيّ صلى الله عليه وسلم بِيَسْألَتِهِ، ثم قال: يا أخا بنى عامر، إنَّ لهذا الحديث الذى تسألنى عنه نبأٌ ومجلساً، فاجلسْ، فَثَنَى رجْليْه ثم برك كما يبرك البعير ، فاستَقَْله النبيّ صلى الله عليه وسلم بالحديث فقال : يا أخا بنى عامر، إن حقيقةَ قولى وبدءَ شأنى، أنّى دَعْوةُ أبى إبراهيم، وبُشْرَى أخى عيسى بن مرْيَمَ. وإنّ كنْتُ بِكْرَ أمّى، وإنَّها حملت بى كأثْقل ما تحمِلُ، وجعَلَتْ تشتكى إلى صواحبِها ثقلَ ما تَجِدُ. ثم إنّ أمى رأت فى المنام أنّ الَّذى فى بطنها نورٌ، قالتْ: فجعلت أتْبِع بصرى النورّ، والنورُ يسبقُ بصرى، حتى أضاءَتْ لى مشارقُ الأرض ومغاربُها. ثم إنَّها ولَد تَسْنى فنشأتُ، فلمَّا أن نشأتُ بُغِّضَت إلىَّ أَوْثانُ قريش، وبُغِّضَ إِلىَّ الشّعْر، وكنت مسترضَعًا فى بنى ليث بن بكر، فبينًا أنا ذات يوم منتبذ من أهلى فى بطين واد مع أتْراب لى من الصبيان نتقاذف بيننا بالجَلَّة، إذ أتانا رهْطٌ ثلاثة معهم طَسْتٌ من ذهب مُلىء ثلْجًا، فأخذونى من بين أصحابى ، فخرج أصحابى هُرَّابا حتى انتهوا إلى شفير الهادى ، ثم أقبلُوا على الرَّهط فقالوا: ما أربُكم إلى هذا الغلام ، فإنه ليس منّا، هذا ابن سيّد قريش ، وهو مسترضَعٌ فينا ؛ من غلام يتيم ليس له أب ، فماذا يردّ عليكم قتلُه، وماذا تصيبون من ذلك ! ولكن إن كنتم لا بدَّ (١) قاتليه ، فاختاروا منَّا أيّنا شئّم ، فليأتكم مكانَه فاقتُلُوه، وَدَعُوا هذا الغلام فإنَّه يتيم. فلمَّا رأى الصبيان القومَ لا يحيرون(٢) إليهم جوابًا، انطلقوا هُرَّابًا مسرعين إلى الحىّ، يؤذنونهم ويستصْرخونهم (٣) على القوم؛ فعمد أحدُهم فأضْجعنى على الأرض ٩٧٥/١ (١) ح: ((ولا)). (٣) ح: ((مستصرخين). (٢) ط: ((لا يخبرون) ج ٢ (١١) ١٦٢ إِضْجَاعًا لطيفًا، ثم شقّ ما بين مفرق صدْرى إلى منتهى عانى، وأنا أَنْظرُ إليه، فلم (١) أجد لذلك مَسَّاً. ثمّ أخرج أحشاءَ بطنى ثمَّ غسلها بذلك الثلج فأنْعَمَ غَسْلَها، ثم أعادها مكانَها، ثم قام الثانى منهم فقال لصاحبه: تنحّ، فنحَّاهُ عنى ، ثم أدْخل يده فى جوفى فأخرج قلبى وأنا أنظر إليه فصَدَعَه ، ثم أخرج منه مُضْغَة سوداء ، فرمى بها ثم قال بيده يمنةً منه ؛ كأنَّه يتناول شيئًا ، فإذا أنا بخاتم فى يده من نور يحار الناظرون دونه ، فختم به قلبى فامتلأ نوراً ، وذلك نور النبوّة والحكمة، ثمّ أعادَهُ مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم فى قلبى دهراً ، ثم قال الثَّالث لصاحبه: تَنَحَّ عنى، فأمَرَّ يَدَه ما بيْن مفرِق صدْرى إلى مُنْتَهَى عانتى، فالتأم ذلك الشقّ بإذْن اللّه. ثم أخذ بيدى فأنهضَنى من مكانى إنْهَاضًا لطيفًا، ثم قال للأوَّل الذى شقّ بطنى: زِنْه بعشرة من أمَّتِهِ ، فوزنونى بهم فرجحتُهم ، ثم قال : زنه بمائة من أمَّتِهِ ، فوزنونى بهم فرجَحْتُهم ، ثم قال: زنه بألف من أمَّتِه، فَوَزَنُونى بهم فرجَحْتُهم. فقال: دعوهُ، فلو وزَنْتُمُوه بأمَّته كلها لرجحهم . قال: ثمَّ ضمّونى إلى ٩٧٦/١ صُدورهم وقبّلوا رأسى وما بينَ عينىَّ، ثم (٢) قالوا: يا حبيب، لم تُرَعْ؛ إنَّك لو تدرى ما يراد بك من الخير لقَرَّتْ عيناك . قال : فبينًا نحن كذلك ، إذ أنا بالحىّ قد جاءوا بحذافيرهم، وإذا أمّى - وهى ظئْرى - أمام الحىّ تهتف بأعلى صوتها وتقول : يا ضعيفاه! قال : فانكبُّوا علىَّ فقبَّلوا رأسى وما بين عينىّ ، فقالوا : حبّذا أنت من ضعيف! ثم قالت ظِئْرى: يا وحيداه ! فانكبّوا علىَّ فضمونى إلى صُدُورِهِم وقَبَّلوا رأسى وما بين عَيْنَىَّ، ثم قالوا: حَبَّذَا ٠٫٠* أنت من وحيد وما أنتَ بوحيد ! إنَّ اللهَ معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض . ثُمَّ قالت ظهرى : يا يتيماه ، اسْتُضْعِفْتَ من بيْن أصحابِك فَقُتِلْتَ لضعْفِك، فانكبّوا علىَّ فَضَمَونى (٣) إلى صدورهم وقبّلوا رأسى وما بينَ عيْنَىّ، وقالوا: حبَّذا أنت من يتيم ، ما أكْرَمَك على اللّه! لو تعلم ماذا يراد بك من الخير ! قال : فوصلوا بى إلى شَفِير الوادى ، فلمّا بصرت بى (١) كذا فى ت، ح، وفى ط: ((لم)). (٢) ح: ((وقالوا)). (٣) ت، ر: ((وضمونى)). ١٦٣ أمّى - وهى ظهْرى. قالت: يا بُنىَّ ألا أراكِ حيًّا بعدُ! فجاءت حتَّى انكبَّتْ علىَّ وضمّتْنى إلى صدْرِها؛ فو الذى نفسى بيده، إنّى لفى حِجْرُها وقد ضمتنى إليها ، وإنَّ يدى فى يد بعضهم، فجعلتُ ألتفتُ إليْهُم وظَنَسْتُ أنّ القوم يبصرونهم، فإذا هم لا يبصرونهم ، يقول بعض(١) القوم: إنَّ هذا الغلامَ قد أصابه لمتم أو طائفةٌ من الجنّ، فانطلقوا به إلى كاهنِنا حتى ينظر إليه ويُدَاوِيَه . فقلت: يا هذا، ما بى شىء مما تذكر، إن آرائى سليمة وفؤادى ١/ ٩٧٧ صحيح، ليس بى قَلبَة(٢). فقال أبى - وهو زوج ظهرى - ألا ترون كلامه كلامَ صحيح! إنى لأرجو ألا يكون بابنى بأس٣(٣)، فاتّفقوا على أن يذهبوا بى إلى الكاهن ، فاحتملونى حتى ذهبوا بى إليْه ، فلمَّا قَصُّوا عليه قِصَّى قال : اسكُتُوا حَتَّى أسمعَ من الغلام، فإنَّه أعلمُ بأمره منكم، فسألِى، فاقتصصت (٤) عليه أمرى مابين أوَّله وآخره، فلمَّا سمع قولى وَتَبَ إلىَّ فضمَّى(٥) إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته: يالَلْعَرَب، يا للَلْعَرَب! اقتلوا هذا الغلام واقتلونى معه، فواللاّت والعزَّى لْن ترَكْتموه وأدرك، لَيُبَدّلنَّ دينَكُمُ ولِيُسفَهَنَّ عقولَكُمْ وعقولَ آبائكم، ولَيخالفنَّ أمْرَكم، وليأتِيَنَّكُم بدينٍ لم تسمعوا بمثله قطٌ ! فَعَمَدَتْ ظِيْرِى فانتزِعَتْنِى من حِجْرِهِ وقالت: لأنْتَ أعْتَهُ وأجَنّ من ابنى هذا ! فلو علمتُ أنَّ هذا يكونُ من قولِك ما أتيتُك بِهِ ، فاطلب لِنَفْسِكِ من يقتُلُك ، فإنّا غيرُ قَاتِلى هذا الغلام. ثم احتملونى فأدّونى إلى أهلى فاصبحت مُفْزَّعًا مما فعل بى، وأصبح أثر الشّقّ ما بين صدرى إلى مُنْتَهَى عانتى كأنه الشِّراك؛ فذلك حقيقةُ قولى وبدءُ شأنِى يا أخا بنى عامر. فقال العامرىّ: أشهدُ باللّه الذى لا إله غيره (٦) أنَّ أمْرَك حقّ" (٧)، فأنبئْى (١) ر، ح: ((بعضهم). (٢) ليس بى قلبة ؛ أى ليس به شىء؛ وأصله من القلاب؛ وهو داء يأخذ الإبل فى رءوسها، فيقلبها إلى فوق؛ قال فى اللسان: (( ولا يستعمل إلا فى النفى)). (٣) ت، ح: ((شىء من البأس)). (٤) ل: ((فقصصت)). (٥) ت، ح: ((وضمنى)). (٦) ت، ح: ((إلا هو)). (٧) ت، ح: ((لحق)). ١٦٤ بأشياء أسألك عنها ! قال: سل عنك - وكان النبيّ صلى الله عليه وسلم قبل. ذلك يقول للسائل: سل عمّا شئت، وعمّا بدا لك، فقال للعامرىّ يومئذ: «سل عْنك))، لأنَّها لغةُ بنى عامر، فَكلَّمه بما علِيمٍ - فقال له العامرىّ: أخبرنى ٩٧٨/١ يا بنَ عبد المطلب ما يزيدُ فى العلم؟ قال: التعلّم، قال: فأخبرنى ما يدل على العلم؟ قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم : السؤال ، قال : فأخْبِرْنى ماذا يزيدُ فى الشرّ؟ قال : التمادى ، قال : فأخْبرنى هل ينفع البِرُّ بعد الفجور ؟ قال : نعم، التَّوبةُ تغسيل الحوْبة، والحسناتُ يُذْ هِبْن السيئات، وإذا ذكر العبدُ ربِّه عند الرَّخاء، أغاثهُ(١) عند البَلاَءِ، قال العامرىّ: وكيف(٢) ذلك يا بنَ عبد المطلب؟ قال: ذلك بأنّ اللّه يقول: لا وعزَّتِى وجلالى، لا أجمع لعبدى أمْنَيْن، ولا أجمع له أبداً خوْفَيْن ، إن هو خافَتى فى الدنيا أمِنَنِ يومَ أجمعُ فيه عِبادى عندى فى حظيرة الفردوس (٣) ، فيدومُ له أمْنُه، ولا أمْحقُه(٤) فيمن أمحق، وإن هو أمِنَنِى فى الدُّنْيا خَافَنِى يوم أجْمَعُ فيه عبادى لميقات يوم معلوم ، فيدومُ له خوفُه ؛ قال : يابن عبد المطّلب ، أخبرنى إلامَ تدعو ؟ قال: أدعو إلى عبادة اللّه وحْدهُ لاشريكَ لَهُ، وأن تَخْلَعَ الأنْدَاد، وتكْفُرَ باللات والعزَّى، وتقرَّ بما جاء من اللّه من كتاب أو رسول، وتصلِّى الصلوات الخمس بحقائقهنّ، وتصوم شهراً من السَّنة، وتؤدى زكاةَ مَالِكَ، يطهّركَ اللّهُ بها ويُطَيِّب لك مالَكَ، وتحجّ البَيْتَ إذا وجَدْت إليه سبيلاً ، وتغتسل من الجنابة ، وتؤمين بالموْت ، وبالبَعْث بعد الموت ، وبالجَنَّة، والنار . قال : يابن عبد المطّلب، فإذا فعلتُ ذلك فما لِى؟ قال النبيّ صلى اللّه عليه وسلم: ﴿جنَّاتُ عدْنٍ تَجْرِى من ٩٧٩/١ تحْتِها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاءٌ مَنْ تُزَكَى)(٥). قال: يا بن عبد المطلب، هل مع هذا من الدنيا شىء ؟ فإنَّه يُعْجِبُنى الوَطاءَة من العيش! قال النبى (١) ت، ل: ((أعانه)). (٢) ت، ح: ((كيف)). (٣) ط: ((القدس))، وما أثبته من ر . (٤) ل: ((أمحق)). (٥) سورة طه ٧٦ ١٦٥ صلّى الله عليه وسلّم: نعم، النَّصْرُ والتَّمكُّن فى البلاد. قال: فأجابَ وأنابَ . حدثنا ابن حُميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن مَعْدان الكلاعىّ ، أنّ نفراً من أصحاب رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، قال: نعم، أنا دَعْوَةُ أبى إبراهيم، وبُشْرَى عيسى، ورَأتْ أمى حين حَمَلَت بِى أَنَّه خرَج منها نورٌ أضاءَ لها قصورَ بُصْرى من أرْضِ الشام، واسْتُرْضِعْت فى بنى سعد بن بَكْر، فَبَيْنَا أنا مع أخٍ لى خلفَ بُيُوتِنا نرعى بتَهْماً لنا ، أتانى رجلان عليهما ثياب بيض بطسْتٍ من ذهب مملوءة ثلجًا ، فأخذانى ، فشقًا بطنى ، ثم استخرجا منه قلبى ، فشقّه فاستخرجا منه عَلَقَة سوداء ، فَطَرَحاها، ثم غسلا بطنى وقلبى بذلك الثَّلج حتى أنْقَاه، ثم قال أحدهما لصاحبه : زلْه بعشرة من أمّته ، فَوَزَننى بهم فوزْنتهُم، ثم قال: زِنْهُ بمائة من أمَّتِهِ، فوزَنَنِى بهم فَوَزَنْتُهم ، ثم قال: زنه بألف من أمَّتِهِ ، فوزنى بهم فوزَنْتُهُم، ثم قال : دعْه عنْك، فلو وَزَنْتَهُ بأمَّتِهِ لوَزَنَها(١). قال ابن إسحاق : هلك عبدُ اللّه بن عبد المطلب أبو رسول اللّه صلّى الله عليه وسلّم، وأمُّ رسولِ الله آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة حاملٌ به . وأمَّا هشام فإنه قال: توفَّىَ عبدُ اللّه أبو رسول الله، بعدَ ما أتى على رسول ٩٨٠/١ الله صلّى الله عليه وسلّم ثمانيةٌ وعِشْرون شهراً. حدّ ثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : قال محمد بن عمر الواقدىّ: الثَّبَت عندنا مِمّا ليس بيْن أصحابنا فيه اختلاف، أنَّ عبد الله بن عبد المطلب أقبل من الشام فى عير لقريش ، فنزل بالمدينة - وهو مريض - فأقام بها حتىَ توفّى ، ودفن فى دار النابغة ، فى الدَّار الصّغْرى إذا دخلت الدَّار على يسارك فى البيت . حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سَكَمة ، عن ابن إسحاق ، عن عبدالله ابن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصارىّ ، أنَّ أمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة، تُوُفِّيت - ورسولُ اللّه صلى اللّه عليه وسلم ابنُ ستّ سنين - بالأبْوَاء بين مكة والمدينة ، كانت قدمت به المدينة على أخْوالِهِ من (١) الخبر فى سيرة ابن هشام ١ : ١١٢ ١٦٦ بنى عدِىّ بن النَّجَّر تُزِيرُه إيَّاهم، فماتَتْ وهىَ راجعةٌ به إلى مكّة (١) . وقد حدَّثَنى الحارث ، قال : حدثنا محمد بن سعد ، قال : أخبرنا محمد. ابن عمر ، قال : حدَّثَنى ابن جريج ، عن عثمان بن صفوان ، أنّ قبْر آمنة بنت وهب فى شِعْبٍ أبى ذرُّ بمكّة . حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن العباس ابن عبد الله بن مَعْبد بن العباس، عن بعض أهله، أنَّ عبد المطلب تُوُفِّىَ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن ثمانى سنين ؛ وكان بعضهم يقول: تُوُفِّىَ عبد المطلب ورسول اللّه ابْنُ عَشْرٍ سنين(١). حدّثنا ابن حميد ، قال : حدَّثَنا سَلَمة ، قال : حدَّنا طلْحَة بن عمرو الخضْرَفىّ ، عن عطاء بن أبى رباح ، عن ابن عباس قال : كان النبي ٩٨١/١ صلّى الله عليه وسلّم فى حِجْر أبى طالب بعد جدّه عبد المطلب، فَيُصْبِحُ ولد عبد المطلب غُمْصًا رُمْصًا، ويصبح صلى الله عليه وسلم صَقِيلاً دهينًا (٢). رجع الحديث إلى تمام أمْرٍ كسرى بن قُباذ أنو شروان حدثنا على بن حرب الموصلىّ، قال : حدثنا أبو أيّوب يَعْلى بن عمران البَجَلِىّ؛ قال: حدثنى مَخْزوم بن هانئ المخزومىّ عن أبيه - وأتت له خمسون ومائة سنة - قال: لمَّا كانت ليلة وُلِدَ فيها رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ارْنَجَسَ إيوانُ كِسْرِى وسَقَطَتْ منه أربعَ عشرة شرفة، وخَمَدَتْ نار فارس، ولم تخمدْ قبل ذلك بألف عام(٣)، وغاضتْ بُحَيْرة سَاوَة، ورأى الموْبَذَان إِيلاًّ صِعابًا، تقود خيلاً عرابًا، وقد قطعَتْدِ جْلَة وانتشرت فى بلادها. فلمَّا أَصْبَح كِسْرَى أَفْزَعَهُ ما رأى، فصبَرَ تَشَجْعًا، ثم رأى ألا يكتم ذلك عن وزرائه ومَرَازِبَتِهِ ، فلبِسَ تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه . (١) الخبر فى ابن هشام ١: ١١٣. (٢) النهاية لابن الأثير ٢: ١٠٣. والغمص والرمص: البياض الذى يجتمع فى زوايا الأجفان. (٣) الفائق: ((ألف عام)). ١٦٧ فلمّا اجتمعوا إليه أخبرهم بالَّذى بَعَثَ إليهم فيه ودعاهم . فبينَاهُمْ كذلك إذْ وَرَدَ عليه كتابٌ بخمودِ النَّارِ فازداد غمًا إلى غمه، فقال الموبذان: وأنا أصلح الله المَلِكَ! قد رأيت فى هذه الليلة ... وقصَّ عليه الرُّؤيَا فى الإبل. فقال : أيّ شيء يكون هذا يا موْبذان ؟ - وكان أعلمهم عند نفسه بذلك - فقال : حادثٌ يكون من عند العرب ، فكتب عند ذلك : من كسْرَى مَلِكِ المُلُوك إلى النُّعمان بن المنذر ، أمَّا بعد ؛ فوجّهْ إلىَّ رجلاً عالمًا بما أريدُ أن أسألتَه عنه . فوجّه إليه عبدَ المسيح بن عمروبن حيَّان بن بُقَيْلة الغسّانِىّ، فلمَّا قدم عليه ، قال له : أعندك علم بما أريد أنْ أسألَكَ عنه ؟ قال : ليخبرنى الملك ، فإنْ كان عنْدى منه علم، وإلاَّ أخبرتُهُ بمن يعلمه له، فأخْبَرَه ٩٨٢/١ بما رأى ؛ فقال : علم ذلك عند خال لى يسكُن مَشَارِفَ الشأم ، يقال له سَطِيح ، قال : فأتِهِ فاسأله عمّا سألْتك، وأتِنى بجوابه. فركب عبدُ المسيح راحِلَتَهُ حتى قدم على سَطِيح - وقد أشفى على الموت - فسلّم عليه وحيّاه ، فلم يُحِرْ سطيحٌ جوابًا ، فأنشأ عبدُ المسيح يقول : أصمَّ أَم يَسْمَعُ غِطِرِيفُ الْيَمَنْ! يا فَاصِلَ الْخُِّ أَعْيَتْ مَنْ وَمَنْ أَتَاكَ شَيْخُ الْحَىّ مِنْ آلِ سَنَّنْ أَمْ فَازَ فَأَزْلَمَّ بِهِ شَأْوُ العَيَنْ(١) أَزْرَقُ كُمْعَى الَّابِ صَرَّارُ الْأُذُنْ(٢) وَأُّهُ مِنْ آلِ ذِئْبِ بنِ حَجَنْ رَسُولُ قَبْلِ الْمُجْمَ يَسْرِى لِلْوَسَنْ أَبْيَضُ فَضْفَاضُ الرِّدَاءِ وَالْبَدَنْ تَرْفَعُنِ وَجْنٌ وَهْوِى بِ وَجَنْ(٤) يَجُوبُ بِى الأرضَ عَلَنْدَاةٌ شَزَنَ (٣) حَتَّى أَنَى عَارِى اَلجَاحِى والقَطَنْ لَا يَرْهَبُ الرَّعْدَ وَلَا رَيْبَ الزَّمَنْ (١) الفائق: ((فاد))، وهما بمعنى مات، وازلم: ولى. (٢) ممهى: محدد. (٣) العلندى: الشديد، والفاء للمبالغة . والشزن : النشيط. (٤) الوجين: الغليط من الأرض ، جمعه وجن . ١٦٨ كَأَنَّمَا حُتْحِثَ مِنْ حِضْنَىْ تَكَنْ(١) تَلفَّهُ فِى الرِّيحِ بَوْغَاءِ الدِّمَنْ فلمّا سمع سطيح شعْرَه ، رفع رأسه وقال: عبدُ المسيح ، على جمل يسيح (٢) ، إلى سطيح، وقد أوْفى على الضَّرِيح، بَعَنْك مَلِكُ بنى ساسان ، لارتجاسٍ الإيوان، وخُمودِ النيران، ورؤيا الموْبَذان . رأى إبلاً صِعابًا، تقود خيْلًا عِرابًا، قد قَطَعَتْ دجلة وانتشرت فى بلادها ؛ يا عبدَ المسيح: إذا كثُرَت التلاوَة، وبُعِث صاحبُ الهراوة، وفاض وادى السَّمَاوة، وغاضَتْ بحيرةُ ساوة، وخَمَدَتْ نارُ فارس، فليْسَتِ الشَّأْمُ لِسَطِيح شأما؛ يملِكُ منهم ملوكٌ ومَلِكَات، على عَدَدِ الشرُفَات، وكلُّ ما هو آت آت . ثمَّ قضى سطيح مكانَه ، فقام عبد المسيح إلى رحْلِهِ وهو يقول : شَعِّرْ فَإِنَّكَ مَاضِى الَمِّ شِيرُ لا يُفْزِعَنَّكَ تَغْرِيقٌ وَتَغْيِيرُ فإِنَّ ذَا الدَّهْرَ أَطْوَارٌ دَهَارِيرُ إِنْيَكُ مُلْكُ بَنِ سِلسَانَ أَفْرَطَهُمْ فِرُبََّا رُبََّا أَضْحَوْا بِمَنْزِلَةٍ مِنْهُمْ أَخُو الصَّرْحِ مِهِرَانٌ وَإِخْوَتُهُ ٩٨٤/١ والنَّاسُ أولادُ عَلَّتِ فَمَن عَلِموا وهُمْ بَنُو الأمُّ لَمَّ أَنْ رَأَوْا نَشَباً وَالْخِيْرُ والشَّرُّ مقرونانِ فِى قَرَنِ تَهَبُ صَوْلَهُمُ الأُسْدُ المَاصِيرُ والهُؤْمُزان وسابورٌ وسابورُ أَنْ قد أقَلَّ، فمَهْجُورٌ وَمَحْقُورُ فِذَاكَ بِالْغَيْبِ مِحْفُوظٌ ومَنْصُورُ فالخيْرُ مُتَّبَعٌ والشَّرُّ مَحْذُورُ فلمَّا قَدم عبدُ المسيح على كِسْرى، أخبره بقول سطيح ، فقال: إلى أن يملك منَّا أربعةَ عشر ملكًا قد كانت أمور . فَمَلَكَ منهم عشرةٌ أربعَ سنين، ومَلَك الباقون إلى ملْك عثمان بن عفان (٣). * (١) البوغاء: دقاق التراب، وحثحث: حث وأسرع. وثكن: اسم جبل. (٢) ر: ((مشيح)). (٣) الخبر فى الفائق ١ : ٤٦٠، ٤٦١ ١٦٩ وحُدَّثْتُ عن هشام بن محمد ، قال: بعث وَهْرِزِ بأموال وطُرَف من طُرَف اليمن إلى كسْرى، فلما صارَتْ ببلاد بنِى تميم، دعا صَعْصَعَةُ ابن ناجية بن عِقال المجاشِعِيّ بَنِى تميم إلى الوثوب عليه، فأبَوْا ذلك، فلمّاً صارتْ فِى بِلادِ بنى يربوع دعاهم إلى ذلك ، فهابوه ، فقال: يابنى يَرْبُوع، كأنّى بهذه العِير قد مرَّت ببلاد بكربن وائل، فوَثَبُوا عليها فاستعانوا بها على حَرْبِكُمْ! فلمَّا سمعوا ذلك انْتَهَبُوُها، وأخذَ رجلٌ من بنى سَليط يقال له النَّطِفْ خُرْجاً فيه جوهر، فكان يقال: ((أصاب كنز النَّطِف))؛ فصار مثلا ؛ وأخذ صعْصَعَة خَصَفَة(١) فيها سبائكُ فِضَّة، وصار أصحاب العير إلى هَوْذَة بن علىّ الحنفىّ باليمامة، فكساهم، وزوَّدهم وحملهم ،، وسار معهم حتى دخل على كسرى . وكان لهَوْذة جَمَالٌ وبَيَان ، فأعجب به كسرى وحفظ له ما كان منه ، ودعا بعقد من دُرّ فعقد على رأسِهِ ، وكساه قباء ديباج، مع كسوة كثيرة، فمن ثمَّ سُمّىَ هوذة ذا التاج؛ وقال ٩٨٥/١ كسرى لهوذة: أرَأَيْتَ هؤلاءِ القوم الذين صنعوا ما صنعوا مِنْ قومِكَ هم؟ قال: لا ، قال : أصلحٌ هُم لك ؟ قال: بيننا الموتُ، قال: قد أدْرَكْت بعضَ حاجتك [ونلت تأرك] (٢). وعزم على توجيه الخيل إلى بني تميم، فقيل له: إِنَّ بلادَهُمْ بلادُ سوء ، إنّما هى مفاوزُ وصحارى لا يهتَدَى لمسالكها ، وماؤهُمْ من الآبار، ولا يؤمن أن يُعَوّرُوها فيهلك جندك . وأشيرَ إليه أن يكتب إلى عامِلِه بالبحرين وهو آزاذ فرُوز بن جُشْنَس الذى سَّتْه العرب الْمُكَعْبِرِ - وإنَّماسُمتّى المكعبِر، لأنَّه كان يقطع الأيدىَ والأرْجُل وآلى ألاّ يدع من بنِى تميم عينًا تطرِفُ - فَفَعَل؛ ووجَّه له رسولاً . ودعا بهوذة فجدَّدَ له كرامةً وصِلَةً وقالَ: سِرْ مع رسولى هذا فاشْفِنِى واشْتَفٍ ، فأقبل هوذة والرَّسُول معه حتى صار إلى المكعبير ، وذلك قريب من أيَّام الُلقاط (٣)، وكان بَنُو تميم يصيرون فى ذلك الوقت إلى هجر، للميرَةِ واللَّقاط، فنادى منادى المكتعبير: مَن كان هاهنامن بني تميم فلْيَحْضر (١) الخصفة : وعاء من خوص. (٢) من ح . (٣) اللقاط ، بالضم : جمع اللقاطة ؛ وهو ما التقط من كرب النخل بعد الصرام. ١٧٠ فإن الملك قد أمر لَهُمْ بميرَّةٍ وطعام يُقسّم فيهم ؛ فحضروا ، فأدخلهم المُشَقَّر- وهو حصنٌ حِيَاله حصنٌ يقال له الصَّفا، وبينهما نهرٌ يقال له محلّم - وكان الذى بنى المشقّر رجلا من أساورَة كسرى يقال له: ((بَسَك بن ماهبوذ)) ، كان كسرى وجَّهَهُ لبنائه، فلمَّا ابتدّأه قيل له: إنَّ هؤلاء الفَعَلَة ٩٨٦/١ لا يقيمون بهذا الموْضع إلاَّ أن تكون معهم نساء، فإن فعلت ذلك بِهِمْ ثُمّ بناؤُك، وأقاموا عليْهِ حتى يَفْرُغوا منه؛ فنقل إليْهِم الفواجِرَ من ناحية السَّوَادِ والأهْواز، وحُمِلَتْ إليهِم رَوَايا الخصْرِ من أرض فارس فى البحر، فَتْنَاكَحُوا وَتَوَالدوا، فكانوا(١) جُلَّ أهل مدينة هَجَر، وتكلّم القومُ بالعرَبيَّة، وكانت دعوتُهم إلى عبْد القيْس ، فلما جاء الإسلامُ قالوا لعبد القيْس : قد علمتَم عَدَدَنا وعُدَّتنا وعظيمَ غَنائنا ، فأدْخِلونا فيكم وزّوجونا ، قالُوا : لا ، ولكن أقيموا على حالكم، فأنتم إخوانُنَّا وموالينا ، فقال رجلٌ من عبد القيس: يا معاشر عبد القيْس، أطيعونى وألحقوهم ، فإنَّه ليس عن مثْل هؤلاء مرغَب ، فقال رجل من القوم : أما تَسْتَحِى! أتأمرنا أن نُدْخِل فينا من قد عَرَفْتَ أوَّلَه وأصله! قال : إنَّكم إن لم تفعَلُوا ألحقَهُمْ غيركم من العرب ، قال: إذاً لا نستوحش لهم ؛ فتفرَّقُ القوْم فى العرب ، وبقيتْ فى عبد القيس منهم بَقِيَّةٌ فانتَمَوْا إليهم ، فلم يردُّوهم عن ذلك. فلما أدْخَلِ المكعبِرُ بَنى تميم المشقّر قتل رجالهم واستبقى الغلمان، وقُتِل يومئذ قَعْنَب الرَّياحىّ- وكان فارسَّ بنى يَرْبُوع - قتله رجلانٍ من شَنّ(٢) كانا ينوبان الملوك؛ وجعل الغلمانَ فى السُّن، فعبر بهم إلى فارس ، فَخَصَوْا منهم بشرًا . قال هبيرة بن حُدير العَدوىّ : رجع إليْنا بعد ما فتحت إصطخر عدَّة منهم، أحدُهم خصِىٌّ والآخر خيَّاط. وشدَّ رجلٌ من بنى تميم، يقال له عبيد بن وَهْبٍ على سلسلة الباب فَقَطَعَهَا وخَرَجَ ، فقال : ٩٨٧/١ تَذَكَّرْتُ هُنْداً لاتَ حِينَ تَذَكُرٍ تَذَكَرْتها ودُونَهَا سَيْرُ أَشْهُرٍ حِجَازِيَّةٌ عُلْوِيَّةٌ حَلَّ أهلها مُصابَ الهِيفِ بَيْنَ زُورٍ وَمِنْوَرٍ (٣) (١) ح: ((وكانوا)). (٢) بنوشن، من عبد القيس، وانظر الاشتقاق ٣٢٥ (٣) ر، ل: ((هضاب الخريف)). حَمَيْتُ ذِمارى يَوْمَ بَابِ الْمُشَقْرِ ألا هَلْ أتى قَوْنِى عَلى النَّأَى أَنَّنى ضَرَّبْتُ رِتَاجَ البابِ بِالسَّيْفِ ضَرْبَةً تَفَرَّجَ مِنْها كلُّ بَابِ مُصَبِّرِ وكلّ هوذة بن علىّ المُكتَعْبِر يومئذ فى مائة من أسْرَى بني تميمٍ ، فوهبهم له يوم الفيصْح ، فأعتقهم ، ففى ذلك يقول الأعشى: سائِلْ تميماً به أيَّامَ صِفْقَتِهِمْ لَمَّا أَتَوْهُ أُسَارَى كُلُّهم ضَرَعا(١) لا يَسْتَطِيعونَ بَعْدَ الضُّرِّ مُنْتَفَعَا وَسْطَ الْمُشَقّرِّ فِى غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ رِسْلًا مِنَ القَوْلِ مَخْفُوضً وما رَفَعَا فقال المَلْكِ أَطْلِقْ مِنْهُمْ مِائَةَ(٣). فقَكَّ عن مِائَةٍ مِنْهُمْ إِسَارَهُمُ(٣) بِهِمْ تَقَرَّبَ يَوْمَ الفِصْحِ صَاحِيَةً(٤) وأصْبَحوا كُلُّهُمْ مِنْ غُلِِّ خُلِما يَرْجُو الإِلْهَ بِمَا أَسْدَى وَمَا صَنَعَا(٥) فلا يَرَوْنَ بذاكَمْ نِعْمَة سَبَقَتْ إنْ قال قائِلها حَقًّا بِها وسِعًا ١/ ٩٨٨ يصف بنى تميم بالكُفْر لنعمته . قال : فلما حضرت وهْرِزَ الوفاة - وذلكَ فى آخر ملْك أنوشِرْوان - دعا بقوسه ونشَّابته ، ثم قال : أجلسونى، فأجلسوه ، فرمى وقال : انظروا حيث وقعت نُشَّابِى فاجعلوا ناؤوسِى هناك ، فوقعت نشَّاَيتُه من وراءِ الدَّيْر . وهى الكنيسة التى عند نُعْم، وهىَ تسمَّى اليومَ مقبرةَ وَهْرِزِ ؛ فلمَّا بلغ كِسْرَى موتُ وَهْرٍ ز، بَعَثَ إلى اليمن أسواراً يقال له ويْن(٦)، وكان جَبَّارًا مُسْرِفاً، فَعَزَلَهُ هُرْمُزْ بن كِسْرَى، واستعمل مكانه المَرُوزان، فأقام (١) من قصيدة فى ديوانه ٧٢ - ٨٧، والضرع، بفتحتين: الذليل الضعيف. (٢) الديوان: ((سرح منهم مائة)). (٣) الديوان: ((وثاقهم)). (٤) الديوان: ((يوم الفتح)). (٥) الديوان: ((سدى)). (٦) ط: ((زين))، وأثبث ما فى التصريبات. ١٧٢ باليمن حتى وُلِدَ له بها، وبَلَغْ وَلَدُه. ثم هلك كِسْرَى أنوشِرْوان، وكان مُلْكُه ثمانِيًا وأربعين سنة . ٠ ٠ ٠ [ ذكر ملك هرمز بن كسرى أنو شروان ] ثم ملك هُرْمُزُ بن كِسْرَى أنوشروان، وكانت أمّهُ ابنة خاقان الأكبر ، فحُدَّثْتُ عن هشام بن محمد، قال: كان هُرْمُز بن كِسْرى هذا كثيرَ الأدب ، ذا نِيَّة فى الإحسان إلى الضُّعفاء والمساكين ، والحمل على الأشراف ، فعادَوْه وأبغضوه، وكان فى نفْسِهِ عليهم مثلُ ذلك ، ولمَّا عُقِدَ التاجُ على رأسه، اجْتَمَعَ إليْهِ أشرافُ أهْلِ مَمْلَكَتِهِ ، واجتهدوا فى الدعاء ٩٨٩/١ له والشكر لوالده، فوعدهم خيراً. وكان مُتَحَرِّيًا للسيرة فى رعِيَّتِه بالعدْل، شديداً على العظماء لاستطالتهم كانت على الوُضعاء ، وبلغ من عدْلُه أنَّه كان يسير إلى ماه ليصيفَ، فأمر فَنُودىَ فى مسيره ذلك فى جُنْدِهِ وسائر منْ كان فى عسكره أنْ يتحامَوْا مواضعَ الحرُوث ولا يضرّوا بأحَدٍ من الدَّهاقين فيها، ويضبطوا دوابَّهُمْ عن الفساد فيها، ووكَّل بتعاهد ما يكُون فى عسكره من ذلك ومعاقبةٍ منْ تعدَّى أمْرَه . وكان ابنُه كِسْرَى فى عَسْكَرِهِ ، فعار مركب (١) من مراكِبِه ووقع فى مَحْرَثَة من المحارث التى كانت على طريقه فرتع فيها وأفْسَد منها ، فأخذَ ذلك المركب ، ودُفِع إلى الرَّجُل الذى وكل هُرْمُز بمعاقبة من أفسد أوْ دابَّتهُ شيئًا من المحارث وتغريمه . فلم يقدر الرَّجل على إنفاذ أمر هُرْمز فى كسرى ، ولا فى أحد مِمَّن كان معه فى حَشَمِه ، فرفع ما رأى من إفساد ذلك المركب إلى هُرْمز، فأمر أن يجْدَع أذنيه ، ويبتَّر ذَنَبُه ، ويغرّم كسرى ؛ فخرج الرَّجل من عند هُرْمُز لينفِّذ أمرَه فى كِسْرى ومركبه ذلك، فدسَّ له كِسْرَى رهْطًا من العُظماء ليسْألوه التَّغْبِيبَ فى أمْره ، فلقوه وكلَّموه فى ذلك فلم يجب إليه ، فسألوه أن يؤخِّر ما أمر به هُرْمُز فى المركب حتى يكلِّموه فيأمر بالكفّ عنه، ففعل. فلتىَ أولئك الرَّحْط هُرْمُز (١) عار: ضلّ، والمركب هنا: الدّابّة. ١٧٣ وأعلموه أنّ بالمركب الذى أفسد ما أفسد زعارَةً (١)، وأنَّه عار فوقع فى مَحْرَثَة؛ فأخذ من ساعة وقع فيها ، وسألوه أن يأمر بالكفّ عن جدْعِه وتَبْتيره لما فيها من سوء الطِيَرَة على كِسْرِى. فلم يُجِبْهِمُ إلى ما سَألوا من ذلك ، وأمر بالمركب فجُدع أذناه، وبُثِّرَ ذنبه، وغرم كِسْرَى مثل ما كان يغرّم غيره ١ /٩٩٠ فى هذا الحدّ ، ثمَّ ارتحل من معسكره . وكان هُرْمُزُ ركب ذات يوم فى أوان إيناعِ الكرْم إلى ساباط المدائن، وكانَ مَمَرُّهُ على بساتينُ وكرومٍ ، وإنّ رجلاً ممّن ركب معه من أساورته اطَّلِع فى كَرْمٍ فرأى فيهحِصْرِمًا، فأصاب منه عناقيدَ وَدَفَعَها إلى غلامِ كان معه ، وقال له : اذهب بها إلى المنْزِل واطبُخْها بِلَحمِ واتَّخِذْ منها مرقةً فإنها نافعة فى هذا الإبَّان(٢). فأتاه حافظُ ذلك الكرْم فَلَزِمَه وصرخ، فبلغ [من](٣) إشفاق الرَّجل من عقوبة هرمز على تناوُلِهِ من ذلك الكرْم أنْ دفع إلى حافظ الكرْم مِنْطَقة محلاًّة بذهب كانت عليه ، عوضًا له من الحصْرم الذى رزأ من كرْمه ، وافتدى نفسه بها ، ورأى أنَّ قَبْضَ الحافظ إياها منه وتخليته عنه ، مِنَّةٌ منّ بها عليه ، ومعروف أسداه إليه . وقيل إنّ هرمز كان مظفَّرًا منصوراً لا يَمُدُّ يدَه إلى شىء إلاَّ ناله، وكان مع ذلك أديبًا أريبًا داهيًا ردىء النيّة، قد نزعه أخوالُه الأتراك، وكان مُقْصِيًا(٤) للأشْراف، وإنَّه قتل من العلماء وأهل البيوتات والشَّرف ثلاثَةَ عشر ألف رجل وستمائة رجل ، وإنَّه لم يكن له رأىٌ إلا فى تألُّفِ السَّفلة واستِصْلاحهم، وإنَّه حَبّس ناسًا كثيراً من العظماء وأسْقطهم وحَّط مراتبتهم ودرجاتهم ، وجهَّزَ الجنودَ وقصّر بالأساورة فَفَسَد عليه كثيرٌ مُمَّن كان حوله لِمَا أراد الله من تغيير أمرِهِم وتحويل ملكهم؛ ولكلِّ شيء سبب. وإنَّ الهَرابِذة رفعوا اليه قصَّة يبغون فيها على النّصارى، ٩٩١/١ فوقع فيها : إنَّه كما لا قِوامَ لسريرٍ مُلْكنا بقائمتيه المقدَّمتين دون قائْمَتَيْه (١) الزعارة، بتخفيف الراء أو تشديدها: شراسة الطبع (٢) ل: ((الأوان)). (٣) من ح. (٤) ل: ((مغضباً)). ١٧٤ المؤخرتین ، فکذلك لاقوام لملکنا ولاثبات له، مع استفسادنا من فى بلادنا من النَّصارى وأهل سائر المِلَلِ المخالفة لنا ؛ فأقصِروا عن البغْى على النَّصارى، وواظبوا على أعمال البرّ ليرَى ذلك النصارى وغيرُهم من أهْل الملل [والأديان]، (١) فيحْمَدوكم عليه، وتتوق أنفسُهم إلى ملْتِكم. وحُدَّثْتُ عن هشام بن محمد، قال: خرج على هرمز التَّرك - وقال غيره : أقْبَل عليه (٢) شابة ملك التُّرك الأعظم - فى ثلثمائة ألف مقاتل، فى سنة إحْدى عشرة من ملكه ، حتَّى صار إلى باذغِيس وهَراة . وإنَّ ملكَ الروم صار إلى الضَّوَاحِى فى ثمانين ألف مقاتل قاصداً له ، وإنَّ ملك الخَزّرِ صار فى جمْعٍ عظيم إلى الباب والأبواب ، فعات وأخْرب، وإنَّ رجليْن من العرب يقال لأحدهما : عبّاسُ الأحْول، والآخر: عمرو الأزرق ، نزلا فى جمع عظيمٍ من العرب بشاطئ الفرات ، وشنُّوا الغارةَ على أهل السَّوَاد، واجْتَراً أعداؤُه عليه وغزوا بلاده، وبلغ من اكْتِنَافهم إياها أنَّها سُمِّيَتْ منخلا كثير السّمام. وقيل : قد اكتنف بلادَ الفرس الأعداءُ من كلّ وجه كاكْتناف الوترَسِيتَىِ القَوْس . وأرْسل شابة ملك التُّرك إلى هرمز وعظماءِ الفرس يُؤْذنُهم بإقْبَاله فى جُنوده، ويقول: رُمُّوا قناطرَ أنهارٍ وأودية أجتازُ عليها إلى بلادكم ، واعتقدوا القناطر على كلّ نهْرٍ من تلك الأنهار لا قنطرةَ له ، وافعلوا ذلك فى الأنهارِ والأوْدية التى عليها مسْلَكِى من بلادكم إلى بلادِ الرُّوم ، لإجْماعى بالمسير إليها من بلادكم. فاسْتفظَع هرمز ما وَرَد عليه من ذلك ، وشاور فيه ، فأجْمِع له على القَصْد لملك الترك ، فوجَّه إليه رجُلاً من أهل الرَّىّ يقال لَهُ بَهْرام بن بِهْرام جُشْنَس - ويعرف بِجُوبِين - فى اثنى عشر ألف رجل، اختاره بهرام على عيْنيه من الكهول دون الشَّبَاب. ويقالُ: إنّ هُرْمز عرض ذلك الوقت من كان بحضرته من الديوانِيَّة ، فكانت عِدَّهم سبعين ألف مُقاتل ، فمضى بهرام بمن ضُمَّ إليه مُغِذًّا حتى جاز هَراة وباذغِيس ، ولم يشعُر شابة ببهرام حتى نزل بالقرب منه مُعَسْكِراً ، فجرت ٩٩٢/١ (١) من ح . (٢) ر: ((إليه)). ١٧٥ بَيْنَهُما رسائلُ وحروبٌ، وقتَل بهرامُ شابَة برَمْية رماه إيَّاها. وقيل: إن الرّمىَ فى ملك العجم كان لثلاثة نفر ، منها رمية أرششياطين بين مِنُوشهر ، وأفراسياب(١)، ومنها رَمْيَة سوخرا فى التّرك، ومنها رمية بهرام هذه. واستباح ٩٩٣/١ عسكرَه وأقام بموْضعه ، فوافاه برموذة بن شابة ، وكان يعدل بأبيه ، فحاربه فهزمه ، وحصره فى بعض الحصُون ، ثم ألحّ عليه حتَّى استسْلم له ، فوجَّهه إلى هرمز أسيرًا، وغَنِمَ مما(٢) كان فى الحصْن [وكانت](٣) كنوزاً عظيمة (٤). ويقال إنَّه حمل إلى هرمز من الأموال والجوهر والآنية والسلاح وسائرٍ الأُمْتعة مِمّا غَنَمَهَ وَقْرَ مائتى ألف وخمسين ألف بعير ، فشكر هرمز لبهْرام ما كان منه بسبب الغنائم التى صارت إليْه ، وخاف بهرام سَطْوَة هرمز، وخاف مثْلَ ذلك منْ كان معه من الجنود، فخلعوا هرمز وأقْبلوا نَحْوَ المدائن، وأظْهروا الامْتِعاضَ ممَّا كان من هرمز، وأنَّ ابنَه أبَرْوِيز أصلحُ للمُلْك منه . وساعد هم على ذلك بعض من كان بحضرةِ هرمز، فهرب أبَرْوِيز بهذا السببِ إلى آذربيجان خوفًا(٥) من هرمز، فاجتمع إليه هناك عدّةٌ من المرازِبة والإصْبَهْبذين، فأعْطوْه بَيْعتَهُم، ووثب العظماءُ والأشرافُ بالمدائن ، وفيهم بِنْدى وبِسْطام خالا أبَرْوِيز، فخلعوا هرمز وسملوا (٦) عينيه وتركُوه تَحَرُّجًا من قتله . وبلغ الخبرُ أبَرْوِيز، فأقبل بمن شايعه(٧) من آذربيجان إلى دار الملك مُسابقًا لبهرام ، فلما صار إليْها استولى على المُلْك وتحرَّز من بهرام ، والتّى هُو وهُو على شاطئ النَّهْرَوَان، فجرتْ بينهما مناظرةٌ ومواقفة، ودعا أبَرْويزُ بهرامَ إلى أن يؤمِّنَّه ويرفع مرتَبَتَهُ ويُسْنِى ولايتَه، فلم يقْتَل ذلك، وجرت ٩٩٤/١ بينهما حروبٌ اضطرَّت أبَرْوِيز إلى الهرب إلى الروم مستغيثًا بملكها بعد حرب (١) ط: فراسيات))، وأثبت ما فى الشاهنامة. (٢) ح: ((ما كان)). (٣) من ح . (٤) ح: ((عظاماً)). (٥) ح: ((تخوفا)). (٦) سمل عينيه : فقأهما بحديدة محماة . ١ ر۵ (٧) ر: ((بايعه)). ١٧٦ شديدة وبيات كان من بعضهم لبعض ، وقيل إنَّه كان مع بَهْرام جماعةٌ من الأشدَّاء، وكان فيهم ثلاثةُ نفر من وجوه الأتراك لايعنْدَل بهم فى فروسيّتِهم (١) وشدَّهم من الأتراك أحدٌ ، قد جعلوا لبهرام قتل أبرويز. فلمَّا كان الغدُّمن ليْلة البيات وقف أبَرْوِيز ودعا الناسَ إلى حرب بهرام فتثاقَلُوا عليه ، قصده النفر الثلاثةُ من الأتراك ، فخرج إليهم أبرْويز فقتلهم بيده واحِداً واحداً، ثمَّ انصرف من المعركة وقد أحسَّ من أصحابه بالفتور والتغيُّر ، فصار إلى أبيه بِطَيْسَبون حتى دخل عليه ، وأعلمه ما قد تبيَّنه من أصحابه وشاوره ، فأشار عليه بالمصير إلى مَوْريق ملك الروم ليستنجدهُ ، فأحْرز حُرَّمَه فى موضع أمين عليهم بهرام، ومضى فى عدّة يسيرة ؛ منهم بِنْدى وبسطام وكُرْدی أخو بهرام جوبين حتى صار إلى أنْطَاكيَة ، وكاتَبَ موريق فَقَبِلَه ، وزوَّجه ابنةً له كانتْ عزيزةً عليه(٢)، يقال لها: مَرْيم. وكان جميع مدَّةً مُلْك هرمز بن كسرى فى قول بعضهم ، إحدى عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام . وأمَّا هشام بن محمد فإنَّه قال: كان ملكه اثنتى عشرة سنة . [ ذكر ملك كسرى أبرويز بن هرمز ] ثم مَلَكَ كِسرى أبَرْويز بن هرمز بن كسرى أنوشروان ؛ وكان من أشدّ ماوكهم بطشًا، وأنْهذِ هِم رأيًا، وأبعدهم غوْراً ، وبلغ - فيما ذكر - من البأس والنَّجْدة والنَّصر والظَّفَر وجمْع الأموال والكنوز ومُساعدة القَدَر ومساعفة (٣) الدَّهْر إيّاه ما لم يتهيّأ لملك أكثر منه، ولذلك سُمّى أبرْوِيز، وتفسيرُه بالعربية: ((المظفر)). وُذكر أنه لمّا استوحش من أبيه هرمز- لِمَا كان من احْتِيال بهرام جوبين فى ذلك، حتَّى أوْهم هرمز أنَّه على أن يقوم بالملْك لنفسه دونه- سار إلى آذربيجان مكتَتِماً ، ثم أظهر أمره بعد ذلك ، فلمَّا صار فى النَّاحية اجتمعت إليه جماعة ممّن كان هناك من الإصْبَهْبَذِين وغيرهم، فأعْطوْه بيعتّهم على نُصْرته؛ فلم يُحْدث فى الأمر شيئًا. وقيل إنَّه لما قتل آذِ ينْجُشْتَس المُوَجَّه لمحاربة بهرام جوبين، انفضّ (١) ط: ((فروستهم)) وما أثبته من ت، ل. (٢) ح: ((عنده)). (٣) كذا فى ل، ح. ٩٩٥/١ ١٧٧ الجمع الذى كان معه حتى وافوا المدائن ، واتّبعهم جوبين ، فاضطرب أمر هرمز، وكتَبَتْ أختُ آذِينْجُشْنَس إلى أبَرْوِيز - وكانت تِرْبه - نخبره بضعْف هرمز للحادث فى آذِيْنجُشْنَس، وأنَّ العظماءَ قد أجمعوا على خلعه، وأعْلمته أنّ جوبين إن سَبَقَّه إلى المدائن قبل موافاته احتوى علَيْها . فلمَّا ورد الكتاب على أبَرْويز، جمع من أمْكنه من أرْمينِيَة وآ ذر بيجان، وصار(١) بهم إلى المدائن، واجتمع إليْه الوجوهُ والأشراف مسرورين بِمُوَافاته ، فَتَتَوّج بتاج الملْك ، وجلس على سريره ، وقال : إنَّ من ملّتنا إيثارَ البِرّ ، ومن رأينا العمل بالخير ، وإنّ جدَّنا كِسْرى بن قُباذ كان لكم بمنزلة الوالد ، وإنَّ هرمز أبانًا كان لكم قاضيًا عادلاً ، فعليكم بلزوم السَّمع والطاعة . ٩٩٦/١ فلما كان فى اليوم الثالث، أتى أباه فسجد له ، وقال: عمَّرك الله أيها الملك! إِنَّك تعلم أنّى برىء" مما أتى إليك المنافقون، وأنى إنَّما تواريت ولحقت بآذر بيجان خوفًا من إقدامك على القتل . فصدَّقه هرمز وقال له : إنَّ لى إليك يا بُنِىَّ حاجتيْن ، فأسْعِفنى بهما ؛ إحداهما : أن تنْتقم لى ممَّن عاون على خلْعِى والسَّمْل لعيْىَّ، ولا تأخذْك فيهم (٢) رأفة؛ والأخرى: أن تُؤْنسنِى كلَّ يوم بثلاثة نفر لهم أصالة رأى ، وتأذن لهم فى الدخول علىّ . فتواضع له أبَرْويز وقال: عمّرك الله أيُّها الملك، إنَّ المارق بهرام قد أظلَّنا ومعه الشجاعةُ والنَّجدة، ولسْنا نقدر أن نمدَّ يداً إلى من آتى إليك ما آتى ، فإن أدائِ اللّهُ على المنافق ؛ فأنا خليفتُك وطوْعُ يدك . وبلغ بهرامَ قدومُ كِسْرى وتمليك الناس إياه ، فأقبل يجنده حثيثًا نحو المدائن، وأذكى أبَرْوِيزُ العيون عليه، فلمَّا قرُبَ منه رأى أبَرْويز أنّ التَّرَفُّق به أصْلِح، فتسلَّح وأمر بِنْدُويه وبِسْطام وناسًا كان يَشِقُ بهم من العظماءِ وألفَ رجُل من جنْده، فتزيّنوا وتسلّحوا، وخرج بهم أبَرْوِيز من قصْره نحو بهرام ، والنَّاس يدعون له ، وقد احْتوَشه بِنْدُويَه وبسطام (١) ت، ح: ((فصار)). (٢) ت، ح : ((بهم)). ج ٢ (١٢) ١٧٨ وغيرُهما من الوجوه حتَّى وقف على شاطئ النَّهْرَوان ، فلمَّا عرف بهرام ٩٩٧/١ مكانه، ركب بِرْذَوْنا له أبلقَ كان معجبًا بِه، وأقْبَل حاسِرًا ومعه إيزّدْ جُشْنَس وثلاثةُ نفر من قرابة مَلِك الترك كانوا جعلوا لبهرام على أنفسهم أن يأتوه بأبَرْوِيز أسيرًا، وأعطاهم بهرامُ على ذلك أموالاً عظيمة. ولمَّا رأى بَهْرام بيزَّة كسرى وزينته والتاجَ، يُسَايره معه ((دِرَفْش كابيان)) علَمُهُم الأعظم منشورًا، وأبصر بِنْدُوّيّه وبِسْطام وسائرَ العُظماء وحسنَ تسلُّحِهم وفراهةَ دوابّهم ، اكْتأب لذلك ، وقال لمن معه : ألا تَروْن ابنَ الفاعلة قد ألْحَمَ وأشْحم، وتحوَّل من الحداثة إلى الحُنْكة، واسْتَوَتْ لِحْيَتَهُ وكَمَلَ شبابهُ ، وعظُ بَدَلُه! فبينا هو يتكلّم بهذا وقد وقف على شاطئ النَّهروان. إذ قال كِسْرِى لبعض منْ كان واقفًا: أىّ هؤلاء بهرام ؟ فقال أخٌ لبهرام يسمَّى كُرْدى لم يزل مُطيعًا لأبَرْوِيزِ مُؤْثِراً له : عمَّرك الله! صاحبُ البِرْذون الأبلق. فبدأ كِسرى فقال: إنَّك يا بهرام رُكنٌ لمملكتنا وسنادٌ لرعيَّتنا، وقد حَسُن بلاؤُك عندنا، وقد رأينا أن نخْتار لك يومًا صالحًاً لنُولِّيَكَ فِيه إصْبَهْبَذَة بلاد الفرس جميعًا؛ فقال له بهرام - وازداد من كِسْرى قربًا -: لكنِّى أختار لك يومًا أصلبك فيه. فامتلأ كِسْرى حُزْنًا من غير أن يبدوَ فى وجْهه من ذلك شىء ، وامتدَّ بينهما الكلام، فقال بهرام لأبَرْوِيز: يا بن الزَّانية المُرَبَّى فى خيام الأكراد! هذا ومثله ، ولم يقبل شيئًا ممّا عرضه عليه، وجرى ذِكْر إيرش جدّ بهرام، فقرّعه أبَرْوِيز بطاعة إيرش كانت لمنوُشِهْر جدّه. وتفرَّقا وكلُّ واحد منهما على غاية الوحْشة لصاحبه . وكانت لبهرامَ أختٌ يقال لها كُرْدية، من أتمّ النساء وأكملهنَّ، وكان تزوَّجتها، فعاتبت بهرام على سوء مُلافظته كانت لكِسْرَى، وأرَادَتْه على الدُّخول فى طاعته ، فلم يقبل ذلك ، وكانت بين كِسْرى وبهرام مُبايتة ، فيُقال إنَّه لما كان من غد الليلة التى كان البيات فيها، أبْرز كسرى نفْسه، فلما رآه الأشْراك الثلاثةُ قصدوه، فقتلهم بيده أبَرْوِيز، وحرَّض الناسَ ٩٩٨/١ ١٧٩ على القتال فتبيَّن فشلاً ، فأجمع (١) أبَرْوِيز على إتيان بعض الملوك للاسْتجاشة به ، فصار إلى أبيه وشاوره ، فرأى له المصير إلى ملك الروم ، فأحْرَزّ نساءَه وشَخَص فى عدّة يسيرة ، فيهم بِنْدُويه وبِسطام وَكُرْدى أخو بهرام ، فلمَّا خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يردّ هرمز إلى الملْك ويكتُبَ إلى. ملك الروم عنه فى ردّهم فَيُتْلَفوا، فأعلموا أبَرْوِيزِ ذلك، واستأذَ نُوهُ فى إتلاف هرمز فلم يحِرْ جوابًا ، فانصرف بِندُويه وبسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خَنْقًا ، ثم رجعوا إلى كِسْرى وقالوا: سِرْ على خير طائر ، فحثُّوا دوابَّهم وصاروا إلى الفُرَات فقطعوه ، وأخذوا طريقَ المفازة بدلالة رجل يقال له خُرْشيذان، وصاروا إلى بعض الدِّيارات التى فى أطراف العمارة ، فلما أوطنوا إلى الراحة غشِيَتْهم خيلُ بهرام، يرأسُها رجلُ يقال له بهرام بن سياوَش، فلمَّا نذروا بهم أنبه بنْدُوَيَه أبَرْويزَ من نومه وقال له : احتلْ لنفسك ، فإنَّ القوم قد أطلّوك ؛ قال كسرى : ما عندى حيلة ، فأعلمه بِنْدُوَيَه أنَّه يبذل نفسه دونه، وسأله أن يدفع إليه بِزَّته ويخرج ومن معه من الدَّر، ففعلوا ذلك، وبادروا القومَ حتى تَوَارَوْا بالجبل، فلمَّا وافى بيهرام بن سياوش ، الطَّلِع عليه من فوق الدَّير بِنْدويه وعليْه بِزَّة أَبَرْويز، فَوَهّمه بذلك أنه أبَرْويز، وسأله أن يُنْظِرِه إلى غده ليصير فى٢١. يده سلمًا ، فأمسك عنه ، ثم ظهر بعد ذلك على حيلته ، فانصرف به إلى جوبین، فحبسه فى يدئ بهرام بن سٍياوش . ٩٩٩/١ ويقال إنَّ بهرام دخل ◌ُدُور الملك بالمدائن ، وقعد على سريره ، واجتمع إليه الوجوه والعظماء فخطبهم ووقع فى أبَرْوِيز ، وذمَّه ، ودار بينه وبين الوجوه مناظرات [وكلام](٢) كان كلُّهم منصرفًا عنه، إلاّ أن بهرام جلس على سرير الملك وتتوَّج وإنْقَادَ له الناس خوفًا - ويقال إنَّ بهرام بن سِيَاوش واطَأْ بِنْدويه على الفتْك بجوبين، وإنّ جوبين ظهر على ذلك فقتله ، وأفلت بِنْدويه فلحق بآ ذربيجان، وسَار أبَرْوِيز حتى أتى أنطاكية، وكاتب مَوْريق ملك الرُّوم (١) ت، ح .: (( فأجمع رآیه )) (٢) من ح . ١٨٠ منها ، وأرسل إليه بجماعة ممَّن كان معه وسأله نُصْرَته، فأجابَه إلى ذلك ، وقادته الأمور إلى أن زَوّجه مريم ابنتَه وحملها إليه ، وبعث إليه بثياذوس أخيه ومعه ستون ألف مقاتل ، عليهم رجل يقال له سَرْجِس ، يتولّى تدبير أمرهم ، ورجلٌ آخر كانت قوّته تعدل بقوّة ألف رجل ، واشترط عليه حياطته، وألاّ يسأله الإتاوة التى كان آباؤه يسألونها ملوكَ الروم. فلمَّا ورد القوم على أبَرْويز اغتبط ، وأراحهم بعد موافاتهم خمسة أيام ، ثمّ عرضهم وعرَّف عليهم العرفاء، وفى القوْم ثيانوس وسَرْجِس والكيمى الذى يعدل بألف ١٠٠٠/١ رجل؛ وسار بهم حتى صار إلى آذربيجان ، ونزل صحراء تدعى الدفق ، فوافاه هناك بِنْدُوَيَه ورجل منْ أصْبهْذى الناحية يقال له مُوسِيل فى أربعين. ألف مقاتل، وانقضّ الناس من فارس وأصْبَهان وخُراسان إلى أَبَرْوِيز، وانتهى إلى بهرام مكانه بصحراء الدَّفق ، فشخص نحوه من المدائن ، فجرت بينهما حرْب شديدة قُتِل فيها الكمىُّ الرّومِىّ. ويقال إن أبَرْوِيز حارب بهرام منفرداً من العسكر بأربعة عشر رجلا - منهم كُرْدِى أخو بهرام ، وبِنْدُويه وبسطام، وسَابُور(١) بن أفريان بن فرُّخزاد(١)، وَفَرْخْهُرْمُزُ - حربًاً شديداً وصل فيها بعضُهم إلى بعض . والمجوس تزعم أن أبَرْويز صار إلى مضيق واتبعه بهرام ، فلمَّا ظن أنه قد تمكّنَ منه، رفعه إلى الجبل شىء لا یوقف عليه . وذُكِرِ أنَّ المنجمين أجمعت أنَّ أبَرْوِيز يملك ثمانيًا وأربعين سنة . وقد كان أبرَوِيز بَارَزَ بَهْرام فاختطف رُمْحه من يده وضرب به رأسه حتى تقصَّف ، فاضطرب على بهرام أمرُه ووجيل، وعلم أنَّه لا حيلة له فى أبَرْويز فانحاز نحوَ خراسان ، ثم صار إلى التّرك، وصار أبَرْوِيز إلى المدائن بعد أن فرَّق فى جنود الرُّوم عشرين ألف ألف وصرفهم إلى موريق . ويقال إنّ أبَرْويز كتب للنَّصارى كتابًا أطلق لهم فيه عمارة بِيَعِيهِم وأنْ يدخل فى ملّتِهم من أحبَّ الدخولَ فيها من غير المجوس، واحتجَّ فى ذلك أنّ أنُوشِرْوان كان (١ -١) ط: ((وسابور أنديان وأبادر وفرخراذ))، وما أثبته من التصويبات.