Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ أى الأمر أيسر علينا من ذلك ﴿ إِنْ كَانَتْ إِلَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ ). فأهلك اللّه ذلك الملك وأهل أنطاكية ، فبادوا عن وجه الأرض ، فلم يبق منهم باقية . حدّثنا ابن حميد ، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق، عن الحسن ابن عُمَارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مِقْسَم أبى القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عبّاس، أنه كان يقول : كان اسم صاحب ((يس)) حبيباً ، وكان الجُذام قد أسرع فيه . حدَّثَنا ابن بشّار، قال : حدثنا مُؤْمَّل، قال: حدّثنا سفيان ، عن عاصم الأحول، عن أبى مخلد، قال: كان اسم صاحب ((يس)) حبيب بن مرىّ . * (١ ) وكان فيهم (١) أى فيمن كان فى زمان ملوك الطوائف. شمسون ٧٩٤/١ وكان من أهل قرية من قرى الرّوم ؛ قد هداه الله لرشده ، وكان قومه أهل أوثان يعبدونها فكان(١) من خبره وخبرهم - فيما ذكر - ما حدّثنا ابن حميد، قال : حدّثنا سلمة ، عن ابن إسحاق، عن المغيرة بن أبى لَبيد ، عن وهب بن منبّه اليمانىّ : أن شمسون كان فيهم رجلاً مسلماً ، وكانت أمّه قد جعلته نذيرةً(٢) ، وكان من أهل قرية من قراهم ، كانوا كفّاراً يعبدون الأصنام ، وكان منزله منها على أميال غير كثيرة ، وكان يغزوهم وحده ويجاهدهم فى اللّه ، فيصيب منهم وفيهم حاجته ، فيقتل ويَسْبى ، ويصيب المال، وكان إذا لقيتَهم لقيهم بلَحْىِ بعير لا يلقاهم بغيره ، فإذا قاتلوه وقاتلهم ، وتعب وعطش انفجتر له من الحجر الذى مع (٣) اللّحْى ماء عذب فيشرب منه حتى يروَى، وكان قد أعطِىَ قوّةً فى البطش ، وكان لا يوثقه حديد ولا غيره ، وكان على ذلك يجاهدهم فى اللّه ويغزوهم ، ويصيب منهم حاجته ، لا يقدرون منه على شىء؛ حتى قالوا : لن تأتوه إلا من قبل امرأته ، فدخلوا على امرأته ، فجعلوا لها جُعْلاً ، فقالت : نعم أنا أوثيقه لكم ، فأعطوْها حَبْلًا وثيقًا، وقالوا: إذا نام فأوثِفى يده إلى عنقه حتى نأتيّه فتأخذه . فلما نام أوثقتْ يده إلى عنقه بذلك الحبل ، فلما هبّ جدبه بيده ، فوقع من عنقه ، فقال لها : لمَ فعلتِ ؟ فقالت : أجرّب به قوّتَك، ما رأيتُ مثلَك قطّ! فأرسلْت إليهم أنى قد ربطتُه بالحبل فلم أغْنِ عنه شيئًا ، فأرسلوا إليها بجامعة من حديد ، فقالوا : إذا نام فاجعليها فى عنقه ، فلما نام جعلتْها فى عنقه ، ثم أحكمتْها ، فلما هبّ جذبها ، فوقعتْ من يده ومن عنقه ، فقال لها : لم فعلت هذا ؟ قالت : أجِرَب به قوّتَك ؛ ما رأيتُ مثلَك فى الدنيا يا شمسون ! ٧٩٥/١ (١) ل: ((وإنما كان)). (٢) النذيرة: الابن يجعله أبواه قيماً أو خادماً للكنيسة أو المعبد. (٣) ط: ((فى)) وما أثبته من ل. ٢٢ ٢٣ أُمَا فى الأرض شىء يغلبك! قال: لا، إلاّ شىء واحد، قالت: وما هو؟ قال : ما أنا بمخبرك به ، فلم تزل به تسأله عن ذلك ۔۔ و کان ذا شعر کثیر- فقال لها: ويحك! إن "أمى جعلتْنى زذيرة(١)، فلا يغلبنى شىء أبداً، ولا يضبطنى إلا شعرى فلما نام أوثقت يده إلى عنقه بشعر رأسه ، فأوثقه ذلك ، وبعثت إلى القوم، فجاءوا فأخذوه ، فجدعوا أنفه وأذنيه ، وفقئوا عينيه ، ووقفوه للناس بين ظهرانى المئذنة - وكانت مئذنةً ذات أساطين ، وكان ملكهم قد أشرف عليها بالناس لينظروا إلى شمسون ، وما يصنع به - فدعا الله شمسون حين مثّلوا به ووقفوه أن يسلّطه عليهم، فأمر أن يأخذ بعمودين(٢) من مُمُد المئذنة التى عليها الملك والناس الذين معه فيجذبهما ، فجذبهما فردّ اللّه عليه بصرَه وما أصابوا من جسده، ووقعت المئذنة بالملك ومَنْ عليها من الناس؛ فهلكوا فيها هدمًاً . (١) ط: ((نذيراً)) وانظر الحاشية رقم ٢ فى الصفحة السابقة. (٢) ل: ((العمودين)). ابن الأثير: ((عمودين)). ٢٤ ذكر خبر جرجيس وكان جرجيس - فيما ذكر - عبداً لله صالحًا من أهل فلسطين، ممّن أدرك بقايا من حواریی عيسى بن مريم ، وكان تاجراً يكسب بتجارته ما يستغنى ٧٩٦/١ به عن الناس، ويعود بالفضل على أهل المسكنة. وإنّه تجهّز مرّة إلى ملك بالموْصل ، كما حدّثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن وهب بن منبه وغيره من أهل العلم : أنه كان بالموصل داذانه(١)، وكان قد ملك الشأم (٢) كلّه، وكان جبّاراً عاتيًا لا يُطِيقه إلا الله تعالى. وكان جرجيس رجلاً صالحًا من أهل فِلَسْطين ، وكان مؤمنًا يكتم إيمانه فى عصبة معه صالحين، يستخْفُون بإيمانهم ، وكانوا قد أدركوا بقايا من الحواريِّين فسمعوا منهم ، وأخذوا عنهم . وكان جرجيس كثيرَ المال ، عظيم التجارة ، عظيم الصَّدَقة، فكان يأتى عليه الزمان يُتْلِف ماله فى الصَّدقة حتى لا يبقى منه شىء ؛ حتى يصير فقيراً ، ثم يضرب الضَّرْبة فيصيب مثل ماله أضعافًا مضاعفة ؛ فكانت هذه حاله فى المال . وكان إنما يرغب فى المال ، ويعمّره ويكسبه من أجل الصّدقة ؛ لولا ذلك كان الفقرُ أحبَّ إليه من الغنى . وكان لا يأمن ولايةَ المشركين عليه مخافةَ أن يُؤْذوه فى دينه ، أو يَفْتِنوه عنه؛ فخرج يؤمّ ملكَ الموصل، ومعه مالٌ يريد أن يهديه له؛ لئلاً يجعل لأحد من تلك الملوك عليه سلطانًا دونه ؛ فجاءه(٣) حين جاءه ، وقد برز فى مجلس له، وعنده (٤) عظماء قومه وملوكهم ؛ وقد أوْقَد ناراً، وقرّب أصنافًا من أصناف العذاب الذى كان يعذّب به مَنْ خالفه ، وقد أمر بصنم يقال له: ((أفلون)) فنُصِب؛ فالناس يُعْرَضون عليه، فمن لم يسجدْ له ألقِىَ فى تلك ٧٩٧/١ النار ، وعذِّب بأصناف ذلك العذاب. فلما رأى جرجيس مايصنع فَظِع به (١) ل: ((دادايه)). (٢) ل: ((دان له)). (٣) ل: ((فجاء))، وكذلك فى ابن الأثير. (٤) ل: ((عنده))، بدون وأو . ٢٥ وأعظمه، وحدّث نفسه بجهاده، وألقى الله فى نفسه بُغْضَه ومحاربته، فعمد إلى المال الذى أراد أن يهديه له فقسَّمه فى أهل مِلّته حتى لم يبق منه شيئًاً ؛ وكرِه أن يجاهده بالمال ، وأحبَ أن يَلِىَ ذلك بنفسه ؛ فأقبل عليه عند ما كان أشدّ غضبًا وأسفًا، فقال له: اعلم أنّك عبد مملوك لا تملك لنفسك شيئًا ولا لغيرك، وأنّ فوقك ربًا هو الذى يملكك وغيرك، وهو (١) الذى خلقك ورزقك ، وهو الذى يُحييك ويميتك، ويضرّك وينفعك، وأنت (٢) قد عمدت إلى خلْق من خلقه - قال له: كن فكان - أصمّ أبكم ، لا ينطق ولا يبصر ولا يسمع، ولا يضرّ ولا ينفع، ولا يغنى عنك من الله شيئًا، فزيّنتَه بالذهب والفضة لتجعله فتنة للناس ، ثم عبَدْته دون اللّه، وأجبرت عليه عباد الله، ودعوته ربًّا . فكلّم الملكَ جرجيسُ بنحوهذا ، من تعظيم اللّه وتمجيده، وتعريفه أمرَ الصنم ، وأنّه لا تصلح عبادته . فكان من جواب الملك إياه مسألته إياه عنه ، ومَنْ هو ؟ ومن أين هو ؟ فأجابه جرجيس أن قال : أنا عبد اللّه وابن عبده وابن أمَتِهِ، أذلُّ عباده وأفقرُ هم إليه، من التراب خُلِقْت، وفيه أصير. وأخبره ما الذى جاء به وحاله . وإنّه دعا ذلك الملكَ جرجيسُ إلى عبادة الله ورفْض عبادة الأوثان . وإنّ الملك دعا جرجيس إلى عبادة الصنم الذى يعبده ، وقال: لو كان ربُّك الذى تزعم أنه ملك الملوك كما تقول، لَرُنْىَ عليك أثره كما ترى أثرِى على من حولى من ملوك قومى . فأجابه جرجيس بتمجيد اللّه وتعظيم أمره. وقال له - فيما قال: أين تجعل طر قبلينا(٣)، وما نال (٤) بولايتك؛ فإنه عظيم قومك ، من إلياس ، وما نال إلياس بولاية اللّه! فإنّ إلياس كان بدؤه آدميًّا يأكل الطعام ، ويمشى فى الأسواق ، فلم تَتَنَاه به كرامة اللّه حتى أنبت له الريش، وألبسه النُّور ، ٧٩٨/١ (١) ل: ((هو)) من غير واو . (٢) ت: ((وإنك)). (٣) ت: ((طر قبليننا)). (٤) ل: ((مانال)). ٢٦ فصار إنسيًّا ملكيًا، سمائيًّا أرضيًّا؛ يطير مع الملائكة . وحدّتْنى: أين تجعل مجليطيس، وما نال بولايتك: فإنه عظيم قومك، من المسيح بن مريم وما نال بولاية اللّه! فإنّ اللّه فضّله على رجال العالمين، وجعله وأمّه آية للمعتبرين. ثم ذكر من أمرِ المسيح ما كان اللّه خصّه به من الكرامة. وقال أيضًا: وحدثنى: أين تجعل أمّ هذا الروح الطيّب التى اختارها اللّه لكلمته ، وطهَّر جوفَها لروحه، وسوّدها على إمائه؟ فأين تجعلها وما نالت بولاية اللّه ، من أزبيل وما نالت بولايتك؟ فإنها إذْ(١) كانت من شيعتك وملّتك أسلمها اللّه عند ٧٩٩/١ عظيم ملكها إلى نفسها ، حتى اقتحمت عليها الكلاب فى بيتها، فانتهشَتْ لحمها وولَّغت دمها ، وجرّت الثعالب (٢) والضباع أوصالها .! فأين تجعلُها وما نالت بولايتك من مريم ابنة عمران وما نالت بولاية اللّه ! فقال له الملك: إنك لتحدّثنا عن أشياء ليس لنا بها علْ، فأتنى بالرجلين اللذيْن ذكرت أمرهما ؛ حتى أنظر إليهما ، وأعتبرَ بهما ؛ فإنى أنكر أن يكون هذا فى البشر. فقال له جرجيس: إنّما جاءك الإنكار من قبَل الغيرَّة(٣) باللّه، وأمّا الرّجلان فلن تراهما ولن يرياك؛ إلاّ أن تعمل بعملهما ، فتنزل منازلهما. فقال له الملك : أمّا نحن فقد أعذرْنا إليك، وقد تبين لنا كِذبُك، لأنك فخرت بأمور عجزتَ عنها ، ولم تأت بتصديقها . ثم خيّر الملك جرجيس بين العذاب وبين السجود لأفلون ، فيثيبه ! فقال له جرجيس : إن كان أفلّون هو الذى رفع السماء - وعدّد عليه أشياء من قدرة الله - فقد أصبْتَ ونصحت [لى](٤)، وإلاّ فاخْسَاً أيّها النجس الملعون ! فلما سمعه الملك يسبّه ويسبّ آلهته غضب من قوله غضباً شديداً ، وأمر بخشبة فنصبت له للعذاب ، وجعلت عليه أمشاطُ الحديد، فخُدِش بها (١) فى الأصول: ((إذا)). (٢) زاد فى ل: ((إليه)). (٣) الغرة ، بالكسر : الجهل. ( ٤) تكملة من ل . ٢٧ ٨٠٠/١ جسده حتى تقطّع لحمه وجلدُه وعروقه، ينضح خلال ذلك بالحلّ والخردل . فلما رأى ذلك لم يقتله ، أمر بستة مسامير من حدید فأحميت حتىإذا جعلت ناراً، أمر بها فسمر بها رأسه حتى سال منه دماغه . فلما رأى ذلك لم يقتلْه، أمرّ بحوض من نحاس ، فأوقد عليه حتى إذا جعله ناراً أمر به فأدخل فى جوفه ، وأطبق عليه ، فلم يزل فيه حتى بَرَد حرُّهُ . فلما رأى ذلك لم يقتله، دعا به فقال: ألم تجد ألم هذا العذاب الذى تعذّب به! فقال له جرجيس : أمَا أخبرتُك أنّ لك ربًّا هو أوْلَى بك من نفسك! قال : بلى قد أخبرتنى، قال: فهو الذى حَمَلَ عنَّى عذابكَ ، وصبّرنى ليحتجّ عليك . فلما قال له ذلك أيقن بالشرّ ، وخافه على نفسه ومُلْكه ، وأجمع رأيه على أن يخلّده فى السجن ، فقال الملأ من قومه : إنّك إن تركته طليقًا يكلّم الناس أوشك أن يميل بهم عليك، ولكن مُرْ له بعذاب فى السجن يشغله عن كلام الناس . فأمر فبُطح فى السجن على وجهه ، ثم أوْتد فى يديه ورجليه أربعةَ أوتاد من حديد، فى كلّ ركن منها ويد، ثم أمر بأسطوان(١) من رخام، فوُضع على ظهره . حمّل ذلك الأسطوان سبعة رجال فلم يقدّوه، ثم أربعة عشر رجلاً فلم يقدّوه ، ثم ثمانية عشر رجلا فأقلُّوه ؛ فظل يومه ذلك مُوقّداً تحت الحجر. فلما أدركه الليل أرسلَ اللّه إليه ملكا - وذلك أوّلَ ما أَيِّدَ بالملائكة، وأوّل ما جاءه الوحى - فقلع (٢) عنه الحجر ، ونزع الأوتاد من يديه ورجليه ، وأطعمه وسقاه ، وبشَّره وعزَّاه ، فلما أصبح أخرجه من السجن، وقال له : الحقْ بعدوّك فجاهده فى اللّه حقًّ جهاده؛ فإنّ اللّه يقول لك: أبشرْ واصبر؛ فإنّى أبتليك بعدوِّى هذا سبع سنين، يعذّبك ويقتلك فيهنَّ أربع مِرار ، فى كلّ ذلك أرد إليك روحك؛ فإذا كانت القتلة الرابعة تقبّلت روحك وأوفيتك أجرك. فلم يشعر الآخرون إلاّ وقد وقف جرجيس على رءوسهم يدعوهم إلى الله . فقال له الملك : أجرجيس ! قال: نعم، قال: مَنْ أخرجك من السجن ؟ ٨٠١/١ (١) ل: ((أسطوانة)). (٢) كذا فى ابن الأثير؛ وفى الأصول ((فقطع)). ٢٨ قال : أخرجَنى الذى سلطانُه فوق سلطانك . فلما قال له ذلك ملىء غيظًا ، فدعا بأصناف العذاب حتى لم يخلّف منها شيئًا ، فلما رآها جرجيس تُصنَّف له ، أوجس فى نفسه خيفة وجزعًا ، ثم أقبل على نفسه يعاتبها بأعلى صوته ، وهم يسمعون . فلما فرغ من عتابه نفسه مدَّوه بين خشبَتيْن، ووضعوا عليه سيفاً على مفرق رأسه، فوَشَرُوه (١) حتى سقط بين رجليه، وصار جِزْلتيْن(٢)، ثم عمدوا إلى جزلتيْه، فقطعوهما قِطَعاً. وله سبعة أسْدضارية فى جُبّ ، وكانت صِنفًا من أصناف عذابه، ثم رموا بجسده إليها، فلما هَوَى نحوها أمر الله الأسد فخضعت برءوسها وأعناقها، وقامت على براثنها، لا تألو أن تقيه الأذى ؛ فظلَّ يومه ذلك ميّتًا ، فكانت أول ميتة ذاقها . فلما أدركه اللَّيل جمع الله له جسده الذى قطّعوه بعضه على بعض، حتى سوّاه. ثم ردّ فيه روحه وأرسل ملكا فأخرجه من قَعْر الجبّ، وأطعمه وسقاه، وبشّره وعزّه . فلما أصبحوا قال له الملك : يا جرجيس، قال: لبّيك! قال: اعلمْ أن القدرة التى خُلِقٍ آدم بها من تراب هى التى أخرجتْك من قعر الجُبّ ، فالحق بعدوّك ٨٠٢/١ ثم جاهده فى الله حقّ جهاده، ومت موت الصابرين. فلم يشعر الآخرون إلاّ وقد أقبل جرجيس ، وهم عكوف على عيد لهم قد صنعوه فرحًا - زعموا بموت جرجيس - فلما نظروا إلى جرجيس مقبلا، قالوا: ما أشبه هذا يجرجيس ! قالوا : كأنّه هو ؟ قال الملك : ما يجرجيس من خفاء ، إنّه لهو! ألا تروْن إلى سكون ريحه ، وقِلّة هيبته . قال جرجيس : بلى ، أنا هو حقًّاً! بئس القوم أنتم !قتلتم ومثلتم، فكان الله - وحُقّ له- خيراً وأرحم منكم. أحيانى وردّ علىّ روحى. هلمّ إلى هذا الربّ العظيم الذى أراكم ما أراكم . فلما قال لهم ذلك ، أقبل بعضُهم على بعض ، فقالوا: ساحر سَحَر أيديكم وأعينَكم عنه. فجمعوا له مَنْ كان ببلادهم من السَّحَرة، فلما جاء السحرة ، قال الملك لكبيرهم : اعرض علىّ من كبير سحرك ما تُسرّى به عنّى، قال له: ادع لى بثوْر من البقر ، فلما أتِيَ به نفثَ فى إحدى أذنيه فانشقّت باثنتين ، ثم نفث فى الأخرى ؛ فإذا هو ثوران ، ثم أمر ببذْر فحرث وبذر ، ونبت (١) ت: ((فنشروه)»، وهما بمعنى. (٢) يقال: قطعه جزلتين، أى نصفين. : ٢٩ الزرع ، وأينع وحصد ، ثم داس وذرّى ، وطحن وعجن ، وخبزّ وأكل ذلك فى ساعة واحدة كما ترون! قال له الملك : هل تقدر على أن تمسخه لى (١) دابّة؟ قال الساحر: أى دابّة أمسخه لك ؟ قال: كلباً، قال : ادعُ لى بقدح من ماء، فلما أتِىَ بالقدح نفث فيه الساحر ، ثم قال للملِك : اعزم عليه أن يشربه ، فشربه جرجيس حتى أتى على آخره ؛ فلما فرغ منه قال له الساحر: ماذا تجد ؟ قال: ما أجد إلاّ خيرًا، قد كنت عطشت فلطف ٨٠٣/١ اللّه لى بهذا الشراب، فقوّانى به عليكم. فلما قال له ذلك أقبل الساحر على الملك فقال: اعلم أيّها الملك، أنّك لو كنت تقاسى رجُلاً مثلك إذاً كنت غلبتَه ، ولكنّك تقاسى جبّار السموات، وهو الملِك الذى لا يُرام ! وقد كانت امرأة مسكينة ، سمعت بجرجيس وما يصنع من الأعاجيب ، فأتته وهو فى أشدّ ما هو فيه من البلاء ، فقالت له : يا جرجيس ، إنّ امرأة مسكينة ، لم يكن لى مال ولا عيش إلا ثور كنت أحرث عليه فمات ، وجئتك لترحمَنى وتدعوَ اللّه أن يُحْىَ لى ثورى. فذرفت عيناه . ثم دعا (٢) اللّه أن يحيىَ لها ثورها، وأعطاها عصا، فقال: اذهبى إلى ثورك ، فاقرَ عِيه بهذه العصا وقولى له : احْىَ بإذن الله. فقالت: يا جرجيس مات ثورى منذ أيام، وتفرّقته السباع ، وبينى وبينك أيام ، فقال: لولم تجدِى منه إلا سنّا واحدة ثم قرعتِها بالعصا لقام بإذن الله. فانطلقت حتى أتت مصرع ثورها، فكان أوّل شىء بدا لها من ثورها أحد رَوْقَيْهِ(٣) وشَعر ذَنَبه، فجمعت أحدهما إلى الآخر ، ثم قرعتهما بالعصا التى أعطاها ، وقالت كما أمرها ، فعاش ثورها ، وعملت عليه حتى جاءهم الخبر بذلك . فلمّا قال الساحر للملك ما قال ، قال رجل من أصحاب الملك - وكان أعظمتَهم بعد الملك : اسمعوا منّى أيّها القوم أحدثكم، قالوا: نعم، فتكلّم ، قال: إنكم قد وضعتم أمرَ هذا الرجل على السّحر، وزعمتم أنه سحرَ أيديكم ٨٠٤/١ عنه وأعينكم . فأراكم أنكم تعذبونه، ولم يصل إليه عذابكم ! وأراكم أنكم (١) ت: ((تمسخ لى هذا)). (٢) ل: ((ودعا)). (٣) الروق : القرن من كل ذى قرن. ٣٠ قد قتلتموه فلم يمتْ ، فهل رأيتم ساحراً قطَ قَدَر أن يدرأ عن نفسه الموت ، أو أحْيَا ميتًا قطّ! ثم قصّ عليهم فعل جرجيس، وفعلهم به، وفعلَه بالثور وصاحبته ، واحتجّ عليهم بذلك كلّه ، فقالوا له: إنّ كلامك تكلام رجل قد أصغى إليه ، قال : ما زال أمرُه لى معجبًا منذ رأيت منه ما رأيت، قالوا له: فلعلّه استهواك! قال: بل آمنت وأشهِدُ اللّه أنّى برىء مما تعبدون. فقام إليه الملك وصحابتُه بالخناجر ، فقطعوا لسانه ، فلم يلبث أن مات ، وقالوا : أصابه الطاعون ، فأعجله اللّه قبل أن يتكلّم . فلما سمع الناس بموته أفزعهم ، وكتموا شأنه ، فلما رآهم جرجيس يكتمونه برز للناس ، فكشف لهم أمرَه ، وقصّ عليهم كلامه ، فاتّبعه على كلامه أربعة آلاف وهو ميّت، فقالوا: صدق ، ونعمْ ما قال! يرحمه اللّه ! فعمد إليهم الملك فأوثقهم، ثم لم يزل يلوِّن لهم العذاب ويقتلهم بالمثُلات (١). حتى أفناهم . فلما فرغ منهم أقبل على جرجيس ، فقال له : هلاّ دعوت ربّك . فأحيا لك أصحابَك؛ هؤلاء الذين قُتلوا بجريرتك !فقال له جرجيس: ما خلّى بينك وبينهم حتى خارَ لهم (٢) . فقال رجل من عظمائهم يقال له مجليطيس: إنّك زعمت يا جرجيس أنّ إلهك هو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده ، وإنّ سائلك أمراً إن فعله إلهك آمنت بك وصدقتك ، وكفيتُك قومى هؤلاء ؛ هذه تحتنا أربعة عشر منبراً حيث ترى ، ومائدةٌ بيننا عليها أقداح وصحاف ، وكلُّ ٨٠٥/١ صنيع من الخشب اليابس، ثم هو من أشجار شتى؛ فادْع ربك ينشئ هذه الآنية وهذه المنابر، وهذه المائدة ، كما بدأها أوّلَ مرّة ؛ حتى تعود خضراً نعرف كلَّ عود منها بلونه وورقه وزهره وثمره . فقال له جرجيس : قد سألتَ أمراً عزيزاً علىّ وعليك؛ وإنّه عَلى الله لهيّن. فدعا ربه ، فما برحوا مكانهم حتى اخضرّت تلك المنابر، وتلك الآنية كلّها، فساختْ عروقها ، وألبست اللَّحاء، وتشعّبت، ونبت ورقها وزهرها وثمرها ؛ حتى عرفوا كلّ عود منها باسمه ولونه وزهره وثمره . فلما نظروا إلى ذلك انتدبَ له مجليطيس ، الذى تمنّى عليه ما تمنّى، (١) المثلات : العقوبات . (٢) ت: ((جازاهم)). ٣١ فقال: أنا أعذّب لكم هذا الساحر عذابًا يضلّ عنه كيده. فعمد إلى نحاس فصنع منه صورة ثور جوفاء واسعة ، ثم حشاها نِفْظًا ورصاصًا وكبريتًا وزرنيخًا ، ثم أدخل جرجيس مع الحشو فى جوفها، ثم أوقد تَحْتَ الصورة ، فلم يزل يُوقد حتى التهبت الصورة، وذابَ كلّ شيء فيها واختلط ، ومات جرجيس فى جوفها . فلما مات أرسل اللّه ريحًا عاصفًا، فملأت السماء سحاباً أسودَ مظلمًا، فيه رعدٌ لا يفتر، وبرقٌ وصواعقُ متداركات، وأرسل اللّه إعْصاراً فملأت بلادهم عجاجًا وقَتاما، حتى اسود ما بين السماء والأرض وأظلم ، ومكثوا أياماً متحيّرين فى تلك الظلمة ، لا يفصلون بين الليل والنهار . وأرسل اللّه ميكائيل فاحتمَلَ الصورة التى فيها جرجيس ، حتى إذا أقلّها ضرب بها الأرض ضربًا ، فزع من روعته أهل الشأم أجمعون ، وكلُّهم يسمعه فى ساعة واحدة ؛ فخرُّوا لوجوههم صَعِقِين من شدة الهول ، وانكسرت الصورة ، فخرج منها جرجيس حيًا ، فلما وقف يكلّمهم انكشفت الظلمة ، وأسْفَر ما بين السماء والأرض ، ورجعتْ إليهم أنفسهم . فقال له رجل منهم يقال له طرقبلينا : لا ندرى يا جرجيس أنت تصنع هذه العجائب أم رّبك ؟ فإنْ كان هو الذى يصنعها ، فادعه يُحْىٍ لنا موتانا، فإنّ فى هذه القبور التى ترى أمواتًا من أمواتنا، منهم مَنْ نعرف ومنهم مَنْ مات قبل زماننا ، فادعه يُحْيِهِمْ حتى يعودُوا كما كانوا ونكلّمهم، ونعرف مَنْ عرفنا منهم، ومَنْ لا نعرف أخْبِرْنا خبره . فقال له جرجيس : لقد علمتُ ما يصفح اللّه عنكم هذا الصفح، ويُريكم هذه العجائب(١) إلاّ ليتمّ عليكم حججه ، فتستوجبوا بذلك غضبه . ثم أمر بالقبور فنبشت وهى عظام ورُفات ورميم . ثم أقبل على الدعاء فما برحوا مكانهم ؛ حتى نظروا إلى سبعة عشر إنسانًا : تسعة رهط وخمس نسوة وثلاثة صبية ؛ فإذا شيخ منهم كبير ، فقال له جرجيس : أيها الشيخ ، ما اسمك ؟ فقال: اسمى يوبيل (٢)، فقال: متى مِتّ؟ قال: فى زمان كذا وكذا ، فحسبوا فإذا هو قد مات منذ أربعمائة عام(٣). ٨٠٦/١ (١) ت: ((الأعاجيب)). (٢) ل: ((يوسك)). (٣) ل: ((سنة)). ٣٢ ٨٠٧/١ فلما نظر إلى ذلك الملك وصحابته ، قالوا : لم يبق من أصناف عذابكم شىء إلاّ قد عذّبتموه، إلاّ الجوع والعطش، فعذً بوه بهما. فعمدوا إلى بيت عجوز كبيرة فقيرة ، كان حريزاً، وكان لها ابنٌ أعمى أبكم مقعد ، فحصروه فى بيتها فلا يصلُ إليه من عند أحدٍ طعام ولا شراب . فلما بلغه الجوع ، قال العجوز : هل عندك طعام أو شراب؟ قالت: لا والذى يُحلّف(١) به، ما عهدنا بالطعام (٢) منذ كذا وكذا،، وسأخرج وألتمس لك شيئًا. قال لها جرجيس : هل تعرفين اللّه ؟ قالت له : نعم ، قال : فإياه تعبدين ؟ قالت : لا ، قال : فدعاها إلى الله فصدّقته، وانطلقت تطلب له شيئًا ، وفى بيتها دعامة من خشبة يابسة تحمل خشب البيت ، فأقبل على الدعاء ، فما كان كشىء حتى اخضرّت تلك الدّعامة ، فأنبتت كلّ فاكهة تؤكل أو تعرف ، أو تسمّى حتى كان فيما أنبتت اللّيَاء (٣) واللوبياء. قال أبو جعفر: اللَّيَّاء نبت بالشأم له حبّ يؤكل . وظهر للدِّعامة فرع من فوق البيت أظلّه وما حوله وأقبلت العجوز، وهو فيما شاء يأكل رَغَدا ؛ فلما رأت الذى حدث فى بيتها من بعدها ، قالت : آمنت بالذى أطعمك فى بيت الجوع ، فادعُ هذا الربّ العظيم ليشفى ابنى، قال : أدنيه منى ، فأدنته منه، فبصَق فى عينيه فأبصر ، فتفتَ فى أذنيه فسمع ، قالت له : أطلق لسانه ورجليه ، رحمك الله! قال : أخريه ؛ فإن له يومًا عظيمًا. وخرج الملك يسير فى مدينته ، فلما نظر إلى الشجرة ، قال لأصحابه : إنى أرى شجرة بمكان ما كنت أعرفها به ، قالوا له: تلك الشجرة نبتت لذلك الساحر الذى أردت أن تعذّبه بالجوع ؛ فهو فيما شاء قد شبع منها ، وشبعت (٤) الفقيرة وشفى لها ابنتها. فأمر بالبيت فهدم، وبالشجرة لِتقطع ، فلما هموًا بقطعها أيبسها اللّه تعالى كما كانت أوّل مرة ، فتركوها ، وأمر بجرجيس فبُطح على ٨٠٨/١ (١) ل: «تحلف به)). (٢) ت: ((ما عندنا من طعام)). (٣) قال فى اللسان: الياء: حب أبيض كالحمص شديد البياض يؤكل، وفى ط: ((اللباء) (٤) كذا فى ل، وفى ط: ((أشبعت)). تحريف . ٣٣ وجهه وأوتد(١) له أربعة أوتاد ، وأمر بعجَل فأوقر أسطوانًا ما حمل ، وجعل فى أسفل العجمَل خناجر وشفارًا(٢)، ثم دعا بأربعين ثوراً، فنهضت بالعجل نهضة واحدة ، وجرجيس تحتها ، فتقطّع (٣) ثلاث قطع ، ثم أمر بقطعة فأحرقت بالنار ؛ حتى إذا عادت رماداً بعث بذلك الرماد رجالاً فذرّوه فى البحر ، فلم يبرحوا مكانهم حتى سمعوا صوتاً من السماء يقول: يا بحر ؛ إنّ اللّه يأمرك أن تحفظ ما فيك من هذا الجسد الطيّب ، فإنّى أريد أن أعيده كما كان . ثم أرسل الله الرياح فأخرجته من البحر ، ثم جمعته حتى عاد الرماد صُبْرة كهيئته قبل أن يذرّوه ، والذين ذروه قيام لم يبرحوا . ثم نظروا إلى الرّماد يثور كما كان ، حتى خرج منه جرجيس مغبرًا ينفض رأسه، فرجعوا ، ورجَعَ جرجيس معهم ، فلما انتهوا إلى الملك أخبروه خبر الصوت الذى أحياه ، والريح التى جمعته . فقال له الملك : هل لك يا جرجيس فيما هو خير لى ولك ! فلولا أن يقول الناس إنك قهرتنى وغلبتنى لاتّبعتُك وآمنت بك؛ ولكن اسجد لأفلون سجدة واحدة ، أو اذْبح له شاة واحدة ، ثم أنا أفعل ما يسرّك. فلما سمع جرجيس هذا من قوله طمع أن يُهلِك الصنم حين يدخله عليه ، رجاء أن يؤمن له الملك حين يهلك صنمه ، وييئس منه، فخدعه جرجيس، ٨٠٩/١ فقال : نعم ؛ إذا شئت فأدخلْنى على صنمك أسجد له ، وأذبح له ، ففرح الملك بقوله ، فقام إليه فقَبْل يديه ورجليه ورأسه ، وقال: إنى أعزم عليك ألاّ تظلّ هذا اليوم ، ولا تبيت هذه الليلة إلاّ فى بيتى وعلى فراشى، ومع أهلى حتى تستريح ويذهب عنك وصبُ العذاب ، فيرى الناس كرامتك علىّ . فأخلى له بيته ، وأخرج منه مَنْ كان فيه . فظلّ فيه جرجيس ؛ حتى إذا أدركه الليل ، قام يصلّى، ويقرأ الزّبور - وكان أحسنَ الناس صوتًا - فلمّا سمعته امرأة الملك استجابت له ، ولم يشعر إلا وهى خلفه تبكى معه ، فدعاها (١) ت: ((ووتد)). (٢) فى الأصول: ((وأشفاراً))؛ والصواب ما أثبته من ابن الأثير. (٣) ل: ((فانقطع)). ج ٢ (٣) : ٣٤ جرجيس إلى الإيمان فآمنت ، وأمرها فكتمت إيمانها . فلما أصبح غدا به إلى بيت الأصنام ليسجدَ لها ، وقيل للعجوز التى كان سجن فى بيتها (١): هل علمتِ أنّ جرجيس قد فتن بعدك ، وأصغى إلى الدنيا ، وأطمعه الملك فى ملكه، وقد خرج به إلى بيت أصنامه ليسجد لها ! فخرجت العجوز فى أعراضهم، تحمل ابنها على عاتقها ، وتوبّخ جرجيس ، والناس مشتغلون عنها . فلما دخل جرجيس بيتَ الأصنام ، ودخل الناس معه ، نظر فإذا العجوز وابنها على عاتقها أقربُ الناس منه مقامًا ، فدعا ابن العجوز باسمه ، فنطق بإجابته ، وما تكلّم قبل ذلك قطّ، ثم اقتحم عن عاتق أمّه يمشى على رجليه سويّتين، وما وطئ الأرض قبل ذلك قطّ بقدميه ، فلما وقف بين يدى ٨١٠/١ جرجيس قال: اذهب، فادعُ لى هذه الأصنام ، وهى حينئذ على منابر من ذهب ، واحد وسبعون صنماً ، وهم يعبدون الشمس والقمر معها ، فقال له الغلام : كيف أقول للأصنام ؟ قال: تقول لها: إنّ جرجيس يسألك ويعزم عليك بالذى خَلَقك إلاّ ما جئته(٢). فلما قال لها الغلام ذلك، أقبلت تدحرج إلى جرجيس ، فلما انتهتْ إليه ركض الأرضَ برجله، فخسف بها وبمنابرها، وخرج إبليس من جوف صنم منها هاربًا فرقاً من الخسف ، فلما مرّ يجرجيس ، أخذ بناصيته ، فخضع له برأسه وعنقه ، وكلّمه جرجيس فقال له : أخبرنى أيتها الروح النجسة، والخلق الملعون ، ما الذى يحملك على أن تهلك نفسك ، وتهلك الناس معك ، وأنت تعلم أنك وجندك تصيرون إلى جهنم ! فقال له إبليس : لو خيّرت بين ما أشرقت عليه الشمس ، وأظلم عليه الليل ، وبين هلكة بنى آدم وضلالتهم أو واحد منهم طَرْفة عين ، لاخترت طرفة العين على ذلك كلّه؛ وإنه ليقع (٣) لى من الشهوة فى ذلك واللّذة مثل جميع ما يتلذّذ به جميع الخلق . ألم تعلم يا جرجيس أنَّ اللّه أسجد لأبيك آدمَ جميعَ الملائكة ، فسجد (٤) له: جبريل ، وميكائيل ، وإسرافيل؛ وجميع الملائكة (١) ل: ((سكن فى بيتها)). (٢) ت: ((إلاما أجبته)). (٣) ل: ((يقع)). (٤) كذا فى ل، وفى ط: ((فسجدوا)). ٣٥ المقرَّبين، وأهلُ السموات كلّهم ، وامتنعت من السجود ، فقلت : لا أسجد لهذا الخلْق وأنا خير منه! فلما قال هذا خلاّه جرجيس؛ فما دخل إبليس ٨١١/١ منذ يومئذ جوف صنم، مخافة الخسف، ولا يدخلُه بعدها. فيما يذكرون - أبداً. وقال الملك : يا جرجيس خدعتنى وغررتنى، وأهلكت آلهتى ، فقال له جرجيس : إنّما فعلت ذلك عَمْداً لتعتبر ولتعلم أنها لو كانت آلهة كما تقول إذاً لامتنعتْ منّى، فكيف ثقتك ويلك بآلهة لم تمنع أنفسها منى! وإنّما أنا مخلوق ضعيف لا أملك إلا ما ملكنى ربِّ. قال: فلما قال هذا جرجيس ، كلّمتْهم امرأة الملك ، وذلك حين كشفت لهم إيمانها ، وباينتْهم بدينها، وعدّدت عليهم أفعال جرجيس ، والعبَرَ التى أراهم . وقالت لهم: ما تنتظرون من هذا الرجل إلاّ دعوة فتُخسف بكم الأرص فتهلكوا، كما هلكت أصنامكم. اللّهَ اللّهَ أيّها القوم فى أنفسكم! فقال لها الملك : ويحاً لك إسكندرة ! ما أسرع ما أضلّك هذا الساحر فى ليلة واحدة! وأنا أقاسيه منذ سبع سنين؛ فلم يُطق منّى شيئًا. قالت له : أفما رأيت الله كيف يظفره بك، ويسلّطه عليك ، فيكون له الفلَجُ والحجّة عليك فی کلّ موطن ! فأمر بها عند ذلك فحملت على خشبة جرجيس التى كان علّق عليها، فعلّقت بها، وجعلت(١) عليها الأمشاط التى جعلت على جرجيس . فلما ألمت من وجع العذاب قالت : ادعُ ربك يا جرجيس يخفِّفْ عنى، فإنى قد ألمت [من] العذاب فقال: انظرى فوقك. فلما نظرت ضحكت ، فقال لها : ما الذى يضحكك ؟ قالت : أری ملکین فوقی ، ٨١٢/١ معهما تاج من حَلْ الجنّة ينتظران به روحى أن تخرج، فإذا خرجت زيّناها بذلك التاج ، ثم صعد بها إلى الجنة ، فلما قَبَضَ اللّه روحها أقبل جرجيس على الدعاء ؛ فقال: اللّهمّ أنت الذى أكرمتنى بهذا البلاء، لتعطيسى به فضائل الشهداء ! اللهمّ فهذا آخرٌ أيامى الذى وعدتنى فيه الراحة من بلاء الدنيا ، اللهمّ فإنى أسألك ألا" تقبض روحى، ولا أزولَ من مكانى هذا حتى تنزل بهذا القوم المتكبّرين من سطواتك ونقمتك ما لا قبل لهم به ، وما تشفِى به صدرى ، وتقرّ به عينى؛ فإنهم ظلمونى وعذبونى. اللهمّ وأسألك ألاّ يدعو (١) ل: ((فحملت)). ٣٦ بعدى داعٍ فى بلاء ولا كرب فيذكرنى ، ويسألك باسمى إلاّ فرّجت عنه ورحمته وأجبته ، وشفّعتنى فيه . فلمّا فرَغ من هذا الدّعاء ، أمطر اللّه عليهم النار، فلما احترقوا عمَدوا إليه فضربوه بالسيوف غيظًا من شدّة الحريق ، ليعطيَه اللّه تعالى بالقتلة الرابعة ما وعده . فلما احترقت المدينة بجميع ما فيها ، وصارت رماداً ، حملها اللّه من وجه الأرض حتى أقلّها ، ثم جعل عاليها سافلها ، فلبثت زمانًا من الدهر يخرج من تحتها دخان منتن، لا يشمّه أحد إلا سقم سقماً شديداً، إلاّ أنها أسقام مختلفة ، لا يشبه بعضها بعضًا ، فكان جميع من آمن بجرجيس ، وقتل معه أربعة وثلاثين ألفًا ، وامرأة الملك . رحمها الله! ٠ ٠ ٠ ونرجع الآن إلى : ٨١٣/١ ٣٧ ذكر الخبر عن ملوك الفرس وسنى ملكهم لسياق تمام التأريخ ؛ إذكنا قد ذكرنا الجلائلَ من الأمور التى كانت فى أيام ملوك الطوائف فى الفرس ، وبنى إسرائيل ، والروم ، والعرب ، إلى عهد أُردشیر . ٠ ٠ ٠ [ ذكر ملك أردشير بن بابك ] ولما مضى من لدن مَلَك الإسكندر أرض بابل فى قول النصارى وأهل الكتب الأول خمسمائة سنة وثلاث وعشرون سنة، وفى قول المجوس مائتان وست وستون سنة؛ وثَبَ أرْدَشِير بن بابك شاه ملك خير بن ساسان الأصغربن بابك ، بن ساسان بن بابك بن مهرمس بن ساسان بن بَهْمنَ الملك بن إِسْفَنْدِ يار بن بِشتاسْب بن ◌ُْرَاسْب بن كَيْوَجِى بن كْيمِنُش - وقيل فى نسبه: أرْدَ شِير بن بابك بن ساسان بن بابك بن زرار بن بهآفريذ بن ساسان الأكبر، بن بَهْمَن بن إسْفَنْديار بن بشتاسْب بن لُهْراسب - بفارس طالباً - بزعمه - بدم ابن عمّه دارا بن دارا بن بَهْمَن بن إسْفَنديار، الذى حارب الإسكندر ، فقتله حاجباه، مُرِيدا - فيما يقول (١) - ردّ الملك إلى أهله، وإلى (٢) ما لم يزل عليه أيام سلفه وآبائه الذين مضوا قبل ملوك الطوائف، وجمعه لرئیس واحد وملك واحد . ٨١٤/١ وُذكر أن مولده كان بقرية من قرى إصْطَخْر يقال لها طيروده ، من رُسْتَاق خير من كُورة إصْطَخر . وكان جِدّه ساسان شجاعًا شديد البطش ، وإنّه بلغ من شجاعته وشدة بطشه، أنه حارب وحده ثمانين رجلاً من أهل إصْطَخر، ذوِى بأس ونجدة، فهزمهم . وكانت امرأتُه من نسل قوم من الملوك ، كانوا بفارس ، يعرفون بالبازرنجين، يقال لها : رامبهشت ، ذات جمال وكمال، وكان ساسان قَيِّمًا على بيت نار إصْطَخر ، يقال له بيت (٢) ت: ((على)). (١) ت: ((زعم)). ٣٨ نار أنا هيذ، (١) وكان مغرَمًا بالصيد والفروسيّة ، فولدت رامِبهِشت لساسان بابك، وطولُ شعره حين ولدته أطولُ من شبر . فلما احْتّنك قام بأمر الناس بعد أبيه ، ثم ولد له ابنه أردشير . وكان ملك إصطخر یومئد رجل من البازرنجین، يقال له - فيما حدّت عن هشام بن محمد - جُوزِهْر. وقال غيره : كان يسمّى جُزِهْر، وكان ٨١٥/١ له خَصِيّ يقال له تِيرَى، قد صيره أرْجَبذا (٢) بدارا بَجِرْد. فلما أتى لأردشير سبعُ سنين ، سار به أبوه إلى جُزِهْر ، وهو بالبيضاء ، فوقفه بين يديه، وسأله أن يضمّه إلى تِيرَى؛ ليكون ربيبًا له، وأرجهذا من بعده فى موضعه . فأجابه إلى ذلك، وکتب بما سأله من ذلك سجیلاً، وصار به إلى تِیری، فقبله أحسن قَبَول ، وتبنَّاه . فلما هلك تيرى تقلّد أردشير الأمر ، وحَسُنَ قيامه به ، وأعلمه قوم من المنجّمين والعرّافين صلاحَ مولده ، وأنه يملك البلاد . فذكر أنّ أردشير تواضع واستكان لذلك، ولم يزل يزداد فى الخير كلّ يوم، وأنّه رأى فى نومه ملكًا جلس إلى رأسه، فقال له: إنّ اللّه يملّكه البلاد؛ فليأخذ لذلك أهبتَه، فلما استيقظ سُرَّ بذلك، وأحسَّ من نفسه قوّةً وشدّة بطش، لم يكن یعهد مثله . و کان أوّل ما فعل أنه سار إلى موضع من دارا بجِرْد، يقال له جوبانان، فقتل ملکا کان بها يقال له فاسین (٣). ثم سار إلى موضع يقال له کونس ، فقتل ملكًا كان بها يقال له مينُوشِهْر، ثم إلى موضع يقال له لروير (٤)، فقتل ملكًا كان بها يقال له دارا ، وملَّك هذه المواضيع قومًا من قبله، ثم كتب ٨١٦/١ إلى أبيه بما كان منه، وأمره بالوثوب بُجزهْر وهو بالبيضاء، ففعل ذلك، وقتل جُزِهر وأخذ تاجه، وكتب إلى أرْدَ وَان البَهْلوىّ ملك الجبال وما يتّصل بها ، يتضرّع له ويسأله الإذنَ فى تتويج سابور ابنه بتاج جُزِهْر. فكتب إليه أرْدوان كتابًا عنيفًا، وأعلمه أنه وابنُه أردشير على الخلاف بما كان من (١) ت: ((ذار أهيذ))؛ س: ((ذارهيد)). (٢) وهى أيضاً: ((هرجبذا))، وانظرص ٤٤، ص ١٦. (٣) ت: ((قاسين))، ص: ((قاسير)). (٤) ت: ((لزوير))، س: ((لزوبن)). ٣٩ قتلِهما مَنْ قتلا - فلم يحفل بابك بذلك ، وهلك فى تلك الأيام، فتتوّج سابور ابن بابك بالتاج ، وملك مكان أبيه ، وكتب إلى أردشير أن يشخص إليه . فامتنع أردشير من ذلك ، فغضب سابور من امتناعه ، وجمع جموعًا ، وسار بهم نحوه ليحاربه، وخرج من إصْطَخر، فألفى بها عدّة من إخوته ، كان بعضهم أكبر سنًّاً منه ، فاجتمعوا وأحضروا التاج وسرير الملك ، فسلّم الجميع لأرْدَ شير، فتتوّج بالتاج ، وجلس على السرير، وافتتح أمره بقوة وجِدّ ، ورتّب قومًا مراتب، وصير رجلاً يقال له أبرسام بن رحفر (١) وزيراً ، وأطلق يده وفوّض إليه، وصيّر رجلاً يقال له فاهر (٢) موبذان موبذ، وأحسّ من إخوته وقوم كانوا معه بالفتك به ، فقتل جماعة منهم كثيرة . ثم أتاه أنّ أهلَ دارا بسَجِرْد قد فسدوا عليه، فعاد إليها حتى افتتحها بعد أن قتل جماعة من ١ /٨١٧ أهلها . ثم سار إلى كَرْمان ، وبها ملك يقال له : بلاش ، فاقتتل وهو قتالاً شديداً ، وقاتل أرْد شير بنفسه حتى أسر بلاش ، واستولى على المدينة ؛ فملك أردشير على كَرْمان ابنًا له يقال له أردشير أيضًا . وكان فى سواحل بحر فارس ملك يقال له أبتنبود ، كان يعظَّ ويُعبَد ، فسار إليه أردشير فقتله وقطّعه بسيفه نصفين ، وقتل مَن كان حوله ، واستخرج من مطامير كانت لهم كنوزاً مجموعة فيها ، وكتب إلى مِهْرَك ، وكان ملك إيراهسان من أرْدَ شير خُرَّة، وإلى جماعة من أمثاله فى طاعته ، فلم يفعلوا ، فسار إليهم ، فقتل مِهْرَك ، ثم سار إلى جُور ، فأسّسها ، وأخذ فى بناء الجوْسق المعروف بالطِّرْبَال، وبيت نار هناك . فبينا هو كذلك إذْ ورد عليه رسول الأرْد وان بكتاب منه ، فجمع أردشير الناس لذلك ، وقرأ الكتاب بحضرتهم ؛ فإذا فيه : إنّك قد عَدَوْت طورَك، واجتلبتَ حتفَك، أيها الكردىّ المربَّى فى خيام الأكراد! مَنْ أذنَ لك فى التاج الذى لبسته ، والبلاد التى احتويتَ عليها وغلبت ملوكها وأهلُها! ومَنْ أمرك ببناءالمدينة التى أسَّستها فى صحراء - يريد جور- مع أنّا إِنْ خلّيناك (١) ت: ((زحفر)). (٢) ت: ((قاهر))، ل: ((هاهر)). ٤٠ وبناءها فابتنٍ فى صحراء طولها عشرة فراسخ مدينةً ، وسَمِّها رام أردشير . ٨١٨/١ وأعلمه أنه قد وجه إليه ملك الأهواز ليأتيه به فى وثاق . فكتب إليه أردشير : إنّ اللّه حبانى بالتاج الذى لبستُه، وملّكنى البلاد التى افتتحتُها، وأعاننى على مَنْ قتلت من الجبابرة والملوك، وأمّا المدينة التى أبنيها وأسّيها رام أردشير، فأنا أرجو أن أمكن منك، فأبعث برأسك وكنوزك إلى بيت النار الذى أسسته فى أردشير خرّة . ثم شخص أردشير نحو إصْطَخر ، وخلف أبرسام بأردشير خُرّة ، فلم يلبث أردشير إلاّ قليلاحتى ورد عليه كتاب أبرسام بموافاة ملك الأهواز، وانصرافه منكوبًا. ثم سار (١) إلى إصْبھان فأسر شاذ سابور ملكها، وقتله، ثم عاد إلى فارس ، وتوجّه لمحاربة نيروفر صاحب الأهواز، وسار إلى الرّجان وإلى بنيان(٢) وطاشان من رَامَهُرْمُزْ، ثم إلى سُرَّق . فلما سار إلى ما هنالك ، ركِب فى رهط من أصحابه ؛ حتى وقف على شاطئُ دُجَسْيل ، فظفِر بالمدينة ، وابتنى مدينة سوق الأهواز ، وانصرف إلى فارس بالغنائم ؛ ثم ارتحل من فارس راجعاً إلى الأهواز على طريق جيرِهِ وَكازّرون ، ثم صار من الأهواز إلى مَيْسان ، فقتل ملكًا كان بها يقال له بندو (٣)، وبنى هنالك كَرْخ مَيْسان، ثم انصرف إلى فارس، وأرسل إلى أرْدَ وَان يرتاد موضعًا يقتتلان فيه، فأرسل إليه أرد وان: إنّى أوافيك فى صحراء تدعى هُرْمُزجان، لانسلاخ ميهْرماه . فوافاه أردشير قبل الوقت ، وتبوّأ من الصحراء موضعًا ، وخندق على نفسه وجنده ، ٨١٩/١ واحتوى على عَيْنِ كانت هناك، ووافاه أرد وان. فاصطفَّ القوم للقتال، وقد تقدّم سابور بن أردشير دافعًا عنه ، ونشب القتال بينهم ، فقتل سابور دارا بنداذ ، كاتب أرْدَ وان بيده، فانقضّ أردشير من موضعه إلى أرْدَ وان حتى قتله ، وكثر القتل فى أصحابه ، وهرب مَنْ بَقِىَ على وجهه. ويقال: إنّ أرْدشير نزل حتى توطّأ رأس أرد وان بقدمه . وفى ذلك اليوم سمى أردشير (( شَاهَنْشَاه)). (١) ل: (( صار)). (٢) ط: ((((سار))، وما أثبته من التصويبات. (٣) س: ((نبدوا)).