Indexed OCR Text

Pages 461-480

[ إلياس واليسع عليهما السلام ]
ولما قبض اللّه حِزْقيل كثرت الأحداث - فيما ذكر - فى بنى إسرائيل ،
وتركوا عهد الله الذى عهد إليهم فى التوراة، وعبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم
فيما قيل : إلياس بن ياسين بن فنحاص (١) بن العيزار بن هارون بن عمران .
فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، قال: حدثنى محمد بن إسحاق:
ثم إن الله عزّ وجل" قبض حزقيل، وعظمت فى بنى إسرائيل الأحداث ،
ونَسُوا ما كان من عهدِ اللّه إليهم ، حتى نصبوا الأوثان وعبدوها من دون الله ،
فبعث الله إليهم إلياس بن ياسين بن فِنْخاص بن العيزار بن هارون بن عمران
نبيًّا ؛ وإنما كانت الأنبياء من بنى إسرائيل بعد موسى يُبعثون إليهم بتجديد
ما نسُوا من التوراة . فكان إلياسُ مع ملك من ملوك بنى إسرائيل يقال له
أحاب ، وكان اسم امرأته أزبل (٢)، وكان يسمع منه ويصدّقه، وكان
إلياس يقيم له أمرَه ، وكان سائر بنى إسرائيل قد اتخذوا صنماً يعبدونه
من دون الله، يقال له : بَعْلِ. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض
أهل العلم يقول : ما كان بعْل إلا امرأة يعبدونها من دون الله يقول الله لمحمد
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لِمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَنَّقُونَ) - إلى قوله:
﴿اللّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأُوْلِينَ﴾(٣) - فجعل إلياس يدعوهم إلى الله،
وجعلوا لا يسمعون منه شيئًا إلا ما كان من ذلك الملك ، والملوك متفرقة
بالشأم ؛ کل ملك له ناحية منها یأکلها، فقال ذلك الملك، الذی کان إلياس
معه ، يقوم له بأمره (٤)، ويراه على هدى من بين أصحابه يومًا يا إلياس، واللّه
٥٤١/١
(١) فى أبى الفدا: ((فينحاس))، وضبطه ((بفاء مشربة بباء موحدة، ثم ياء مثناة من
تحتها مالة ، ثم نون ساكنة، ثم حاء مهملة، ثم ألف ممالة وسين مهملة)).
(٢) ح: ((أريك))، س: ((أربك))، ن: ((أزجل)).، وفى التفسير: ((إربل)).
(٣) سورة الصافات: ١٢٣ - ١٢٦.
(٤) اوالتفسير: ((يقوم له أمره)).
٤.٦١

٤٦٢
ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا، واللّه ما أرى فلانًا وفلانًا فعد (١) ملوكًا من
ملوك بنى إسرائيل قد عبدوا الأوثان من دون الله إلاّ على مثل ما نحن عليه ،
يأكلون ويشربون ويتنعمون(٢)، مملَّكين، ما ينقص دنياهم أمرهم الذى تزعم
أنه باطل ، وما نرى لنا عليهم من فضل .
فيزعمون - والله أعلم - أن إلياس استرجع وقام شعر رأسه وجلده، ثم
رفضه وخرج عنه ففعل ذلك الملك فعل أصحابه ؛ عَبَدَ الأوثان ، وصنع
ما يصنعون . فقال إلياس: اللهمّ إن بنى إسرائيل قد أبوا إلا الكفر بك، والعبادة
لغيرك ، فغيِّر ما بهم من نعمتك. أو كما قال(٣).
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق،
قال : ذكر لى أنه أوحى إليه : إنّا قد جعلنا أمر أرزاقهم بيدك وإليك ؛
حتى تكون أنت الذى تأمر فى ذلك . فقال إلياس : اللهمّ فأمسكْ عنهم
المطر. فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت الماشية والدواب والهوامّ والشجر،
وجهد الناس جهداً شديداً .
٥٤٢/١
و کان إلیاس ـ فیما یذ کرون - حين دعا بذلك على بنى إسرائيل قد استخفى
شفقًا على نفسه منهم ، وکان حیث ما کان وضع له رزق ، فكانوا إذا وجدوا
ريح الخبز فى دار أو بيت قالوا : لقد دخل إلياس هذا المكان، فطلبوه (٤)، ولقى
أهل ذلك المنزل منهم شراً . ثم إنه أوى ليلة إلى امرأة من بنى إسرائيل، لها ابن
يقال له اليسع بن أخطوب ، به ضُرٌّ، فآوته وأخفت أمرَه ، فدعا إلياس لابنها
فعوفى من الضُّرِّ الذى كان به ، واتبع اليسع فآمن به وصدّقه ولزمه ، فكان
يذهب معه حيثما ذهب ، وكان إلياس قد أسنّ وكبر ، وكان اليسع غلامًا
شابًا. فيزعمون - والله أعلم - أن الله أوحى إلى إلياس أنك قد أهلكت كثيراً
من الخلق (٥) ممن لم يعص، سوى بنى إسرائيل ممن لم أكن أريد هلاكه بخطايا
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((يعد))، وفى التفسير: ((يعدد)).
(٢) ا:((ويمتعون))، والتفسير: ((وينعمون)).
(٣) الخبر فى التفسير ٢٣: ٥٩، ٦٠ (بولاق).
(٤) ح: ((فيطلبونه فيلقّى)).
(٥) !: ((الناس)).

٤٦٣
بنى إسرائيل من البهائم والدواب والطير والهوامّ والشجر، بحبس المطر عن
بنى إسرائيل. فيزعمون - والله أعلم - أن إلياس قال: أيْ ربّ، دعنى أكن
أنا الذى أدعو لهم به ، وأكن أنا الذى آتيهم بالفرج مما هم فيه من البلاء
الذى أصابهم ، لعلهم أن يرجعوا وينزعوا (١) عما هم عليه من عبادة غيرك . قيل
له نعم ، فجاء إلياس إلى بنى إسرائيل ، فقال لهم: إنكم قد هلكتم جهداً ،
وهلكت البهائم والدواب والطير والهوام والشجر بخطاياكم ، وأنكم على باطل
وغرور - أو كما قال لهم - فإنْ كنتم تحبُّون أن تعلموا ذلك وتعلموا أنّ اللّه
عليكم ساخط فيما أنتم عليه ، وأن الذى أدعوكم إليه الحق ، فاخرجُوا بأصنامكم
هذه التى تعبدون وتزعمون أنها خير مما أدعوكم إليه ؛ فإن استجابت لكم فذلك
كما تقولون ، وإن هى لم تفعل علمتم أنكم على باطل فنزعتم ، ودعوت الله ففرّج
عنكم ما أنتم فيه من البلاء . قالوا : أنصفت ، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به
إلى الله من أحداثهم التى لا يرضى، فدعوْها فلم تستجب لهم ، ولم تفرّج عنهم
ما كانوا فيه من البلاء ، حتى عرفوا ما هم فيه (٢) من الضلالة والباطل، ثم
قالوا لإلياس : يا إلياس ؛ إنا قد هلكنا ، فادع الله لنا ، فدعا لهم إلياس
بالفرج مما هم فيه ، وأن يُسْقَوْا ، فخرجت سحابة مثل الترس بإذن الله
على ظهر البحر، وهم ينظرون، ثم ترامى إليه السحاب، ثم أدجنت ، ثم أرسل
الله المطر فأغاتهم ، فحييت بلادهم ، وفرج عنهم ما كانوا فيه من البلاء ،
فلم ینزعوا ولم يرجعوا وأقاموا على أخبث ما کانوا علیه . فلما رأى ذلك إلياس
من كفرهم دعا ربَّه أن يقبضه إليه فيريحه منهم، فقيل له - فيما يزعمون: انظر
يوم كذا وكذا فاخرج فيه إلى بلد كذا وكذا ، فما جاءك من شىء فاركبه
ولا تهبه ، فخرج إلياس ، وخرج معه اليسع بن أخطوب حتى إذا كان بالبلد
الذى ذكر له فى المكان الذى أمر به أقبل فرسٌ من نار ، حتى وقف بين
يديه فوثب عليه ، فانطلق به فناداه اليسع : يا إلياس ، يا إلياس ، ما تأمرنى ؟
فكان آخر عهدهم به ، فكساه اللّه الريش وألبسه النور ، وقطع عنه لذة
٥٤٣/١
٥٤٤/١
(١) ن: ((ويقلعوا)).
(٢) كذا فى ا، ن، وفى ط: ((عليه)).

٤٦٤
المطعم، والمشرب، وطار فى الملائكة، فكان إنسيًّا ملكيًا أرضيًا سمائيًا (١).
#
*
ثم قام بعد إلياس بأمر بنى إسرائيل - فما حدثنا ابن حُميد ، قال :
حدثنا سلمة عن ابن إسحاق ، قال : كما ذكر لى عن وهب بن منبّه قال :
ثم نبِّئ فيهم - يعنى فى بنى إسرائيل - بعده يعنى [ بعد](٢) إلياس -
اليسع ، فكان فيهم ما شاء اللّه أن يكون ، ثم قبضه الله إليه ، وخلفت
فيهم الخُلوف ، وعظمت فيهم الخطايا ، وعندهم التابوت يتوارثونه کابراً عن
كابر ، فيه السكينة وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ، فكانوا لا يلقاهم
عدوّ فيقدّمون التابوت ويزحفون به معهم إلا هزم اللّه ذلك العدو .
والسكينة فيما ذكر ابن إسحاق عن وهب بن منبه عن بعض أهل العلم من
بنى إسرائيل رأسُ هرة ميتة، فإذا صَرَخت فى التابوت بصُراخ هرّ أيقنوا
بالنصر ، وجاءهم الفتح .
ثم خلف فيهم ملك يقال له إيلاف ، وكان اللّه قد بارك لهم فى جبلهم
من إيليا ، لا يدخله عليهم عدو ، ولا يحتاجون معه إلى غيره ، فكان أحدهم
٥٤٥/١ - فيما يذكرون - يجمع التراب على الصخرة ، ثم ينبذ فيه الحبّ، فيخرج
الله له ما يأكل [منه](٢) سنة(٣) وهو وعياله، ويكون لأحدهم الزيتونة فيعتصر منها
ما يأكل ؛ هو وعيالُه سنة(٣)، فلما عظمت أحداثهم، وتركوا عهد الله إليهم ،
نزل (٤) بهم عدوّ فخرجوا إليه وأخرجوا التابوت كما كانوا يخرجونه، ثم زحفوا به
فقوتلوا حتى اسْتُلِب (٥) من أيديهم ، فأنى ملكهم إيلاف ، فأخبر أن التابوت
قد أخد واستلب ، فمالت عنقه فمات كمداً عليه ، فمرج أمرهم بينهم(٦) واختلف
ووطنهم عدوهم حتى أصيب من أبنائهم ونسائهم ، فمكثوا على اضطراب من
أمرِهم، واختلاف من أحوالهم يتمادوْن أحيانًا فى غيهم وضلالهم ، فسلط (٧)
اللّه عليهم مَنْ ينتقم به منهم ، ويراجعون التوبة أحيانًا فيكفيهم الله [عند
(١) الخبر فى التفسير ٢٣: ٦٠ (بولاق)
(٢) من ن.
(٣) !، والتفسير: ((سنته)). (٤) ن: ((نهض)). (٥) أ، ن: ((استبى)).
(٦) التفسير: ((فرج أمرهم عليهم))، وابن الأثير: ((واختل)).
(٧) !: ((فيسلط)).

٤٦٥
ذلك](١) شر مَنْ بَغَاهم سوءاً؛ حتى بعث الله فيهم طالوت ملكًا، وردًّ
علیهم تابوت الميثاق(٢) .
*
وكانت مدة ما بين وفاة يوشع بن نون - التى كان أمْر بنى إسرائيل فى
بعضها إلى القضاة منهم والساسة، وفى بعضها إلى غيرهم ممن يقْهرهم فيتملّك
عليهم من غيرهم إلى أن ثبت الملك فيهم ، ورجعت النبوة اليهم بشمويل بن
بالى - أربعمائة سنة وستين سنة . فكان أولَ من سُلِّط عليهم فيما قيل رجل
من نسل لوط ، يقال له: كوشان ، فقهرهم وأذلهم ثمانىَ سنين، ثم تنقذهم (٣)
من يده أخ لكالب الأصغر يقال له عتنيل (٤) بن قيس- فقام بأمرهم فيما قيل -
أربعين سنة، سُلّط عليهم ملك يقال له جعلون (٥) فملكهم ثمانى عشرة سنة،
ثم تنقذهم منه - فيما قيل - رجل من سبط بنيامين يقال له أهود بن جيرا(٦)
الأشلّ اليمنى ، فقام بأمرهم ثمانين سنة ، ثم سلط عليهم ملك من الكنعانيين
يقال له يا فين (٧)، فملكهم عشرين سنة ، ثم تنقّذهم- فيما قيل- امرأة نبية
من أنبيائهم يقال لها دبورا (٨) فدبر أمرهم - فيما قيل - رجل من قبلها يقال
له باراق أربعين سنة، ثم سُلط عليهم قوم(٩) من نسل لوط كانت منازلهم فى
تخوم الحجاز فملكوهم سبع سنين ، ثم تنقذهم منهم رجل من ولد نفثالى بن
يعقوب يقال له جدعون بن يواش(١٠)، فدبر أمرهم أربعين سنة، ثم دبر أمرهم
من بعد جدعون ابنه أبيملك(١١) بن جدعون ثلاث سنين ، ثم دبرهم من بعد أبيملك
تولغ بن فوا بن خال أبيملك . وقيل إنه ابن عمه - ثلاثا وعشرين سنة ، ثم دبر
٥٤٦/١
(١) من ا
(٢) الخبر فى التفسير ٥ : ٢٩٥، ٢٩٦
(٤) أ: (عتبيل)).
(٣) !: ((انتقذهم)).
(٥) ط: ((عجلون))، وما أثبته من ا
(٦) !: ((أعور بن حنا)).
(٧) !، ن: ((ياقيس)).
(٨) ا، س، وفى ح: ((ديوار)).
(٩) س: ((أهل))، ن: ((ولد)).
(١٠) ا، ن: ((برانس)).
(١١) ا، ن: ((أينمك)).
(٣٠)

٤٦٦
أمرهم بعد تولغ رجل من بنى إسرائيل يقال له: يائير (١) اثنتين وعشرين سنة ،
٥٤٧/١ ثم ملكهم بنو عمون، وهم قوم من أهل فلسطين ثمانى عشرة سنة ، ثم قام
بأمرهم رجل منهم يقال له يفتح ست سنين ، ثم دبرهم من بعده يحشون (٢) ،
وهو رجل من بنى إسرائيل سبعَ سنين ، ثم دبرهم بعده ألون عشر سنين ، ثم
من بعده كيرون(٣) . ويسميه بعضهم عكرون - ثمانى سنين ، ثم قهرهم أهل
فلسطين وملوكهم أربعين سنة ، ثم وليهم شمسون وهو من بنى إسرائيل عشرين
سنة ، ثم بقُوا بغير رئيس ولا مدبّر لأمرهم بعد شمسون - فيما قيل - عشر
سنين ، ثم دبر أمرهم بعد ذلك عالى الكاهن ، وفى أيامه غلب أهل غزّة وعسقلان
على تابوت الميثاق ، فلما مضى من وقت قيامه بأمرهم أربعين سنة ، بعث
سمويل نبيا فدبرشمويل (٤) أمرهم - فيما ذكر-عشر سنين. ثم سألوا شمويل حين
نالهم بالذل والهوان بمعصيتهم ربهم أعداؤهم، أن يبعث لهم ملكًا يجاهدون معه
فى سبيل الله، فقال لهم شمويل ما قد قصّ اللّه فى كتابه العزيز.
=
٠
(١) ا: ((بابين))، ن: ((يانين)).
(٢) ا، ((يخشون)).
(٣) ا: ((ليزون)).
(٤) ا: ((سمويل)).، وهو فى كل مرة يرد اسمه فيها كذلك.

ذكر خبر شمويل بن بالى بن علقمة بن يرخام بن اليهو
ابن تهو بن صوف ، وطالوت وجالوت
كان من خبر شمويل بن بالى أن بنى إسرائيل لما طال عليهم البلاء ،
وأذلتْهم الملوك من غيرهم، ووطئت بلادهم ، وقتلوا رجالَهم ، وسبوا ذراربّهم،
وغلبوهم(١) على التابوت الذى فيه السكينة والبقية(٢) مما ترك آل موسى وآل
هارون ، وبه كانوا ينصرون إذا لقوا العدو، ورغبوا (٣) إلى الله عزّ وجلّ فى أن
يبعث لهم نبيًّاً يقيم أمرهم .
فحدثنى موسى بن هارون الهمدانى ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ،
قال : حدثنا أسباط عن السدّىٌ، فى خبر ذكره عن أبى مالك وأبى صالح
عن ابن عباس - وعن مرة عن ابن مسعود - وعن ناس من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم: كانت بنو إسرائيل يقاتلون العمالقة، وكان ملك العمالقة
جالوت، وأنهم ظهروا على بنى إسرائيل فضربوا عليهم الجزية ، وأخذوا توراتهم،
فكانت بنو إسرائيل يسألون الله أن يبعث لهم نبيًّاً يقاتلون معه ، وكان سِبْط
النبوّة قد هلكوا ، فلم يبق منهم إلا امرأة حُبْلى فأخذوها فحبسوها فى بيت ،
رهبة أن تلد جارية فتبد له بغلام ، لما ترى من رغبة بنى إسرائيل فى ولدها ،
فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقَها غلامًا، فولدت غلامًا فسمته سمعون(٤)،
تقول : الله سمع دعائى. فكبر الغلام ، فأسلمته يتعدّم التوراة فى بيت المقدس ،
وكفّله شيخ من علمائهم ، وتبنّاه ، فلما بلغ الغلام أن يبعثه الله نبيًّاً، أتاه
جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ، وكان لا يأمن (٥) عليه أحداً غيره فدعاه
بلحن الشيخ : يا شمويل ، فقام الغلام فزعًا إلى الشيخ ، فقال : يا أبتاه ،
(١) س، ن: ((وغلبوا)).
(٢) كذا فى ا، ح، س، وفى ط: ((بقية)).
(٣) كذا فى ا، ح، وفى ط: ((رغبوا)).
(٤) كذا فى ا، ح، س، وفى ط: ((شمعون)).
(٥) كذا فى ا، وفى ط: ((لا يتمن))
٤٦٧

٤٦٨
دعوتنى! فكره الشيخ أن يقول : لا فيفزع الغلام ، فقال : يا بنىّ، ارجع
فتم ، فرجع الغلام فنام . ثم دعاه الثانية فلباه(١) الغلام أيضًا، فقال: دعوتنى!
فقال أرجع فم ، فإن دعوتك الثالثة فلا تجبنى ، فلما كانت الثالثة ظهر له
جبرئيل عليه السلام فقال : اذهب إلى قومك فبلّغهم رسالة ربك ، فإن اللّه
قد بعثك فيهم نبيًّا . فلما أتاهم كذبوه وقالوا : استعجلتَ بالنبوّة ولم يألك(٢)
وقالوا : إن كنت صادقًا فابعث لنا ملكًا يقاتل فى سبيل اللّه، آية من نبوتك،
قال لهم سمعون : عسى إن كُتِب عليكم القتال ألاّ تقاتلوا(٣).
قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل اللّه وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا بأداء الجزية،
فدعا الله فأتى بعضًا ، تكون مقداراً على طول الرجل الذى يُبعث فيهم ملكًا ،
فقال: إن صاحبكم يكون طوله طولَ هذه العصا، فقاسوا أنفسهم بها، فلم يكونوا
مثلَها، وكان طالوت رجلاً سقَّاء يستقِى على حمار له، فضلَّ حمارُّه،
فانطلق يطلبه فى الطريق ، فلما رأوه دعوه فقاسوه بها فكان مثلها ؛ وقال
لهم نبيهم: ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾(٤) قال القوم: ما كنتَ
قطّ أكذبَ منك الساعة ، ونحن من سِبْط المملكة ، وليس هو من سِبْط
المملكة ، ولم يؤتَ أيضًا سعةً من المال فنتبعه لذلك، فقال النبى: ﴿إنّ اللهَ
اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَشَْةً فِىِ العِلِْ وَالْجِسْمِ}(٤) ، فقالوا: فإن كنت
٥٠٠/١ صادقًا فأتنا بآية أنّ هذا ملك، قال: ﴿إنَّ آيَةً مُلْكِهِ أنْ يَأْتِيكُمُ
النَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَّبَكُمْ وَبِقِيَّةٌ بِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾(٥).
والسكينة طِسْت من ذهب يُغسل فيها قلوب الأنبياء، أعطاها الله موسى ،
وفيها وضع الألواح ، وكانت الألواح-فيما بلغنا- من درّ وياقوت وزبرجد، وأما
البقية فإنها عصا موسى ورُضاضة الألواح ، فأصبح التابوت وما فيه فى دار
(١) ط: ((فأتاه))، وما أثبته من ا.
(٢) كذا فى اوالتفسير، وفى ط: ((ولم نبالك)).
(٣) إلى هنا ينتهى الخبر فى التفسير ٥ : ٢٩٨، ٢٩٩.
(٤) سورة البقرة: ٢٤٧، والخبر فى التفسير ٥: ٣١٩. (٥) سورة البقرة: ٢٤٨.

٤٦٩
طالوت ، فآمنوا بنبوّة سمعون، وسلّموا الملك لطالوت .
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، عن
ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين
السماء والأرض ، وهم ينظرون إليه حتى وضعتْه عند طالوت .
حدثنى يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : نزلت
الملائكة بالتابوت نهاراً ينظرون إليه عيانًا ، حتى وضعوه بين أظهرهم ، قال :
فأقرُّوا غيرَ راضين ، وخرجوا ساخطين .
رجع الحديث إلى حديث السدّى . فخرجوا معه وهم ثمانون ألفًا ،
وكان جَالوت من أعظم الناس وأشدُّ هم بأسًا، يخرج (١) يسير بين يدى الجند ،
ولا يجتمع إليه أصحابه حتى يهزم هو مَنْ لفى، فلما خرجوا قال لهم طالوت :
﴿ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِّ وَمَنْ لَمْ يَظْهُ
فَإِنَّهُ مِنِّ﴾(٢) وهو نهر فلسطين، فشربوا منه هيبةً من جالوت، فعبر معه
منهم أربعة آلاف ورجع ستة وسبعون ألفًا، فمن شرب منه عطش ، ومن لم
يشرب منه إلا غرفة روى ، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ، فنظروا إلى ٥٥١/١
جالوت رجعوا أيضًا وقالوا: ﴿لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ
يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُوا الله﴾، الذين يستيقنون ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةً بِإذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(٢). فرجع عنه أيضًا ثلاثة آلاف
وستمائة وبضعة وثمانون ، وخلص فى ثلثمائة وتسعة (٣) عشر عدة أهل بدر.
حدثنى المثنّى، قال ، حدثنا إسحاق بن الحجاج ، قال : حدثنا إسماعيل
ابن عبد الكريم ، قال : حدثنى عبد الصمد بن معقل : أنه سمع وهب بن
منبه يقول : كان لعيلى الذى ربى شمويل ابنان شابان ، أحدثا فى القُرْبان
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((فخرج)).
(٢) سورة البقرة : ٢٤٩ .
(٣) فى ا،: ((بضعة)).

٤٧٠
شيئًا لم يكن فيه كان مِسْوَط القُربان الذى كانوا يسوطونه به كلاّبَيْن ، فما
أخرجا كان للكاهن الذى يَسُوطه ، فجعله ابناه كلاليب ، وكانا إذا جاءت
النساء يصلِّين فى القدس يتشبثان بهنّ . فبينما أشمويل نائم قبل البيت الذى
كان ينام فيه عيلى إذ سمع صوتًا يقول: أشمويل ! فوثب إلى عيلى فقال : لبيك،
فقال : مالك دعوتنى ؟ قال : لا! ارجع ، فتم. فنام، ثم سمع صوتًا آخر يقول :
أشمويل! فوثب إلى عيلى أيضًا ، فقال : لبيك ؛ مالك دعوتنى ؟ فقال :
لم أفعل، ارجع فتم، فإن سمعت شيئاً فقل: ((لبيك)) مكانك، (( مرْنى فافعل))،
٥٥٢/١ فرجع فنام فسمع صوتاً أيضاً يقول: أشمويل، فقال: لبيك، أنا هذا فمرنى أفعل،
قال : انطلق إلى عيلى، فقل له : منعه حُبّ الولد من أن يزجُر ابنيه أن يُحدثا
فى قدسى وقُربانى، وأن يعصيانى، فلأزعنّ منه الكهانة ومن ولده، ولأهلكنّه
وإياهما ، فلما أصبح سأله عيلى فأخبره ، ففزع لذلك فزعًاً شديداً ، فسار
إليهم عدوًّ ممن حوله فأمر ابنيه أن يخرجا بالناس ويقاتلا ذلك العدو ، فخرجا
وأخرجا معهم التابوت الذى فيه الألواح وعصا موسى لينتصروا به (١) . فلما
تهيئوا للقتال هم وعدوهم جعل عيلى يتوقع الخبر : ماذا صنعوا ؟ فجاءه رجل
يخبره (٢) وهو قاعد على كرسيه : أنّ ابنْيك قد قتلا ، وأن الناس قد انهزموا ،
قال : فما فعل التابوت ؟ قال : ذهب به العدو قال فشِهِق ووقع على قفاه من
كرسيه فمات ، وذهب الذين سبوا التابوت حتى وضعوه فى بيت آلهتهم، ولهم
صنم يعبدونه ، فوضعوه تحت الصنم والصنم من فوقه ، فأصبح من الغد الصنم
تحته ، وهو فوق الصنم ، ثم أخذوه فوضعوه فوقه ، وسمّروا قدميه فى التابوت ،
فأصبح من الغد قد قطعت يد الصنم ورجلاه ، وأصبح ملقىّ تحت التابوت ،
فقال بعضهم لبعض : أليس (٣) قد علمتم أن إله بنى إسرائيل لا يقوم له شىء!
فأخرجوه من بيت آلهتكم . فأخرجوا التابوت فوضعوه فى ناحية من قريتهم ،
فأخذ أهل تلك الناحيةَ التى وضعوا فيها التابوتَ وَجَعٌ فى أعناقهم ، فقالوا :
ما هذا ؟ فقالت لهم جارية كانت عندهم من سنى بنى إسرائيل : لا تزالون
(١) س: ((بها))، التفسير: ((لينصروا به)).
(٢) إن: ((فخبره)).
(٣) ن: ((ألستم)).

٤٧١
٠
٥٥٣/١
ترون ما تكرهون ! ما كان هذا التابوت فيكم ، فأخرجوه من قريتكم . قالوا :
كذبت ، قالت : إن آية ذلك أن تأتوا ببقرتيْن ، لهما أولاد لم يوضع عليهما
نِيرٌ قطّ ، ثم تضعوا وراءهما العجل ، ثم تضعوا التابوت على العجل وتسيروهما
وتحبسوا أولادهما ، فإنهما تنطلقان به مذعنتين ، حتى إذا خرجتا من أرضكم
ووقعتا فى أدنى أرض بنى إسرائيل كسرتا ذِيرهما ، وأقبلتا إلى أولادهما ،
ففعلوا ذلك ، فلما خرجتا من أرضهم، ووقعتا (١) فى أدنى أرض بنى إسرائيل ،
كسرتا ذِيرهما وأقبلتا إلى أولادهما ، ووضعتاه فى خربة فيها حصاد من
بنى إسرائيل ، ففزع إليه بنو إسرائيل، وأقبلوا إليه فجعل لا يدنو منه (٢)
أحد إلامات، فقال لهم نبيهم أشمويل اعترضوا(٣)، فمن آنس من نفسه قوة
فايدنُ منه ، فعرضوا عليه الناس ، فلم يقدرْ أحد على أن يدنَّو منه ؛ إلا
رجلان من بنى إسرائيل، أذن لهما بأنْ يحملاه إلى بيت أمهما ، وهى أرملة ،
فكان فى بيت أمهما ، حتى مَلك طالوت ، فصلُح أمر بنى إسرائيل مع
أشمويل(٤). فقالت بنو إسرائيل: لأشمويل: ابعث لنا ملكًا يقاتل فى سبيل
الله، قال: قد كفاكم اللّه القتال، قالوا إنا نتخوّفُ مَنْ حولنا، فيكون لنا
ملك نفزع إليه ، فأوحى الله إلى أشمويل : أن ابعثْ لهم طالوت ملكًا وادهُنه
بدهن القدس ، فضلت حمر لأنى طالوت ، فأرسله وغلاما له يطلبانها فجاءا
إلى أشمويل يسألانه عنها، فقال إنّ اللّه قد بعثكَ ملكًا على بنى إسرائيل، ٥٥٤/١
قال : أنا! قال : نعم، قال أو ما علمت أنّ سبْطى أدنى أسباط
بنى إسرائيل! قال: بلى، قال. أما علمت أنّ قبيلتى أدنى قبائل سِبْطى !
قال: بلى، قال: أما علمت أن بينى أدنى بيوت قبيلتى؟ قال: بلى، قال : فبأية آية ؟
قال : بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حُمرَه ، وإذا كنت فى مكان كذا وكذا
نزل عليك الوحى. فدهنَّه بدُهْن القدس، وقال لبنى إسرائيل: ﴿إِنَّ اللهَ قَدْ
بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ
(١) ن: ((ووضعتاه)).
(٢) ن: ((إليه)).
(٣) كذا فى ١، ن والتفسير، وفى ط: ((أعرضوا)).
(٤) إلى هنا، الخبر فى التفسير ٥ : ٣١٨ - ٣٢٠.

٤٧٢
بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمَّ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلْكُمْ
وَزَادَهْ بَسْطَةَ فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾(١).
رجع الحديث إلى حديث السدىّ. ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتِ وَجُنُودِهِ قَالُوا
رَبََّا أَفْرِ غْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾(٢) فعبَر يومئذ أبو داود فيمنْ عَبَر فى ثلاثة عشر
ابنًا له ، وكان داود أصغر بنيه وإنه أتاه ذات يوم فقال : يا أبتاه ، ما أرمى
بقذّافتى شيئًا إلا صرعته ، قال : أبشرْ يا بنى ، إن الله قد جعل رزقك فى
قَذَّافتك ، ثم أتاه مرة أخرى فقال : يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت
أسداً رابضًا فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم يهجنى ، فقال : أبشر يا بنى ،
فإن هذا خيرٌ يعطيكه اللّه، ثم أتاه يومًا آخر ، فقال: يا أبتاه إنى لأمشى
بين الجبال فأسبُّح فلا يبقى جبل إلا سبّح معى، فقال: أبشِرْ يا بنى، فإنّ
٥٥٥/١ هذا خيرٌ أعطاكه الله- وكان داود راعيًا، وكان أبوه خلّفه يأتى إلى أبيه وإلى
إخوته بالطعام - فأتى النبي عليه السلام بقرن فيه دُهن وتنوّر من حديد ،
فبعث به إلى طالوت، قال: إنّ صاحبكم الذى يقتل جالوت يوضع هذا القرن
على رأسه ، فيغلى حتى يدّهن منه ولا يسيل على وجهه ، ويكون على رأسه
كهيئة الإكليل ، ويدخل فى هذا التنور فيملأه . فدعا طالوت بنى إسرائيل،
فجرَّبهم به فلم يوافقه منهم أحد ، فلما فَرَغوا قال طالوت لأبى داود : هَلْ
بقى لك ولد لم يشهدنا ؟ قال : نعم ، بقى ابنى داود ، وهو يأتينا بطعام ، فلما
أتاه داود مرَّ فى الطريق بثلاثة أحجار فكلّمنه وقلن له : خذنا يا داود تقتل بنا
جالوت ، قال : فأخذهنّ وجعلهن فى مخلاته ، وكان طالوت قد قال: مَنْ
قتل جالوت زوّجته ابنتى، وأجريت خاتمه فى ملكى ، فلما جاء داود وضعوا
القرن على رأسه ، فغلى حتى ادّهن منه وليس التنور فملأه ، وكان رجلا مسقاما
مصفارًا ، ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه ، فلما لبسه داود تضايق التنّور عليه
حتى تنقّض، ثم مشى إلى جالوت، وكان جالوت من أجْسَمَ الناس وأشدُ هم ،
(١) سورة البقرة: ٢٤٧، والخبر فى التفسير ٥: ٣٠٨، ٣٠٩
(٢) سورة البقرة : ٢٥٠ .

٤٧٣
فلمّا نظر إلى داود قُذفَ فى قلبه الرعب منه ، فقال له : يا فتى ، ارجع فإنى
أرحمك أن أقتلَك ، فقال داود : لا بل أنا أقتلك . فأخرج الحجارة فوضعها
فى القذّافة ، كلّما رفع منها حجرا سمّاه ، فقال : هذا باسم أبى إبراهيم ،
والثانى باسم أبى إسحاق ، والثالث باسم أبى إسرائيل ، ثم أدار القذّافة فعادت
الأحجار حجراً واحداً، ثم أرسله فصكَّ به بين عينى جالوت فَنَقبَتْ رأسه ،
ثم قتلته؛ فلم تزل تقتل کلّ إنسان تصيبه تنفذ فيه ، حتى لم یکن بحیاها أحد ،
فهزموهم عند ذلك ، وقتل داود جالوت ، ورجع طالوت فأنكح داود ابنته، وأجرى
خاتمه فى ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبُّوه .
٥٥٦/١
فلما رأى ذلك طالوت وجَد فى نفسه وحسده ، وأراد قتلَه، فعلم داود أنه
يريده بذلك (١)، فسجَى (٢) له زِقَّ خمر فى مضجعه ، فدخل طالوت إلى منام
داود وقدهرب داود، فضرب الزق" ضربة فخرقه، فسالت (٣) الخمر منه، فوقعت قطرة
من خمرٍ (٤) فى فيه ، فقال : يرحم الله داود، ما كان أكثر شرَبَه للخمر !
ثم إن داود أتاه من القابلة فى بيته وهو نائم، فوضع سهمين عند رأسه ، وعند
رجليه وعن يمينه وعن شماله سهمين سهميْن، ثم نزل . فلما استيقظ طالوت بصر
بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله داود، هو خيرٌ منّى، ظفرت به فقتلته(٥) وظَفِر بى
فكفّ عنى ! ثم إنه ركب يوماً فوجدهُ يمشى فى البرّيّة ، وطالوت على فرس ،
فقال طالوت : اليوم أقتلُ داود - وكان داود إذا فزع لم يدرك - فركض
على أثره طالوت ، ففزع داود، فاشتدّ فدخل غاراً ، فأوحى الله إلى العنكبوت
فضربت عليه بيتًا ، فلما انتهى طالوتُ إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت ،
فقال : لو كان دخل ها هنا لخرق بيت العنكبوت، فخيّل إليه فتركه .
٥٥٧/١
وطعن العلماءً على طالوت فىشأن داود، فجعل طالوت لا ینهاه أحدٌعن داود
إلا قتله، وأغراه الله بالعلماء يقتلهم، فلم يكن يقدر فى بنى إسرائيل على عالم يُطيق
قتله إلا قتله ، حتى أُتِىَ بامرأة تعلم اسم الله الأعظم، فأمر الخباز(٦) أن يقتلها،
(١) س: ((يريد ذلك)).
(٣) فى ا، ح: ((فسال)) والخمر تذكر وتؤنث.
(٤) ط: ((الخمر))، وما أثبته عن ا، ح ، س .
(٥) كذا فى الأصول، وفى ابن الأثير: ((فأردت قتله)).
(٢) سجى الشىء : غطاء.
(٦) كذا فى أ، وفى ط: ((الجبار)).

٤٧٤
فرحمها الخباز، وقال : لعلنا نحتاج إلى عالم. فتركها ، فوقع فى قلب طالوت
التوبة وندم ، وأقبل على البكاء حتى رحمه الناس ، وكان كلّ ليلة يخرج
إلى القبور فيبكى، وينادى: أنشد الله عبداً علم أن لى توبةً إلاّ أخبرنى بها !
فلما أكثر (١) عليهم [ليالِىَ](٢) ناداه مناد من القبور: أن يا طالوت ، أما ترضى
أن قتلتنا أحياء حتى تؤذينا أمواتًا! فازداد بكاء وحزنًا ، فرحمه الخباز فكلمه
فقال : مالك ؟ فقال : هل تعلم لى فى الأرض عالمًا أسأله : هل لى من توبة ؟
فقال له الخباز : هل تدرى ما مثلُك ؟ إنما مثلُك مثلُ ملِك نزل قريةً عشاء
فصاح الديك ، فتطيّر منه ، فقال : لا تتركوا فى القرية ديكًا إلا ذبحتموه ،
فلما أراد أن ينام قال: إذا صاح الديك فأيقظونا حتى نُدْلِج (٣)، فقالوا له: وهل
تركتَ ديكًا يُسمع صوته! ولكن هل تركتَ عالمًا فى الأرض ! فازداد حزنًا
وبكاء ، فلما رأى الخباز منه الجدّ، قال: أرأيتُك إن دللتك على عالم لعلك
أن تقتله ! قال : لا ، فتوثق عليه الخباز، فأخبره أن المرأة العالمة عنده ، قال:
٥٥٨/١ انطلقٍ بى إليها أسألها هل لى من توبة؟ وكان إنما يعلم ذلك الاسم أهل بيت ؛
إذا فنيَت رجالهم علمت النساء ، فقال : إنها إن رأتك غُشِى عليها ، وفزعتْ
منك ، فلما بلغ الباب خلّفه خلفه ، ثم دخل عليها الخباز، فقال لها : ألستُ
أعظم الناس منّة عليك؟ أنجيتك من القتل ، وآويتك عندى. قالت: بلى ،
قال : فإنّ لى إليك حاجة، هذا طالوت يسألك : هل له من توبة ؟ فغشى عليها
من الفَرّق ، فقال لها: إنه لا يريد قتلك ، ولكن يسألك : هل له من توبة ؟
قالت : لا ، والله ما أعلم لطالوت توبةً، ولكنْ هل تعلمون مكان قبر نبيّ ؟
قالوا : نعم ، هذا قبر يوشع بن نون ، فانطلقتْ وهما معها إليه ، فدعتْ، فخرج
يوشع بن نون ينفضُ رأسَه من التراب ، فلما نظر إليهم ثلاثتهم قال : ما لكم؟
أقامت القيامة ؟ قالت : لا ، ولكن طالوت يسألك : هل له من توبة ؟ قال
يوشع : ما أعلم لطالوت من توبة إلا أن يتخلى من ملكه ، ويخرج هو وولده
فيقاتلون(٤) بين يديه فى سبيل الله، حتى إذا قُتلوا شدَّ هو فقُتل؛ فعسى أن يكون
(١) ح، س: ((کثر)).
(٢) تكملة من ! ، ح ، س
(٣) الإدلاج هنا : السير آخر الليل .
(٤) ن: ((يقاتلون)).
٩١٠٠٠ ٠٩

٤٧٥
ذلك له توبة ، ثم سقط ميتًا فى القبر .
ورجع طالوت أحزنَ ما كان؛ رهبة(١) ألاّ يتابعه ولده، فبكى حتى
سقطت أشفار عينيه ، ونحَلَ جسمُه ، فدخل عليه بنوه وهم ثلاثة عشر رجلا
فكلّموه وسألوه عن حاله، فأخبرهم خبره، وما قيل له فى توبته، فسألهم أن يغزوا
معه ، فجهزهم فخرجوا معه ، فشدُّوا بين يديه حتى قتلوا ، ثم شدّ بعدهم هو ٥٥٩/١
فقتل ، وملك داود بعد ذلك ، وجعله اللّه نبيًّا، فذلك قوله عزّ وجلّ :
﴿وَآتَاهُ اللهُ المِلْكَ والحِكْمَةَ﴾؛ قيل: هى النبوّة؛ آتاه نبوّة شمعون وملك
طالوت .
واسم طالوت بالسريانية شاول بن قيس بن أبيال (٢) بن ضرار بن بحرت (٣) بن
أفيح بن أيش(٤) بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم(٥).
وقال ابن إسحاق : كان النبيّ الذى بعث لطالوت من قبره حتى أخبره
بتوبته اليسع بن أخطوب ؛ حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، عن
ابن إسحاق .
وزعم أهل التوراة أنّ مدة ملك طالوت من أولها إلى أن قتل فى الحرب
مع ولده كانت أربعين سنة .
(١) ا، س: ((قط رهبة)).
(٢) ن: ((أنيال)).
(٣) اوالتفسير: ((يحرب).
(٤) التفسير: ((آيس)).
(٥) التفسير ٥ : ٣٠٨

ذ کر خبر داود بن إیشی بن عوید بن باعز بنسلمون بن
نحشون بن عمینادب بن رامبن حصرون بن فارص بن
يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم
وكان داود عليه السلام(١)-فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة
عن ابن إسحاق ، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبّه ــ قصيراً أزرق
قليلَ الشعر، طاهر القلب نقيّه .
١
٥٦٠/١
حدثنى يونس بن عبد الأعلى ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : حدثنى
ابن زيد فى قول الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أَلُوفٌ
حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾(٢) قال: أوحى الله
إلى نبيِّهم أنَّ فى وَلَد فلان رجلا يقتل الله به جالوت، ومن علامته هذا القرن
يضعه على رأسه فيفيض ماء، فأتاه فقال: إن الله عزّ وجلّ أوحى إلىّ أنّ فى
وَلَدَك رجلاً يقتلُ اللّه به جالوت. فقال: نعم يانبى الله، قال: فأخرجَ له
اثنى عشر رجلا أمثال السَّوارى(٣)، وفيهم رجل بارع [عليهم] (٤) ، فجعل يعرِ ضهم
على القَرْن فلا يرى شيئاً، فيقول لذلك الجسيم: ارجع ، فيردّ ده عليه، فأوحى الله إليه:
إنا لا نأخذ الرجال على صُورهم، ولکنا نأخذهمعلى صلاح قلوبهم، قال: ياربّ،
قد زعم أنه ليس له ولد غيره ، فقال : كذب ، فقال : إن ربى قد كذّبّك ،
وقال: إن لك ولداً غيرهم. قال: قدصدق يا نبيّ اللّه، إن لى ولداً قصيراً استحييت
أن يراه الناس فجعلته فى الغنم ، قال : فأين هو ؟ قال : فى شِعْب كذا
وكذا ، من جبل كذا وكذا ، فخرج إليه فوجد الواديَ قد سال بينه وبين
البقعة التى كان يريح(٥) إليها . قال: ووجده يحمل شاتين شاتين ، يُجيزُ بهما
السَّيْل ولا يخوض بهما السيل. فلما رآه قال: هذا هو، لا شكّ فيه، هذا
(١) ا: ((وكان داود رجلا)).
(٢) سورة البقرة ٢٤٣ - ٢٤٦ .
(٤) تكملة من ا والتفسير، والبارع : الذى
(٣) السوارى: الأعمدة ، جمع سارية .
يفوق أصحابه فى العلم وغيره .
(٥) أراح الغنم : ردها إلى مراحها .
٤٧٦

٤٧٧
يرحم البهائم، فهو بالناس أرحم! قال: فوضع القرن على رأسه ففاض(١).
٥٦١/١
حدثنى المثنَّى ، قال : حدثنا إسحاق ، قال ، حدثنا إسماعيل بن
عبد الكريم، قال : حدثنى عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبّه قال :
لما سلمت بنو إسرائيل المُلكَ لطالوت، أوحى الله إلى نبيّ بنى إسرائيل: أن
قل لطالوت : فلْيغزُ أهلَ مديَنَ، فلا(٢) يترك فيها حيًّا إلا قتله ، فإنى
سأظهرُه عليهم ، فخرج بالناس حتى أتى مدينَ ، فقتل مَنْ كان فيها ،
إلا ملكهم فإنه أسره، وساق مواشيهم، فأوحى الله إلى أشمويل: ألاَ
تعجبُ من طالوت إذا أمرتُه بأمرى فاختل٣(٣) فيه ، فجاء بملكهم أسيراً ،
وساق مواشيهم ! فالقه فقل له : لأنزعنّ الملك من بيته ، ثم لا يعود فيه
إلى يوم القيامة، فإنى إنما أكرِمُ مَنْ أطاعنى، وأهينُ مَنْ هان عليه أمرى .
فلقيَه فقال له : ما صنعت ! لمّ جئتَ بملكهم أسيراً ، ولم سقت مواشيهم ؟
قال : إنما سقت المواشى لأقربها(٤)، قال له أشمويل: إن الله قد نزع من بيتك
المُلك ثم لا يعود فيه إلى يوم القيامة، فأوحى الله إلى أشمويل : انطلق إلى
(إيشى فيعرِض عليك بنيه، فادهُن الذى آمرك بدُهْنِ القدس، يكُنْ ملكًاً
على بنى إسرائيل . فانطلق حتى أتى إيشى ، فقال : اعرِضْ علىّ بنيك ،
فدعا إيشى أكبرَ ولده، فأقبل رجل جسيم حسَنُ المنظر ، فلما نظر إليه
أشمويل أعجبه ، فقال : الحمد لله، إن اللّه بصير بالعباد! فأوحى الله
إليه : إنّ عينيك تُبصران ما ظهر، وإنى أطلع على ما فى القلوب، ليس بهذا !
فقال: ليس بهذا، اعرض علىّ غيرَه . فعرض عليه ستة، فى كلّ ذلك يقول:
ليس بهذا ، اعرِض علىّ غيرَه ، فقال : هل لك من ولدٍ غيرهم ؟ فقال :
بلى(٥)، لى غلام أمغر (٦) وهو راع فى الغنم. قال: أرسل إليه، فلما أن جاء
داود ، جاء غلام أمغَر؛ فدهنه بدُهن القدس ، وقال لأبيه : اكتم هذا ،
٥٦٢/١
(١) الخبر فى التفسير ٥ : ٣٦٦ - ٣٦٧ على وجه أطول .
(٢) ح، س: ((ولا يترك)). (٣) اختل، من الختل وهو الفساد، وفى ا: ((فاختار)).
(٤) لأقربها ، أى لأجعلها قرباناً.
(٥) ح: ((بقى لى)).
(٦) الأمغر: الأحمر الشعر والجلد .
٠

٤٧٨
فإنّ طالوت لو يطلع عليه قتله . فسار جالوت فى قومه إلى بنى إسرائيل فعسكر،
وسار طالوت بنى إسرائيل وعسكر ، وتهيئُوا للقتال ، فأرسل جالوت إلى طالوت:
لِمَ يُقْتَل قومى وقومُك؟ ابرُزْ لى، أو أبْرِزِ لى مَنْ شئت، فإن قتلتُك كان
الملك لى ، وإن قتلتنى كان الملك لك . فأرسل طالوت فى عسكره صائحاً :
مَنْ يبرز لجالوت! ثم ذكر قصة طالوت وجالوت وقتل داود إياه ، وما كان
من طالوت إلى داود(١).
قال أبو جعفر: وفى هذا الخبر بيان أنّ داود قد كان اللّه حوّل الملك
له قبل قتله جالوت ، وقبل أن يكون من طالوت إليه ما كان من محاولته قتله ،
وأما سائر مَنْ روينا عنه قولا فى ذلك ، فإنهم قالوا : إنما مَلك داود بعد ما قتل
طالوت وولده .
وقد حدثنا ابن حميد ، قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق - فيما
ذكرلى بعض أهل العلم - عن وهب بن منبّه قال: لما قتّل داودُ جالوت ،
وانهزم جندُه قال الناس: قتَل داود جالوت وخلع طالوتَ، وأقبل الناس على
داود مکانه حتى لم يسمع لطالوت بذکْر.
قال : ولما اجتمعت بنو إسرائيل على داود أنزل اللّه عليه الزَّبور ، وعلّمه
صنعة الحديد ، وألانَهُ له ، وأمر الجبال والطير أن يسبِّحن معه إذا سبح،
٥٦٣/١ ولم يعطِ الله - فما يذكرون - أحداً من خلقه مثل صوته، كان إذا قرأ الزبور
- فيما يذكرون - ترنوله الوحوش (٢) حتى يؤخذ بأعناقها، وإنها لَمُصِيحة تسمع
لصوته ، وما صنعت الشياطينُ المزاميرَ والبرابَط والصنوج (٣) إلا على أصناف
صوته ، وكان شديدَ الاجتهاد ، دائب العبادة ، کثیر البكاء ، وكان كما
وصفه الله عزّ وجلّ لنبيه محمد عليه السلام فقال: ﴿وَاذْ كُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ
(١) الخبر وبقيته فى التفسير ٥: ٣٥٩ - ٣٦٣.
(٢) كذا فى ا، ن، وفى ط: ((الوحش)) .
(٣) المزامير: جمع مزمار؛ وهو ما يزمر به . والبرابط : جمع بربط ؛ وهو العود .
والصنوج : جمع صنج ؛ وهو آلة بأوتار يضرب بها .

٤٧٩
ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ» إنَّ سَخْرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِّوَالإِشْرَاقِ﴾(١)،
يعنى بذلك ذا القوة .
وقد حدثنا بشر بن معاذ ، قال ، حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد، عن
قتادة: ﴿وَاذْ كُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ إنّهُ أَوَّابٌ)، قال: أعطِىَ قوةً فى
العبادة، وفقهاً فى الإسلام. وقد ذُكِرٍ (٢) لنا أن داود عليه السلامكان يقوم الليل ويصوم
نصف الدهر(٣). وكان يحرسه - فيما ذكر- فى، كلٌّ يوم وليلة أربعةُ آلاف.
حدثنى محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أحمد بن المفضّل ، قال :
حدثنا أسباط، عن السدىّ، فى قوله: ﴿ وَشَدَدْ نا مُلْكَهُ﴾(٤)، قال: كان
يحرسُهُ كلّ يوم وليلة أربعة آلاف .
وذُكر أنه تمنّى يوماً من الأيام على ربِّه منزلةَ آبائه إبراهيم وإسحاق
ويعقوب ، وسأله أن يمتحنه بنحو الذى كان امتحنهم ، ويعطيه من الفضل
نحوَ الذى كان أعطاهم .
فحدثنى محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أحمد بن المفضل ، قال :
حدثنا أسباط ، قال : قال السُّدّى: كان داودُ قد قسم الدهر ثلاثة أيام: "
يومًا يقضى فيه بين الناس ، ويومًا يخلُو فيه لعبادة ربه ، ويومًا يخلُو فيه
لنسائه ، وكان له تسع وتسعون امرأة ، وكان فيما يقْرَأ من الكتب أنه كان
يجد فيه فضلَ إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فلما وجَد ذلك فيما يقرأ(٥) من الكتب،
قال : يا ربّ أرى الخير كلّه قد ذهب به آبائى الذين كانوا قبلى، فأعطنى
مثلَ ما أعطيتَهم ، وافعل بى مثلَ ما فعلت بهم. قال: فأوحى الله إليه أنّ
آباءك ابتُلوا ببلايا لم تبتَل بها، ابتلىَ إبراهيمُ بذبح ابنه ، وابتلىَ إسحاق
بذهاب بَصره ، وابتُلىَ يعقوب بحزنه على ابنه يوسف، وإنك لم تبتلَ من ذلك
بشىء. قال: يا ربّ ابتلِى بمثل ما ابتليتَهم به، وأعطنى مثل ما أعطيتهم. قال :
١ /٥٦٤
(١) سورة ص ١٧ ، ١٨
(٢) كذا فى اوالتفسير، وفى ط: ((فذكر)).
(٣) إلى هنا الخبر فى التفسير ٢٣: ٨٦ (بولاق).
(٥) ا: ((قرأ)).
(٤) سورة ص ٢٠

٤٨٠
فأوحى إليه إنك مبتلى فاحترس(١). قال: فمكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكُث
إذ جاءه الشيطان قد تمثّل فى صورة حمامة من ذهب، حتى وقع عند(٢) رجلَيْه
وهو قائم يصلّى، قال : فمدّ يده ليأخذه فتنحتى فتبعه ، فتباعد حتى وقع فى
كُوّة، فذهب ليأخذه، فطار من الكُوّة، فنظر : أين يقع فيبعث (٣)
فى أثره ، قال : فأبصر امرأة تغتسل على سطح لها ، فرأى امرأة من أجمل
النساء(٤) خلْقًا، فحانت منها التفاتة فأبصرته ، فألقَت شعرها فاستترت به ،
قال : فزاده ذلك فيها رغبة ، قال : فسأل عنها فأخبر أن لها زوجًا ، وأن
زوجها غائب بمسلّحة كذا وكذا ، قال : فبعث إلى صاحب المسلحة يأمره
أن يبعث أهريا إلى عدوّ كذا وكذا . قال : فبعثه ففتح له ، قال : وكتب
إليه بذلك، فكتب إليه أيضًا: أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا، أشدّ منهم بأسًا.
قال : فبعثه ففتح له أيضًا ، قال : فكتب إلى داود(٥) بذلك ، قال : فكتب
إليه أن ابعثه إلى عدوّ كذا وكذا . قال: فبعثه ، قال : فقتل المرّة الثالثة ،
قال : وتزوّج داود امرأته ، فلما دخلتْ عليه لم تلبث عنده إلا يسيراً حتى
بعث الله ملّكَيْن فى صورة إنسيّيْن فطلبا أن يدخلا عليه، فوجداه فى يوم
عبادته ، فمنعهما الحرسُ أن يدخُلا عليه، فتسوّرًا عليه المِحْراب ، قال :
فما شَعُر وهو يصلّى إذا هوبهما بين يديْه جالسَيْن، قال: ففزِع منهما ،
فقالا: لاَ تَخفْ، إنما نَحْنُ (خَصْمَنِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ
بَيْنَفَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ) يقول: لا تحِفْ، ﴿وَاهْدِنا إلى سَوَاءِ الصِّرَاط)
إلى عدل القضاء. قال: قُصَّا علىّ قصّتكما، قال: فقال أحدهما:
﴿إِنَّ هُذَا أَخِى لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَمْجَةٌ وَاحِدَةٍ﴾(٦).
فهو يريد أن يأخُذُ نعجتى، فيكمِّل بها نعاجه مائة، قال: فقال للآخر:
١ /٥٦٥
(١) ن: ((فاصبر)).
(٢) ا: ((بين رجليه)).
(٣) ! ((وقع فتبعه))، وفى ن: ((فيتبع أثره )) .
(٤) ن والتفسير: ((الناس)).
(٥) ن والتفسير: ((إليه)).
(٦) سورة ص ٢٢، ٢٣