Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ أضرب بها الورق، فيقع للغنم من الشجر ﴿ وَلِىَ فِيهَا مَآَرِبُ أَخْرَى﴾، يقول: حوائج أخرى أحمل عليها المزود والسقاء، فقال له: ( أَلْقِهَا يَامُوسَى * فَأَلْقَاهَا فإذَا مِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾(١). ﴿فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَاجَانٌ وَلَّى مُذْبِراً وَلَمَ يُعَقِّبْ﴾، يقول: لم ينتظر. فنودىّ: ﴿يا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِّى لاَ يَخَافُ لَّدَىّ الْمُرْسَلُون﴾(٢). (أَفْيِلِ وَلاَ تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِين﴾(٣)، ﴿واضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فذانِكَ بُرْهَانانٍ مِنْ رَبِكَ ﴾ (٣) العصا واليد آيتان، فذلك(٤) حين يدعو موسى ربه، فقال: ﴿رَبِّ إِنِى قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أنْ يَقْتُونِ ، وَأَخِى هَارُونَ هُوَ أَفْصَحُ مِّ لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِى رِدْها يُصَدِّقَنِ﴾، يقول: كيما يصدقنى ﴿إنى أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونٍ﴾(٣) قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَّى ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ -يعنى بالقتيل -﴿قَالَ سَفْشُهُ عَضُدَكَ ◌ِأَخِكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا﴾- والسلطان الحجة - ﴿فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ أَنََّمَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾(٢)، ﴿فَأْا فِرْعَوْنَ فَقُولاً إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالِمِينَ ﴾(٥) . ١ /٤٦٤ حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة: ﴿ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾، خرج - فيما ذكر لى ابن إسحاق ، عن وهب بن منبّه اليمانىّ-فيما ذكر له - عنه، ومعه غنم له، ومعهزند له وعصاه فى يده يهشَ بها على غنمه نهاره، فإذا أمسى اقتدح بزنده ناراً، فبات عليها هو وأهله وغنمه، فإذا أصبح غدا بأهله وبغنمه يتوكأ على عصاه، وكانت - كما وُصف لى عن وهب بن منبُّه ــ ذات شعبتين فى رأسها ، ومحجن فى طرفها . ٠. حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلمة عن ابن إسحاق، عمن لايتّهم من أصحابه ، أن كعب الأحبار قدم مكة وبها عبد الله بن عمرو بن العاص ، (١) سورة طه ١٧ - ٢٠ (٢) سورة النمل ١٠ (٣) سورة القصص ٣١-٣٥. (٥ ) سورة الشعراء ١٦ (٤) ن: ((لك)). (٢٦) ٤٠٢ فقال كعب: سلوه عن ثلاث، فإن أخبركم فإنه(١) عالم، سلوه عن شىء من الجنة ٤٦٥/١ وضعه الله للناس فى الأرض، وسلوه ما أوّلُ ما وضع فى الأرض؟ وما أوّل شجرة غرِست فى الأرض ؟ فسئل عبد اللّه عنها فقال : أما الشىء الذى وضعه الله للناس فى الأرض من الجنة فهو هذا الركن الأسود ، وأما أوّل ما وضع فى الأرض فبرهوت(٢) باليمن يردُه هام الكفار، وأمّا أوّلُ شجرة غرسها اللهفى الأرض فالعوسجة التى اقتطع منها موسى عصاه . فلما بلغ ذلك كعبًا قال : ضدق الرجل، عالم والله ! قال : فلما كانت الليلة التى أراد الله بموسى كرامَته ، وابتدأه فيها بنبوّته وكلامه ، أخطأ فيها الطريق حتى لا يدرى أين يتوجه ، فأخرج زنده ليقدح فاراً لأهله ليبيتوا عليها حتى يصبح ، ويعلم وجه سبيله ، فأصلد علیه زنده فلا يورى له نارا، فقدح حتى [إذا(٣)] أعياه لاحت النار فرآها، ﴿فَقَالَ لِأَهْلِ أُمْكُتُوا إِنِّى آنَسْتُ نَاراً لَعَلَى آَتِيَكُمْ مِنْهَا بِقَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدَّى﴾(٤)، بقبس تصطلون ، وهدى : عن علم الطريق الذى أضللنا بنعت من خبير . فخرج نحوها ، فإذا هى فى شجرة من العُلَّيْق . وبعض أهل الكتاب يقول : فى عوسجة، فلما دنا استأخرت عنه ، فلما رأى استئخارها رجع عنها ، وأوجس فى نفسه منها خيفة ، فلما أراد الرجعة دنَتْ منه ، ثم كُلُم من الشجرة ، فلما سمع الصوت استأنس، وقال الله: يا موسى ﴿ أُخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوَى)(٥). فألقاهما ثم قال: ﴿مَا تِلْكَ بَمِينِكَ يَا مُوسَىءٍ قَالَ هِىَ عَصَاىَ أَتَوَ كَأُعَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَسِ وَلِىَ فِيهَا مَارِبُ أُخْرَى﴾، أى منافع أخرى، ﴿قَالَ أَلْفِهَا يَا مُوسَى فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسْعَى)(٦) قد صار شُعْبتَاها فمها وصار محجنها عُرْفًا لها ، فى ظهر تهتزّ، لها أنياب، فهى كما شاء الله أنتكون. فرأى ٤٦٦/١ (١) س: ((فهو)). (٢) س: ((فبرهود)) (٣) من ا (٤) سورة طه : ١٠ (٥) سورة طه : ١٢ (٦) سورة طه ١٧ - ٢٠ ٣٦ ٤٠٣ أمراً فظيعًا فولى مدبراً ولم يعقِّب ، فناداه ربه: أن يا موسى أقبل ولا تخف، (سَُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأَوْلَى)(١)، أى سيرتها عصا كما كانت . قال: فلما أقبل قال: (خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾(١)، أدخلْ يدك فى فمها ، وعلى موسى جبّة من صوف، فلفّ يده بكمّه وهو لها هائب ، فنودى أن ألق كمك عن يدك ، فألقاه عنها ، ثم أدخل يده بين لحيَيْها ، فلما أدخلها قبض عليها فإذا هى عصاه فى يده ، ويده بين شعبتيهاحيث كان يضعها، ومحجنها بموضعه الذى كان لا ينكر منها شيئًا. ثم قيل: (أدْخِلْ يَدَكَ فِ جْسِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾(٢) أى من غير بَرَص - وكان موسى عليه السلام رجلا آدم أقنِى جَعْداً طُوالا - فأدخل يده فى جيبه ثم أخرجها بيضاء مثل الثلج ، ثم ردَّها فى جيبه ، فخرجت كما كانت على لونه ، ثم قال: ﴿فَذَائِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِى فِرْعَوْنَ وَمَئِّهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَا فَاسِقِينٌ قَالَ رَبِّ إِىِّ قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسَا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُونِ ، وَأَخِى هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِى لِسَانَا فَأَرْسِلَهُ مَعِى رِدْءًا يُصَدِّقَنِى)، أى يبين لهم عنى ما أكلمهم به ، فإنه يفهم عنى ما لا يفهمون. ﴿ قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًاً فَلاَ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أنْتُمَا وَمَنِ أُنَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ (٣). ٤٦٧/١ رجع الحديث إلى حديث السُّدِّى . فأقبل موسى إلى أهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا ، فتضيف على أمه وهو لا يعرفهم، فأتاهم فى ليلة كانوا يأكلون فيها الطَّفَيْشَل (٤)، فنزل فى جانب الدار، فجاء هارون فلما أبصر ضیفه سأل عنه أمه فأخبرته أنه ضیف، فدعاه فأ كل معه، فلما أن قعدا تحدّثًا ، فسأله هارون: مَنْ أنت ؟ قال : أنا موسى ، فقام كلّ واحد منهما إلى صاحبه فاعتنقه ، فلما أن تعارفا قال له موسى : يا هارون (١) سورة طه ٢١ . (٢) سورة النمل ١٢. (٣) سورة القصص ٣٢ - ٣٥. ( ٤) الطفيشل : نوع من المرق ، قاله صاحب القاموس . 1. ٤٠٤ انطلق معى إلى فرعون، إن الله قد أرسلنا إليه ، فقال هارون : سمعٌ وطاعة ، فقامت أمّهما فصاحت وقالت : أنشد كما اللّه ألاّ تذهبا إلى فرعون فيقتلكما فأبيا . فانطلقا إليه ليلا، فأتيا الباب فضرباه ففزع فرعون، وفزع البواب، وقال فرعون: مَنْ هذا الذى يضرب بابى فى هذه الساعة؟ فأشرف عليهما البواب، فكلّمهما، فقال له موسى: ﴿إِنِّى رَ سُولُ رَبِّالْعَالَمِينِ﴾(١) ففزع البواب فأتى فرعون فأخبره فقال : إن هاهنا إنسانًا مجنونًا يزعم أنه رسول ربّ العالمين، قال : أدخلْه، فدخل فقال : إنى رسول رب العالمين ؛ أن أرسل معى بنى إسرائيل، فعرفه فرعون فقال: ﴿أَمَ نُرَبِّكَ فِيَهُ وَلِيداً وَلَبِئْتَ فِينَا مِنْ مُرِكَ سِنِينَ . وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ أَّى فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾. معناعلى ديننا هذا الذى تعيب! ﴿ قَالَ فَعِلْتُهَا إذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ. فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِى رَبّى حُكْمَ﴾ - والحكم النبوة. ﴿وَجَعَلَنِى مِنَ الْمُرْسَِينَ * وَتِلْكَ فِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِى إِسْرَائِيلَ) وربيتنى قبل وليداً! (قَالَ فِرْ عَوْنُ وَمَارَبُّالْعَالَمِينَ﴾(٢). ﴿فَمَنْ رَ بُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذَّى أعْطَى كُلَّ شَىءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(٣). يقول: أعطى كل دابةزوجها (٤) ثم هدى للنكاح، ثم قال له : ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾(٥)، وذلك بعد ما قال له من الكلام ما ذكر الله تعالى. قال موسى : ﴿أَوَ لَوْجِئْتُكَ بِشَىْءٍ مُبِينٍ، قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَمِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾(٦) - والثعبان الذكر من الحيّات-فاتحة ٤٦٨/١ (١) سورة الزخرف ٤٦ (٢) سورة الشعراء ١٨ - ٢٣ (٣) سورة طه ٤٩، ٥٠ (٤) !: ((خلقها: زوجاً)) (٥ ) سورة الأعراف ١٠٦ (٦) سورة الشعراء ٣٠ - ٣٢ ٤٠٥ فاها، واضعةً لَحيها الأسفل فى الأرض والأعلى على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون لتأخذه،فلما رآها ذعر منھا ووثب ، فأحدث ۔۔ ولم یکن يحدث قبل ذلك . وصاح: يا موسى خذها وأنا أومن بك وأرسلُ معك بنى إسرائيل . فأخذها موسى فعادت عصا ، ثم نزع يده وأخرجها (١) من جيبه ، فإذا هى بيضاء للناظرين. فخرج موسى من عنده على ذلك ، وأبى فرعون أن يؤمن به ، أو (٢) يرسل معه بنى إسرائيل، وقال لقومه: ﴿يَأَيُّهَاَ الْمَلَّ مَا عَلِمْتُ ٤٦٩/١ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْى فَأوْقِدْ لِى يَا هَامَانُ عَلى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِى صَرْحاً اَعَلِّى أَطَّلِعُ إلى إِلهِ مُوسَى﴾. (٣) فلما بنى له الصرح ارتقى فوقه ؛ فأمر بنُشّابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه ، وهى ملطّخة دمًا ، فقال : قد قتلت إله موسى . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا یزید بن زُریع، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة: ﴿فأوْقدْ لى يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ)، قال: كان أول مَنْ طبخ الآجرّ يبنى به الصرح . وأما ابن إسحاق، فإنه قال ما حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا سلّمة، عن ابن إسحاق ، قال : خرج موسى لما بعثه الله عزّ وجلّ حتى قدم مصر على فرعون هو وأخوه هارون ، حتى وقفا على باب فرعون يلتمسان الإذنَ عليه ، وهما يقولان: إنا رسولا ربِّ العالمين، فآذنوا بناهذا الرجل. فمكثا - فيما بلغنا - سنتين يغدوَان على بابه ، ويُرُوحان لا يعلم بهما ، ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما، حتى دخل عليه بَطّال له يلعبه ويضحكه، فقال له : أيها الملك ، إنّ على الباب رجلا يقول قولا عجيبًا، يزعم أنّ له إلهًا غيرُك، قال: أُدْخِلوه ، فدخل ومعه هارون أخوه ، وبِيده عصاه ، فلما وقف على فرعون قال له : إنى رسول رب العالمين، فعرفه فرعون فقال: ﴿أَمَّ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيِداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُرِكَ سِنِينَ، وَفَعَلْتَ فْلَتَكَ الَِّ فَمَلُتَ وَأَنْتَ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((أخرجها.)) من غير واو. (٢) كذا فى ا، س، وفى ط: ((وأن)). (٣) سورة القصص ٣٨. ٤٠٦ مِنَ الْكَافِرِينَ، قَالَ فَعْتُها إذاً وأنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ أى خطأ لا أريد ذلك. ثم أقبل عليه موسى ينكر عليه ما ذكر من يده عنده، فقال: ﴿وَتِلكَ ٤٧٠/١ نِعْمَةٌ تَمَنُّهَا عَلَىَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِى إِسْرَائيلَ﴾! أى اتخذتهم عبيد اتنزع (١) أبناء هم من أيديهم، فَتَسْرِقَ منْ شئت، وتقتل مَنْ شئت. إنى إنما صيّرنى إلى بيتك وإليك ذلك. ﴿قَالَ فِرْ عَونُ وَمَا رَبُّالْعَالَمينَ﴾(٢)، أى يستوصفه إلههالذى أرسله إليه، أى ما إلهك هذا! ﴿قَالَ رَبُّ السَّمُوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُؤْقِنِينَ. قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ﴾مِنْ مَلَئِهِ ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ) أى إنكاراً لما قال: ليس له إله غيرى. ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الْأُوَّلِينَ﴾ الذى خلق آباء كم الأولين وخلفكم من آبائكم. قال فرعون: ﴿إنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ)، أىما هذا بكلام صحيح إذ يزعم أنلكم إلهًا غیری، ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أى خالقُ المشرق والمغرب وما بينهما من الخلق إن كنتم تعقلون. ﴿قَالَ لَيْنِ أَتَّخَذْتَ إلَهَا غَيْرِى) المتعبد غيرى وترك عبادتى (الأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِنَ * قَالَ أُوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَىْ ءٍ مُبِينٌ﴾(٢)، أى بما تعرف بها صدقى وكذبك وحتى وباطلك! ﴿قَالَ فأتٍ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَأَلَى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُمَانٌ مُبِينٌ﴾(٢)، فملأت ما بين سمَاطَىْ فرعون ، فاتحة فاها ، قد صار محجنُها عرْفًا على ظهرها. فارفضّ عنها الناس ، وحال فرعون عن سريره يُنشده بربه. ٧١/١؛ ثم أدخل يده فى جيبه فأخرجها بيضاء مثل الثلج ، ثم ردها كهيئتها ، وأدخل موسى يده فى جيبه فصارت عصا فى يده ، يده بين شعبتيها ، ومحجنها فى أسفلها كما كانت ، وأخذ فرعون بطنه ، وكان فيما يزعمون يمكث الخمس والست ما يلتمس المذهب -يريد الخلاء - كما يلتمسه الناس، وكان ذلك مما زيّن له أن (١) ا، ن: ((تنتزع)). (٢) سورة الشعراء ١٧ - ٣٢ -. ٤٠٧ يقول ما يقول(١): إنه ليس من الناس بشبه(٢). فحدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : حدَّثت عن وهب بن منبّه اليمانىّ، قال: فمشى بضعا وعشرين ليلة، حتى كادت نفسه أن تخرج، ثم استسمك(٣) فقال لملئه: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾ أى ماساحر أسحر منه، ﴿يُرِيدُ أن يُخْرِ جَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِخْرٍ فَمَاذَا تأمُرُونَ)(٤) أقتله ؟ فقال مؤمن من آل فرعون - العبد الصالح وكان اسمه فيمايز عمون حبرك: ﴿أَتَقْتُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّىَ اللهِ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعصاه ويده! ثم خوّفهم عقاب الله وحذرهم ما أصاب الأمم قبلهم، وقال: ﴿يَاقَوْمٍ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بأسِ اللهِ إنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْ عَوْنُ مَا أرِيكُمْ إلا ما أُرَى وما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ)(٥). وقال الملأ من قومه - وقَدْ(٦) وهنهم من سلطان اللّه ما وهنهم: ﴿أَرْجِهِ وأخَهُ وابْعَتْ فِ الْمَدَائِ حَاشِرِينَ، يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَخَّارٍ عَلِيمٍ﴾(٧)، أى كاثِرْه بالسحرة لعلك أن تجد فى السحرة من جاء بمثل ما جاء به . وقد كان موسى وهارون خرجا من عنده حين أراهم من سلطان الله ما أراهم ، وبعث فرعون مكانه فى مملکته ، فلم يترك فی سلطانه ساحراً إلا أتى به ؛ فذ کر لى- والله أعلم - أنه جمع له خمسة عشرَ ألف ساحر، فلما اجتمعوا إليه أمرهم أمره، فقال لهم: قد جاءنا ساحر ما رأينا مثله قطّ، وإنكم إن غلبتموه أكرمتكم وفضّلتكم وقرّبتكم على أهل مملكتى، قالوا: إن لنا ذلك[عليك](٨) إن ٤٧٢/١ (١) كذا فى اس، وفى ط: ((ما قال)). (٢) !: ((بشبيه)). (٣) أ، س: ((أستبل)). ( ٤) سورة الشعراء ٣٤، ٣٥. (٥) سورة غافر ٢٨، ٢٩ (٦) ط: ((قد)» من غير واو، وما أثبته من أ. (٧) سورة الشعراء ٣٦، ٣٧ (٨) من ا مصر ٤٠٨ غلبْناه! قال: نعم، قالوا : فعد لنا موعداً نجتمع نحنوهو ، فكان (١) رءوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى: ساتور (٢)، وعادور (٣)، وخطحط (٤)، ومصفى(٥) ؛ أربعة، وهم الذين آمنوا حين رأوا ما رأوْا من سلطان اللّه، فآمنت السحرةُ جميعًا وقالوا لفرعون حين توعدهم القتلَ والصلب: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ على مَا جَاءنَا مِن البيِّنَات والَّذِىِ فَطَرِنَا فَاقْضِ مَا أنْتَ قَاضٍ﴾. (٦) فبعث فرعون إلى موسى : أن اجعل ﴿بَيْنَنَا وَبِينَكَ موعداً لا نُخْلِفُهُ نُحْنُ ولا أنتَ مَكَانًاً سُوَى * قَلَ مَوْعِدُ كُمْ يومُ الزينة)، يوم عيد كان فرعون يخرج إليه(٧)، ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾(٨) ، حتى يحضروا أمرى وأمرك، فجمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿انْتُواصَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾(٩)، ٧٣/١؛ أى قد أفلح من استعلى اليوم على صاحبه. فصفَّ خمسة عشر ألف ساحر، مع كلّ ساحر حباله وعصيه ، وخرج موسى ومعه أخوه يتكىء على عصاه، حتى أتى الجمع وفرعون فى مجلسه ومعه(١٠) أشراف أهل مملكته، وقد استكفّ له الناس، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَاَتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾(١١)، فترادّ السحرة بينهم ، وقال بعضهم لبعض: [ ما هذا بقول ساحر، ثم قالوا وأشار بعضهم إلى بعض](١٢) بتَناجٍ: ﴿إِنْ هذانِلَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِ بِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِ بِفَتِكُ الْمُعْلَى﴾(١٢). ثم قالوا: ﴿يَا مُوسَى إمّا أن تُلْفِىَ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((فكانوا)). (٢) كذا فى ا، وفى س: ((شانور))، ن: ((سالور))، وفى ط من غير نقط. (٣) أ: ((عاذور)»، س: ((غاذور)) (٤) س: ((حطحطه)). (٥) ن: ((مضعى)) .. (٧) س: (له)) . (٦) سورة طه : ٧٢ . (٨) سورة طه: ٥٨، ٥٩ . (٩) سورة طه : ٦٤ (١٠) ط: ((معه))، وما أثبته من ا (١٢) تكملة من ا (١١) سورة : طه ٦١ (١٣) سورة طه : ٦٣ ٤٠٩ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلَى قَالَ بَلْ أَلْقُوا فِإِذاحِبِالُهُم وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أنَّها تَنْعَى﴾(١). فكان أول ما اختطفوا بسحرهم بصرَ موسى وبصرّ فرعون ، ثم أبصار الناس بعد ، ثم ألقى كلُّ رجل منهم ما فى يده من العصىّ والحبال ، فإذا هى حيّات كأمثال الجبال، قد ملأت الوادىّ يركب بعضها بعضًا. ﴿فَأوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خيفةً مُوسى﴾(١)، وقال: والله إن كانت لَعِصيًا فى أيديهم ، ولقد عادت حيّات، وما تعدو عصاىّ هذه - أو كما حدّث نفسه. فأوحى الله إليه: ﴿وألقٍ مَا فِ يمِينِكُ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّما صَنَعُوا كيدُ ساحرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَنِى﴾(٢). وفُرِج عن موسى فألقى عصاه من يده ، فاستعرضت ما ألقوا من حبالهم وعصيهم - وهى حيّات فى ١ /٤٧٤ عين فرعون وأعين الناس تسعى- فجعلت تلقفها (٣)، تبتلعهاحیة حیة، حتى مایُرى فى الوادى (٤) قليل ولا كثير مما ألقوا ، ثم أخذها موسى فإذا هى عصاه فى يده كما كانت، ووقع السَّحِرَة سجداً ﴿قالوا آمنا بربِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾، لو كان هذا سحراً ما غلبنا. قال لهم فرعونوأسف ورأى الغلبة البيّنة: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْإِنَّهُ لَكَبِيرُ كُ الَّذِىِ عَلَّمَكُمُ السَّخْرِ﴾، [ أى العظيم السَّحَار الذى علمكم](٥) (فلا قطِّنّ أيديَكُمْ وَأرْجُلَكُمْ مِنْ خلاف﴾ - إلى قوله - ﴿فَاقْضِ مَا أنْتَ قَاضٍ ﴾، [أى لن نؤثرك على الله وعلىما جاء نامن الحجج مع نبيه فاقض ما أنت قاض](٥)، أى فاصنع ما بدالك، ﴿ إِنَّمَا تَقْضِى هَذِهِ (١) سورة طه ٦٥ - ٦٧ (٢) سورة طه ٦٩ (٣) كذا فى ا، وفى ط ((تتلقفها)). (٤) ا، ن: ((بالوادى)». (٥) تكملة من ا . ٤١٠ الحياةَ الدنيا) التى ليس لك سلطان إلا فيها، ثم لا سلطان لك بعدها، (إنَّا آمنًا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَ خَطَيَانَا وَمَا أَ كْرَهْتَنَا عليهِ من السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)،(١) أى خير منك ثواباً، وأبقى عقابًا. فرجع عدوًّ اللّه ◌ُمغلوبًا ملعونً (٢) ثم أبى إلا الإقامة على الكفر، والتمادى فى الشر، فتابع اللّه عليه بالآيات ، وأخذه بالسنين، فأرسل عليه الطوفان . ٤٧٥/١ رجع الحديث إلى حديث السدىّ . وأما السدّىّ فإنه قال فى خبره: ذُكِر أن الآيات التى ابتلى الله بها قوم فرعون كانت قبل اجتماع موسى والسحرة، وقال: لما رجع إليه السهم ملطخًا بالدم قال: قد قتلنا(٣) إله موسى. ثم إن الله أرسل عليهم الطوفان - وهو المطر- فغرق كلُّ شيء لهم، فقالوا : يا موسى ادع لنا ربك يكشفْ عنا ، ونحن نؤمنلك ونرسل معك بنى إسرائيل. فكشفه الله عنهم ، ونبتت زروعهم ، فقالوا: ما يسرُّنا أنا لم نُمْطَر. فبعث الله عليهم الجراد فأكل حروبهم، فسألوا موسى أن يدعوَ ربَّه فيكشفه ويؤمنوا به ، فدعا فكشفه، وقد بقى من زروعهم بقية، فقالوا : لن نؤمن وقد بقى لنا من زروعنا بقية، فبعث الله عليهم الدّبا - وهو القُمّل-، فلحس الأرض كلَّها، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيعضّه، وكان أحدُهم يأكل الطعام فيمتلىء دبا حتى إنّ أحدهم ليبنى الأسطوانة بالحص" والآجرّ، فيُزْلِقها (٤) حتى لا يرتقى فوقها شىء [من الذباب، ثم](٥) يرفع فوقها الطعام، فإذا صعد إليه ليأكله وجده ملآن دباً ، فلم يصبهم بلاء كان أشدّ عليهم من الدبا ؛ وهو الرِّجز الذى ذكره الله فى القرآن (٦) أنه وقع عليهم. فسألوا موسى أن يدعو ربه فيكشفهعنهم ويؤمنوا به، فلما كُشف (٧) عنهم أبوا أن يؤمنوا، فأرسل الله عليهم الدم، فكان الإسرائيلى" (١) سورة طه: ٧٠ - ٧٣ (٢). ا، س: ((مغلولا)) (٣) !: ((قتلت)). (٤) ط: ((فيزلقه))، ما أثبته من ا. (٥ ) تكملة من ا (٦) وهو قوله تعالى فى سورة الأعراف ١٣٤ : يَامُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ). ( وَلَمَّا وَفَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا (٧) ط: ((كثيفه))؛ والأجود ما أثبته من !. ٤١١ يأتى هو والقبطى فيستقيان(١) من ماء واحد، فيخرج ماءهذا القبطى دمًا، ويخرج للإسرائيلىّ ماء . فلما اشتدّ ذلك عليهم سألوا موسى أن يكشفه ويؤمنوا به فكُشِف ذلك عنهم، فأبوا أن يؤمنوا، فذلك حين يقول الله: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العذابِ إِذَا هُمْ يَنْكُثُون﴾ (٢) ما أعطوا من العهود، وهو حين يقول: ﴿ولقد أَخَذْنَا آل فِرْعَوْنَ بِالسَّنَينِ) وهو الجوع - ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّراتِ لَعَّهُمْ يَذَّ كَّرُونَ ﴾(٢). ٤٧٦/١ ثم إن اللّه عزّ وجل" أوحى إلى موسى وهارون(٤) أن: ﴿قُولَالَهُ قولًا لَيّناً لمَلَّه يَتَّذَ كَرُ أُو يَخْشَى) (٥)، فأتياه فقال له موسى: هل لك يا فرعون فى أن أعطيَك شبابك ولا تهرم(٦)، وملكك لا ينزع منك، ويردّ (٧) إليك لذّة المناكح والمشارب والركوب ، فإذا متّ دخلت الجنة ؟ تؤمن بى(٨)! فوقعت فى نفسه هذه الكلمات ، وهى اللينة(٩)، فقال: كما أنت حتى يأتى هامان . فلما جاء هامان قال له: [أشعرت](١٠) أن ذلك الرجل أتانى؟ قال: من هو؟ - وكان قبل ذلك إنما يسمّه الساحر ، فلما كان ذلك اليوم لم يسمّه الساحر - قال فرعون: موسى ، قال : وما قال لك ؟ قال: قال لى : كذا وكذا ، قال هامان : وما رددت عليه ؟ قال : قلت : حتى يأتىَ هامان فأستشيره، فعجَّزه هامان وقال : قد كان ظنّى بك خيراً من هذا ، تصير عبداً يعبد بعد أن كنتَ ربا يُعبد! فذلك حين خرج عليهم فقال لقومه وجمعهم فقال: (أنا ر بُّكُمْ الأَعْلَى)(١١). وكان بين كلمته ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى) (١٢) وبين قوله: (٢) سورة الزخرف ٥٠ (١) كذا فى ا، وفى ط: ((يستقيان)). (٤) كذا فى ا، وفى ط: ((إليهما)) (٣) سورة الأعراف ١٣٠. (٦) ط: ((ولا يهرم))، ا: «شيئاً لا تهرم)»، وفى ابن الأثير (٥ ) سورة طه ٤٤. (٧) ابن الأثير: « وأرد)» . ١ : ١٠٢: ((فلا تهرم)». (٨) ا، ن، وابن الأثير: ((وتؤمن بى)). (٩) :: «اللبنات». (١٢) سورة القصص : ٠٣٨ (١١) سورة النازعات ٢٤ (١٠) تكملة من ا. ٤١٢ ﴿أنا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) أربعون سنة. وقال لقومه: ﴿إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أن يُخْرِبَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحرٍهٍ فماذا تأمُرُون *قالوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَتْ فى ٤٧٧/١ المدائنِ حاشرِين * يأتوك بكل سَخَّارٍ عليه﴾(١). قال فرعون: ﴿أُجِئْقَنَا لِتُخْرِ جَنا من أَرْضِنا بسحرِكَ يا مُوسَى* فلنأتيتَّك بسحرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ ولا أَنْتَ مَكَانَاسُوَى﴾- يقول: عَدلا، قال موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزَّيْنَةِ وَأنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى﴾ - وذلك يوم عيد لهم ﴿فَتَوَلَّى فِرْ عَونُ فجمعَ كِيدَه ثم أَتَى﴾(٢). وأرسل فرعون فى المدائن حاشرين؛ فحشَر واعليه السحرة، وحشروا الناس ينظرون، يقول: ﴿هَلْ أَثُمْ تُجْتِمُون * لَمَلَّنَا نَّبِعِ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الغَالِبِينَ﴾- إلى قوله: ﴿أُمِنَّ لَنَالأَجْرًا إنْ كُنَّانحنُ الغالبين)- يقول: عطيّة تعطينا - ﴿قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذَاً لَمِنَ الْمُقَرَّ بِينَ﴾(٢). فقال لهم موسى: ﴿ وَ يَلَكُمْ لَا تَغْتَرُوا عَلَى الّهِكَذِبًا فَيُسْحِتَكَمْ بِعَذَابٍ)، يقول: يهلككم بعذاب. ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأُسَرُّوا النَّجْوَى﴾ مندون موسى وهارون، وقالوا فى نجواهٍ: ﴿إِنْ هَذَّانِ لَسَاحِرَان يريدانِ أنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبَا بِطَرِ يقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾(٤)، يقول: يذهبا بأشراف قومكم. فالتفى موسى وأمير السحرة ، فقال له موسى : أرأيتك إن غلبتُك أتؤمنُ بى وتشهد أن ما جئت به حق؟ قال : نعم، قال الساحر : لآتينّ غداً بسحر لاَ يُغلِبِه سحر، فوالله لئن غلبتَنى لأومِنَنَّ بك، ولأشهدنَ أنك على حق - وفرعون ينظر إليهما- وهو قول فرعون: ﴿إِنّ هَذَا لَمَكْرُ مَكْرْتُمُوهُ فِى الْمَدِينَةِ﴾، (١٠) سورة الشعراء ٣٤ - ٣٧ (٢) سورة طه ٥٧ - ٦٠ (٣) سورة الشعراء ٣٩ - ٤٢ ( ٤) سورة طه ٦١ - ٦٣ . ٤١٣ ٤٧٨/١ إذ التقيتما لتتظاهرا ﴿لُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا﴾(١). فقالوا: ﴿يَا مُوسَى إمَّا أَنْ تُلْقِىَ وَإِمَّا أنْ نَكُونَ نَحْنِ الْمُلْقِينَ ﴾(٢)، قال لهم موسى: ألقوا فألقْوا حبالهم وعصيّهم - وكانوا بضعة وثلاثين ألف رجل ، ليس منهم رجل إلا ومعه حبل وعصا- ﴿فَلَمَا القَوْا سَخَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُومٍ﴾(٢) يقول: فرّقوهم. ﴿فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفةً مُوسَى﴾(٣)، فأوحى الله إليه: ألا تخف، ﴿ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَّعُوا﴾(٤). فألقى موسى عصاه فأكلت كلَّ حية لهم، فلما رأوْ اذلك سجدوا، وقالوا: ﴿آمَنَّابِرَبِّالْعَالَمِينَ رَبٍّمُوسَى وَهَارُونَ). (٥) قال فرعون: ﴿فَلَأَقَطَّمَنَّ أَيْدِيَكُمْوأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ولاُصِلُّبِئْكُمُ فِى جُذُوعِ النّخْلِ ﴾(٦) فقتّلهم وقطّعهم- كما قال عبد الله بن عباس-حين قالوا: ﴿ رَبََّا أَفِرِغْ علينا صَبْرًا وتوفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾(٧). قال(٨): كانوا فى أول النهار سَحرة، وفى آخر النهار شهداء . * ثم أقبل على بنى إسرائيل فقال له قومه: ﴿أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَه ليفْدوا فى الأرضِ ويَذَرك وآلهتَك﴾(٩)، وآلهتُه فيما زعم ابن عباس- كانت البقر، كانوا إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها ، فلذلك أخرج لهم عجلا بقرة . يـ ثم إن الله تعالى ذكره أمر موسى أن يخرج ببنى إسرائيل فقال: ﴿أَنْ أسْر بعبادِى) ليلاً ﴿إِنَّكُمْ مُتَبَعُون)(١٠). فأمر موسى بنى إسرائيل أن يخرجوا، وأمرهم (١) سورة الأعراف ١٢٣. (٣) سورة طه ٦٧ . (٥) سورة الشعراء ٤٧، ٤٨ (٧) سورة الأعراف ١٢٦. (٩) سورة الأعراف ١٢٧. (٢) سورة الأعراف ١١٥، ١١٦ ( ٤ ) سورة طه ٦٩ . (٦) سورة طه ٧١ . (٨) ط: ((((قالوا)»، وصوابه من .. (١٠) سورة الشعراء ٥٢ ٤١٤ أن يستعيروا الحلىّ من القبْط، وأمر ألاّ ينادى إنسان صاحبه، وأن يُسرجوا فى بيوتهم حتى الصبح، وأنّ من خرج إذا قال: موسى، قال: ((عمرو)). وأمر ٤٧٩/١ مَنْ خرج يلطخ بابه بكفّ من دم حتى يعلم أنه قد خرج. وإن اللّه أخرج كلّ ولد زنا فى القِبْط من بنى إسرائيل إلى بنى إسرائيل ، وأخرج كلّ ولد زنا فى بنى إسرائيل من القِبْط إلى القبط ، حتى أتوا آباءهم . ثم خرج موسى ببنى إسرائيل ليلاً والقِبْط لا يعلمون، وقد دعوا قَبْل ذلك على القبط، فقال موسى: ﴿رَبََّ إنكَ آتَيْتَ فِرْ عَوْنَ وَمَلَّأُهُ زِينةً وَأَمْوَالًا فِىِ الْحَيَاةِ الدُّنْيا) إلى قوله: ﴿حَّ يَرَوُا الَذابَ الأَلِيمِ)(١)، فقال الله تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا) فزعم السدىّ أن موسى هو الذى دعا وأمَّن هارون، فذلك حين يقول الله: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَ تُكُمَا﴾ (١). وقوله: ﴿ رَبَّنَا الْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾(١) فَذكِرَ أن طمْس الأموال أنه جعل دراهمهم ودنانيرهم حجارة ، ثم قال لهما استقيما ، فخرجا فى قومهما ، وألِقِىَ على القِبْط الموتّ، فمات كل بِكْر رجل ، فأصبحوا يدفنونهم ، فشُغِلوا عن طلبهم حتى طلعت الشمس ؛ فذلك حين يقول الله : فَأَنْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ﴾(٢) . وكان موسى على سَاقة(٣) بنى إسرائيل، وكان هارون أمامهم يقدمهم ، فقال المؤمن لموسى : يا نبيّ اللّه، أين أمرت ؟ قال: البحر ، فأراد أن يقتِحم فمنعه وسى . وخرج موسى فى ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل ، لا يُعُدُّون ٤٨٠/١ ابن العشرين لصغره ولا ابنَ السجين لِكبَرَه، وإنما عَدُّوا ما بين ذلك سوى الذريّة ، وتبعهم فرعون ، وعلى مقدمته هامان ، فى ألف ألف وسبعمائة ألف حصان ، ليس (٤) فيها ماذيانة، وذلك حين يقول الله: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِى الْمَدَائِ حَاشِرِ ينَ * إِنَّهُؤْلَاءِ ◌َشِرِْمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ) - يعنى بنى إسرائيل - ﴿وَانْا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ)(٥)، يقول: قد حذرنا فأجمعنا أمرنا، (١) سورة يونس ٨٨، ٨٩. (٣) ساقة الجيش : مؤخرهم . (٥ ) سورة الشعراء ٥٣ - ٥٦ (٢) سورة الشعراء ٦٠ . (٤) ن: وليس)). طـ ٤١٥ ﴿فَلَمَّا تَرَاءِى الجَمْعَانِ ﴾، فنظرت بنو إسرائيل إلى فرعون قد ردفهم، قالوا : ﴿إِنّا لَمُدْرَ كُون﴾(١). قالوا : يا موسى ، أوذينا من قبل أن تأتِينًا ، كانوا يذبحون أبناءنا، ويستحيُون نساءنا ، ومن بعد ما جئتنا اليوم يدركنا فرعون فيقتلنا ! إنا لمدرَكُون ، البحرُ من بين أيدينا وفرعون من خلفنا ، قال موسى: ﴿كَلَّا إنَّ مَعِىَ رَبِّى سَيَهْدِينِ﴾(١)، يقول: سيكفينى، ﴿قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَغْلِفَكُمْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُون﴾(٢). فتقدم هارون فضرب البحر فأبى البحر أن ينفتح، وقال: "مَنْ هذا الجبّار الذى يضربنى! حتى أتاه موسى فكناه أبا خالد ، وضربه، ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾(٣)، يقول: كالجبل العظيم ، فدخلت بنو إسرائيل ، وكان فى البحر اثنا عشر طريقًا ، فى كل طريق سِبْط، وكأنّ الطرق إذ انفلقت بجدران . فقال كلّ سبط: قد قتل أصحابنا، فلما رأى ذلك موسى دعا اللّه فجعلها لهم قناطر كهيئة الطيقان ، فنظر آخرُهم إلى أولهم ، حتى خرجوا جميعاً ؛ ثم دنا فرعون وأصحابه ، فلما نظر فرعون إلى البحر منفلقًا قال: ألاترون البحر فرق منى ، وقد تفتّح لحتى أدرك أعدائى فأقتلهم! فذلك قول الله: ﴿وَأَزْ لَفْنَا فَمَّ الْآخَرِينَ﴾(٤)، يقول: قرّبنا ثمَّ الآخرين؛ هم آل فرعون . ٤٨١/١ فلما قام فرعون على أفواه الطرق أبت خيلُه أن تقتحم ، فنزل جبرئيل على ماذيانة، فشمَّت(٥) الحُصُن ريحَ الماذيانة فاقتحمت فى أثرها حتى إذا همّ أوّلُهم أن يخرج ودخل آخرُهم ، أمر البحر أن يأخذهم فالتطم عليهم . (١) سورة الشعراء ٦١، ٦٢. (٢) سورة الأعراف ١٢٩. (٣) سورة الشعراء ٦٣ . ( ٤) سورة الشعراء : ٦٤. (٥) كذا فى ح وابن الأثير، وفى ا، ط: ((فشامت)). ٤١٦ وتفرد جبرئيل بفرعون بمَقْلَة من مقل (١) البحر ، فجعليُدسُّهافی فیه، فقالحین أدركه الغرق: ﴿ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِىِ آَمَنَتْ بِهِ بَغُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْسُئِلِينَ﴾، فبعث الله إليه ميكائيل يعيره، قال: (آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾(٢). فقال جبرئيل: يا محمد، ما أبغضت أحداً من الخلق ما أبغضتُ رجلين: أما أحدهما فمن الجِنّ وهو إبليس حين أبى أن يسجد لآدم، وأما الآخر فهو فرعون حين قال: ﴿أَنَا رَ بُّكُمُ الْأُعْلَى﴾، ولورأيتنى يا محمد، وأنا آخذ مَقْل البحر فأدخله فى فم فرعون مخافة أن يقول كلمة ٤٨٢/١ يرحمه الله بها! وقالت بنو إسرائيل: لم يغرق فرعون، الآن يدركنا فيقتلنا، فدعا الله موسى : فأخرج فرعون فى ستمائة ألف وعشرين ألفًا، عليهم الحديد فأخذتهبنوإسرائيل يمثّلون به، وذلك قول الله لفرعون: ﴿فَاَلْيَوْمُ نْتَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةَ﴾(٢) ؛ يقول: لبنى إسرائيل آية. فلما أرادوا أن يسيروا ضُرِب عليهم تيهٌ ، فلم يدروا أين يذهبون ، فدعا موسى مشيخة بنى إسرائيل فسألهم : ما بالُنا ؟ فقالوا له : إن يوسف لما مات بمصر أخذ على إخوته عهداً ألاّ تخرجوا من مصر حتى تخرجونى معكم ، فذلك هذا الأمر ، فسألهم : أين موضع قبره ؟ فلم يعلموا، فقام موسى ينادى: أنشِدِ اللّه كلَّ مَنْ كان يعلم أين موضع قبر يوسف إلا أخبرنى به ، ومن لم يعلم فصَمَّتْ أذناه عن قولى ! وكان يمرّ بين الرجلين ينادى فلا يسمعان صوته ، حتى سمعته عجوز لهم فقالت: أرأيتكَ إن دللتُك على قبره أتعطينى كلّ ما سألتك ؟ فأبى عليها وقال : حتى أسأل ربى، فأمره اللّه عزّ وجلّ أن يعطيها ، فأماها فأعطاها ، فقالت: إنى أريد ألا تنزلَ غُرْفة من الجنة إلا نزلتُها معك ، قال : نعم ، قالت : إنى عجوز كبيرة لا أستطيع أن أمشىَ فاحملْتى ، فحملها، فلما دنا من النيل، قالت: إنه فى جوف الماء ، فادعُ الله أن يُحسِر عنه الماء، فدعا الله فحسر الماءَ عن القبر، فقالت : احفرْه ، ففعل فحمل عظامه ، ففتح ٤٨٣/١ (١) فى اللسان؛ مقل البحر ، موضع المغاص منه . (٢) سورة يونس: ٩٠، ٩٢. ٤١٧ لهم الطريق، فساروا، ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُمُونَ عَلَى أضْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلّهَا كَمَاَ لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قومٌ تَجْهَلُونَ . إنَّ هُؤُلاءِ مُتَبَّرُ مَا هُمْ فِيهِ﴾ يقول: مهلك ماهم فيه ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(١). فأما ابنُ إسحاق، فإنه قال - فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة عنه - فتابع اللّه عليه بالآيات - يعنى على فرعون - وأخذه بالسنين إذ أبى أن يؤمن بعد (٢) ما كان من أمره وأمر السحرة ما كان، فأرسل عليه الطوفان، ثم الجراد ، ثم القمَّل ، ثم الضفادع ، ثم الدم آيات مفصَّلات، أى آية بعد آية، يتبع بعضُها بعضًا ، فأرسل الطوفانَ وهو الماء ، ففاض على وجه الأرض ثم ركد ، لا يقدرون على أن يحرثوا ، ولا يعملوا شيئًا ، حتى جهدوا جوعًا. فلما بلغهم ذلك قالوا: يا موسى ادع لنا ربك، ﴿ لَئِنْ كَثَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ كَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَهُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِ إِسْرَائِيلَ)(٣). فدعاموسى ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشىء مما قالوا، فأرسل الله عليهم الجراد فأكل الشجر - فيما بلغنى حتى إنه كان ليأكل مسامير الأبواب من الحديد حتى تقع دورهم ومساكنهم، فقالوا مثل ما قالوا ، فدعا ربه فكشفه عنهم فلم يفوا له بشىء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم القمَّل. فذكر لى أن موسى أمرِ أنْ يمشىَ إلى كثيب فيضربه (٤) بعصاه فمشى إلى كثيب أهيل عظيم فضربه بها فانثال عليهم قمَّلا حتى غلب على البيوت والأطعمة ، ومنعهم النوم والقرار، فلما جهدهم قالوا له مثل ما قالوا، فدعا رَّبه فكشف عنهم فلم يفوا له بشىء مما قالوا ، فأرسل الله عليهم الضفادع ، فلأت البيوت والأطعمة والآنية فلا يكشِفُ أحد منهم(٥) ثوبًا ولا طعامًا ولا إناء إلا وجدَ فيه الضفادع قد غلبتْ عليه ، فلما جهدهم ذلك قالوا له مثل ما قالوا ، فدعا ربه فكشف عنهم فلم يفُوا له بشىء مما قالوا ، فأرسل الله ٤٨٤/١ (١) سورة الأعراف ١٣٨، ١٣٩ (٢) ح: ((من بعد)). (٣) سورة الأعراف ١٣٤. (٤) ن: ((حتى يضربه)). (٥) ح، ن: ((أحدهم)). ( ٢٧) ٤١٨ عليهم الدم فصارت مياه آل فرعون دمًا، لا يستقون من بئر ولا نهر ولا يغترفون من إناء إلا عادت دمًا عبيطًا . حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : فحدثنى محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظيّ أنه حدّث أن المرأة من آل فرعون كانت تأتِى المرأةَ من بنى إسرائيل حين جهدهم العطش ، فتقول : اسقينى من مائك ، فتغرف لها من جَرّتها أو تصُبّ لها من قربتها ، فيعود فى الإناء دمًا ، حتى إن كانت لتقول لها : اجعليه فى فيك ثم تجّيه فى فىّ ، فتأخذ فى فيها ماء، فإذا مجّته فى فيها صاردمًا، فمكثوا فى ذلك سبعة أيام، فقالوا: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَاَ عَهِدَ عِنْدَكَ لِنْ كَثَفْتَ عَنَّ الرِّجْزَ لنؤْمِنَنَّ لَّكَ ولُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِ إِسْرَائِيلَ)(١). فلما كشف عنهم الرجزُ نكَئوا ولم يفُوا بشىء مما قالوا، فأمر الله موسى أن يسير، وأخبره أنه منجّيه ومَنْ معه، ومهلكُ فرعون وجنوده، وقد دعا موسى عليهم بالطَّمْسة؛ فقال: ﴿رَبِّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْ عَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً وَأَمْوَالاَ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) - إلى - ﴿وَلاَ تَذَّبَعَانِّ سبيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمون﴾(٢). فمسخ اللّه أموالهم حجارة: النخل والرقيق والأطعمة، فكانت إحدى الآيات التى أراهنّ (٣) اللّه فرعون . ٤٨٥/١ حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق، عن بُرَيْدة ابن سفيان بن فروة الأسلمىّ ، عن محمد بن كعب القرظىّ ، قال : سألنى عمر بن عبد العزيز عن التسع الآيات التى أراهنّ اللّه فرعون، فقلت: الطوفان، والجراد ، والقمَّل ، والضفادع، والدم ، وعصاه ، ويده ، والطمسة، والبحر. فقال عمر: فَأَنَّى عرفت أن الطمسة إحداهنّ ؟ قلت: دعا عليهم موسى وأمِّن هارون، فمسخ اللّه أموالهم حجارة، فقال: كيف يكون الفقه إلا هكذا ! ثم (١) سورة الأعراف ١٣٤. (٢) سورة يونس ٨٨، ٨٩. (٣) ط: ((أراها))، وما أثبته من ا. ٤١٩ دعا بخريطة فيها أشياء مما كان أصيب لعبد العزيز بن مروان بمصر ؛ إذ كان عليها من بقايا أموال آل فرعون، فأخرج البيضة مقْشورةً نصفين ؛ وإنها الحجر، والجوزة مقشورة وإنها لحجر ، والحمصّة، والعدسة .. حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد ، عن رجل من أهل الشأم كان بمصر، قال : قد رأيت النخلة مصروعة ، وإنها لحجر ، وقد رأيت إنسانًا ما شككت أنه إنسان وإنه لحجر، من رقيقهم، فيقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَ لَقَدْ آتَيْنَاَ مُوسَى نِسْعَ آيَاتٍ بِّنَاتٍ ) إلى قوله (مَثْبُوراً)(١) يقول: شقيًّا. ٤٨٦/١ حدثنا ابن حميد ، قال: حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عروة بن الزبير، عن أبيه، أن اللّه حين أمر موسى بالمسير ببنى إسرائيل أمره أن يحتمل يوسفَ معه حتى يضعه بالأرض المقدسة ، فسأل موسى عمّن يعرف موضعَ قبره ، فما وجد إلا عجوزاً من بنى إسرائيل ، فقالت : يا نبيّ اللّه ، أنا أعرف مكانه . إن أنت أخرجتّنى معك (٢)، ولم تخلّصنى بأرض مصر دللتك عليه . قال : أفعل، وقد كان موسى وعَد بنى إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع الفجر ، فدعا ربّه أن يؤخّر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف، ففعل، فخرجت به العجوز حتى أرته إياه فى ناحية من النيل فى الماء ، فاستخرجه •وسى صندوقًا من مرمر ، فاحتمله معه. قال عروة: فمن ذلك تحميل اليهود موتاها من كلّ أرض إلى الأرض المقدسة . حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق ، قال : كان ـفيما ذُكرِ لى - أن موسى قال لبنى إسرائيل فيما أمره الله به: استعيروا منهم الأمتعة والحُلِىّ والثياب فإنى منفّلكم أموالهم مع هلاكهم؛ فلما أذّن فرعون فى الناس كان مما يحرّض به على بنى إسرائيل أن قال حين ساروا : لم يرضُوا أن خرجوا بأنفسهم حتى ذهبوا بأموالكم معهم . (١) سورة الإسراء ١٠١، ١٠٢ (٢) !، ن: ((خرجت بى)». ٤٢٠ حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن محمد. ابن كعب القرظيّ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد ، قال: لقد ذكِرَ لى أنه ٤٨٧/١ خرج فرعون فى طلب موسى على سبعين ألفًا من دُهْ الخيل سوى ما فى جنده من شيات(١) الخيل، وخرج موسى حتى إذا قابله البحر ولم يكن عنه منصرف طلع فرعون فى جنده من خلفهم، ﴿ فَلَمَّا تَرَاءِى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَ كُون، قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِىَ رَبِى سَيَهْدِينِ)،(٢) أى للنجاة، وقد وعدنى ذلك ولا خُلْفَ لموعوده(٣). حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق قال: فأوحى الله تبارك وتعالى - فيما ذكر لى- إلى البحر: إذا ضربَك موسى بعصاه فانفلقْ له، فبات البحر يضربُ بعضه بعضًا فرَقًا من الله وانتظاراً لأمره، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى موسى : أن اضرب بعصاك البحر، فضربه بها وفيها سلطان اللّه الذى أعطاه، ﴿فَانْقَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾(٤)، أى كالجبل على نَشَرَ من الأرض. يقول الله لموسى عليه السلام: (فاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِى الْبَحْرِ يَساً لاَ تَخَافُ دَرَ كَّا وَلاَ تَخْشَى}(٥). فلما استقّر له البحر على طريق قائمة يبَس سلك فيه موسى ببنى إسرائيل، واتبعه فرعون يجنوده. حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظىّ ، عن عبد الله بن شداد بن الهاد الليىّ، قال : حُدَّثت أنه لما دخلتْ بنو إسرائيل فلم يبق منهم أحدٌ أقبل فرعون وهو على حصان له من الخيل ، حتى وقف على شفير البحر وهو قائم على حاله، فهاب ٤٨٨/١ الحصان أن يتقدم(٦)، فعرض له جبرئيل على فرس أنثى وديق (٧)، فقربها منه (١) كذا فى ا، وفى التفسير: ((شية))، وفى ط: ((شهب ) من تصرف مصححه. (٢) سورة الشعراء ٦١، ٦٢ (٣) الخبر فى التفسير ١٩: ٤٩ (بولاق). (٤) سورة الشعراء ٦٣ (٥) سورة طه ٧٧ (٦) ا، ح: ((أن ينفذ)). (٧) الفرس الوديق: التى تريد الفحل.