Indexed OCR Text
Pages 221-240
٢٢١ تبيّكم، وأنبتم إليه سُقِيم. فأظهر إسلامه عند ذلك، فقال لهم جُلُهُمَّة بن الخيبرىّ، خال معاوية بن بكْر حين سمع قوله، وعرف أنه قد تبع دين هود وآمن به : ذَوِى كرمٍ وأمُّك مِنْ ثَمُودِ أَبَا سَعْدٍ فَإِنَّكَ مِنْ قَبِيلٍ وَلَسْنَا فاعلينَ لِمَا تُريدُ فإنّا لَنْ تُطِيعَك مَا بِقِينَا وَزَمْلِ وَآل صُدّ والعُبُود(٢) أتأمرنا لنترك آل رِفْدٍ(١) ذوى رأىٍ وتَتْبَعُ دِينَ هُودٍ ونترك دينَ آباء كرام ورفد وزمل وصدّ قبائل من عاد ، والعبود منهم . ثم قال لمعاوية بن بكر وأبيه بكر: احبسا عنّا مَرْثد بن سعد فلا يقدمنّ معنا مكة؛ فإنه قد اتبع دين هود ، وترك ديننا . ثم خرجوا إلى مكة يستسقون بها لعاد، فلما ولَّو إلى مكة خرج مَرْتد بن سعد من منزل معاوية ، حتى أدركهم بها قبل أن يدعُوا اللّه بشىء مما خرجوا له . فلما انتهى إليهمْ قام يدعو الله، وبها وفد عاد قد اجتمعوا يدعون. فقال : اللهمّ أعطِی سُؤلى وحدى، ولا تُدخلنی فی شىء مما يدعوك به وفد عاد. وكان قَيْل بن عتر رأس وفد عاد. وقال وفد عاد: ((اللهمَّ أعط قيْلا ما سألك ، واجعلْ سُؤْلنا مع سؤله)). وقد كان تخلَّف عن وفد عاد لقمان ابن عاد ، وكان سيدَ عاد ، حتى إذا فرغوا من دعوتهم قال: اللهمَّ إنى جئتك وحدى فى حاجتى فأعطنى سؤلى . وقال قيل بن عتر حين دعا : يا إلهنا ، إن كان هود صادقًا فاسقنا فإنا قد هلكنا . فأنشأ اللّه سحائب ثلاثا : بيضاء وحمراء، وسوداء ، ثم ناداه مُناد من السحاب: يا قيْل، اخترْ لنفسك وقومك من هذا السحاب . فقال : قد اخترتُ السحابة السوداء ، فإنها أكثرُ السحاب ماءً ، فناداه مناد: اخترت رماداً رِمْدَدًا، لا تُبقى من عاد أحداً، لا والداً تترك ولا ولداً، إلاّ جعلته همدًا، إلاّ بنى اللُّوذِيّة المُهْدَى(٣) -وبنو اللُّذِيّة ٢٣٨/١ (١) كذا فى ا، وفى ط والتفسير: ((دين رفد)). (٢) همدا ؛ إى حالكا . (٣) كذا ضبط فى ابضم الميم وفتح الدال. ٢٢٢ بنو لُقَيْم بن هَزّال بن هُزّيل بن هزيلة ابنة بكر ؛ كانوا سُكانا بمكة مع أخوالهم ، لم يكونوا مع عاد بأرضهم ، فهم عاد الآخرة ، ومن كان من نسلهم الذين بقوا من عاد - وساق الله السحابة السوداء فيما يذكرون التى اختار قَيْل بن عتر بما فيها ٢٣٩/١ من النقمة إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال له المغيثُ. ولما رأوْها استبشروا بها، وقالوا: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا)، يقول الله عزَّ وجلّ: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْلُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذَابٌ أَلِيمٌ، تُدَمِّرُ كُلِّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَ﴾(١)، أى كلّ شيء أمرت به. فكان أول من أبصرما فيها أنها ريح - فيما يذكرون - امرأة من عاد يقال لها مَهْدد، لما تبيّنت ما فيها صاحت ثم صَعِقت ، فلما أفاقت قالوا: ماذا رأيت يا مَهْدَد ؟ قالت: رأيت ريحًا فيها كشُهُب النار، أمامها رجال يقودونها. فسخّرها اللّه عليهم (سَبْعَ ليال وثمانيةَ أيام حُسُومًا)، كما قال اللّه: والخسُومُ: الدائمة؛ فلم تَدَعْ من عادٍ أحداً إلا هلك. فاعتزل هود - فيما ذكر- ومن معه من المؤمنين فى حظيرة ، ما يُصيبه ومن معه منها إلا ما تَلين عليه الجلود، وتلتذّ الأنفس؛ وإنها لتُمرُّ من عاد بالظعن ما بين السماء والأرض ، وتدمغُهم بالحجارة . وخرج وَفْد عاد من مكَّة حتى مرُّوا بمعاوية بن بكر وأبيه ، فنزلوا عليه، فبيناهم عنده، إذ أقبل رجل على ناقة له فى ليلة مقمرة مُسْىّ(٢) ثالثة من مصاب عاد، فأخبرهم الخبر، فقالوا : فأين فارقت هودا وأصحابه ؟ قال : فارقتهم بساحل البحر؛ فكأنهم شكُوا فيما حدَّثهم، فقالت هزيلة ابنة بكر: صدقَ وربِّمُكَّةً(٣) . ومثوِّب بن يعْفر بن أخى معاوية بن بكر معهم . وقد كان قيل - فيما يزعمون والله أعلم لمرثد بن سعد ولقمان بن عاد، وقَيْل بن عتر حين دعوا بمكة : قد أعطِيتم مُنَاكم فاختاروا لأنفسكم ، إلا أنه لا سبيل إلى الخلد ، فإنه لا بدّ من الموت ، فقال مَرْنَد بن سعد: يا ربّ، أعطنى برًّا وصدقًا، فأعطِىَ ذلك ، وقال ٢٤٠/١ (١) سورة الأحقاف ٢٤، ٢٥. (٢) كذا فى ا، س، وفى ط: ((مساء)). (٣) الخبر إلى هنا فى التفسير ١٢ : ٥٠٩ - ٥١٣. ٢٢٣ لقمان بن عاد: أعطنى مُمْراً، فقيل له: اختر لنفسك، إلاّ إنه لاسبيل إلى الخُلْدِ: بقاء أيْعار (١) ضأن عُفر، فى جبل وعر، لا يُلقى به إلا القطر، أم سبعة أنسر إذا مضى نَسْر حلوتَ إلى نسر ؟ فاختار لقمان لنفسه النسور ، فَعُمِّر - فيما يزعمون - مُمْرَ سبعة أنسر ؛ يأخذ الفرخ حين يخرج من بيضته ، فيأخذ الذكر منها لقوَّته ؛ حتى إذا مات أخذ غيرَه ، فلم يزلْ يفعل ذلك ، حتى أتى على السابع . وكان كلُّ نَسر فيما زعموا يعيش ثمانين سنة ، فلمَّا لم يبق غيرُ السابع قال ابن أخ للقمان: أى عمّ ، ما بقى من عمرك إلا عمر هذا النسر؛ فقال له لقمان: أى ابن أخى: هذا لُبَدٌ - ولُبّد بلسانهم الدهر - فَلمَّا أدرك نَسر لقمان، وانقضى عمره، طارت النسور غداةً من رأس الجبل، ولم ينهض فيها لُبّد ، وكانت نسور لقمان تلك لا تغيب عنه ؛ إنما هى بعينه(٢). فلما لم ير لقمان لُبدًا نهض مع النسور؛ نهض إلى الجبل لينظر ما فعل لُبَّد ، فوجد لقمان فى نفسه وَهْنًا لم يكن يجده قبل ذلك، فلمّا انتهى إلى الجبل رأى نسره لُبداً واقعًا من بين النسور، فناداه : انهضْ لُبَد ، فذهب لُبّد لينهض فلم يستطع ، عريت قوادمه وقد سقطت ؛ فماتا جميعًا . ٢٤١/١ وقيلَ لقيل بن عتر حين سمع ما قيل له فى السحاب: اخترْ لنفسك كما اختار صاحباك، فقال : أختارُ أن يصيبنى ما أصاب قومى، فقيل: إنه الهلاك ، قال : لا أبالى؛ لا حاجة لى فى البقاء بعدهم. فأصابه ما أصاب عادًا من العذاب فهلك ، فقال مَرْئَد بن سعد بن عُفير حين سمع من قول الراكب الذى أخبر عن عاد بما أخبر من الهلاك : عطاشاً ما تَبُلَّهُمُ السماء عَصَتْ عَادٌ رسولَهُمُ فَأَمْسَوْا فَأَرْدَفَهُمْ مع العَطَشِ العَمَاءِ وسُيِّرَ وَفْدُهُمْ شهرًا ليُسَقَوْا عَلَى آثارٍ عَادِهِمُ العفاءِ بكفْرِهِمُ بِربِّهِمُ جِهِارًا فإِنَّ قلوبهمْ قَفَرٌ حَوَاءِ أَلَا نَزَعَ الإِلهُ حُلومَ عادٍ (١) الأيعار: جمع يعر ؛ وهى الشياه . (٢) كذا فى ا، س، ن، وفى ط: ((تتعينه)). ٢٢٤ وما تُغْنى النصيحةُ والشّفَاءِ(١) مِنَ الْخَبَرِ الْمُبَيَّنِ أنْ يَعُوهُ فنفسى وَابْنَغَىَ وَأُمُّ وُلْدِى لِنَفْسِ نَبِيِّنَا هودٍ فداء على ظُلْمٍ، وقد ذَهَبَالضَّيَاءِ أتانا والقلوبُ مُصمّداتٌ يُقابله صُدَاءُ واأهباء لَنَا صٌَّ يقال له صَمُودٌ وأَدْرَكَ مَنْ يُكذِّبه الشَّقَاءِ فأبصَرَهُ الذينَ له أنابوا وإِخْوَتَهَ إِذَا جِنَّ المَاءِ فَإِّى سَوْفَ أَلْحَقُ آلَ هودٍ ٢٤٢/١ وقيل : إن رئيسهم وكبيرهم فى ذلك الزمان الخَلَجان . حدثنى العباس بن الوليد ، قال : حدثنا أبى ، عن إسماعيل بن عياش ، عن محمد بن إسحاق، قال: لما خرجت الريحُ على عاد من الوادى، قال سبعة رَهْط منهم، أحدهم الخلجان: تعالوا حتى نقومَ على شفير الوادى فتردها، فجعلت الريح تدخل تحت الواحد منهم فتحمله ، ثم ترمى به فتندقّ عنقه، فتتركهم كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿صَرْعَى كَأَنْهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ خَاوِيَةٍ﴾(٢) حتى لم يبق منهم إلاّ الخَلَجان، فمال إلى الجبل، فأخذ بجانب منه، فهزّه فاهتزّ فى يده ، ثم أنشأ يقول : بِالَّكَ مِنْ يَوْمٍ دَهَانِىِ أمْسُهُ لمْ يَبْقَ إِلَّ الخَلَجانُ نفسُهُ لو لم يَحِ جِئْتُهُ أَجُتُّهُ بِتَابِتِ الْوَطْ ءشديدٍ وَطْسُهُ فقال له هود: ويحك يا خَلَجان! أسلِمٍ تَسْلَم، فقال له: ومالى عند ربك إن أسلمت ؟ قال : الجنة ، قال : فما هؤلاء الذين أراهم فى هذا السحاب كأنهم البُخْت، قال هود: تلك ملائكة ربىّ، قال : فإن أسامت أيُعيذنى ربك منهم ؟ قال : ويلك ! هل رأيت ملكاً يعيذ من جنده ! قال : أو فعل ما رضيت ، قال : ثم جاءت الريح فألحقته بأصحابه ؛ أو كلاماً هذا معناه . قال أبو جعفر: فأهلك اللّه الخَلَجان، وأفنى عاداً خلا مَنْ بقىَ (١) ا، ك: ((من الخير)). (٢) سورة الحاقة ٧ ٢٢٥ منهم ، ثم بادوا بعد ، ونجتى اللّه هودًا ومن آمن به . وقيل : كان عمر هود مائة سنة وخمسين سنة . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : حدثنا أحمد بن المفضل ، قال: حدثنا ٢٤٣/١ أسباط، عن السدىّ، قال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلّهٍ غَيْرُهُ﴾(١)؛ إنّ عاداً أتاهم هود، فوعظهم وذكرهم بما قصّ" اللّه فى القرآن، فَكَذَّبوه وكفروا، وسألوه أن يأتيهم العذاب فقال لهم : ﴿ إِنَّمَا العِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأَبَلِّمْكُمْ مَا أَرْسِلْتُ بِهِ﴾(٢)؛ وإن عاداً أصابهم حين كفروا قّحْط من المطر، حتى جهدوا لذلك جهداً شديداً ؛ وذلك أن هوداً دعا عليهم ، فبعث الله عليهم الريحَ العقيم ، وهى الربح التى لا تُلقح الشجر ، فلما نظروا إليها قالوا : هذا عارض ممطرنا ، فلما دنتْ منهم نظروا إلى الإبل والرجال ، تَطيرُ بهم الريح بين السماء والأرض ، فلما رأوْها تبادروا إلى البيوت ، حَتّى دخلوا البيوت دخلت عليهم فأهلكتهم فيها ، ثم أخرجتهمْ من البيوت ، فأصابتهم ﴿فى يَوْم نحسٍ﴾، والنحس هو الشؤمُ (مُسْتمرٌ)(٣) استمرّ عليهم بالعذاب. (سَبْعَ لَالٍ وَ ثَمَاذِيةَ أيام حسوماً﴾(٤)، حسمت كلّ شيء مرّت به، حتى أخرجْتهم من البيوت، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَنْزِعُ النَّاسَ﴾ عن البيوت، ﴿كَأَنَّهُمْ أعْجَازُ نَخْلِ مُنْعٍ﴾(٥)، انقعر من أصوله. (خَاوِيةٍ﴾(٦) خوت فسقطت ، فلما أهلكهم الله أرسل عليهم طيرًا سوداً ، فنقلتهم إلى البحر ، (١) سورة هود ٥٠ (٢) سورة الأحقاف ٢٣ (٣) سورة القمر ١٩ (٤) سورة الحاقة ٧ (٥) سورة القمر ٢٠ (٦) من قوله تعالى فى سورة الحاقة ٧: ﴿ فَتَرَى الْقَوْمَ فيهَاَ صَرْعَى كَأْمَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ خاويةٍ﴾ . (٢٥) ٢٢٦ ٢٤٤/١ فألقتهم فيه، فذلك قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ)(١). ولم تخرج الريح قط إلا بمكيال إلا يومئذ ، فإنها عنت على الخزنة فغلبتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها؟ فذلك قوله: ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصٍَ عَاتِيَةٍ﴾.(٢) والصرصر : ذاتُ الصوت الشديد . حدثی محمد بن سهل بن عسکر، قال : حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال : حدثنى عبد الصمد ، أنه سمع وهباً يقول : إن عاداً لما عذبهم الله بالريح التى عُدِّبوا بها، كانت تقلع الشجرة العظيمة بعروقها وتهدم عليهم بيوتهم ، فمن لم يكن فى بيتٍ هبَّتْ به الرِّيح حتى تقطعه بالجبال ، فهلكوا بذلك كلهم . وأما ثمود فإنهم عتوْا على ربّهم ، وكفروا به ، وأفسدوا فى الأرض؛ فبعث اللّه إليهم صالح بن عبيد بن أسف بن ماسخ(٣) بن عبيد بن خَادر بن ثمود ابن جاثر بن إرم بن سام بن نوح ، رسولاً يدعوهم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة . وقيل: صالح، هو صالح بن أسف بن کماشج بن إرم بن ثمود بن جاثر ابن إرم بن سام بن نوح . فكان من جوابهم له أن قالوا له: ﴿يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هُذَا أَتَنْهَنَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنّنَا لَفِى شَكٍ مِمَّا تَدْعُوْنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ﴾ (٤). وكان اللّه عزّ وجلّقد مدّلهم فى الأعمار، وكانوا يسكنون الحِجْر ٢٤٥/١ (١) سورة الأحقاف ٢٥ (٢) سورة الحاقة ٦ (٤) سورة هود ٦٢ . (٣) ١: ((ماشج)). ٢٢٧ إلى وادى القرى ، بين الحجاز والشام ، ولم يزل صالح يدعوهم إلى الله على تمرّدهم وطغيانهم، فلا يزيدهم دعاؤه إياهم إلى اللّه إلا مباعدة من الإجابة، فلما طال ذلك من أمرهم وأمر صالح قالوا له : إن كنت صادقًا فأتنا بآية . فكان من أمرهم وأمره ما حدثنا الحسن بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن عبد العزيز بن رُفَيْع ، عن أبى الطفيل؛ قال : قالت ثمود لصالح : ائتنا بآية إن كنت من الصادقين . قال : فقال لهم صالح : اخرجوا إلى هَضْبة من الأرض ؛ فإذا هى تتمخّض كما تتمخَّص الحامل ، ثم تفرّجت فخرجت من وسطها الناقة ، فقال صالح عليه السلام : ﴿هُذِهِ نَاقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَّةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللهِ وَلَا تَسُّوهَا بِسُوء فَيَأْخُذَ كُمْ عَذَابٌ أَلِيمٍ﴾.(١) ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾(٣) فلما ملّها عقروها، فقال لهم: ﴿تَمَتَعُوا فِى دَارِ كُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ﴾. (٣) قال عبد العزيز: وحدثنى رجل آخر أن صالحًا قال لهم: إن آية العذاب أن تصبحوا غداً حُمْراً، واليوم الثانى صُفْراً، واليوم الثالث سُوداً، فصبحهم العذاب، فلما رأوا ذلك تحنّطوا واستعدّوا (٤). حدثنا القاسم ، قال : حدثا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، عن أبی بکر بن عبد الله ،عن شهر بن حوشب ،عن عمرو بنخارجة، قال: قلنا له: حدّثنا حديث ثمود ، قال: أحدٌّتُكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمود . كانت(٥) ثمود قوم صالح عمّرهم اللّه عزّ وجلّ فى الدنيا، فأطال أعمارهم حتى جعل أحدهم يبنى المسكن من المدر فيتهدَّم(٦) والرجل منهم حىّ ، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتا فرِهين، فنحتوها وجابوها وجوّفوها ، ٢٤٦/١ (١) سورة الأعراف ٧٣ (٢) سورة الشعراء ١٥٥ (٣) سورة هود ٦٥ (٤) الخبر فى التفسير ١٢ : ٥٢٥ - ٥٢٦. (٥) ر، س: ((وكانت)). (٦) ر: ((فيهدم))، س: ((فيهدم)). ٢٢٨ وكانوا فى سَعة من معايشهم(١) ، فقالوا: يا صالح، ادع لنا ربَّك يخرج(٢) لنا آية نعلم أنك رسول اللّه. فدعا صالح ربَّه، فأخرج لهم الناقة فكان شربُها يومًا وشربهم يومًا معلومًا (٣)، فإذا كان يوم شِرْبها خلُّوا عنها وعن الماء ، وحلبوها لبنًا؛ ملئوا كلَّ إناء ووعاء وسقاء، فإذا كان يوم شِرْبهم صرَفوها عن الماء ولم تشرب منه شيئًا، فملئوا كلّ إناء ووعاء وسقاء، فأوحى الله عزّ وجلّ" إلى صالح أنّ قومَك سيعقرون ناقتك ، فقال لهم ؛ فقالوا : ما كنا لنفعل ، قال : إلاّ تعقروها أنتم أوشك أن يولد فيكم مولود يعقرها، قالوا: ما علامةُ ذلك المولود ؟ فوالله لا نجده إلا قتلناه ، قال : فإنه غلام أشقرُ أزرق أصهب أحمر ، قال: فكان فى المدينة شيخان عزیزان منيعان، لأحدهما ابن يرغب له عن المناكح ، وللآخر ابنة لا يجد لها كفئًا ، فجمع بينهما مجلس ، فقال أحدهما لصاحبه : ما يمنعك (٤) أن تزوَّج ابنَك ؟ قال : لا أجد له كفئاً ، ٢٤٧/١ قال: فإن ابنتى كفء" له؛ وأنا أزوجك، فزوّجه فولد منهما(٥) ذلك المولود. وكان فى المدينة ثمانية رهط يفسدون فى الأرض ولا يصلحون ، فلما قال لهم صالح: إنما يعقرها مولودٌ فيكم؛ اختاروا ثمانى نسوة قوابل من القرية، وجعلوا معهنّ شُرَطًا كانوا يطوفون فى القرية؛ فإذا وجدوا المرأة تمخَض نظروا ما ولدُها؟ فإن كان غلامًا قتلنه(٦)، وإن كانت جارية أعرَضْن(٧) عنها ، فلما وجدوا ذلك المولود صرخ(٨) النسوة، وقلن: هذا الذى يريد(٩) رسول الله صالح ، فأراد الشُّرَطُ أن يأخذوها، فحال جدّاه بينه وبينهم. وقالوا: إن أراد صالح هذا قتلناه ، وكان شرَّ مولود ، وكان يشبّ فى اليوم شباب غيره فى الجمعة، ويشبّ (١) س: ((العيش)). (٢) ن: ((يظهر)). (٣) ن: ((فكان شربهم يوماً معلوماً وشربها كذلك)). (٤) ب: ((ما منعك)). (٥) ا، ن، وابن الأثير ((بينهما)). (٦) ا، س، ن: ((قلبنه فنظرن ما هو)). (٧) ن: ((انصرفن)). (٨) ط: ((صرخن))، والأجود ما أثبته عن ا. (٩) ن: ((أخبر عنه)). ٢٢٩ فى الجمعة شباب غيره فى الشهر ، ويشبّ فى الشهر شبابَ غيره فى السنة ، فاجتمع الثمانية الذين يفسدون فى الأرض ولا يُصلحون، وفيهم الشيخان، فقالوا: استعمل علينا هذا الغلام لمنزلته وشرف جدَّيْه ، فصاروا تسعة ، وكان صالح عليه السلام لا ينام معهم فى القرية، بل كان فى مسجد يقال له مسجد صالح، فيه يبيت بالليل؛ فإذا أصبح أتاهم فوعظهم وذكرهم، فإذا أمسى خرج إلى مسجده(١) فبات فيه . قال حجاج : قال ابن جريج : لما قال لهم صالح عليه السلام: إنه سيولد غلام يكون هلاكُهم على يديه، قالوا : فكيف تأمرنا ؟ قال : آمركم بقتلهم ، فقتلوهم إلا واحداً، قال : فلما بلغ ذلك المولود قالوا: لو كنّا لم نقتل أولادنا ٢٤٨/١ لكان لكلّ واحد منا مثلُ هذا، هذا عمل صالح! فأنمروا بينهم بقتله ، وقالوا : نخرج مسافرين والناس يروننا علانية ، ثم نرجع من ليلة كذا وكذا فترصده عند مصَلاَّه فنقتله ، فلا يحسب الناس إلا أنا مسافرون كما نحن . فأقبلوا حتى دخلوا تحت صخرة يرصدونه، فأنزل الله عزّ وجلّ عليهم الصخرة فرضختهم فاصبحوا رُضْخًا، فانطلق رجال ممن قد اطلع على ذلك منهم ؛ فإذا هم رُضْخ ، فرجعوا يصيحون فى القرية: أى عباد الله ، أما رضىَ صالح أن أمرهم أن يقتلوا أولادهم حتى قتلهم ! فاجتمع أهل القرية على عَقْر الناقة أجمعون ، فأحجموا عنها إلا ذلك ابن العاشر . قال أبو جعفر : ثم رجع الحديث إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فأرادوا أن يمكروا بصالح ، فمشوا حتى أتوا على سَرَب على طريق صالح ، فاختبأ فيه ثمانية وقالوا : إذا خرج علينا قتلناه وأتينا أهله فبيّتناهم ، فأمر الله عزّ وجلّ الأرضَ فاستوت عليهم ، قال: فاجتمعوا ومشوا إلى الناقة ، وهى على حوضها قائمة ، فقال الشقىّ لأحدهم : ائتها فاعقرها ، فأتاها ، فتعاظمه ذلك ، فأضرب عن ذلك ، فبعث آخر فأعظم ذلك ، فجعل لا يبعث أحداً إلا تعاظمه أمرها ؛ حتى مشى إليها وتطاول لـ (١) س: ((منزله)). (٢) !: ((فأرسل)). ٢٤٩/١ ٢٣٠ فضرب عرقوبيْها(١)، فوقعت تركض. فأتى رجلٌ منهم صالحًا فقال: أدرك الناقة فقد عُقِرت . فأقبل؛ فخرجوا يتلقونه ويعتذرون إليه: يا نبى الله، إنما عقرها فلان ؛ إنه لا ذنب لنا ، قال : انظروا هل تُدركون فصيلها ! فإن أدر كتموه فعسى الله أن يرفع عنكم العذاب! فخرجوا يطلبونه . فلما رأى الفصيلُ أمه تضطرب أتى جبلا- يقال له: القارة- قصيراً فصعده وذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله عزّ وجلّ إلى الجبل، فطال فى السماء حتى ما تناله الطير ، قال: ودخل صالح القرية ، فلما رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعُه ، ثم استقبل صالحًا ، فرغا رغوة، ثم رغا أخرى، ثم رغا أخرى. فقال صالح: لكلّ رغوة أجل يوم؛ تمتعوا فى داركم ثلاثة أيام ، ذلك وعد غيرُ مكذوب ؛ إلا أن آية العذاب أنّ اليوم الأول تصبح وجوهكم مصفرّة ، واليوم الثانى محمرّة ، واليوم الثالث مسودّة، فلما أصبحوا إذا وجوهُهم كأنما طُلِيت بالخلوق، صغيرهم وكبيرهم، ذكَرُهُم وأنثاهم، فلما أمسَوْا صاحُوا بأجمعهم : ألا قد مضى يومٌ من الأجَل وحضركم العذاب ، فلما أصبحوا اليوم الثانى إذا وجوههم محمرّة ؛ كأنما خضبت بالدماء، فصاحوا وضجُوا وبكوا وعرفوا أنه العذاب . فلما أمسوْا صاحوا بأجمعهم : ألا قد مضى يومان من الأجَل، وحضركم (٢) العذاب ، فلما أصبحوا اليوم الثالث فإذا وجوههم مسودّة كأنما طُليت بالقار ، فصاحوا ٢٥٠/١ جميعًا: ألا قد حضركم العذاب، فتكفّنوا وتحنّطوا، وكان حنوطهم الصَِّر والمقْر (٣) ، وكانت أكفانهم الأنطاع، ثم ألقوا أنفسهم إلى الأرض ، فجعلوا يقلّبون أبصارهم إلى السماء مرة ، وإلى الأرض مرَّة ، لا يدرون من حيث (٤) يأتيهم العذاب؛ من فوقهم من السماء، أومن تحت أرجلهم من الأرض خشعًا وفرقًا ؛ فلما أصبحوا اليوم الرابع أتتهم صيحةٌ من السماء فيها صوت كلّ". صاعقة وصوت كلّ شيء له صوتٌ فى الأرض، فتقطّعت قلوبُهم فى صدورهم فأصبحوا فى ديارهم جائمين . (١) ا، س: ((عرقوبها)). (٢) س: ((وحضرهم)). (٣) الصبر: عصارة شجر مر، والمقر شبه به. (٤) ن: ((من أين)). ٢٣١ حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، عن ابن جريج، قال : حُدّثت أنه لما أخذتهم الصيحة أهلك الله مَنْ بين المشارق والمغارب منهم ، إلا رجلاً واحداً كان فى حَرَم اللّه، منعه حرمُ اللّه من عذاب الله (١) قيل: ومَنْ هو يا رسول اللّه: ؟ قال: أبورِغال، وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حين أتى على قرية ثمود لأصحابه: ((لا يدخلن" أحدٌ منكم القرية، ولا تشربوا من مائهم))، وأرَاهم مُرْتقَى الفصيل ، حين ارتفى فى القارة(٢) قال ابن جريج : وأخبرنى موسی بن عقبة ، عن عبد الله بن دینار ، عن ابن عمران، أنّ النبي صلى الله عليه وسلم حين أتى على قرية ثمود قال: «لا تدخلُنّ (٣) على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا با كين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصیبکم ما أصابهم». قال ابن جريج : قال جابر بن عبد الله: إن النبى صلى الله عليه وسلم لما أتى على الحيجْر، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: ((أما بعد، فلا تسألوا رسولكم الآيات ، هؤلاء قوم صالح سألوا رسولهم الآية ، فبعث الله لهم الناقة ، فكانت تَرِدِ من هذا الفجّ وتصدّر من هذا الفجّ ، فتشرب ماءهم يوم وِرْدها )» . ٢٥١/١ حدثنى إسماعيل بن المتوكل الأشجعىّ ، قال : حدثنا محمد بن كثير ، قال : حدثنا عبد الله بن واقد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم،قال: حدثنا أبو الطفيل [قال] (٤): لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزاة تبوك، نزل الحِجْر فقال: (( أيها الناس لا تسألوا نبيّكم الآيات ، هؤلاء قوم صالح سألوا نبيّهم أن يبعث لهم آية ، فبعث الله تعالى ذكرُه لهم الناقة آية، فكانت تلِجُ عليهم يوم وِرْدها من هذا الفجّ فتشرب ماءهم ، ويوم وردهم كانوا يتزودون منه ، ثم يحلبونها مثل ما كانوا يتزوّدون من مائهم قبل ذلك لبنًا، ثم تخرج من ذلك الفجّ . فعتوْا عن أمر ربهم وعقروها ، فوعدهم اللّه العذاب بعد ثلاثة أيام ، (١) ن: ((منعه من العذاب)). (٢) ن: ((حين ألق فى المغارة))، والقارة، الجبل الصغير (٣) ا: ((لا تدخلوا)). (٤) تكملة من ا. ٢٣٢ وكان وعداً من اللّه غير مكذوب، فأهلك اللّه مَنْ كان منهم فى مشارق الأرض ومغاربها إلاّ رجلاً(١) واحداً كان فى حرم الله ، فمنعه حرم الله من عذاب الله، قالوا : ومَنْ ذلك الرجل يا رسول الله؟ قال : أبو رِغال. فأما أهلُ التوراة فإنهم يزعمون أن لا ذكر لعاد ولا (٢) ثمود ولا لهود وصالح فى التوراة، وأمرهم عند العرب فى الشهرة فى الجاهلية والإسلام كشهرة إبراهيم وقومه . قال : ولولا كراهة إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لذكرت من شعر ٢٥٢/١ شعراء الجاهلية الذى قيل فى عاد وثمود وأمورهم بعضَ ما قيل. ما يعلّم به مَنْ ظنّ خلاف ما قلنا فى شهرة أمرهم فى العرب صحة ذلك . ومن أهل العلم من يزعم أن صالحًا عليه السلام توفى بمكة وهو ابن ثمان وخمسين سنة ، وأنه أقام فى قومه عشرين سنة . قال أبو جعفر: نرجع الآن إلى : (١) !: ((ليس رجلا)). (٢) لم يذكر ((لا)) فى ا. ا ذكر إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام وذكر من كان فى عصره من ملوك العجم إذ كنا قد ذكرنا من بينه وبين نوح من الآباء وتأريخ السنين التى مضت قبل ذلك. وهو إبراهيم بن تارخ بن ناحور بن ساروغ بن أرغوا (١) بن فالغ بن عابر بن شالخ بن قيْنان بن أرفخْشَد بن سام بن نوح . واختلفوا فى الموضع الذى كان منه ، والموضع الذى وُلد فيه، فقال بعضهم: كان مولده بالسُّوس من أرض الأهواز ، وقال بعضهم : کان مولده ببابل من أرض السَّوَاد . وقال بعضهم : كان بالسواد بناحية كُوثَى . وقال بعضهم : كان مولده بالوَرْ كاء بناحية الزوابى وحدود كَسْكر ، ثم نقله أبوه إلى الموضع الذى كان به نُمْرود من ناحية كُونى. وقال بعضهم : كان مولده بحرّان ، ولكن أباه تارخ نقله إلى أرض بابل . وقال عامة السلف من أهل العلم : كان مولد إبراهيم عليه السلام فى عهد نمرود بن كوش . ويقول عامة أهل الأخبار : كان نمرود عاملاً للازدهاق الذى زعم (٢) بعض من زعم أن نوحًا عليه السلام كان مبعوثًا إليه على أرض بابل وما حولها . وأما جماعة من سلف العلماء فإنهم يقولون : كان ملكاً برأسه ، واسمه الذى هو اسمه فيما قيل : زرهى بن طهماسلفان(٣). ٢٥٣/١ وقد حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنا محمد بن إسحاق - فيما ذكر لنا والله أعلم - أن آزر كان رجلاً من أهل كُوثَى، من قرية بالسواد سواد الكوفة ، وكان إذ ذاك ملكُ المشرق لنمرود الخاطئ، وكان يقال له الهاصر، وكان مُلْكـفيما يزعمون- قد أحاط بمشارق الأرض ومغاربها، وكان ببابل ، قال : وكان ملكه وملك قومه بالمشرق قبل ملك فارس . قال : ويقال لم يجتمع ملك الأرض ولم يجتمع الناس على ملك واحد إلا (١) س: ((أرعوا))، ن: ((أرغو)). (٢) ر: ((يزعم)). (٣) س: ((طهماسفاذ)). ٢٣٣ ٢٣٤ على ثلاثة ملوك : نُمْرود بن أرغوا ، وذى القرنين، وسليمان بن داود . وقال بعضهم : نمرود هو الضحّاك نفسه . حدّثت عن هشام بن محمد، قال: بلغنا والله أعلم أنَّ الضحاك هو نُمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن ولد فى زمانه ، وأنه صاحبه الذى أراد إحراقه . ٢٥٤/١ حدثی موسی بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدىّ فى خبر ذكره عن أبى صالح وعن أبى مالك ، عن ابن عباس- وعن مرّة الهمْدانىّ عن ابن مسعود- وعن ناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم: إن أول ملكٍ مَلَكَ فى الأرض شرقها وغربها نُمرود بن كنعان ابن كوش بن سام بن نوح ، وكانت الملوك الذين ملكوا الأرض كلها أربعة : نمرود ، وسليمان بن داود ، وذو القرنين ، وبخت نصرّ : مؤمنان وكافران . وقال ابن إسحاق فيما حدثنى ابن حميد، قال : حدثنا سَلمة ، عن ابن إسحاق: فلما أراد اللّه عزّ وجلّ أن يبعث إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن حجة على قومه ورسولاً إلى عباده ، ولم يكن فيما بين نوح وإبراهيم عليهما السلام من نبيّ قبله إلا هود وصالح ، فلما تقارب زمان إبراهيم الذى أراد الله تعالى ذكره ما أراد، أتى أصحابُ النجوم نمرود، فقالوا له : تعلَّم أنا نجد فى علمنا أن غلامًا يُولد فى قريتك هذه يقال له إبراهيم ، يفارق دينكم ، ويكسر أوثانكم، فى شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا . فلما دخلت السنة التى وصف أصحاب النجوم لنمرود ، بعث نمرود إلى كل امرأة حُبلى بقريتِهِ ، فحبسها عنده ، إلا ما كان من أم إبراهيم امرأة آزر فإنه لم يعلم بحبلها ، وذلك أنها كانت جارية - حدثة فيما يذكر - لم يعرف الحبل فى بطنها ، فجعل لا تلد امرأة غلامًا فى ذلك الشهر من تلك السنة إلا أمر به فذبح ، فلما وجدت أُمّ إبراهيم الطَّلْق خرجت ليلا إلى مغارة كانت قريبًا منها، فولدت فيها إبراهيم ٢٥٥/١ عليه السلام ، وأصلحت من شأنه ما يُصنع بالمولود، ثم سَدّت عليه المغارة ، ثم رجعت إلى بيتها ، ثم كانت تطالعه فى المغارة لتنظر ما فعل، فتجده حيًّاً ٢٣٥ يمصَ إبهامه(١). يزعمون- والله أعلم - أن الله جعل رزق" إبراهيم عليه السلام فيها ما يجيئه من مصّه ، وكان آزر فيما يزعمون قد سأل أم إبراهيم عن حملها ما فعل ، فقالت : ولدت غلامًا فمات . فصدّقها فسكت عنها ، وكان اليوم - فيما يذكرون - على إبراهيم فى الشباب كالشهر، والشهر كالسنة؛ ولم يمكث إبراهيم عليه السلام فى المغارة إلا خمسة عشر شهراً ، حتى قال لأمه : أخرجينى أنظر، فأخرجته عشاء ، فنظر وتفكر فى خلق السموات والأرض ، وقال : إن الذى خلقنى ورزقنى وأطعمنى وسقانى لَرَبّى، مالى إله غيره . ثم نظر فى السماء ورأى كوكبًا، فقال: ﴿هَذا رَبِّى﴾، ثم اتبعه ينظر إليه ببصره حتى غاب ﴿فَلَمّا أَفَلَ قال لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ)، ثم اطلع للقمر(٢) فرآه بازغًا فقال: ﴿هَذا رَبّى) ثم اتبعه ببصره حتى غاب ( فلمّا أَفَلَ قَالَ لَيْنْ لَمْ يَهْدِ نِىِ رَبِّى لأَكُونَنّ من الْقَوْمِ الضَّالِّين﴾. فلما دخل عليه النهار وطلعت الشمس رأى عظم الشمس ورأى شيئًا هو أعظم نوراً من كلّ شيء رآه قبل ذلك، فقال: ﴿هَذَا رَبِى هَذَا أكبر، فَمَّا أفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِّ بَرِىء مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِىِ فَطَرَ السَّمُوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(٣). ثم رجع إبراهم إلى أبيه آزر وقد استقامت وجهته، وعرف ربه وبرئ من ٢٥٦/١ دين قومه إلا أنه لم يبادهم (٤) بذلك ، فأخبره أنه ابنه ، فأخبرته أمّ إبراهيم عليه السلام أنه ابنه ، فأخبرته بما كانت صنعت فى شأنه ، فسرّ بذلك آزر وفرح فرحا شديداً، وكان آزر يصنع أصنام قومه التى يعبدون، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها ، فيذهب بها إبراهيم عليه السلام فيما يذكرون فيقول: مَنْ يشترى ما يضرّه ولا ينفعه! فلا يشتريها منه أحد ، فإذا بارتْ عليه ذهب بها إلى نهر فصوّب فيه رءوسها، وقال: اشربى - استهزاء بقومه، وبما هم (٥) عليه من الضلالة - حتى فشا عيبُه إياها ، واستهزاؤه بها فى قومه وأهل قريته : (١) ر: ((أصابعه)). (٢) ط: ((أطلع القمر))، وما أتبته عن ا. (٣) سورة الأنعام ٧٦ - ٧٩ (٤) يقال : بادى فلان بالعداوة ؛ أى جاهر بها . (٥) كذا فى ا، ن، وفى ط: ((وما هم)). ٢٣٦ من غير أن يكون ذلك بلغ نمرودَ الملك (١) . ثم إنه لما بدا لإبراهيم أن يبادىّ قومه بخلاف ما هم عليه وبأمر الله والدعاء إليه ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِى النَّجُومِ، فَقَالَ إِنِى سَقِيمٌ﴾، يقول الله عزّ وجلّ: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينٍ﴾(١)، وقوله: ﴿إِنَّى سَقِيمٌ﴾(٢) أى طَعين (٣)، أو لسقم (٤) كانوا يهربون منه إذا سمعوا به ، وإنما يريد إبراهيم أن يخرجوا عنه ليبلغ من أصنامهم الذی یرید . فلما خرجوا عنه خالف إلی أصنامهم التی کانوا یعبدون من دون اللّه، فقرَّب لها طعامًا؛ ثم قال : ألا تأكلون! ما لكم لا تنطقون ! تعبيراً فى شأنها واستهزاء بها . ٢٥٧/١ وقال فى ذلك غير ابن إسحاق ، ما حدثنى موسى بن هارون ، قال : حدثنا عمرو بن حماد ، قال : حدثنا أسباط ، عن السدىّ ، فى خبر ذكره عن أبى صالح، وعن أبى مالك ، عن ابن عباس- وعن مرة الهمْدانىّ عن ابن مسعود - وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : كان من شأن إبراهيم عليه السلام أنه طلع كوكب على نمرود ، فذهب بضوء الشمس والقمر ، ففزع من ذلك فزعًا شديداً، فدعا السحرة والكهنة والقافة والحازة، فسألهم عنه، فقالوا : يخْرُج من ملكك رجل يكون على وجهه هلاكك وهلاك مُلكَك - وكان مسكنه ببابل الكوفة - فخرج من قريته إلى قرية أخرى، فأخرج الرجال وترك النساء ، وأمر ألاَّ يُولد مولود ذكر إلا ذبحه ، فذبح أولادهم . ثم إنه بدت له حاجة فى المدينة لم يأمن عليها إلا آزر أبا إبراهيم ، فدعاه فأرسله . فقال له : انظر لا تواقعْ أهلك، فقال له آزر: أنا أضَنُّ بدينى من ذلك ، فلما دخل القرية نظر إلى أهله فلم يملك نفسه أن وقع عليها ؛ فقرّبها إلى قرية بين الكوفة والبصرة، يقال لها أور، فجعلها فى سَرَّب، فكان يتعاهدها بالطعام (١) إلى هنا الخبر فى التفسير ١١ : ٤٨١ - ٤٨٣ (٢) سورة الصافات ٨٨ - ٩٠ (٣) طعين، أى أصابه الطاعون . اللسان - طعن. (٤) ط: ((بالسقم))؛ وما أثبته عن ا، س؛ وهو يوافق ما فى التفسير ٢٣ : ٤٤ ( بولاق ) . ٢٣٧ ٢٥٨/١ والشراب وما يصلحها . وإن الملك لما طال عليه الأمر قال : قول سحرة كذابين ، ارجعوا إلى بلدكم ، فرجعوا. وولد إبراهيم فكان فى كلّ يوم يمرّ كأنه جمعة، والجمعة كالشهر، والشهر كالسنة من سرعة شبابه ، ونسىَ الملك ذلك، وكبر إبراهيم ولا يرى أنّ أحداً من الخلق غيره وغير أبيه وأمه ، فقال أبو إبراهيم لأصحابه : إن لی ابنًا قد خبأته، أفتخافون علیه الملك إن أنا جئت به ؟ قالوا : لا، فأت به . فانطلق فأخرجه، فلما خرج الغلام من السَّرّب نظر إلى الدواب والبهائم والخلق ، فجعل يسأل أباه : ما هذا ؟ فيخبره عن البعير أنه بعير ، وعن البقرة أنها بقرة ، وعن الفرس أنه فرس ، وعن الشاة أنها شاة ، فقال : ما لهؤلاء الخلق بد من أن يكون لهم ربّ، وكان خروجه حينَ خرج من السَّرب بعد غروب الشمس ، فرفع رأسه إلى السماء فإذا هو بالكوكب وهو المشترى ، فقال: ﴿هذا رَبِّى﴾، فلم يلبث أن غاب، فَقَالَ (لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾، أى لا أحبُّ رَبًّا يغيب. قال ابن عباس: وخرج فى آخر الشهر، فلذلك لم ير القمر قبل الكواكب، فلما كان آخر الليل رأى القمر بازغًا قد طلع ، فقال : ﴿هذا ربِّى، فَلَمَّا أَفَلَ) يقول: غاب، (قال لئنْ لم يهدنى ربى لأكونَنَّمن القوم الضالين)، فلما أصبح ورأى الشمس بازغة، قال: ﴿هَذَارَبِى هَذَا أَكْبَرُ)، فلما غابت قال الله له: أسليم، قال: قد أسلمت لرب العالمين. ثمّ أتى قومه فدعاهم فقال: ﴿يَا قَوْمٍ إنى بَرَى مِمَا تُشْرِكُون) إِنِّى وَجَّهْتُ وجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السمواتِ والأرضَ حَنِيفاً﴾(١). يقول مخلصًا: فجعل يدعوقومه وينذرهم. وكان أبوه يصنع الأصنام فيعطيها ولَدَه فيبيعونها، وكان يعطيه فينادى: مَنْ يشترى ما يضرّه ولا ينفعه ؟ فيرجع إخوته وقد باعوا أصنامهم ، ويرجع إبراهيم بأصنامه كما هى، ثم دعا أباه فقال: ﴿ يا أبتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِ عَنْكُ شَيْئً﴾(٢) قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهِى بَا إِبْرَاهِيم الْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيًّا)(٣). قال: أبداً. ثم قال له أبوه: ٢٥٩/١ (١) سورة الأنعام ٧٦ - ٧٩ (٢) سورة مريم ٤٢ (٣) سورة مريم ٤٦ ٢٣٨ يا إبراهيم، إن لنا عيداً لوقد خرجت معنا لأعجبك ديننا، فلما كان يوم العيد، فخرجوا إليه خرج معهم إبراهيم ، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه وقال : (إنى سقيم )، يقول: أشتكى رجلى"، فتوطئوا رجليه ، وهو صريع ، فلما مضوْاً نادى فى آخرهم وقد بقِىَ(١) ضَعْفى الناس: (تَالهِ لَأُ كِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَّلُّوا مُدْبِرِينَ)(٢) فسمعوها منه، ثم رجع إبراهيم إلى بيت الآلهة، فإذا هو فى بَهْو عظيم ، مستقبل باب البهو صنم عظيم إلى جنبه أصغر منه ، بعضها إلى جنب بعض ، كلّ صنم يليه أصغرُ منه ، حتى بلغوا باب البهو وإذا هم قد صنعوا (٣) طعامًا، فوضعوه بين يدى الآلهة، قالوا : إذا كان حينُ نرجع رجعنا، وقد باركت الآلهة فى طعامنا فأكلنا . فلما نظر إليهم إبراهيم عليه السلام، وإلى ما بين أيديهم من الطعام قال : ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال : ما لكم لا تنطقون! فراغ عليهم ضربًا باليمين ، فأخذ حديدةً فبقَر كلَّ صنم فى حافتيْه ، ثم علّق الفأس فى عنق الصنم الأكبر، ثم خرج فلما جاء القوم إلى طعامهم، ونظروا إلى آلهتهم، قالوا: ﴿مَنْ فَعَلَ هُذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ* قَالُوا سَمِعْنَا فَتَّى يَذْ كُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِمْ(٤)). ٢٦٠/١ قال أبو جعفر : رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق . ثم أقبل عليهم كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿ضَرْبَا بِالِّْينِ)(٥). ثم جعل يكسرهنّ بفأس فى يده ، حتى إذا بقىَ أعظمُ صنم منها ربط الفأس بيده ، ثم تركهنَّ، فلما رجع قومه رأوا ما صنع بأصنامهم ، فراعهم ذلك ، فأعظموه وقالوا: مَنْ فعل بآلهتنا إنه لمن الظالمين. ثم ذكروا فقالوا: ﴿قَدْ سَمِعْنَا فَتَّى (١) ط: ((بقوا))، والصواب ما أثبته عن ا، والتفسير. (٢) سورة الأنبياء ٥٧ (٣) ا، والتفسير: ((جعلوا)). (٤) سورة الأنبياء ٥٩، ٦٠، والخبر فى التفسير ١٧: ٢٩ (بولاق). (٥) سورة الصافات ٩٣ ٢٣٩ يَذْ كرُهُمْ یقالُ لَهُ إبراهيمٌ ﴾(١)-یعنون(٢) فتی یسبها ويعيبها ويستهزئ بها ، لم نسمع أحداً يقولُ ذلك غيرُه ، وهو الذى نظنّ صنع هذا بها. وبلغ ذلك نمرود وأشراف قومه، فقالوا: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ(١)) ، أى ما يصنع به . فكان جماعة من أهل التأويل ، منهم قتادة والسُّدىّ يقولون فى ذلك : لعلّهم يشهدون عليه أنه هو الذى فعل ذلك ، وقالوا : كرهوا أن يأخذوه بغير بيّنة رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق : قال: فلما أتى به فاجتمع له قومه عند ملكهم نمرود، قالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هْذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيِرُهُمْ هُذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ )(١)، غضب من أن يعبدوا معه هذه الصغار وهو أكبر منها، فكسرهنّ، فارعوَوْا ورجعوا عنه فيما ادعوا عليه من كسْرهنّ إلى أنفسهم فيما بينهم، فقالوا: لقد ظلمناه وما نراه إلا كما قال . ثم قالوا وعرفوا أنها لا تضرّ ولا تنفع ولا تبطش: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هُؤْلَاءِ يَنْطِقُون﴾(٣)، أى لا يتكلمون فيخبرونا : مَنْ صنع هذا بها، وما تبطش بالأيدى فنصدقك، يقول الله عزّ وجلّ: ( ثُمَّ نَكِسُوا عَلَى رُء وسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَاهُؤْلَاءِ يَنْطِقُونَ)(٣)، أى نكسوا على رءوسهم فى الحجة عليهم لإبراهيم حين جادلهم، فقال عند ذلك إبراهيم حين ظهرت الحجة عليهم بقولهم: ﴿لَقَدْ علمْتَ ما هؤلاء يَنْطقُونَ. قال أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَمُكُمْ شِيئًاً وَلَا يَضُرُّكُمْءَ أُفٍ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ (٣). ٢٦١/١ قال : وحاجه قومه عند ذلك فى الله جل ثناؤه يستوصفونه إياه ويخبر ونه (١) سورة الأنبياء ٦٠، ٦٣ (٢) !: ((يعنون: سمعنا فتى)). (٣) سورة الأنبياء ٦٥ - ٦٧ ٢٤٠ أن آلهتهم خير مما يعبد، فقال: ﴿أَتَحَاجُّونِى فِى اُللهِ وَقَدْ هَدَانٍ﴾، إلى قوله: ﴿فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ أحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(١)، يضرب لهم الأمثال، ويصرِّف لهم العبَرَ، ليعلموا أن الله هوأحق" أن يُخاف ويُعبد مما يعبدونمن دونه. قال أبو جعفر : ثم إن نمرود - فيما يذكرون - قال لإبراهيم: أرأيت إلهك هذا الذى تعبد وتدعو إلى عبادته ، وتذكره من قدرته التى تعظّمه بها على غيره ما هو؟ ﴿قَالَ إبراهيمُ رَبِّىَّ الذِى يُحْسِى وَيُميتُ﴾، فقال نمرود: فأنا (أُحْبِى وَأُمِيتُ)، فقال له إبراهيم: كيف تحى وتميت ؟ قال: آخذ الرجلين قد استوجبًا القتل فى حكمى، فأقتل أحدهما فأكون قد أمتُّه ، وأعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته ، فقال له إبراهيم عند ذلك: ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِى بِالشّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾(٣)، فعرف(٣) أنه كمايقول، فَبُهت عند ذلك نمرود ولم يرجع إليه شيئًا، وعرف أنه لا يطيق ذلك . يقول الله عزّوجلّ: ﴿ فَبُهْتَ الَّذِىِ كَفَرَ (٢) ) ، يعنى وقعت عليه الحجة . ٠ ٢٦٢/١ قال: ثم إن نمرود وقومه أجمعوا فى إبراهيم فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِمِنَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾(٤). حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، قال : حدثنى محمد بن إسحاق ، عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبى سُلَيم، عن مجاهد ، قال : تلوتُ هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال : أتدرى يا مجاهد، من الذى أشار بتحريق إبراهيم عليه السلام بالنار؟ قال : قلت: لا، قال : رجل من أعراب فارس ، قال : قلت : يا أبا عبد الرحمن، وهل للفرس أعراب؟ قال: نعم، الكرْدُ هم أعراب فارس ، فرجل منهم هو الذى أشار بتحريق إبراهيم بالنار . حدثنى يعقوب ، قال : حدثنا ابن عُلَيّة ، عن ليث، عن مجاهد فى (١) سورة الأنعام ٨٠، ٨١ (٢) سورة البقرة ٢٥٨ (٣) كذا فى ا، وفى ط ((أعرف)). ( ٤) سورة الأنبياء ٦٨