Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
شَريك ، عن أبى رَوْق، عن الضَّحاك ، قال : قال سلْمان الفارسىّ : عمل
نوح السفينة أربعمائة سنة ، وأنبت الساج أربعين سنة ، حتى كان طوله
ثلثمائة ذراع ، والذراع إلى المنكب .
فعمل نوح بوحْىِ اللّه إليه، وتعليمه إياه، عملها فكانت إن شاء الله كما ١٨٧/١
حدثنا بشربن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد، عن
قتادة ، قال : ذُكِرٍ لنا أن طول السفينة ثلثمائة ذراع، وعرضها خمسون ذراعًا،
وطولها فى السماء ثلاثون ذراعًا ، وبابها فى عرضها .
حدثنى الحارث ، قال: حدثنا عبد العزيز، قال: حدثنا مبارك، عن الحسن،
قال : كان طول سفينة نوح ألف ذراع ومائى ذراع ، وعرضها ستمائة ذراع .
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، عن
مفضّل بن فضالة ، عن علىّ بن زيد بن جُدْعان، عن يوسف بن مِهْران ،
عن ابن عباس ، قال : قال الحواريون لعيسى بن مريم : لو بعثت لنا رجلا
شهد السفينة فحدّثنا عنها ! فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب ،
فأخذ كفًّا من ذلك التراب بكفّه ، فقال : أتدرون ما هذا ؟ قالوا : اللّه
ورسوله أعلم ، قال : هذا قبر حام بن نوح ، قال : فضرب الكثيب بعصاه
وقال : قم بإذن اللّه، فإذا هو قائم ينفض التراب عن رأسه ، وقد شاب ، فقال
له عيسى عليه السلام : هكذا هلكت ؟ قال : لا ، ولكنى متّ وأنا شابٌّ ؛
ولكنى ظننتُ أنها الساعة، ثمن ثَمَّ شبتُ. قال: حدّثنا عن سفينة نوح ، قال :
كان طولها ألف ذراع ومائتى ذراع وعرضها ستمائة ذراع ، وكانت ثلاث
طبقات : فطبقة فيها الدوابّ والوحش ، وطبقة فيها الإنس ، وطبقة فيها الطير ،
فلما كثر أروات الدوابّ أوحى الله إلى نوح أن اغمزْ ذنَب الفيل ، فغمز
فوقع منه خنزير وخنزيرة ، فأقبلا على الروث ، فلما وقع الفأر بخرز السفينة
يقرضه ، أوحى الله إلى نوح أن اضربْ بين عينى الأسد ، فخرج من منخره
سنّور وسنّورة، فأقبلا على الفأر. فقال له عيسى : كيف علم نوح أن البلاد
قد غرقت ؟ قال : بعث الغراب يأتيه بالخبر ، فوجد جيفة فوقع عليها ، فدعا
عليه بالخوف ، فلذلك لا يألف البيوت . قال : ثم بعث الحمامة ، فجاءت
١٨٨/١

١٨٢
بورق زيتون بمنقارها وطين برجلَيْها ، فعلم أنّ البلاد قد غرقت. قال: فطوقها
الخضرة التى فى عنقها ، دعا لها أن تكون فى أنس وأمان ، فمن ثمّ تألف
البيوت . قال: فقالت الحواريون: يا رسول اللّه، ألا ننطلق به إلى
أهلنا ، فيجلس معنا ويحدثنا ؟ قال : كيف يتبعكم من لا رزق له ؟ قال :
فقال له: عُدْ بإذن اللّه، فعاد ترابًا.
حدثنى الحارث ، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنى هشام، قال : أخبرنى
أبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال: نَجَر (١) نوح السفينة يجبل بَوْذ،
من ثمّ تبدّى الطوفان. قال: وكان طول السفينة ثلثمائة ذراع بذراع جدّ أبى
نوح ، وعرضها خمسين ذراعًا ، وطولها فى السماء ثلاثين ذراعًا، وخرج منها
من الماء ستة أذرع، وكانت مطبَّقة، وجعل لها ثلاثة أبواب ، بعضها أسفل
من بعض .
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق، عمّن
لا يتّهم، عن عُبَيْد بن مُمَير الليثىّ، أنّه كان يحدّث أنه بلغه أنهم كانوا يبطشون .
به - يعنى قوم نوح بنوح - فيختُقونه حتى يُغشى عليه ، فإذا أفاق قال :
اللهم اغفر لقومی فإنهم لا يعلمون
قال ابن إسحاق : حتى إذا تمادوا فى المعصية ، وعظمت فى الأرض منهم
١٨٩/١ الخطيئة، وتطاول عليه وعليهم الشأن، واشتدّ عليه منهم البلاء، وانتظر النجل
بعد النجل ، فلا يأتى قرن إلا كان أخبث من الذى قبله ؛ حتى إن كان الآخر
منهم ليقول : قد كان هذا مع آبائنا ومع أجدادنا؛ هكذا مجنونًا! لا يقبلون
منه شيئًا، حتى شكا ذلك من أمرهم نوح إلى الله عزّ وجلّ، فقال كما قصّ اللّه
عزّ وجلّ علينا فى كتابه: ﴿رَبِّ إِى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَرَاء فَلَمْ يَزِدْهُمْ
دُعَائِى إلَّا فِرَارًا﴾ إلى آخر القصة، حتى قال: ﴿رَبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ
مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلَّا فَاحِرًا
كَفَّاراً)،(٢) إلى آخر القصّة. فلما شكا ذلك منهم نوح إلى الله عزّ وجل
(١) يقال. نجر الخشب؛ أى نحته وسواه.
( ٢) سورة نوح ٥ ، ٦، ٢٦ - ٢٧

١٨٣
واستنصره عليهم أوحى الله إليه أن ﴿أُصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِئِى
فِىِ الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ)(١). فأقبل نوح على عمل الفلك ، ولها
عن قومه ، وجعل يقطع الخشب ويضرب الحديد ،، ويهيئ عُدة الفلْك من
القار وغيره مما لا يُصلحه إلاّ هوَ ، وجعل قومه يمرُّون به ، وهو فى ذلك من
عمله، فيسخرون منه، ويستهزئون به فيقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ
كَمَا تَسْخَرُونَ(( فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُ عَلْيْهِ عَذَابٌ
مُقِيمٍ ﴾ (٢) . قال: ويقولون - فيما بلغنى - : يا نوح قد صرت نجّاراً بعد
النبوّة! قال : وأعقم اللّه أرحام النساء فلا يولّد لهم.
قال : ويزعم أهل التوراة أن اللّه عزّ وجلّ أمره أن يصنع الفلك من خشب
الساج، وأن يصنعه أزور (٣)، وأن يَطلِبَه بالقار من داخله وخارجه، وأن يجعل
طوله ثمانين ذراعًا وعرضه خمسين ذراعًا، وطوله فى السماء ثلاثين ذراعاً، ١٩٠/١
وأن يجعله ثلاثة أطباق: سُفْلًا ووسطًا وعلواً، وأن يجعل فيه كُوًّا. ففعل نوح
كما أمره الله عزّ وجل"، حتى إذا فرغ منه وقد عهد الله إليه: ﴿إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا
وَفَارَ الَّتُورُ قُلْنَا اخْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ أَثْفَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَنْ
سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلَّا قَلِيلٌ)(٤). وقد جعل
التنورآية فيما بينه وبينه، فقال : إذا جاء أمرنا وفار التنّور فاسلك فيها من كل
زوجين اثنين واركب . فلما فار التنور حمّل نوح فى الفلك من أمره الله
تعالى به - وكانوا قليلا كما قال ــ وحمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح
والشجر، ذكرًا وأنثى. فحمل فيه بنيه الثلاثة: سام وحام ويافث ونساءهم، وستة
أناس ممن كان آمن به فكانوا عشرة نفر: نوحٌ وبنوه وأزواجهم ، ثم أدخل
ما أمره الله به من الدواب، وتخلف عنه ابنه يام، وكان كافراً.
(١) سورة هود ٣٧
(٢) سورة هود ٣٨ - ٣٩
(٣) أزور ، أى مائلا .
(٤) سورة هود ٤٠

١٨٤
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عن الحسن
ابن دينار، عن على بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس، قال :
سمعته يقول : كان أوّل ما حمل نوح فى الفلك من الدواب الذرّة، وآخرَ
ما حمل الحمار . فلما أدخل الحمار ودخل صدره تعلق إبليس لعنه الله بذنبه
فلم تستقلّ رجلاه ، فجعل نوح يقول : ويحك! ادخلْ، فينهض فلا يستطيع ،
حتى قال نوح، ويحك! ادخلْ وإن كان الشيطان معك، قال كلمة زلت عن
لسانه ، فلما قالها نوح خَلّى الشيطان سبيله، فدخل ودخل الشيطان معه ،
فقال له نوح: ما أدخلك عَلَىّ ياعدو الله! قال: ألم تقل: ((ادخل وإن كان
الشيطان معك!))، قال: اخرج عنى يا عدوّ اللّه، فقال: مالك بدٌّ من أن
تحمِلَنى، فكان- فيما يزعمون - فى ظهر الفُلْك، فلما اطمأنّ نوح فى الفُلْك
وأدخل فيه كلَّ من آمن به ، وكان ذلك فى الشهر من السنة التى دخل فيها
نوح بعد ستمائة سنة من عمره لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر ، فلما دخل
وحمل معه من حمل، تحرك ينابيع الغَوْط الأكبر ، وفتحت أبواب السماء، كما
قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءَ مُنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا
الْأَرْضَ عُيُونَا فَالْتَقَى الْمَاءِ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾(١). فدخل نوح ومن معه الفلك
وغطَّه عليه وعلى من معه بطبقة ، فكان بين أن أرسل الله الماء وبين أن
احتمل الماء الفلك أربعون يوماً وأربعون ليلة . ثم احتمل الماء كما يزعم أهل
التوراة، وكثر واشتدّ وارتفع؛ يقول الله عزَّ وجلّ لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتٍ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِى بِأَعُنِنَاجَزَاءٌ لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾(١).
والدُّسُر : المسامير ، مسامير الحديد . فجعلت الفلك تجرى به وبمن معه فى
١٩٢/١ موج كالجبال ، ونادى نوح ابنه الذى هلك فيمن هلك ، وكان فى معزل
حين رأى نوح من صدق موعود ربّه ما رأى ، فقال: ﴿ يابُنَىَّ ارْكَبْ
مَعَنًا ولا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ)، وكان شقيًّا قد أضمر كفراً، ( قال
سَآوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَاءِ﴾، وكان عهد الجبال وهى حرز
١٩١/١
(١) سورة القمر ١١، ١٤

١٨٥
من الأمطار إذا كانت، فظنّ أن ذلك كما كان يكون، قال [نوح](١): ﴿لا عاصم
اليوم من أمر الله إلاّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بينهما الموجُ فَكَان من المغرقين﴾(٢).
وكثر الماء وطغى ، وارتفع فوق الجبال - كما يزعم أهل التوراة - خمسة عشر
ذراعًا، فباد ما على وجه الأرض من الخلق، [من](١) كلّ شيء فيه الروح أو شجر،
فلم يبق شىء من الخلائق إلا نوحٌ ومن معه فى الفلك ، وإلاّ عوج بن عنق (٣)
- فيما يزعم أهل الكتاب - فكان بين أن أرسل الله الطوفان وبين أن غاض الماء
ستة أشهر وعشر ليال .
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى هشام ، قال :
وأخبرنى أبى، عن أبى صالح، عن ابن عباس، قال : أرسل الله المطر أربعين
يومًا وأربعين ليلة ، فأقبلت الوحوش حين أصابها المطر والدواب والطير
كلُّها إلى نوح، وسُخّرت له ، فحمل منها كما أمره الله عزّ وجل: ﴿مِنْ كُلِّ
زَوْجَيْنِ أُثْنَيْنِ)، وحمل معه جسد آدم ، فجعله حاجزاً بين النساء والرجال ،
فركبوا فيها لعشرليال مضيْنَ من رجب، وخرجوا منها يوم عاشوراء من المحرّم،
فلذلك صام مِنْ صام يوم عاشوراء . وأخرج الماء نصفين ، فذلك قول الله
عزّ وجلَ ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءِ مُنْهُمِرٍ﴾، يقول: منصبٍ، ﴿ وَفَجَّرْنَا
الأَرْضَ عُيُونَ﴾، يقول: شققنا الأرض، ﴿فَالْتَقَى الْمَاءِ عَلَى أَمْ قَدْ قَدِرَ﴾ فصار
الماء نصفين : نصف من السماء ونصف من الأرض، وارتفع الماء على ١٩٣/١
أطول جبل فى الأرض خمسة عشر ذراعًا ، فسارت بهم السفينة ، فطافت بهم
الأرض كلَّها فى ستة أشهر لا تستقرُّ على شىء ، حتى أتت الحرم فلم تدخله ،
ودارت بالحرم أسبوعًا، ورُفع البيت الذى بناه آدم عليه السلام؛ رفع من الغرق ،
- وهو البيت المعمور والحجر الأسود على أبى قبيس، فلما دارت بالحرم ذهبت
فى الأرض تسير بهم ، حتى انتهت إلى الجودىّ - وهو جبل بالحضيض من
(١) تكملة من ا
(٢) سورة هود ٤٣
(٣) كذا فى ا، وفى ط: ((اعنق)).

١٨٦
أرض الموصل - فاستقرّت بعد ستة أشهر لتمام السبع، فقيل بعد السبعة الأشهر:
﴿بُْدًا لِلْقَوْمِ الظالِمِينَ﴾(١)، فلما استقرّت على الجودىّ ﴿ قِيلَ يَا أَرْضُ أَبْلَمِ
مَاءَك)؛ يقول: أنشفى ماءك الذى خرج منك، ﴿وَيَا سَماءُ أَقْلِ}؛ يقول:
احبسى ماءك، ﴿ وَغِيضَ الْمَاءِ﴾(١) نشفته الأرض، فصار ما نزل من السماء
هذه البحور التى ترون فى الأرض ، فآخر ما بقى من الطوفان فى الأرض
ماءٌ بحِسْمَى(٢) بقى فى الأرض أربعين سنة(٣) بعد الطوفان ثم ذهب.
وكان التنُّور الذى جعل الله تعالى ذكره آية ما بينه وبين نوح فوران الماء
منه تنوراً كان حوّاء من حجارة ، وصار إلى نوح .
حدثنى يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا هُشَيم ، عن أبى محمد ، عن
الحسن ، قال : كان تنوراً من حجارة ، كان لحواء حتى صار إلى نوح ،
قال : فقيل له : إذا رأيت الماء يفور من التنور، فاركب أنت وأصحابك ..
وقد اختلف فى المكان الذى كان به التنور الذى جعل الله فوران مائه آية،
١٩٤/١
ما بينه وبين نوح ، فتال بعضهم : كان بالهند .
ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا عبد الحميد الحمَّانىّ ، عن النضر
أبى عمر الخزاز، عن عكرمة، عن ابن عباس: فى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ). (٤) قال:
فار بالهند .
وقال آخرون : كان ذلك بناحية الكوفة .
ذكر من قال ذلك :
#
(١) سورة هود ٤٤
(٢) حسمى : أرض ببادية الشام؛ ذكرها ياقوت فى معجم البلدان وقال: آخر ماء نضب
من ماء الطوفان حسمى ، فبقيت منه هذه البقية إلى اليوم فلذلك هى أخبث ماء )) ..
(٣) !: ((يعنى بعد الطوفان)).
(٤) سورة هود ٤٠

١٨٧
حدثنى الحارث ، قال: حدثنا الحسن(١)؛ قال: حدثنا خَلَف بن
خليفة ، عن ليث ، عن مجاهد ، قال : نبعَ الماء فى التنور ، فعلمتْ به امرأتُه
فأخبرته ، قال : وكان ذلك فى ناحية الكوفة
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا القاسم ، قال : حدثنا على بن ثابت ،
عن السرىّ بن إسماعيل، عن الشعبىّ، أنه كان يحلف بالله: ما فار التنّور إلا
من ناحية الكوفة .
واختلف فى عدد مَنْ ركب الفُلْك من بنى آدم ، فقال بعضهم :
كانوا ثمانين نفساً .
· ذكر من قال ذلك :
حدثنى موسى بن عبد الرحمن المسروقىّ ، قال : حدثنا زيد بن الحبّاب،
١٩٥/١
قال : حدثنى حسين بن واقد الخراسانىّ ، قال : حدثنا أبو نهيك ، قال :
سمعت ابن عباس يقول : کان فی سفينة نوح ثمانون رجلا ، أحدهم جُرْهِم.
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، قال :
قال ابن جريج : قال ابنُ عباس : حمل نوحٌ معه فى السفينة ثمانين إنسانًا
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا عبد العزيز ، قال : قال سفيان : كان
بعضهم يقول : كانوا ثمانين - يعنى القليل الذين قال الله عزّ وجل:
﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢).
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى هشام ، قال :
أخبرنى أبى، عن أبى صالح ، عن ابن عباس، قال : حَمَل نوح فى السفينة
بنيه : سام ، وحام ، ويافث . وكنائنه ؛ نساء بنيه هؤلاء ، وثلاثة وسبعين
من بنى شيث ؛ ممن آمن به ، فكانوا ثمانين فى السفينة .
(١) كذا فى ط؛ وفى ا: ((حدثنا الحارث، حدثنا القاسم))؛ وهو يوافق ما فى التفسير:
١٢: ٢٥ (بولاق) ، وانظر تاريخ بغداد ٨: ٢١٨
(٢) سورة هود ٤٠

١٨٨
وقال بعضهم : بل كانوا ثمانية أنفس .
ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد بن زُريع ، قال : حدثنا سعيد ،
عن قتادة، قال: ذكر لنا أنه لم يتم (١) فى السفينة إلا نوح وامرأته وثلاثة بنيه،
ونساؤهم ، فجميعهم ثمانية .
حدثنا ابن وكيع والحسن بن عرفة ، قالا : حدثنا يحيى بن عبد الملك
ابن أبى غَنِيَّة، عن أبيه، عن الحكم: ﴿ومَا آمَنَ مَعَهُ إلَّا قَلِيلٌ)، قال: نوح،
وثلاثة بنيه ، وأربع كنائنه .
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، قال :
قال ابن جريج : حُدّثتُ أن نوحًا حمل معه بنيه الثلاثة وثلاث نسوة لبنيه ،
وامرأة نوح ، فهم ثمانية بأزواجهم ، وأسماءُ بنيه : يافث ، وحام ، وسام.
فأصاب حامٌ امرأته فى السفينة، فدعا نوح أن تُغيَّر (٢) نطفته، فجاء
بالسودان .
١٩٦/١
وقال آخرون : بل كانوا سبعة أنفس .
ذكر من قال ذلك :
*
حدثنى الحارث ، قال : حدثنى عبد العزيز ، قال : حدثنا سُفيان ،
عن الأعمش: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قال: كانوا سبعة: نوح ، وثلاث
كنائن ، وثلاثة بنين له .
وقال آخرون : كانوا عشرة سوى نسائهم .
ذكر من قال ذلك :
#
(١) س: (لم يبق))، ك: ((لم يتم)".
(٢) !: ((يغير))، ك: ((تغبر)).

١٨٩
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال :
حمل بنيه الثلاثة : سام ، وحام ، ويافث ونساءهم ، وستة أناسىّ ممن كان
آمن به(١)، فكانوا عشرة نفر بنوح وبنيه وأزواجهم. وأرسل (٢) الله تبارك وتعالى
الطوفان لمضى ستمائة سنة من عمر نوح - فيما ذكره أهل العلم من أهل الكتاب
وغيرهم - ولتتمة ألفى سنة ومائتى سنة وست وخمسين سنة من لَدُن أهبط آدم
إلى الأرض .
وقيل : إن اللّه عزّ وجلّ أرسل الطوفان لثلاث عشرة خلت من آب، وإن
نوحاً أقام فى الفُلك إلى أن غاض الماء، واستوت الفُلك على جبل الجودىّ (٣)
بقَرْدى (٤)، فى اليوم السابع عشر من الشهر السادس. فلما خرج نوح
منها اتخذ بناحية قَرْدى من أرض الجزيرة موضعًا ، وابتنى هناك قرية سماها
ثمانين (٥)؛ لأنه كان بنى فيها بيتًا لكل إنسان ممن آمن معه وهم ثمانون ، فهى
إلى اليوم تسمى سُوق ثمانين .
١٩٧/١
حدثنى الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : حدثنى هشام بن
محمد ، قال : أخبرنى أبى، عن أبى صالح ، عن ابن عباس، قال : هبط
نوح عليه السلام إلى قرية (٦)، فبنى كلّ رجل منهم بيتًا، فسميت سوق ثمانين،
فغرق بنو قابيل كلهم، وما بين نوح إلى آدم من الآباء كانوا على الإسلام.
قال أبو جعفر : فصار هو وأهله فيه ، فأوحى الله إليه أنه لا يعيدُ
الطوفانَ إلى الأرض أبداً .
وقد حدثنى عباد بن يعقوب الأسدىّ ، قال : حدثنا المحارىّ ، عن عثمان
(١) : ((معه)).
(٢) كذا فى ا، وفى ط: ((فأرسل)).
(٣) الجودى؛ بالتشديد : جبل مطل على جزيرة ابن عمر ، فى الجانب الشرقى من دجلة .
من أعمال الموصل
(٤) قردى ، بالفتح ثم السكون ، ثم دال مهملة . ياقوت
(٥) قال ياقوت: ((ثمانين، بليدة عند جبل الجودى، قرب جزيرة ابن عمر التغلبى
فوق الموصل . كان أول من نزله نوح عليه السلام لما خرج من السفينة ومعه ثمانون إنساناً ؛ فبنوا لهم
مساكن بهذا الموضع، وأقاموا به ، فسمى الموضع بهم، ثم أصابهم وباء ، فمات الثمانون غير نوح
(٦) !: ((فى قرية)).
عليه السلام وولده ؛ فهو أبو البشر كلهم)). معجم البلدان ٣ : ٢٣

١٩٠
ابن مطر، عن عبد العزيز بن عبد الغفور، عن أبيه ، قال : قال رسول اللّه
صلى الله عليه وسلم: ((فى أول يوم من رجب ركِب نوح السفينة، فصام هو
وجميع مَنْ معه ، وجرت بهم السفينة ستة أشهر ، فانتهى ذلك إلى المحرّم ،
فأرست (١) السفينة على الجودىّ يوم عاشوراء ، فصام نوح، وأمر جميع
من معه من الوحش والدواب فضاموا شكراً لله عزّ وجلّ ))
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنى حجاج ، عن ابن
جريج، قال : كانت السفينة أعلاها الطير، ووسطها الناس، وأسفلُها السباع.
وكان طولُها فى السماء ثلاثين ذراعاً، ودَفَعَتْ(٢) من عين وردة(٣) يوم الجمعة
لعشر ليال مضيْن من رجب ، وأرستْ على الجودىّ يوم عاشوراء ، ومرّت
بالبيت، فطافت به سبعًا، وقد رفعه الله من الغرق، ثم جاءت اليمن، ثم رجعت.
حدثنا القاسم ، قال : حدثنا الحسين ، قال : حدثنا حجاج ، عن
أبى جعفر الرازىّ، عن قتادة، قال: هبط نوح من السفينة يوم العاشر من المحرم،
فقال لمن معه: مَنْ كان منكم صائمًا فليتمّ صومه، ومن كان منكم مُفْطِراً
فليَصُم.
١٩٨/١
حدثنا بشر بن معاذ ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن
قتادة ، قال : ذكرلنا أنها - يعنى الفُلْك - استقلّتْ بهم فى عشر خَلَوْن
من رجب، فكانت فى الماء خمسين ومائة يوم، واستقرّت على الجودىّ شهراً ،
وأهبط بهم فى عشر خَلَوْن من المحرّم يوم عاشوراء .
حدثنا القاسم ، قال: حدثنا الحسين ، قال: حدثنى حجاج ، عن
أبى معشر ، عن محمد بن قيس ، قال : ما كان زمان نوح شبرٌ من الأرض
إلا إنسان يدعيه .
(١) رست السفينة وأرست: وقفت
(٢) كذا فى ا، ر، وفى ط: ((رفعت)).، وودفعت من عين وردة، أى ابتدأ سيرها
من هذا المكان .
(٣) عين وردة، ذكرها ياقوت باسم ((عين الوردة))، وقال: ((رأس عين المدينة المشهورة
.
بالجزيرة »

١٩١٠
ثم عاش نوح بعد الطوفان فيما حدثنى نصر بن على الجَهْضَمىّ ، قال :
أخبرنا نوح بن قيس، قال : حدثنا عَوْن بن أبى شداد، قال : عاش - يعنى
نوحاً - بعد ذلك - يعنى بعد الألف سنة إلا خمسين عامًا التى لبثها فى قومه -
ثلثمائة وخمسين سنة .
وأما ابن إسحاق، فإن ابن حُميد حدثنا ، قال : حدثنا سلّمة، عنه ،
قال: وُمُّر نوح - فيما يزعم أهل التوراة - بعد أن أهبط من الفلك ثلثمائة سنة
وثمانيًا وأربعين سنة، قال : فكان جميعُ عمر نوح ألف سنة إلا خمسين عامًا،
ثم قبضه الله عَزّ وجَلّ إليه.
وقيل : إن سامًا ولد لنوح قبل الطوفان بثمان وتسعين سنة. وقال بعض
أهل التوراة : لم يكن التناسل ، ولا ولد لنوح ولدٌ إلا بعد الطوفان، وبعد
خروج نوح من الفُلْك .
قالوا : إنما الذين كانوا معه فى الفلك قوم كانوا آمنوا به واتبعوه ،
غير أنهم بادوا وهلكوا ، فلم يبق لهم عقب، وإنما الذين هم اليوم فى الدنيا من
بنى آدم ولد نوح وذريته دون سائر ولد آدم؛ كما قال الله عزّ وجلّ:
﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾(١).
١٩٩/١
وقيل : إنه كان لنوح قبل الطوفان ابنان هلكا جميعًا ؛ كان أحدهما
يقال له كنعان ، قالوا : وهو الذى غرق فى الطوفان ، والآخر منهما يقال له
عابر (٢) ، مات قبل الطوفان .
حدثنا الحارث ، قال : حدثنا ابن سعد ، قال : أخبرنى هشام ، قال :
أخبرنى أبى ، عن أبى صالح ، عن ابن عباس ، قال : ولد لنوح سام، وفى
ولده بياض وأدْمَة(٣)، وحام وفى ولده سواد وبياض قليل، ويافث وفيهم الشُّقرة
والحمرة ، وكنعان وهو الذى غرِق ، والعرب تسميه يام ؛ وذلك قول العرب :
إنما هامَ عمّنا يام ؛ وأمّ هؤلاء واحدة.
(١) سورة الصافات ٧٧
(٢) ن: ((غابر)».
(٣) كذا فى ا، ن، وفى ط: ((آدم)).

١٩٢
فأما المجوس فإنهم لا يعرفون الطوفان ، ويقولون : لم يزل المُلْك فينا من
عهد جيُومَرْت، وقالوا : جيُومَرْت هو آدم يتوارثة آخرٌ عن أول إلى عهد
فيروز بن يَزْدجرْد بن شَهْريار، قالوا: ولو كان لذلك صحة كان نسب
القوم قد انقطع، ومُلْك القوم قد اضمحلّ ، وكان بعضهمُ يقرّ بالطوفان
ويزعم أنه كان فى إقليم بابل وما قرب منه، وأن مساكن ولد جيومَرْت كانت(١)
بالمشرق، فلم يصل ذلك إليهم .
قال أبو جعفر : وقد أخبر اللّه تعالى ذكره من الخبر عن الطوفان بخلاف
ما قالوا، فقال وقوله الحق: ﴿ وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ
وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَجَمَنْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾﴾(٢) فأخبر عزّ
ذكره أنّ ذرية نوح هم الباقون دون غيرهم .
وقد ذكرتُ اختلافَ الناس فى جيومَرْت ومن يخالف الفرس فى عينه ،
ومن هو ، ومَنْ نسبه إلى نوح عليه السلام .
حدثنا ابن بشار ، قال : حدثنا ابن عَشْمة ، قال : حدّثنا سعيد بن
٢٠٠/١ بشير، عن قتادة، عن الحسن، عن سُرة بن جُنْدُب، عن النبى صلى الله
عليه وسلم فى قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ}. قال: ((سام وحام
ویافٹ )) .
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة، فى
قوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ذُرِّيَتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، قال: فالناس كلَّهم من ذرية نوح.
حدثنى على بن داود ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنى معاوية،
عن على ، عن ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا ذريتَه هُمُ الباقين).
يقول : لم يبق إلا ذرّية نوح .
ورُوى عن على بن مجاهد، عن ابن إسحاق، عن الزهرىّ . وعن محمد بن
(١) كذا فى ا، وفى ط: ((كان)).
(٢) سورة الصافات: ٧٥ - ٧٧

١٩٣
صالح ، عن الشعبىّ قالا: لما هبط آدم من الجنة، وانتشر ولدُه أرّخ بنُوه
من هبوط آدم ؛ فكان ذلك التاريخ حتى بعث الله نوحًا فأرَّخوا ببعث(١)
نوح، حتى كان الغرق، فهَلَك مَنْ هلك ممن كان على وجه الأرض . فلما
هبط نوح وذريته وكلّ من كان فى السفينة إلى الأرض قَسّم الأرض بين ولده
أثلاثًا: فجعل لسام وسطا من الأرض، ففيها بيتُ المقدس، والنيل، والفُرات،
ودجْلة، وسَيْحان ، وجيحان، وفَيْشون؛ وذلك ما بين فيشون إلى شرقىّ
النيل ، وما بين منخر ريح الجنوب (٢) إلى منخر الشمال. وجعل لحام قسمه
غربىَّ النيل، فما وراءه إلى منخر ريح الدَّبُور. وجعل قسم يافث فى فيشون (٣)
فما وراءه إلى مَنْخَر ريح الصبا ؛ فكان التاريخ من الطوفان إلى نار إبراهيم ،
ومن نار إبراهيم إلى مبعث يوسف ، ومن مبعث يوسف إلى مبعث موسى ، ومن
مبعث موسى إلى ملك سليمان ، ومن ملك سليمان إلى مبعث عيسى بن مريم ، ومن
مبعث عيسى بن مريم إلى أن بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
٢٠١/١
وهذا الذی ذ کر عن الشعبیّ من التاریخ ینبغی أن یکون علی تاریخ اليهود ،
فأما أهل الإسلام فإنهم لم يؤرخوا إلا من الهجرة ، ولم يكونوا يؤرخون بشىء من
قبل ذلك ، غير أن قريشًا كانوا - فيما ذكر - يؤرخون قبل الإسلام بعام
الفيل ، وكان سائرُ العرب يؤرخون بأيامهم المذكورة ، كتاريخهم بيوم جبلة،
وبالكُلاب الأول ، والكُلاب الثانى .
وكانت النَّصارى تؤرخ بعهد الإسكندر ذى القرنين ؛ وأحسبهم على
ذلك من التاريخ إلى اليوم .
وأما الفرس فإنهم كانوا يؤرَّخون بملوكهم ، وهم اليوم فيما أعلم يؤرخون
بعهد يزدجِرْد بن شهريار، لأنه كان آخر مَنْ كان من ملوكهم له ملك
بابل والمشرق (٤).
(١) كذا فى ا، وهو الصواب، وفى باقى الأصول: ((أرخوا مبعث نوح))؛ وصوبها
مصحح ط: ((بمبعث)).
(٢) منخر ريح الجنوب ، أى موضع هبوبها .
(٣) ا، ر، ن: ((قيسون)).
(٤) س: ((لأنه كان آخر من ملك من ملوكهم)).
(١٣)

١٩٤
ذكر بيو راسب ، وهو الازدهاق
والعرب تسميه الضحاك ، فتجعل الحرف الذى بين السين والزاى فى الفارسية
ضاداً، والهاء حاءً ، والقاف كافًا، وإياه عّنَى حبيب بن أوس بقوله :
مَا نَالَ مَاقَدْ نَالَ فِرْعَوْنٌ وَلاَ هَامَانُ فِى الدُّنْيَا وَلاَ قَارُونُ(١)
بالعالمين، وأنت أفْرِيدُونُ
بَلْ كَانَ كَالضَّحَّكِ فِى سَطَوَاتِهِ
وهو الذى افتخر بادعائه أنه منهم الحسن بن هانئ فى قوله :
خَابِلُ والجِنّ فى مَسَارِ بِهَا(٣)
وَكَانَ مِنَّا الضَّحَّكُ يَعْبُدُهُ الْـ
٢٠٢/١
قال : واليمن تدّعيه .
حدثت عن هشام بن محمد بن السائب - فيما ذكر من أمر الضحاك
هذا - قال: والعجم تدّعى الضّحّاك وتزعم أن جما كان زوّجَ أخته من
بعض أشراف أهل بيته، ومتكه على اليمن ، فولدت له الضحاك .
قال : واليمن تدّعيه ، وتزعم أنه من أنفسها ، وأنه الضحاك بن علوان بن
عبيد بن عويج ، وأنه ملّكَ على مصر أخاه سنان بن علوان بن عبيد(٣) بن
عويج ، وهو أولُ الفراعنة، وأنه كان ملك مصر حين قدمها إبراهيم خليل الرحمن
عليه السلام .
وأما الفرس فإنها تنسُب الازدهاق هذا غير النسبة التى ذكر (٤) هشام عن
أهل اليمن، وتذكر أنه بيوراسب بن أرونداسب بن زينكاو(٥) بن ويرَوْشك(٦)
(١) ديوانه ٣ : ٣٢١؛ من قصيدة يمدح فيها الأفشين.
(٢) ديوانه ١٥٥، وروايته: ((والوحش فى مساربها)). والخابل: ضرب من الجن.
(٣) س: ((عبيدة)).
(٤) ن: ((ذكرها)».
(٥) ا: ((زينكار)).
(٦) ا: ((ريشتك)).

١٩٥
٢٠٣/١
ابن تاز (١) بن فرواك (٢) بن سيامك(٣) بن مشا بن جيُومَرت.
ومنهم من ينسبه هذه النسبة ؛ غير أنه يخالف النطق بأسماء آبائه فيقول :
هو الضحاك بن أندرماسب بن زنجدار (٤) بن وندريسج(٥) بن تاج(٦) بن
فرياك (٧) بن ساهمك(٨) بن تاذى (٩) بن جيومَرت .
والمجوس تزعم أن تاج هذا هو أبو العرب، ويزعمون (١٠) أن أم الضحاك كانت
ودك بنت ويونجهان(١١)، وأنه قتل أباه تقرُّبًا بقتله إلى الشياطين ، وأنه كان
كثيرَ المقام ببابل ، وكان له ابنان يقال لأحدهما: سرهوار (١٢)، وللآخر
نفوار (١٣).
٠ ٥
#
وقد ذكر عن الشعبىّ أنه كان يقول: هو ((قرشت)) مسخه الله ((ازدهاق)).
* ذكر الرواية عنه بذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال : حدثنا سلّمة بن الفضل ، عن يحيى بن العلاء ،
عن القاسم بن سلْمان ، عن الشعبىّ، قال : أيجد ، وهوّز، وحطّى، وكلمن،
وسعفص، وقرشت؛ كانوا ملوكًا جبابرة، فتفكر (١٤) قرشت يومًا، فقال :
تبارك الله أحسن الخالقين! فمسخه اللّه فجعله ((اجدهاق))، (١٥) وله سبعة
٢٠٤/١
(١) ا، ن: ((تار)).
(٢) ر، ك: ((فردال))، س: ((فروال))، ن: ((عيردال)).
(٣) ر: ((سيامل))، ك: ((مسامك)).
(٤) كذا فى ا، ن، وفى س: ((زنحدار))، وفى ر: ((ريحدان)) وفى ط بدون نقط.
(٥) كذا فى ا، وفى ط بدون نقط.
(٦) س: ((باح))، ر، ك: ((راح)).
(٧) فى ن: ((فريال)) وفى رس: ((فرمال)).
(٨) س: ((شاهمك)).
(٩) ر، س: ((مادى)).
(١٠) كذا ا فى ا، وفى ط: ((فيزعمون)).
(١١) !: ((ونوبنجهان)).
(١٢) كذا فى ا، وفى ن: ((سريقوار))، وفى ط بدون نقط.
(١٣) كذا فى ا، وفى ط بدون نقط .
(١٤) ر، ك: ((ففكر)).
(١٥) ر، س، ك، ن: ((ازدهان)).

١٩٦
أرؤس ، فهو الذى بدُنباوَند ، وجميع أهل الأخبار من العرب والعجم تزعم
أنه ملك الأقاليم كلّها ، وأنه كان ساحراً فاجراً .
وحدثت عن هشام بن محمد ، قال : ملَك الضحاك بعد جم - فيما
يزعمون، والله أعلمَ - ألف سنة، ونزل السواد فى قرية يقال لها نَرْس(١) فى ناحية
طريق الكوفة (٢)، وملك الأرض" كلها، وسار بالجَوْر والعسف (٣)، وبسط يده
فى القتل، وكان أولَ مَن سنّ الصَّلب والقطع، وأوّلَ من وضع العُشور،
وضرب الدراهم، وأول مَنْ تغنّى وغُنِّىَ له، قال: ويقال إنه خرج فى منكبه
سلْعتان (٤) فكانتا تضربان عليه ، فيشتدّ عليه الوجع حتى يطليَهُما بدماغ
إنسان، فكان يقتل لذلك فى كلّ يوم رجلين ويَطْلى سِلْعْتيه بدماغيهما ،
فإذا فعل ذلك سكّن ما يجد ، فخرج عليه رجل من أهل بابل فاعتقد لواء ،
واجتمع إليه بشر كثير ، فلما بلغ الضَّحاكَ خبرُه راعه، فبعث إليه : ما أمرك ؟
وما تريد ؟ قال : ألست تزعم أنك ملك الدنيا ، وأن الدنيا لك ! قال : بلى ،
قال: فليكن كَلَبُك(٥) على الدنيا، ولا يكونَنّ علينا خاصة؛ فإنك إنما تقتلنا
٢٠٥/١ دون الناس. فأجابه الضحاك إلى ذلك، وأمر بالرجلين اللذيْن كان يقتلهما فى
كلّ يوم أن يُقْسّما على الناس جميعًا، ولا يخصّ بهما مكان دون مكان.
قال : فبلغنا أنّ أهل أصبهان من ولد ذلك الرجل الذى رفع اللواء ، وأنّ
ذلك اللواء لم يزل محفوظًا عند ملوك فارس فى خزائنهم(٦)، وكان فيما بلغنا جلدَ
أسد ، فألبسه ملوكُ فارس الذهبَ(٧) والديباجَ تيَمُّنَّا به .
قال : وبلغنا أنّ الضحاك هو نُمرود، وأن إبراهيم خليل الرحمن صلى
(١) نرس، بفتح أوله وسكون ثانيه؛ ذكرها ياقوت وقال: ((وقيل نرس، قرية كان
ينزلها الضحاك بيوراسب ببابل)).
(٢) ك: ((فى ناحية الطريق إلى الكوفة)).
(٣) ر، ك: ((والعنف)).
(٤) السلعة، بالكسر : زيادة تحدث فى الجسد مثل الغدة؛ تمور بين الجلد واللحم
إذا حركتها .
(٥) ا، س: ((كلك)).
(٦) ر، ك: ((خزانتهم)).
(٧) ك: ((من الذهب)).

١٩٧
اللّه عليه وُلد فى زمانه ، وأنه صاحبه الذى أراد إحراقه .
قال: وبلغنا أن أفريدون هو (١) من نسل جم الملك الذى كان [من](٢)
قبل الضحاك ، ويزعمون أنه التاسع من ولده ، وكان مولده بدُنْباوَنْد ، خرج
حتى ورد منزلَ الضحاك وهو عنه غائب بالهند ، فحوى (٣) على منزله وما فيه ،
فبلغ الضحاك ذلك، فأقبل وقد سلبه الله قوّته، وذهبت دولتُه، فوثب (٤) به أفریدُون
فأوثقه وصيّره بجبال دنباوند؛ فالعجمُ تزعم أنه إلى اليوم مُوثَق فى الحديد
يُعذّب هناك .
وذكر غيرُ هشام أنّ الضحاك لم يكن غائبًا عن مسكنه ، ولكن أفريدون
ابن أثفیان جاء إلى مسکن له فی حِصْن يُدعی زرنج ماه مهروز مهر، فنكح
امرأتين له : تسمى إحداهما: أروناز(٥) والأخرى سنوار. فوهيل بيوراسب
لما عاين ذلك، وخرّ مُدلَّهًا لا يعقل، فضرب أفريدون هامته بحُرْزٍ (٦) له ملتوى
الرأس ، فزاده ذلك وَهَلاً وعزوبَ عقل، ثم توجَّه به أفريدُونُ إلى جبل
دُنْباوند ، وشدَّه هنالك وثاقًا ، وأمر الناس باتخاذ مهرماه مهرروز - وهو
المهرجان اليوم الذى أوثق فيه بيوراسب- عيداً، وعلا أفريدُون سرير الملك .
٢٠٦/١
وذُكر عن الضحاك أنه قال يومَ ملك وعُقد عليه التاج : نحن ملوك
الدنيا ، المالكون لما فيها .
والفرس تزعم أن الملك لم يكن إلا للبطن الذى منه أوشهنْج وجم وطَهْمُورث،
وأن الضحاك كان غاصبًاً(٧) وأنه غصَب(٨) أهلّ الأرض بسحره وخبثه ،
وهوَّل عليهم بالحيّتين اللتين كانتا على مَنكِبِيْه ، وأنه بنى بأرض بابل مدينة
(١) كذا فى ا، س، ن؛ وفى ط: ((وهو)).
(٢) تكملة من ا.
(٣) كذا فى جميع الأصول، وفى ن: ((فاحتوى)).
(٤) ن: ((فأقبل عليه)).
(٥) !: ((أرونار))، س: ((أردنان))، ر، ك: ((أرونا)).
(٦) الجرز : عمود من حديد .
(٧) كذا فى ا، ر، س، وفى ط: ((عاصيا)).
(٨) س: ((غلب)).

١٩٨
سماها حوب (١)، وجعل النّبَط أصحابَه وبطانته، فلقىَ الناسُ منه كلّ
جهد ، وذَبَّح الصبيان .
ويقول كثير من أهل الكتب: إن الذى كان على منكِبِيْه كان لحمتين
طويلتين ناتئتين على منكبيه ، كلّ واحدة منهما كرأس الثعبان ، وأنه كان
بخبثه(٢) ومكره يسترهما بالثياب. ويذكر على طريق التهويل أنهما حيّتان يقتضيانه
الطعام ، وكانتا تتحركان تحت ثوبه إذا جاع كما يتحرّك العضو من الإنسان
عند التهابه بالجوع والغضب. ومن الناس من يقول : كان ذلك حيّتين ، وقد
ذكرتُ ما رُوى عن الشعبىّ فى ذلك، والله أعلم بحقيقته وصحته .
٠ ٥
#
٢٠٧/١
وذكر بعضُ أهل العلم بأنساب الفرْس وأمورهم أنّ الناس لم يزالوا من
بِيوَراسب هذا فى جَهْد شديد، حتى إذا أراد الله إهلاكه وثب به رجلٌ من العامة
من أهل أصبهان يقال له كابى(٣) ، بسبب ابنين كانا له أخذهما رسل بيوراسب
بسبب الحيتين اللتين كانتا على منكبيه . وقيل : إنه لما بلغ الجزع من كابى
هذا على ولده أخذ عصًا كانت بيده ، فعلَّق بأطرافها جرابًا كان معه ، ثم
نصب ذلك العلم ، ودعا الناس إلى مجاهدة بيوراسب ومحاربته ، فأسرع إلى
إجابته خلق كثير؛ لما كانوا فيه معه من البلاء وفنون الجَوْر، فلما غلب كابى
تفاعل الناس بذلك العلم، فعظّموا أمره، وزادوا فيه حتى صار عند ملوك العجم
عَلَمهم الأكبر الذى يتبركون به، وسموه درَفْش كابيان(٤)، فكانوا لا يسيّرونه (٥)
إلا فى الأمور العظام ، ولا يُرفع إلا لأولاد الملوك إذا وجُّهوا فى الأمور العظام.
وكان من خبر كابى أنه شخصَ عن أصبهان بمن تبعه والتفَّ إليه
فى طريقه ، فلما قرب من الضحاك وأشرف عليه ، قُذف فى قلب الضحاك
(١) س: ((حوف))، ك: ((تسمى هاحوب)).
(٢) ر: ((لخيلته)).
(٣) ر: (( كانی»
(٤) ا: ((درفتين كابيان))، ر: ((درقين كاينان))، ك: ((دريس كاتبان)»، ن :
(( دفس كابيان)» .
(٥) س: ((لا يسيرون به)).

١٩٩
منه الرُّعب، فهرب عن منازله، وخلَّى مكانه ، وانفتح للأعاجم فيه (١) ما
أرادوا ، فاجتمعوا إلى كابى وتناظروا ، فأعلمهم كابى أنه لا يتعرض للملْك ؛
لأنه ليس من أهله ، وأمرهم أن يملّكوا بعض ولد جم، لأنه ابن الملك الأكبر
أو شهنْق بن فرواك الذى رسم الملك، وسبق إلى القيام به، وكان أفريدون بن ٢٠٨/١
أثفيان مستخفيّاً فى بعض النواحى من الضحاك ، فوافى كابى ومَنْ كان معه ،
فاستبشرَ القومُ بموافاته، وذلك أنه كان مُرْشَّحًا للملك برواية كانت لهم فى
ذلك ، فملّكوه، وصار كابى والوجوه لأفريدُون أعوانًا على أمره ، فلما ملك
وأحكم ما احتاج إليه من أمر الملك، واحتوى على منازل الضحاك، اتَّبعه فأسره
بدُ نباوند فى جبالها .
وبعض المجوس تزعُم أنه جعله أسيراً حبيسًا فى تلك الجبال، موكَّلا به
قوم من الجنّ .
ومنهم من يقول : إنه قتله ، وزعموا أنه لم يُسمَع من أمور الضحاك شىء
يستحسن غير شىء واحد؛ وهو أن بَليَّته(٢) لما اشتدت ودام جَوْرُه وطالت
أيامه ، عظُم على الناس ما لقُوا منه، فتراسل الوجوه فى أمره ، فأجمعوا على
المصير إلى بابه ، فوافى بابَه الوجوهُ والعظماء من الكُور والنواحى ، فتناظروا فى
الدخول عليه والتظلّ إليه (٣)، والتأتّى لاستعطافه، فاتفقوا على أن يقدّموا للخطاب
عنهم كابى الأصبهانيّ، فلما صاروا إلى بابه أعلم بمكانهم، فأذن لهم، فدخلوا
وكابى متقدّم لهم (٤)، فمَثل بين يديه، وأمسك عن السلام، ثم قال: أيها الملك،
أىّ السلام أسلم عليك؟ أسلام مَنْ يملك هذه الأقاليم كلَّها ، أم سلام
مَنْ يملك هذا الإقليم الواحد ؟ يعنى بابل، فقال له الضحاك : بل سلام مَنْ
يملك هذه الأقاليم كلَّها ، لأنى ملك الأرض . فقال له الأصبهانيّ: فإذا كنت
تملك الأقاليم كلَّها ، وكانت يدك تنالها أجمع ، فما بالنا قد خُصصْنا بمؤنتك
٢٠٩/١
(١) كذا فى ا، س، ن، وفى ط: ((منه)).
(٢) ر: (( ذكبته)).
(٣) كذا فى ا، ر، ك: ((منه)).
(٤) ن: ((مقدمهم)).

٢٠٠
وتحامُلك وإساءتك من بين أهل الأقاليم ! وكيف لم تقسم أمر كذا وكذا
بيننا وبين الأقاليم ؟ وعدَّد عليه أشياء كان يُمكنه تخفيفها عنهم ، وجرّد
له الصدق والقول فى ذلك ، فقدح فى قلب الضحّاك قولُه ، وعمل فيه حتى
انخزل وأقرّ بالإساءة، وتألف القوْم ووعدهم ما يُحبُّون، وأمرهم بالانصراف
لينزلوا ويتّدعوا ، ثم يعودوا ليقضىَ حوائجهم ، ثم ينصرفوا إلى بلادهم.
وزعموا أن أمه ودك كانت شرًّا منه وأرْدَى ، وأنها كانت فى وقت مُعاتبة
القوم إياه بالقُرْب منه تتعرف ما يقولونه ، فتغتاظ وتُنكره ، فلما خرج القوم
دخلت مُستشيطةً مُنكرة على الضحاك احتماله القوم ، وقالت له : قد بلغنى
كلّ ما كان وجُرْأةُ هؤلاء القوم عليك حتى قَرَّعوك (١) بكذا، وأسمعوك
كذا، (٢) "أفلا دَمَّرْتَ عليهم ودمدمتهم، أو قطعت أيديهم (٢) !
فلما أكثرتْ على الضحاك قال لها مع عتوّه: يا هذه، إنك لم تفكِّرِى فى
شىء إلا وقد سبقتُ إليه ؛ إلا أن القوم بَدَهونى بالحق ، وقَرّ عونى (٣) به،
فلما هممت بالسطوة بهم والوثوب عليهم تخيّل (٤) الحق "فمثل بينى وبينهم
بمنزلة الجبل ، فما أمكننى فيهم شىء. ثم سكَّتها وأخرجها، ثم جلس لأهل
النواحى بعد أيام ، فوقّى لهم بما وعدهم، وردّ هم وقد لان لهم ، وقضى أكثرَ
حوائجهم، ولا يُعرف للضحاك - فيما ذكر - فعلة استحسنت [منه](٥) غير هذه.
٢١٠/١
وقد ذكر أن ◌ُمر الأجدهاق(٦) هذا كان ألف سنة ، وأن ملكه منها
كان ستمائة سنة ، وأنه كان فى باقى عمره شبيهًا بالملك لقدرته ونفوذ أمره . وقال
(١) فى ط: ((فزعوك))؛ وما أثبته من أ؛ وابن الأثير ١ : ٤٤
(٢-٢) !: ((أفلا دمر عليهم ودمدم بهم، أولا قطعت أيديهم!)). ودمدمهم ودمدم عليهم؛
أى أهلكهم .
(٣) ط: ((فزعونى)).
(٤) ن: ((تجبل))؛ أى صار مثل الجبل.
(٥) من ن .
(٦) ر، ك: ((الازدهاق)).