Indexed OCR Text

Pages 681-700

وفيه نكحَ الأمير شمس الدين الأعسر ابنة الصَّاحب شمس الدين ابن
السَّلْعُوس على ألفٍ وخمس مئة دينار.
وفيه حُبست الشيخة البَغْدادية، وتَعَصَّب عليها جماعة من الأحمدية
وأوذيت فصبرت وقالت: أنا لا أترك النَّهي عن المنكر. ثم سلمها الله بحُسن
نِيَّتها .
وفي ثامن جُمادى الآخرة نازل السُّلطان وجيوشُه قلعة الرُّوم وحاصرها
شهرًا وثلاثة أيام .
وفيه نزل الفاروثي عن تدريس النَّجِيبية للشيخ ضياء الدين عبدالعزيز
الطُوسي.
وفيه وقع من أخي رئيس المؤذنين البرهان أمرٌ صَعب، وهو أنه وعبد
أسود تَحَيَّلا في التُّزول على حُرَمِ السُّلطان الذين تركهم بالقلعة وأحضرا سُلَّمًا
وأرادا التَّسلُّق منه، ففُطن لهما وأُخذا، وكُوتب فيهما، فجاء الأمرُ بتسميرهما،
فسُمِّرا وماتا .
وفي حادي عشر رَجَب فُتحت قلعة الرُّوم بالسَّيف عَنْوةً، ودُقت البشائر
وزُينت البلاد، وتَرَخَّل السُّلطان، وبقي عليها عَسْكر الشام والُّجاعي
لعمارتها، وتَرميم ما تَشَغَّث بالمجانيق. فقدم السُّلطان حلب وعزل عنها
قراسُنْقُر المَنْصوري، وأمَّرَ عليها سيفَ الدين بَلَبان الطَّاخي المنصوريَّ متولي
السَّاحل. وأمَّرَ على السواحل طُغريل الإيغاني. وأمَّرَ على قَلْعة الروم الأمير عز
الدين المَوْصلي .
وفيه فتح الشُّجاعي الزَّاكات(١)، وهي معاقل للأرمن على الفُرات، وأخذ
منها نحوًا من ألف نفس .
وفيه بدت من الجَمَال المحقق معيدِ القَيْمُرية هفوةٌ في الدَّرس، فقام
مدرس القَيْمُرية صدرُ الدين ابن رَزِين وشكاه، وجرت أمورٌ أوجبت أن المحقق
أسلم عند القاضي شرف الدين الحنبلي، وحُكِمَ بإسلامه وحُقن دمُّه، وترك
(١) هكذا مجودة بالزاي بخط المصنف، وكذلك هي في النسخة المتقنة من تاريخ البرزالي
(المقتفي ١/ الورقة ١٨٦)، قال: ((وفي أواخر رجب فتح الأمير علم الدين الشجاعي
الزاكات وهي حصون ممتدة للأرمن على الفرات، وأخذ منها قريبًا من ألف نفس)).
٦٨١

إعادة القَيْمُرية، وقايض نجمَ الدين الدمشقي إلى إعادة الرَّواحية.
وفي تاسع شعبان دخل السُّلطان دمشق مؤيدًا منصورًا والأسرى بين
يديه، منهم خليفة الأرمن. وأما نائب السلطنة بَيْدرا، وسُنقُر الأشقر،
وقراسُنقُر، وبكتوت العلائي، وكثيرٌ من الجيش فسار إلى بَعْلَبَك، ثم إلى جَبَل
الجُرديين، ووافاهم من جهة الساحل رُكنُ الدين طقصو وعز الدين أيْبك
الحموي، فنزلوا على الجَبَل، فحضر إلى بيدرا من فَتَّر همَّته عنهم، وتمكنوا
من أطراف الجيش في تلك الجبال الوعرة، ونالوا منهم، فرجع الجَيش شبه
المقهورين، وحصل للجبليين الطَّمَع والقُوَّة، ثم هادنتهم الدولة، وخُلِعَ على
جماعة منهم. وحصل بذلك للعسكر وَهن. ثم قَدِمَ بيدرا دمشقَ، فعاتبه
السُّلطان، فتألم ومرض، وزارَهُ السُّلطان، ثم عُوفي. وعمل السُّلطان ختمةً
بجامع دمشق لعافيته.
وليلة نصف رمضان توفي صدران كبيران مُوَقِّعان عديما النظير:
فتح الدين محمد بن محيي الدين ابن عبدالظاهر، ومن الغد توفي سعد الدين
سعد الله الفارقى .
وفي رمضان أُحضر الأمير عَلمُ الدين الدَّواداري من حَبس الديار المِصْرية
إلى دمشق، وأنعمَ عليه السُّلطان وأعاده إلى الإمرة، وأفرج عن أمواله
وحواصله. ثم سار صُحبة الرِّكاب الشريف.
وفيه وُلي خطابة دمشق موفقُ الدين محمد بن محمد بن حُبَيَش الحَمَوي
عِوضًا عن الشيخ عز الدين الفاروثي، فباشرَ يوم الجُمُعة الثامن والعشرين من
رمضان. وحضر السُّلطان يومئذٍ بالمقصورة.
وهرب الأمير حسام الدين لاجين بسبب مَسك الأمير ركن الدين طقصو،
وخرج السُّلطان إلى المَرْج في طلبه، ونادت المنادية بدمشق على الأمير
لا جین .
وفي سابع شوال دخل الشُّجاعي بعسكر دمشق، أتوا من ناحية قلعة
الرُّوم. وقد فرغوا من أشغالهم. ويومئذٍ قُيِّد شمس الدين الأعسر وبُعث إلى
مِصْر، وعُزل الشجاعي من نيابة دمشق بعز الدين الحَمَوي.
وتوجه السلطان إلى مصر في عاشر شوال بسَحَر، وبات أهل الأسواق
٦٨٢

بظاهر البلد مَرَّتين بالشَّمع إلى ميدان الحَصَى .
وأما لاجين، فلما هرب قصدَ بعضَ أمراء العرب بأرض صَرخد وطلب
منه أن يُوَصله إلى الحجاز، فقَبَضَ عليه، وأتى به إلى السُّلطان يوم الرابع من
شوال، فقيّده وبعث به إلى مصر. ثم قَيَّد سُنقُرَ الأشقر وبعثَ به أيضًا.
ووَليَ جمال الدين ابن صَصْرَى نظر الدواوين، وأُعفي من ذلك
محيي الدين ابن النَّخَاس، وعُوِّض بنظر الخِزَانة، وعُزل أمين الدين ابن هلال.
ويوم تاسع عشر شوال توجه الرَّكب وأميرُهُم سيفُ الدين باسطي
المنصوري .
ويومئذٍ أُمسك علاء الدين ابن الجابي خطيب جامع جَرَّاح وأُخذ مالُه،
واثُّهم بضرب الزَّغَل. وكان مُغرَى بالكيمياء فضُرب وحُبس مُدَّة ثم أُطلق بعد
شهر ونصف .
وفي ذي القَعْدة دخل السُّلطان مِصر، وأفرجَ عن حسام الدين لاجين،
وأعطاه مئة فارس.
وفي ذي الحجة قدم الشام نحو ثلاث مئة فارس من التَّار مُقَفرين،
وتوجهوا إلى القاهرة.
وفي أواخرها، وقيل: في أول سنة اثنتين، أحضرَ السُّلطان بين يديه
سُنقُر الأشقر وطقصو فعاقبهما، فأقرّا أنهما عزما على قَتله، وأنَّ حسام الدين
لاجين لم يكن معهم، فأمر بهما فخُنقا بوترٍ، وأُفرجَ عن لاجين بعد أن كان
الوتر في حَلقه. وقيل خُنق وتُرك بآخر رَمَق، فشفعَ فيه بيدرا والشُّجاعي
فأطلقه، وأُنزل الآخران إلى البَلَد فسُلِّما إلى أهاليهما. وأُهْلِكَ معهما أمراء
منهم جَرْمك، وسُنْقُران، والهاروني.
ذكر القصيدة التي أنشأها المولى شهاب الدين محمود في السُّلطان
وقيل: إنها لغيره، فقد سألتُه عنها فلم يعرفها، وإنما هي لشاعرٍ من تُجَّار
بغداد مات سنة بضع وسبع مئة، سمعها منه ابن مُنتاب. وبعد ذلك ظهرت أنها
للمولى شهاب الديّن، وأخرجها بالخط العتيق، وحَدَّث بها. سمعها منه
العلائي، وغيره :
٦٨٣

لك الرَّاية الصَّفراءُ يقدمُها النَّصرُ فمن كيقُباذٌ إنْ رآها وكيخُسرُو
إذا خفقت في الأفق هُدبُ بُنُودها هوى الشِّركُ واستعلى الهُدى وانجلى الثغرُ
وإنْ نُشرت مثل الأصائلِ في وغّى
جلا النَّقع من لألاء طَلْعتها البدرُ
وإنْ يمَّمت زُرْقَ العدى سار تحتها كتائبُ خضرٌ دَوحها البيض والسُّمرُ
برُوقٌ وأنت البدرُ والفَلَك الجِتْرُ
كأن مثار النَّقْع ليلٌ وخَفْقها
فكم وَطئت طَوْعًا وكرهًا معاقلاً
وإنْ رُمتَ حصنًا سابَقَتكَ کتائبُ
فلا حصنٌ إلا وهو سجنٌ لأهله
قصدتَ حِمَّى من قلعة الروم لم يُبح
مضى الدهر عنها وهي عانسة بِكرُ
من الزُّعب أو جيش تَقَدَّمه النَّصرُ
ولا جسدٌ إلا لأرواحهم قبرُ
لغيرك إذا غرَّتهم المُغلُ فاغتروا
وما المُغل أكفاء فكيف بأرمنٍ ولكنه غزوٌ وكلهُمُ كُفرُ
صرفتَ إليهم هِمةً لو صَرَفْتها إلى البحر لاستولى على مده الجَزرُ
وإنْ عظُمت إلا إلى غيرها جسرُ
كما لاحَ قبل الشمس في الأفق الفجرُ
وما قلعة الروم التي حُزتَ فَتْحها
طليعة ما يأتي من الفَتح بعدها
محجَّبَة بين الجبال كأنها إذا ما تَبَدَّت في ضمائرها سِرُّ
تفاوت نصفاها فللحوت فيهما مجالٌ وللنَّسرَين بينهما وَكَرُ
فبعضٌ رسا حتى علا الماءُ فوقَهُ وبعضٌ سَمَا حتى هَمَا دونه القَطرُ
كما لاح يومًا في قلائده النَّحرُ
أحاط بها نَهران تبرز فيهما
فبعضهما العذبُ الفُراتُ وإنه لتحصينها كالبحر بل دونه البحرُ
سريع يفوت الطرف جريًا وحِدَّه كريحِ سُليمان التي يومُها شهرُ
منها :
فصبَّحتها بالجيش كالرَّوض بهجةً صوارمُه أنهاره والقنا الزُّهرُ
وأبعدتُ، بل كالبحر والبيض موجُه وجردُ المذاكي السفن والخُوَذ الدُّرُ
وأغربتُ، بل كالليل ◌ُوجُ سُيوفِهِ أهِلَّتُهُ والتَّبْلُ أنجُمُهُ الزُّهِرُ
وأخطأتُ، لا بل كالنَّهار فشمسُهُ محياك والآصالُ راياتك الصُّفر
ليوثٌ من الأتراك آجامُها القنا لها كل يوم في ذُرى ظَفَرٍ ظُفرُ
فلا الرِّيحُ تَسري بينهم لاشتباكها عليهمُ ولا ينهلُّ من فوقهم قَطرُ
٦٨٤

غيوثٌ إذا الحربُ العوان تعرَّضت لخُطَّابها بالنَّفس لم يغلها مَهرُ
تَرَى الموتَ معقودًا بهُدب نبالهم إذا ما رماها القَوْس والنظر الشزرُ
ففي كل سَرجِ غصنُ بانٍ مُهَفهفٌ وفي كل قوس مده ساعد بدرُ
لقيل: هنا قد كان فيما مَضَى نهرُ
فلو وردت ماءَ الفُراتِ خيولُهُمُ
أداروا بها سورًا فأضحتِ كخنصرٍ
لدى خاتمٍ أو تحت منطقةٍ خصرٌ
كأن المجانيق التي قُمنَ حولها رواعد سخطٍ وَبْلها النارُ والصخرُ
أقامت صلاةَ الحرب ليلاً صخورُها فأكثرها شَفعٌ وأقتلها وَترُ
لها أسهمٌ مثل الأفاعي طِوالُها فواتك(١) إلا أن أفتكها البُرُ
سهامٌ حَكَت سهمَ اللحاظ بقتلها وما فارقت جَفنًا وهذا هو السحرُ
منها :
فبُشراك أرضَيتَ المسيحَ وأحمدًا وإنْ غضب التكفُورُ من ذاك والكُفرُ
فسر حيث ما تختار فالأرض كلُّها بحُكمك والأمصار أجمعها مِصرُ
سنة اثنتين وتسعين وست مئة
في المحرَّم حكم بدمشق القاضي حسامُ الدين الحَنَفي للعناكيين بصحة
نَسَبَهم إلى جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه بعد أن سَعَوا وتعبوا.
وفي المحرَّم جاءت ريحٌ عظيمةٌ على الرَّكب بمُعان وبَرْد ومشقة.
وفيه نزل لصدر الدين ابن الوكيل حمُوهُ شيخُنا التاج ابن أبي عصرُون عن
تدريس الشامية الجَوَّانية.
وفيه طلب السُّلطان من صاحب سيس قلعة بَهَسنا، ومَرْعَش، وتل
حَمدون. أما بَهَسنا فكانت للناصر صاحب حلب وبها نُوَّابه، فلما أخذ هولاكو
البلادَ كانٍ فِي بَهَنا الأمير سيف الدين العَقرب فباعها لصاحب سيس بمئة ألف
درهم وسَلَّمها إليه فبقي على المسلمين منها ضرر، فأذعن صاحب سيس
بتسليمها، وأضعف الحمل مع ذلك. وتَسَلَّمها نُوَّاب السُّلطان في رجب ودُقَّت
البشائر .
(١) كتب المصنف في الحاشية ما يشير إلى أنها ((قواتل)) في نسخة أخرى.
٦٨٥

وفي المحرَّم قَدمَ الدواداري وجماعة أمراء من الديار المصرية، وعز
الدين أيبك الخَزْندار متوليًا نيابةَ طرابُلُسَ عِوَضًا عن سيف الدين طُغريل
الإيغاني.
ونزح إلى حلب ابن مَلي، فوَليَ بعده تدريس الرواحية الشيخ كمال الدين
ابن الزَّمْلكاني .
وفيها طَهَّر السُّلطان أخاه الملك الناصر دام بقاؤه، وابن أخيه موسى ابن
الملك الصالح، واحتفلوا لذلك بالقاهرة احتفالاً زائدًا.
وفيها عُمل للسُّلطان دهليز جليل أطلس مُزَركش بطراز، وغُرم عليه
أموالٌ عظيمة .
وفيها وَليَ ولاية البر بدمشق سيف الدين أسَندُمُر في رَجَب.
وحج بالناس الأمير بكتاش الطَّيَّار.
وفي صفر جاءت زلزلة هدمت وأنكت في غَزَّة والرَّملة والكَرَك. وسار
من دمشق أميران وعدد من الحجارين والصُّناع لإصلاح ما تهدَّمَ من أبرجة
الكَرَك.
وفيها مُسك الأمير عز الدين أزدَمُر العَلَّني وقُيِّد بدمشق وبُعث إلى
مصر .
وتوجه من دمشق شمس الدين سُنقر المَسَّاح بطلب إلى مصر، وجاء على
خُبزه بدمشق بلبان الحلبي، الخَزْندار.
وفي ربيع الآخر توجه على البريد إلى مصر صاحبُ حَماة وعمُّه الملك
الأفضل علي .
وجاء مملوك لسيف الدين طُغجي بمرسوم بالحَوطة على ابن جَرَادة،
فمُسك ونفّذ إلى مِصرَ، وأُخذ ماله ونُكب.
وفيه تردد غَيَّارة الفِرَنج في البحر إلى السَّاحل، وشعثوا بأنْطَرَسُوس،
فطلعوا إلى صَيدا.
وفي جُمادى الأولى عزم السُّلطان على البيكار، وتَقَدَّمه الأعسر، فهيأ
إقامات ومؤنة من الناحية القِبْلية وقَدمَ الصاحب ابن السَّلْعوس في جُمادى
الآخرة، ثم قدم بعده بيدرا نائب السَّلطنة، ثم السلطان فنزل بالقصر.
٦٨٦

وفيه تَسَلَّم نُوَّاب السُّلطان حِصْنين للأرمن وهما: كديربرت وأبرما. ثم
تَسَلَّموا حصن بكازر.
وقد كان السُّلطان في مجيئه مَزَّ بقلعة الشَّوْبك وبالكَرَك، ثم بعث جماعةً
لخَرَاب قلعة الشَّوْبك. ثم خرجَ إلى المَرْج.
وفي رَجَب دخل دمشق الأمير الكبير حسام الدين لاجين وصُحبته الأمير
مُهنا بن عيسى وإخوته مُحتاطًا عليهم، وذكر أنَّ الُّلطان أمر بالقبض عليهم
عند سَلَمية لأمرٍ نقمه عليهم.
وفي أثناء رجب رجع السلطان إلى الديار المصرية.
ودَرَّس بعد الشيخ تقي الدين ابن الواسطي بمدرسة الشيخ أبي عمر الفقيه
شمسُ الدين ابن التاج، ثم عُزل بعد ثمانية أشهر .
وفي رَجَب سافر طوغان نائبًا على قلعة الروم .
وفي آخر رجب انكسفت الشَّمس، وصَلَّى بجامع دمشق خطيبُهُ
موفق الدين الحموي، وخطب.
وفي رمضان جاء إلى دمشق مرسوم بإلزام الدَّواوين بالإسلام، ومن امتنع
يؤخذ منه ألف دينار. فأسلم أربعة في ثامن رمضان .
وفي شَوَّال بَلَغَنا أنَّ السُّلطان صادر الأميرَ عز الدين الأفرم أيبك وضَيَّق
عليه، وأخذَ منه أموالاً كثيرةً، وأعطى خبزَهُ للأمير حسام الدين لاجين
المنصوري .
سنة ثلاث وتسعين وست مئة
في ثاني عشر المحرَّم قُتل السلطان الملك الأشرف بتَرُوجة(١)، أقدم عليه
نائبه بَيدرا، وعطف عليه بالسَّيف لاجين. ثم قُتل بَيدرا من الغد. وحلفوا
للسلطان الملك النَّاصر ناصر الدين محمد ابن المنصور، وهو يومئذٍ ابن تسع
سنين .
وهلكَ الصَّاحب ابن السَّلعوس تحت العُقوبة المُفرطة .
فلما كان العشرين من صَفَر بلغ المُتولي نيابةَ السُّلطان كُتبغا أن الشُّجاعي
(١) قرية بمصر من كورة البحيرة.
٦٨٧

يريد قَتله فتحرَّز، وأعلمَ جماعةً من صاغِيَّته الذين يبغضون الشُّجاعي. ثم ركب
في الموكب فقال له أميرٌ: أين حسام الدين لاجين؟ قال: ما هو عندي. قال:
بل هو عندك. ثم مد يده إلى سيفه، فبدره الأزرق مملوك كُتبُغا وضربَهُ حل
كتفه، فسقط، وذبحوه بسوق الخَيْل. ثم مال أكثر الجيش مع كُتُبُغا، ومالت
البُرجية وبعض الخاصكية إلى الشُّجاعي لكونه أنفقَ فيهم في الباطن فيما قيل
ثمانين ألف دينار، والتزمَ لهم أنَّ من جاءه برأس أميرٍ فله إقطاعُه. وأن يمسك
كُتُبُغا على السِّماط. ثم قُتل الشجاعي بعد أيام كما في ترجمته.
ويوم نصف المُحَرَّم حضر إلى الخدمة الأميران سيف الدين بهادر رأس
النَّوبة وجمال الدين آقوش المَوْصلي الحاجب، فوثب عليهما الخاصكية
فقتلوهما، وأحرقوا جُثتيهما، ورتبوا الحسام أستاذ دار أتابكًا للعَسكر، وطلبوا
الأمراء المتفقين مع بَيدرا على قَتل الأشرف، فاختفى لاجين وقراسُنقُر، ولم
يقعوا لهم على أثر. وقبضوا على الأمراء سيف الدين نغية، وسيف الدين
ألناق، وعلاء الدين ألْطُنبغا الجَمْدار، وشمس الدين آقْسُنقر مملوك لاجين،
وحسام الدين طُرُنطاي السَّاقي، ومحمد خَوَاجا، وسيف الدين أروس في
خامس صَفَر. فأمرَ السُّلطان بقطع أيديهم، ثم سُمِّروا على الجمال، وطيف
بھم، ومعھم رأس بیدرا، ثم ماتوا.
وفي المحرَّم خُسف القمر.
وصُرف من قضاء الدِّيار المصرية ابن جماعة بابن بنت الأعز.
وأُفرج عن عز الدين الأفرم.
ورُتب في الوزارة تاج الدين محمد ابن فخر الدين ابن حِنَّى.
وفي صَفَر وَلَيَ ولاية دمشق عمادُ الدين حسن ابن التُّشَّابي عِوضًا عن عز
الدين ابن أبي الهيجاء.
وفي صَفَرَ جُدِّد في الجامع إمام زائدٌ بمحراب الصَّحابة، وهو كمال الدين
عبدالرحمن ابن قاضي القضاة محيي الدين ابن الزكي، واستمرَّ إلى الآن.
وفي ربيع الأول عادَ أهل سوق الحريرين إلى سُوقهم. وكان ابن جَرَادة
وكيل طغجي قد ألزمهم بسُكناهم في قَيْسارية القُطن من السَّنة الماضية.
وفيه قَدم على حِسبة دمشق ونظر ديوان نائب السَّلطنة كُتُبُغا الرئيس
٦٨٨

شهاب الدين أحمد الحَنفي، ومعه عدة خِلعَ لبسها في أيام متوالية، ولبس
خِلْعة الحِسبة بطرحة، وارتفعَ شأنُه .
وفي رجب قَدِمَ دمشقَ القاضي صدر الدين عبدالبر ابن قاضي القضاة تقي
الدين ابن رَزين على وَكالة بيت المال، فباشرَ نصفَ شَهر، وأُعيدَ تاج الدين
ابن الشيرازي.
وفي رَجَب ركب السُّلطان الملك الناصر بأبَّهة المُلك وشَقَّ القاهرة،
وضُربت البَشَائر بدمشق، وزيَّنوا.
وجاء تقليد عز الدين الحَمَوي باستمرار النِّيابة، وتقليد الأعسر باستمرار
الشَّدِّ، وتقليد صاحب حماة ببلده.
وفي شعبان دَرَّس بالمَسْرورية جلالُ الدين أخو القاضي إمام الدين بعد
الزُّكن ابن أفتکین.
وفي رمضان جُرد الأمير علم الدين الدواداري بتقدمته إلى ناحية حَلَب.
وفي أواخر رمضان ظهرَ الأمير حسام الدين لاجين من الاختفاء بالقاهرة
بوساطة نائب السَّلطنة كُتبُغا، فدخلَ به إلى السُّلطان فأنعمَ عليه، وأعطاه خبزَ
بَكْتوت العلائي الذي توفي .
وحجَّ بالشاميين عز الدين أيبك الطويل.
وفي ذي القَعدة وُلي نظرَ الدَّواوين الصّاحبُ أمين الدين سالم بن محمد
ابن صَصْری عِوضًا عن ابن عمه المُتوفی جمال الدين.
وفي ذي الحجة قدم قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة على قضاء
الشام ◌ِوضًا عن المُتوفى القاضي شهاب الدين ابن الخُوَبِي.
وفي ذي الحجة أُخرجت الكلاب من دمشق بأمر ابن التُّشَّابي، وشَدَّد
على البوابين في منعهم من الدُّخول. ودامَ منعهم شهرًا أو نحوه، ثم دخلوا.
وفيها كانت فتنة عَسَّاف بدمشق ورَجم العوام له، لكونه حَمَی نَصرانيًّا
سبَّ النبيَّ بِّهِ، فقبضَ الحَمَويُّ النائبُ على جماعةٍ من العلماء، وضرب الشيخ
زين الدين الفارقي، رحمه الله، واعتقله مع ابن تيمية وطائفة بالعَذْراوية مدة،
فلا حول ولا قوة إلا بالله .
تاريخ الإسلام ١٥ / م ٤٤
٦٨٩

سنة أربع وتسعين وست مئة
في حادي عشر المحرَّم تسلطن الأمير زين الدين كُتُبُغا التُّركيُّ المُغليُّ
المنصوريُّ، وتَسَمَّى بالملك العادل، وحلف له الأمراء بمصر والشام، وزُيِّن له
البلاد ودُقت البشائر؛ وله نحو خمسين سنة. وهو من سَبي وقعة حمص الأولى
التي في سنة تسع وخمسين، ثم صار إلى الملك المنصور، فكان من خَوَاصه
في الأيام الظاهريةً. فلما تَسَلطن جعله أمير مئة فارس، فشهد وقعة حمصٍ سنة
ثمانين أميرًا. قدم في التحليف له الأمير سيف الدين طُغجي الأشرفي، فحلَّفهم
وفي أيام مُلكه الرايات
بدمشق. وكان رّكُه في أيام إمرته هكذا
الصُّفر. وجعلَ أتابكة الأمير حُسام الدين لاجين، فجاء من مصر المَسعودي
على ديوان لاجين بالشام. وجاء الصاحب تَوبة على وزارة الشام.
واستسقى الناس في جمادى الأولى مَرَّتين بدمشق بالصحراء.
وفي جمادى الأولى وَليَ الوزارة بمصر الصاحب فخر الدين عُمر ابن
الخلیلي، وصُرف تاج الدين ابن حِنَّی.
وفي رمضان رجع قاضي القضاة نجم الدين ابن صَصْرى من الدِّيار
المصرية بقضاء العَسكر الشامي.
وفي رمضان استقرت صلاة مِحراب الحنابلة قبل الخطيب. وكانوا
يصلون بعده، فلما زاحمهم إمام محراب الصَّحابة في الوقت، أُذن لهم في
التَّقدُّم.
وفيه عُزل تاج الدين ابن الشيرازي من نَظَر الجامع بالرئيس محيي الدين
يحيى ابن المَوْصلي.
وفي شوال كملت عمارة الحَمَّام الكبير، والمسجد، والسُّوق، وأكثر
الحِكر الذي أنشأه نائب دمشق عز الدين الحَمَوي بين باب الفراديس ومسجد
القَصَب. وكان يُعرف ببستان الوزير، ورأيته مَبْقلةً كبيرة.
وفي شَوَّال وَليَ خطابة دمشق قاضي القضاة ابن جماعة بعد موت الشيخ
شرف الدين ابن المقدسي.
وفيها حج بالشاميين بهاء الدين قَرارَسلان المَنْصوري .
٦٩٠

وولي مشيخة النورية الشيخ علاء الدين ابن العَطَّار بعد ابن المقدسي.
وولي الغزالية قاضي القضاة نجم الدين ابن صَصْرى بعد ابن المقدسي، ونزل
عن الأمينية للقاضي إمام الدين القزويني.
وفي شَوَّل كُسرَ النِّيل بديار مصر عن نقصٍ بَيِّن، وغَلَت الأسعار، ووجل
الناس، ثم وقع فيهم أوائل الوَبَاء، ثم عَظُم في ذي الحجة، واستمر إلى السنة
الآتية .
وفيها دخل في الإسلام قازانُ بن أرغون بن أبَغًا بن هولاكو ملك التتار
بوساطة نوروز التُّركي وزيره ومُدَبر مملكته وزوج عَمَّته، واسمه بالعربي
محمود. أسلم في شعبان بخُراسان على يد الشيخ الكبير المحدث صدر الدين
إبراهيم ابن الشيخ سعد الدين ابن حَمُّوية الجُويني، وذلك بقرب الزَّي بعد
خروجه من الحَمَّامِ، وجلس مجلسًا عامًا فتلفّظ بشهادة الحق وهو يتبسم
ووجهه يستنير ويتهلل. وكان شابًّا أشقر، مليحًا، له إذ ذاك بضعٌ وعشرون
سنة. وضجَّ المُسلمون حوله عندما أسلم ضجةً عظيمةً من المُغل والعَجَم
وغيرُهم، ونُثرَ على الخَلْقِ الذهب واللؤلؤ، وكان يومًا مشهودًا. وفَشَى الإسلام
في جيشه بحرص نوروز فإنه كان مُسلمًا خَيِّرًا صحيحَ الإسلام، يحفظ كثيرًا من
القرآن والرّقائق والأذكار. ثم شرع نوروز يلقن الملك غازان شيئًا من القُرآن
ويجتهد عليه. ودخل رمضان فصامَهُ، ولولا هذا القَدر الذي حصل له من
الإسلام وإلا كان قد استباحَ الشام لما غلب عليه، فلله الحمد والمنة.
سنة خمس وتسعين وست مئة
أُرسل إلى الدِّيار المِصْرية غلالٌ كثيرةٌ بسبب القَخْط .
وفي ثاني عشر المحرَّم كُتب كتابٌ من مصر فقدم دمشق في أواخر
الشهر، فيه أن الإردبِ بلغ مئة وعشرين درهمًا، وأنَّ رَطل اللَّحم بالدِّمشقي
بسبعة دراهم، وأنَّ اللَّبن رطلٌ بدرهمين، والبيض ست بيضات بدرهم، ورطل
الزَّيت بثمانية دَرَاهم وقلت المعائش بحيث أنَّ البَزَّاز يبقى عشرين يومًا لا يبيع
بدرهم. وقد أفنى الموت خَلْقًا كثيرًا. وأما الشام فلم يكن مرخصًا، وتوقَّفَ
المَطَر به، وفزعَ الناسُ، واجتمعنا لسماع ((البخاري))، ففتحَ اللهُ بنزول الغَيْث.
وفي سَلْخ صَفَر جاءت أخبار مصر بالغَلاء، وأنَّ الخُبز كل خمس أواقٍ
٦٩١

بالدمشقي بدرهم. وأن جماعة عُزِّروا بسبب بيع لحم الحَمِير والكِلاب
مَطْبوخًا. وأما القمح بدمشق فأبيعت الغرارة بمئة وأربعين إلى وخمسين
درهمًا. وبيع اللَّحم بأربعة دراهم.
وأما الوباء بمصر فيقال: أُحصي من ماتَ في صَفَر فبلغوا مئة ألف وسبعةً
وعشرين ألفًا، والله أعلم بصحة ذلك.
وفي نصف ربيع الأول جاء الخَبَر من مصر بأن الإردب بمئة وستين
دِرهمًا، وأنَّ الخُبز بالمِصري كل رطلٍ ونصف بدرهمٍ، وأنه أُحصي من مات
من أول يوم من ربيع الأول إلى اليوم السادس فبلغوا خمسةً وعشرين ألفًا.
وفيه قدم من الشرق نحو مئة فارس من التتار بأهليهم مُقَفِّرين، فسافر
بهم الأمير شمس الدين قُراسُقُر المنصوري إلى القاهرة.
وفي ربيع الآخر وصلت غرارة القمح بدمشق إلى مئة وثمانين درهمًا .
وفيه بَلَغنا أن الشِّهاب مُفَسِّر المنامات بالقاهرة تَغَيَّر عليه أميرُه القائل به
ألطبرس، ونهب داره، وطلب ولده الكبير عبدالرحمن، فهرب وألقى نفسَهُ من
مكانٍ عالٍ لينهزم، فبقي أيامًا ومات. ورُسمَ لشهاب الدين بالانتقال إلى الشام،
فتحول بأهله وأولاده.
وفيه ظهر بدمشق قتلُ جماعةٍ من حُرَّاس الدُّروبِ في كل ليلةٍ واحدٌ أو
اثنان، حتى قُتل أكثر من عشرة، فاحترز الوالي وغُلَّقت الذُّروب وجُدِّدت
شرائج في أماكن. وخَفي الأمير أيامًا، ثم ظفروا بحَرْفوشٍ ناقص العقل، فقُرِّر
فاعترف بأنه كان يأتي الحارسَ وهو نائم فيدق على يافوخه بزَلَطة فيقتله لوقته
فسمّروه، ثم خُنق.
وجاءت الأخبار بأن الوَباء والمرض بالإسكندرية قد تجاوزَ الوَصف،
وأنَّ الفَرُّوج أُبيع بها بستةٍ وثلاثين دِرهمًا، وأنه بالقاهرة بقريب العشرين. وأن
البَيض بالقاهرة ثلاثة بدرهم. وهلكت الحَمِير والقِطَاط والكِلاَب، ولم يبق
حمار للكراء إلا في النادر.
وفي جمادى الأولى انحط السِّعر بدمشق، فأبيعَ القَمح غرارة بمئة
درهم.
وفيه توفي بالقاهرة قاضي القضاة تقيُّ الدين ابن بنت الأعز، ووَلِيَ
٦٩٢

القضاء بعده الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد .
وفي جمادى الآخرة اشتدَّ الغَلاء بدمشق حتى بلغت الغرارة مئة وثمانين
دِرهمًا. وبيع الخُبز عَشرُ أواقٍ بدرهم، ثم تناقص شيئًا، وأما مصر فوصلت
الأخبار بالرُّخص وذهاب الوباء ولله الحمد، وأن الإردب نزل إلى خَمسةٍ
وثلاثين درهمًا. ثم جاءت الأخبار بنزوله إلى خمسةٍ وعشرين درهمًا. وأما
الحجاز فكان شديد القَحط، فيقال: إنَّ غرارة القَمح بلغت بالمدينة إلى ألف
درهم.
وفي شعبان درَّس بالحنبلية بعد موت ابن المُنَجَّى ابن تيمية شيخُنا .
وفي رمضان قَدمت والدة سُلامُش ابن الملك الظاهر من بلاد الأشكري
إلى دمشق، فنزلت بالظاهرية، ثم توجهت إلى مصر.
ومات المسعودي الأمير ببستانه، وجاء بعده على ديوان نائب المملكة
حسام الدين لاجين مملوكُه الأمير سيفُ الدين جاغان.
وحج بالشَّاميين بهادُر العَجمي .
وفي ذي القَعدة قَدِمَ السُّلطان الملك العادل بالجَيش، وزُيَّنت دمشق
لمجيئه، وصلَّى بمقصورة الخطابة. وكان أسمر، مدوَّر الوجه، صغير العين،
قَصيرًا، في ذقنه شعرات يسيرة، وله رَقَبة قصيرة. وكان يُوصف بالشجاعة
والإقدام والدين التَّام، وحُسن الخُلُق، وسلامة الباطن، والتَّواضع، وتَرك
الفَوَاحش، وعدم السَّفك للدِّماء وقِلة الظُلم. لكنه كان يَضعُف عن حَمل أعباء
المُلك ويَعُوزُهُ رأيٌ وحزمٌ، ودهاء، مع ما فيه من التَّقوى وحُسن الطَّوية .
وقدم معه الوزير ابن الخليلي فوَليَ قضاء الحنابلة القاضي تقي الدين
سليمان وخُلِعَ عليه، وعلى بقية القُضاة، وعلى الوزير تقي الدين تَوبة، وعلى
قاضي العساكر المنصورة نجم الدين، وعلى أخيه الصاحب أمين الدين، وعلى
المحتسب شهاب الدين الحَنَفي، وعلى الأمراء.
وعُزل من الوكالة تاج الدين ابن الشيرازي وصُودر، ووَليَ مكانه
نجم الدين ابن أبي الطيب.
ورُسِّم على أسَندُمر والي البر، وعلى المُشِد شمس الدين الأعْسَر، وعلى
جماعةٍ من الدَّواوين وصودروا.
٦٩٣

ووَلَيَ البَرَّ علاء الدين الجاكي.
وطُلب من كُلِّ الدواوين جامكية سنة، وأُخذ مبلغٌ من شهاب الدين ابن
السَّلعوس، وصودر الوالي ابن النُّشَّابي. واحتيط على دار الأعسر، وباعَ في
المُصادرة جملةً من أملاكه، حتى صودر المُجِير الضَّرَّاب وضُرب. وكثُّر
العسف من الصاحب ابن الخليلي، وداخَلَه ابن مزهر ولازمه، وكشفَ له
الأمور، ثم إنه سَلَّطه الله عليه، فأخرق به ورَسَّم عليه .
وقَدم صاحب حماة للخدمة، وصَلَّى الجمعة بالمقصورة إلى جانب
السُّلطان، وبعده أمير سلاح بدر الدين، وعن يسار السُّلطان الشيخ الكبير حسن
ابن الحَريري، وأخواه، ثم نائب المملكة حسام الدين لاجين، ثم نائب دمشق
عز الدين الحموي، ثم بدر الدينٍ بَيْسري، ثم قَرَاسُقُر المنصوري، ثم الحاج
بهادُر. وخُلعَ على ابن جماعة خِلْعةً خطب بها، وسَلَّم عليه السلطان. ثم زار
المُصحف، ولعب من الغد بالكُرة.
ثم استناب على الشام سيف الدين غُرلُو مملوكه، وهو شاب أشقر من
أبناء الثلاثين، وأعطى الحمويَّ خُبزَ غُرلو بمصر. ثم أعطى شهاب الدين
الحَنَفي وزارة دمشق، وعُزلَ تقي الدين البيع.
وتوجه السلطان إلى جُوسية بالجيش، وأقام بالبرية أيامًا. ودخل حمصَ
ونزل بمرجها .
سنة ست وتسعين وست مئة
في ثاني المحرَّم دخل السُّلطان زين الدين كُتبُغا دمشقَ راجعًا من حمص،
ثم صَلَّى الجُمُعة بالجامع، وأخذَ من الناسِ قَصَصهم حتى قيل إنه رأى شخصًا
بيده قصة فتقدَّم بنفسه إليه خُطُوات وأخَذَها منه. ثم جلس من الغد بدار
العَدْل، وكتب على القَصص.
ووَليَ حسبةً دمشق الزينُ عمرُ أخو الصاحب شهاب الدين الحَنَفي.
وصَلَّى السلطان الجمعةَ الثانية من المحرَّم بجامع دمشق، ثم مَشَى إلى
عند المكان الملقب بقبر هود فصلى عنده، وصعد في هذا اليوم إلى مغارة الدَّم
وزار، ثم صَلَّى الجمعة الثالثة أيضًا بالجامع .
٦٩٤

وأعطى الملك الكامل طبل خاناه.
وفيه فُيِّد أسندمُر وحُبس، ووَليَ الشَّدَّ فتح الدين ابن صَبرة، ورُسم
للأعسر بأن يسافر مع الجَيش إلى مصر. ووَليَ محيي الدين ابن المَوْصلي وكالة
البيسري، وخُلعَ علیه لذلك.
وسافر السلطان من دمشق في ثاني وعشرين المحرَّم، وخرج القُضاة
لتوديع الصاحب .
ولما كان سَلْخ المُحرَّم اشتُهَر بالبلد أنَّ الجيش مُختبط، وأُغلق باب
القَلعة، وتهيأ نائب السَّلطنة غرلُو وجَمَعَ الأمراء، وركب بعض العَسكر على
باب النَّصر، فلما كان قريب العَصر وصل السُّلطان الملك العادل إلى القلعة في
خمسة مماليك فقط. وكان قد وصل في أول النهار أمير شكار مَجْروحًا، وهو
الذي أعلم بالأمر، فدخل الأمراء إلى الخدمة وخُلع على جماعة، واحتيطَ على
نواب نائب السَّلطنة الحسام لاجين وحواصله بدمشق.
وكان الأمر الذي جَرَى بقرب وادي فَحْمة بُكرة الاثنين ثامن وعشرين
المُحَرَّم وهو أنَّ حسام الدين لاجين قَتَلَ الأميرين بتخاص، وبَكتوت الأزرق
العادليين، وكانا شَهْمَين شُجاعين عزيزين عند العادل، فلما رأى العادل الهَوشة
خافَ على نفسه، وركب فرس النَّوبة، وساقَ ومعه هؤلاء المماليك، فوصل
في أنحس تقويم، كأنه مقدم من الحلقة وعليه غُبرة، ودوابهم قد شعثت
وكُلَّت، والسِّعادة قد ولت عنه.
وأما لاجين فساق بالخَزَائن، وركب في دَست المُلك، وساق الجيوش
بين يديه وبايعوه، ولم يختلف عليه اثنان، وسَلْطنوه في الطريق .
وبعد يومين وصل إلى دمشق زين الدين غلبك العادلي ومعه جماعةٌ
يسيرة من مماليك العادل. ولزم شهاب الدين الحَنَفي القَلعة لمصالح السَّلطنة
وتدبير الأمور.
وكان القمح في هذه المدة بنحو مئة وثمانين درهمًا .
وفي ثالث عشر صَفَر اشتُهرَ بدمشق سلطنة الملك المنصور حسام الدُّنيا
والدين لاجين، وأنه خُطب له بالقُدس وغَزة. وكان العادل قد عزم على
مراسلته، ثم بَطَّل ذلك. وأقامَ هذه المدة بالقلعة وأمَّرَ جماعةً وأطلق بعض
٦٩٥

المُكُوس. ثم جاء الخبر بزينة صَفَد ودقّ البشائر بها، وكذلك الكَرَك ونابُلُس.
فبعث العادل طائفةً مع طقصَبًا الناصري لكشف الأمر، فتوجهوا في ثاني
وعشرين صفر، فبلغهم في اليوم دخول السُّلطان الجديد القاهرة. فَرَدُّوا.
واتفق في يوم الرابع والعشرين وصول كُجكن والأمراء من الرَّحبة، فلم
يدخلوا دمشق، بل نزلوا بقرب مسجد القدم، وأظهر كُجكن سلطنة المنصور
وأعلن بها. فخرجَ إليه أمراء دمشق طائفة بعد طائفة. وتوجه أميران إلى
القاهرة. فتحقق العادل زوال مُلكه، فأذعنَ بالطاعة وقال لهم: يا أُمراء، هذا
الرجل هو خُشداشي، وأنا في خدمته وطاعته. وحَضَر الأمير جاغان الحُسامي
إلى القلعة، فقال له العادل: أنا أجلس في مكانٍ بالقلعة حتى تكاتب السُّلطان
وتفعل ما يرسم به. فلما رأى الأمراء منه ذلك تَرَكوه وخَرَجوا وتجمّعوا بباب
الميدان، وحلفوا لصاحب مصر. وركبت البُرُد بذلك. واحتفظ بالقلعة وبزين
الدين كُتُبُغا، وغُلِّقت أكثر أبواب المدينة. ثم دُقَّت البشائر وزُين البَلَد.
واختفى الشهاب الحَنَفي. ثم من الغد اجتمع القضاة بدار السَّعادة وحلفت
الأمراء بحضورهم وحُضور سيف الدين غُرلو العادلي النائب، وأظهر السُّرور
وحلفَ وقال: أنا الذي عَيَّنني للنيابة هو السُّلطان حسام الدين، وإلا فأستاذي
كان استصغرني. ثم إنه سافرَ هو وسيف الدين جاغان.
ثم وصل كتاب الشُّلطان بأنه جلسَ على كُرسي المُلك بمصر في يوم
الجمعة عاشر صفر. ويوم مُسْتَهل ربيع الأول خُطب بدمشق له، وحضر
بالمقصورة القضاة والأمير شمس الدين الأعسر، وكان قد قَدِمَ، وسيف الدين
کُجکن، وسيف الدين سَندمُر، وغيرهم.
وفي تاسع عشر صفر كان ركوب السُّلطان بمصر بالخِلعة الخليفتية
والتَّقليد الحاكمي.
وفي ثامن ربيع الأول توجه من دمشق القاضي إمام الدين القَزْويني، ثم
القاضي حسام الدين الحَنَفي، والقاضي جمال الدين المالكي.
وفي حادي عشر ربيع الأول وصل الأمير سيف الدين جاغان ودخل إلى
القَلعة هو والحسام أستاذ دار، وكان قد جاءَ إلى دمشق في التَّحليف،
وسيف الدين كُجكن، وقاضي القضاة بدر الدين فتكلَّم السُّلطانِ كُتبُغا مع
٦٩٦

الأمراء بالتُّركي كلامًا طويلاً، وفيه عتب عليهم، ثم إنه حلف يمينًا طويلة يقول
في أولها: أقول وأنا كُتُبُغا المنصوري إنني راضٍ بالمكان الذي يُعينه السلطان
له ولا يُكاتب ولا يُسارر. ثم خرجوا من عنده. واشتُهرّ أن المكان المعيَّن له
صَرْخد. ولم تُذكر في اليمين.
وجاء مع جاغان تولية الوزارة للصاحب تقي الدين تَوبة بَدَل الحَنَفي.
وتولية أمين الدين ابن هلال نظر الخِزَانة، وكان قد باشرَها شهرًا التقيُّ تَوبة بعد
محيي الدين ابن النَّخَاس. وتَولية الحِسْبة لأمين الدين يوسف الرُّومي الإمام
الحُسامي صاحب الأيكي.
وفي سادس عشر ربيع الأول دخل دمشق الأمير سيف الدين قَبْجق
المَنصوري على النيابة.
وفي جمادى الأولى وَلَيَ قضاءَ الشام إمامُ الدينِ القَزويني عِوَض ابن
جماعة. ووَليَ ابن جماعة تدريس القيمُرية عِوَض إمام الدين. ووَلَيَ الشَّدَّ
جاغان. وممن سافر إلى مصر للهناء تَقيُّ الدين تَوبة، والملك الكامل.
ووَليَ نظر الدواوين فخر الدين ابن الشيرجي عِوَضًا عن أمينِ الدين ابن
صَصْرى. وسار الأعسر إلى مصر فوَلَيَ بها الوزارة مع الشَّدِّ، وسُلُّم إليه ابن
الخليلي فصادرهُ.
وفي شعبان قدم الشريف زين الدين ابن عدنان بنظر الدَّواوين، وصُرف
ابن الشِّيرجي. ثم جاء توقيعٌ بذلك لأمين الدين ابن هلال. ووَليَ مكانه الخِزَانة
أمين الدين ابن صَصْری.
وحج بالشاميين الأمير كُرجي، وحج الأميران المَطْروحي، وبهادُر آص.
ثم باشر فخر الدين ابن الشِّيرجي نظر الخزانة بدل ابن صَصْرى.
وكان السُّلطان حسام الدين قد استناب بالدِّيار المصرية قَراسُقُر ثم قبض
عليه في نصف ذي القَعدة، واستنابَ مملوكَهُ مَنْكودمُر الحُسامي؛ ثم مُسك
الأعسر في ذي الحجة، واحتيط على حواصلهما.
٦٩٧

سنة سبع وتسعين وست مئة
سافر زين الدين ابن قاضي الخليل في المحرَّم إلى بَعْلَبك على قضائها .
ويوم السابع والعشرين من المحرَّم دخل الركب الشامي بعد صلاة
الجُمعة .
وفي صَفَر وَليَ قضاء الحنفية بدمشق جلال الدين ابن القاضي حُسام
الدين. وأقامَ والده بمصرَ في صَحابة السُّلطان، فَولاَه القَضاءَ، وعَزَلَ القاضي
شمسَ الدين السَّروجيَّ.
وفي صَفَر عُوفي السُّلطان وركب، فدُقَّت البشائر، وزُينت دمشق. وكان
قد وقع وانصدعت رجله.
وفي ربيع الآخر جُدِّدت إقامة الجُمُعة بالمدرسة المُعَظَّمية بجبل قاسيون،
وخَطَبَ بها مدرِّسُها الشيخ شمس الدين ابن العز.
وفيه قُبض بمصر على الأمير بدر الدين بَيْسري، وأُعيد إلى الوزارة ابن
الخَليلي .
وفي جمادى الأولى قَدِمَ عسكر مِصري عليهم الأمير عَلَم الدين
الدواداري متوجهين إلى حَلَب، وحضرَ معه المُحَدِّث يوسف بن عيسى
الدِّمياطي طالب حديث.
ثم سار الدَّواداري وبعض عساكر الشام فنازل ثَغْرَ سِيس، ووقع الحصار
إلى أن أُخذت تل حَمْدون في سابع رمضان، ودُقت البشائر لذلك. ثم أخذوا
قلعة مَرْعش(١) في أواخر رمضان. ودُقت البشائر أيضًا. وجاءت عَلَمَ الدين
الدواداري رمیةُ حجر في رجله.
وحج بالناس الأمير عز الدين أيبك الطويل الحاج.
وفي شَوَّال قَدم إلى مصر من بلاد الأشكري الملك خَضِر ابن الملك
الظاهر، وقد كان بعثه إلى هناك الملك الأشرف.
وفيه فرغوا من بناء المدرسة المنكُودمُرية بالقاهرة، وأُديرت، وجلس بها
المدرِّسون، وهي داخل باب القَنْطرة.
(١) كتب المصنف بعد هذا ((وقلعة حَقُّوص)) ثم ضرب عليها.
٦٩٨

وفيه أخذ المسلمون قلعة حُمَيْمص وقلعة نُجَيمة من بلاد الأرمن.
وفي ذي الحجة جاء تقليدٌ من صاحب حماة بقضائها للخطيب موفق
الدين الحَمَوي فسافر من دمشق .
ووصلَ في ذي القَعدة من مصر بَكْتمُر السِّلحدار الظاهري، ثم
المنصوري على ثلاثة آلافٍ قاصدين حَلَب. وأصيب جماعة من العَسكر في
حصار قلاع الأرمن.
وفي ذي الحجة انخسفَ القَمَر، ومُسك بمصر الأمير عز الدين أيبك
الحموي .
وفيها وَلَيَ بغداد الأميرُ أيدينا المُسلم، فمَهَّد العراق، وقمعَ المُفْسدَ،
وعدلَ، وامتدت ولا يته.
سنة ثمان وتسعين وست مئة
وطال أمر الغُزاة بالثغور، فَتَسخَب بعضُ الأجناد وضعُفوا، فجاء الأمر
بالتَّشديد في ذلك، ونُصبت مشانق تحت القلعة، والأمر برجوعهم ولا يتخلَّف
أحد أبدًا، فخرجوا بأجمعهم مع نائب السَّلطنة قَبْجق في نصف المحرَّم.
وفيه عُزل ابن الجاكي من البَرِّ، وجاء على ولايته حُسام الدين لاجين
المنصوري الصَّغیر.
وفي سَلخ صَفَر قَدِم من الغَزَاة الأمير عَلَم الدين الدَّواداري.
وفي سنة ثمانٍ ظهرت الوديعة التي عند فخر الدين الفَزَاري لعز الدين
الجَنَاحي الذي كان نائب غَزَّة، وهي ستون ألف دينار عين وجَوْهر وغيره. مات
صاحبها في التَّجريد بحلب ولم يسلم بها أحد، ولم يُخَلَّف وارثًا، فحملها
المذكور من تلقاء نفسه إلى بيت المال.
وفي ربيع الأول قام جماعةٌ من الشافعية المتكلمين فأنكروا على ابن
تيمية كلامه في الصِّفات. وأخذوا فُتياه الحَمَوية فردوا عليه وانتصبوا لأذيته،
وسعوا إلى القُضاة والعُلماء، فطاوعهم جلال الدين قاضي الحَنَفية في الدُّخول
في القضية، فطُلِبَ الشيخ، فلم يحضر. فأمر فنودي في بعض دمشق بإبطال
العقيدة الحَمَوية، أو نحو هذا. فانتصر له الأمير جاغان المُشِد، واجتمعَ به
٦٩٩

الشيخ، فطلب مَن سعى في ذلك، فاختفَى البعضُ، وتشفَّعَ البعض، وضُرب
المنادي ومن معه بالكوافيين. وجلس الشيخ على عادته يوم الجمعة وتكلم
على قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾﴾ [القلم]. ثم حضرَ من الغد عند قاضي
القضاة إمام الدِّين، رحمه الله، وحضر جماعةٌ يسيرة، وبحثوا مع الشيخ في
الحَمَوية، وحاققوه على ألفاظٍ فيها، وطالَ البحث، وقرىء جميعها، وبقوا من
أوائل النَّهار إلى نحو ثُلُث الليل، ورضوا بما فيها في الظاهر، ولمٍ يقع إنكارٌ،
بحيث انفصل المجلس، والقاضي، رحمه الله، يقول: كلٍ من تكلّم في الشيخ
فأنا خَصمه. وقال أخوه القاضي جلال الدين: كُلُّ من تكلّم في ابن تيمية بعد
هذا نُعَزِّره؛ حدثني بذلك الثقة. لكن جلال الدين أنكر هذا فيما بعد، ونسي
فيما أظن. والذين سَعَوا في الشيخ ما أبقوا ممكنًا من القَذف والسَّبِّ ورَميه
بالتَّجسيم. وكان قد لحِقهم حسدٌ للشيخ وتألموا منه بسبب ما هو المعهود من
تغليظه وفظاظته وفجاجة عبارته، وتوبيخه الأليم المُبكي المُنكي المثير
النفوس، ولو سَلِمَ من ذلك لكان أنفع للمُخالفين، لاسيما عبارته في هذه الفُتيا
الحَموية. وكان غضبه فيها لله ولرسولهِ باجتهاده. فانتفعَ بها أُناس وانقَصَمَ بها
آخرون ولم يَحْملوها. واتَّفق أن قبل هذا بأيام أنكر أمرَ المُنَجِّمين، ومَشَى إلى
نائب نائب السَّلطنة سيف الدين جاغان، فامتثل أمرَهُ، وأصغى إلى قوله
واحترمَهُ، وطلب منه كثرة الاجتماع به، فشرِقوا لذلك، وفعلوا الذي فعلوا،
واعتضدوا بشيخ دار الحديث. وبعث جاغان في الحال جاندارية فضربوا
المُنادي وجماعةً كانوا معه من أذناب الفقهاء. واحتمى صدر الدين ابن الوكيل
ببدر الدين الأتابكي واستجار به، واختفى الأمين سالم وغيرُه، وفرغت الفتنة،
ورأى قاضي القضاة إخمادها وتسكينها.
وفيها سار غازان إلى بغداد وجَهَّز عَسْكرًا إلى البطائح، فأوقعوا بحرامية
الأعراب بالبطائح، وقتلوا فيهم خَلْقًا، وأحسن إلى الرعية، وأمر بتصفية
النَّقْدين، وتهدد في ذلك.
واشتدَّ القحط بشيراز.
قصة قبجق وألبكي والسّلَحدار وذهابهم إلى التتار
كان هؤلاء وغيرهم قد تَوَخَّشت خواطرهم وخافوا على أنفسهم مما وقع
٧٠٠