Indexed OCR Text
Pages 201-220
معاوية، وعين أبرهة بن الصَّبَّاح. ثم هادنهم عبدالله ورد. ثم غُزِيت في زمن هشام، ولم تُفتح. ثم غُزيت في زمن المنصور، ثم غزاها تكين التُّركي، ثم غزاها كافور صاحب مصر، ثم غزاها ناصر الدَّولة ابن حَمدان، فبيتوه وردّ مهزومًا. وغزاها تورانشاه أخو السُّلطان صلاح الدين في سنة ثمانٍ وستين وخمس مئة، ووصل إلى أبريم، ولم تُفتح إلى الآن كما قال ابن عبد الظاهر(١): هذا هو الفتح لا شيءٌ سمِعتُ بهِ في شاهدِ العَينِ لا ما في الأسانيدِ وفي ذي الحجة عُقد للملك السعيد على ابنة الأمير الكبير سيف الدين قلاوون الألفي على صداق خمسة آلاف دينار، وكتب الكتاب محيي الدين ابن عبدالظاهر وقرأه، فَخُلع عليه وأُعطي مئة دينار، وأوله: ((الحمد لله موفق الآمال لأسعد حركة، ومصدق المقال لمن جعل عنده أعظم بركة، ومُحقق الإقبال لمن أصبح نسيبه سلطانه وصِهْرَه ملكه. إلى أن قال: وبعدُ فلو كان إيصال كل شيء بحسب المتصل به لما استصلحَ البَدرُ شيئًا من المنازل لنزوله ولا الغيثُ شيئًا من الرياض لهطوله، ولا الذكر الحكيم لسانًا من الألسنة لتَرْتيله، ولا الجَوْهر الثمين شيئًا من التيجان لحلوله. ومنه: فخطب إليه أسْعَد البرية، وأمنع من تحميها السيوف المشرفية، وأعز من تُسبل عليها سُتور الصَّون الخفية، وتُضرب دونها خدور الجلالة الرضية، وتتجمل بنعوتها العقود كيف لا وهي الدرة الألفية)). وفي ذي الحجة سارَ السُّلطان إلى الكرك وجعل فيه الطواشي شمس الدین صواب السُّھیلي، ثم قدم دمشق. الزَّلزلة وفيها كانت زلزلة عظيمة بخِلاط أخربت كثيرًا من دورها، وهلك جماعة تحت الردم، واتصلت بأرجيش(٢) فأخربتها وخسفت منها مواضع. وأما ماردين ومَيافارقين فشعثت فيها . (١) الدرة الزكية ١٨٧ . (٢) مدينة بالقرب من خلاط، وأكثر أهلها أرمن. ٢٠١ وفيها افتُحَ حِصن القصير، وهو بين حَارم وأنطاكية وكان فيه قِسِّيس عظيمٌ يُقصد من البلاد، فحاصرته العَسكر الحَلَبي مع بَلَبان الرُّومي الدُّويدار، فنزلَ القِسِّيس، وسَلَّمهُ بالأمان في جُمادى الأولى. وهذا الحِصن لم يَفتحه صلاح الدين فيما فَتَح، وكان أهله أهل شَرٍّ وأذيةٍ. وفيها سَيَّر السُّلطان رُسُلاً إلى الفُنش، صاحب إشبيلية، لكونه كان بعثَ رسولاً بتقدمةٍ سَنِيَّةٍ، فسَيَّر السُّلطان الأميرين سيف الدين الجلدكي وعز الدين الكُبكي، والعَدْل ابن البَيِّع، ومعهم هَدية، فركبوا في البَحر وتوصلوا إلى بَلَنسية، ثم إلى الفُنش، فاحتفلَ لالتقائهم، وبالغَ في إكرامهم ثم سَفَّرهم، فقدموا مِصرَ في صَفَر من سنة خمسٍ وسبعين. وفيها أُخذَ رجلٌ وامرأة، في رمضان، في بغداد في حَمَّام على الفاحشة، فأفتى الفقهاء برجمهما فحُصِبا بظاهر بغداد، وما رُجم ببغداد أَحدٌ قبل هذين، فكأنهما اعترفا . سنة خمس وسبعين وست مئة في أولها دخلَ السُّلطان دمشق، من الكَرَك، فبعثَ بدر الدين الأتابكي في ألفٍ إلى الرُّومِ، فوصلوا إلى البُلُسْتين، فصادفوا بها جماعةً من عسكر الرُّومِ، فبعثوا إلى بدر الدين بإقاماتٍ وخَدَموه، وسألوه أن يقتلَ التَّتر الذين بالبُلُسْتين، ويصيروا معه إلى السُّلطان، فأخذهم معه، ووافوا السُّلطانَ على حارم، فأكرم مَوردهم، ثم بعثَ الأمير حسام الدين بيجار إلى مصر، فخرج الملك السَّعيد لتلقَّيه، ثم قَدِمَ على السُّلطان ضياء الدين ابن الخَطِير، ورجع السُّلطان إلى مصر بعد ذلك. وحضرَ إلى الرُّومِ طائفةٌ كبيرةٌ من المَغُول، وقتلوا شَرَفَ الدينِ ابن الخَطِيرِ، وبعثوا برأسه إلى قُونية، وقُتل معه جماعةٌ من الأمراء والتُّركُمان؛ وذلك لأن ابن الخَطِير شرع يُفَرِّق العساكر، وأذن لهم في نَهب من يجدونه من التَّار وقَتْلهم. وانحازَ الأمير محمد بن قَرَمان وإخوتُه وأصحابُه الثُّركمان إلى سواحل الرُّوم وأغاروا على التَّار، وكاتب الملكَ الظاهر. فطلبَ الملكُ غياث ٢٠٢ الدين صاحب الرُّوم وابن البَرَواناه الأميرَ شَرفَ الدين ابن الخَطِير، فقدم عليهما، فجمعوا من حواليهم من المَغُول، فخرجَ تاج الدين كيوي إلى ابن الخَطِير، وعَنَّفهُ ابن الخطير، وأمرَ به فقُتل، وقُتل معه سنان الدين والي قُونية، ثم ندم وخافَ من ابن البَرَواناه، فأتى إلى باب الملك غياث الدين في يوم الجُمُعة ثالث عشر صَفَر في أُهبة وطائفة، وتَخَبَّط البلدُ، ولم يُصلُّوا جُمُعة. ثم نودي في البَلَد بشعار الملك الظاهر وراسلوا الملكَ الظاهرَ يستوثقون منه باليمين لأنفسهم ولغياثِ الدين، فاستأذنهم ابن البَرَواناه في أن يدخل قيصرية، ويحمل حواصله ويخرج إليهم، ودخلَ وحمل حُرمه وأموالهُ، وخرجَ ليلاً، وسارَ إلى دوقات. فلمَّا تحقق شَرَفُ الدين ابن الخطير مسيره إلى دوقات بعثَ أخاه ضياء الدين وسيف الدين طرمطاي، وولده سِنَان الدين في جماعةٍ نحو الخمسين إلى الملك الظاهر يحثه على المجيء، فوافوه على حمص، وحَرَّضوه فقال: أنتم استعجلتُم في المُنابذة، وأنا وعدتُ معينَ الدين البَرَواناه قبل توجُّهه إلى الأردو أني أطأ البلاد في آخر هذه السنة. وأنا الآن فعساكري بمصر، وأما ذهاب مهذب الدين ابن البَرَواناه إلى دوقات فَنِعم ما فعل. ثم أكرمَهُم. فقال ضياء الدين: يا خَوْند متى لم تَقصد البلاد الآن لم نأمن على أخي أن يُقتل هو والأمراء الذين حلفوا لمولانا السُّلطان، وإنْ كان ولابُد، فتبعث عسكرًا يكونون ردءًا له. فقال: المَصلحة أنْ ترجعوا إلى بلادكم وتُحَصِّنوها وتحتموا بالقلاع إلى أنْ أمضي إلى مصر ونُربع الخيلَ ونعود. ثم جَهَّزَ الأمير سيف الدين بَلَبان الزَّيني إلى الزُّوم ليُحضر من خُلف بها من الأمراء والملك غياث الدين، فلما كان بالطريق جاءه الخبرُ بعَود البَرَواناه إلى الرُّوم في خدمة منكوتمر وإخوته في ثلاثين ألفًا، فَرَدَّ. وأما شَرَفُ الدين ابن الخَطِير فعزم على حَرب منكوتمر، فسَفَّه الأمراءُ رأيه وقالوا: كيف نلتقيه ونحن في أربعة آلاف؟ فعلم أنه مقتولٌ، فقصدَ قَلعة لؤلؤة ليحتمي بها، فما مكَّنه واليها من دخولها إلا وحده ومعه مملوك، فلما دخل قبض عليه وبعث به إلى البَرَواناه، فلما دخل عليه شَتَمه وبَصق في وجهه، ورَسَّم عليه. ولما قدمَ البَرَواناه جلس هو والتَّوامين(١): تتاون، (١) جمع تومان، وهو القائد أو الأمير. ٢٠٣ وكريه، وتقو، مجلسًا عامًا، وأحضروا الملك غياث الدين وأمراءه. فقالوا: ما حَمَلَكَ على ما فعلتَ من خَلع أبَغَا ومَيْلك إلى صاحب مصر؟ فقال: أنا صبي وما علمتُ المَصلحة، ورأيتُ الأمراء قد فعلوا شيئًا، فخفتُ إنْ خالفتُهُم أن يُمسكوني. فقام البَرَواناه إلى الطَّواشي شُجاع الدين قانبا لالا السُّلطان فذْبَحَهُ بيده. ثم إنَّ الأمراء اعتذروا بأن ابن الخَطِير هو الذي فعلَ هذا كُلَّه، وخفنا أن يفعل بنا كما فعل بتاج الدين كيوي. فسألوا شَرفَ الدين ابن الخَطِير فقال للبرواناه: أنت حَرَّضتني على ذلك، وأنت كاتَبتَ صَاحبَ مصر، وفعلتَ وفعلتَ، فأنكر البَرَواناه ذلك. وكَتَبَ المُقَدَّمون بصورة ما جرى إلى أبغا ثم أمروا بضَرب ابن الخَطِيرِ بالسِّيَاطِ وَيُقَرِّروه بمن كان معه، فأقرَّ على نور الدين ابن جيجا، وسيف الدين قلاوز، وعَلَم الدين سنجر الجَمدار، وغيرهم. فلما تَحققَ البَرَواناه أنه يُقتل بإقرار ابن الخَطِير عليه، أوحى إليه يقول: متى قتلوني لم يُبقوك بعدي، فاعمل على خلاصي وخلاصك بحيث أنك تصر على الإنكار، واعتذر بأن اعترافك كان من ألم الضَّرب. ثم جاء الجواب بقَتل ابن الخطير، فقُتل في جمادى الأولى، وبُعث برأسه إلى قُونية، وبإحدى يديه إلى أنكورية(١)، وبالأخرى إلى أرزنكان. وقَتَلُوا معه سيف الدين قلاوز، والجَمدار، وجماعةً كبيرة. وأثبتوا ذَنبًا على طرمطاي، فَفَدى نفسه بأربع مئة ألف درهم وبمئتي فَرَس، وعلى أن يُقيم بألفٍ من المُغل في الشتاء. وفيها قُتِلَ مَرْخسيا النَّصراني القِسِّيس، لا رحم الله فيه عُضوًا، وكان واصلاً عند أبغا، مُتَمكِّنًا منه، وله عليه دالةٌ زائدة. وكان يُغريه بأذية المُسلمين. قتله مُعين الدين محمود والي أرزنكان بأمر البَرَواناه، وقَتَلَ نيَّفًا وثلاثين نَفْسًا معه من أهله وأتباعه، فالحمد لله. وفيها تَوَاقِعَ أبو نُمي صاحبُ مكة، وجَمَّاز صاحبُ المدينة، فالتقوا على مَرَ الظّهران؛ وسببها أنَّ إدريس بن حسن بن قَتَادة صاحب اليَنبُع، وهو ابن عم أبي نُمي، اتَّفق هو وجَمَّاز على أبي نُمي، وسارا لقصده، فخرج وكسرهما، وأسر إدريس، وهربَ جَمَّاز . (١) هي المعروفة اليوم بأنقرة. ٢٠٤ وفِي شَوَّال قدم السُّلطان دمشق، ودخلَ حلب في أول ذي القَعدة. وسار ابن مُجَلِّي بعسكر حلب فنزل على الفُرات، وسار السُّلطان بالجيوش فقطع الدَّربند الرُّومي، ووقع سُنْقُر الأشقر بثلاثة آلاف من التَّار، فالتقاهم فَكَسَرهم، وأسرَ منهم، وصَعِدَ العَسكر الجِبَالَ، وأشرفوا على صَحراء البُلُستين، فشاهدوا التَّار، قد رتَّبوا عَسكرهم أحد عشر طُلُبًا، الطُّلُب ألف، ومقدَّم الكُل التُّوين تتاون، وعزلوا عنهم عَسكر الرُّوم خَوفًا من مُخامرتهم، فلمّا التقى الجمعان حملت مَيسرة التَّار فصدمت سناجق السُّلطان، ودخلت طائفةٌ منهم، وحَمَلوا على المَيْمنة، فلمَّا رأى ذلك السُّلطان ردفهم بنفسه وخاصكيته، ثم رأى ميسرته قد اضطربت، فردَفَها بطائفة، ثم حمل بالجيش حملةً واحدةً على التَّتار، فترجَّلُوا وقاتلوا أشدَّ قتال، وقُتلَ منهم مقتلةٌ عظيمة، وانهزمَ الباقون في الجبال والوعر، فأحاطت بهم العَساكر المَنصورة، فقاتلوا حتى قُتل أكثَرُّهُم، وقُتل من المسلمين جماعة، منهم الأمراء ضياء الدين ابن الخَطِير، وشَرَفُ الدين قيران العَلَّني، وعز الدين أخو المحمدي، وسيف الدين قلنجق الشَّشنكير(١)، وعز الدين أيبك الشَّقِيفي. وأُسر خَلْقٌ من التتار، فمنهم على ما ذكر المؤيد (٢): سيف الدين سَلَّر، وسيف الدين قَبجق، وسنذكر من أخبارهما. ونجا البَرَواناه، وساقَ إلى قَيْصرية، وذلك في ذي القَعدة. واجتمع بصاحب الرُّوم غياث الدين وأعيان الدولة وأخبرهم بكسرة التَّار، فاجتمع رأيهم على الانتقال إلى دوقات خَوفًا من مرور التَّار بهم وأذیتهم. وأما السُّلطان فبعثَ سُنْقُر الأشقر إلى قيصرية بأمان أهلها وإخراج السُّوقية، ثم رحلَ السُّلطان، عَزَّ نصرُه، إلى قَيصرية، فمرَّ بقلاع، ونزل وُلاتُها إلى خِدمته، ودخلوا في الطاعةِ. وقَدِمَ قيصرية، وطلعَ الأعيان والأمراء والكبار والفُضلاء على طبقاتهم وتلقَّوه، وفرح به المسلمون، وكان يومًا مشهودًا. وركب يوم الجمعة للصلاة، فدخل إلى مدينة قَيصرية، ونزل بدار السَّلطنة، وجلس على سرير المملكة، وجلسَ بين يديه القُضاة والعُلماء على (١) ويقال فيه: الجاشنكير. (٢) المختصر ٩/٤. ٢٠٥ قاعدة مملكة الرُّوم، ومَدُّوا سماطًا عظيمًا، وخطبوا له، وضُربت السِّكَّة باسمه. ثم بلغ السُّلطان أن البَرَواناه كتب إلى أبغا يُحَرِّضه على إدراك السُّلطان الملك الظاهر بالرُّوم. وبلغه أيضًا الغلاء الذي بالبلد، فرحل عنه إلى الشام. وممن أسر المُسلمون في وقعة البُلُستين من الكبار: مهذب الدين ابن البَرَواناه، وابن أُخته، والأمير نور الدين جبريل، والأمير قُطب الدين محمود، والأمير سراج الدين إسماعيل بن جاجا، والأمير سيف الدين سُنْقُر شاه الزُّوباشي، ونُصرة الدين بَهْمن، وكمال الدين إسماعيل عارض الجَيش، وحسام الدين كياوك، والأمير سيف الدين الجاويش، وشهاب الدين غازي التُّركُماني. ومن أمراء التتار: زيرك صهر أبغا، وسرطق، وجَرْكر، وتُماديه، وسركدة . وأما صاحب الرُّوم فتحول إلى دوقات، وهي حَصِينة، على أربعة أيام من فَيصرية. ورجع الملك الظاهر على المعركة، فسألَ عن عِدَّة القَتْلى كم بَلَغت؟ فقيل: إن عدة قَتْلى المُغل ستة آلاف وسبع مئة وسبعون نَفسًا. وتعب الجيش وقاسوا مشقةً عظيمة. وكان على يزك الجيش عز الدين أيبك الشَّيخي، وكان قد ضَرَبِه السُّلطان بسبب تقدُّمه، فَتَسخَّب إلى التَّتار. وجاء إلى السُّلطان رسول البرواناه يستوقفه عن الحرکة، فکان جوابه : إنا قد عرفنا طُرُق الرُّوم وبلادهُ، وما كان جلوسنا على تَخت المُلك رغبةً فيه إلا لنُعْلِمِكُم أنه لا عائقَ لنا عن شيءٍ نريده بحول الله وقُوته. ثم قَطَع السُّلطان الدَّربند وعبرَ النهر الأزرق، وقدم الشام في آخر العام. ولما بلغَ شمسَ الدين ابن قَرَمان وقعةُ البُلُسْتين جمعَ وحشد، وقصد أقصرا ونازلها، ثم قصدَ قُونية ومعه ثلاثة آلاف فارس فنازلها، ورفع السَّناجق الظاهرية، وأحرقَ بابها، ودخلها يوم عَرَفة، فنهبَ دُور الأمراء والنائب، ثم ظفرَ بنائبها، فعذبه وقتلَهُ، وعَلَّق رأسهُ. وأقام بقُونية سبعةً وثلاثين يومًا . وأما الملك أبغا فإنه أسرعَ إلى الرُّوم فوافى البُلُسْتين على أثر رجوع الملك الظاهر، فشاهدَ القَتلى، وبَكَى وأنكر على البَرَواناه كونه لم يعرِّفه بجَلية الأمر، فقال: لم أعرف. فلم يقبل قوله، وحنقَ عليه، وبعثَ أكثر جيشه إلى جهة الشام، وكان معه أيبك الشَّيخي، فقال له: أرني مكان مَيْمنتكم ٢٠٦ ومَيْسرتكم، فأراه، فقال: ما هذا عسكرٌ يكفيه هذه الثلاثون ألفًا التي معي. ثم بعث يَجمع العساكر. وكان قد هلكَ لهم خيلٌ كثيرة. ثم عطفَ، لَعَنْهُ الله، إلى قَيصرية فخرج إليه القُضاة والعُلماء، وقال: كم للملك الظاهر عنكم؟ قالوا: خمسة وعشرون يومًا. وعزمَ على قَتل أهل قَيصرية فلاطَفُوه، وقالوا: هؤلاء رعية لا طاقةَ لهم بدفع جَيش. فلم يقبل هذا العُذر، وقتلَ جماعةً من الأعيان صَبرًا. ثم أمر عسكرهُ بالقَتل والنَّهب في البلد. قال قُطبُ الدين في ((تاريخه))(١): فيقال إنه قتل من الرَّعية ما يزيد على مئتي ألف، وقيل خمس مئة ألف من قَيصرية إلى أرزن الرُّوم. وممن قُتل: القاضي جلال الدين حبيب. فما قُوم دخول الُّلطان وحُكمه على الرُّوم أسبوعًا بما جرى على أهلها. فلا قُوة إلا بالله. سنة ستٍّ وسبعين وست مئة دخل السُّلطان دمشق في سابع المُحَرَّم، فدخل القَلْعةَ، ثم نزل إلى قَصره . وتواترت الأخبار بوصول أبغا إلى البُلُستين، فَضَربَ السُّلطان مشورة ووقعَ الاتِّفاق على الخُروج من دمشق بالعساكر المنصورة، وملتَقى أبغا حيث كان. وأمر بالدِّهليز فضرب على القصر. ثم بلغه رجوع أبغا، فأمر برد الدِّهليز. وجلسَ في رابع عشر المحرَّم بالقَصر فرحًا مَسرورًا لشرب القُمز، فتوَّك عَقِيب ذلك اليوم وتقيأ، فعَسُر عليه القيء، ثم ركب لكي ينشط فقوي به الألم ومرض، واشتكى في اليوم الثالث حرارة في باطنه، ثم أجمعت الأطباء على استفراغه، فسَقَوه دواءً، فلم يَنجع، فحَرَّكوه بدواءٍ آخر كان سببًا لإفراط إسهاله، وضَعُف، والحُمَّى تتضاعف، فتخيَّل خواصُّه أن كَبده تَتَقطَّع، وأنه سُم، فسقوه جواهر في اليوم السادس. وكانت المَرْضة ثلاثة عشر يومًا. ومات رحمه الله وعفا عنه، كما هو مؤرَّخ في ترجمته في المحرَّم. وفي سادس عشر ربيع الأول ركب السُّلطان الملك السَّعيد بأُبَّهة المُلك، (١) ذيل مرآة الزمان ١٨٦/٣. ٢٠٧ وخلعَ على الأمراء، وله نحو ثمان عشرة سنة. وفي الخامس والعشرين من ربيع الأول قبض الملك السَّعيد على سُنْقُر الأشقر والبَيْسَري، وسجنَهُما. وكان قبل ذلك بأيام قد مات نائب السلطنة بيليك الخَزْندار، فولَّى مكانه شمس الدين آقسُنْقُر الفارقاني. وفيه قدمت رُسُل بَرَكة في البَحر، وطلعوا من الإسكندرية . وفي ربيع الآخر قبضَ السُّلطان على نائبه الفارقاني في جماعةٍ من الأمراء وحُبسوا، وولَّى نيابةَ السَّلطنة الأميرَ شمسَ الدين سُنْقُر الألفي. وفيه أفرج السُّلطان عن سُنْقُر الأشقر وبَيْسَري، وخلعَ عليهما، ورضي عنهما . وفي جُمادى الآخرة قبضَ السُّلطان على خاله بدر الدين بَرَكة خان لأمرٍ نَقَمه عليه، ثم أطلقهُ بعد عشرة أيام. وبقيت الآراء مختلفةً، وكلُّ واحدٍ يشير على السُّلطان بما يوافق هواه، والسُّلطان شاب غِرّ بالأمور. وعُملت التُّربة الظاهرية بدمشق، وبالَغُوا في الإسراع في إنشائها، ونُقل تابوت المرحوم الملك الظاهر من قلعة دمشق إلى تُربته في رجب ليلاً ومعه نائب السَّلطنة عز الدين أيدمر، ومن الخواص دون العَشَرة. وفي ذي القَعدة عُزل القاضي محيي الدين عبدالله ابن قاضي القضاة شَرَف الدين ابن عين الدولة عن قضاء مِصر وأعمالها، ثم أُضيفَ ذلك إلى قاضي القضاة تقي الدين ابن رَزِين، ولم يُفرد بعد ذلك قضاء مصر عن قضاء القاهرة . وفي ذي الحجة وَلَيَ قضاء الشام ابن خَلِّكان وصُرف ابن الصَّائغ، رحمهما الله . سنة سبع وسبعين وست مئة فدخلَ قاضي القضاة ابن خَلِّكان دمشق في أول العام، وتَلقَّاه نائب السُّلطان والدولة والأعيان، وفرح الأكابرُ بمَقْدَمه، ومدحه غيرُ واحدٍ من الشُّعراء، وتكلَّم نور الدين ابن مُصعب، وأنشأ هذه الأبيات: ٢٠٨ رأيتُ أهلَ الشام طُرًا ما فيهم قَطَّ غيرُ راضٍ نالهم الخَيرُ بعد شَرِّ فالوقتُ بَسطٌ بلا انقباضٍ قد أنصف الدَّهرُ في التقاضي وعُوِّضوا فَرحةً بِحُزنِ وسَرَّهم بعد طول غَمِّ قدومُ قاضٍ وعَزلُ قاضٍ فكُلُّهم شاكرٌ وشاكٍ كحالِ مستقبلٍ وماضي وفي صفر أُديرت المدرسة الظاهرية بدمشق، ولم تكن تَكَمَّلت عمارتُها، وكانت قبل ذلك دار إمرة، وتُعرف بدار العَقِيقي، فاشتُريت، فدرَّس للشافعية الشيخ رشيد الدين الفارقي، ودَرَّس للحنفية الشيخ صدر الدين سُليمان. وفي جُمادى الأولى وَلَيَ قضاء الحنفية بدمشق الشيخ صدر الدين سُليمان، بعد وفاة ابن العَدِيم، فتوفي بعد ثلاثة أشهر، ووليَ بعده القاضي حسامُ الدين الرُّومي قاضي مَلَطية . وفي ذي القَعدة أُديرت المدرسة النَّجيبية، وهي صغيرةٌ، إلى جانب المدرسة التُّورية فدرَّس بها قاضي القضاة ابن خَلِّكان مُدَيدة، ثم نزل عنها لولده. وفُتحت أيضًا الخانكاه النَّجيبية، وكان سبب تأخّر فتح المكانين عن تاريخ وفاة النَّجيبي شُمُول الحَوطة التَّرِكة والوَقف. وفي خامس ذي الحجة كان عبور السُّلطان الملك السَّعيد إلى قلعة دمشق، وكان يومًا مشهودًا، وعُملت القباب، وفرحَ الناسُ ودعوا له دعاءً کثیرًا، وسُزُّوا به سُرورًا زائدًا لجودته ولینه . وفي يوم عَرَفة باشرَ الوزارة بمصر القاضي برهانُ الدين الخَضرُ بن الحسن السِّنجاريُّ بحُكم وفاة الوزير بهاء الدين ابن حِنَّى بمقتضى مرسومٍ سلطاني. وفي هذا الشهر وَلَيَ الوزارةَ بالشام الصاحبُ فتح الدين ابن القَيْسراني، وبَسطَ يَدهُ، وأمر القُضاة بالُكوب معه أول مباشرته. وبعث السُّلطان شطر الجيش للإغارة على بلاد سِيس، وعليهم الأمير الكبیر سیف الدین قلاوون. وبقي السُّلطان يتردّد إلى المرج والزَّنبقيّة للفُرجة، وجلس بدار العدل، تاريخ الإسلام ١٥ / م ١٤ ٢٠٩ وأسقطَ ما قَرَّره أبوه على الأمداد، فسُرَّ الناس ودعوا له على هذه الحَسَنة العظیمة، ولعل الله قد رحمه بها . وفيه عُزل عن الشَّدِّ بَكتوت الأقرعي، وأُرسلَ إلى حَلَب على خُبز الأمير عَلَم الدين الدَّواداري، ثم أُحضر الدَّواداري وأعطي شَدَّ الشام، فباشر في أواخر ذي الحجة. سنة ثمان وسبعين وست مئة في المحرَّم وَليَ قضاء المالكية بدمشق الذي كان ينوب عن الشيخ زين الدين الزَّواوي، وهو جمال الدين أبو يعقوب الزَّواوي. وفيه وَلَيَ ولاية دمشق عز الدين ابن أبي الهيجا، وعُزل الأمير ناصر الدين الحَرَّاني . وفي ربيع الأول وقعَ الخُلف بين الخاصكية بدمشق وعجز السُّلطان عن تلافي ذلك، وخرجَ عن طاعته نائبُه الأمير سيف الدين كُوندك، وتقدَّم بالذين التفوا عليه نحو القُطَيِّقة، ومعه نحو أربع مئة من الظاهرية، وفيهم فُرسان وشُجعان، فنزل بالقُطَيفة ينتظر الجيش الذين في سيس، فقدموا، واتَّصل بهم كُوندك وأصحابُه، ونزل الكُل بَعذرا، وراسلوا السُّلطان في معنى الخُلف الذي حَصَل. وكان كُوندك مائلاً إلى البَيْسَري، ولما اجتمع به وبالأمير سيف الدين قلاوون وغيرهما من الكبار أوحى إليهم ما وَغَر صُدُورهم وخوَّفهم من خَواص الملك السَّعيد، وأن نِيَّتهم نَحسة، وأنَّ السُّلطان موافق لما يختارونه. وكَثَّرَ القول، ونَفَّر الخواطر، فاقترحَ الأُمراء على السَّعيد إبعادَ الخاصكية عنه وتفريقهم، فلم يُجب إلى ذلك عَجزًا عنهم، وخَوفًا من العاقبة، وحارَ في أمره، وصارَ وحيدًا، فرحلَ الجيشُ من عَذرا، وساروا على المَرج إلى الكِسوة، وتردَّدت الرُّسُل بينهم. ثم ساروا إلى مَرج الصُّفَّر، ففارقهم نائب دمشق عز الدين أيْدَمُر، ومعه أكثرُ عسكر دمشق، ودخلوا البلد، فبعث السُّلطان أمه بنت بَرَكة خان في محفَّة، وفي خدمتها سُنْقُر الأشقر، فإنه كان مُقيمًا بدمشق عند السُّلطان، فتلقَّتها الأمراء، وقَبَّلُوا الأرضَ أمام المحفة، فكلَّمتهم في الصُّلح وحَلَفت لهم على بُطلان ما نُقل إليهم، وأنَّ السُّلطان يعرف ٢١٠ حقَّهم. فاشترطوا شُروطًا كثيرة التزمت لهم بها، وعادت إلى ولدها، وعَرَّفته الصُّورةَ، فمنعه من حوله من الخاصكية من الدُّخول تحت تلك الشُّروط، وقالوا: قَصدُهم إبعادُنا ليتمكَّنوا منك ويعزلوك. ولم يتفق أمرٌ. وتَرَخَّل العَسكر طالبين الدِّيار المصرية، فساقَ السُّلطان جريدةً في طلبهم، فبلغَ رأسَ الماء، فوجدهم قد أبعدوا، فعادَ من آخر النهار، ودخل القلعة ليلاً، وأصبحَ في غُرة ربيع الآخر، فسافرَ بمن بقي معه من الجيش المصري والشامي في طلبهم، وسَيَّر والدته وخزائنه إلى الكَرَك. ووصل إلى بِلْبيس في خمسة عشر يومًا. وقد دخل أولئك القاهرة، ورجع نائب دمشق وأكثر الأمراء إلى الشام. وساقَ هو إلى قَلعة مصر، فوجدَ العساكرَ محدقةً بالقَلعة، وكان بها نائبه الأمير عز الدين الأفرم، فحصل بينهم مقاتلة يسيرة، وحمل به الأمير عَلَم الدين سَنْجر الحَلَبِي، وشقَّ الأطلاب، وفتحَ له الأفرم وطلع إلى القَلعة، وقُتلَ جماعةٌ يسيرةٌ، وبقي جماعة ممن كان مع السُّلطان بَرًا(١)، فاحتاجوا أن ينضمُّوا إلى سائر العَسكر. وأما سُنْقُر الأشقر فإنه انعزل بالمَطَرية بطُلُبهِ، وحاصروا القلعة، وقطعوا عنها الماء الذي يطلُع في المَدَارات، وزحفوا عليها، وجَدُّوا في ذلك. فرأى السُّلطان تَخَلِّي من يرجو نصره عنه، وتخاذُلَ من بقي معه وأنه عاجز. وكان مُقَدَّم الجَيش الذي قامَ على الملك السَّعيد حموُه الأمير سيف الدين قلاوون، فجرت المُراسلات على أنَّه يخلع نفسَهُ ويُسلطنوا أخاه سلامش، وأن يُعطوا للسَّعيد الكَرَك، ويُعطوا أخاه الشَّوْبك، يعني نجم الدين خَضِر، فبعثَ عَلَم الدين الحَلَبِي وتاج الدين ابن الأثير الكاتب إليهم، وحلفوا له على ذلك، ونزل من القلعة. وكان الحصار يومين، فعقدوا له مجلسًا لخَلعه من المُلك، وأحضروا القُضاة والعُلماء والأمراء، وعَمِلوا محضرًا بخَلعه، وكتبوا به نُسخًا، ورثَبوا في السَّلطنة أخاه بدر الدين سلامش، وهو ابن سَبع سنين، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون، وحلفت الأمراء له ولأتابكه، وضُربت السِّكَّة باسمه على وجهٍ، وباسم أتابكه على وجهٍ، ودُعي لهما معًا في الخُطبة. وتوجه السعيد إلى الكَرَك، وقد زال مُلكه وعليه صورة تَرْسيم. ثم أعيد إلى (١) أي: في الخارج. ٢١١ القلعة من الغد لأمرٍ أرادوه، ثم سَيَّروه ليلاً. وجاء سُنْقُر الأشقر، واجتمعَ بالأتابك سیف الدین، وصار معه . وجاءت الأخبار إلى دمشق قبل وصول نائبها أيدمر، فقدم دمشقَ في أول جمادى الأولى، فخرجَ يتلقَّه الأمير جمالُ الدين آقوش الشَّمسي، فقبضَ هو وجماعة من الأمراء على نائب السَّلطنة عز الدين أيْدَمُر عند المُصَلَّى، وفصلُوه عن المَوكب، ودخلوا به من باب الجابية، ورَسَّمُوا عليه بدارٍ عند مأذنة فيروز إلى العَشِي، وحَبَسُوه بالقلعة. وكان بها الأمير عَلَمَ الدين الذُّوَيداري، أعني بدمشق والقَلعة، قد استنابه السُّلطان الملك السَّعيد عليها مدةً غيبة نائبها عز الدین. وفيه عُزل قضاة مصر الثلاثة معًا، تقي الدين بن رَزِين الشافعي، ونفيس الدين ابن شُكر المالكي، ومُعز الدين التُّعمان الحنفي. وفي ثالث جمادى الآخرة قدم سُنْقُر الأشقر نائبًا على دمشق، وقُرِّر الدَّواداري مُشدًا كما كان . سَلْطنة السُّلطان الملك المنصور في الحادي والعشرين من رَجَب شالوا سَلامش من السَّلطنة من غير نزاع، وبايعوا المولى السُّلطان سيف الدين قلاوون الصالحي التُّركي المعروف بالألفي، ولُقِّب بالملك المنصور، وحلفَ له الأُمراء البَيْسَري، والحَلَبي، ولم يختلف عليه اثنان . وفي رجب قُبض على الصاحب فتح الدين ابن القَيْسِراني. ثم وصل أميرٌ يُحَلِّف أمراءَ الشام فحلفوا. وقيل: إنَّ سُنْقُر الأشقر لما حَلَفَ الأمراءُ لم يحلف هو وكاسَرَ، ولم يُرضه ما جرى، ودُقَّت البشائر بدمشق يوم السابع والعشرين من رجب وزُین البلد. وفي شعبان عُزل برهان الدين السِّنجاري عن وزارة مصر بالصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان صاحب ديوان الإنشاء. وفيه سُيِّر الأمير عز الدين أيْدَمُر الظاهري من قَلعة دمشق في محفَّةٍ متمرِّضًا إلى مصر، فحُبس بقلعتها . ٢١٢ وفي شوَّال خرجَ الرَّكبُ الشاميُّ وأميرهُم عماد الدين يوسف ابن الشَّقاري، وحجَّ الشيخ شمس الدين شيخ الجَبَل، وطائفة من الحنابلة، وحج أبي وخالي. وحدثني أبي أنهم رأوا الملك السَّعيد يُسَيِّر بظاهر الكَرَك في أواخر شوّال . قلت: ثم مات في منتصف ذي القَعدة أو في عاشره، وعُمل عزاؤه بمصر؛ وحضر السُّلطان وهو لابسٌّ البياض. وفي الرابع والعشرين من ذي الحجة ركب نائب السَّلطنة شمس الدين سُنْقُر الأشقر الصالحي بعد العَصر من دار السَّعادة وبين يديه جماعةٌ من الأمراء والجُند، ودخل البلد، فأتى بابَ القَلعة فهجمها راكبًا، ودخلَ وجلسَ على تَخت المُلك، وحَلَفوا له، وتَلَقب بالملك الكامل. ودُقت البشائر بعد ساعة، ونودي في البَلَد بسلطنته، وكان محبّبًا إلى الناس. وحلف له القُضاة والأكابر، وقبضَ على الوزير تقي الدين البَيِّع، وكان له في الوزارة شهرًا ونِصْفًا، واستوزرَ مجدَ الدين ابن كُسَيرات. ولم يحلف له الأمير رُكنُ الدين الجالق، فقبض عليه وحبسه. وقبض على نائب القلعة حسام الدين لاجين المنصوري الذي تسلطن. وولى في المدينة عَلَم الدين سُلطان . وأما الكَرَكِ فرُتب في السَّلطنة بها الملك خَضِر بعد أخيه، وسار طائفة إلى الشَّوْبك فتسلَّموها بالأمان بعد محاصرة أيام. وكان الذين بها قد عَصَوا على الملك المنصور لمَّا نزحَ عنها الملك خَضِر ابن الملك الظاهر إلى عند أخيه الملك السَّعيد. ثم أُخربت أسوارُ الشَّوبك وأُذهبت حصانةُ قلعتها. سنة تسع وسبعين وست مئة في مُسْتَهلها ركب السُّلطان سُنْقُر الأشقر من القلعة بأُبَّهة المُلك، ودخل المَيدان وبين يديه الأمراء بالخِلَع، وسَيَّر لحظةً، وعادَ إلى القلعة. وجهز عَسكرًا، فنزلوا عند غَزَّة. وكان عسكر المصريين بغزة، فأظهروا الهَرَب، ثم كَرُّوا على الشاميين، فكَبَسوهم ونالُوا منهم، وهَزَموهم إلى الرَّملة. وفي خامس المحرّم وصل أمير العرب عيسى بن مُهَنَّا، ودخل في طاعة الملك الكامل سُنْقُر الأشقر، فبالغَ في إكرامه، وأجلسَهُ على السِّماط إلى ٢١٣ جانبه، ثم قَدِمَ أمير آل مري أحمد بن حِجِّي على الكامل فأكرمهُ. وفيه وَلَيَ قاضي القُضاة ابن خَلِّكان تدريس الأمينية، وعُزل نجم الدين ابن سني الدولة . وفي أواخر المُحَرَّم جَهَّز السُّلطان الملكُ المنصور من مصر جيشًا، عليهم الأمير عَلَم الدين سَنجر الحَلَبيُّ لحرب الملك الكامل فتقهقر يَزَكُهُ إلى أطراف دمشق. وفي ثاني عشر صفر خرج الملك الكامل سُنْقُر الأشقر، فنزلَ على الجُسورة، واستخدمَ وأنفقَ، وجمعَ خَلْقًا من البلاد، وحضرَ معه ابن مُهَنا وابن حِجِّي بعرب الشام، وجاءته نجدة حَمَاة وحلب، وتَصَمَّد معه جيشٌ كثيف، لكن لم يكونوا كلَّهم في الباطن معه، بل كان كثير منهم عليه، وبعضهم فارغين. وأقبل الحَلَبي بالمصريين، فالتقوا بُكرةً عند الجُسورة، والتحمَ الحربُ، واستمرّ المَصافُّ إلى الرابعة، وقاتل سُنْقُر الأشقر بنفسه، وحملَ عليهم، وبَيَّن، لكن خامَرَ عليه أكثرُ عسكره، فانهزمَ بعضُهم، وتَحَيَّزَ بعضهم إلى المصريين، وانهزمَ صاحبَ حماة من أول ما وقعت العينُ في العين، وبقي في فُلِّ من الناس، فَوَلَّى وسلكَ الدَّرب الكبير إلى القُطَيِّقة، ولم يتبعه أحدٌ، وتَجَمَّعَ المنهزمون على القَصَب من أعمال حمص، ثم عادَ أكثر الأمراء، ولم يُعاقَبُوا . وأما المصريون فأحاطوا بدمشق، ونزلوا في خِيَم المُنهزمين، وراسلوا نائبَ سُنْقُر الأشقر الذي بالقلعة، ففتحَ لهم باب الفَرَج، وفُتحت القَلعة بالأمان. ثم جَهَّز الأمير عَلَم الدين الحَلَبي ثلاثة آلافٍ في طلب سُنْقُر الأشقر. وركبَ قاضي القضاة ابن خَلِّكان للسلام على الحَلَبي فحبسَهُ بعُلُو الخانكاه النَّجيبية، وعزلهُ، ووَلَّى القضاءَ القاضي نجم الدين ابن سَني الدولة، وكان يحترمه لأنه لما تَسلطن بدمشق في آخر سنة ثمانٍ وخمسين كان نجم الدين هو قاضي دمشق حينئذٍ، وحكم الحَلَبي في البَلَد. وحضر إليه الأمير أحمد بن حِجي، ودخلَ في الطّاعة . وأما ابن مُهنا فإنه توجه في صُحبة سُنْقُر الأشقر، ولازم خدمته، ونزلَ به وبمن معه من العَسكر في برية الرَّحبة وأقامَ بهم. وأخرج الحَلَبِيُّ من حَبس القلعة رُكن الدين الجالق، وحسام الدين ٢١٤ م لاجين، وتقي الدين الصاحب، وحَبَسَ ابن كُسَيرات، وابن صَصْرى. وبقي ابن خَلِّكان في الاعتقال نَيِّفًا وعشرين يومًا. وضُرب زين الدين وكيلُ بيت المال، لأنهم تَسَرَّعوا إلى مبايعة سُنْقُر الأشقر. وطلب ابن الصَّائغ فأكرمه، فشفع في القاضي ابن خَلُكان وفي زين الدين الوكيل. وعرض عليه الحَلَبي القضاءَ فعين نجم الدين ابن سَني الدولة، وعلم أنها ولايةٌ مُقَلْقلة لكونها من غير السُّلطان . ثم ورد البريد في الثامن والعشرين من مصر بأنا قد عَفَوْنا عن جميع الناس من الخاص والعام، ولم نؤاخذ أحدًا، وأن يُقر كلُّ أحدٍ على مَنصبه. وباشر نيابةَ السَّلطنة الأميرُ بدر الدين بَكْتوت العلائي أيامًا إلى أوائل ربيع الأول. ثم جاء تقليدٌ بالنِّيابة لملك الأمراء حسام الدين لاجين المنصوري الذي حبسه ◌ُنْقُر الأشقر، فباشرَ يوم الأربعاء الحادي عشر من ربيع الأول، وقُرىء تقليدُه بدار السَّعادة. وكان شابًّا عاقلاً، شُجاعًا، دَيَّنَا، من سَلَحدارية السُّلطان الملك المنصور أيام إمرته. ودخلَ معه دار السَّعادة الأميرُ عَلَمُ الدين الحَلَبي، ورتبه في النِيابة، ومشى في خدمته الأمراء. وصَرَفَ الحلبي ابن خَلُّكان إلى منزله بالمدرسة العادلية، وبقي ابن سَنِي الدولة يتردد إلى المدرسة ويَحكم بها. وأمرهُ الحَلبي بأن يتحوَّل من العادلية ويُسَلِّمها إلى ابن سَني الدولة، فشُّق ذلك عليه، وتكرَّرَ إليه القَوْل بسُرعة التَّحُوُّل، فبينا هو في ذلك وقد أحضر جمالاً لنقل حوائجه إلى جَبَل الصالحية، وإذا بكتابٍ سُلطاني بالإِكرام، والإقرار له على مَنصبه، وإعادته إلى القضاء، فباشر الحُكَم يومئذٍ الظُّهر، ولَبِسَ الخِلْعة. وأعيد إلى ولاية المدينة ابن الحَراني. وفي أوائل ربيع الآخر تَوَجه من دمشق الأميرُ عز الدين الأفرم نجدةً للجيش المصري الذين توجهوا لمضايقة سُنْقُر الأشقر، فاجتمعوا بحمص، ثم ساروا في طلب سُنْقُر الأشقر، ففارق ابن مُهنا وتوجه إلى الحُصون التي بيد نوابه، وطلعٍ إليها، وهي صِهِيُون - وكان سَيَّر إليها أهله وخزائنه - وبلاطُنُس، وبُرزية، وعَكَّار، وجَبَلةَ، واللَّذقية، وشَيْزَر، والشُّغر، وبَكَّاس. ٢١٥ وكان قد انهزم يوم الوقعة الأمير الحاج أزدَمُر إلى جبل الخرديين، وأقام عندهم، واحتمى بهم، ثم مضى إلى خدمة سُنْقُر الأشقر في طائفةٍ من الجبلیین، فأنزله بشیزر يحفظها . وفي جمادى الآخرة وَلَيَ نظر الدَّواوين الصاحب محيي الدين ابن النَّخَاس . وفيه وصل الجُفَّال من البلاد الحَلَبية من التَّتار، وتقهقر عسكرها. وسبب حركتهم ما بلغهم من اختلاف الكلمة . وتوجه في جمادى الأولى عسكر المصريين، ونازلوا شَيْزَر، وضايقوها بلا مُحاصرة، وتردَّدت الرُّسُل بينهم وبين سُنْقُر الأشقر في تَسلَّمها. فبينا هم في ذلك وصلت الأخبارُ في جُمادى الآخرة بأنَّ التََّار قد دَهَموا البلادَ، فخرج من بدمشق من العساكر، وعليهم الرُّكن أباجو، وانضمَّ إلى العساكر التي على شَيْزر، ثم نزل الكُلُّ على حَمَاة. وقدم من مصر بكتاش النَّجمي في ألفٍ، فلَحق بهم. وأرسل هؤلاء إلى سُنْقُر الأشقر يقولون: هذا العدو قد دَهَمنا، وما سببه إلا الخُلف الذي بيننا، وما ينبغي أن تهلك الرَّعية في الوَسط، والمَصلحةُ أننا نجتمع على دفعه. فنزل عَسكر سُنْقُر الأشقر من صِهيون، والحاج أزدمر من شَيْزر، وخَيَّمت كلُّ طائفةٍ تحت حصنها، واتَّفقوا على المُلْتقى وقتال التتار. وجاءت طائفةٌ عظيمةٌ من التتار، فقتلوا من تَبَقى بحلب، وسبوا ونهبوا، وأحرقوا منبر الجامع والمدارس ودُورَ الأمراء، وعَمِلوا كلَّ قبيح كعاداتهم الجميلة(١)، وأقاموا بحلب يومين، واستاقوا المواشي والغَنَائم. وقيل: إن بعض من كان استَتَر بحلب يَئِسَ من الحياة، ووقف على رأس منارة حَلَب، وكَبَّر بأعلى صوته على التتار وقال: الله أكبر جاء النَّصر من عند الله. ولَوَّح بثوبه، وبقي يقول: أمسِكُوهم من البيوت مثل النِّساء يا عساكر الإسلام. فخرج التَّار على وجوههم يظنون أنَّ المُسلمين جاءوا. وكانوا قد بلغهم اجتماعُ العَسكر على حماة، وسَلِمَ ذلك الرجل. نقل ذلك الشيخ قُطبُ الدين(٢) . (١) هكذا بخط المؤلف. (٢) ذيل مرآة الزمان ٤ / ٤٤ - ٤٦ . ٢١٦ وفي هذه الأيام تَسَخَّب جماعةٌ من الأمراء الذين عند سُنْقُر الأشقر إلى السُّلطان. وكان السُّلطان قد سارَ ببقية الجَيش فنزل غَزَّة. وفي هذه المُدة خُطب على المنابر بولاية العهد للملك الصالح علي ابن السُّلطان الملك المنصور. وفيها أعيد السِّنجاري إلى الوزارة، ورُد ابن لقمان إلى ديوان الإنشاء. ورجعَ السُّلطان من غَزَّة لما بَلَغه رجوعُ التَّار وأمن البلاد. وفي رمضان أُعيد تقيُّ الدين ابن رَزين إلى قضاء الدِّيار المصرية، وعُزل صدر الدين ابن بنت الأعز. وأُعيد قبل ذلك إلى القضاء القاضيان نَفيسُ الدين ابن شُكر، ومُعز الدين التُّعمان ورُتب قاضٍ حَنبلي وهو الشيخ عز الدين عمر ابن عبدالله بن عوض المقدسي صِهر الشيخ شمس الدين ابن العماد. أما معز الدين الحنفي فهو أيضًا رتب ولم تتقدم له ولاية إلا عند ترتيب القاضي الحنبلي المذكور . وفي ذي القَعدة كان طائفةٌ من الشاميين نُزَّالٌ بمَرجِ المَرْقب، فداخَلَهم طَمعٌ فركبوا من الليل، وصَبَّحوا المَرْقب للغارة، فخرج الفِرَنج وقد جاءتهم نجدةٌ في البَحر، وحملوا على المُسلمين، فهزموهم ومَزَّقُوهم في أودية وعرة، فنالوا منهم نَيلاً عظيمًا، وقتلوا وأسروا. فما شاء الله كان . وفي أول ذي الحجة خرجَ السُّلطان إلى الشام، وخَلَفه ولدُه الملكُ الصالح. ويوم عَرَفة وقعَ بديار مصر بَردٌ كبار، فأهلكَ بعض الزَّرع، وبَدَّع فِي الوجه القِبْلي. ووقع تحتِ الجَبَل الأحمر صاعقة على حَجَر، فأُخذَت وسُبكت، وجاء منها نحو الأوقية. ووقعت يومئذ صاعقة بالإسكندرية . وفي سابع عشر ذي الحجة نزل الشُّلطان على الرّوحاء قُبالة عَكًا، فراسلَهُ أهلُها في الهُدنة. وأقامَ هناك أيامًا. وقدم عليه عيسى بن مُهنا طائعًا، فبالغَ السُّلطانُ في إكرامه واحترامه، وصفحَ عنه قيامه مع سُنْقُر الأشقر . وفيها وَزَرَ بدمشق الشَّرفُ ابن مُزهر، ومَدَّ يده، ثم أُعيد التقي البَيِّع . ٢١٧ سنة ثمانین وست مئة في أوائل المحرَّم هادنَ السُّلطان أهل عَكَّا، ونزل اللَّجُون، وقبضَ على الأمير سيف الدين كُوندك الظاهري وعِدَّة أمراء بحَمراء بَيسان. فقيل: إن كُوندك، وأيْتمش السَّعدي، وسيف الدين الهاروني وطائفة اتفقوا على الفَتك بالسُّلطان، وعرف ذلك البَيْسَري، فأعلَمهُ، فقبض على كُوندك وغيره، وهرب الباقون؛ الهاروني والسَّعدي ونحوُ ثلاث مئة فارس على حَميةٍ إلى عند سُنْقُر الأشقر. وأُهْلكَ كُوندك، فقيل: إنه غُرِّق ببُحَيرة طَبرية. وساق طقصُو في عَسكر وراء أيتمش السَّعدي، فجُرح ورَدَّ. ويوم سابع عشر المُحرَّم وصل المُحَمدي مُقدَّم البحرية إلى دمشق ومعه جماعةُ أمراء مَمْسكوين، فحَبَسهُم بقلعة دمشق. ودخل السُّلطان دمشق يوم تاسع عشر المُحرَّم، وحمل الجَتَر البَيْسريُّ يومئذٍ، فَعُزل ابن خَلِّكان عن القضاء بابن الصائغ، ووَليَ قضاء الحنابلة نجمُ الدين أحمد ابن الشيخ شمس الدين، وذلك بعد خُلُو الشام من قاضٍ حنبلي مدةً. ثم جُهِّزت المجانيق وطائفةٌ لحصار شَيْزر، فنازلوها وتَسَلَّمُوها، وذلك أنَّ الرُّسُل تردَّدت في الصُّلح بين السُّلطان وبين سُنْقُر الأشقر، ووصلَ من جهته الأميرُ عَلَمُ الدين الدَّواداري، والأمير خَزْنَدار سُنْقُر الأشقر. فحلفَ له السُّلطان ونُودي في دمشق باجتماع الكَلِمة، ودُقت البَشَائر لذلك، وسَيَّر إليه فخر الدين المَقَري الأمير ليُحلفه، وحينئذٍ سَلَّم سُنْقُر الأشقر قلعةَ شَيْزَر للسلطان، فعوَّضه عنها كفَرطاب، وفامية، وأنطاكية، والسُّوَيدية، وشُغر، وبَكَّاس، ودَرْكوش، بضياعها، على أن يقيم ست مئة فارس على جميع ما تحت يده من البلاد، وذلك ما ذكرناه، وصِهْيون، وبلاطُنُس، وجَبَلة، وبُرزية، واللَّذقية. وخوطب في ذلك بالمَقرِّ العالي المولوي السَّيِّدي العالمي العادلي الشَّمسي، ولم يصرَّح له في ذلك بالمَلِك ولا بالأمير. وفي ربيع الأول أُديرت الجهة المَلْعونة والخُمور بدمشق، وكانت بَطَّالةً من خمس عشرة سنة، وأُديرت بالدِّيار المصرية أيضًا قبل هذا التاريخ بمدة، فلا قوة إلا بالله. وبقيت دائرةً بدمشق أيامًا، ولَطَفَ الله، وبُطِّلت، وأُريقت ٢١٨ الخمور، وطُهِّر البلد من ذلك، ولله الحمد. ووقع الصُّلح بين صاحب الكَرَك الملك خَضِر وبين السُّلطان. ثم جاءت امرأة الملك الظاهر بنت بركة خان ومعها تابوت ولدها الملك السَّعيد، ثم استبقوا التابوت بالليل من الصُّور، ودفن إلى جانب والده. وأدخلهُ القبر قاضي القُضاة عزّ الدين ابن الصائغ، ونزلت أمُّه بدار صاحب حمص، وعُقد العَزاء من الغَدِ بالمدرسة الظاهرية، وحضرهُ السُّلطان والأمراء والأعيان والوعاظ . وعُزل تقي الدين البَيِّع من الوزارة، وباشرَ عِوضه تاجُ الدين ابن السّنھُوري . وفي جُمادى الأولى جاءت الأخبار بأنَّ التتار على عَزم المجيء. وقعة حمص انجفلَ أهلُ البلاد الشِّمالية، وقَويت الأخبار، واهتمَّ السُّلطان بدمشق للعَرض، وجاء أحمد بنِ حِجي بخَلقِ من العُربان، وكَثُّرت الأراجيف، وكَثُرت الجُفَّال، وعَدَّى التتار الفُراتَ من ناحية حَلَب، ونازل الرَّحبةَ منهم ثلاثةُ آلاف، فيهم القان أبغا، فخرجَ السُّلطان بسائر الجيوش، وقنت الأئمةُ في الصلوات، وحضرَ سُنْقُر الأشقر، وأيتمش السَّعدي، والحاج أزدمُر، وبالغَ السُّلطان في احترام سُنْقُر الأشقر، وأقبلَ منكوتمر يطوي البلادَ، فالتقى الجَمعان، ووقعَ المَصَاف ما بين مَشهد خالد بن الوليد إلى قريب الرَّسْتن، وذلك بشَمَالي حمص، في يوم الخميس رابع عشر رَجَب. ويوم الأربعاء قلق العالمُ بدمشق وأحسُّوا بقرب اللقاء، وفَزعوا كافةً إلى جامع دمشق بالشيوخ والأطفال، واستغاثوا إلى الله، ثم خرج الخطيب بالمُصحف العُثماني إلى المُصَلَّى، ومعه خلائق يتضرَّعون إلى الله، وكان يومًا مشهودًا، شَهِدهُ مع السُّلطان مماليكُهُ، مثل طُرنطية، وبيدرا، وكُتْبُغا، ولاجين، وقبجق، وقراسُنْقُر، وسَنجر الشُّجاعي، والطَّباخي، وسَنْدمُر، وعدةٌ كُلُّهم أمراء، وفيهم من تَسَلطن، وسُنْقُر الأشقر، والحاج أزدمُر الذي قيل إنه طعنَ طاغيةَ العدو، وعَلَم الدين الدواداري، والمنصور صاحب حماة في أمرائه، فكان رأس المَيْمنة، ويليه ٢١٩ البَيْسَري، ثم طَيْبرس الوَزيري، وعز الدين الأفرم، ونائب دمشق لاجين المذكور في عسكر دمشق. وكان رأس الميسرة سُنْقُر الأشقر المذكور، ثم الأيدمري، ثم بكتاش أمير سلاح. وكان في طَرَف المَيمنة العرب، وفي طرف الميسرة التّركُمان. وشاليش القَلب طُرنطية. وكانت المُغلُ خمسين ألفًا، والمجمّعة ثلاثين ألفًا . قلت: وكان المُلتقى يوم الخميس، كما ذكرنا، طلوع الشمس. وكان عدد التتار على ما قيل مئة ألف أو يزيدون. وكان المسلمون على النصف من ذلك أو أقل. وكانت ملحمةً عظيمةً، واستظهر التَّتار في أول الأمر، واضطربت ميمنة المُسلمين، ثم حملت التّار على الميسرة فكسروها، وهزموها مع طرف القَلب. وثَبَت السُّلطان بمن معه من أبطال الإسلام، وكان القتال يعمل من ضَحوةٍ إلى المَغِيب. وساقَ طُلُبٌّ من التتار وراء الميسرة إلى بُحيرة حمص، وقتلوا خلقًا من المُطَوِّعة والغِلْمان، وأشرف الإسلام على خُطٍ صَعبة. ثم إن الكبار مثل البَيْسري، وسُنْقُر الأشقر، وعلاء الدين طَيْبرس، وأيتمش السَّعدي، وبكتاش أمير سلاح، وطُرَنطية، ولاجين، وسَنجر الدَّواداري لما رأوا ثَبَات السُّلطان حملوا على التَّار ◌ِدَّة حملات، ثم كان الفَتح، ونزل النَّصر وجُرح مُقَدَّم التتار منكوتَمر بن هولاكو، وجاءهم الأمير عيسى بن مُهنا عَرضًا، فَتَمَّت هزيمتهم، واشتغلوا بما دَهَمُهم من جَرح مُقَدَّمهم. وركب المسلمون أقفيتَهُم، وقتلوا منهم مقتلةً هائلةً، وساقوا وراءهم حتى بقي السُّلطان في نفرٍ قليل من الخاصكية، ونائبُه طُرنطاي قُدَّامه بالصناجق(١). وردت ميمنة التَّار التي كَسَرت مَيسرة المُسلمين، فمُّوا بالسُّلطان وهو تحت العَصَائب والكوسات تَضرب، وحوله من المُقاتلة أقل من ألف، فلما جاوزوه ساقَ وراءهم، فانهزموا لا يلوون على شيءٍ، وتَمَّ النَّصر بعد العَصر، وانهزموا عن آخرهم قبل الغروب، وافترقوا، فأخذت فِرِقة على سَلَمية والبَرِّية، وأخرى على ناحية حَلَب. وعادَ السُّلطان إلى منزلته بليلٍ، وجهَّزَ من الغدِ وراءهم الأيدُمري في طائفةٍ كبيرة. وجاءت يوم الجُمعة بطاقةٌ بالنصر، فضُربت البَشَائر، وزُينت دمشق، فلما كان (١) هكذا بخط المصنف بالصاد، وهو جائز، والمراد بها: الأعلام. ٢٢٠