Indexed OCR Text
Pages 361-380
تابوت، ودُفن في قُتَته التي على الشرف الأعلى. وفيها كان ببغداد غلاء عظيم وأُبيع الخُبْز ثلاثة أرطال بقيراط . وفيها هرب للسُّلطان نجم الدين مماليك فمسك منهم أربعون نفسًا بحلب، وأرسلوهم إلى دمشق، فشَنَقَ الأربعين على أبواب البلد. سنة ست وأربعين وست مئة فيها أمر السُّلطان أن يعمل الشلاق تحت القَلْعة ليتفرَّج، فتشالقوا فقتل سبعة أنفس، وجرح جماعة. وسَبَبُه دخول المماليك بينهم فمنعهم السُّلطان من الشلاق. وكان يترتَّبُ عليه شَرٌ كثيرٌ ومفاسد بدمشق. وفي شعبان ملكت الفِرَنج إشبيلية بعد حصارهم لها سبعة عشر شهرًا، ودخلوها صُلْحًا. وفيها مَلَّ صاحب حِمْص الملك الأشرف من محاصرة الحلبيين له، وقايَضَ بها تل باشر من أعمال حلب، وسَلَّم حِمْص لنُوَّاب الملك الناصر يوسف . وفيها وَلَدت امرأةٌ ببغداد أربعةً في بَطْن، وشاع ذلك فطلبهم الخليفة ورآهم وتعجَّب، ثم أمر لهم بست مئة دينار وثياب، وكان الأبوان من المساكين. وكان ببغداد الغرق الكبير الذي هو أكبر من غرق سنة أربع عشرة وست مئة، بحيث إن الأمراء والوزير بنفسه نزل وحمل حرزة حطب للسَّدِّ، ثم زاد الماء بعد شهرين زيادة أعظم من الأولى، وتهذَّم من السُّور عدَّة أبراج، ونَبَعَ الماء من أساس المستنصرية، ولا يُحصى ما تهدَّم من الدُّور. وبَقيَ الماء في النِّظامية ستة أذرع، وغرقت الرُّصافة. وجَرَى ما لا يُعبر عنه، وذهبت أموال لا تُحصى. وفيها خرج السُّلطان نجم الدين من مصر، وجَهَّز الجيش مع فخر الدين ابن الشيخ إلى حِمْص. وتعثر الفَلاَّحون بجرِّ آلة الحصار والمجانيق إلى حِمْص. ثم نازلوا حِمْص يحاصرون نُوَّاب الناصر صاحب حلب. ونُصبت المجانيق فجاء عسكر حلب في النَّجْدة. وكان الشيخ نجم الدين عبدالله البادرائي قد جاء رسولاً، فدخل في القضية، وردَّ العَسْكرين. ٣٦١ سنة سبع وأربعين (١) [وست مئة](٢) [فيها](٣) رجع الشُّلطان إلى مصر مريضًا في مِحَفَّة، واستعمل على نيابة دمشق الأمیر جمال الدین ابن یغمور. وفيها وَلَدت امرأة ببغداد ابنين وبنتين في جَوْف، وشاع ذلك، فطُلبوا إلى دار الخلافة، فأُحضروا، وقد مات واحد فأُحضر ميتًا فتعجَّبوا، وأُعطيت الأُمُّ من الثياب والحُلي ما يبلغ ألف دينار، وكانت فقيرةً مستورةً (٤). وفيها توجّه الناصر داود إلى حلب. وجاء كتاب السُّلطان نجم الدين إلى ابن يغمور بخَرَاب دار سامة، وقطع شَجَر بُستان القَصْر الذي للناصر داود بالقابون وخَرَاب القَصْر، ففعل ذلك(٥). وفيها مَضَى الأمجد حسن ابن الناصر من الكرك إلى مصر، وسَلَّم الكرك إلى السُّلطان، وخبث على أبيه وخانه، فأعطاه السُّلطان جُملة. وأخرج من الكرك عيال المُعظّم وأولاده وبناته وبعث إليهم بأموالٍ وتُحَفِ يُرْضيهم بها (٦). وأما سَعْد الدين، فقال في ((تاريخه)): وصل كتاب الظاهر ابن الناصر إلى السُّلطان بأن يُسلِّم الكرك ويُعطيه السُّلطان خُبزًا بمصر، ففَرحَ السُّلطان بذلك وأنفذ أُستاذ داره جمال الدين آقوش النَّجيبي ليتسلّمها، فلمَّا قدم الملك الظاهر أمر السُّلطان بتلقّيه واحترمه ودفع له أبسوك (٧) ومئتي فارس وخمسين ألف دينار وثلاث مئة قطعة قماش ثم الذَّخائر التي بالكرك، وأعطى لأخيه الأمجد إخميم (٨) ومئة وخمسين فارسًا، ثم بعث خزانة إلى الكرك مع مُجير الدين بن أبي زِکري مبلغها مئتا ألف دينار. (١) كتب المؤلف العنوان في حاشية نسخته. (٢) إضافة منا . (٣) إضافة منا. (٤) قد تقدم خبر مثله في حوادث السنة الماضية، فلعله هو. (٥) مرآة الزمان ٨/ ٧٧٣، وتاريخ ابن الجزري كما في المختار منه ٢١٦ . (٦) نفسه . (٧) لعلها هي أبسوج، اسم قرية بالصعيد على غربي النيل. (٨) بلد مشهور بصعيد مصر. ٣٦٢ وفيها هجمت الفِرَنج دِمْياط وأحاطت بها في ربيع الأول، وكان عليها فخر الدين ابن الشيخ والعساكر فخرجوا عنها وخرج أهلها منها من الجهَة الأخرى، ومَلَكتها الفِرَنج صفوًا عَفْوًا بلا قتال ولا كلفة بل مجرد خذلان نزل، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا من أغرب ما تمَّ في الوجود، حتى أن الفِرَنج اعتقدوا أن المسلمين فعلوا هذا مَكيدة ثم بانَ لهم الأمر، وابتَلَى الله العسكر بالعَدُوِّ وذهاب أموالهم، فقيل: سَبَبُ هروبهم أنهم بَطَقُوا (١) مرة بعد أخرى إلى الشُّلطان ليكشف فما جاء خبرٌ، وكان قد سقاه الطَّبيب دواءً مُخدِّرًا وأوصى بأن لا يزعج ولا يُنْبَّه فكتموه الخبر، فوقع إرجاف في دِمْياط بموته، ونزل بهم الخذلان. وكان الملك الصالح نجم الدين أيوب على المنصورة نازلاً فغضب كيف يُسيِّبها أهلها؟ وشَنَقَ من أعيان أهلها ستين رجلاً، ولما أمر بشَنْقهم قالوا: ما ذنبنا إذا كانت عساكره وأمراءه هَرَبوا وأحرقوا الزَّرْدخاناه، فأيش نعمل نحن؟ وقامت القيامة على العسكر وخرج أهل دِمْياط حُفاةً عُراةً جياعًا فقراء حيارى بالحريم والأطفال قد سَلِمَ لهم بعض ما يعيشون به فَهَبَهم المسلمون في الطريق! وأما العسكر فاستوحشوا من السُّلطان ودعوا بهلاكه. قال أبو المظفر(٢): بلغني أن مماليكه أرادوا قَتْله فقال لهم فخر الدين ابن الشيخ: اصبروا عليه فهو على شفا. فمات ليلة نصف شعبان وهو على المنصورة، وكانت أُمُّ خليل زوجته معه وهي المُدِّرة لأُموره أيام مرضه، فلم تُغيِّرِّ شيئًا، بل الدهليز بحاله والسِّماط يُمدُّ كل يوم، والأمراء يجيؤون للخِدْمة وهي تقول: السُّلطان مريض ما يصل إليه أحد، فبعثوا إلى الملك المُعظّم تُورانشاه ولده وهو بحِصْن كَيْفا الفارسَ أقطاي أكبر مماليك أبيه، فسَلَكَ على البَرِّيَّة وكاد يَهْلَك عَطَشًا، وأسرع به أقطاي فقدم دمشق في آخر رمضان، وخَلَعَ على أمراء دمشق وأحسن إليهم. (١) أي أرسلوا بطاقة. (٢) مرآة ٨/ ٧٧٣ - ٧٧٤. ١ ٣٦٣ قال أبو المظفر (١): بلغني أنه وجد في دمشق ثلاث مئة ألف دينار فأنفقها، واستَدْعَى من الكرك مالاً فأنفقه. وأمر فخر الدين ابن الشيخ الأمراء فحلفوا للمُعظّم، وأخفوا مَوْت السُّلطان. وكانت أُمُ خليل تُعَلَّم على التواقيعِ على هيئة خطُّ السُّلطان، وقيل: بل كان يُعلُّم على التواقيع خادم يشبه خطُّه خطّ السُّلطان، يقال له الشُّهيلي قال: وكان قد نسر (٢) مخرجه وامتدَّ إلى فَخِذه، وعَملَ عليه جَسَدهُ، وهو يتجلَّدُ ولا يُطلع أحدًا على حاله حتى هَلَكَ. وكان المسلمون مُرابطين بالمنصورة مدَّة أشهر، وجرت لهم مع الفِرَنج فصول طويلة ينال هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء، فمنها وقعة عُظمى يوم مُستهلِّ رمضان استُشْهد فيها جماعةٌ من كبار المسلمين. ونزلت الفِرَنج بقرب المنصورة. وكانت وَقْعة المنصورة الوَقْعة التي اشتُهرَت في ذي القَعْدة على المنصورة، وذلك أن الفِرَنج ساقوا ووصلوا إلى دهليز السُّلطان، فخرج مُقَدَّم العساكر فخر الدين ابن الشيخ فقاتل فقُتل، فانهزم المسلمون، ثم تناخوا وكَرُّوا على الفِرَنج فقَتَلوا منهم مَقْتلةً عظيمةً، وكان الفَتحُ. ووصل المُعظّم إلى مصر بعد أن أقام بدمشق سبعة وعشرين يومًا، فدخل الدِّيار المصرية في ذي الحجة بعد الوَقْعة، وكان في عَزْمه الفَتْك بابن الشيخ لأنه بلغه أنه يريد المُلْك والناس يريدونه فقُتلَ . وقال ابن الساعي: في أول السنة أخذت الفِرَنج دِمْياط نزلوا عليها، فأرسل الصالح نجم الدين عسكرًا نَجْدةً لمن بها، وكان مريضًا، فكسروا الفِرَنج. ثم ظهرت الفِرَنج عليهم فانتخى أميران، وهما ابن شيخ الإسلام والجولاني، فحَمَلا عليهم، فاستُشْهد ابن شيخ الإسلام وسَلمَ الجولاني، وغُلِّقت أبواب دِمْياط، وأرسلوا بطاقةً. وكان السُّلطان قد سُقيَ دواءً مُخدِّرًا، وأمرهم الطَّبيب أن لا يُنبِّهوه، فوقعت البطاقة فكَتَمَها الخادم، ثم وقعت أُخرى (١) مرآة ٧٧٤/٨ - ٧٧٥ .. (٢) في المطبوع من المرآة: ((فسد)) وليس بشيء وهو تصحيف. ونسر مخرجه: أصابه مرض الناسور. ٣٦٤ فلم يُرَدَّ عليهم جواب، والسلطان لا يعلم بشيء. فقيل في دِمْياط: إن السُّلطان مات، فضَعُفت التُّفوس وعَزَمَ أهل دِمْياط على الهَرَب، فأحرقوا بابًا وخرجوا . فأخذ العسكر في رَدِّهم فلم يلتفتوا، فعاد العسكر ونَهَبوا البلد، فخرج أهل البلد عن آخرهم وهَلَكَ خَلْقٌ في زحمة الأبواب، وأخلَوا البلد، فأخذه الفِرَنج بلا كلْفة. فلمَّا عَلِمَ السُّلطان غضب وهَمَّ بقَتْل ذلك العسكر الذين نَهَبوا دِمْياط ثم صَلَبَ منهم نَيِّفًا وثمانين أميرًا وغيرهم ترك. وأمر أن لا تضرب النوبة إلا للجولاني وحده. قال: وفيها قُتل شيحة أمير المدينة، وكان قد خرج عن المدينة في نَفَرِ يسيرٍ، فوقع عليه قوم من العرب بينه وبينهم دَمٌ، فحاربوه فقُتل وسَلبوه. وكان مَوْصوفًا بالخير والتَّواضع. ووَلَيَ مكانه وَلَده الأكبر عيسى. قال: وفي نصف ذي الحجة سَعَى علي الإربلي السَّاعي من دَقوقا إلى بغداد(١)، فوَصَلَ بُعيد العَصْر فأنعم عليه الأمير مبارك بما قيمتُهُ عشرة آلاف دینار. وفيها جاء سَيْلٌ عظيمٌ على السَّلَّمية من عَمَل المَوْصل فأهْلَك خَلْقًا، وأتلف الزُّروع، وهَدَمَ الأسواق، وغَرَّقَ كثيرًا من المَوَاشي، وغرقت السَّلَّمية كلُّها، وكان بها أكثر من ثلاثة آلاف نفس. وجاءت الزيادة على جزيرة ابن عُمر حتى كادت تدخل من شراريف سور البلد، وكان أمرًا مهولاً(٢). وفيها كُتبت فُتيا ببغداد: هل الإيمان يزيد وينقص؟ فامتنع الفقهاء من الجواب خَوْفًا من الفِتْنة، وكتب فيها الكمال علي بن وَضَّاح والمُحدِّث عبدالعزيز القُحَيطي، وبالَغَا في ذَمِّ من يقول لا يزيد ولا ينقص. فأخذ الفُتيا بعض الحنفية وعَرَضَها على الدِّيوان العزيز، وقال: قد تُعُرِّض لسَبِّ أبي حنيفة، فأمر بإخراج ابن وَضَّاحِ من المُستنصرية، وبنفي القُحَيْطي(٣). وفيها وَصَلَ إلى بغداد أبو منصور الأصبهاني، رجلٌ كَهْلٌ صغيرُ الخِلْقة جدًا، طوله ثلاثة أشبار وثلاثة أصابع، ولحيتُهُ طولها أكثر من شِبْر، فحُملَ إلى (١) تبلغ المسافة قرابة ١٨٠ كيلو مترًا. (٢) انظر المختار من تاريخ ابن الجزري ٢١٨ . (٣) ذكر ابن الجزري أن القحيطي نفي إلى عانة (المختار من تاريخه ٢١٨) بلدة في أعالي الفرات من العراق. ٣٦٥ دار الخلافة، فأُنعمَ عليه، ودار على الأكابر(١). وفيها قتلت التَّار بخانقين خَلْقًا عظيمًا من الُّزَّالِ ونَهَبوا أغنامَهُم وأبقارَهُم، ثم نهبوا ناحية البَتِّ(٢) والرَّاذان(٣)، وأخربوا تلك النَّواحي. فخرج من بغداد عسكر لذلك، وأُمر الناس في جمادى الآخرة بالمَبِيت في أسواق بغداد وفي دروبها وبالوقید. وفيها سار عسكر حلب فالتقوا بالمَوَاصلة بَنَصِيبين، فانهزمت المَوَاصلة، واستولى الحلبيون على خيامهم، وتسلَّموا نَصِيبين ودارا وقرقيسيا. سنة ثمان وأربعين وست مئة استهلت والفِرَنج على المنصورة والجيش المصري بإزائهم، وقد ضَعُفَ حال الفِرَنج لانقطاع الميرة عنهم ووَقَعَ في خيلهم مَرَضٌ ومَوْت، وعزم مَلِكُهم الفرنسيس (٤) على أن يركبَ في أول الليل ويسيرَ إلى دِمْياط، فعَلم المسلمون بذلك. وكان الفِرَنج قد عَمِلوا جَسْرًا عظيمًا من الصنوبر على النِّيل، فسَهَوا عن قَطْعه، فعَبَرَ منه المسلمون في الليل إلى بَرِّهم، وخيامهم على حالها وثقلهم. فبدؤوا في المسير، وأحدق المسلمون بهم يتخطَّفونهم طول الليل قَتْلاً وأسْرًا، فالتجؤوا إلى قرية تسمى مُنْية أبي عبدالله وتَحصَّنوا بها، ودار المسلمون حولها، وظَفَرَ أُصطول المسلمين بأُصطولهم، فغَنِمَوا جميع المراكب بمن فيها. واجتمع إلى الفرنسيس خمس مئة فارس من أبطال الفِرَنج وفَعَدَ في حوش المُنْية وطلب الطُّواشي رشيد والأمير سيف الدين القيمري، فحضروا إليه، فطلب منهم الأمان على نفسه وعلى من معه وأن لا يدخلوا بين السُّوقة والرعاع فأجاباه وآمناه، وهَرَبَ باقي الفِرَنج على حمية، وأحدق المسلمون بهم، وبقوا حملةً وحملة حتى أُبيدت الفِرَنج ولم يبقَ منهم سوى فارسین رَفَسوا بخيولهم في البحر فغرقوا، وغَنمَ المسلمون منهم ما لا يُوصف، واستغنى خَلْقٌ، وأُنزل الفرنسيس في حَرَّاقة وأحدقت به مراكب المسلمين تُضْربُ فيها (١) تاريخ ابن الجزري، كما في المختار منه ٢١٨. (٢) قرية كالمدينة من أعمال بغداد. (٣) من قرى بغداد قريبة من البت. (٤) هو الملك لويس التاسع . ٣٦٦ الكُوسات والطُبول. وفي البَرِّ الشرقي أطلاب العسكر سائرة منصورة، والبَرُّ الغربي فيه العُرْبان والعَوَامُّ في لَهْو وسرور بهذا الفتح العظيم، والأسرى تُقاد في الحِبال(١) . فذكر سَعْد الدين في ((تاريخه)): أن الفرنسيس لو أراد أن ينجو بنفسه خلص على خيل سبق أو في حَرَّاقة، لكنه أقام في الساقة يَخْمي أصحابه. وكان في الأسرى ملوك وكنود(٢)، وأُحصي عدة الأسرى فكانوا نَيِّفًا وعشرين ألف آدمي، والذي غرق وقُتل سبعة آلاف نفس، فرأيتُ القَتْلى وقد ستروا وجه الأرض من كثرتهم. وكان الفارس العظيم يأتيه وشاقيٌّ يسوقه وراءه كأذلِّ ما يكون. وكان يومًا لم يشاهد المسلمون ولا سمعوا بمثله، ولم يُقتل في ذلك اليوم من المسلمين مئة نفس. ونَقَّذ الملك المُعظّم للفرنسيس وللملوك والكنود خِلَعًا، وكانوا نَيِّقًا وخمسين، فلَبسَ الكل سواه وقال: أنا بلادي بقدر بلاد صاحب مصر، كيف ألْبس خِلْعته؟ وعَملَ من الغد دَعْوةً عظيمةً فامتنع المَلْعون أيضًا من حضورها وقال: أنا ما آكل طعامًا وما يحضرني إلا ليهزأ بي عسكره، ولا سبيل إلى هذا. وكان عنده عَقْل وثَبَات ودين، فهم كانوا يعتقدون فيه(٣)، وكان حسنَ الخِلْقة. وانتقى المُعظّم الأسرى، فأخذ أصحاب الصَّنائع ثم أمر بضَرْب أعناق الجميع. وقال غيره: ثم حَبَسُوا الإفرنسيس بالمنصورة بدار الطَّواشي صبيح مُكرمًا غاية الكرامة. وفي ذلك يقول الصاحب جمال الدين ابن مطروح(٤): قل للفرنسيس إذا جئتَهُ مقالَ صِدْق(٥) من قؤول فصيح أتيتَ مصرًا تَبْتغي مُلْكها تحسبُ أن الزَّمْر بالطَبْل ريح فساقك الحَيْن إلى أدهم ضاقَ به عن ناظريك الفَسيح بحُسنِ تَدْبيرك بَطْن الضَّريح وكلُّ أصحابك أودعتَهم تسعين ألفًا لا ترى منهم إلا قتيلاً أو أسيرًا جَرِيح (١) مرآة الزمان ٧٧٨/٨ - ٧٧٩، وتاريخ ابن الجزري، كما فى المختار منه ٢٢٠ -٢٢١ . (٢) جمع گند، وهو الكونت. (٣) يسمونه القديس لويس. (٤) الأبيات في تاريخ ابن الجزري، كما في المختار منه ٢٢١ -٢٢٢. (٥) في المختار من تاريخ ابن الجزري: مقال حق. ٣٦٧ وقُل لهم إن أضمروا عَوْدة لأخْذ ثَأرِ أو لعَقْد صحيح دار ابن لُقْمان على حالها والقَيْدِ باقٍ والطَّواشي صبيح وكان هذا النَّصر العزيز في أول يوم من السنة، وبَفيَ الفرنسيس في الاعتقال إلى أن قُتل السُّلطان الملكِ المُعظّم ابن الصالح، فدخل حسام الدين ابن أبي علي في قضيته على أن يُسلِّم إلى المسلمين دِمْياط ويحمل خمس مئة ألف دينار، فأركبوه بَغْلةً وساقت معه الجيوش إلى دِمْياط، فما وصلوا إلا والمسلمون على أعلاها بالتَّهْليل والتَّكْبير، والفِرَنج الذين بها قد هربوا إلى المراكب وأخلوها، فخاف الفرنسيس واصفرَّ لَوْنه، فقال الأمير حسام الدين : هذه دِمْياط قد حصلت لنا، وهذا الرجل في أسرنا وهو عظيم النّصرانية وقد اطّلع على عَوْراتنا، والمَصْلحة أن لا نُطْلقه. وكان قد تَسَلطن الملك المُعزّ أيبك الصالحي، فقال: ما أرى الغَدْر، وأمر به فرُكِّب في البحر الرُّومي في شيني(١). وذكر حسام الدين: أنه سأله عن عدَّة العَسْكر الذين قدم بهم، فقال: كان معي تسعة آلاف وخمس مئة فارس ومئة ألف وثلاثون ألف طَقْشي، سوى الغِلْمان والسُّوقية والبَخَّارة. وقال سَعد الدين في ((تاريخه)»: اتفقوا على أن يسلم الإفرنسيس دِمْياط وأن يُعطي هو والكنود ثمان مئة ألف دينار عِوَضًا عما كان بدِمْياط من الحواصل، ويطلقوا أسرى المسلمين، فحَلَفوا على هذا، وركبَ العسكر ثاني صفر وسقنا وقفنا حول دِمْياط إلى قريبِ الظُّهر، ودخل الناس إليها ونهبوا وقتلوا من بَقيَ من الفِرَنج، فضربتهم الأمراء وأخرجوهم، وقَوَّموا الحواصل التي بقيت بها بأربع مئة ألف دينار، وأخذوا من المَلِك الإفرنسيس أربع مئة ألف دينار وأطلقوه العَصْر هو وجماعته، فانحدروا في شيني إلى البُطسِ، وأنفذ رسولاً إلى الأمراء يقول: ما رأيتُ أقلَّ عَقْلاً ولا دينًا منكم؛ أما قِلَّة الدين فقتلتُم سُلطانكم، وأما قِلَّة العَقْل فكون مثلي مَلك البحر وَقَعَ في أيديكم بعتموه بأربع مئة ألف دينار، ولو طلبتُم مَمْلكتي دفعتُها لكم حتى أخْلُص. وجاء إلى دمشق كتاب الملك المُعظّم، وفيه: ولما كان يوم أول السنة (١) الشيني: نوع من السفن، وكان في الأغلب يجذف بمئة وأربعين مجذافًا، وفيه المقاتلة والجذافون، ويسع لمئة وخمسين من المقاتلة ويسمى أيضًا: الغراب. والجمع شواني (انظر معجم المراكب والسفن: ٣٤٦). ٣٦٨ فتحنا الخزائن، وبذلنا الأموال، وفَرَّقنا السِّلاح، وجمعنا العُرْبان والمُطَّوِّعة، واجتمع خلائق. فلما رأى العدو ذلك طلب الصُّلْح على ما كان أيام الكامل، فأبينا. فلمَّا كان الليل تركوا خيامهم وأثقالهم وقَصَدوا دِمْياط هاربين، وطلبنا، وما زال السَّيْف يعمل في أقفيتهم عامةَ الليل وإلى النَّهار فقتلنا منهم ثلاثين ألفًا غير من ألْقَى نفسه في اللَّجَج، وأما الأسرى فحدِّث عن البحر ولا حَرَج. وطلب الفرنسيس الأمان فأمَّنَّه وأخذناه وأكرمناه وتسلّمنا دِمياط. وأرسل المُعظّم إلى نائب دمشق ابن يغمور بغِفَارة الإفرنسيس فلَبِسَها، وهي سقراط أحمر بفَرْو سنجاب، فكتب إلى السُّلطان بيتين لابن إسرائيل: أسيِّدَ أملاك الزَّمان بأسرهم تنجَّزتَ من نَصْر الله وُعُودَه فلا زال مَولانا يُبيح حِمَى العِدَى ويُلْبسُ أسلابَ الملوك عَبِيده وفيها وصل الملك السعيد ابن الملك العزيز صاحب بانياس والصُّبيبة من مصر وحبس بعزتا . وفي الثامن والعشرين من المحرَّم قتلوا السُّلطان الملك المُعظّم (١)، وسَلْطنوا عليهم عز الدين أيبك التركماني، ورجعوا إلى القاهرة وكاتَبُوا أمراء الشام . قال سَعْد الدين: جاء التُّرْك إلى دهليز السُّلطان وحَلَفُوا لِشَجَرِ الدُّرِّ ولنائبها الأمير عز الدين التُّرِكماني. وفي صفر سرعت السِّتُّ شَجَر الدُّرِّ في الخلع للأمراء، وأعطتهم الذَّهب والخيل، وأطلقوا خمس مئة أسير من الفِرَنج فيهم مئة فارس. وفي أول ربيع الأول دفعوا خُبز فخر الدين ابن الشيخ وزيادة ثلاثة وضياع للفارس أقطاي الجمدار، وجَرَّدوا عشرة أمراء إلى غَزَّة مُقدَّمهم خاص ترك الكبير، ونَفَوا أولاد الناصر داود. وفي ربيع الآخر خرج عسكر مصر جميعه لأجل حركة الحلبييين. قلتُ: فسار الملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب حلب بمن معه من الملوك والعساكر لأخذ البلاد والانتقام ممن قَتَلَ السُّلطان. (١) كتب المصنف بعد هذا خمسة عشر سطرًا ثم ضرب عليها مطالبًا بحذفها فكتب في أولها ((لا)) وفي آخرها ((إلى)) وهي منقولة من أبي شامة، فحذفناها. تاريخ الإسلام ١٤ / م ٢٤ ٣٦٩ وقال غيره(١): فلمَّا قَرُب الناصر من دمشق أرسل النائب جمال الدين ابن يغمور والقيمرية إلى عزتا، فأخرجوا ابن الملك العزيز إلى دمشق واحترموه وأسكنوه دار فَرُخشاه. ونزل الملك الناصر بالقصير، ثم انتقل إلى داريًّا، وزحفوا على دمشق في ثامن ربيع الآخر عند باب الصَّغير وكان مُسلَّمًا إلى ضياء الدين القيمري، ومن عند باب الجابية وكان مُسلَّمًا إلى ناصر الدين القيمري. فلَّما وصلوا إلى البابين كسرت لهم الأقفال من داخل وفُتحت لهم الأبواب، فدخلوا، ونُهبت دار جمال الدين ابن یغمور وسیف الدین المشد ودور عسكر دمشق، وأُخذت خيولهم وأمتعتهم. ودخل ابن يغمور القَلْعة ثم نُودي بالأمان، ودخل الملك الناصر يوسف القَلْعة. وكان الملك الناصر داود ابن المُعظّم نازلاً بالعُقَيبة، فجاءهُ ابن الملك العزيز الذي كان محبوسًا بعزتا فبات عنده، ثم قام بليل فساق إلى الصُّبيبة وكان بها خادم له قد كاتَبَهُ، فَفَتحَ له الخادم بابها فدخل وتَسلَّمها. وأما الملك الناصر فتسلَّم بعلبك وصَرْخَد. ثم تمرَّض السُّلطان الناصر وخرج إلى المِزَّة، فبعث ناصر الدين القيمري ونظام الدين ابن المَوْلى الحلبي إلى الناصر داود وكان نازلاً بالقابون، فحضر معهما إلى السُّلطان فقبض عليه، ثم بعث به إلى قَلْعة حِمْص فاعتقله بها، وأنزل حُرَمَه وأولادَه بالخانقاه الشِّبْلية عند ثورا. قال سَعْد الدين: في ربيع الآخر أراد جماعة من البحرية الفَتْك بعز الدين التركماني، فمَسَكَ منهم قومًا، وحلَّف الأمراء مرةً أُخرى. وفي هذه الشهرين كل يوم يتزوج اثنين ثلاثةَ من البحرية والمماليك تُزوِّجهم السِّتُّ بجواري القَلْعة، وأخرجت معهم نِعَمًا عظيمةً. ثم مَسَّكوا أمراء الأكراد؛ سيف الدين القيمري، وجمال الدين هارون، والشرف الشيزري، والعز القيمري، وعلاء الدين ابن الشهاب، والحسام ابن القبيسي، وقطب الدين قرابة صاحب آمد، وقطب الدين صاحب السُّوَيْداء، وناصر الدين التبنيني، وشرف الدين ابن المُعتمد الذي كان والي قَلْعة دمشق، وشمس الدين ابن بكا الذي كان واليَ دمشق، والشجاع الحاجب. ثم في الثامن والعشرين منه تَسَلْطن عِزُّ الدين أيبك وركب بأُبّهة الملك، ثم في ثاني جُمادى الأولى استقال منها، وحَلَفَ العسكر (١) انظر مرآة الزمان ٧٧٩/٨ - ٧٨٠. ٣٧٠ للملك الأشرف ابن صلاح الدين بن المسعود أقسيس ابن الكامل وله ثمان سنين، وبَقيَ عِزُّ الدين أتابكهُ، وقطعوا خُبزي. وفيه أمَّرُوا البندقدار وأخرجوا جماعةَ أُمراء من حَبْس الصالح، وهم بدر الدين يونس، وعَلَم الدين شمائل، ولؤلؤ الباسلي، وناصر الدين ابن برطاس، وآخرين. وهرب خاص ترك الكبير، والشهاب رشيد الكبير، وشهاب الدين ابن الغِرز، وجماعة أمراء وراحوا إلى الكرك. وجاء الخَبَرُ أن الملك المُغيث ابن العادل ابن الكامل استولى على الكرك، فبعد أيام قَبَضَ المُغيث على رشيد الكبير، وعلى ابن الغِرز، لمُكاتَبَتهم الحلبيين ومسك المُعزّ عدَّة أمراء فأسرف. قلتُ: ثم سار السُّلطان الملك الناصر يريد الديار المصرية بإشارة نائبه شمس الدين لؤلؤ وإلحاحه عليه، وكان يَسْتهزىء بعسكر مصر ويقول: آخذها بمئتي فارس. وكانت تأتيه كُتُبٌّ من مصر، فساروا وتقدَّم جمال الدين ابن يغمور، وسيف الدين المشد بجَمْهرة الجيش، وانفرد لؤلؤ وضياء الدين القيمري وبرز الصالحيون فكان المُلْتقى في ذي القَعْدة عند الصالحية في آخر الرَّمل، فانكسرت الصالحية، ونُهبت أثقالهم، وانهزم طائفة منهم إلى الصَّعيد. وخُطبَ في ذلك اليوم بالقاهرة وبقَلْعة مصر للملك الناصر، وبات جمال الدين ابن يغمور تلك الليلة بالعباسية وأحمى الحَمَّام للسُّلطان، وهَيَّأ الإقامات. هذا والسُّلطان ما عنده خبر من نصرته وهو واقف بسناجقه وخزائنه وخواصه. وأما الصالحية فلمّا رأوا الكسرة ساق منهم عز الدين أيبك التُّركماني - الذي تَسَلْطن - والفارس أقطايا (١) في ثلاث مئة فارس هاربين طالبين الشام، فمُّوا في طريقهم بالشمس لؤلؤ والضياء القيمري، فالتقوا على غير تَعْبئة، فحَمَلَ عليهم لؤلؤ وحَمَلُوا عليه، فظفروا به وأسَروه، وقتلوا ضياء الدين، ثم قتلوا لؤلؤًا صَبْرًا بين يدي التُركماني، لأنهم بلغهم استخفافُهُ بهم وقوله: أنا آخذ مصر بمئتي قناع. ثم ساقوا فاعترضوا طَلَب السُّلطان، فخامر جماعةٌ من الأمراء العزيزية عليه وانحازوا إلى التُّركماني وجَسَّروه على السُّلطان، وعَطَفوا به على الطُّلْب، وكسروا سناجق السُّلطان، ونهبوا الخزائن، ورموا بالتُّشَّاب، (١) ويكتب ((آقطاي)) أيضًا. ٣٧١ فأخذَ نَوْفل البَدَوي السُّلطان والخاصكية ومَضَى بهم سَوْقًا إلى دمشق، وكان معه الملك المُعظّم تُورانشاه وَلَد السُّلطان صلاح الدين فأسروه مَجْروحًا، وجَرَحوا ولده تاج الملوك بن تُورانشاه، وأسروا أخاه النصرة ابن صلاح الدين، والملك الأشرف موسى بن صاحب حِمْص، والملك الصالح إسماعيل ابن العادل، والملك الزاهر ابن صاحب حِمْص والشريف المرتضى. فمات تاج الملوك من جراحه، فحُمل ودُفن بالقُدْس. وجُرحَ حسام الدين القيمري، فحُمل إلى القُدْس، فمات به. وجاءت الشريف المرتضى هذا ضَرْبةُ سَيف في وَجْهِه فقال: بقيتُ مُلْقى في الرَّمْل يومًا وليلة والدِّماء تخرج، فمَنَّ اللّه عليَّ بالملك الصالح ابن صاحب حِمْص فخيَّط وَجْهي بمسلة، وحَمَلَني وعاينتُ الموت. وتمزَّق طائفةٌ كبيرةٌ من الجيش الشامي، ومشوا في الرِّمال وتَعَثَّروا، ودخلت الصالحية بالأُسارى والسناجق مُنكَّسة مُكسَّرة، والخيول والطُّبول مُشقَّقة، فلمَّا عَبَروا على تربة السُّلطان الملك الصالح نجم الدين أحاطوا بالصالح إسماعيل وصاحوا: يا خوند أين عينكَ ترى عدوك؟ ثم رموا الأسارى في الجُبِّ. وجمعوا بين الصالح وبين أولاده أيامًا، ثم أفردوه وأعدموه سِرًّا، ولم يُدْرَ أین دُفن. ذكر سَعْد الدين أنه قُتل في هذه الوَقْعة مع شمسِ الدين لؤلؤ حسامُ الدين المذكور، وناصرُ الدين ابن الأمير سَيف الدين القيمري، والأميرُ ضياء الدين القيمري، والأميرُ سَعد الدين الحميدي، رحمهم الله . وقال ابن الساعي: لمَّا قُتل المُعظّم ثارت أسْرَى الفِرَنج وفَكُوا قُيُودهم وقَتلوا خَلْقًا، فأحاط بهم العَسْكر وقتلوا منهم زيادة على ثلاثة عشر ألفًا. وكان أمين الدَّولة السامري مَحْبوسًا في قَلْعة مصر هو وابن يغمور ناصر الدين وسيف الدين القيمري ومُقدَّم الخوارزمية صِهْر الملك الناصر يوسف، فخرجوا من الحَبْس لمَّا خُطب ذلك اليوم للناصر، وصاحوا: الملك الناصر يا منصور. فجاء التُّرْك ودخلوا القَلْعة وشَنَقوهم سوى ابن يغمور، فإنه لم يوافقهم بل جاء وقَعَدَ على باب دار حريم التُّرْكماني وحَمَاها. وكان الملك الناصر يوسف بعث الصاحب كمال الدين ابن العَدِيم رسولاً إلى بغداد إلى الخليفة ليجيئه بتَقْليد السَّلْطنة، فدخلها في شعبان. ٣٧٢ وفي وسط السنة أخلى الملك المُعِزُّ قَلْعة الجزيرة التي قبالة مصر وقطعوا جَسْرها الذي على النِّيل، وتَرَكَ بها نحو مئة نفس يحفظون أبراجها، وكان الملك الصالح قد أنشأها في أيامه وغرم عليها أموالاً عظيمةً لا تُحصى، وكان مكانها دورٌ ومساجدُ ونَخْلٌ وبُستانٌ، فخرَّب المساجدَ والدُّورَ، وكَثُرَ الدُّعاء عليه لذلك، ثم بعثوا حَجَّارين لخراب سور دِمْياط باتفاق من أمراء التُّرْكِ، ثم أحضروا بعد أيام أبوابها إلى مصر. وقَبَضَ المُعِزُّ في هذه الأيام على خَلْقٍ من الأمراء والمفاردة. وفيها كَثُرَت الحرامية ببغداد وصار لهم مقَدَّمٌ يقال له غيث وتجرّؤوا على دور الأمراء. وفيها ثارت طائفةٌ من الجند ببغداد، ومنعوا يوم الجُمُعة الخطيبَ من الخطبة، واستغاثوا لأجل قَطْع أرزاقهم وفاقتهم، وكل ذلك من عَمَل الوزير ابن العَلْقمي الرافضي، وكان حريصًا على زوال دَوْلة بني العباس ونَقْلِهِا إلى العَلَويين، والرُّسُل في السِّرِّ بينه وبين التَّتَرَ، والمُسْتعصم بالله تائهٌ في لَذَّاته لا يطَّلع على الأمور، ولا له غَرَضٌ في المَصْلحة. وفيها حجَّ طائفةٌ من العراق، ولم يحجّ أحدٌ من الشام ولا مصر لاضطراب الأمور، فأغْلق صاحبُ مكة أبو سَعْد أبوابَ مَكَّة، وأخذ على الرأس دينارًا، ورَّبَ إمامًا للزَّيْدية في الحَرَم عنادًا وتقرُّبًا إلى العَلَوي الخارج باليمن. ومن زمان المُستنصر بالله إلى الآن لم يخرج من بغداد رَكْبٌ، إنما يتجمَّع ناسٌ ويحُجُّون مع عَرَب البصرة يخفرونهم، وذلك لضَعْف الخلافة وخُبْث الوزير، قاتله الله . وفيها فرغوا من حروب دِمْياط، وتفرَّق أهلها، ونَقَلوا أخشاب بيوتهم وأبوابها، وتركوها خاويةً على عروشها، ثم بُنيت بُلَيدة قريبًا منها تُسمَّى المنشية. وكان سُور دِمْياط من عمارة المُتوكِّل على الله . سنة تسع وأربعين [وست مئة] فيها وصل الملك الناصر دمشق فإنه أقام على غَزَّة حتى تَرَاجَع أكثر عسكره(١). وفيها جاء عسكر مصر فنزلوا على غَزَّة والساحل ونابُلُس، وحَكَموا على بلاد فلسطين، فجهّز الملك الناصر جيشًا وجاءته النَّجْدة، فسار عسكره إلى (١) مرآة الزمان ٧٨٥/٨، وتاريخ ابن الجزري، كما في المختار منه ٢٣٠ . ٣٧٣ غَزَّة، وتَقَهْقَر المصريون إلى بلادهم، وأقام عسكر الشام على غَزَّة سنتين وأشهرًا، وتردَّدتِ الرُّسُل بين الملك المُعِزِّ أيبك وبين الملك الناصر يوسف. وفيها تملَّكَ المَلِك المُغيث ابن الملك العادل ابن الكامل الكرك والشُّوبك، أعطاه إياها الطَّواشي صواب مُتولِّيها(١). وفيها قصد الفارس أقطايا غَزَّة في ألف فارس. وفيها تزوَّج الملك المُعِزُّ بشَجَر الدُّرِّ حَظِيَّة الملك الصالح أُستاذه، على صَدَاق مَبْلغه ثلاثون ألف دينار (٢) . وفيها حاصر لؤلؤ صاحب المَوْصل لزوج بنته الملك المسعود ابن المعظم الأتابكي صاحب الجزيرة، وأخذها منه، وأنزله من القَلْعة، وقيّده، ثم غرَّقه، وسَلْطن بالجزيرة وَلَده وأزال عن أهلها كثيرًا من المكوس(٣). وكان المصريون في هذا العام في جَوْر عظيم ومُصادَرَة لكل أحد حتى آحاد الناس، وأخذوا مالَ الأوقاف ومالَ الأيتام على نِيَّةِ القَرْض، ومن أرباب الصَّنائع، ومن الأطباء، ومن الشُّهود. سنة خمسين وست مئة فيها وصلت التّار إلى أطراف ديار بكر، ومَيَّافارِقين، وسَرُوج، فعاثوا وقتلوا أكثر من عشرة آلاف، وأخذوا قفلاً كبيرًا قد قدم من الشام يكون ست مئة جَمَل، وقُتل مُقدَّمهم كشلوخان في هذه السنة (٤). وفيها حجَّ الرَّكب العراقي بعد انقطاعه عشر(٥) سنين. وفيها توجّه نجم الدين الباذرائي رسول الخليفة من دمشق إلى الملك المُعزِّ أيبك، فأصلح بين الناصر والمُعزِّ، وكان كل واحد من الطائفتين قد سَئمَ وضرس من الحَرْب، وقرر أن تكون غَزَّة والقُدْس للمُعزِّ، ونابُلُس وما يليها للناصر. وكان معه نِظَام الدين ابن المَوْلى، فرجع بالصُّلْح في أول سنة إحدى وخمسين، وسكنت الفِتْنة، ولله الحمد على كل حال(٦). (١) مرآة ٨/ ٧٨٥. (٢) نفسه. تاريخ ابن الجزري، كما في المختار منه ٢٣٠ . (٣) (٤) مرآة الزمان ٨ / ٧٨٧ . (٥) في المطبوع من المرآة: ((عشرين سنة)) خطأ. (٦) تاريخ ابن الجزري، كما في المختار منه ٢٣٢ . ٣٧٤ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمِ الرَّحـ (الوفيات) سنة إحدى وأربعين وست مئة ذکر من تُوفي فيها ١- أحمد بن سعيد بن يعقوب بن إبراهيم ابن البنّاء البغداديُّ الأزجئُ(١). شيخٌ صالحٌ. سمع أبا الحُسين عبدالحق، وأبا العلاء بن عقيل، ونَصْر الله القَزَّاز. وطلب بنفسه، وكتب الأجزاء. وكان يعبر الرُّؤيا. تُوفي في التاسع والعشرين من رمضان. وإجازته مَوْجودة للفخر إسماعيل ابن عساكر، وفاطمة بنت جَوْهر، والقاضي تقي الدين، وابن سَعْد، وعيسى المُطَعِّم، وأحمد ابن الشِّخنة، وجماعة . روى عنه ابن النَّجَّار، وقال: هو صالحٌ صَدُوقٌ، حافظٌ لكتاب الله. له معرفةٌ بالعِلْم والتَّعْبير. ٢- أحمد بن عبدالرحمن بن أبي القاسم، شمس الدين أبو العباس التُّونُسيُّ الشافعيُّ. سمع الخُشُوعي، والبهاء ابن عساكر. روى عنه ابن الحُلوانية، والفخر ابن عساكر، والخطيب شرف الدين الفَزاري. وبالحُضور العماد محمد ابن البالِسي. تُوفي في شعبان . ٣- أحمد بن محمد بن مُفْلح المَقْدسيُّ. (١) ذكر الحسيني في ((صلة التكملة)) (الورقة ٨) أنه يكنى بأبي عبد الله وبأبي العباس. ٣٧٥ تُوفي بسَفْح قاسیون کَهْلاً. وله روايةٌ نازلةٌ . ٤- أحمد بن أبي الفتح محمد بن أحمد بن بختيار بن علي، أبو العباس المَنْدائِيُّ الواسطيُّ. وُلد سنة خمس وخمسين وخمس مئة. وسمع بواسط من الحسن بن علي السَّوادي، وأبي طالب محمد بن علي الكَتَّاني، وغيرِهما. روى عنه عز الدين أحمد الفاروثي، وغيرُه. وتُوفي بطريق الحجِّ بوادي الصَّفْراء(١). وروی عنه مجد الدين ابن العَدِیم(٢). ٥- إبراهيم بن جابر، أبو إسحاق المخزوميُّ المَرَّاكُشيُّ الواعظ، المعروف بالقَفَّالِ. قال الأبار(٣): كان عالمًا عاملاً، أقام بإشبيلية مُدَّة، ثم بمَرَّاكُش فوَعَظَ بها إلى أن مات. وعاش إحدى وثمانين (٤) سنة. ٦- إبراهيم بن شُكْرِ(٥) بن إبراهيم بن علي، وَجيه الدين أبو إسحاق السَّخَاويُّ، أخو الشَّيخ عَلَم الدين لأُمِّه. حدَّث عن أبي القاسم البُوصيري بدمشق. روى عنه الشيخ تاج الدين، وأخوه الخطيب شرف الدين أحمد، وأبو علي ابن الخَلَّل، والفخر ابن عساكر، ومحمد بن يوسف الذّهبي، ومحمد ابن خطيب بيت الآبار، وجماعةٌ. تُوفي في سابع عشر ذي القَعْدة، وله سبعون سنة. وكان فقيهًا عالمًا . ٧- إبراهيم بن محمد بن الأزهر بن أحمد بن محمد، الحافظ تقي الدين أبو إسحاق الصَّريفينيُّ(٦) العراقيُّ الحنبليُّ. (١) ذكر الحسيني في ((صلة التكملة)) (الورقة ١٠) أنه توفي في التاسع والعشرين من ذي الحجة . (٢) سيعيد المؤلف ترجمته في وفيات سنة ٦٤٢ (الترجمة ٧٢) نقلاً من تاريخ ابن البزوري الذي ذيَّل به على ((المنتظم)) لابن الجوزي. (٣) التكملة ١٥٠/١. (٤) الذي في تكملة ابن الأبار أنه توفي وهو ابن ثمانين سنة، وقال: حدثني بذلك ابنه وغيره . (٥) قيده المنذري في التكملة (٣/ الترجمة ٣١٣٨)، وانظر صلة الحسيني، الورقة ٩ - ١٠. (٦) ذكر الحسيني أنه منسوب إلى صريفين بغداد (صلة، الورقة ٣). ٣٧٦ وُلد بصَريفين سنة إحدى وثمانين وخمس مئة، وكان أحدَ أوعية العِلْم، رَحَلَ في الحديث إلى الشام والجزيرة وخراسان وأصبهان، وصَحِبَ الحافظ عبدالقادر مُدَّة وتخرَّج به. وسمع من المُؤْيَّد الطُّوسي، وزينب الشَّعْرية، وأبي رَوْح الهَرَوي، وعلي بن منصور الثقفي الأصبهاني، وعُمر بن طَبَرْزد، وحنبل ابن عبد الله سمع منهما بإربل، وأبي (١) اليُمْن الكِنْدي، وأبي القاسم الأنصاري الحاكم، وأبي محمد ابن الأخضر، وخَلْقٍ (٢) من هذه الطَّقة. روى عنه الحافظ الضِّياء - وهو أكبر منه -، والمجد ابن العَدِيم، والمجد ابن الحُلوانية، والتاج عبدالرحمن؛ وأخوه الشرف الخطيب، والزين الفارقي، والبدر ابن الخَلَّل، والفخر ابن عساكر، وآخرون. قال أبو محمد المُنذري(٣): كان ثقةً، حافظًا، صالحًا، له جُموعٌ حَسنةٌ لم ◌ُمَّها . وقال العِزُّ عُمرِ ابن الحاجب: إمامٌ، صَدُوقٌ، ثَبتٌ، واسعُ الرِّواية، سَخِيُّ النفس مع القِلَّة. سافر الكثير، وكتب، وأفاد. وكان يرجع إلى فقهٍ ووَرَعَ. وَلَيَ مَشْيخة دار الحديث بمَنْبِج، ثم تركها. وسكن حلب، ووَلِيَ مَشْيخَّة دار الحديث التي لابن شَدَّاد. سألتُ الضِّياء عنه، فقال: إمامٌ، حافظً، ثقةٌ، حَسنُ الصُّحبة، له معرفة بالفقه. قال العِزّ قرأ القرآن على والده، وعلى الشيخ عِوَض الصَّريفيني. وتفقَّه على عبدالله بن أحمد البَوَازِيجي، وقرأ الأدب على هبة الله بن عُمر الدُّوري. قلتُ: وقدم دمشق أخيرًا وروى بها، وبها مات في سادس عشر جُمادى الأولى، ودُفن بسَفْح قاسيون. وتخاريجه وتواليفه تدلُّ على حِفْظه ومَعْرفته. ٨- أسعد ابن القاضي أبي نَصْر محمد بن هبة الله بن محمد ابن الشِّيرازي، الأجلُّ أبو الفتح الدِّمشقيُّ الشافعيُّ. هو أصغرُ من أخيه تاج الدين أحمد. سمع من عبدالرحمن بن علي (١) شطح قلم المُصَنفِ فكتب ((أبا)) وكذا في جميع الأسماء الآتية. (٢) في الأصل ((وخلقًا)) وانظر الحاشية السابقة. (٣) ليس في ((التكملة)) فلعله ينقل من ((معجم شيوخه)). ٣٧٧ الخِرَقِي، والتاج محمد بن عبدالرحمن المسعودي، ويوسف بن مَعَالي، والخُشُوعي، وجماعةٍ. روى عنه الحافظ عبدالعظيم(١)، وأخوه أبو الفَضْل ابن الشِّيرازي، وآحاد الطَّلَبة. وبالإجازة أبو المَعَالي ابن البالِسِي، وغيرُه. تُوفي في ذي القَعْدة . ٩- إسماعيل بن محمود، الفقيه أبو البركات القَزْوينيُّ الصُّوفيُّ. وُلد سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وسمع من أبي الخَيْرِ القَزْويني الطَّالَقَانِي، وَوَلَيَ مَشْيخة رِباط والدة الناصر لدين الله(٢). وتُوفي في جُمادى الأولى ببغداد. ١٠ - أعز بن كرم بن محمد بن علي، أبو محمد وأبو الشُّكْر الحَرْبيُّ البَزَّاز، ويُعرف بابن الإسكاف. شيخٌ جليلٌ مُسندٌ، مُسنٍّ، وُلد سنة خمس وخمسين. وسمع من يحيى بن ثابت، وأبي الحُسين عبدالحق، وعُمر بن بُنَيْمان. کتب عنه عُمر ابن الحاجب، وقال: لا بأس به. وروى عنه بالإجازة القاضيان ابن الخُوَيِّي، وتقي الدين الحنبلي، وبهاء الدين ابن البِرْزالي، وأبو نَصْر ابن الشِّيرازي، ومحمد البِجَّدي، وبنت مؤمن، وأبو المَعَالي ابن البالِسي. وتُوفي في التاسع والعشرين من صفر. ١١- جبريل بن محمود بن موسى، أبو الأمانة المصريُّ الحَرِيريُّ(٣). سمع من العَلَّمة عبدالله بن بَرِّي، وسعيد المأموني. روى عنه الحافظان المُنذري والدِّمياطي، وجماعةٌ. وبالإجازة أبو الفَضْل ابن البِرْزالي، وأبو المَعَالي ابن البالِسِي. وتُوفي في جمادى الآخرة. (١) انظر التكملة ٣/ الترجمة ٣١٣٩. (٢) هي زمرد خاتون، وتربتها مشهورة إلى اليوم ببغداد، لكنها تعرف بين العوام بالست زبيدة، خطأ . (٣) قيده، كما قيدناه، المنذري (٣/ الترجمة ٣١٢٧) والحسيني (الورقة ٦). ٣٧٨ ١٢ - حَرَمي بن موسى بن هِلْوَات، الشيخ الصالح أبو موسى الجُذَاميُّ النَّتليُّ الشافعيُّ الخَرَّاطَ (١). وُلد بمصر في سنة تسع وخمسين، وسمع من أبي المفاخر سعيد المأموني. روى عنه الحافظان المُنذري والدِّمياطي. وناتل: بَطْن من ◌ُذَام. وناتل أيضًا في قُضَاعة وفي الصَّدف. أما أبو عبدالله الناتلي فمَنْسوب إلى ناتل؛ بُلَيْدة بنواحي آمل طَبَرستان، وقد خرج منها جماعةٌ من الفُضَلاء. تُوفي في أوائل السَّنة . ١٣ - الحسن ابن الأجلِّ العالم أبي القاسم عبدالرحمن بن علي بن هبة الله، أبو علي الأنصاريُّ المصريُّ المُقرىء المُصْحفيُّ. شيخٌ مُعَمَّر، جاوَزَ التسعين. وحدَّث عن علي بن نَصْر الأرتاحي. روى عنه الزكي المُنذري، وقال(٢): كان مشهورًا بالخير والصَّلاح والعِفَّة، وكان قارىء المُصْحَف بجامع مصر كوالده. تُوفي في خامس ربيع الآخر . ١٤ - حَمْزة بن عُمر بن عَتِيق بن أوس، أبو القاسم الإسكندرانيُّ الأنصاريُّ المالكيُّ الغَزَّال(٣). حدَّث عن السِّلفي، وكان فقيهًا مُتيقِّظًا. له حانوت بقيسارية الغَزْل. وكان دَلاَلاً. كتب عنه عُمر ابن الحاجب، وابن الجَوْهري. وحدَّث عنه المجد ابن الحُلوانية، والشرف الدِّمياطي، والضّياء عيسى السَّبْتي، والجمال ابن الصَّابوني، وغیرُهم . وتُوفي في ثالث ذي الحجّة. ١٥- خديجة بنت الحسن بن علي بن محمد بن يحيى بن عبدالعزيز، أُمُّ البقاء القرشيةُ الدِّمشقيةُ. (١) كناه المنذري (٣/ الترجمة ٣١١٧) والحسيني (صلة، الورقة ٢) أبا موسى وأبا مسعود، وقَيدا ((ناتل)) و((هلوات)) بالحروف. (٢) التكملة ٣ / الترجمة ٣١٢٠. (٣) في تكملة المنذري (٣/ الترجمة ٣١٤٠): ((الغُزُولي))، وفي صلة الحسيني (الورقة ١٠): ((الغزلي)) . ٣٧٩ كانت صالحةً، زاهدةً، قارئةً، تَحْفَظ القرآن، وتشتغل بالفقه. وهي بنت عَمِّ القاضي محيي الدين الزكوي. سمعت من أبي الحُسين أحمد ابن المَوَازيني. وحدَّثنا عنها بالإجازة أبو المَعَالي ابن البالِسِي . وهي عمَّةُ والد المُعين القرشي المُحدِّث. تُوفيت في رجب . ١٦ - الخَضِر بن أحمد بن عبدالله، أبو منصور الحَرْبيُّ. روى عن يحيى بن غالب الحَرْبي. وتُوفي في المحرَّم(١). ١٧ - خليل بن عليٍّ بن حُسين، أبو النَّجم الحَمَويُّ الحنفيُّ، مُدرِّس الزنجيلية التي عند خان الطّعم، وقاضي العسكر. ذهب في الرُّسلية إلى بغداد، وخَدَمَ الملك المُعظّم، وناب في القضاء عن الرفيع الچيلي. لَقَبُه نجم الدین. تُوفي في ربيع الأول. ١٨ - سُلطان بن محمود البعليكِّيُّ الزَّاهد، من أصحاب الشيخ عبدالله اليُونيني . كان من كبار أولياء الله، تَقَوَّتَ مدَّة من مباح جبل لُبنان، وله كراماتٌ وأحوالٌ. حكى العماد أحمد بن محمد بن سَعد أن الشيخ مَعَالي خادم الشيخ سُلطان حدَّثه أنه سأل الشيخ سُلطان، فقال له: يا سَيِّدي كم مرة رُحْتَ إلى مكة في ليلة؟ قال: ثلاث عشرة مرة. قلتُ: فالشيخ عبدالله اليُونيني قال: الشيخ عبدالله لو أراد أن لا يُصلِّي فريضةً إلا في مكة لفَعَلَ. وقال الشيخ عبدالدائم بن أحمد بن عبدالدائم: لما أُعطي الشيخ سُلطان الحال جاء إليه سائس كُرْدي، فقال: قد عُزلتُ أنا ووُلِّيتَ أنتَ، وبعد ثلاثة أيام ادفني. قال: فمات بعد ثلاث ودَفَنه . (١) صلة الحسيني، الورقة ١. ٣٨٠