Indexed OCR Text
Pages 381-400
والمَلِك الصالح بأبَّهة المُلْكِ، وحمل الأمير ابن جَنْدَر بين أيديهما الغاشية، وأَقْبَل الأمراء وأولاد المُلوك يقبلون أيديهما ثم ردًّا إلى القَلْعة، وكَثُرَ النَّوْحِ والبكاء . ١٦٨- غَلْبون بن محمد بن عبدالعزيز بن فَتْحُون بن غَلْبُون، أبو محمد الأنصاريُّ المُرْسيُّ. سمع من أبي الحسن بن هُذَيْل، وأبي عليّ بن عَريب، وأخذ عنهما القراءات. وسمع أيضًا من أبي عبدالله بن سَعَادة، وأبي محمد بن عاشر، وجماعةٍ . وتَصَدَّر للإقراء، وشُهر بذلك، وأخذَ عنه النَّاسُ، وشاركَ في العربية والآداب، وكان من أهل الفَضْل والجَلالة والإتقان، حَمَلَ عنه جماعةٌ. وُلد سنة ست وأربعين وخمس مئة، وتُوفي في رابع عشر ربيع الآخر. قال الأبَّار(١): أجاز لنا ما رواه. ١٦٩ - فاطمة بنت الإمام أبي القاسم عبدالرحمن بن محمد بن غالب القُرْطُبيِّ الشَّرَّاط، أُمُّ الفَتْحِ. قال الأبار(٢): خَتَمت على أبيها قراءة نافع، وحَفِظَت عليه ((الشِّهاب)) للقُضَاعِيِّ، و((التنبيه)) لمَكِّي، و((مختصر)) الطُّلَيْطُلي، وقابلت معه ((صحيح)) مُسْلم، و((السِّيرة)) لابن إسحاق، و((الكامل)) للمُبَرِّد، و((النَّوادر)) لأبي عليّ. وسَمِعت منه كثيرًا، وقرأت القرآن أيضًا على أبي عبدالله الأندوجري الزاهد، وأبي عبدالله بن المُفَضَّل الضَّرير. سمع منها ابنها الإمام أبو القاسم ابن الطَّيْلسان، وقرأ عليها لوَرْش. ١٧٠- فَضْل الله بن أبي الرَّشيد بن أحمد، جمال الإسلام أبو نَجيح الجُوزْدانيُّ الأصبهانيُّ. وُلد سنة ثمان وعشرين وخمس مئة، وسَمعَ حُضورًا في سنة اثنتين وثلاثين من الحافظ إسماعيل بن محمد الطَّلْحي. روى عنه الضِّياء، وبالإجازة الفَخْر عليٍّ، وأحمد بن شَيْبان، وجماعةٌ، وماتَ بشيراز. (١) التكملة ٤/ ٥٦. (٢) التكملة ٤/ ٢٦٣. ٣٨١ ١٧١ - محمد بن أحمد بن عليّ بن خالد، الفقيه أبو عبدالله البُخاريُّ الأُوشيُّ الحَنفيُّ. سمع من أبي حَفْص عُمر بن محمد الزَّرَنْجري الفقيه؛ وحَدَّث ببغداد عنه . وکان من كبار حنفية بخارى. وأُؤْش(١): بُلَيْدة من أعمال فَرْغانة، وزَرَنْجرى(٢): من قُری بُخارى. تُوفي هذا في أوائل صَفَر. ١٧٢- محمد بن أبي جعفر أحمد بن محمد بن أحمد بن فُطَيْس، الطَّبيبُ الأديبُ اللُّغَويُّ أبو عبدالله الغافقيُّ الإلبيرُّ ثم الغَرْناطِيُّ المُعَمَّرُ. ذكره ابن مَسْدي في ((مُعجمه)) وقال: جدُّه الأعلى كان شيخَ المالكية. وإلبيرة كانت مدينةً عظيمةً، غَرْناطة من قُراها، فصارت غَرْناطة هي أمُّ الناحية . قال: كان شيخُنا هذا رأسًا في عِلْمِ الطِّبِّ، وكانت عنده رواية عالية. سَمِعَ من أحمد بن عليّ بن زَرْقون الباجي الْمُرْسي المُقرىء، وهو آخر من روى عنه، ومن أبي بكر ابن العربي، والقاضي عياض، وهو آخر من روى عنه بالسَّماع، ومن جماعةٍ لكنَّه كان بَخيلاً بالسَّماع. وأخذَ القراءات عن أبي عبدالله ابن أيْمن السَّعْدي. مَوْلده على رأس العَشْر وخمس مئة، وعاش مئة وثلاث سنين مُمَتَّعًا بحَواسِّهِ، مسموع القول إلى حين وفاته. عَرَضت عليه كثيرًا من محفوظاتي . ١٧٣- محمد بن أبي حامد بن عيسى الحَريميُّ الرُّصافيُّ المُقرىء، المعروف بابن الفقيه. روى عن أبي الفتح ابن البَطِّي، وغيرِهِ، وماتَ في جُمادى الآخرة(٣). (١) قال المنذري: ((بضم الهمزة وسكون الواو وبعدها شين معجمة)) (التكملة ٢/ الترجمة ١٤٥٣). (٢) قال المنذري: ((بفتح الزاي وبعدها راء مهملة مفتوحة ونون ساكنة وجيم مفتوحة وراء مهملة ... ويقال لها: زَرَتكری)) (وانظر معجم البلدان ٩٢٦/٢). (٣) من تاريخ ابن الدبيثي ١٥٢/١، واسم أبي حامد: أحمد. ٣٨٢ ١٧٤- محمد بن إبراهيم بن أبي الفَضْل، الإمام مُعين الدِّين أبو حامد السَّهْلِيُّ الجَاجَرْميُّ الشافعيُّ. كان إمامًا مُفْتيًا مُصَنِّفًا مَشْهورًا؛ صَنَّفَ في الفقه كتاب ((الكفاية))، وكتاب ((إيضاح الوَجيز))، وله طريقةٌ في الخِلاف والقواعد مَشْهورٌ به. وجاجَرْم بَلْدةٌ بين نَيْسابور وجُرْجان. سكن هذا نَيْسابور ودَرَّسَ بها، وتُوفي في حادي عشري رَجَب، وتُوفي في الكهولة . وقد حدَّث عن عبدالمُنْعم بن عبدالله الفُرَاوي؛ روى عنه الزَّكي البِرْزاليُّ، وغيرُه(١). ١٧٥- محمد بن الحسن بن محمد بن عبدالله، القاضي الأسْعَد أبو عبيدالله ابن القاضي رَضِيِّ الدَّوْلة العَامريُّ المَقْدسيُّ ثم المِصْريُّ المالكيُّ المُعَدَّل، المعروف بابن القَطَّان. سمع من عبدالله بن رِفاعة، والشَّريف ناصر بن الحسن الخطيب، وأحمد ابن الخُطَيْئَة، وأبي طاهر السِّلَفي، وأبي القاسم ابن عساكر الحافظ. ووَليَ الأوقافَ بِمِصْر . روى عنه الزَّكي المُنذريُّ(٢)، وغيرُه، وتُوفي في سادس شعبان عن سبع وسبعين سنة . ١٧٦- محمد ابن الحافظ عبدالغني بن عبدالواحد بن عليّ بن سرور، الحافظ المُفيد عز الدِّين أبو الفَتْحِ المَقْدسيُّ الجَمَّاعيليُّ ثم الدِّمشقيُّ. وُلد بدَيْرِ المَقَادِسة في سنة ست وستين وخمس مئة، في أحد الربيعين، وارتحلَ إلى بغداد وله أربع عشرة سنة، فسمعَ بها من أبي الفَتْح بن شاتيل، وأبي السَّعَادات القَزَّاز، ويوسف العاقولي، وطبقتِهم. وتفقَّه على أبي الفَتْح ابن المَنِّي، وسمعَ بدمشق من أبي المَعَالي بن صابر، ومحمد بن حَمْزة القُرَشي، والخَضِر بن طاووس، والفَضْل بن الحُسين البانياسي، وجماعةٍ. وأوَّل شيخ (١) أكثر الترجمة من وفيات الأعيان ٢٥٦/٤. (٢) التكملة لوفيات النقلة ٢ / الترجمة ١٤٧٩. ٣٨٣ سمعَ منه أبو الفَهْم عبدالرحمن بن أبي العَجَائز الأزْدي. قال ابن النَّجَّار: سمعنا معه وبقراءته كثيرًا، وكتب بخطّه كثيرًا، وحَصَّل كثيرًا من الأصول، واستنسخَ كثيرًا منِ الكُتُب، وكان في رحلتي الأولى يُعِيْرُني الأصولَ ويفيدني عن الشُّيوخ، ويتفَضَّل إذا زُرته. وكان من أئمة المُسلمين، حافظًا للحديث مَتْنًا وإسنادًا، عارفّ بمَعَانيه وغَريبه، مُتْقنًا لأسامي المحُدِّثين وتراجمهم، مع ثقةٍ وعَدَالةٍ وأمانةٍ وديانةٍ وتَوَدُّدٍ وكَيْسٍ ومروءةٍ ظاهرةٍ، ومُساعدةٍ للغُرَباءِ. وذكره الحافظ الضِّياء، فقال: كان، رحمه الله، حافظًا فَقيهًا ذا فُنونٍ، وكان أحسنَ النَّاس قراءةً وأسرعها، وكان غزيرَ الدَّمْعَة عند القراءة، وكان مُتْقنًا ثقةٌ سَمْحًا جَوَادًا . قلت: وارتحل إلى أصبهان ومعه أخوه أبو موسى، فسمعا الكثير من أصحاب أبي عليٍّ الحَدَّاد، ومن بَعْدَه سَمِعَا من أبي الفَضْل عبدالرَّحيم بن محمد الكاغدي، ومسعود بن أبي منصور الجَمَّال الخَيَّاط، وأبي المَكَارم أحمد ابن محمد اللَّبَّان، ومحمد بن أبي زيد الكَرَّاني، وأبي جعفر الصَّيْدلاني، وجماعةٍ . قال الضِّياء: وسافر العز إلى بغداد مع عَمِّه الإمام عماد الدِّين إبراهيمٍ، وأقامَ ببغداد عشر سنين، واشتغل بالفقه والنَّحْو والخِلاف، ورَجَعَ وكان يتكِلِّم في مسائل الخِلاف كلامًا حَسنًا، ثم سافر بعد مُدَّة إلى أصبهان في طَلَبِ الحديثِ، ولقوا شدةً من الغَلاء والجُوعِ. ثم رَجَعَ إلى بغداد وأقامَ بها يقرأ شيئًا من الفقه واللُّغَة على الشيخ أبي البَقَاء. ثم عادَ إلى دمشق، وكان يقرأ الحديث للنَّاس كل ليلةٍ جُمُعةٍ في مَسْجِد دار البطِّيخ بدمشق، يعني مسجد السَّلَّليين، وانتفعَ النَّاس بمُجالسَته. ثم إنَّه انتقل إلى الجامع، إلى مَوْضع والده فكان يقرأ يوم الجُمُعة بعد الصَّلاة في حلقتِنا؛ وسبب حصول ذلك أنَّه لمَّا جاء حَنْبل (١) من بغداد، أرادَ المَلِكُ المُعَظِّم يسمع ((المُسْنَد)) عليه، فقرأ له بعض المُحدِّثين، وكان ((المُسْند)) يُقرأ عندنا وفي المدينة، وكان العز، رحمه الله، يقرأ ويحضر عندنا جماعةٌ من أهل المدينة، منهم العَلَم الرَّقِّ إمام الملك، فمضى إليه، (١) حنبل بن عبدالله الرُّصافي. ٣٨٤ ++ وقال: إنْ كُنتَ تريد قراءةً مَليحةً عاجلةً فما يقرأ أحدٌ مِثْل هذا الذي في الجَبَل. فقال: تجيء به. فجاءَ الإمام إلى العز، فقال له: ما لي في هذا رَغْبةٌ وأنا رجل خاملُ الذِّكر، وما بَيْنِي وبَيْنَ أحدٍ عداوةٌ وأخاف من المُخالفين. فقال: هذا لا نخاف منه، ما يحضر إلا المَلِك والشيخ وأنتَ وأنا. فاستشار المشايخ فقال له شيخنا مُوفَّق الدِّين: إنْ كنتَ تمضي لله فامضٍ، وإنْ كنتَ تمضي لِطَمَعِ الدُّنيا؛ فلا تفعل. فاستخار الله ومَضَى. فلمَّا سَمِعَ المَلكُ قراءته أعجبته كثيرًا، وخلعَ عليه، وأحَبَّه، وسأله عن أشياء من الحديث، فأجابه، ورأى منه ما لم يرَ من غيرِه. وكان بعد ذلك مَهْما طلب منه لا يكاد يردُّه، فطلب منه الجُلوس مكان أبيه، فأذنَ له، وطلب منه مكانًا في القُدْس لأصحابنا يصلُّون فيه فأعطاه مَهْد عيسى. وكثَّا نسمع ((المُسْند))، فقال بعض الخُضور من المدينة: ما رأيتُ مِثْلَ هذه القراءة، مِثْل الماء، أو قال: مِثْل السيف. ولمَّا أراد الملك المُحسن سماع (تاريخ بغداد)) من الكِنْدي، قال: إنْ كان العز ابن الحافظ يقرؤه فنَعَم، فقرأه عليه. وكان له هِمَّةٌ عظيمةٌ؛ لمَّا جاء حنبل أراد أهل المدينة أنْ يمنعوه من الصُّعود إلينا، فما زال العز بهمَّته حتى سَهَّل الله قراءة ((المُسْند)» في الجَبل . وكان يُسارع إلى الخَيْرات وإلى مَصالح الجماعةِ؛ لمَّا عزمتُ على التزويج قامَ في ذلك، وحَصَّلَ لي ما تزوجتُ به، وما أحوجني إلى تكلّف شيء. وكان بيته لا يكاد يَخْلو من الضُّيوف، سمعتُه يقول، أو سمعتُ مَنْ يُحدِّث عنه، قال: كنا ببغداد، فقلَّ ما بأيدينا، فجاء إلى عندنا إنسان فقال لي: لو مضيتم إلى بعض القرايا حَصَّلْنا لكم شيئًا. قال: فمضينا معه، فاتفق أنَّا عبرنا على الشَّيخ حسن الفارسي(١)، رحمة الله عليه، فزرناه، فابتدأنا وقال: متى جرت عادة المَقَادسة أن يخرجوا إلى الكدية؟ قال: فرجعنا ولم نَمْضٍ. سمعتُ(٢) إبراهيم بن أبي بكر بن باخل المُؤَذِّن، وكان من أهل الخَيْرِ والصَّلاح يقول: بعد مَوْت العز بثلاثة أيام، توضأتُ بالليل، وخرجتُ فرأيتُ على المَوْضع الذي فيه قَبْر العز عمودَ نُور من السماء إلى الأرض أخضر مثل السِّلق. (١) هذا الزاهد المشهور من أهل الفارسية القرية المشهورة بقرب بغداد. (٢) الكلام لا يزال للضياء المقدسي. تاريخ الإسلام ١٣ / م ٢٥ ٣٨٥ وسمعتُ الفقيه إسحاق بن خَضر بن كامل يقول: رأيتُ العز في النَّوْمِ، فقلتُ له: بالله عليك ماذا لقيتَ من ربِّكَ؟ فقال: كلَّ خَيْرٍ جميلٍ . وسمعتُ أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أحمد يقول: كنّا نقرأ عند العز ليلة تُوفي، فرأيتُ نورًا على بَطْنه مِثْلَ السِّراج، فكنتُ أقول: ترى يراه أحدٌ غيري أم لا . سألتُ أُمَ أحمد آمنة بنت الشيخ أبي عُمر، وهي ما عَلمتُ من أصْلح أهل زمانها، فقالت: رأيتُ يوم موت العز على الدنيا كُلّها، على الأرض، وعلى النَّاس خُضْرة ما شبهته إلا بالشمس؛ إذا خرجت من طاقة زجاج خَضْراء، حتى كنتُ أقول: أيش هذا؟ ما لِبَصَري! وأمسحُ عينيَّ، وما دريتُ أيش هذا حتى جاءت أمُّ داود، فقالت: قد رأيتُ الخُضْرَة على الجنازة. سمعتُ مسعود بن أبي بكر بن شُكر المَقْدسي، قال: رأيتُ العِز ابن الحافظ بعد مَوْته في النَّوْمِ، وكأنَّ وَجْهَه البَدْرُ، ما رأيتُ في الدنيا أحدًا على صورته، وله شَعْرٌ بائنٌ من تحت عِمامته، لم أرَ شَعْرًا مثل سوادِهِ، فقلتُ له: يا عز الدِّين، كيف أنتَ؟ فقال: أنا وأنتَ من أهل الجَنَّة. ثم انتبهتُ. سمعتُ الإمامَ أبا العباس أحمد بن محمد بن خَلَف يقول: رأيتُ العز في النَّوْمِ فقال: جاء إليَّ النبيُّ وَّل، فقضى لي كلَّ حاجةٍ. سمعتُ شيخَ الإسلامِ مُوَفَّق الدين يحدِّث عن بنته صَفِيَّة زَوْجة العز أنَّها رأته بعد مَوْته قد جاء إليهم بقطف من عِنَب أبيض لم تر أحسن منه قطُّ، وقال : هذا من الجنة . سمعتُ إسماعيل بن محمد الأصبهاني يقول: رأيتُ العز في النَّوْم وعليه ثيابٌ بيضٌ وهو حيٌّ، وهو يقول: ما مت قد بقي من عُمُري وسألني عن نفسه هذا، فقلتُ: إنْ شاء الله يكون شهيدًا. فإنَّه مات بالبطن . سمعتُ الفقيه بَدْران بن شِبْل بن طَرْخان، قال: رأيتُ كأننا جماعةٌ، والعز أرفع منَّا فقلتُ له: بمَ ارتفعتَ؟ قال: بهذا؛ وأومأ بجُزْء حديث في يده . قلتُ: وذكر له الضِّياء مناماتٍ أُخَرَ مَليحةً. وقد رثاه الشيخ المُوَقَّق، ٣٨٦ وغيرُه. وحَدَّث عنه الضِّياء، والشِّهاب القُوصي، وشمس الدِّين عبدالرحمن بن أبي عُمر، والفخر عليّ، وجماعةٌ. أخبرنا عُمر بن عبدالمُنْعم، قال: أنبأنا محمد بن عبدالغني الحافظ، قال: أخبرنا ابن صابر، قال: أخبرنا عليّ بن إبراهيم النَّسيب، قال: أخبرنا سُلَيْم بن أيُّوب، قال: حدثنا أبو أحمد الفَرَضي، قال: حدثنا الصُّوليُّ، قال: حدثنا الغَلاَبِيُّ، عن عُبيد الله بن عائشة، قال: كتبَ عُمر بن عبد العزيز إلى عاملٍ له: اتقِ الله، فإنَّ التقوى هي التي لا يُقبل غيرُها، ولا يُرْحَمُ إلا أهْلُها، ولا يُثابُ إلََّ عليها، فإنَّ الواعظين بها كثيرٌ، والعاملين بها قليلٌ. وقال لنا رشيد بن كامل: أخبرنا أبو العرب القُوصي، قال: أخبرنا العز ابن الحافظ بجامع خَيْبر سنة عشر وست مئة. فذكر حديثاً. تُوفي العز في تاسع عشر شؤَّل، وشَيَّعَهُ الخَلْقُ(١). ١٧٧ - محمد بن عليّ بن أحمد ابن النَّاقد، أبو السَّعادات. شيخٌ تاجرٌ بَغْداديٌّ جليل، سَمِعَ مِن أبي الوَقْتِ، وابن البَطَّ، وسافرَ في التِّجارة كثيرًا إلى النواحي البعيدة، وتولَّى خِدَمًا، وتُوفي في جُمادى الأُولى، ولم يحدِّث، وكان عَسرًا مُمْتَنعًا(٢). ١٧٨ - محمد بن عُمر المِصْريُّ، الكاتب المُجَوِّد المَنْعوت بالجمال. كان بارعَ الخَطِّ، حسنَ التَّوقيف. انتفع به جماعةٌ كثيرةٌ، وله شِعْرٌ. تُوفي في ذي القَعْدة(٣). ١٧٩- محمد بن محمد بن محمود بن الفَضْل، أبو شُجاع الحَدَّاد الأصبهانيُّ. وُلد سنة ثلاث وأربعين، وتُوفي في ذي الحِجَّة. وهو من شيوخ الحافظ الضِّياء. وأجاز للفَخْر. (١) ينظر تاريخ ابن الدبيئي، الورقة ٧٣ (باريس ٥٩٢٢)، وتكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٥٠١. (٢) ينظر تاريخ ابن الدبيثي ١٤٩/٢ - ١٥٠. (٣) من التكملة ٢ / الترجمة ١٥٠٨. ٣٨٧ ١٨٠ - محمد بن وَهْب بن لُب بن عبدالملك - أو عبدالله - بن أحمد ابن محمد بن وَهْب، أبو عبدالله القُرشيُّ الفِهْرِيُّ الشَّنْتَمريُّ الأصل البَلَنْسيُّ الخطیبُ . سمع من والده، وأبي الحسن بن هُذَيل، وأبي القاسم بن حُبيش الحافظ، وأبي عبدالله بن حميد، وجماعةٍ، وحَدَّث. قال الأبَار(١): أخذتُ عنه جُملةً من أول ((المُلَخَّص))(٢). وتُوفي في شوال، ووُلد بعد سنة خمسين بقليل. وتُوفي أبوه سنة خمس وتسعين وخمس مئة. ١٨١- محمد بن يحيى بن هبة الله بن فَضْل الله بن محمد بن محمد، أبو نصر ابن القاضي أبي الحسن ابن النَّخَّاس الواسطيُّ المُعَدَّل. وُلد سنة أربع وثلاثين، وسمعَ بواسط من جَدِّه هِبة الله بن يحيى ابن البُوقي، وبالبصرة من إمام جامعِها إبراهيم بن عَطِيّة، وعليّ بن عبدالله الواعظ، وحدَّث بواسط . والنَّخَّاس: بخاء مُعْجَمةٍ(٣). ١٨٢ - المُبارك بن يحيى ابن البيطار، أبو جعفر الدَّبَّاس. سمعَ من ابن ناصر، وحدَّث؛ روى عنه الدُّبَيْنِي، وغیرُه(٤). ١٨٣- مُرْهف بن أسامة بن مُرْشد بن عليّ بن مُقَلَّد بن نصر بن مُنْقَذ، الأمير العالم مُقَدَّم الأمراء جَمال الرُّؤساء عَضُد الدّولة أبو الفَوَارِسِ ابن الأمير الكبير الأديب مُؤَيد الدَّوْلة أبي المظفر، الكِنانيُّ الكَلْبِيُّ الشَّيْزَرِيُّ، أحدُ الأَمراء المِصْريين. وُلد بشَيْزَر في سنة عشرين وخمس مئة، وسمع من أبيه. روى عنه الزَّكي المُنذريُّ(٥)، والشِّهاب القُوصي. (١) التكملة ٢/ ١٠٧ . (٢) وهو للقابسي. (٣) من تكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٤٧٥ . (٤) من تاريخ ابن الدبيثي كما في المختصر المحتاج إليه ٣/ ١٨٠ . (٥) وترجمه في التكملة ١ / الترجمة ١٤٥١. ٣٨٨ وكان مُسنًّا، مُعَمَّرًا، شاعرًا كوالده، وقد جمع من الكُتُب شيئًا كثيرًا، وكان مليحَ المُحَاضرة . تُوفي في ثاني صَفَر . ١٨٤- مَسْعود بن أبي الفَضْلِ بن أبي الحسن بن كامل، الأديب أبو الفَتْحِ الحَلَبِيُّ، الشَّاعرُ المَشْهور بالنَّقَّاش. مات بحَلَب عن أربع وسبعين سنة، في شهر شؤَّال. من فُحول الشُّعَراء، سائرُ القَوْلِ، مُختَصٌّ بالظاهر غازي، وهو القائل: مالي سوى حُبُّكمُ مذهبُ ولا إلى غيرِكُمُ مَذْهبُ تذكرتُمُ شملي فيا هَلْ تُرى يجمعني يَوْمًا بكم مَذْهبُ وسَاحَ دَمْعي في هَوَاكُمْ دَمًا وصِرْتُ فيكم مثلاً يُضْرَبُ(١) ١٨٥ - مَعْن، الأمير ناصر الدين أبو الجُود ابن المَلِك العادل طَي ابن الوزير أمير الجيوش شاور بن مُجير السَّعْديُّ المِصْريُّ. سمع من السِّلَفي، وأبي الحسن عليّ بن إبراهيم بن المُسَلَّم المعروف بابن بنت أبي سَعْد، وحدَّث. تُوفي في صَفَر أيضًا(٢). ١٨٦ - مَكِّ بن عثمان بن إسماعيل، أبو الحَرَم ابن الإمام أبي عَمْرو السَّعديُّ المِصْريُّ الشَّارعيُّ. وُلد سنة ست وثلاثين وخمس مئة، وسَمِعَ من الشَّريف أبي الفُتوح الخطيب، وعبدالمُنْعِم بن مَوْهوب الواعظ، وأبي عبدالله محمد بن إبراهيم ابن الكِيزاني، وفارس الدَّمِيري، وعبدالله بن محمد بن فَتْحون الأندلسي بمِصْر، وأبي الطاهر السِّلَفي بالثَّغْرِ، والمُبارك بن عليّ ابن الطََّّاخ بمَكَّة. وحدَّث بدمشق ومِصْر؛ روى عنه الزَّكي المُنذريُّ(٣)، وقَبْله الزَّكي البرزاليُّ، وغيرُ واحدٍ . وفي ذُرِّيته فُضَلاء ورُواة، وتُوفي في صَفَر أيضًا. (١) ينظر ذيل الروضتين ٥٧ - ٥٨ . (٢) تنظر التكملة ٢ / الترجمة ١٤٥٥. (٣) وترجمه في التكملة ٢ / الترجمة ١٤٥٤. ٣٨٩ ١٨٧ - نجيب بن بشارة بن مُحْرز بن رَحْمة، أبو محمد السَّعْديُّ الفاضِليُّ المِصْريُّ الشافعيُّ المُقریُ. عَلَّمَ وَلدَ القاضي الفاضل، ثم عَلَّمَ وَلدَ الصاحب ابن شُكْر، وكان شيخًا حَسنًا . سَمِعَ كتاب ((العُنوان)) من الشَّريف أبي الفُتوح الخطيب. روى عنه الزَّكيُّ المنذري(١)، وابنُهُ إبراهيم بن نجيب، وجماعةٌ، وتُوفي في مُستهَلِّ جُمادى الأُولى. ١٨٨ - النََّّيس بن مَحْبوب بن الحسن بن أحمد بن مَحْبوب القَزَّاز. سَمِعَ من جَدِّه صاحب طِراد، وعنه الدُّبَيْئي(٢)، وغيرُه، وماتَ في رمضان، وقد شاخ. ١٨٩ - هبة الله بن عليّ بن هبة الله بن أحمد بن رَزين، أبو الفَتْح البغداديُّ. سَمِعَ من أبي الوَقْت السِّجْزي، وابن البَطِّي، ولم يروِ، وتَقَلَّب في خِدْمة الدِّيوان، ووَليَ أستاذ دارية الخِلافة، ومات في جمادى الآخرة(٣) . ١٩٠- هبة الله بن أبي المَعَالي محمد بن محمد بن أبي الحديد، القاضي أبو الحُسين الفقيه الشافعيُّ، قاضي المَدائن وخطيبها . ذَكَرَ أَنَّه سَمعَ من أبي الوَقْت، وكان يُمْكنه السَّماعِ من قاضي المَرِسْتان (٤) وطبقته، وحَدَّث بأناشيد. تُوفي في رمضان(٥) . ١٩١- يحيى بن سالم بن مُفَرِّج بن حَصِينة، القاضي رَضِيُّ الدِّين السُّلَميُّ المِصْريُّ الشاعر الأديب. من أعيان الشُّعَراء في الدَّوْلة الصَّلاحية، تُوفي وله إحدى وسبعون سنة. (١) وترجمه في التكملة ٢ / الترجمة ١٤٦٤ . وترجمه في تاريخه، كما في المختصر المحتاج إليه ٢١٦/٣ . (٢) (٣) من تكملة المنذري ٢ / الترجمة ١٤٦٦ . وتكتب: ((المارستان)) أيضًا، وهو محمد بن عبدالباقي الأنصاري. (٤) ينظر تاريخ ابن الدبيئي، كما في المختصر المحتاج إليه ٣/ ٢٢٧. (٥) ٣٩٠ روى عنه من شِعْره الزّكي المُنذريُّ(١)، والشِّهاب القُوصيُّ. تُوفي في الحادي والعشرين من شعبان. ١٩٢- يحيى ابن الشَّريف النَّقيب أبي طالب محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عليّ بن أبي زيد، السَّيِّدِ النَّقيب أبو جعفر العَلَويُّ الحَسنيُّ البَصْريُّ الشاعر . سمع من أبيه، وحدَّث، وعاش بضعًا وستين سنة، وكان (٢) ذا معرفة بالنَّسب، والأدب، وأيام العرب، وله شِعْرٌ رائقٌ. تُوفي في رمضان. روی شِعْرًا . ١٩٣ - يحيى بن موسى بن عوض العَلياتيُّ(٣) المِصْرِيُّ الخَبَّاز. أديبٌ مشهورٌ، جَيِّدُ الشِّعر، تُوفي في شؤَّال. ذكره الحافظ عبدالعظيم، وقال (٤): حضر معنا عند بعض شيوخنا . ١٩٤ - يوسف بن المُبارك بن أبي السَّعَادات المُبارك بن عُبيدالله، أبو البَرَكات الأزجيُّ البَيِّعِ المُحْتَسب. وُلد سنة خمسين وخمس مئة، وسمع من أبي محمد ابن المادح، وأبي المَعَالي ابن اللَّخَاس، وابن البَطِّي، وحدَّث، ومات في ربيع الآخر(٥) . ١٩٥ - أبو شاكر، هو الحَكيم المُوَفَّق المِصْرِيُّ، الطَّبيب ابن الطَّبيب أبي سُليمان داود بن أبي المُنَى. كان نصرانيًّا، بارعًا في الطِّبِّ والعلاج، مُتَميِّزًا، مَكِينًا في الدَّوْلة. قرأ على أخيه المُهَذَّب أبي سعيد طبيب العادل والمُعَظّم. ومَهَرَ في الصِّناعة، (١) وترجمه في التكملة ٢ / الترجمة ١٤٨٤. (٢) شطح قلم المؤلف فكتب ((وكانت))، وهو من نقله من المنذري وتغييره لأسلوبه، ففي التكملة (٢ / الترجمة ١٤٨٨): ((وكانت له معرفة حسنة بالأدب والنَّسب وأيام العرب وأشعارها)). راجع تعليقنا على تكملة المنذري (٢/ الترجمة ١٤٩٧). (٣) (٤) التكملة ٢ / الترجمة ١٤٩٧. (٥) من تكملة المنذري ٢/ الترجمة ١٤٦٢ . ٣٩١ وخَدَمَ المَلِك الكامل، ونالَ من جِهَته دُنيا واسعةً، وإكرامًا زائدًا. وله أخَوانِ آخران طبيبان . وفيها ولد: الجمال محمد بن عمر الدِّيْنَوَريُّ، خطيب كَفْربَطْنا، والزَّاهد عبدالدائم ابن أحمد بن عبدالدائم، والعماد محمد بن أحمد بن الفخر ابن الشِّيْرجيٍّ، وقاضي الإسكندرية أبو محمد عبدالله بن عليّ الأبياريُّ، وإسماعيل بن عبدالمنعم ابن الخِيَميِّ، خطيبُ القَرَافة، والمُحيي يحيى بن أحمد بن محمد بن تَمِيم، والشِّهاب أحمد بن محمد بن عيسى ابن الخَرَزي(١). وشيوخنا الستة؛ الحافظ عبدالمُؤمن الدِّمْياطي في آخرها والشَّرَف عُمر ابن خواجا إمام والزاهد علي بن محمد بن عليّ المُلَقّن والبَهَاء عليّ بن عيسى ابن القَيِّمِ الكاتب والضِّياء عيسى بن يحيىِ السَّبْتي المُحدِّث والقَمر محمد بن بلغزا بَعْلَبِكِّي، ومَجْد الدِّين إسماعيل بن كُسَيرات، بالمَوْصل، وشمس الدِّين محمد بن مظفر بن سعيد المِصْريُّ، والنَّجْم أحمد ابن شهاب الدِّين القُوصي بمُنْيَة ابن ولد. (١) الخَرَزي: بفتح الخاء المعجمة والراء المهملة وبعدهما زاي (المشتبه ١٥٦، وتوضيحه لابن ناصر الدين ٣٢٢/٢) وهو من شيوخ الذهبي المجيزين له . ٣٩٢ سنة أربع عشرة وست مئة ١٩٦- أحمد بن صدقة بن علي بن كليزا (١)، أبو بكر الواسطيُّ المُقرىء الغَرَّافِيُّ(٢) الخَيَّاط. وُلد قبل الثلاثين وخمس مئة، وسمعَ من أبي عبدالله محمد بن علي الجُلَّبي قِطْعةً من ((مُسْند)) أحمد بن سِنان القَطَّان، وحدَّث بها ببغداد؛ روى عنه الدُّبَيْئِيُّ(٣)، والزَّكيُّ البِرْزاليُّ، وغيرُهما، وتُوفي في صَفَر. ١٩٧ - أحمد بن أبي الفَضائل عبدالمُنْعم بن أبي البَرَكات محمد بن طاهر بن سعيد ابن الشيخ أبي سعيد فَضْل الله بن سعيد بن أبي الخَيْر المِيْهَنيُّ الأَصْلِ البَغْدادِيُّ، أبو الفَضْل. سمع من أبيه، وأبي عليّ أحمد بن محمد الرَّحَبي، وشُهْدة الكاتبة، ووَلَيَ خِدْمةَ الصُّوفية برباط الخليفة، وهو من بيتٍ كبيرٍ في التصوُّفِ، والروايةِ، والخَيْرِ. تُوفي في رَجَب. قال ابن النَّجَّار: وكتبتُ عنه على كِبْرٍ وحُمْقٍ فيه، وسوءِ عقيدة(٤). ١٩٨- أحمد بن محمد بن عُمر بن محمد بن واجِب بن عُمر بن واجب، الإمام أبو الخَطّاب بن واجب القَيْسيُّ الأَنْدلسيُّ البَلَنْسيُّ. وُلد سنة سبع(٥) وثلاثين وخمس مئة، وسمعَ من جَدِّه أبي حَفْص، وأكثرَ عن ابن هُذَيل، وأبي الحسن عليّ ابن النِّعْمة، وأبي عبدالله بن سَعَادة، وأبي عبدالله بن عبدالرحيم ابن الفَرَس، وأبي بكر عبدالرحمن بن أحمد بن أبي ليلى. وسمعَ بأشبُونة(٦) من أبي مَرْوان عبدالرحمن بن قَزْمان، وبقُرْطبة من أبي (١) قيده الصلاح الصفدي بالحروف، فقال: ((بالكاف واللام والياء آخر الحروف والزاي والألف)) (الوافي ٤٢٥/٦). (٢) منسوب إلى الغرَّاف البلدة المشهورة في جنوب العراق، إلى اليوم. (٣) وترجمه في تاريخه، الورقة ١٨٧ (باريس ٥٩٢١). (٤) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٩٦ - ١٩٧ (٥٩٢١). (٥) هكذا كتبها المؤلف وكتب في الحاشية: ((تسع))، ومولده في سنة سبع ذكره ابن الأبار في تكملته (٩٦/١) والمنذري (٢/ الترجمة ١٥٤٣). (٦) في تكملة الأبار: ((أشونة)) مصحف. ٣٩٣ القاسم بن بشكُوال، وبإشبيلية من أبي الحسن عليّ بن أحمد الزُّهْري، وإبراهيم بن خَلَف بن فَرْقَد، ومحمد بن أحمد بن مُحْرز الأديب، وأكثَرَ عن أبي محمد بن خَيْر. وأخَذَ عن أبي عبدالله بن زَرْقون كتاب ((التقصي)) لابن عبدالبرِّ. وأعلى شيوخه ابن قَزْمان، فإنَّه من أصحاب أبي عليّ الغَسَّاني، ومحمد ابن الطَّلاَّع. وقد أجاز لأبي الخَطَّاب القاضي أبو بكر محمد ابن العربي، وأبو الوليد يوسف ابن الدَّبَّاغ، وجماعةٌ، والسِّلَفيُّ. قرأتُ في فهرسته وخطُّه عليه: قرأتُ التفسير، وتلوتُ بما فيه سِوى ((الإدغام الكبير)) لأبي عَمرو، على ابن هُذَيلٍ، وقرأتُ عليه ((إيجاز البيان))(١) و ((التلخيص))(٢) و ((المحتوى))(٣) وسَمَّى عِدَّةَ كُتُب في القراءات للداني، قال: وسمعتُ عليه كتاب ((جامع البيان)) (٤) وكتاب ((الطبقات))(٥) وغير ذلك، وكان يمتنع من الإقراء ((بالإدغام الكبير)) وَقْتَ تلاوتي عليه. قال الأبار(٦): هو حاملُ رايةِ الرِّواية بشَرْق الأندلس. حَصَّلَ عِلْمَ العربية على ابن النِّعْمة. ثم قال: وكان مُتْقنًا، ضابطًا، مُتقلِّلاً من الدُّنيا، عاليَ الإسناد، وَرَعًا، قانتًا، تَعْلوه الخَشْية للمواعظ، مع عنايةٍ كاملةٍ بصناعة الحديث، وتَبَصُّرٍ به، وذِكْرٍ لرجاله، ومحافظةٍ على نَشْرِهِ، وكانت الرِّحلةُ إليه. وَلَيَ القضاءَ بِبَلَنْسية، وشاطِبة غيرَ مرةٍ، وجَمَعَ من كتب الحديث والأجزاء شيئًا كثيرًا، ورُزقتُ منه قبولاً، وبه اختصاصًا، فمُعْظَم روايتي عنه قديمًا، وتُوفي بمَرَّاكُش في رحلته إليها لاستدرار جارٍ له من بيت المال انقطع، فتُوفي في سادس رَجَب، رحمه الله . (١) في قراءة ورش، وقد تحرف في ترجمة أبي عمرو الداني من طبقات ابن الجزري ١/ ٥٠٥ إلى ((إيجاد)) - بالدال - . (٢) التلخيص في قراءة ورش أيضًا . هو كتاب ((المحتوى في القراءات الشواذ)). (٣) (٤) للدانى أيضًا، وهو في القراءات السبع. (٥) للداني أيضًا. (٦) التكملة ١ / ٩٤ - ٩٦. ٣٩٤ قلتُ: أكثر عنه ابن مشليون، وابن جوبر، وابن عميرة المَخْزوميُّ، وابن مَسْدي الحافظ، وغيرهم. ١٩٩ - إبراهيم بن دُلف بن أبي العزِّ البَغْداديُّ البَوَّاب. روى عن أبي الفَتْح ابن البَطِّي، وغيرِهِ، ومات في صَفَر(١). ٢٠٠- إبراهيم ابن الشيخ البَهَاء عبدالرحمن بن إبراهيم المَقْدسيُّ الحنبليُّ، الفقيه أبو إسحاق. وُلد سنة إحدى وتسعين وخمس مئة، وحَصَّل طَرفًا صالحًا من الفقه والفرائض والنَّحْوِ، وقال الشِّعْر، وتَزَوَّجَ، ووُلد له، وتُوفي بحِمْصَ عن ثلاث وعشرين سنة، وفُجِعَ به أبوه. وهو ابن أخت الحافظ الضِّياء. ٢٠١- إبراهيم بن عبدالواحد بن علي بن سُرور، الشيخ العماد المَقْدسيُّ الحنبليُّ الزَّاهد القُدْوة أبو إسحاق رضي الله عنه، أخو الحافظ عبدالغني. وُلد بجَمَّاعيل في سنة ثلاث وأربعين وخمس مئة، فهو أصغر من الحافظ بسنتين، وهاجر إلى دمشق في سنة إحدى وخمسين، والبلاد حينئذ للفِرَنْج، لعنهم الله، فيمن هاجر من المقادسة. وسمع من أبي المكارم عبد الواحد بن هلال، وأبي تَميم سَلْمان بن عليّ الرَّحَبي، وأبي نصر عبدالرَّحيم بن يوسف البَغْدادي، وأبي المَعالي بن صابر، وجماعةٍ، وببغداد صالح بن المُبارك ابنِ الرَّخْلَةِ(٢)، وأبي محمد ابن الخَشَّاب النَّحْوي، وعبدالله بن عبدالصَّمد السُّلَمي، وشُهْدَة الكاتبة، وأبي الحُسين عبدالحق اليُوسفي، وجماعةٍ، وبالمَوْصل من أبي الفَضْل عبدالله بن أحمد الخطيب . روى عنه الضِّياء المَقْدسيُّ، وابن خليل، والبِرْزالي، والقُوصي، والزَّكيُّ المُنْذري(٣)، وابن عبدالدائم، والشيخ شمس الدِّين عبدالرحمن، وابنه الشيخ (١) من تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٢٥٩ (باريس ٥٩٢١). (٢) بالخاء المعجمة . (٣) وترجمه في التكملة ٢ / الترجمة ١٥٦٤ . ٣٩٥ شمس الدِّين محمد، والفخر ابن البُخاري، والشمس محمد ابن الكَمَال، والتاج عبدالوَهَّاب ابن زين الأمناء، وآخرون. قال الضِّياء: كان ليس بالآدَم (١) كثيرًا، ولا بالطَّويل، ولا بالقَصِير، واسعَ الجَبْهة، مَفْروقَ الحاجبين، أشْهَلَ العينين، فيهما اتساعٌ، قائمَ الأنفِ، يجزُّ شَعْرَه من عند أُذنيه، وكان في بَصَرِه ضَعف. سافرَ إلى بغداد مَرَّتين؛ الأولى في سنة سبع وستين صُحْبة المُوَفَّقِ، بعد أنْ حَفِظَ القرآن، وغيرَه، وقيل: إنَّه حَفِظُ (الغريب)) للعُزَيري(٢)، وحَفِظَ ((الخِرَقي)) وألقى الدُّروس من تفسير القرآن، ومن ((الهداية)). واشتغل بالخِلاف على ناصح الإسلام ابن المنِّي، وقد شاهدتُهُ يُناظر غيرَ مرَّة، وسافر سنة إحدى وثمانين في صُحْبَة ابن أخيه العز ابن الحافظ. وكان عالمًا بالقراءات، والنَّحْو، والفرائض، وقرأ القراءات على أبي الحسن عليّ بن عَساكر البَطَائِحي، وأقرأ بها، وصَنَّف الفروق في المسائل الفقهية، وصنّ كتابًا في الأحكام لم يُتمَّه. وكان من كَثْرة اشتغاله وإشغاله(٣) لا يتفرغ للتصنيف، وكان لا يكاد يفتر من الإشغال إما بإقراء القرآن، أو الأحاديث، أو بإقراء الفقه، والفرائض. وأقام بحَرَّان مُدَّةً، فانتفعوا به. وكان يُشغل بالجبل إذا كان الإمام مُوَفَّق الدِّين في المدينة، فإذا صعد المُوَفَّق نزل هو، فأشغل في المدينة. وسمعتُ المُوَفَّق يقول: ما نَقْدِرُ نعمل مِثْلَ العماد. كان يتألَّف النَّاس ويقربهم، حتى أنَّه ربَّما كَرَّرَ على إنسان كَلِماتٍ يسيرةً من سَحَرٍ إلى الفَجْرِ . قال الضُّياء: وكان يكون في جامع دمشق من الفَجْر إلى العِشاء لا يخرج إلاَّ لِمَا لابُدَّ له منه، يُقرىء النَّاسَ القرآن، والعِلْمَ، فإذا لم يتفق له من يشتغل عليه، اشتغل بالصَّلاة. فسألتُ مُوَفَّق الدِّين عنه، فقال: كان من خِيارِ أصحابنا، وأعظمِهم نفعًا، وأشدِّهمٍ وَرَعًا، وأكثرِهم صَبْرًا على تعليم القرآن والفقه. وكان داعيةً إلى السُّنَّة وتَعَلَّم العِلْم والدِّين. وأقامَ بدمشق مُدَّةً يُعلِّم (١) الآدَم من الناس: الأسمر. (٢) بالعين المهملة وزاي ثم ياء آخر الحروف وبعدها راء مهملة ثم ياء النسبة، وقال المؤلف في ((المشتبه)) (ص ٤٥٩): («العزيزي: غريب القرآن المختصر، هكذا قد سار في الآفاق، وصوابه: العزیري - زاي ثم راء بلا شك». (٣) الاشتغال: طلب العلم. والإشغال: تعليم العلم، وهي من مصطلحات أهل العصر. ٣٩٦ الفُقراء ويُطعمهم، ويبذل لهم نفسهُ، ويتواضع لهم. وكان من أكثر النَّاس تواضعًا واحتقارًا لنفسه، وخَوْفًا من الله، وما أعلم أنَّني رأيتُ أشدَّ خَوْفًا منه. وكان كثيرَ الدُّعاء والسُّؤال الله. وكان يُطيل الرُّكوع والسُّجود بقصد أن يقتدي بصلاة رسول الله وَلَ، ولا يقبلُ من أحد يعذله في ذلك. ونُقلت له كراماتٌ كثيرةٌ؛ هذا كتبه بخطُّه مُوَفَّق الدِّين. قال الضِّياء: ولم أرَ أحدًا أحسنَ صلاةً منه، ولا أتمَّ منها بخُشوع وخُضوع، وحُسن قيام وقعودٍ؛ قيل: إنَّه كان يُسَبِّح في ركوعه وسجوده عَشْرًا،ً يتأنَّى فيَّ ذلك، وربَّما كان بعضهم يقول: النبيُّ نَّه قد أمر بالتخفيف، وقال: ((أفتَّان أنتَ يا مُعاذ))(١)؟! فلا يَرْجع، ويستدل عليهم بأحاديث منها: أنَّ النبيَّ وَل﴿ كان يكون في الركعة الأولى حتى يمضي أحدُنا إلى البقيع ويقضي حاجته ويأتي، والنبي بَّ لم يركع(٢). وربَّما رَوَى أَنَّ أنسًا قال: لم أرَ أحدًا أشبه صلاةٌ برسولِ الله من هذا الفتى، يعني عُمر بن عبدالعزيز، قال: فحزرنا في سجوده عشر تسبيحات(٣). وروى ثابت أنَّ أنسًا قال: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله؟ قال ثابت: وكان يصنع شيئًا لا أراكم تَصْنَعُونه، كان إذا رفَعَ رأسه من الركوع، انتصب قائمًا حتى يقول القائلُ: قد نَسِيَ (٤). وأما صلاته، فكان يقضي صلوات، فربّما قضى في اليوم والليلة صلوات أيام عديدة. وسمعتُ(٥) الإمامَ عبدالمُحْسن بن عبدالكريم المِصْريَّ يقول: سمعت الشيخ العماد يقول: فاتتني صلاة العَصْر قبل أن أبلغ وقد أعدتها مئة مرة، وأنا أريد أن أعيدها أيضًا. وأما صيامه فكان يصوم يومًا ويفطر يومًا . (١) أخرجه البخاري ١٧٩/١ و١٨٢ و٣٢/٨، ومسلم ٤١/٢ و٤٢، وغيرهما من حديث جابر ابن عبدالله. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على ابن ماجة (٩٨٦). (٢) أخرجه مسلم ٣٨/٢، وغيره من حديث أبي سعيد الخدري. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على ابن ماجة (٨٢٥). (٣) هذا اللفظ أخرحه أحمد ١٦٢/٣، وأبو داود (٨٨٨)، والنسائي ٢٢٤/٢ من طريق وهب ابن مأنوس عن سعيد بن جبير عن أنس، به، وهذا إسناد ضعيف لجهالة حال وهب كما بيناه في ((تحرير التقريب)). غير أن قول أنس في عمر بن عبدالعزيز ورد بإسناد حسن من طريق زيد بن أسلم عنه، أخرجه أحمد ٢٢٥/٣، والنسائي ١٦٦/٢ . (٤) أخرجه البخاري ٢٠٢/١ و٢٠٨، ومسلم ٤٥/٢ . (٥) الكلام لا يزال للضياء. ٣٩٧ وكان كثيرَ الدُّعاء بالليل والنهار، إذا دعا كان القَلْبُ يشهد بإجابة دعائه من كثرة ابتهاله وإخلاصه، وقد رُويَ أنَّ الله يحبُّ المُلحِّين في الدُّعاء(١). وكان بين الصلاتين يوم الأربعاء يمضي إلى مقابر الشُّهَداء بباب الصغير، فيدعو ويجتهد له وللمسلمين إلى قُرْب العَصْر، لا يكاد يفوته ذلك؛ لما رُوي عن جابر أنَّ النبي ◌َ ◌ّ دعا في بعض الأيام، فلمَّا كان يوم الأربعاء بين الظُّهْر والعَصْر استُجيب له، قال جابر: فما أصابني أمر غائظ، فتوخيتُ ذلك الوقتَ، فدعوتُ إلاّ رجوتُ الإجابة. قال: وكان يُفْتَح عليه من الأدعية شيء ما سمعتُه من غيره قطَّ، وجرى بيننا ذكر إجابة الدعاء، فقال: ما رأيتُ مثل هذا الدعاء، أو قال: أسرع إجابة: ((يا الله يا الله أنت الله، بلى، والله أنت، لا إله إلا أنت، الله الله الله الله إنه لا إله إلا الله)). ومن دعائه المشهور: ((اللهم اغفر لأقسانا قَلْبًا، وأكبرِنا ذنبًا، وأثقلِنا ظَهْرًا، وأعظمِنا جُرْمًا، وأقلِّنا حياءً منك، ووفاءً بعهدك، وأكثرنا تخليطًا وتفريطًا، وتقصيرًا، وتعثيرًا، وتسويفًا، وطول أمل مع قُرب أجل، وسوء عمل)). وكان يدعو: ((يا دليل الحيارى دلَّنا على طريق الصَّادقين، واجعلنا من عبادك الصالحين، واجذبنا إليك جَذْبة حتى نموتَ عليها، وأصلح ما بيننا وبينك، ولا تمقُتْنا، وإن كنتَ مقتنا، فاغفر لنا، ولا تسقطنا من عینك، یا کریم)). ومن ورعه، كان إذا أفتى في مسألة يحترز فيها احترازًا كثيرًا. وسمعتُ(٢) عن بعض الشافعية أنَّه كان يتعجَّبُ من فتاويه ومن كثرة احترازه فيها. وكان إذا أخذ من لحيته شَعْرة، أو برى قلمًا، احتفظ بذلك، ولا يدعه في المسجد ويخرجه. سمعتُ أبا محمد بن عبدالرزاق بن هبة الله قال: سمعت الشيخ عبدالله البطائحي يقول: أشكلت عليَّ مسالةٌ في الوَرَع، فما (١) حديث موضوع. أخرجه ابن عدي في الكامل ٧/ ٢٦٢١، والعقيلي في الضعفاء ٤٥٢/٤ من طريق بقية، قال: حدثنا يوسف بن السفر، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. ويوسف بن السفر الدمشقي كاتب الأوزاعي: قال النسائي فيه: ليس بثقة، وقال الدار قطني: متروك يكذب، وقال ابن عدي: روى بواطيل، وقال أبو زرعة وغيره: متروك. (٢) السامع هو الضياء. : ٣٩٨ وجدتُ من أفتاني فيها إلاَّ العماد. وقيل: إنَّه كان إذا دخل الخَلاء فَنَسيَ أن يُسَمِّي، خَرَجَ فسمَّی ثم دخلَ. وأما زُهده، فما أعلم أنَّه قطُّ أدخلَ نفسَهُ في شيءٍ من أمرِ الدُّنيا، ولا تَعَرَّض لها، ولا نافسَ فيها. وقد كان يُفْتَح لأصحابنا بعض الأوقات بشيء فما أعلم أنَّه حضر يومًا قطَّ عندهم في شيء من ذلك، وما علمتُ أنَّه دخل إلى عند سلطان ولا والٍ، ولا تعرَّف بأحدٍ منهم، ولا كانت له رغبة في ذلك. وكان قويًّا في أمرِ الله، ضعيفًا في بَدَنهِ، لا تأخذُه في الله لَوْمةُ لائم. وسمعتُه يقول لرجل: كيف وَلَدك؟ قال: يُقَبِّل يدك. فقال: لا تكذب! وكان كثيرَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لا يرى أحدًا يسيء صلاته إلاَّ قال له وعَلَّمَهُ. وبلغني أنَّه خرج مَرَّةً إلى فُساق، فكَسر مامعهم، فضربوه، ونالوا منه، حتى غُشي عليه، فأراد الوالي ضربهم، فقال: إن تابوا ولزموا الصلاة فلا تؤذِهم، وهم في حِلٍّ. فتابوا، ورجعوا عما كانوا عليه. سمعتُ شيخَنا مُوَفَّق الدِّين قال: من عُمُري أعرفه - يعني العماد - وكان بيتُنا قريبًا من بيتهم - يعني في أرض القُدْس - ولمّا جئنا إلى هنا فما افترقنا إلا أن يسافر، ما عرفتُ أنَّه عَصَى الله مَعْصیةٌ . سمعتُ والدي يقول: أنا أعرِفُ العماد من صِغَرِهِ، وما أعرفُ له صَبْوةً ولا جهلةً. وذكر شيخنا أبو محمد عبدالرحمن بن عيسى البُزُوريُّ الواعظُ(١) شيخَنَا عماد الدين في طبقات أصحاب ابن المَنِّي، فقال: فَقهَ، وبَرَعَ وكَملَ، وجمعَ بين العِلْم والعَمَل، أحدُ الورعين الزُّهاد، وصاحبُ ليلٍ واجتهادٍ، متواضعٌ، صَلِفٌ، ظريفٌ. قرأ القرآن بالقراءات، وله المَعْرفةُ الحَسنةُ بالحديث، مع كَثْرةِ السَّماع، واليد الباسطة في الفرائض، والنَّحْو، إلى غير ذلك من الفَضائل، له الخطّ المَلِيح المُشْرق بنور التقوى: أَنْ يَجْمَعَ العالم في وَاحِدٍ وَلَيْسَ اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ هذا مع طيب الأخلاقِ، وحُسن العِشْرة، فما ذاقَ فَمُ المودَّة أعذبَ من أخلاقه، فسبحانَ من صَبَّرني علی فِراقه. (١) الكلام للحافظ الضياء، والبزوري توفي سنة ٦٠٤ ه وهو بغدادي مشهور. ٣٩٩ سمعتُ الإمام أبا إبراهيم محاسن بن عبدالمَلِك التَّنُوخِيَّ يقول: كان الشيخُ العماد جَوْهرةَ العَصْر. قال الضِّياء: أعرفُ وأنا صغيرٌ أنَّ جميعَ من كان في الجَبَل يتعلَّم القرآن كان يقرأ عليه، وخَتَّمَ جماعةً من أصحابنا، وكان له صَبْرٌ عظيمٌ على مَن يقرأ عليه. سمعتُ بعضَهم يقول: إنَّ من قرأ على الشيخ العماد لا ينسى الخَتْمة أبدًا. وكان يتألَّف الناسَ، ويلطُف بالغُرباء والمساكين، حتى صار من تلاميذه جماعةٌ من الأكراد والعَرَب والعَجَم، وكان يتفقَّدهم ويُطْعِمُهم ما أمكنه. ولقد صحِبَهُ جماعةٌ من أنواع المذاهب، فرجعوا عن مذاهبهم لِمَا شاهدوا منه. وكان سَخِيًّا جَوادًا، بيته مأوى الناس، وكان ينصرفُ كلَّ ليلة إلى بيته من الفقراء جماعةٌ كبيرةٌ. وكان يتفقَّد الناس ويسألُ عن أحوالهم كثيرًا، ويَلْقاهم بالبِشْر الدَّائم. وكان من إكرامه لأصحابه يظنُّ كلُّ أحدٍ أن ما عنده مثله، من كَثْرَة ما يُكرمه، ويأخذ بقَلْبه. وكان يبعث بالنفقة سِرًّا إلى الناس، فعل ذلك کثیرًا . سمعتُ(١) أبا محمد عبدالله بن حسن بن محمد الهَكَّاريَّ المُقرىء بِحَرَّان يقول: رأيتُ في النَّوْم قائلاً يقول لي: العماد - يعني إبراهيم بن عبدالواحد - من الأبدال. فرأيتُه خمس ليالٍ كذلك. قال الضِّياء: وقد سمعتُ خَلْقًا من الناس يمدحونه بالصَّلاح، والزُّهْد، والوَرَع، ولا يشكُّون أنَّه من أولياء الله وخاصَّتِهِ، ومن الداعين إلى مَحَبَّته وطاعته . سمعتُ الزاهد أحمد بن سَلَامة بن أحمد بن سَلْمان الحَرَّاني، قال : حدثني الشيخ خليفة بن شُقَيْرِ الحَرَّاني - وكان من أعبد أهل زمانه؛ كان يُصلِّي من بُكرة إلى العَصْر، وكان يقوم طول الليل - قال: مضيتُ مَرَّةً إلى زيارة القُدْس على رجليَّ فوصلتُ وأنا جائعٌ، فِنِمْتُ، فإذا رجل يوقظني، فإذا رجلٌ ومعه طَبِيخٌ، فقال: اقْعُدْ كُلْ! فقلتُ: كيف آكلُ، وأنا لا أعلم من أين هو؟ فقال: هو حلالٌ، وما عملتُه إلاّ لأجلك. فأكلتُ، ثم جاءني مرةً ثانية فقال: جاءني أربعة رجال فقالوا: جزاك الله خيرًا، حيث أوصلتَ المعروف إلى أهله، (١) الكلام للحافظ الضياء أيضًا. ٤٠٠