Indexed OCR Text
Pages 281-300
السَّلاسل جَسْرًا عَظيمًا، فقاتلوا عليه قتالاً شديداً حتى قطعوه، فأخذَ الكامل عدةَ مراكبَ كِبارِ وملأها حجارةً وغَرَّقَها في النِّيل، فَمَنعت المراكبَ من سلوك النِّيل. فقصدت الفِرَنْج خَليجًا يُعرف بالأزْرَق، كان النِّيل يجري قديمًا عليه، فحفروه وعَمَّقوه وأجروا الماء فيه، وأصعدوا مراكبهم فيه إلى بورة، فلمَّا صاروا في بورة حاذوا المَلِك الكامل وقاتلوه في الماء، وزحفوا إليه غير مَرَّةٍ. وأما دِمْياط فلم يتغيَّرْ عليها شيء، لأنَّ المَسِيرة متصلة بهم والنِّيلُ يَخْجز بينهم، وأبوابُها مُفَتَّحة، فاتفقَ موتُ المَلِك العادل فضَعُفَت النُّفوس. وكان عماد الدِّين أحمد بن المَشْطوب أكبر أمير بمصر، والأمراء ينقادون له، فاتفقَ مع جماعةٍ وأرادوا خَلْع الكامل وتمليك أخيه الفائز، فبلغَ الخَبَرُّ الكامل، ففارق المَنْزلة ليلاً، وسار إلى قرية أُشمون، فأصبحَ العَسْكر وقد فقدوا سُلطانَهم، فلم يقف الأخ على أخيه، وتركوا خيامَهم، وعبرت الفِرَنْج النِّيل إلى بَرِّ دِمْياط آمنين في ذي القَعْدة، وحازوا المُعسكر بما فيه، وكان شيئًا عظيمًا فَمَلِكَهُ الفِرَنْجِ بلا تَعَبِ . ثُم لطفَ اللهُ ووصل المُعَظَّم بعد هذا بيومين، والنَّاس في أمرٍ مَريج(١)، فَقَوَّى قَلْبَ أخيه وثَبَّتَهُ، وأخرجوا ابن المَشْطوب إلى الشام وأما العُرْبان فتجمّعت وعائت، فكانوا أشَدَّ على المُسلمين من الفِرَنْج . قال: وأحاط الفِرَنْج بدِمْياط وقاتلوها بَرًّا وبَحْرًا، وعَمِلوا عليهم خَنْدِقًا يَمْنَعُهُم، وهذه عادتهم، وأداموا القتال، واشتدَّ الأمرُ على أهْلِها، وتعذَّرت عليهم الأقوات وغيرُها، وسَئموا القتالَ؛ لأنَّ الفِرنْج كانوا يتناوبون القتالَ عليهم لكثرتهم، ولم يكن بدِمْياط من الكَثْرة ما يجعلون القتال عليهم بالنَّوبة، ومع هذا فصبروا صَبْرًا لم يُسْمَع بمثله، وكَثُرَ القَتْل فيهم والجِرَاجِ والموتُ، ودام الحِصَار عليهم إلى السَّابعِ والعشرين من شعبان من سنة ست عشرة، فَعَجَزَ من بَقِيَ بها عن الحِفْظ لقلَّتهم، وتعذَّر القُوت عليهم، فسَلَّموا بالأمان، وأقامَ طائفة عجزوا عن الحركة. وبَثَّت الفِرَنْجِ سراياهم ينهبون ويقتلون، وشرعوا في تحصين دِمْياط وبالغوا في ذلك، وبَقِي الكامل في أطراف بلاده يحميها. وتسامعَ الفِرَنْج بفتح (١) أمر مَريج: أي: مختلط. ٢٨١ دِمْياط، فأقبلوا إليها من كُلِّ فَجِّ عميق، وأضْحَت دارَ هجرتِهم، وخافَ النَّاس كافةً من الفِرَنْجِ. وأشرف الإسلام على خطة خسف؛ أقبل التَّار من المَشْرق وأقبل الفِرَنْج من المَغْرب، وأرادَ أهلُ مصرَ الجَلاءَ عنها فمنعهم الكامل، وتابع كتبه على أخويه المُعَظَّم والأشْرَف يحثُّهما على الحُضور، وكان الأشرف مَشْغولاً بما دَهِمهُ من اختلاف الكَلِمة عليه ببلاده عند موت القاهر صاحب المَوْصل. وبَقِيَ الكاملُ مدةً طويلةً مُرابطًا في مقابلة الفِرَنْجِ إلى سنة ثمان عشرة، فنجده الأشرفُ. وكان الفِرَنْج قد ساروا من دِمْياط وقَصَدوا الكامل، ونزلوا مقابله وبينهما بَحْر أشْمُون(١)، وهو خليج من النِّيل، وبَقوا يرمون بالمَنْجنيق والجَرْخِ(٢) إلى عَسْكر المسلمين، وقد تَيَقَّنوا هُم وكلُّ النَّاس أنَّهم يملكون الديار المصرية . وأما الكامل فتلقَّى الأشرف وسُرَّ بقدومه، وسار المُعَظَّم فقصدَ دِمْياط، واتفقَ الأشرفُ والكاملُ على قتال الفِرَنْج، وتَقَرَّبوا، وتقدمت شواني المسلمين فقابلت شواني الفِرَنْج، وأخذوا للفِرَنْج ثلاث قطع بما فيها، فقويت النفوس، وتردَّدت الرُّسل في الصُّلحِ، وبَذَلَ المسلمونَ لهم تسليم بيت المَقْدس وعَسْقلان وطَبَرِية وصَيْدا وجَبَلَة واللاذقية وجميع ما فتحهُ صلاح الدین، رحمه الله، سِوى الكَرَك، فلم يَرْضَوا، وطلبوا ثلاث مئة ألف دينار عِوَضًا عن تخريب بيت المَقْدس ليُعَمِّروه بها، فلم يتمَّ أمرٌ، وقالوا: لابدَّ من الكَرَك. فاضطُرَّ المسلمون إلى قتالهم، وكان الفِرَنْج لاقتدارهم في نفوسهم لم يستصحبوا معهم ما يقوتهم عِدَّة أيام؛ ظَنَّا منهم أن العساكر الإسلامية لا تقوم لهم، وأن القرى تبقى بأيديهم وتكفيهم. فعبَر طائفةٌ من المسلمين إلى الأرض التي عليها الفِرَنْجِ فَفَجَّروا النِّيل، فركب أكثر تلكَ الأرض، ولم يَبْقَ للفِرَنْج جهةٌ يسلكونها غير جهةٍ واحدة ضَيِّقة، فنصب الكاملُ الجُسور على النِّيل وعبرت العساكر، فملكوا الطريق التي يسلكها الفِرَنْجِ إلى دِمْياط، ولم يَبْقَ لهم خَلاصٌ، ووصل إليهم مركب كبير وحوله عِدَّة حَرَّاقات، فوقع عليها شواني المسلمين، وظفرَ (١) هكذا في الأصل، وفي كامل ابن الأثير: (أُشموم)) بالميم وكله جائز (انظر التعليق على مفرج الكروب ٤/ ١٧). (٢) الجَرْخ: آلة من آلات الحرب القديمة، وهي قذافة تُرمى عنها السهام والنفط (معجم دوزي ٢ / ١٧٤). ٢٨٢ المسلمون بذلك كلِّه، فسُقط في أيدي الفِرَنْج وأحاطت بهم عساكر المسلمين، واشتدَّ عليهم الأمرُ، فأحرقوا خيامَهُم ومجانيقَهم وأثْقالهم، وأرادوا الزَّحف إلى المسلمين فعَجَزُوا وذَلُّوا. فراسلوا الكامل يطلبون الأمان ليسلِّموا دِمْياط بلا عِوَضٍ، فبينما المراسلات متردِّدة، إذ أقبلَ جمعٌ كبير لهم رَهَجٌ (١) شديدٌ وجَلَبة عظيمةٌ من جهة دِمْياط، فظنَّه المسلمون نَجْدةً للفِرَنْج، فإذا به المَلِك المُعَظّم، فخُذِلَ الفِرَنْج، لعنهم الله، وسَلَّموا دِمْياط، واستقرَّت القاعدة في سابع رَجَب سنة ثمان عشرة، وتَسَلَّمها المسلمون بعد يومين، وكان يومًا مشهودًا، فدخلها العسكر، فرأوها حَصِينة قد بالغَ الفِرَنْج في تحصينها بحيثُ بقيت لا تُرام، فلله الحمد على ما أنعمَ به. وهذا كله ساقه ابن الأثير، رحمه الله، متتابعًا في سنة أربع عشرة(٢) . وقال غيره، وهو سَعْد الدين مسعود بن حَقُّوية فيما أنبأنا: لما تقرّر الصُّلْح جلس السلطان في خَيْمَته، وحضر عنده الملوك، فكان على يمين السُّلطان صاحبُ حِمْص المَلِكُ المُجاهد، ودونه المَلِك الأشرف شاه أرمن ودونه المَلِك المُعَظّم عيسى، ودونه صاحب حَماة، ودونه الحافظ صاحب جَعْبَر، ومُقَدَّم نَجْدة حَلَب ومُقَدَّم نَجْدة المَوْصل، ومُقَدَّم نَجْدة مارِدين، ومُقدَّم نَجْدة إرْبل، ومُقدَّم نَجْدة مَيَّافارقين. وكان على يساره نائب البابا، وصاحب عَكَّا، وصاحب قُبْرص، وصاحب طَرابُلُس، وصاحب صَيْدا، وعشرون من الكُنود لهم قِلاع في المَغْرب، ومُقدَّم الدَّاوية، ومُقَدَّم الإسبتار. وكان يومًا مشهودًا، فرسمَ السلطان بمبايعتهم، وكان يحمل إليهم في كلِّ يوم خمسين ألفَ رغيفٍ، ومئتي إرْدَبِّ شَعير، وكانوا يبيعون عُدَدَهم بالخُبْز مما نالهم من الجُوعِ. فلما سَلَّموا دِمْياط أطلقَ السلطانُ رهائنهم، وبَقيَ صاحبُ عَكَّا حتى يُطلقوا رهائن السلطان. فأبطؤوا، فركب السلطان ومعه صاحب عَكًّا، وكان خلقةً هائلةً، فأخرجَ الشُّلطان من صَدْر قبائه صليبَ الصلبوت، الذي كان صلاحُ الدين أخذَه من خزائن خُلَفاء مِصْر، فلمَّا رآه صاحب عَكَّا رمى بنفسه إلى الأرض، وشكر السلطان، وقال: هذا عندنا أعظم من دِمْياط. وقال له (١) الرَهَج: الغبار. (٢) الكامل ٣٢٣/١٢ - ٣٣١. ٢٨٣ السلطان: خُذ هذا تذكارًا من عندي، واركب في مركب، ورح نفّذ رهائننا، فلم يفعل، وبعث الصَّليب مع قِسِّيس. وحكى بعضهم، قال: وفي شعبان أخذت الفِرَنْجِ دِمْياط، وكان المُعَظّم قد جهّز إليها ناهض الدِّين ابن الجَرْخي في خمس مئة راجل، فهجموا على الخَنْدق فقُتلَ الناهضُ ومَنْ كان معه، وضَعُفَ أهلُ دِمْياط المساكين، ووقع فيهم الوَبَاءُ والغَلاء، وعَجَزَ المَلِكُ الكامل عن نُصرتهم، فسلَّموها بالأمان، وفتحوا للفِرَنْج، فغدروا، لعنهم الله، وقتلوا وأسَروا وجعلوا الجامعَ كنيسةً، وبعثوا بالمصاحف ورُؤوس القَتْلى إلى الجزائر. وكان بدِمْياط الشيخ أبو الحسن بن قُفْل الزاهد صاحب زاوية، فما تَعَرَّضوا له، قال أبو شامة(١): أنا رأيتُهُ بدِمْياط سنة ثمان وعشرين. وبلغَ الكاملَ والمُعَظَّم فبكيا بُكاءً شديدًا، وقال الكامل للمُعَظّم: ما في مُقامك فائدة، فانزل إلى الشام وشَوِّش خواطر الفِرَنْج، واجمع العساكر من الشَّرْق. قال ابن واصل في أخذ دِمْياط(٢): وحين جرى هذا الأمر الفظيع، ابتنى المَلِك الكامل مدينة ، وسَمَّاها المنصورة عند مَفْرَق البَحْرين الآخذ أحدهما إلى دِمْياط، والآخر إلى أُشمون، ومَصَبُّهُ في بُخَيْرة ◌ِنِّيس، ثم نزلها بجيشه، وبنى عليها سورًا. وذكر ابن واصل: أنَّ تملُّك الفِرَنْجِ دِمْياط كان في عاشر رمضان . قال أبو المظفر(٣): فكتب إليَّ المُعَظَّم وأنا بدمشق بتحريض النَّاس على الجهاد ويقول: إنِّ كشفتُ ضياعَ الشَّام فوجدتُها ألفي قرية، منها ألف وست مئة قرية أملاك لأهلها، وأربع مئة سلطانية، وكم مقدار ما يقيم هذه الأربع مئة من العساكر؟ فأريد أنْ تُخْرج الدَّمَاشِقة ليَذْبُّوا عن أمْلاكهم. فقرأتُ عليهم كتابَهُ في المِيْعاد، فتقاعدوا، فكان تقاعدُهم سَبَبًا لأخذ الخُمْس والثُّمن من أموالهم، وكتب إليَّ: إذا لم يخرجوا فسر أنت إليَّ. فخرجتُ إلى الساحل، وقد نَزَلَ (١) ذيل الروضتين ١١٧ . (٢) مفرج الكروب ٤/ ٣٣. (٣) مرآة الزمان ٦٠٤/٨. ٢٨٤ على قَيْساريَة، فأقمنا حتى افتتحها عنوةً، ثم نزلَ على حِصْنِ البَقَر فافتتحه وهَدَمه، وقَدِمَ دمشقَ. وفيها ألبس المَلِكُ المُعَظّم قاضي القُضاة زكيَّ الدِّين الطاهر القِباء والكلوتة بمجلس الحُكْم بداره . قال أبو المظفر(١): كان في قَلْب المُعَظّم منه حَزَازاتٌ، كان يمنعه من إظهارها حياؤه من أبيه(٢)، وكان يشكو إليَّ مِرارًا. ومَرِضت ستُّ الشام عَمَّةُ المُعَظَّم، وكانت أوصت بدارها مدرسةً، فأحْضَرَت القاضي المذكور والشُّهود، وأوصت إلى القاضي، وبلغَ ذلك المُعَظّم فعزَّ عليه، وقال: يحضر إلى دار عَمَّتي بغير إذني ويسمع كلامها. ثم اتفق أنَّ القاضي أحضر جابي العزيزية وطلب منه حِسابًا، فأغلظ له، فأمر بضربه، فضُرب بين يديه كما تفعل الولاة. فوجدَ المُعَظّم سبيلاً إلى إظهار ما في نفسه، وكان الجَمَالُ المِصْري وكيل بيت المال عَدُوًّا للقاضي، فجاءَ فجلسَ عند القاضي والشُّهود حاضرون، فبعث المُعَظَّم بُقْجةً فيها قِباء وكلوتة، وأمر أنْ يحكم بهما بينَ الناسِ، فقامَ من خوفه فلَسَهما، وحكم بين اثنين. قال أبو شامة(٣): جابي المدرسة هو السَّديد سالم بن عبدالرزاق خطيب عَقْربا، وجاء الذي ألْبسه الخِلْعة إلى عند شيخِنا السَّخَاوي، فتأوَّه الشيخ وضرب بيده على الأخرى، فكان مما حكى أن قال: أمَرَني السلطان أنْ أقول له: السلطان يُسَلُّم عليك ويقول لك: الخليفةُ سَلامُ اللهِ عليه إذا أراد أنْ يُشَرِّف أحدًا خَلَعَ عليه من ملابسه؛ ونحن نَسْلُكُ طريقه. وفتحتُ البقجة، فلما رآها وَجَمَ، فأمرتُه بترك التَّوقُّف، فمدَّ يدَهُ ووضع القِباء على كتفيه، ووضع عِمامته وحطّ الكلونة علی رأسه، ثم قام ودخل بيته. قال أبو شامة (٤): ومن لُطْف الله به أنْ كان المجلس في داره، ثم لزم بيته، ولم تَطُلْ حياته بعدها، ومات في صَفَر سنة سبع عشرة، رمى قِطَعًا من كَبِده، وتأسَّفَ الناس لِمَا جرى عليه، وكان يُحبُّ أهل الخير ويزور الصالحين. (١) مرآة الزمان ٦٠٤/٨. (٢) يعني : العادل. (٣) ذيل الروضتين ١١٧ - ١١٨ . (٤) نفسه ١١٨ . ٢٨٥ وبقي نُوَّابُهُ يحكمون بين الناس: ابن الشِّيرازي، وابن سَنيِّ الدَّوْلة، وشَرَف الدِّين ابن المَوْصلي الحَنَفي، كان يحكم بالطَّرْخانِيّة بجَيْرون، ثم بعد مدَّة أُضيف إليهم الجَمال المِصْري. وقال أبو المظفر (١): كانت واقعة قبيحة، ولقد قلتُ له يومًا: ما فعلتَ هذا إلا بصاحب الشرع؟ ولقد وجب عليك دِيَة القاضي، فقال: هو أحوجَني إلى هذا، ولقد نَدِمتُ. واتفق أنَّ المُعَظّم بعثَ إلى الشَّرَف ابن عُنَيْن - حين تَزَهَّد - خَمْرًا ونَرْدًا، وقال: سَبِّح بهذا! فكتبت إليه(٢): يا أيُّها المَلِكُ المُعَظِّم سُنّة أحدثتَها تبقى على الآبَادِ تجري المُلُوكُ على طَرِيقِكَ بعَدْهَا خلْع القُضاة وتُحفةُ الزهَّاد سنة سبع عشرة وست مئة فيها قصد مظفر الدِّين صاحب إرْبل المَوْصلَ، فخرجَ إليه بَدْر الدِّين لُؤْلُؤْ، فَكَسَرهُ مظفرُ الدِّين، وأفلتَ لُؤْلُؤْ وحدَه، ونازل مظفرُ الدِّينِ المَوْصلَ، فجاء المَلِك الأشرفُ من حَرَّان نَجْدً للؤلؤ، ثم وقع الصُّلْح. وفيها كانت فتنةُ ابن المَشْطوب، لمَّا كان المُعَظَّم بديار مِصْر عام أوَّل، بلغه أنَّ المَلِك الفائز أخاه قد اتفق مع الأمير عماد الدِّين ابن المَشْطوب أحد الأمراء الكِبارِ على أخيه الكامل، وقد استحلفَ للفائز العَساكر. فعرفَ الكاملُ فرحلَ إلى أُشموم، وهَمَّ بالتوجُّه إلى اليَمَن، ويَيْسَ من البلاد، فقال له المُعَظَّم: لا بأسَ عليك، وركِبَ وجاء إلى خَيْمة ابن المَشْطوب، فخرج إلى خِدْمتهِ بغيرِ خُفٍّ، وركب معه، فسير معه، فأبْعَدَ به، وقال: أخي الأشرف قد طلبك فَسِرْ إليه مُسْرعًا. فقال: ما معي غِلْماني ولا قِماشي، فَوَكَّل به جماعةً، وقال: هؤلاء في خدمتك. وأعطاه نفقةً خمسَ مئة دينار، وقال: كلُّ شيء تريد يَلْحقُكَ في الحال. فسارَ، وجَهَّزَ المُعَظّم جميع أحواله خَلْفه، ثم رجع إلى مُخَيَّمه، فجاءَ الكامل إليه وقَبَّل الأرضَ بین یدیه. وأما الفائز فخاف خوفًا عَظيمًا، واجتاز ابن المَشْطوب على دمشق وحماة، وعَذَّى الفُرات إلى الأشرف فتلقَّه وأكْرَمه، فصار يركب بالشَّبَّابة (١) مرآة الزمان ٦٠٥/٨. (٢) انظر ديوانه: ٩٣ . ٢٨٦ ويعمل له موكبًا كالأشرف، فأعطاه أرْجيش(١)، فَتَجبَّرَ، وخامرَ على الأشرف، وطَلَعَ إلى مارِدين، ثم قَصَدَ سِنْجَار في هذه السنة، وساعدَهُ صاحبُ مارِدين، فسارَ لحَرْبِه الْمَلِكُ الأشرفُ، فدخل ابن المَشْطوب إلى تَلعفر(٢)، فأنزلَه بَدْرُ الدِّين لؤلؤ صاحبُ المَوْصل بالأمان، وحَمَلهُ معه إلى المَوْصل، ثم قَيَّده وبعث به إلى الأشرف، فألقاه في الجُبِّ، فمات بالقَمْلِ والجُوعِ. وكان عماد الدِّين ابن نور الدِّين صاحب قَرْقِيسيا مع الأشرف، فكاتب ابن المَشْطوب، فعَلِمَ الأشرفُ فَحَبسهُ وبعثَ به مع العَلَم قَيْصرِ المعروف بتعاسيف إلى قَرْقيسيا وعانة، فَعَلَّقه تحت القَلْعتين وعَذَّبَهُ، وتَسَلَّم تعاسيفُ جميعَ بلاده، وأراد الأشرف أنْ يرميَه في الجُبِّ، فشفع فيه المَلِك المُعَظّم، فأطلقه، فسار إلى دمشق فأحسن إليه المُعَظّم، واشترى بُستانَ ابن حَيُّوس بنواحي العُقَيبة، وبنى فيهِ قُبَّة، وأقامَ به إلى أنْ مات، ودُفنَ بالقُبة، وهي على الطريق في آخر عمارة العُقيبة من شمالِيِّها بِغَرْبٍ . وفيها تَزوَّج الأخوان المنصور إبراهيم والمسعود أحمد ابنا أسد الدِّين، بابنتَي المَلِك العادل، أُختَي الصَّالحِ إسماعيل لأبويه، وتزوَّجَ أخوهُما يعقوب بابنة المُعَظّم، وتزوَّج عُمر ابن المُعَظّم بابنة أسد الدِّين ومَهْرُ كلٍّ منهنَّ ثلاثون ألف دينار. ودرَّس بالعزيزية القاضي ابن الشِّيرازي. وفيها عُملَ عَزَاءُ شيخ الشيوخ ابن حَقُّوية بجامع دمشق، فتكَلَّم واعظٌ وأَنْشدَ أبيات ابن سينا: ((هَبطت إليكَ من المَحلِّ الأرفع)). فأنكر القاضي الجَمال المِصْري وقال: هذه الأبيات قول زِنْديق، وأمره بالتُّزول فتعَصَّبَ له جماعةٌ، فتَمَّمَ ونَزَلَ، وسَكَّن المُعتمِدُ العصبية بعد أن جُذِبَت سكاكين. ثم عُزل ابن الشِّيرازي من العزيزية بالآمدي. وفيها قَتَلَ صاحبُ سِنْجار أخاه، فسارَ المَلِكُ الأشرف إليها فأخذَها، وعَوَّض صاحبَها الرَّقَّة، فَنَزَلَ من سِنْجار بأهله، وهو آخر ملوك البيت الأتابكيِّ، ومُدَّة، مُلْكهم أربعٌ وتسعون سنةً، ومات بعد أنْ تَسَلَّم الرََّّةَ بقليلٍ، (١) مدينة من نواحي أرمينية قرب خِلاط. (٢) لا تزال قائمة عامرة إلى يومنا في شمال العراق. ٢٨٧ وانقصفَ شبابُه ولم يُمَنَّع بعد قَتْل أخيه . وفي رَجَب كانت وَقْعة البُرُلُّس، وكانت وقعةً هائلةً بين الفِرَنْج والكامل، قَتَلَ الكاملُ منهم عشرةَ آلاف، وأخذ غنائمهم وخَيْلهم(١)، وانهزموا إلى دمياط. وفيها عُزِلَ المُعتمِد عن ولاية دمشق، ووُلِّيَ الغَرْس خليل. وحجَّ فيها المُعتمِد بالرَّكْبِ، وحَجَّ برَكْب بَغداد أقباش النَّاصري، فقُتلَ بمكّة، وعادَ رَكْبُ العراق مع الشَّامِّين، وكان مع آقباش تقليدٌ بإمرةٍ مَكَّة لحسن ابن قَتَادة بن إدريس، لأنَّ أباه ماتَ في وسط العام فجاءَهُ بعَرَفات راجحٌ أخو حسن وقال: أنا أكبر وَلَدِ قَتَادة فَوَلِّني، وظَنَّ حسنٌ أنَّ آقباش قد وَلَّى راجِحًا، فغلَّقَ مَكَّة، ثم نزل آقباش بشُبيكة وركِب ليسكن الفتنة ويُصلح بين الأخوين، فبرز عَبِيدُ حسن يقاتلونه، فقال: ما قَصْدي القتال. فلم يلتفتوا إليه، وثاروا به، فانهزمَ أصحابُه وبَقيَ وحده، فجاءَ عَبْدٌ فَعَرْقَبَ فرسَهُ، فوقعَ، فقتلوه، وحملوا رأسَه على رُمْح فنُصِبَ بالمَسْعَى. وأرادوا نَهْب العِراقيين، فقامَ المُعتمد في الأمر، وَخَوَّفَ الحسن من الكامل والمُعَظَّم. وكان آقباش قد اشتراه النَّاصر لدين الله وهو أمرد بخمسة آلاف دينار، ولم يكن بالعراق أحسنُ منه صورةً، وكان عاقلاً متواضعًا، وحَزِنَ عليهِ الخليفة . خرُوجَ التََّار قال أبو المظفر سِبْط ابن الجَوْزي(٢): كان أوَّل ظهورِهم بما وراء النهر سنة خمس عشرة، فأخذوا بُخارى وسَمَرقند وقَتلُوا أهلها، وحاصروا خُوارزم شاه، ثم بعد ذلك عَبَروا النَّهر، فوجدوا الخطا قد كَسَروا خُوارزم شاه، فانضمَّ إليهم الخطا وصاروا تَبَعًا لهم. وكان خُوارِزم شاه قد أبادَ المُلوك من مدن خُراسان، فلم يَجِد التَّتار أحدًا في وجههم، فطَوَوا البلادَ قَتْلاً وسَبْيًا، وساقوا إلى أنْ وصلوا إلى هَمَذَان وقَزْوين في هذه السنة، وتوجَّهوا إلى أذْرَبِيجان. وقال ابن الأثير في كامله(٣): لقد بَقيتُ مُدَّةً مُعْرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها، كارهًا لذكرها، أُقَدِّمُ رِجْلاً وأُؤَخِّر أُخرى، فمن الذي يسهل عليه (١) في تاريخ أبي شامة: ((وغَنِم خيولهم وسلاحهم)) (ص ١٢٢). (٢) مرآة الزمان ٨/ ٦٠٩ - ٦١٠. (٣) الكامل ٣٥٨/١٢ فما بعد. ٢٨٨ أَنْ يكتب نَعيَّ الإسلام، فياليت أُمي لم تَلِدْني، وياليتني مُتُّ قبل حدوثها. ثم حثََّي جماعةٌ على تسطيرها، فنقول: هذا الفصل(١) يتضمَّن ذكر الحادثة العُظْمى والمصيبة الكُبْرِى التي عقمت(٢) الدُّهور عن مِثْلِها، عَمَّت الخَلائق وخَصَّت المُسلمينَ، فلو قال قائل: إنَّ العالم منذ خلقَهُ اللهُ إلى الآن لم يُبْتَلَوا بِمِثْلِها، لكان صادقًا، فإنَّ التواريخ لم تتضمَّن ما يقاربها. ومن أعظم ما يذكرون فعل بُخْتُ نَصَّر ببني إسرائيل بالبيت المُقَدَّس، وما البيت المُقَدَّس بالنّسبة إلى ما خَرَّب هؤلاء الملاعين؟! وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟! فهذه الحادثة التي استطارَ شَرَرُها وعَمَّ ضَرُرها وسارت في البلاد كالسَّحاب استدبرته الريحُ، فإنَّ قومًا خرجوا من أطراف الصِّين فقَصَدُوا بلادَ تُرْكستان مِثْل كاشْغر وبلاشغون(٣)، ثم منها إلى بُخارى وسَمَرْقند فيملكونَها، ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبُرُ طائفةٌ منهم إلى خُراسانَ فيفرغون منها مُلْكًا وتَخْرِيبًا وقَتْلاً وإبادةً إلى الرَّيِّ وهَمَذَان إلى حَدِّ العراق، ثم يقصدون أذْرَبيجان ونواحيها ويخرِّبونَها ويستبيحونَها في أقلّ من سنةٍ، أمرٌ لم يُسمَع بِمِثْلِه. ثم ساروا من أذْرَبيجان إلى دَرْبَنْد شِرْوان فملكُوا مُدُنَهُ ولمٍ يَسْلَمْ غير القَلْعة التي فيها ملكهم، وعَبَروا من عندها إلى بَلَد اللَّن واللَّكْز فقتلوا وأسروا، ثم قصدوا بلاد قَفْجاق وهُمْ من أكثر التُّرْك عددًا، فقتلوا مَنْ وَقَف، وهرب الباقون إلى الشَّعْراء (٤) والغِياض ورؤوس الجبال، وفارقوا بلادهم، واستولى التَّتَر عليها. ومَضَى طائفةٌ أخرى غير هؤلاء إلى غَزْنَة وأعمالها، وسِجِسْتان وكَرْمان، ففعلوا مثل هؤلاء بل أشد، هذا ما لم يَطْرُق الأسماع مِثْلُه؛ فإنَّ الإسكندر الذي ملك الدُّنيا لم يَمْلِكْها في هذه السُّرْعة، وإنَّما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحدًا إنَّما رَضِيَ بالطاعة. وهؤلاء قد ملكوا أكثر المَعْمُور من الأرض (١) في المطبوع من كامل ابن الأثير: ((الفعل)) وليس بشيء. (٢) فَضَّل محقق ((الكامل)) عليها كلمة ((عَقّت)) ولم يفعل شيئًا . (٣) وتكتب ((بلا ساغون)) أيضًا - وجاءت كذلك في ص ٢٩١ - كما قَيدها ياقوت وغيره وكتب المؤلف في الحاشية أيضًا: ((بلاد شاغون))، هكذا، وما له فيه سلف، والله أعلم، فما ذكره ياقوت وغيره هو المشهور. (٤) الشعراء - بوزن الصحراء - الشجر الكثير. وقد خلا المطبوع من تاريخ ابن الأثير من هذه اللفظة . تاريخ الإسلام ١٣ / م ١٩ ٢٨٩ وأحسنَهُ وأعمرَهُ في نَحْو سنة، ولم يَبْقَ أحدٌ في البلاد التي لم يَطْرقوها إلا وهو خائفٌ يَتَرَفَّب وصولَهُم إليه. ثم إنَّهم لم يحتاجوا إلى مِيرة، ومَدَدُهم يأتيهم، فإنَّهم معهم الأغنامُ والبَقَّرُ والخَيْلُ، يأكلون لحومها لا غير. وأما خيلهم فإنَّها تحفر الأرضَ بحوافرها، وتأكل عُروق النَّبات ولا تعرف الشَّعير. وأما ديانتهم فإنَّهم يسجدون للشمس عند طُلوعها، ولا يُحَرِّمون شيئًا، ويأكلون جميعَ الدَّوابِّ وبني آدم(١). ولا يعرفون نكاحًا بل المرأة يأتيها غيرُ واحد، فإذا جاءَ الولدُ لا يُعْرَف أبوهُ. وتهيَّأ لهم أخذ الممالك لأنَّ خُوارزم شاه محمدًا كان قد استولى على البلاد وقَهَرَ مُلوكهاوقَتَلَهُم، فلمَّا انهزمَ من التَّثَار لم يَبْقَ في البلادِ مَنْ يمنعُهم ولا مَنْ يحميها، ليقضيَ ألله أمرًا كان مَفْعولاً . وهم نوع من التُّرك مساكنهم جبال طَمْغاج بينها وبين بلاد الشَّرق أكثر من ستة أشهر، وكان مَلِكُهم جِنْكِز خان قد فارقَ بلادَه، وسار إلى نواحي تُرْكستان، وسَيَّر معه جماعة من الأتراك التُّجَّار ومعهم شيء كثير من النُّقْرَة والقُنْدُز(٢) وغير ذلك، إلى بلاد ما وراء النهر ليشتروا له ثيابًا وكسْوةً، فوصلوا إلى مدينةٍ من بلاد التُّرك تُسَمَّى أوترار وهي آخر ولاية خُوارزم شاه، وله بها نائبٌ. فلمّا وردَ عليه هذه الطائفة، أرسلَ عَرَّف السُّلطان(٣)، فبعث يأمره بقتلهم وأخْذِ ما معهم، وکان شيئًا کثیرًا. وكان بعد مملكتِهِ مملكة الخَطا وقد سَدَّ الطرقَ من بلاد تُرْكستان وما بعدها من البلاد، لأنَّ طائفة من التَّار أيضًا كانوا قد خرجوا من قديم الزمان والبلاد للخَطا. فلما مَلَكَ خُوارزم شاه، وكَسَر الخطا، واستولى على بلادهم، استولى هؤلاء التَّتار على تُرْكستان، وصاروا يحاربون نُواب خُوارزم شاه، فلذلك مَنَعَ المِيرةَ عنهم من الكُسوات وغيرها. وقيل: غير ذلك. فلمَّا قُتلَ أولئك الثُّجَّار، بعثَ جواسيسَ يكشفون له جیشَ جَنْكِزخان، فمضوا وسلكوا المفاوزَ والجبال، وعادوا بعد مُدَّة، وأخبروا بأنهم يفوقون (١) لم نجد في تاريخ ابن الأثير ما يشير إلى أنه قال بأكلهم لبني آدم. (٢) كتب المؤلف في الحاشية: ((والقندس)). أما في المطبوع من تاريخ ابن الأثير فوقعت: ((القندر)) بالراء، خطأ . (٣) هكذا بخط المؤلف، وفي كامل ابن الأثير: ((أرسل إلى خوارزم شاه يعلمه بوصولهم ويذكر له ما معهم من الأموال)». ٢٩٠ الإحصاء، وأنَّهم من أصبر خَلْقِ الله على القتال، لا يعرفون هزيمةً، ويعملون سلاحهم بأيديهم. فَنَدِمَ خُوارزم شاه على قَتْل تُجَّارهم، وحَصَلَ عنده فِكرٌ زائدٌ، فأحْضَر الفقيه شِهابَ الدِّين الخيوقي فاستشاره، فقال: اجمع عساكرك ويكون التَّغير عامًّا فإنَّه يجب على الإسلام ذلك، ثم تسير بالجيوش إلى جانب سَيْحون، وهو نهرٌ كبيرٌ يفصل بين التُّرك وبلاد ما وراء النهر، فتكون هناك، فإذا وصلَ إليه العَدُوُّ وقد سار مسافةً بعيدة، لقيناه ونحن مُسْتريحون، وهم في غاية الثَّعَب. فجمعَ الأمراء واستشارهم فلم يوافقوه على هذا، بل قالوا: الرأي أنْ نتركهم يعبرون سَيْحون إلينا، ويسلكون هذه الجبال والوعر فإنَّهم جاهلُون بطرقها، ونحن عارفون بها، فنقوی حینئذ علیھم ويهلكون . فبينما هم كذلك إذْ قَدِمَ رسولُ جِنْكِزخان يتهذَّد خُوارزم شاه ويقول : تقتلون تُجَّاري وتأخذونَ أموالَهم، استعدُّوا للحرب، فها أنا واصلٌ إليكم بجمع لا قِبَلَ لكم به. وكان قد سار وملك كاشغر وبلاساغون وأزال عنها التَّار الأولين، فلم يظهر لهم أثرٌ، ولا بَقِيَ لهم خَبَر، بل أبادَهم، فقتل خُوارزم شاه الرَّسُولَ، وأما أصحابهُ فَحلَقَ لِحاهُم، ورَدَّهم إلى جَنْكِزِخان يقولون له: إنَّه سائرٌ إليك. وبادَرَ خُوارِزم شاه ليسبقَ خَبَرَهُ ويَكْبِسِ التتار، فقطعَ مسيرةَ أربعة أشْهر (١)، فوصلَ إلى بيوت التَّتار فما وجد فيها إلاَّ الحَريم فاستباحَها. وكان التَّار قد ساروا إلى محاربة مَلِكِ من مُلوك التُّرك يقال له كشلوخان فهزموه، وغنموا أمواله، وعادوا، فجاءَهم الصريخ بما جرى، فجَدُّوا في السَّيْر فأدركوا خُوارزم شاه وعَملُوا معه مصافًّا لم يُسْمَع بمثله، واقتتلوا أشدَّ قتال، وبقوا في الحرب ثلاثةَ أيام ولياليها، وقُتل من الطائفتين خَلْقٌ لا يُخْصون، وثبتَ المسلمونَ وأبْلَوا بلاءً حَسنًا، وعَلِموا أنَّهم إِن انهزموا لم يَبْقَ للمسلمين باقية، وأنَّهم يؤخذون لبُعْدهم عن الديار. وأما الكُفَّار التتار فصبروا لاستنقاذ أموالهم وحَرِيمهم، واشتدَّ بهم الأمْرُ حتى كان أحدُهم يَنْزل عن فرسه وقِرْنه(٢) راجل، فيقتتلان بالسكاكين. وجرى الدَّمُ حتى زلقت الخيلُ فيه من كَثْرته، واستفرِغْ (١) كتب المؤلف ((أيام)) ثم كتب في الحاشية ((أشهر)) تصحيحًا لها، وهي كذلك عند ابن الأثير (الكامل ١٢ /٣٦٤). (٢) يعني: الذي يقاتله من الأعداء. ٢٩١ الفريقان وُسْعَهم في الصَّبْر. وهذا القتال كلُّه مع ابن جَنْكِزخان، فإنَّ أباه لم يحضر الوَقْعَة ولم يشعر بها، وقُتلَ من المسلمين عشرون ألفًا، ومن الكُفَّار ما لا يُحصی . فلمَّا كانت الليلةُ الرابعة نَزَلَ بعضُهم مقابل بعضهم، فلمَّا كان الليل أوْقَدَ التَّتار نيرانَهُم وتركوها بحالها وساروا، وكذلك فعل المسلمون أيضًا، كلٌّ منهم قد سَئِمَ القتال. ورَجَعَ المسلمون إلى بُخارى فاستعدوا للحصار لعِلْم خُوارِزم شاه بعجزه، لأنَّ طائفةً من التَّتار لم يقدر أنْ يظفرَ بهم، فكيف إذا جاؤوا بأجمعهم مع مَلِكهم جِنْكِزخان؟ فأمَرَ أهلَ بُخارى وسَمَرْقند يستعدون للحصار، وجعل ببُخارى عشرين ألف فارس، وفي سَمَرْقند خمسين ألف فارس، وقال: احفظوا البلاد حتى أعود إلى خُوارزم وأجمع العساكر وأعود. ثم عبرَ الشَّهر ونزل على بَلْخ، فعَسْكَرَ هناك. وأما التَّار فإنَّهم أقبلوا، فنازلوا بُخارى وحاصروها ثلاثة أيام وزحفوا، ففرَّ مَنْ بها من العساكر، وطلبوا خُراسان في الليل، فأصبح البلدُ خاليًا من العَسْكر، فأخرجوا القاضي بَدْر الدِّين ابن قاضي خان ليطلب لهم الأمان، فأعطوهم الأمانَ، واعتصمَ طائفةٌ من العَسكر بالقَلْعةِ، فَفُتِحت أبواب بُخارى للتَّتار في رابع ذي الحِجَّة سنة ست عشرة، فدخلت التَّار ولم يتعرَّضوا إلى أحد، بل طلبوا الحواصل السُّلطانية، وطلبوا منهم المُساعدة على قتالِ مَنْ بالقَلْعة، وأظهروا العَدْلَ. ودخل جِنْكزخان؛ لعنه الله، وأحاطَ بالقَلْعة، ونادى في البلد أنْ لا يتخلَّف أحدٌ، ومنَ تخلَّف قُتلَ، فحضروا كلُّهم لطَمِّ الخَنْدق وطَقُّوه بالتُّراب والأخشاب حتى أنَّ التَّتار كانوا يأخذون المنابرَ وَرَبَعات الكتاب العزيز فيلقونها في الخَنْدق، فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون. ثم زحفوا على القَلْعة وبها أربع مئة فارس، فمنعوها اثني عشر يومًا، فوصلت النقوب إلى سورها، واشتدَّ القتالُ فغَضِبَ جِنْكِزخان ورَدَّ أصحابَهُ ذلك اليوم، وباكرهم من الغَدِ، وجَدُّوا في القتال، فدخلوا القلعة، وصَدَقَهُم أهلُها (١) حتى قُتلُوا عن آخرهم. ثم أمرَ جِنْكِزخان أنْ يُكْتبَ له رؤوسُ البلدِ، ففعلوا، ثم أحْضَرهم فقال: أريد منكم النُّقْرة التي باعكم خُوارِزم شاه فإنَّها لي. فأحضرَ كلُّ مَنْ عنده شيء منها، (١) يعني: صدق أهلها في قتال العدو. ٢٩٢ ثم أمرهم بالخروج من البَلَد فخرجوا مُجَرَّدين، فأمرَ التَّار أنْ ينهبوا البلدَ فَنَهَبُوه، وقتلوا مَنْ وجدوا به. وأمر التَّتار أنْ يقتسموا المُسلمين فتمزَّقوا كلَّ مُمَزّقَ، وأصبحت بُخارى خاويةً على عروشها، وسَبَوا النِّساء. ومن الناس من قاتل حتى قُتلَ، وكذا فعل الإمامُ رُكْن الدِّين إمام زادة، والقاضي صَدْر الدِّين وأولادهم. ثم ألقت التَّار النَّار في البلد والمدارس والمساجد، وعَذَّبوا الرؤساءَ في طلب المال. ثم رحلوا نَحْوَ سَمَرقند وقد تَحَقَّقوا عجز خُوارزم شاه عنهم، واستصحبوا أُسارى بُخارى معهم مُشاةً في أقبح حالٍ، ومَنْ عَجَزَ قتلوهُ، فأحاطوا أيضًا بسَمَرقند، وبها خمسون ألف مقاتل، فخرج إليهم الشُّجعان من الرَّجَّالة وغيرِهم، فانهزموا لهم وأطْمَعُوهم، ولم يخرج من الخمسين ألف أحدٌ لِمَا قد وَقَر في قلوبهم من الزُّعب، وكان التَّتار قد أكْمَنُوا لهم، فلمَّا جَازَت الرِّجالُ ذلك الكَمِين، خرجوا عليهم وحالوا بينهم وبين البلد، فلم يَسْلَم منهم أحدٌ. قال: وكانوا على ما قيل سبعين ألفًا رحمهم الله، فضَعُفَت نفوسُ الجُنْد والعَامَّة، وأيْقَنوا بالهَلاك، وطلَب الجُندُ الأمانَ، فأجابوهم، وفتحوا البلد وخرجوا إلى التَّار بأهاليهم وأموالهم، فقال لهم التَّتار: ادفعوا إلينا سلاحَكُم وخيلَكُم وأموالَكُم، ونحن نُسَيِّركُم إلى مأمنكم. ففعلوا ذلك، فلمَّا كان رابع يوم نادوا في العوام: ليخرجوا كلُّهم ومن تأخّر قُتلَ، فخرجَ الجميعُ، ففعلوا بهم كما فعلوا بأهل بُخارى، نَهَبوا وسَبَوا وأحرقوا الجامع، وذلك في المُحَرَّم من هذه السنة . ثم سَيَّر جِنْكِزخان عشرينَ ألف فارس خلفَ خُوَارِزم شاه، فأتوا جَيْحون، فَعَمِلُوا من الخشب مثل الأحواض، وألبسوها جُلودَ الْبَقَر لئلا يدخلها الماءُ، ووضعوا فيها سلاحَهُم وأمتعتَهُم، وألْقوا الخيلَ في الماء وأمسكوا بأذنابها، وتلك الحِياض مشدودةٌ إليهم، فكان الفرسُ يجذب الرجل والرجل يجذب الحَوْضَ، فعبروا كُلُّهم، فلم يشعر خُوارزم شاه إلاَّ وقد خالطوه. واختلفت الخطا عليه، كما ذكرنا، وانهزم، وساقوا وراءه إلى أنْ ركبَ البحرَ إلى قَلْعةٍ له فأيسوا منه، وقصدوا الرَّيَّ وبلاد مازَنْدران فملكوها في أسرع وقتٍ، وصادفوا في الطريق والدة خُوارزم شاه ونساءَهُ وخزائنه، وكان قَصْدها أصبهان، فأخذوها وسيَّروها بِرُمَّتها إلى جِنْكِزخان وهو بسَمَرقند. ٢٩٣ ثُم دخلوا الرَّيَّ وقَتَلوا وسَبَوا، ووصلوا إلى زَنْجان فَبَدَّعوا، ثم عَطَفوا إلى قَزْوين فحاصروها وأخذوها بالسيف، وقُتلَ من الفريقين ما لا يُحصى، قيل: بلغوا أربعين ألفًا . ثُم ساروا إلى أذْرَبيجان فاستباحوها. ثُم نازلوا تِبْريز وبها ابن البهلوان، فصالحهم على مال وتُحَفٍ، فساروا عنه ليشتُّوا على ساحلِ البحر، لأنَّه قليلٌ البَرْد وبه المَرْعى، فوصلوا إلى مُوقان، وتَطَرَّقوا إلى بلاد الكُرْج، فبرزَ لهم من الكُرْج عشرةُ آلاف مُقاتل، فحاربوهم ثُم انهزموا، فتبعهم التَّار إلى قرب تَفْليس وذلك في ذي القَعْدة من سنة سبع عشرة. ثم ساروا إلى مَرَاغة، وكانت لامرأة، فحاصروها، ثُم ملكوها بالسيف، وقتلوا ما لا يُحصى، واختفى خَلْقٌ فكان التَّار يأخذون الأسْرَى ويقولون: نادوا في الدُّروب: إنَّ التَّتار قد رحلوا. فإذا نادى أولئك خرج من اختفى فيقتلونه، حتى قيل: إنَّ رجلاً من التَّتار دخل دَرْبًا فيه ما يزيد على مئة رجل فما زال يقتل واحدًا واحدًا حتى أفناهم، ولا يمدُّ أحدٌ منهم يدَهُ إليه بسوء، نعوذ بالله من الخِذلان. ثُم رحلوا إلى نَحْو إرْبل فاجتمع بعض عَسكر العراق وعَسْكر المَوْصل مع مظفَّ الدِّين، فلمَّا سمعوا باجتماع العساكر تقهقروا ظَنَّا منهم أنَّ العسكر يتبعهم، فلمَّا لم يروا أحدًا تَبِعهم أقاموا. وأقامَ العسكرُ عند دَقوقا، ثُم عادوا إلى بلادهم إلى هَمَذان وغيرِها، وجعلوا لهم بها شِخْنة، وأرسلوا إليه يأمرونه ليطلب لهم من أهلها أموالاً وقماشًا، ولم يكن خلّوا لهم شيئًا، فاجتمعَ العامةُ عند الرئيس بهَمَذَان ومعهم رجلٌ فقيهٌ قد قام في اجتماع الكَلِمة على الكُفَّار، فقال لهم الرئيس العَلَويُّ: كيف الحِيلة ونحن نعجز عنهم؟ فما لنا إلا مُصانعتهم بالأموال. فقالوا له: أنت أشدُّ علينا من الكُفَّار، وأغلظوا له، فقال: أنا واحدٌ منكم فاصنعوا ما شئتم، فوثبوا على الشِّخنة فقتلوه، وتحصنوا، فتقدم التَّار وحاصروهم، فخرج لحربهم العامة، والرئيس والفقيه في أوائلهم، فقتلوا من التَّتار خَلْقًا، وجُرِحَ الفقيهُ عدَّةَ جراحاتٍ، وافترقوا، ثُمَّ خرجوا من الغَدِ، فاقتتلوا أشدَّ قتال، وقُتِلَ من التََّر أكثر من اليوم الأول. وأرادوا الخروج في اليوم الثالث فعجز الفقيه عن الركوب من الجراحات، وطلبَ النَّاسُّ الرئيسَ، فإذا به قد هرب في سرب صنعه إلى ظاهر البلدِ هو وأهله إلى قَلْعة هناك، ٢٩٤ فتحصَّن بها. وبَقي النَّاس حَيارَى إلا أنَّهم اجتمعت كَلِمتُهم على الجِهاد إلى أنْ يموتوا. وكان التَّتار قد عزموا على الرحيل لكَثْرة مَنْ قُتلَ منهم، فلمَّا لم يروا أحدًا خرج لقتالهم طَمِعوا، واستدلوا على ضَعْفِهم، فقصدوهم وقاتلوهم وذلك في رَجَب من سنة ثمان عشرة وست مئة. ودخلوا البلدَ بالسيف وقاتلهم النَّاس في الدُّروب، وبطل السلاح للزحمة واقتتلوا بالسكاكين فقُتلَ ما لا يُحصى. ثُم أُلقي في هَمَذَان النَّار فأحرقوها، ورحلوا إلى تِبْريز وقد فارقها صاحبُها أُوزبك ابن البَهْلوان، وكان لا يزال مُنهمكًا على الخُمور، يبقى الشهر والشهرين لا يظهر، وإذا سمع هَيْعَةً طارَ، وله جميع بلاد أذْرَبيجان وأرَّان، ثُم قصد نَقْجوان، وسَيَّر نساءه وأهله إلى خُوَي، فقامَ بأمر تِبْريز شمس الدين الطُّغرائي، وجمعَ كَلِمةَ أهلها وحَصَّنَ البلدَ، فلمَّا سَمِعَ التََّارُ بقوَّتِهم أرسلوا يطلبون منهم مالاً وثيابًا، فَسَيَّروا لهم ذلك. ثُمَ رحلوا إلى بَيْلقان فحصروها، فطلبَ أهلُها رسولاً يُقَرَّرون معه الصُّلْحَ، فأرسل إليهم مُقَدَّمًا كبيرًا فقتلوه، فزحفت التَّارُ على البَلَد وافتتحوهُ عَنْوَة في رمضان من سنة ثمان عشرة، ولم يُبْقوا على صَغير ولا كبير، وكانوا يَفْجُرون بالمرأة، ثُمَّ يقتلونها . ثُم ساروا إلى كَنْجة وهي أمُّ بلاد أرَّان، فَعَلِمُوا كثرةَ أهلِها وشجاعتهم، فلم يَقْدُموا عليها وطلبوا منها حَمْلاً، فأعطوا ما طَلَبوا. وساروا عنهم إلى الكُرْج والكُرْجُ قد استعدُّوا لهم، فالتقوا، فانهزمَ الكُرْج وأخذَهم السيف، فلم يُفْلِت منهم إلا الشَّريدُ، فقُتلَ منهم نَحْوُ ثلاثين ألفًا، وعاث التَّار في بلاد الكُرْجِ وأَفْسَدوا. ثُم قصدوا دَرْبَند شِرْوان، فحاصروا مدينة شَمَاخِي ثُم افتتحوها عَنوةً. ثُم أرادوا عبور الدَّرْبَند فلم يَقْدروا على ذلك، فأرسلوا رسولاً إلى شِرْوان شاه؛ يقولون: أرسِلْ إلينا رسولاً. فأرسَلَ عشرةً من كِبار أصحابه، فأخذوا أحدهم، فقتلوه، ثُم قالوا للباقين: إنْ أنتم عَرَّفتمونا طريقًا نعبر فيه فلكم الأمان وإلا قتلناكم. فقالوا: إنَّ هذا الدَّرْبَند ليس فيه طريق البَتَّة، ولكن فيه موضع هو أسْهَل ما فيه من الطّرق. فساروا معهم في تلك البلاد إلى ذلك الطريق فعبروا فيه. فلمَّا عَبروا دَرْبَند شِرْوان ساروا في تلك الأراضي وفيها أممٌ كثيرة منهم ٢٩٥ اللَّن واللِّكز وطوائف من التُّرْكِ، فنهبوا وقتلوا كثيرًا من اللِّكز وهم كُفَّار ومسلمون. ثُم وصلوا إلى اللَّن وهم أُمَمٌ كثيرةٌ، فجمعوا جَمْعًا من القَفْجاق فقاتلوهم فلم يظفروا بهم. فأرسلت التَّارُ إلى القَفْجاق يقولون: نحنُ وأنتم جنسٌ واحدٌ، وهؤلاء اللَّن ليسوا منكم حتى تنصروهم، ولا دينهم مثل دينكم، ونحنُ نعاهدكم أنَّنا لا نتعرَّضُ إليكم، ونحمل إليكم من الأموال والمَتاع ما شئتم. فوافقوهم على ذلك، وانعزلوا عن اللَّن، فأوقعَ التَّار باللَّن وقتلوا منهم خَلْقًا، وسَبَوا، وساروا بعد ذلك إلى القَفْجاق وهم آمنون متفَرِّقون فبيَّتُوهم وأوقعوا بهم، كعادتهم ومَكْرهم؛ لعنهم الله، ففرَّ من سَلمَ واعتصمَ بالغِياضٍ، وبعضهم التحقَ ببلادَ الرُّوس. وأقام هؤلاء التَّتار في بلاد القَفْجاق، وهي كثيرةُ المَرْعى في الشتاء، ووصلوا إلى مدينة سُوداق وهي مدينة القَفْجاق وهي على بحر خَزَرية(١)، وإليها تصل التُّجَّار والمراكب يشترون الرَّقيق والبُرطاسي(٢) وغير ذلك. وبحر خَزَرية هذا متصل بخليج قُسطنطينية . ولمّا وصلت هذه الطائفة من التّتار إلى سُوداق ملكوها، وتَفَرَّق أهلُها، فبعضُهم هرب إلى الجِبال، وبعضُهم ركب البحرَ. ثُم أقام التَّتار ببلاد القَفْجاق إلى سنة عشرين وست مئة . وأما الطاغية جِنْكِزخان فإنَّه - بعدما سيَّر هذه الطائفة المذكورة، فهزمت خُوارِزم شاه - قَسَّمَ أصحابه عِدَّة أقسام، فسيّر كلَّ قِسْمٍ إلى ناحية؛ فَسَيَّر طائفة إلى تِرْمذ، وطائفةً إلى كُلاثى وهي حصينة على جانبٌ جَيْحون. وسارت كلُّ طائفة إلى الجهة التي أُمرت بقَصْدها واستولت عليها قَتْلاً وسَبْيًا وتخريبًا، فلمّا فرغوا من ذلك عادوا إلى المَلِك جِنْكِزخان وهو بسَمَرقند، فجهّزَ جيشًا عظيمًا مع أحد أولاده لحرب جلال الدِّين ابن علاء الدِّين خُوارزم شاه، وسَيَّر جيشًا آخر فعبروا جَيْحون. آخر كلام عز الدِّين ابن الأثير رحمه الله . قلتُ: ونازلت التَّارُ خُوارزم، فحاصروها ثلاثة أشهر، واستولَوا عليها في صَفَر سنة ثماني عشرة، ونزل عليها أوكتاي الذي وَليَ الأمر بعد أبيه (١) يعني: بحر الخَزَر (وانظر الكامل ٣٨٦/١٢)، وهو بحر قزوين. (٢) البُرطاسي: ضرب من الفراء يجلب من بُرطاس المدينة الواقعة شمال بحر قزوين (معجم دوزي ١/ ٢٩٣، وراجع معجم البلدان لياقوت ١ / ٥٦٧). ٢٩٦ جِنْكِزخان ومعه باجي مَلِك في جيش عرمرم مئة ألف أو يزيدون. ولَمَّا لم يجدوا بها حجارة عمدوا إلى أصول التُّوت فقطعوها ودوَّروها ورموا بها بدلاً عن حجارة المَنْجَنيق، وحَرَصَ أوكتاي كلَّ الحِرْص أنْ يتسلَّمها بالأمان ولا يؤذي فيها، فأجابه الأكابر، غير أنَّ السَّفَهَة غلبوهم على رأيهم بإغرائهم، وجرى عليها حَرْبٌ لم يُسمَعِ بمِثْلِه؛ بحيث إنَّه كانت تؤخذ المحلة منها فيقاتل أهلُها ثُم ينضمُّون إلى المحلة التي تليها فيقاتلون، إلى أنْ أُخِذَت محلٌ بعد محلةٍ حتى لم يَبْقَ معهم إلاّ ثلاث محال، فتزاحَمَ بها الخلائقُ، فطلبوا الأمان حينئذ فلم يُؤْمَّنوا وقتلوهم صَبْرًا. هذا معنى ما ذكره أبو سَعْد شِهاب الدِّين النَّسَوي. قلتُ: ومما أخذت التَّتار: نَيْسابور، ومَرْو، وهَرَاة، وبَلْخ، وتِرْمذ، وسَرْخس، وطُوس، وخُوارزم، وسائر مدن خُراسان. وذهب تحت السيف أممٌ لا يحصيها إلا الله تعالى. وقال المُوَفَّق عبداللطيف: انشعب من التَّارِ فرقتان كما ينشعب من جَهَنَّم لسانان، فرقة قصدت أذْرَبيجان وأرَّان ثُم بلاد الكُرْج، وفرقة أتت على هَمَذَان وأصْبهان وخالطت حُلْوان تقصد بغداد. أمَّا الأُولى فأفسدت البلاد التي مَرَّت عليها، فلمَّا وصلوا إلى بلاد الخَزَر جمع الكُرْج جموعَهم ولَقَوهم، فانهزموا، يعني الكُرْج، وقُتلَ من صميمهم ثمانية آلاف ومن الأتباع والفلاحين عَدَدٌ كثيرٌ. وتَقْنَطرَ ملكُ الكُرْج فتداركَهُ الأُمراء فاستنقذوه من أنيابهم العُضْل، واعتصمَ ببعض القِلاعِ والتَّتَر يَموجون في البلاد بالإفساد ويَعضُّون على مَنْ سَلمَ الأنامل من الغَيْظ، انفرد منهم فارس، فقال ملك الخَزَر: أما عندنا مَنْ يخرج إليه؟ فانتخى بطل من الكُرْج وخرج إليه فما عَتَّم أنْ قتله التََّرِيُّ واقتادَ فَرَسَهُ ورجَعَ رُوَيْدًا، وأخذ يَفْسرُ الفرسَ ليعلم سِنَّه، فعجب ملك الخَزَر وقال: انظروا كأنه قد وَزَن فيه الثمن. ثُم حَشَدَ الكُرْجِ نَوْبَةً أخرى واستنجدوا بعسكر أرْزَن الروم وقال النَّاس: إنَّهم لا يَرْجِعون. فلمَّا اشتدَّتْ شَوْكة الكُرْجِ رَجَعَ التَّتر بغير أمْرٍ معروف، ولا سَبَب مُخَوِّفٍ، بل لسعادةٍ لحقت، وأيام بقيت، وكان هذا سنة ثمان عشرة، وأنا بأرْزَن. ورَجَع الَّتَر إلى شِرْوان فأخذوها بالسَّيف وقتلوا أهلَها، وتجاوزوا ٢٩٧ الدَّرْبَند قَسْرًا بالسَّيف، وعبروا إلى أمم القَفْجَق(١) واللَّن فغَسَلُوهم بالسَّيف. ثُم مات ملكُ الخَزَر وكان شابًّا، وتَوَلَّت أختُه، وسَيَّرت إلى الملك المُغِيث صاحب أرْزَن تخطب أحد ولديه، الصغير، وهو ابن بنت بُكتمر صاحب خِلاط، وهو مليح عُمُره سبع عشرة سنة فَزَوَّجَها به، وشاعَ الخبرُ أنَّه تَنَصَّر . وخرجَ في هذه السنة من رقيق التُّرْك ما لم تَجْرِ به العادة، حتى فاضوا على البلاد، وكلُّهم وصلُوا من ناحية تَفْليس، وهم من فَضَلات سيوف الَّتَر، وكل واحد يحكي هَوْل ما عايَن؛ حكت جاريةٌ منهم قالت: عَوت کِلاب بلادنا عَوِيًّا(٢) شديدًا وقامت على أذنابها، وأهلُها يضربونها فلا ترتد، فبعد ثلاث ساعات أو أربع فاض الجبل بعساكر التَّتر، فابتدؤوا بالكِلاب ثُم بالناس. وأرض القَفْجاق واسعة مُعتدلة الهواء عَذْبة المياه تتفجَّر ينابيعها وتتخرَّق عيونها، وهي أرض حُزَّة طيبةُ التُّربةِ، وَغَنَمهم كثيرةُ النَّتاج تَلِدُ النَّعجة الأربعةَ في البَطْن والخمسةَ ، وقَلَّما تَلِد واحدًا، وغنمهم عالي الهَضَبة يكاد الكبش ◌ُرْكَب . وأمَّا الفرقة التي قصدت بغداد، فردَّهم الله بقوة العَقْل وحُسن التدبير أما أولاً فإنَّ صاحب إرْبل شَحنَ الدَّرْبَندات بالأكراد، وإليهم ينتهي العِلْم باللصوصية، فسَلَّطهم عليهم يسرقونهم ويقتلونهم صَبْرًا في نومهم، فيصبحون وقد نُكِبوا نَكَبات في جِهات لا يدرون من أين ولا كيف. ثُم إنَّ الخليفة جمعَ الجموعَ وعَسْكر العساكر وحَشَر، فنادى، وأقبلت إليه البُعوثُ من كل حَدَبٍ يَنْسلون، فلمَّا سمعوا بوصول رسولِ التَّتَر تَقَدَّموا إلى صاحب إرْبل بأنْ يحتفلٌ ويُظهرَ جميعَ عَسْكره ويُدخل بينهم من العوام والفلاحين من يَشْتَبَهُ بهم. فلمَّا وصلَ الرَّسولُ إرْبل تلقاه عساكر قَطَعَتْ قَلْبه، وصاروا يتكررون عليه، كلَّما مَرّ بقوم سبقوه وعادوا وقفوا بين يديه، فلمَّا دخل في ولاية دَقوقا عُبِّىءَ له من العساكر أضعاف ذلك وصاحبُها من مماليك الخليفة، فأمر أن تُضْرب خِيمٌ عظيمةٌ، وبَسطَ بين يديها بُسُطًا قَدْر نصف فَرْسخ، ونُصبت سُدَّةٌ عاليةٌ فوق (١) هكذا بخط المؤلف، وقد رسمها سابقًا بالألف ((القفجاق)). (٢) كذا بخط المصنف مجوّدة، ولم يذكروا هذا الوزن في مصادر (عوى) ففي القاموس : عوى يعوي عيًّا وعواءًا وعوة وعوية. ٢٩٨ تخت يُصْعَد إليه بدَرَج، وأظهر زينةً عظيمةً، ووقف عشرون ألفًا بسيوفٍ مُجَرَّدة. فلمَّا وصل الرسول يَشُقُّ تلك العساكر أتى حَدَّ البُسط، فأُمر أن يترِجَّل فَتَمَنَّع من ذلك، فهَمُّوا به، فلمَّا وصل إلى بين يدي التَّخت، أُمر بالسجود كُرهًا والصَّيْحات تأخذُه، وروعات السيوف تُذْهِلُه. ثُم أُخرج إلى بغداد فلقيته عساكر بغداد، صَغَّرت في عينه ما رأى، لم يتركوا ببغدادَ فَرَسًا ولا جَمَلاً ولا حِمارًا حتى أركبوه رَجُلاً ومعه شيء من السلاح، وأكثرهم بالأعلام والبَرْك أسطوانات(١)، وخَلْقٌ يلعبون بالنِّفط ويرمون بالبُنْدق الزُّجَاج فيه النِّفط، فامتلأت البَرِّية بالنِّيران. فلمَّا وصل إلى بغداد خرج إليه صَمِيم العَسْكر بأصناف العُدَد الفاخرة المُسَجَّفة بالأطلس المُكلَّل بالجواهر على الخيل المُسوَّمة. فلمَّا وصل إلى باب النُّوبي إلى الصَّخْرة التي يُقَبِّلُها المُلوك قيل لهم: مرتبتُكم دون ذلك، فأُمرَ أن يُقَبِّل أَسْفَل منها، ثُم حُمل إلى دار ثُم أُخرجوا بالليل خُفية على طريق غير مَسْلوكة، ورُدُّوا إلى إرْبل، وقيل للرسول: إنما هَرَّبناك في الخُفْية خَوْفًا عليك من العامة، ففصل وقد امتلأ قَلْبُه رُعْبًا ودماغُه خَبَالاً، وأبَثَّ قومَهُ ما أثبته عيانه، فعلموا أنَّهم لا قِبَل لهم ببغداد، فرَجَعُوا خائبين. وأمَّا أهل أصبهان ففتحوا أبوابَ المدينة، وقالوا لهم: ادخلوا، فدخل منهم قوم فما شَربوا أنفاسَهُم حتى أهريقت دماؤهم، فَكَرُّوا راجعين. وكذلك فعل أهل رُسْتاقاتهم. قال: وسُئلَ المَلِكُ الأشرف عنهم، فقال: ما أقول في قوم لم يُؤخذْ منهم أسير قَطُّ لكن يُقاتل إلى أنْ يُقْتَل أو يَخْلُص. ولمَّا وَصَلْتُ إلى أرْزَنِ الرُّوم وجدتُ هذه الكَلِمة قد سَيَّرها ملك الكُرْجِ فيما وَصَفَ من حروبهم، وأما قتلاهم فلا ينتهي العادُّ إلى حَدٍّ إلاَّ والحالُ توجب أضعافه، ولا يُقال: كم قُتلَ من بَلَد كذا. وإنما يقال: كم بَقي؟! واجتمعتُ بتاجر سُروج كان يُتَرْجم لهم، قال: اجتمع الثُّجَّار من جميع البلاد إلى نَيْسابور يَتَحَصَّنُون بها، فنزلَ عليها التَّتر فأخذوها في أربعة وعشرين يومًا، وأتَوا على أهْلِها بالقَتْل، وعليها بالإحراق والخَرَاب حتى غادروها كأنْ لم تَغْنَ بالأمس. وهربتُ منهم مرات (١) وتسمى: ((البَرْكُستوان)) وتُجمع بالألف والتاء، قال دوزي: ورد ذكرها في تاريخ المماليك حيث ترجمها كاترمير بما معناه: جل مزركش. (انظر معجم دوزي: ٣٠٨/١). ٢٩٩ وأقَعُ في الأسر. ثُم ◌َرَب في المَرَّة الأخيرة وتَعَلَّق بجَبَلٍ فلمَّا رحلوا طالبين هَراة قال: نزلنا وكُنَّا سبعةً، فأحصينا القتلى خمس مئة ألف وخمسين ألفًا، ووجدنا الأموال مُلْقاة، وجزْنا ببلاد المَلاحِدَة وهي على عمارتها لم يتشعَّث منها شيء. وحكى لنا تاجرٌ آخر واسطيٍّ قال: إنَّه اختفى بجبل وخرج بعد أيام، فرأى الأرض مسطوحة بالقَتْلَى والأموال والمواشي، وكنتُ أنا وعشرة سَلِمْنا، ولو كانت معنا عقولنا لأخذنا من الأموال ما يفوت الآمال، وإنَّما أخذنا حمل دقيق على جمل. قال المُوَفَّق: ومما أهلكوه بلاد فَرْغانة وهي سبع ممالك، مسيرة أربعة أَشْهُر، وكل من هرب منهم تَحَيَّلوا في قَتْلِه بكُلِ مُمْكن، وإذا اجتمعوا في مجالس أُنْسهم ونُزْهَةِ قلوبهم أحضروا قومًا من الأُسارى وأخذوا يمثِّلُون بواحد واحد بأن يقطعوا منه عُضْوًّا بعد عُضْو، وكُلَّما اضطربَ وصاحَ تضاحكوا وأعجبوا، وربَّما حَطُّوا السيفَ في جوفه أوليته قَليلاً، ومتى التمس الشَّخص رحمتَهم أزدادوا قَسَاوة. وإذا وقعَ لهم نساءٌ فائقات في الحُسن تَمَتَّعوا بهنَّ أيامًا ثُمٍ قتلوهن وحكت لي امرأةٌ بحَلَب أنَّهم ذَبَحوا ولدَها وشَرِبوا الدَّمَ، ثُم نامَ الذَّابحُ فقامت فذبحته، وهربت هي وزوجها. وقد كان السُّلطان خُوارزم شاه محمد بن تكش سارقًا هَجَّامًا، وكان عسكره أوْشابًا(١) ليس لهم ديوان ولا إقطاع، وأكثرهم أتراك كُفَّار أو مُسلمون جُهَال، لا يَعرف تَعْبئة العَسْكر في المَصاف، ولم يتعوَّد أصحابُه إلاَّ المُهاجمة، وليسَ لهم زرد ولا دروع، وقتالهم بالتُشَّاب. وكان يقتل بعض القَبيلة ويستخدم باقيها وفي قلوبهم الضغائن ولم يكن فيه شيءٌ من المُداراة لا لأصحابه ولا لأعدائه، فخرجَ عليه هؤلاء التَّار وهم بنو أبٍ بِكَلِمةٍ واحدةٍ وقَلْب واحدٍ ورئيسٍ واحدٍ مُطاع، فلم يمكن أن يقف مثل خُوارِزم شاه بين أيديهم، ووردَ إلى البلاد منهم ما لم يُعْهَد، والبلادُ خالية عن ملكِ، فلم يَبْقَ عند أحدٍ منهم دفاعٍ، وصاروا كالغَنَم لا تدفع عنها ذَابحًا. فلمَّا وصل النَّتر إلى أصبهان لم يَرْتعْ أهْلُها لأنَّهم مُعَوَّدُون بحمل السلاح، فلم يكن عندهم أحقر من هذا العَدُوِّ. إلى أن قال: والله سُبحانه يحب العَدْل والعمارة ويأمر بهما، (١) الأوشاب: الأخلاط من الناس والأوباش. ٣٠٠