Indexed OCR Text
Pages 161-180
أجاز لها الأُرموي(١). ٣٤٧- زاهر بن أبي طاهر أحمد بن أبي غانم حامد بن أحمد بن محمود، أبو المَجْد الثَّقَفيُّ الأصبهانيُّ. وُلد في ربيع الأول سنة إحدى وعشرين، واستجاز له أبوه من جماعة في هذه السنة، وسَمَّعه حُضورًا من جعفر بن عبدالواحد الثقفي. وسمع من محمد ابن علي بن أبي ذر، وسعيد بن أبي الرجاء، وزاهر بن طاهر، والحُسين بن عبدالملك، وقوام السُّنَّة إسماعيل بن محمد الحافظ، وحدَّث بالكثير، وسمع ((مسند أبي يَعْلِى)) وَ ((مسند الرُّوياني)) من الحُسين بن عبدالملك الخَلَّل. روى عنه ابن نُقْطة، والضِّياءُ، وابنُ خليل، والتَّقي ابن العز، وأحمد بن عمر بن أبي بكر، وطائفة سواهم. ذكره ابن نُقْطة فقال(٢): كان شيخًا صالحًا أضَرَّ على كِبَرٍ، وكان صبورًا للطلبة، مُحْرِمًا لهم. قلتُ: وأجاز للشيخ شمس الدِّين، وللكمال عبدالرحيم، ولابن شيبان، وللفخر علي، وللبرهان ابن الدَّرَجي، وللتقي ابن الواسطي، وغيرهم، وتُوفي في الثاني والعشرين من ذي القَعْدة، له إجازة من المُعَمَّرة فاطمة الجُوزْدانية . ٣٤٨- زُهَيْرِ بن إبراهيم، أبو الأزهر الحَماميُّ الحَرْبيُّ. روى عن ابن الطَّلَّيّة، وسعيد ابن البَنَّاء، وتُوفي في ذي الحِجَّة(٣). ٣٤٩- سُكَيْنة بنت محمد بن أبي بكر المَقْدسيةُ، أم عبدالعزيز. روت بالإجازة عن ابن البَطِّي، وأحمد بن المقرب، وكان مَوْلدُها في حدود سنة خمسٍ وخمسين وخمس مئة، وتُوفيت في ربيع الأول، وكانت امرأة خيِّرة؛ روى عنها الحافظ الضياء. (١) كان الأولى أن يقول: ((وغيره))، لأن المنذري ذكر ممن أجاز لها: ابن الطرائفي، وابن الداية، وابن الحاسب، وقال: وجماعة سواهم (التكملة ٢/ الترجمة ١١٦١). (٢) التقييد ٢٧٣ . (٣) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ٥٦ (باريس ٥٩٢٢)، والتكملة للمنذري ٢ / الترجمة ١١٧٤. تاريخ الإسلام ١٣ / م ١١ ١٦١ ٣٥٠- سُليمان بن أحمد بن محمد، أبو القاسم ابن الطيلسان الأنصاريُّ القُرْطبيُّ. روى عن أبي خالد المَرْواني، وأبي القاسم الشَّرَّاط. روى عنه ابن أخيه القاسم بن محمد الحافظ . وذكره الأبَّار، فقال(١): كان حافظًا للحديث وللأدب، صَوَّامًا قَوَّامًا كثيرَ التِّلاوة جدًّا. وتُوفي في تاسع وعشرين رمضان عن أربع وستين سنة . ٣٥١- عائشة بنت الحافظ مَعْمَر بن الفاخر، أُم حَبيبة الأصبهانيةُ. سمعت حُضورًا من فاطمة الجُوزْدانية، وسَمَاعًا من زاهر بن طاهر، وسعيد بن أبي الرجاء. روى عنها ابن نُقْطة، والضِّياء. قال ابن نُقْطة(٢): سمعنا منها ((مسند أبي يَعْلى)) بسماعها من سعيد الصَّيْرَفي. وكان سماعُها صحيحًا بإفادة أبيها . قلتُ: وأجازت للشيخ شمس الدِّين عبدالرحمن، ولابن شيبان، وللكمال عبدالرحيم، وللفخر عليّ، وتُوفيت في ربيع الآخر. ٣٥٢- عبدُالجليل بن عبدالكريم بن عثمان، بَهاءُ الدِّين المُوقانيُّ. قال ابنهُ محمد: تُوفي بالقُدْس في جُمَادى الآخرة. وروى عن أبي طاهر السِّلَفي، والحافظ ابن عساكر. وعاش سنًّا وستين سنة. ٣٥٣- عبدُالرحمن بن هِبَة الله بن عبدالمَلِك ابن غَريب الخال، أبو القاسم الحَريميُّ. روى عن إسماعيل ابن السَّمَرْقَندي، واستبعدوا سماعَه منه، وقال بعضُهم: إنَّ الذي سمع إنما أخوه عُبَيْد الله . وجدهم غريب: هو خالُ المُقتدِر(٣) . ٣٥٤- عبدُالرحمن بن هِبَة الله بن أبي نصر الحَرْبيُّ المُقرِىء الضَّرير، المَعْروف بابن دَقِيْقة. (١) التكملة ٤/ ٩٩. (٢) التقييد ٤٩٩ . (٣) ينظر تاريخ ابن الدبيثي، الورقة ١٢٩ (باريس ٥٩٢٢)، وتكملة المنذري ٢/ الترجمة ١١٥١. ١٦٢ وُلِدَ سنة سبع وعشرين وخمس مئة، وسَمِعَ من عبدالله بن أحمد بن يوسف، وأبي البَدْرَ الكَرْخِي. روى عنه أبو عبدالله الدُّبَيْني، وتُوفي في ذي الحِجَّة . وقال ابنُ نُقْطة(١): سمعتُ منه كتاب ((المغازي)) لابن إسحاق. ٣٥٥- عبدالوهّاب ابن الأمين أبي منصور علي بن علي بن عُبَيْد الله، الإمام المحدِّث العالِم مُسْنِدُ العراق وشيخُها ضِياء الدِّين أبو أحمد البغداديُّ الصُّوفِيُّ الشَّافعيُّ الأمين، المَعْروف بابن سُكَيْنة، وسُكَيْنة هي جَدَّته أمُّ أبيه . وُلِدَ في شعبان سنة تسع عشرة وخمس مئة، وسمع الكثيرَ من أبيه، وأبي القاسم بن الحُصَيْن، وأبي غالب محمد بن الحسن المَاوَرْدي. وزاهر بن طاهر الشَّخَامي، والقاضي أبي بكر الأنصاري، والزاهد محمد بن حقُّوية الجُوَيْني بإفادة ابن ناصر. ثم لازم أبا سَعْد ابن السَّمْعاني لمَّا قدم وسمع معه الكثير من أبي منصور بن زُرَيْق القَزَّاز، وأبي القاسم ابن السَّمَرْقندي، وابن تَوْبة، وجدِّه لأمِّه الشيخ أبي البركات إسماعيل بن أحمد، وهذه الطبقة. وقرأ القراءات على أبي محمد سِبْط الخَيَّاط، والحافظ أبي العلاء الهَمَذاني، وأبي الحسن علي بن أحمد بن محمُوية. وقرأ مذهبَ الشافعي والخِلاف على أبي منصور سعيد ابن الرَّزَّاز، وغيره. وقرأ العربيةَ على أبي محمد ابن الخَشَّاب، ولبس خِرْقةً التصوُّف من جده أبي البركات وصَحِبَه. وأخذ معرفةَ الحديث عن ابن ناصر، ولَزِمَهُ، وقرأ عليه الكثيرَ، وحَفِظَ عنه الكثير من النُّكت والفوائدِ الغريبة، والمعاني الدقيقة. وطال عُمُرُهُ، ورُحل إليه. قال الحافظ ابن النَّجَّار(٢): ابن سُكَيْنة شيخُ العراق في الحديثِ والزُّهْدِ وحُسْنِ السَّمْت، وموافقةِ السُّنَّةِ والسَّلَفِ، عُمِّر حتى حدَّث بجميع مروياته. وقصده الطُلَّبُ من البلاد. وكانت أوقاته محفوظة، فلا تمضي له ساعة إلا في تلاوَةٍ أو ذِكْرٍ أو تهجُّدٍ أو تسميع. وكان إذا قُرىء عليه الحديثُ مَنَعَ أَنْ يُقامَ له أو لِغيره. وكان كثيرَ الحَجِّ والمُّجَاورةِ والطَّهارةِ، لا يخرجُ من بيته إلا لِحُضورِ (١) إكمال الإكمال ٢/ ٧١٢. (٢) التاريخ المجدد، الورقة ٦٤ - ٦٦ (ظاهرية). ١٦٣ جُمُعةٍ أو عيدٍ أو جنازةٍ. ولا يحضرُ دورَ أبناء الدُّنيا ولا الرُّؤَساء في هَنَاءٍ ولا في عَزَاءٍ. وكان يُديمُ الصِّيامَ غالبًا على كِبَرِ سِنِّه، ويستعملُ السُّنَّة في مَدْخَله ومَخْرَجه ومَلْبَسه وأموره، ويحبُّ الصَّالحينَ، ويُعظِّمُ العلماءَ، ويتواضعُ لجميعِ النَّاس. وكان دائمًا يقول: أسألُ الله أن يُميتَنَا مُسْلمينَ. وكان ظاهرَ الخُشوع،َ غزيرَ الذَّمْعِةِ، وكان يعتذرُ من البُكَاءِ، ويقولُ: قد كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَ عَظْميَ، فلا أملك عَبْرَتي، يقول ذلك خَوْفًا من الرِّياء. وكانَ الله قد ألْبَسهُ رداءً جميلاً من البهاءِ، وحُسْن الخِلْقة، وقبول الصُّورة ونور الطّاعة وجلالة العبادة. وكانت له في القُلوبِ مَنْزِلٌ عظيمةٌ يُحبُّه كلُّ أحدٍ وإذا رآهُ ينتفع برؤيته قبلَ كلامه، فإذا تكلّم، كان البَهاءُ والنُّورُ على ألفاظه، ولا يُشْبَعُ من مجالسته. ولقد طُفْتُ شَرْقًا وغَرْبًا، ورأيتُ الأئمةَ والزُّهَّادَ، فما رأيتُ أكملَ منه، ولا أكثرَ عبادةً، ولا أحسنَ سَمْتًا، صحبتُه قريبًا من عشرين سنة ليلاً ونهاراً، وتأدَبتُ به وخدمتهُ، وقرأتُ عليه القرآنَ بجميع رواياته، وسمعتُ منه أكثرَ مرويَّاته. وكان ثقةً حُجَّةً نبيلاً عَلَمًا من أعلام الدِّين. سمع منه الحُفَّاظ؛ علي بن أحمد الزَّيْدي، والقاضي عُمر بن علي، وأبو بكر الحازمي، وخَلْقٌ، ورَوَوْا عنه وهو حَيٌّ. وسمعتُ أبا محمد ابن الأخضر غيرَ مرةٍ يقول: لم يبقَ ممن طلب الحديثَ وعُنِيَ به غيرُ عبدالوهّاب ابن سُكَيْنة. وسمعتُه يقول: كان شيخُنا ابنُ ناصر يجلس في داره على سريرٍ لطيفٍ، فكلُّ مَنْ حضَرَ عنده يجلس تحت سريره كابن شافع والباقِدَاري وأمثالِهم وما رأيتُه أجْلَسَ معه أحدًا على سريره إلا ابن سُكَيْنة. قال ابن النَّجَّار: وأنبأنا القاضي يحيى بنُ القاسم مُدَرِّس النظامية في ذكر مشايخه: أبو أحمد ابن سُكَيْنة؛ كان عالِمًا عاملاً، دائمَ التكرار لكتاب ((التنبيه)) في الفقه، كثيرَ الاشتغال ((بالمُهَذَّب)) و((الوسيط)) في الفقه، لا يُضَيِّع شيئًا من وقته. وكُنَّا إذا دخلنا عليه يقول: لا تزيدوا على ((سلام عليكم)) مسألة، لكثرة حرصه على المُباحثةِ وتقريرِ الأحكام. وقال الذُّبَيْنِي(١): سمع بنفسه، وحَصَّل المَسْموعاتِ، وسمع أباه، وخَلْقًا كثيرًا، سَمَّى منهم أبا البركات عُمر بن إبراهيم العَلَوي، وأبا شُجاع البَسْطامي. (١) ذيل تاريخ مدينة السلام، الورقة ١٥٦ - ١٥٧ (باريس ٥٩٢٢). ١٦٤ وحَدَّث بِمِصْر والشَّام والحِجَازِ. وكان ثقةً فَهْمًا، صحيحَ الأُصولِ ذا سكينةٍ وَوَقارِ . قلتُ: روى عنه الشَّيْخُ المُوَفَّق، وأبو موسى ابن الحافظ عبدالغني، وأبو عَمْرو ابن الصَّلاح، وابنُ خليل، والضِّياء، وابنُ النَّجَّار، والدُّبَيْني، ومحمد بن عبدالله بن غنيمة الإسْكاف، ومحمد بن عَسْكر الطبيب، والعِماد محمد بن شِهاب الدِّين السُّهْرَوردي، وأحمد بن هِبَة الله الساوجي البغداديُّ، وأحمد بن يحيى النَّجَّار، وبكر بن محمد القَزْويني، والحسن بن عبدالرحمن بن عُمر الباذرائي، وسَعْد الله بن عبدالرحمن الطَّخَان، وعامر بن مَكِّي الضَّرير، وأبو الفتحِ عبدالله بن علي بن أبي الدِّيني وأخوه عبدالرحمن، وعبدالله بن مُقْبِل، والمُوَفَّق عبدالغافر بن محمد القاشاني، وعبدالغني بن مَكِّي المُعَذَّل، وعبداللطيف بن سالم البَعْقُوبي، وعثمان بن أبي بكر الغَرَّاد المُقْرىء، وعُمر ابن عبدالعزيز بن دُلف، ومكِّي بن عثمان ابن الهُبْري، ونوح بن علي الدُّوري، ويونس بن جعفر الأزجي، والنَّجيب عبداللطيف الحَرَّاني، وابن عبدالدائم المَقْدسي، وعامَّتُهم شيوخُ شيخِنا الدِّمْياطي(١). وروى عنه بالإجازة الفخرُ علي ابن البُخَاري، وأحمد بن شيبان، وجماعةٌ آخرُهم موتًا المُسْنِد المُعَمَّرِ كمال الدِّين عبدالرحمن بن عبداللطيف ابن الرَّقَّام شيخ المُسْتَنْصرية، عاش بعده تسعين سنة . وَرَد ابن سُكَيْنة دِمشق رسولاً وحدَّث بها في سنة خمس وثمانين وخمس مئة، فسمع منه التَّاجُ القُرْطبي وطبقته. قال الإمام أبو شامة(٢): وفيها تُوفي ضِياء الدِّين عبدالوهّاب ابن سُكَيْنة وحضره أرباب الدَّوْلة، وكان يومًا مشهودًا. ثم قال: وكان من الأبدال. قال ابنُ النَّجَّار وغيرهُ: تُوفي في تاسع عشر ربيع الآخر، وكان يومًا مشهودًا . ٣٥٦- عليّ بن أحمد بن سعيد، الإمام أبو الحسن ابن الدَّبَّاس الواسطيُّ المُقرِىء المُعَدَّل. (١) عبدالمؤمن بن خلف المتوفى سنة ٧٠٥ صاحب معجم الشيوخ المشهور. (٢) الذيل ٧٠. ١٦٥ قرأ بواسط القراءاتِ الكثيرة على عبدالرحمن بن الحُسين الدَّجاجي، وعلى المبارك بن أحمد بن زُريق. وارتحل إلى هَمَذان فقرأ القراءات على الحافظ أبي العلاء العَطَّار. وارتحل إلى المَوْصل، فقرأ على يحيى بن سعدون القُرْطبي. ثم ذكر أنه قرأ على أبي الكرم الشهرزوري فأنكروا عليه. وقد أقرأ بجامع واسط صَدْرًا به مع أبي بكر ابنِ الباقلَّني، ثُمَّ استوطن بغدادَ، وأقرأ بها، وحدَّث عن أبي طالب ابن الكَثَّاني بما لم نعرفه من روايته؛ قاله الدُّبَيْثِي(١). قال(٢): فسَمِعَ منه عبدُالعزيز بن هلالة ذلك، فلما تبين له ضربَ على السَّماع منه . قال(٣): وقال لي عبدُالعزيز بن عبدالملك الشيباني الدمشقي: وقفتُ على رُقْعة فيها خَطَّ مزوَّر على خطَّ أبي الكرم الشهرزوري بقراءة ابن الدَّبَّاس عليه، وقد حدَّث عن علي بن نغوبا، ومحمد بن محمد بن أبي زنبقة، وأنشدنا أبياتًا . قلتُ: آخر من روى عنه بالإجازة الكمال الفويره شيخ المُسْتَنْصرية . وقال ابن النَّجَّار (٤): ذكر أنه قرأ على أبي الكرم، وأبي الحسن بن محموية، وعبدالوهّاب الصابوني الخَفَّاف، ويوسف بن المبارك. وقَدِم بغداد عند عُلُوِّ سِنِّه، ورتَب لإقراء الناس، فأكثروا عنه. وكان عالمًا بالقراءات وعِلَلِها، قَيِّمًا بحفظ أسانيدها وطرقها، وله معرفةٌ جيِّدةٌ بالنَّحْو. وكان متواضعًا حسنَ الأخلاق، كتبتُ عنه. وذكر لي محمد بن سعيد الحافظ(٥): أن أبا الحسن ابن الدَّبَّاس حَدَّث بكتاب ((الحُجَّة)) لأبي علي الفارسي سماعًا عن أبي طالب ابن الكَثَّاني بإجازته من أبي الفَضْل بن خيرونٍ، وما علمنا له من ابن خيرون إجازة، ولم نشاهد ابن الدَّبَّاس عند أبي طالب قَطُّ، ولا ذكر لنا أحد أنه رآه عنده، ولم يصح أنه قرأ على ابن الشهرزوري . (١) تاريخه، الورقة ٢١٥ (باريس ٥٩٢٢). (٢) يعني : ابن الدبيثي . (٣) يعني ابن الدبيثي أيضًا. التاريخ المجدد، الورقة ١٥٨ (ظاهرية). (٤) (٥) يعني ابن الدبيثي، وهو صديق وشيخ لابن النجار رحمهما الله . ١٦٦ قال ابنُ النَّجَّار: سألتُ ابن الدَّبَّاس عن مولده، فقال: في سنة سبع وعشرين وخمس مئة، ودخلتُ بغداد سنة تسع وأربعين. وتُوفي في السابع والعشرين من رَجَب . ٣٥٧- علي بن أبي الأزهر البغداديُّ، المعروف بابن البُتَتِّيِّ، بضم الباء المُوَخَّدة . مُقْرِىءٌ فصيحٌ، سريعُ القراءة إلى الغاية لا يكاد يُجارَى. قال ابن الدُّبَيْئي(١): قرأ هذا على شيخِنا أبي شُجاع ابن المَقْرون في يوم واحد من طُلوع الشمس إلى غروبها ثلاثَ ختم، وقرأ في الرابعة إلى سورة الطُور(٢) بمشهدٍ من جماعة من القُرَّاء وغيرِهم، ولم يُخفِ شيئًا من قراءته، وذلك في رَجَب سنة ثمان وخمسين وخمس مئة. وما سمعنا أن أحدًا قبلَه بلغ هذه الغاية. تُوفي في ثامن رمضان. وقال ابنُ النَّجَّار: أبو الحسن علي بن عبدالله بن علي بن إبراهيم بن يحيى بن طاهر بن يوسف بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان القَصَّار ابن البُتَتِي، أحدُ القُرَّاء المُجَوِّدين. سألتُه عن مولده، فقال: وُلدتُ سنة ثمان وثلاثين وخمس مئة. وأجاز لي. وسمع ((الحِلْية)) من يحيى بن عبدالباقي الغَزَّال. وذكر لي أنه قرأ في يوم ثلاثَ ختمات والرابعة إلى الطُّور، إلى آخرها، بمجمع كبير من القُرَّاء وأخذ خُطوطَهم بذلك، وأنه لم يُخِلَّ بالتشديدات والمَدَّات وإفهام التِّلاوة على أبي شُجاع ابن المَقْرون. وذكر أنه خَتَمَ في شهر رمضان اثنتين وستين خَتْمةً. إلى أن قال: وكان حسنَ الأخلاق مُتودِّدًا مُحِبًّا لأهل العِلْم، متشيِّعًا غاليًا في التشيُّع . ٣٥٨- عُمر بنُ محمد بن مُعَمَّر بن أحمد بن يحيى بن حَسَّان، المُسْنِدُ الكبيرُ رحلة الآفاق أبو حَفْصِ بن أبي بكر البغداديُّ الدَّار قَزِّيُّ المؤذِّب، المعروف بابن طَبَرْزَد، والطََّرْزَد: هو السُّكَّر. وُلِدَ في ذي الحِجَّة سنة ست عشرة وخمس مئة، وسمع الكثيرَ بإفادة أخيه المحدِّث أبي البَقَاء محمد، ثُمَّ بنفسه. وحَصَّل الأصولَ، وحفظها إلى (١) تاريخه، الورقة ١٧٥ (كيمبرج). (٢) فتكون أربع ختم إلا ثمنًا . ١٦٧ ٠ وقت الحاجة إليه، وكان أكثرُها بخطّ أخيه. سمع من أبي القاسم بن الحُصَيْن، وأبي غالب ابن البَنَّاء، وأبي القاسم هِبَة الله الشُّرُوطي، وأبي الحسن علي ابن الزاغوني، وأبي المواهب أحمد بن مُلوك، وهِبَة الله ابن الطبر الحَرِيري، وأبي بكر الأنصاري، وأبي منصور القَزَّاز، وأبي منصور ابن خَيْرون، وعبد الخالق ابن عبدالصمد بن البدن، ومحمد وعُمر ابني أحمد بن دحروج، وأبي غالب محمد بن أحمد بن قُرَيْش، وأحمد بن منصور الغَزَّال، وإسماعيل ابن السمرقندي، وأبي الفَضْل محمد ابن المُهتدي بالله، وأبي البَدْر إبراهيم بن محمد الكَرْخِي، وأبي الفتح مُفْلِح الدُّومي، والوزير علي بن طِرَاد، وأبي الفتح الكروخي، وأبي سَعْد أحمد بن محمد الزَّوْزَني، وغيرهم. روى عنه خَلْقٌ لا يُمكن حصرُهم، منهم ابن النَّجَّار، والضّياء، والزكي المُنْذري، والصَّدْر البكريُّ وأخوه الشرف محمد، والكمال عُمر بن أبي جرادة(١) وأخوه محمد، ومحمد بن الحسن ابن الحافظ ابن عساكر، والجَمَال محمد بن محمد بن عَمْرون النَّحْوي، والشِّهاب القُوصي وأخوه عُمر، والمَجْد محمد بن إسماعيل ابن عساكر، والجَمَال عبدالرحمن بن سَلْمان البغداديُّ الحنبليُّ، والمُوَفَّق، محمد بن عُمر خطيب بيت الآبَّار، وأحمد بن هِبَة الله الكَهْفي، والتَّقي إسماعيل ابن أبي اليسر، والقُطْب أحمد بنُ عبدالسلام بن أبي عَصْرون، والفقيه أبو العباس أحمد بن نِعْمة بن أحمد المَقْدسي، والشمس إسحاق بن محمود بن بلكُوية الكاتب نزيل مِصْر، والمُؤيَّد أسعد بن المُظَفَّر ابن القَلانِسي، والبهاء حسن بن سالم بن صَصْرَى التغلبي، وأبو الفرج طاهر ابن محمد الكَخَّال، والجمال يحيى ابنِ الصَّيْرفي، والشيخ أبو الفرج عبدالرحمن بن أبي عُمر، وأبو الغنائم المُسَلَّم ابن علَّن، والكمال عبدالرحيم ابن عبدالملك، وأحمد بن شيبان، وغازي الحَلَاوي، وخديجة بنت ابن راجح، وصفية بنت مسعود بن شُكر، وشامية بنتِ الصَّدْر البكري، وزينب بنت مَكِّي، وفاطمة بنت الملك المحسن، وفاطمة بنت العِمَاد علي بن عساكر، وعبدالرحيم بن يوسف ابن خطيب المِزَّة، والفخر علي بن أحمد ابن البُخاري، (١) يعني ابن العديم صاحب ((بغية الطلب)). ١٦٨ وهو آخر من سمع منه. وآخر من روى عنه بالإجازة الكمال عبدالرحمن المُكبِّر شيخُ المُسْتَنْصرية . وقال ابن نُقْطة (١): سمع ((سنن أبي داود)) من أبي البَدْر الكَرْخي بعضها، وبعضها من مُفلح الدُّومي بروايتهما، كما بُيِّنَ، عن أبي بكر الخطيب. وسمع كتاب الترمذي من أبي الفَتْح الكروخي. قال: هو مُكْثِرٌ صحيحُ السَّمَاع، ثقةٌ في الحديث، تُوفي في تاسع رَجَب، ودُفِنَ بباب حَرْب. وقرأتُ بخط عمر ابن الحاجب، قال: ورد - يعني ابن طَبَرْزَد - دمشق وحدَّث بها وازدحمت عليه الطَّلَبة. تفرَّد بعدة مشايخ وأجزاء وكُتُب. وكان مُسْنِدَ أهل زمانه، وقال لي ابن الدُّبَيْئي(٢): كان سماعُه صحيحًا على تخليط فيه. سافر إلى الشام، وحدَّث في طريقه بإربل والمَوْصِل، وحَرَّان، وحَلَب، ودمشق، وغيرها من القُرى، وعاد إلى بغداد قبل وفاته وحَدَّث بها. وجمعتُ له ((مشيخة)) عن ثلاثةٍ وثمانين شيخًا، وحَدَّث بها مِرارًا، وأملى علينا مجالسَ بجامع المَنْصور، وعاش تسعين سنةً وسبعة أشهر. قلتُ: يشيرُ ابنُ الدُّبَيْنِي إلى أن أبا البَقَاء أخاه كان ضعيفًا وأكثرُ سماعهِ، فبقراءة أخيه أبي البَقَاء، فالله أعلم. وقال الإمام أبو شامة(٣): وفيها تُوفي ابن طَبَرْزَد. وكان خَليعًا ماجنًا . سافر بعد حنبلَ إلى الشام، وحَصَل له مالٌ بسبب الحديث، وعاد حنبلُ إلى بغداد، فأقام يعمل تجارةً بما حَصَل له. قال: فسلك ابن طَبَرْزَد طريق حنبل في استعمال كاغد وعَثَّابي، فمَرِضَ مُدة ومات، ورَجعَ ما حصل له إلى بيت المال کحنبل . سمعتُ شيخنا أبا العباس ابن الظاهري الحافظ يقول: كان ابنُ طَبَرْزَد يُخِلُّ بالصَّلوات. قلتُ: ورأيتُ بخطٍّ ابن طَبَرْزَد كتاب ((طبقات الحنابلة)) لأبي الحُسَين ابن الفَرَّاء. وهو آخر من روى عن ابن الحُصَيْن، وجماعةٍ. (١) التقييد ٣٩٧. (٢) ذكر ذلك في تاريخه، الورقة ٢٠١ (باريس ٥٩٢٢). (٣) الذيل ٧٠ - ٧١ . ١٦٩ وقال المنذري: حدَّث ابن طَبَرْزَد هو وأخوه مَعًا في سنة تسع وثلاثين وخمس مئة(١). ٣٥٩- عيسى بن عبدالعزيز بن يَلَلْبَخت(٢) بن عيسى، العَلَمة أبو موسى الجُزُولِيُّ اليَزْدَكْنِيُّ(٣) البَرْبَرِيُّ المَرَّاكُشِيُّ المَغْرِبِيُّ النَّحْوِيُّ. حجَّ ولزم العلاَّمة أبا محمد عبدالله بن بَرِّي بِمِصْرَ فأخذ عنه العربية واللغة. وسمع من أبي محمد بن عُبَيْد الله (صحيح البخاري)). وصَدَر من رِحْلَته فتصدَّر للإفادة بالمَرِيَّة وبالجزائر، عمل ببَجَّايةَ دَهْرًا. وأخذ العربيةَ عنه جماعةٌ. وكان إمامًا لا يُشقُّ غبارُهُ في العربية ولا يُجارى، مع جَوْدةِ التَّفْهِيمِ وحُسْنِ العبارةِ، وإليه انتهت الرِّياسة في عِلْمِ النَّحْو؛ ولقد أتى في ((مقدمته)) بالعجائب التي لا يُسْبَقُ إليها، فكلُّها حُدودٌ وإشاراتٌ، ولقد يكون الشَّخْص يعرفُ المَسْألةَ من النَّحو معرفةً جيدةً، فإذا قرأها من ((الجُزُولية)) دار رأسه واشتغل فكره، واسم هذه المقدمة ((القانون)) اعتنى بها جماعةٌ من أذكياء التُّحاة وشَرَحوها . قال القاضي شمس الدِّين ابن خَلِّكان(٤): بلغني أنه كان إذا سُئل عن هذه المقدمة: أمن تصنيفك هي؟ قال: لا. وكان رجلاً وَرِعًا، فيُقال: إنها نتائج بحوثه على ابن بَرِّي كان يُعَلَّقها. ثم رجع إلى المَغْرِب، واشتغل مدَّةً بمدينة (١) التكملة ٢ / الترجمة ١١٥٨ وهو استنتاج وتصرف من الذهبي، قال المنذري: ((لقيته بدمشق وسمعت منه كثيرًا ... وقرأت عليه في التاسع عشر من ذي الحجة سنة ثلاث وست مئة (الغيلانيات) وهي أحد عشر جزءًا، وكان في الأصل طبقة عليه وعلى أخيه أبي البقاء محمد في سنة تسع وثلاثين وخمس مئة فكان بين قراءتي عليه وقراءتهم عليه أربع وستون سنة)) فيستنتج من هذا أن ابن طبرزد وأخاه قد حدثا في تلك السنة، وهو ما أراده الذهبي. (٢) قيدها ابن خلكان وغيره بالحروف، قال ابن خلكان: ((بفتح الياء المثناة من تحتها واللام وسكون اللام الثاني وفتح الباء الموحدة وسكون الخاء المعجمة وبعدها تاء مثناة من فوقها، وهو اسم بربري)) ٤٩٠/٣ . (٣) هكذا وجدناها مقيدة بخط الذهبي ومضبوطة بالقلم ضبطًا واضحًا. ونلاحظ أن الذهبي قدم النون على التاء، والمشهور تقديم التاء على النون، قال ابن خلكان: واليزدكتني - بفتح الياء المثناة من تحتها وسكون الزاي وفتح الدال المهملة وسكون الكاف وفتح التاء المثناة من فوقها وبعدها نون - هذه النسبة إلى فخذ من جزولة)) ٤٩٠/٣ كما ضبطها السيوطي في البغية كذلك أيضًا ٢/ ٢٣٧ . (٤) وفيات الأعيان ٤٨٩/٣ - ٤٩٠. ١٧٠ بَجَّايَةَ، ورأيتُ جماعةً من أصحابه. وتُوفي سنة عشر بمَرَّاكُش. وقال أبو عبدالله الأَبَّار(١): له مجموع في العربية على ((الجُمَل)) كثير الفائدة متداول يُسمَّى بالقانون، وقد نُسِبَ إلى غيره، أخذ عنه جلَّة. وتوفي بآزمور من ناحية مراكش سنةً سبع وست مئة؛ قاله أبو عبد الله ابن الضرير. قال الأبار: وقال غيرُه: سنة ست. وولي خطابة مَرَّاكُش، وكان إمامًا في القراءات أيضًا، و((يَلَلْبَخت)) جَدُّه رجلٌ بَرْبَريٌّ، وهو ابن عيسى ابن يُؤْمارِيْلي. وجُزُولة: بَطْنٌ من البَرْبَر، وجيمها ممزوجة بالكاف. وقرأتُ بخط محمد بن عبدالجليل المُوقاني: إنه - أعني الجُزُولي - قرأ أصولَ الدِّين، وأنه قاسى بمدة مُقامه بمِصْرَ كثيرًا من الفَقْر ولم يدخلْ مدرسةً، وكان يخرج إلى الضِّياع يؤمُّ بقوم، فيحصلُ ما ينفعه على غاية الضِّيق. ورجع إلى المَغْرِب فقيرًا مُدْفِعًا، فلمَّاً وصلَ إلى المَرِيَّة أو نَحْوها رهنَ كتابَ ابن السَّرَّاج الذي قرأه على ابن بَرِّي وعليه خَطُّه، فأنهى المرتهن أمره إلى الشيخ أبي العباس المَربي، أحد الزُّهَّادِ بالمَغْرِب وكان يُصاحب بني عبدالمؤمن، فأنهى أبو العباس ذلك إلى السُّلْطان، فأمر بإحضاره، وقَدَّمه وأحسنَ إليه، وجعله أحدَ من يحضرُ مجلسه. وصَنَّف كتابًا في شَرْح ((أُصول)) ابن السَّرَّاج، والمقدمة المَشْهورة، وقصدَ بها التَّحْشيةَ على ((الجُمَل)). قلتُ: وممن أخذ عنه أبو علي الشَّلَوْبيني، وزَيْنُ الدِّين يحيى بن مُعْطي. وقال القِفْطيُّ(٢): قرأ مذهبَ مالك وأصولَه على ظافر المالكي بمِصْرَ، وبلغني أنه كان يتورَّعُ عن نسبة ((المقدمة)) إليه لكونها نتائجَ بحوثه وبحوث رفقائه على عبدالله بن بَرِّي. قال: وأخبرني صديقُنا النَّحْوي اللَّوْرَقي - يعني عَلَمَ الدِّين(٣) - أنه اجتاز بالجُزُولي، قال: فأتيتُهُ فخرج إليَّ في هيئةٍ مُتَألِّهِ، فسألتُه عن مسألةٍ في التَّعَجُّب من ((مقدمته)) وذلك في سنة إحدى وست مئة. قال القِقْطي(٤): وقد شرح العَلَمُ هذا مقدمتَهُ وأجادَ، وشَرَحها أبو علي (١) التكملة ١٨/٤. إنباه الرواة ٣٧٨/٢ - ٣٧٩. (٢) (٣) تحرفت ((العلم)) في الإنباه إلى ((المعلم)). (٤) إنباه الرواة ٣٧٩/٢. ١٧١ الشَّلَوبيني ولم يُطِلْ، وشَرَحها شابٌ من أهل جَيَّان، ومُتَصَدِّرٌ بحَلَب، وأحسن في الإيجاز. قلتُ: يعني به الشيخ جمال الدِّين ابن مالك. ٣٦٠- قُثَم بن طلحة بن علي بن أبي الغنائم، الشَّريف نقيبُ النَّقُباء أبو القاسم ابن النَّيبِ أبي أحمد الهاشميُّ العباسيُّ الزَّيْنَيُّ. كان صَدْرًا مُعَظَّمًا عالمًا بالنَّسَب والتواريخ. سَمِعَ من أبي الفَتْح ابن البَطِّي، وأحمد بن المقرب، وتُوفي في سادس رَجَب ببغداد، وله سبع وخمسون سنة(١). ٣٦١- محمد (٢) بن أحمد بن محمد بن قدامة بن مِقْدام بن نصر، الإمام القدوة الزاهد أبو عُمر المَقْدسيُّ الجَمَّاعيليُّ، رحمة الله عليه. قال ابن أُخته الحافظ ضِياء الدِّين: مولده في سنة ثمان وعشرين وخمس مئة بجمَّاعيلَ، شاهدتُه بخطَّ والدِه. سمع الكثيرَ بدمشق من والده، ومن أبي المكارم عبدالواحد بن هلال، وأبي تميم سَلْمان بن علي الرَّحَبي، وأبي الفَهْم عبدالرحمن ابن أبي العَجائزِ الأزدي، وأبي نصر عبدالرَّحيم بن عبدالخالق اليُوسُفي، وخَلْقِ يطولُ ذِكْرُهم. وبمِصْرَ من عبدالله ابن بَرِّي النَّحْوي، وإسماعيل بن قاسم الزيَّات، وغيرهما. قلتُ: روى عنه أخوه الشيخ المُوَفَّقُ، وولداه الشرف عبدالله والشمس عبدالرحمن، والضِّياء محمد، والزكي عبدالعظيم، والشمس ابن خليل، والشِّهاب القُوصي، والزين ابن عبدالدائم، والفخر علي، وآخرون. قال الضِّياء: باب في اجتهاده: كان لا يكادُ يسمع دُعاءَ إلا حَفِظَهُ ودَعا به، ولا يسمع ذكرَ صلاةٍ إلا صَلَّها، ولا يسمع حديثًا إلا عَمِلَ به. وكان يُصلي بالناس في نِصْفِ شَعْبان مئة ركْعةٍ وهو شيخٌ كبيرٌ، وكان أنشطَ الجماعةِ، وكان لا يتركُ قيامَ اللَّيْلِ من وقتٍ شُبُوْبيته؛ سافرتُ معه إلى الغُزاة فأراد بعضُنا يسهر، ويحرسنا فقال له الشَّيخ أبو عُمر: نَمْ. وقام هو يُصلي. وكذا حدَّثني عنه أحمد (١) تنظر التكملة للمنذري ٢ / الترجمة ١١٥٧. (٢) كتب ابن أخته الحافظ الضياء المتوفى سنة ٦٤٣ جزءًا في سيرته (ضمن مجموع بالظاهرية برقم ٨٣، الورقة ٣٩- ٤٣)، وقد أخذ الذهبي القسم الأكبر من ترجمة أبي عمر من هذا الجزء. ١٧٢ ابن يونس المَقْدسي أنه قام في سَفَرِ يُصلي ويَحْرِسُهم . وسمعتُ(١) آسيةَ بنت محمد، وهي التي كانت تُلازمه في مرضه، تقول: إنه قلَّل الأكلَ قبلَ موته في مرضه حتى عاد كالعُود. وقالت: مات وهو عاقدٌ على أصابعه، يعني يُسَبِّح، وسمعتُها تُحدِّث عن زوجته أمّ عبدالرحمن، قالت: كان يقوم بالليل فإذا جاءه النَّوْم عنده قضيبٌ يضربُ به رِجْلَه، فيذهبُ عنه النَّوْمُ، وكان كثيرَ الصِّيامِ سَفَرًا وحَضَرًا . وحدثني ولدُه عبدالله: أنه في آخر عُمُره سَرَدَ الصَّوْمَ، فلامَهُ أهلُه، فقال: إنَّما أصوم أغتنم أيَّامي، لأنِّي إنْ ضَعُفْتُ، عجزتُ عن الصَّوْمِ، وإنْ مِتُّ، انقطع عَمَلي. وكان لا يكادُ يَسْمَعُ بجِنازة إلا حضرها قريبةً أو بعيدةً، ولا مريضًا إلا عاده، ولا يكادُ يسمعُ بجهادٍ إلا خرج فيه. وكان يقرأُ في كلِّ ليلةٍ سُبْعًا منِ القُرْآن مرتلاً في الصَّلاة، ويقرأ في النَّهار سُبْعًا بين الظُّهْرِ والعَصْرِ، وإذا صَلَّى الفَجْرَ وفرغ من الدُّعاء والتَّسبيح قرأ آيات الحرس وياسين والواقعة وتبارك، وكان قد كتب في ذلك كُرَّاسةً وهي مُعَلَّقة في المِخْراب، ربّما قرأ فيها خوفًا من النُّعاس، ثُمَّ يُقرِىء ويلقن إلى ارتفاع النهار، ثم يُصلي الضُّحى صلاةً طويلةً . وسمعتُ ولدَه أبا محمد عبدَالله يقول: كان يسجدُ سجدتين طويلتين: إحداهما في الليل والأخرى في النَّهار يُطيل فيهما السُّجود، ويُصلِّي بعد أذان الظُّهْرِ قَبْلَ سُنَّتها في كلِّ يوم ركْعتين يقرأ في الأُولى أَوَّلَ ((المؤمنين)) وفي الثاني آخِرَ ((الفرقان)) من عَقِيْب سجدتها، وكان يُصلِّي بين المَغْرِبِ والِعِشَاء أربعَ رَكَعات يقرأ فيهنَّ ((السجدة)) و((ياسين)) و((تبارك)) و((الدخان))، وَيُصْلِّ كلَّ ليلةٍ جُمُعةٍ بين العشاءين صلاةَ التسبيح ويُطيلُها، ويصلِّي يومَ الجُمُعةِ رَكْعتينٍ بمئة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّثَ﴾ [الإخلاص]. وحَكَى ولدَهُ عن أهله: أنه كان يُصلِّي في كلِّ يومٍ وليلةٍ اثنتين وسبعين ركْعةً نافلةٌ. ثُم أورد عنه أورادًا كثيرةً من الأذكار. قال الضِّياء: وكان يزورُ المَقَابِرَ كُلَّ جُمُعةٍ بعدَ العَصْرِ ولا يكاد يأتي إلا ومعه شيءٌ من الشِّيح في مِثْزره أو شيءٌ من نَّبَات الأرض، وكان يقرأ كلَّ ليلةٍ (١) الكلام لا يزال للضياء. ١٧٣ بعدَ عِشاءِ الآخرة آياتِ الحرس لا يكاد يتركُها. وسمعتُ أنه كان إذا دخل منزله قرأ («آية الكُرْسي)) وعَوَّذ بكَلِماتٍ، وأشار بيده إلى ما حَوْلَه من الدُّور والجَبَل يحوطها بذلك، ولا ينام إلا على وُضوءٍ وإن أحْدَثَ توضَّأ، وإذا أَوَى إلى فِراشه قرأ ((الحمد)) و((آية الكرسي)) و((الواقعة)) و((تبارك)) و﴿قُلْ يَّأَيُهَا الْكَفِرُونَ مَ﴾ وربما قرأ ((ياسين))، ويُسَبِّح ثلاثًا وثلاثين، ويُحَمِّد ثلاثًا وثلاثين، ويُكَبِّر أربعًا وثلاثين، ويقول: ((اللهمَّ أسلمتُ نفسي إليك ... )) الحديثَ، وغير ذلك، وكان يقول بين سُنَّة الفَجْر والفَرْض أربعين مرةً: ((يا حيُّ يا فَيُّومُ لا إله إلا أنت)). وسمعتُ آسيةَ بنت محمد ابنة بنته تقول: كان سَيِّدي لا يتركُ الغُسْلَ يومَ الجُمُعة ولا يكاد يومئذٍ يخرج إلا ومعه شيءٌ يتصدَّق به، رحمه الله تعالى. سمعتُ خالي الإمام مُوَفَّق الدِّين يقول: لمَّا قَدِمْنا من أرضٍ بيت المَقْدس كُنَّا نتردَّد مع أخي نسمع دَرْسَ القاضي ابن عَصْرون في الخِلاف ثُمَّ إنَّنا انقطعنا، فَلَقِيَ القاضي لأخي يومًا، فقال: لِمَ انقطعتَ عن الاشتغال؟ فقال له أخي: قالوا: إنَّك أشعريٌّ. فقال: ما أنا أشعريّ، ولكن لو اشتغلتَ عليَّ سنةً ما كان أحدٌ يكون مِثْلَك، أو قال: كُنْتَ تصيرُ إمامًا . قال الضِّياء: وكان رحمه الله يحفظ الخِرَقي ويكتبه من حفظه. وكان قد جمع الله له معرفةَ الفقهِ والفرائضِ والنَّحْوِ مع الزُّهْدِ والعَمَلِ وقضاء حوائج النَّاسِ. وكان يَحمِلُ هَمَّ الأهلِ والأصحابِ، ومَنْ سافر منهم يتفقَّدُ أهاليهم،َ ويدعو للمسافرين، ويقومُ بمصالح النَّاسِ، وكان النَّاسُ يأتون إليه في الخُصومات والقَضَايا، فيُصلحُ بينهم، ويتفقَّدَ الأشياء النافعةَ كالنَّهْر، والمصانع والسِّقاية، وكانت له هَيْبةٌ فِي القُلوبِ. وسألتُ عنه الإمام مُوَفَّق الدِّين، فقال فيه: أخي وشيخُنا ربَّانا وعَلَّمنا وحَرَصَ علينا، وكان للجماعة كوالدهم يَحْرصُ عليهم، ويقومُ بمصالحهم، ومَنْ غاب عن أهله قام هو بهم، وهو الذي هاجرَ بنا، وهو الذي سَفَّرنا إلى بغداد، وهو الذي كان يقوم في بِناء الدَّير، وحين رجعنا من بغداد، زوَّجنا، وبنى لنا دُورَنا الخارجة عن الدَّير. وكان مُسارعًا إلى الخُروج في الغَزَوات قلَّ ما يتخلَّف عن غَزاةٍ. سمعتُ ولدَه أبا محمد عبدالله يقول: إنَّ الشيخ جاءته امرأةٌ، فشكت إليه أنَّ أخاها حُبِس، وأوذيَ، فسقطَ مَغْشيًا عليه. ولما جَرَى للحافظ عبدالغني مع أهل البِدَع وفعلوا ما فعلوا، جاءه ١٧٤ الخَبَرُ، فخرَّ مَغْشِيًّا عليه، فَلَمْ يُفِقْ إلا بَعْدَ ساعةٍ، وذلك لرِقَّة قَلْبه وشِدَّة اهتمامه بالدِّين وأهله. وسمعتُ ولدَه يقول: إنَّه كان يُؤثِر بما عنده لأقاربه وغيرهم، وكان كثيرًا ما يتصدَّق ببعض ثيابه، ويبقى معوزًا، ويكون بِجُبَّةٍ في الشِّتاء بغير ثوبٍ من تحتها يتصدَّق بالتَّحْتاني، وكثيرًا من وقته بلا سَرَاويلَ. وكانت عِمامتُه قطعةً بطانةٍ، فإذا احتاج أحدٌ إلى خِرْقةٍ أو مات صغيرٌ قطع منها له، ويَلْبسُ الخَشِنَ، وينام على الحَصير، ورَُّما تَصَدَّق بالشيءِ وأهلُه مُخْتاجون إليه أكثرَ ممن أخذه. قال الضياء: وكان ثوبه إلى نصف ساقه وكُنُّه إلى رُسْغِه، سمعتُ والدتي تقول: مكثنا زمانًا لا يأكلُ أهل الدَّير إلاَّ من بيت أخي؛ تطبخ عَمَّتُك ويأكُل الرِّجال جميعًا والنساء جميعًا. قال: وكان إذا جاء شيءٌ إلى بيته، فرَّقوه على الخاصِّ والعامِّ، وسمعتُ محمود بن همام الفقيه يقول: سمعتُ أبا عُمر يقولُ: النَّاس يقولون: لا عِلْمَ إلا ما دخل مع صاحبه الحَمَّامَ. وأنا أقول: لا علمَ إلا ما دخل مع صاحبه القَبْرَ. ومن كلامه: إذا لم تتصدَّقوا لَمْ يتصدَّقْ أحدٌ عنكم، والسائلُ إنْ لَمْ تعطوه أنتم أعطاه غيرُكم. وكان يُحبُّ اللَّبَنَ إذا صُفي بخرقة، فعُمل له مَرَّةً فَلَمْ يأكلْهُ، فقالوا له في ذلك، فقال: لحُبِّي إيَّه تركتُه. ولم يَذُقْه بعد ذلك. سمعتُ أبا العباس أحمد بن يونس بن حسن، قال: كُنَّا نُزولاً على بيت المَقْدس مع الشيخ أبي عُمر وقتَ حصار المسلمين لها مع صَلاحِ الدِّين وكان لنا خيمةٌ، وكان الشيخ أبو عُمر قد مَضَى إلى موضع، وجعل يُصلَي فيها في يوم حَارٌّ. فجاء المَلِك العادل فنزل في خيمتنا، وسأل عن الشيخ، فمضينا إلى الشيخ وعَرَّفناه، فقال: أيش أعملُ به؟! ولَمْ يجىءْ إليه فمضى إليه عُمر بن أبي بكر وألحّ عليه، فما جاء، وأطال العادلُ القُعودَ، قال: فرجعتُ إلى الشيخ، فقال: أنْزلْ له شيئًا، قال: فوضعتُ له ولأصحابه أقراصًا كانت معنا، فأكلوا وقعدوا زمانًا ولَمْ يَتْرُكِ الشيخُ صلاته، ولا جاء. سمعتُ أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر يقول: ما رأيتُ أحدًا قَطُّ ليس عنده تكلّف غير الشيخ أبي عُمر . سمعتُ شيخَنا أبا إسحاق إبراهيم بن عبدالواحد، قال: سمعتُ أخي ١٧٥ الحافظ يقول: نحن إذا جاء إنسانٌ اشتغلنا به عن عَمَلِنا، وأما خالي أبو عُمر فيه للدنيا والآخرة يخالط الناس وهو في أوراده لا يخليها . سمعتُ أبا أحمد عبدالهادي بن يوسف يقول: كان الشيخ أبو عُمر يقرأ بعض الليالي فرُبَّما غُشِيَ على بعض النَّاس من قراءته. وأما خُطَبه، فكان إذا خطب تَرقُّ القلوبُ، ويَبْكي بعض الناس بكاءً كثيرًا، وكان ربّما أنشأ الخُطْبةَ وخطب بها. وكان يُسَمِّعنا ويقرأ لنا قراءةً سريعةً من غير لَحْنٍ. ولا يكاد أحدٌ يقدم من رِحْلةٍ إلاّ قرأ عليه شيئًا من مسموعاته. وكتبَ الكثيرَ بخطِّه المَلِيح من المَصَاحف والكتب مثل ((الحِلْية)) لأبي نَعَيْم، و((الإبانة)) لابن بَطَّة، و((تفسِير)) البغوي، و((المُغْنِي)) لأخيه(١). وسمعتُه يقول: ربَّما كتبتُ في اليوم كُرَّاسين بالقَطْعِ الكبيرِ. وكان يكتب لأهله المَصَاحفَ وللناس ((الخِرَقي)) بغير أَجْرٍ. وقد سمعتُ أنَّ النَّاس كانوا يأتون إليه يقولون: اكتُبْ لنا إلى فلان الأمير. فيقول: لا أعرفه. فيُقال: إنما نريد بركةَ رقعتك. فيكتب لهم فتُقْبَل رفعتُه. وكان يكتبُ كثيرًا إلى المُعْتَمِد الوالي وإلى غيره، فقال له المُعْتَمِد: إنَّك تكتب إلينا في قوم لا نريد أنْ نقبلَ فيهم شفاعةً، ونشتهي أنْ لا نردّ رقعتك. فقال: أما أنا،َ فقد قضيتُ حاجتي، إنِّي قضيتُ حاجةَ مَنْ قَصَدَني، وأنتم إنْ أردتُم أنْ تقبلوا رُفْعَتي وإلاّ فلا، فقال له: لا نَرُدُّها، أو كما قال. وكان النَّاسُ قد احتاجوا إلى المَطَر، فطلع إلى مَغارةِ الدَّم ومعه جماعةٌ من مَحَارمه النِّساء، فصلَّى بِهِنَّ، ودعا في المَطَر حينئذٍ، وجرت الأودية شيئًا لَمْ نَرَهُ من مُدَّةٍ . وسمعتُ أبا عبدالله بن راجح يقول: كان لنور الدِّين أخٌ استعان بالفِرَنْج على أخيه، ونور الدِّين مريضٌ، فجاء الفِرَنْج، فخرجنا مع الشيخ أبي عُمر إلى مَغَارةِ الدَّم وقرأنا عشرة آلاف مرةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّثَ﴾ و﴿ إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِجَ﴾ ودعونا، فجاء مَطَرٌ عظيمٌ على الفِرَنْجِ أَشْغَلَهم بنفوسهم ورَدُّوا. سمعتُ عبدالله بن أبي عُمر، حدثني ابن الصُّوري، صديقُ والدي، قال: جئنا يومًا إلى والدك ونحن جِياعٌ وكُنَّا ثلاثةً، فأخرج لنا سُكُرُّجةً فيها لَبَزٌ، (١) يعني موفق الدين. ١٧٦ وسُكُرُّجةً فيها عَسَلٌ وكُسَيْرات، فأكَلْنا وشَبِعْنا، فنظرتُ إليه كأنَّه لَمْ ينقص. قلتُ لخالي أبي عُمر: أشتهي أنْ تَهَبَنِي جُزْءًا بخَطِّك من الأجزاء التي سمعناها على أبي الفرج الثقفي، فأرسل الأجزاء إليَّ، وقال لي: خُذْ لك منها جُزْءًا، واترك الباقي عندك، فأخذتُ جُزْءًا ورددتُها، فبعدَ موته سألتُ عنها فما وجدتُ بَقِيَ منها إلاَّ جُزْءٌ أو جُزْءان فندمتُ إذا لَمْ أسمعْ منه . سمعتُ الإمام محمد بن عُمر بن أبي بكر يقول: دعاني الشيخ أبو عُمر ليلةً، وكنتُ أخاف من ضَرَرِ الأكل، فابتدأني وقال: إذا قرأ الإنسانُ قَبْلَ الأكل ﴿شَهِدَ اَللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] و﴿لِإِيَفِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش] ثم أكل فإنه لا يَضُرُه. وسمعتُ الإمام أبا بكر بن أحمد بن عُمر البغداديَّ، قال: جاء الشيخ أبو عُمر فقال: تمضي معي إلى كَفَرْبَطْنا، وكنتُ مشتغِلاً بقراءة القرآن فقلتُ في نفسي: أمشي معه، فأشتغل عن القراءة بالحديث في الطَّريق، فلمَّا خرجنا من البَلَد، قال: تعالَ أنا وأنتَ نقرأُ حتى لا نشغلك عن القراءة. سمعتُ الإمام أبا بكر عبدالله بن الحسن بن الحسن ابنِ النَّخَّاس يقول: كان والدي يُحِبُّ الشيخ أبا عُمر، فقال لي يومَ جُمُعةٍ: أنا أُصلِّي الجُمُعةَ خَلْفَ الشيخ ومذهبي أن ((بسم الله الرحمن الرحيم)) من الفاتحة ومذهبه أنها ليست من الفاتحة، وأخاف أنْ يكونَ في صَلاتي نَقْصٌّ، فقلتُ له: اليومَ قد ضاق الوَقْتُ، قال: فَبَعْد هذا مضينا إلى المَسْجد فوجدناه، فسَلَّم على والدي وعانقه ثُمَّ قال: يا أخي صَلِّ وأنتَ طيِّبُ القَلْب فإنَّنِي ما تركتُ ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في فريضةٍ ولا نافلةٍ مُذْ أممتُ بالنَّاس. فالتفتَ إليَّ والدي، وقال: احفظ. سمعتُ أبا غالب مظفر بن أسعد ابن القَلانِسي، قال: كان والدي يُرسل إلى الشيخ أبي عُمر شيئًا كلَّ سنةٍ، فأرسل إليه مَرَّةً دينارين فردَّهما، قال: فضاق صَدْري، ثُمَّ فَكَّرتُ، فوجدتُها من جهة غير طيبة، قال: فبعث إليه غيرهما من جهة طيبة، فقبلهما، أو كما قال. حدَّثني أبو محمد عبدالله بن أبي عُمر، قال: حكت زوجتُه - يعني أمّ عبدالرحمن آمنة بنت موسى - أنَّها لَمْ تحملْ بولد قَطَّ إلا علمت من كلامه وحاله ما حَمْلُها من ذَكَرٍ أو أنثى، فمَرَّةً أتاه رجلٌ بغَنَمة هديةً، فقال: هذه تاريخ الإسلام ١٣ / م ١٢ ١٧٧ نتركها حتى تَلِدي ونشتري أخرى ونذبَحُها عَقِيقَةً. قالت: ويجيء لنا ابنٌّ؟ فضحك، فوُلد له بَعْدَ أيام ابنه سُليمان. وفي مَرَّةٍ أخرى حملت، فقال: كان اسم أبي أحمد ففي هذه النَّوْبة أُسمِّ ابْنَهُ أحمد، فولدتُ له ابنهُ أحمد. ومَرَّةً أخرى حملت ورآها وهي تُخاصم بنتها، فقال: هذا حالك وهي واحدة، فكيف إذا صارت اثنتين؟ فوَلَدَتْ بنتًا. وأمثال ذلك. وسمعتُ أحمد بن عبدالملك بن عثمان، قال: جاء أبو رِضْوان وآخر إلى الشيخ أبي عُمر، فقالا له: إنَّ قراجا قد أخذ فلانًا وحبسه، فادعُ عليه، فباتا عند الشيخ، فلمّا كان الغَدُ، قال: قُضِيَتْ حاجتكُم، فلمَّا كان بعد ساعةٍ إذا جنازة قراجا عابرة. سمعتُ أبا محمد عبدالرزاق بن هِبَة الله بن كتائب، قال: سمعتُ رجلاً صالحًا يقول: أقام الشيخ أبو عُمر قطبًا ست سنين. ثم ذكر الضُّياء حكايتين في أنَّ أبا عُمر صار القطبَ في أواخر عُمُره، وقال: سمعتُ أبا بكر بن أحمد بن عُمر المُقْرىء يقول: إنَّه رأى رجلاً من اليَمَن بمَكَّة، فذكر أنَّهم يستسقون بالشيخ أبي عُمر وأنَّه من السَّبْعة، أو كما قال. سمعتُ الزاهد أحمد بن سَلَامة النَّجَّار، قال: حدَّثنا الفقيه عبدالرزاق ابن أبي الفَهْمِ: أنَّ رجلاً مَغْربيًّا جاء إلى دمشق، فسأل عن جبل قاسيون، فدُلَّ عليه، فجاء إلى الشيخ أبي عُمر، فقال: ما قدمتُ من الغَرْبِ إلاّ لزيارتك وأنا عائدٌ إلى الغَرْبِ، فقيل له: أيش السبب؟ فامتنع فألُّوا عليه، فقال: كان لي شيخٌ بالمَغْرِب لا يخرج إلاَّ لصلاةٍ ثُمَّ يعود إلى البيت، فسألتُ عنه بعض الليالي فقيل: ليس هو هنا، فلمَّا أصبحتُ، قلتُ: أين كنتَ البارحةَ، قال: إنَّ الشيخ محمدًا بجبل قاسيون أُعطي القطابة، فمشينا إلى تهنئته البارحة. أو ما هذا معناه . ثم ذكر الضِّياء حكايتين أيضًا في أنه قُطْبٌ، ثم قال: فحكيتُ لأبي محمد عبدالله بن أبي عُمر شيئًا من هذا، فقال: جاء إلى والدي جماعةٌ من المشايخ فاستأذنوا عليه، وسلَّموا عليه، ثُمَّ خرجوا، ثُمَّ جماعةٌ آخرون، ووصفَ كَثْرَةً مَنْ جاء إليه في ذلك اليوم، فقلتُ له: تعرفهم؟ فقال: لا، وأنا أتفكّر إلى اليوم في كَثْرتهم، يعني فكأنَّه أشار إلى أنَّهُ قُطْبُ ذلك الوَقْتِ. كان أبو عُمر - رحمه ١٧٨ الله - لا يكاد يسمع بشيء لا يجوز قد عُمِلَ إلاَّ اجتهد في تغييره، وإن كان بعضُ المُلوك قد فعله، كتب إليه؛ حتى سمعنا عن بعض ملوك الشام قال: هذا الشيخ شريكي في مُلْكي، أو كما قال. وكان له هَيْبةٌ حتى إنْ كان أحدُنا ليشتهي أَنْ يسألَهُ عن شيء فما يَجْسُر أنْ يسألَهُ، وإذا دخل المَسْجِد، سكتوا وخفضوا أصواتهم، وإذا عَبَر في طريق والصِّبْيان يَلْعبون هَرَبوا، وإذا أمَرَ بشيءٍ لا يَجْسُر أحدٌ أنْ يخالفَهُ. وسمعتُ خالي مُوَفَّق الدِّين بعد موته يقول: كان أخي يكفينا أشياء كثيرةً ما نقوى لما يفعل. وكان الله قد وضع للشيخ المَحَبَّةَ في قُلوب الخَلْق. وكان ليس بالطويل ولا بالقصير، أزرقَ العينين وليس بالكثير، يميل إلى الشُّقْرة، عالي الجَبْهة، حسنَ الثَّغْرِ، صبيحَ الوَجْه، كثَّ اللِّحية، نحيفَ الجسم، أول زوجاته عَمَّتي فاطمة، وكانت أسنَّ منه كَبِرَتْ وأُقعدت وماتت قَبْلَه بأعوام وَوَلَدت له عُمر، وخَديجة، وآمنة، وأولادًا غيرَهم ماتوا صِغارًا . وتزوَّج عليها طاووس، امرأة من بيت المَقْدس، ووَلَدت ابنتين، فماتت هي وبناتُها في حياته. ثُمَّ تزوَّج فاطمة الدمشقية فَوَلَدت له عبد الله، وزينب، وماتت قَبْلَ أمِّ عمر. ثُمَّ تزوَّج آمنة بنت أبي موسى فَوَلَدت له جماعةً كَبُرَ منهم أحمد، وعبدالرحمن، وعائشة، وحبيبة، وخَديجة الصُّغْرى. ومن شعره : بدَا لِيَ شَيْبُ الرَّأس والضَّعْفُ والأَلَمْ ألمْ يَكُ مَنْهَاةً عن الزَّهْو أَنَّني حياتي حتَّى يَنْفَذَّ الدَّمعُ لم أُلَمْ ألمَّ بي الخَطْبُ الذي لَوْ بَكَيْتُه وله مرئية في ابنه عُمر. وله هذه الأرجوزة، وهي طويلة فمنها: يا مَعْشَرَ الأصْحابِ والإخْوانِ إِنِّي أَقُولُ فَاسْمَعُوا بياني والبِرِّ والتَّقْوى معَ الإيمانِ أُوصِيكُمُ بالعَدْلِ والإحسانِ واجْتَنِبُوا الرِّجْسَ من الأوْثان فاسْتَمْسكُوا بطاعَةِ الرَّحْمنِ سمعتُ آسية بنت محمد بن خَلَف تقول: لمَّا كان اليومُ الذي تُوفي فيه سَيِّدي؛ وَصَّانا فيه، واستقبل القِبْلةَ وقال: اقرؤوا ((ياسين))، وكان يقول: ﴿إِنَّ اَللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] اللهمَّ ثبتكم على الكتاب والسنة. وسمعتُ أهلَنا يقولون: إنَّ الماء الذي كان يخرج من تغسيله من السِّدْر ١٧٩ وغيرِه نَشَّفَهُ الناس في خِرِقَهم ومقانعهم. وسمعتُ أبا إسحاق إبراهيم بن محمد بن الأزهر غيرَ مَرَّةٍ يقول: حَزَرْتُ من حضر جنازة الشيخ أبي عُمر عشرين ألفًا. وسمعتُ محمد بن طَرْخان بن أبي الحسن الدمشقيَّ ومسعود بن أبي بكر المَقْدسيَّ، أنَّ عبدالولي بن محمد حدَّثهم: أنَّه كان يقرأ عند قَبْر الشيخ أبي عُمر سورة البقرة، وكان وحده، فبلغ إلى ﴿بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] قال: فقلت: ﴿لا ذلول﴾ يعني غلط، قال: فَرَدَّ عليَّ الشيخ أبو عُمر من القَبْر، قال: فخفتُ وفزعتُ وارتعدتُ وقُمْتُ. وهذا لفظ حكاية محمد بن طَرْخان عن ولده عبدالولي. قال والده: وبَقِي بعد ذلك أيامًا ثُمَّ مات. وهذه الحكاية مُشْتهِرة. سمعتُ علي بن مُلاعِب العِراقي المُؤَدِّب، قال: قرأتُ سورةَ الكَهْف عند قَبْر الشيخ أبي عُمر فسمعتهُ من القَبْر يقول: لا إله إلا الله. ثم ذكر الشيخ الضياء بابًا في زيارة قَبْره، فذكر في ذلك ثلاثةَ مناماتٍ، ثُمَّ ذكر مناماتٍ رُبيت له بَعْدَ موته، ثُمَّ ذكر قصيدةَ ابن سَعْد يرثيه بها وهي أربعةٌ وثلاثون بيتًا، ثُمَّ أخرى له اثنا عَشَرَ بيتًا، ثُمَّ قصيدةً لأبي الفَضْل أحمد بن أسعد ابن أحمد المَزْدَقاني ستة وثلاثون بيتًا. وقال: تُوفي عشيةً الاثنين من الثامن والعشرين من ربيع الأول(١). وقال أبو المظفر الواعظ (٢): حذَّثني الزاهد أبو عُمر، قال: هاجرنا من بلادِنا، ونزلنا بمسجد أبي صالح بظاهر باب شرقي، فأقمنا به مُدَّةً ثُمَّ انتقلنا إلى الجَبَل، فقال النَّاسِ: الصَّالحِية الصَّالحية! ينسبونا إلى مسجد أبي صالح لا أننا صالحون، ولَمْ يَكُنْ بالجبل عِمَارة إلاَّ دَيْرِ الحَوْراني(٣) وأماكن يسيرة. (١) الضياء: جزء فيه ذكر الشيخ .. الورقة ٤٣، وذكر المنذري أولاً أنه توفي في شهر ربيع الآخر من السنة، ثم استدرك في آخر الترجمة فأورد في آخرها قوله: ((وقيل كانت وفاته في التاسع والعشرين من شهر ربيع الأول)) ٣٢٦/٣، ٣٢٨ وقد نقل قوله هذا أبو شامة في ذيل الروضتين، ص ٧١ وإن كان قد اختلط بترجمة ابن طبرزد في المطبوع من الكتاب فقال: ((وجدت بخط الحافظ عبدالعظيم المنذري أن الشيخ أبا عمر المذكور توفي في يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من ربيع الأول))، والضياء أعرف، فهو ابن أخته . (٢) مرآة الزمان ٥٤٦/٨ - ٥٤٧ . (٣) تحرفت في مرآة الزمان إلى: الحواري. ١٨٠