Indexed OCR Text
Pages 1-20
تاريخ الإسلام وَوَفياتْ المشاهير والأعلام لَِيخِ الإِسْلام ◌َِّالّذِين أَرْ عَبْدِالهِ مَنْ أَخْتَدُبْ عُمَانُالذّهَيْ المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤م المَجَّد الثّالِثِ عَشَر ٦٠١ - ٦٣٠ هـ حَقّقه، وَضَطَ نَصَّهِ، وَعَلَّقْعَلَّه الدكتور بشار عواد معروف دار الغرب الإسلامي 1424 هـ -2003 م دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي ص. ب. 5787-113 بيروت جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر. تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام يَخِ الْإِسْلَم ◌َنِ الّذِين ◌َبِ عَبِّدِالله مَن ◌َخْتَدُ بْعُخَارِ الذَّهَيَّ المتوفى ٥٧٤٨ - ١٢٧٤هـ المَجَلّد الثَّالِثِ عَشَر ٦٠١ - ٦٣٠هـ . . الطبقة الحادية والستون ٦٠١ - ٦١٠ هـ ٠ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرّ (الحوادث) سنة إحدى وست مئة(١) ومما تَم فيها: فيها عَزَلَ النَّاصرُ لدين الله ولَدَهُ أبا نصر محمدًا عن ولاية العَهْد، بعد أن خُطِبَ له بولاية العَهْد سبع عشرة سنة، ومالَ إلى وَلِدِهِ عليٍّ ورَشَّحَهُ للخلافة، فاختُرِمَ فيِ إبان شَبَابِهِ، فاضطُرَّ النَّاصر إلى إعادةِ عُدَّة الدين أبي نصر وهو الخليفة الظَّاهر. قال أبو شامة(٢): وفيها وقعَ حَريقٌ عظيمٌ بدار الخلافة لم يُرَ مثله، واحترقت جميع خِزانة السِّلاح والأمتعة وقُدور النّفْط. ثم قال: وقيمة ما ذهبَ ثلاثة آلاف ألف دينار وسبع مئة ألف دينار. قال: وفيها أخذت الفِرَنج النساء من على العاصي بظاهر حماة، فخرج الملك المنصور إليهم وثبت وأبلى بلاءً حسنًا وكُسِرَ عسكره وثبت هو، ولولا وقوفه لراحت حماة . وفيها كانت جموع الفرنج نازلين بمرج عَكّا والملك العادل بجيوشه نازل في قبالتهم مرابطهم، والرسل تتردد في معنى الصلح، ثم آخر الأمر تقررت الهُدنة مدة بأن تكون يافا لهم ومَغَل الزَّملة ولُّدٌّ، ثم تَرَخَّل العادل إلى مِصْر وتَفَرَّقت العساكر إلى أوطانهم. وفيها أغارت الفرنج على حِمْص وقتلوا وبَدَّعوا ورَدُوا غانمين . وفيها بعَثَ صاحبُ حماة عسكرًا فحاصروا المرقب وكادوا يفتحونه لولا قتل أميرهم مبارز الدين أقجا جاءه سَهْم فقتله. (١) من هنا وإلى نهاية الكتاب اعتمدنا نسخة المؤلف التي بخطه، وهي المجلدات من الثامن عشر إلى الحادي والعشرين من نسخته الخطية، والمحفوظة اليوم في مكتبة أيا صوفيا . (٢) ذيل الروضتين: ٥١ . ٧ ثم في أواخر العام أغارت فرنج طرابلس على جَبَلة واللاذقية وكان عليها عسكر الحلبيين، فهزمتهم الفرنج وقُتِل من المسلمين خَلْقٌ، وحصَل الوهن في الإسلام وطمعت الملاعبين في البلاد، فأهَمَّ العادل أمرهم، ثم خرجَ من مصر في سنة ثلاث وست مئة، وأسرع حتى نازلَ عَكا، فصالحهُ أهلُها على إطلاق جميع ما في أيديهم من أسرى المسلمين، فقبل الأسرى وتَرَخَّل عنهم، ثم قَدِمَ دمشق وتهيأ للغزاة وعَلِمَ أنَّ الفرنج عدوٌ مَلْعون، وسارَ حتى نَزلَ على بُحيرة قَدَس(١)، واستدعى العساكر والملوك فأقبلوا إليه، وأشاع قَصْد طرابلس، ثم سار فنازل حِصْن الأكراد، وافتتح منه بُرجًا وأسر منه خمس مئة، ثم توجه إلى قلعة قريبة من طرابلس وحاصرها فافتتحها، ثم سار إلى مدينة طرابلس فنازلها، ونَصَب عليها المجانيق، وقطع جميع أشجارها، وخَرَّبَ أعمالها، وقطعوا عنها العَيْن، وبقي أيامًا إلى أن أيِسَ(٢) من جنده فشلاً ومللاً، فعادَ إلى حمص، فبعث إليه صاحب طرابلس يخضع له، وبعثَ له هدايا وثلاث مئة أسير والْتمس الصُّلْح فصالحه، وذلَّت له الفرنج ولله الحمد. وفيها حَجَّ من الشام صارمُ الدِّين بُزغش العادلي وزين الدين قَرَاجا صاحب صَرْخد. وقال العز النَّسابة: فيها تَغَلَّبت الفرنج على القسطنطينية وأخرجوا الزُّومَ منها بعد حَصْر وقَتْل، وحازوا مملكتها وانتهبوا ذخائِرَها، ووصلَ ما نُهِبَ منها إلى الشام وإلى مِصْر. وقال محمد بن محمد القادسِيُّ في ((تاريخه)): إن امرأةً بقَطُفْتا(٣) ولدت ولدًا برأسين وأربعة أرجُل ويدان، فتوفي، وطِيفَ به. وفيها كان خروج الكُرْج على بلاد أَذْرَبيجان فعاثوا وقتلوا وسَبوا، واشتد البَلاءُ، ووصلوا إلى أعمال خِلاط، فجمعَ صاحب خِلاط عسكرَهُ، ونَجَدهُ عَسْكر أَرْزن الروم، فالتقوا الكرج، فنصرهم الله على الكُرْج - لعنهم الله - وقُتِلَ في المصاف مُقَدم الكُرْجِ، وغَنِمَ المسلمون وقَتَلوا مقتلة كبيرة. (١) الضبط من معجم البلدان وهي بفتح القاف والدال المهملة، قرب حمص يخرج منها النهر المسمى بالعاصي . (٢) أَيْسَ منه لغة في يئسَ. (٣) محلة مشهورة بالجانب الغربي من بغداد. ٠ ٨ سنة اثنتين وست مئة فيها استوزر الخليفة الوزير نصير الدين ناصر بن مهدي العلوي الحَسَني وخلع عليه خلعة الوزارة، فركب وبين يديه دواة عليها ألف مثقال، ووراءه المهد الأصفر وألوية الحمد والكوسات، والعهد منشور قُدامه، والأمراء بين یدیه مشاة . وفيها هرب الوزير أبو جعفر محمد بن حَدِيدَة الأنصاريُّ المعزول من دار الوزير نصير الدين ابن مهدي، وكان محبوسًا عنده ليعذبه ويصادره، فحلقَ لحيته ورأسَهُ وهَرَب، فلم يظهر خبرُه إلا من مراغة بعد مدة، وعاد إلى بغداد. وفيها أغار ابن لاون الأرمني على حلب واستباح نواحي حارم، فبعثَ الملكُ الظاهرُ غازي إليه جيشًا عليهم ميمون الكُردي، فتهاون، فكَبَسهم ابن لاون وقتل جماعة من العسكر، وثبت أيبك فُطَيْس، وبلغَ الخبر الملك الظاهر فخرجَ وقصدَ حارم، فهرب ابن لاون إلى بلاده. وفيها توجه ناصر الدين الأرتقي صاحب ماردين إلى خِلاط بمكاتبة أهلها، فجاء الملك الأشرف موسى فنازل دُنَيْسر، فرجعَ ناصر الدين إلى ماردين بعد أن خسر مئة ألف دينار ولم ينل شيئًا . وفيها سَلَّم خوارزم شاه محمد إلى الخطا تِرْمذ، فتألَّم الناس من ذلك، ثم بان أنه إنما فعل ذلك مكيدة ليتمكن بذلك من مُلْك خُراسان، لأنه لما ملكَ خراسان قصدَ بلاد الخطا وأخذها واستباحها وبَدَّع . وفيها قَصَدت الكُرْج أعمال خِلاط فقتلوا وأسروا وبَدَّعوا فلم يخرج إليهم عسكر خِلاط، لأن صاحبَها صبي، فلما اشتد البلاء على المسلمين تناخوا وحَرَّض بعضُهم بعضًا وتَجَمَّعت العساكر والمُطوعة وعملوا مصافًا مع الكُرج، وأمسكوا على الكُرْج مضيق الوادي فقتلوا فيهم قتلاً ذَريعًا، وبعد ذلك تزوج صاحب أذربيجان أبو بكر ابن البهلوان بابنة مَلِك الكُرْج، لأن الكُرج تابعت الغارات على بلاده، فهادنهم. وفيها حُمِلَ إلى إرْبِل خَرُوف وَجْهُهُ وجه آدمي وتعجبَ النَّاسُ منه. وفيها اتفق علاء الدين صاحبُ مَرَاغة ومظفر الدين صاحب إرْبل على ٩ قَصْد أذربيجان وأخذها لاشتغال ابن البهلوان بالخُمور وإهماله أمر المملكة، فسارا نحو تِبْريز، وطلبَ صاحبُها النجدة من مملوك أبيه أيدغمش صاحب الرَّي وأصبهان، وكان حينئذٍ ببلاد الإسماعيلية، فَنَجده، ثم أرسلَ إلى صاحب إرْبِل يقول: إنا كُنا نسمع عنك أنك تحب الخير والعلم، وكُنا نعتقد فيك، والآن قد ظهر لنا ضد ذلك لقصدك قتال المسلمين، أما لك عقلٌ تجيء إلينا وأنت صاحب قرية ونحن لنا من باب خُراسان إلى خِلاط وإرْبل، ثم قَدِّر أنك هَزَمت هذا السلطان، أما تعلم أن له مماليك أنا أحدُهم: فلما سمع مظفر الدين ذلك عادَ خائفًا. ثم قصد أيدغمش وابن البهلوان مَراغة وحاصرُوها، فصالحهم صاحبُها على تسليم بعض حصونه، وداهنَ. وفيها سارَ الملك أيدغمش إلى بلاد الإسماعيلية المجاورة لقزوين فقتل وأسرَ ونهبَ، وحاصرهم فافتتح خمس قلاع، وصَمَّمَ على حصار الألمُوت واستئصال شأفتهم. وفيها واقَعَ أيدغمش طائفةً من الخوارزمية نحو عشرة آلاف، فكسرهم، وكانوا قد عاثوا وأفسدوا وقتلوا. وفيها توالت الغارات من الكَلْب ابن ليون(١) الأرْمني صاحب سِيْس على أعمال حلب فسبى ونهبَ وحَرَّق، فجهزَ صاحبُ حلب عسكرًا لحربهم فاقتتلوا وكان الظفر للأرمن - لعنهم الله . سنة ثلاث وست مئة فيها فارقَ أمير الركب العراقي الركبَ وقصدَ الشام وهو الأمير وجه السَّبُع، فقصدَهُ الأعيان والحجاج وبكوا وسألوه، فقال: أمير المؤمنين مُحسنٌ إليَّ، وما أشكو إلّ الوزير ابن مهدي، فإنه يقصدُني لقُربي من الخليفة، وما عن الرُّوح عوض. وقَدِمَ الشام فأكرمه العادل وبنوه. وفيها وَلِي قضاء القضاة ببغداد عماد الدين أبو القاسم عبدالله بن الحُسين ابن الدَّامَغاني. (١) ويقال فيه: ((لاون)) كما تقدم. ١٠ وفيها قبضَ الخليفةُ على الركن عبدالسلام بن عبدالوهاب ابن الشيخ عبدالقادر فاستأصلَهُ، وكان قد بلغَهُ فِسْقُه وفجوره. وفيها قَدِمَ بغداد حاجًّا العلامة برهان الدين محمد بن عُمر بن مازة الملقب صدر جهان، وتلقاه الأعيان، وحُمِلت إليه الإقامات، وكان معه ثلاث مئة فقيه، وكان زعيم بُخارى يؤدي الخراج إلى الخطا وينوب عنهم بالبلد ويظلم ويعسف حتى لقبوه صدر جَهَنَّم . وفيها نزلت الفِرَنْج على حمص، فسارَ من حلب المُبارز يوسُف نجدة، ووقعَ مَصاف أُسِرَ فيه الصمصام ابن العلائي وخادم صاحب حمص . وفيها كانت بخراسان فتن وحروب، قوي فيها خوارزم شاه واتسع مُلْكه، وافتتح بلْخ وغير مدینة من ممالك خُراسان. وفيها التقى خُوارزم شاه وسونج بالقرب من الطَّالقان، فلما تصافَّ الجيشان حمل الملك سونج وهو وحده بين الصَّفين وساق إلى القلب، ثم تَرَجَّل ورَمَى عنه سلاحَهُ وقَبَّلَ الأرضَ، وقال: العفو. فظَنَّ خوارزم شاه أنه سكران، فلما علم صحوه سَبّه وذَمه وقال: مَن يثق إلى مثل هذا. وكان نائبًا لغياث الدين الغُوري على الطالقان، فاستولى خوارزم شاه عليها، وقَرَّر بها نوابه . سنة أربع وست مئة فيها ملكَ السُّلطان نُصرة الدين أبو بكر ابن البهلوان مدينة مراغة، وذلك أن صاحبها علاء الدين ابن قراسنقر مات وخَلَّف ابنًا طفلاً فملَّكوه، ثم مات. وفيها عبرَ خوارزم شاه إلى بلاد الخطا بجميع جيوشه وجيش بخارى وسَمَرْقَند، وحَشَدَ أهلُ الخطا فجرى بينهم وقعات ودام القتال. قال ابن الأثير (١): في سنة أربع عبرَ علاءُ الدين محمد ابن خوارزم شاه - قلتُ: ولقبهُ خوارزم شاه - إلى ما وراء النهر لقتال الخطا، وكانوا قد طالت أيامهم ببلاد تُركستان وما وراء النَّهر وثقلت وطأتهم على أهلها، ولهم في كل (١) الكامل: ٢٥٩/١٢ - ٢٦٠ بتصرف. ١١ بلد نائب، وهم يسكنون الخركاوات(١) على عادتهم، وكان مقامهم بنواحي كاشغر وأوزْكَنْد وبلاسَاغُون. وكان سلطان سمرقند وبخارى مَقْهورًا معهم، فكاتبَ علاءَ الدين وطلبَ منه النَّجدة على أن يَحْمل إليه ما يَحْمله إلى الخطا ويُريح الإسلام منهم . قلت(٢): ثم اشتد القتال في بعض الأيام بين المسلمين والخطا فانهزم المسلمون هزيمةً شنيعة وأسر خلق، منهم السلطان خوارزم شاه وأمير من أمرائه الكبار؛ أسرهما رجلٌ واحد ووصلت المُنْكَسِرون إلى خوارزم وتخبطت الأمور. وأما خوارزم شاه فأظهر أنه غلام لذلك الأمير وجعلَ يخدمه ويخلعه خُفه، فقام الذي أسرهما وعَظَّمَ الأمير وقال: لولا أنَّ القوم عرفوا بك عندي لأطلقتك، ثم تركه أيامًا، فقال الأمير: إني أخاف أن يظن أهلي أني قُتِلت فيقتسمون مالي، فأهلك، وأحب أن تقرِّرَ عليَّ شيئًا من المال حتى أحمله إليك، وقال: أريد رجلاً عاقلاً يذهب بكتابي إليهم. فقال: إنَّ أصحابنا لا يعرفون أهلك. قال: فهذا غلامي أثق به فهو يمضي إن أذنتَ، فأذن له الخطائي فسَيَّرَهُ وبعثَ معه الخطائي من يخفّره إلى قريب خوارزم، فخفروه، ووصل السلطان خوارزم شاه بهذه الحيلة سالمًا، وفرح به الناس وزُيْنت البلادُ. وأما ذاك الأمير، وهو ابن شهاب الدين مسعود، فقال له الذي استأسَرهُ: إنَّ خوارزم شاه قد عدم. فقال له: أما تعرفه؟ قال: لا. قال: هو أسيرك الذي كان عندك. فقال: لِمَ لا عرفتني حتى كنتُ خدمته وسرتُ بين يديه إلى مملكته. قال: خِفْتُكم عليه. فقال الخطائي: فَسِر بنا إليه، فسارا إليه. ثم أتته الأخبار بما فعله أخوه عليّ شاه وكُزْلك خان، فسارَ ثم تبعه جيشه. وكان قبل غزوه الخطا قد أمَّرَ أخاه على طبرستان وجُرجان ، وأمَّر كزكان(٣) على نَيْسابور وهو نسيبه، وولَّى جلدك مدينة الجام، ووَلَّى أمين الدين مدينة زَوْزَن - وأمين الدين كان من أكبر أمرائه وكان حَمَّالاً قبل ذلك وهو الذي في الكامل: الخركاهات، والمعنى واحد، وهي: الخيم. (١) (٢) هكذا قال مع أن الخبر عند ابن الأثير وما نظنه نقله إلا منه (٢٦٣/١٢ - ٢٦٦). (٣) هكذا بخط المؤلف، وهو كزلك خان المذكور قبل قليل، وهذا لفظ آخر لاسمه، ولكن لا معنى لإيراد الصور المختلفة في رسم الاسم لما يؤدي ذلك من اللبس، على أن هذه عادة معروفة للذهبي رحمه الله . ١٢ ملك كرمان وقتل حُسين بن جرميك(١) - وصالحه غياث الدين الغوري وخَضعَ له، وأَمَّرَ على مرو وسَرْخس نوابًا، ثم جمعَ عساكره وعَبر جَيْحون واجتمع بسلطان سمرقند، وجرى حرب الخطأ الذي ذكرناه . فأما ابن جرميك نائب هراة فإنه رأى صنيع عسكر السلطان خوارزم شاه بالرعية من النَّهْب والفتك، فأمسك منهم جماعة وبعثَ إلى السلطان يعرفه ما صنعوا، فغضبَ وأمرهُ بإرسال الجُند لحاجته إليهم في قتال الخطا، وقال: إني قد أمرتُ عز الدين جلدك صاحب الجام أن يكون عندك لما أعلمه من عقله وتدبيره، وكتبَ إلى جَلْدك يأمره بالمسير إلى هراة ويقبض على ابن جرميك. فسارَ في ألفي فارس - وقد كان أبوه طُغرل متولي هراة في دولة سنجر، فجلدك - إليها بالأشواق ويؤثرها على جميع خُراسان. فلما خرجَ لتلقيه نزلا واعتنقا، ثم أحاطَ أصحابه بابن جرميك فهرب غلمانه إلى البلد، فأمر الوزير بغَلْق هراة واستعد للحصار، فنازل جلدك هراة، وأرسل إلى الوزير يتهدده بأنه إن لم يُسلم البلد قتل مخدومه ابن جرميك، فنادى الوزير بشعار السلطان غياث الدين محمود الغُوري، فقدموا ابن جرميك إلى الشُّور فحدَّث الوزير في التسليم فلم يقبل، فذبحوه، ثم أمرَ خوارزم شاه في كتبه إلى أمين الدين صاحب زَوْزَن وإلى كُزلك خان متولي نَيْسابور بالمسير لحصار هراة فسارا ونازلاها في عشرة آلاف. واشتد القتال، وقد كان ابن جرميك قد حَصَّنها وعمل لها أربعة أسوار وحَفَر خندقها وملأها بالمِيرة، وأشاعَ أني قد بقيت أخاف على هراة شيئًا وهو أن تُشْكَر المياه التي لها ثم تُرْسَل عليها دَفْعة واحدة فينهدم سورها. فلما بلغ أولئك قولهُ فعلوا ذلك، فأحاطت المياه بها ولم تصل إلى السُّور لارتفاع المدينة، بل ارتفع الماء في الخندق وكثر الوحل بظاهر البلد، فتأخر لذلك العَسْكر عنها، وهذا كان قصد ابن جرميك، فأقاموا أيامًا حتى نشف الماء. ولما أُسر خوارزم شاه - كما قدمنا - سار كُزلك خان مُسْرعًا إلى نَيْسابور، وحَصَّنَها، وعزم على السلطنة. وكذلك همَّ بالسلطنة عليّ شاه ودعا إلى نفسه، واختبطت خُراسان. فلما خلص خوارزم شاه وجاء، هربَ كُزلك خان بأمواله (١) هكذا بخط الذهبي مجود التقييد، وفي المطبوع من كامل ابن الأثير: خرميل (٢٦٠/١٢ فما بعد). ١٣ نحو العراق، وهرب عليّ شاه مُلْتجئًا إلى غياث الدين الغُوري، فتلقاه وأكرمهُ. وأمَّا خوارزم شاه فإنه استعمل على نَيْسابور نائبًا، وجاء فَتَّمم حصار هراة ولم ينل منها غَرَضًا بحسن تدبير وزيرها. فأرسل إليه خوارزم شاه يقول: إنك وعدت عسكري أنك تُسَلُّم إليَّ البلد إذا حضرت. فقال: لا أفعل، أنتم غَدارون لا تبقون على أحد، والبلد للسلطان غياث الدين. فاتفق جماعةٌ من أهل هراة، وقالوا: أهلكَ الناس من الجُوع وتَعطلت المعائش وهذه ستة أشهر. فأرسل الوزير من يُمسكهم، فثارت فتنة في البلد وعظمت فتداركها الوزير بنفسه وكتبَ إلى خوارزم شاه، فزحف على البلد وهم مختبطون فملكها، ولم يُبْق على الوزير وقَتَلُهُ، وذلك في سنة خمس. ثم سَلَّم البلد إلى خاله أمير ملك، فرَمَّ شعثَهُ. ثم أمرَ خالَهُ أن يسير إلى السلطان غياث الدين محمود ابن غياث الدين فيَقْبض عليه وعلى عليّ شاه، فسارَ لحربهما، فأرسل غياث الدين يبذل له الطاعة، فأعطاه الأمان، فنزل غياث الدين من فيروزكوه فقبض عليه وعلى عليّ شاه. ثم جاء الأمر من خوارزم شاه بقتلهما، فقتلهما في وقت واحد من سنة خمس الآتية. وفيها تَمَلَّك الأوحد أيوب ابن العادل مدينة خِلاط بعد حرب جرت بينه وبين بَلبان صاحبها، وقُتِلَ بعد ذلك بلبان على يد ابن صاحب الروم مغيث الدين طغرل شاه، وساقَ القصةَ ابن الأثير في ((تاريخه))(١) وابن واصل(٢) وغيرهما . وخِلاط مملكة عظيمة وهي قصبة أرمينية وبلادها متسعة حتى قيل: إنها في وقتٍ كانت تقارب الديار المصرية، وهذا مبالغة، وكانت لشاه أرمن بن سكمان، ثم لمملوكه بكتمر، فقتل بكتمر سنة تسع وثمانين وخمس مئة، فملكها ولده. ثم غلب عليها بلبان مملوك شاه أرمن. وكان الملك الأوحد قد مَلَّكهُ أبوه ميافارقين وأعمالها بعد موت السلطان صلاح الدين، فافتتح مدينة موش وغيرها، وطمع في مملكة خلاط وقصدها، فالتقاه بلبان فكسره، فَردَّ إلى ميافارقين فحشدَ وجمعَ وأنجده أبوه بجيش فالتقى هو وبَلبان، فانهزم بلبان (١) الكامل: ١٢ / ٢٧٢. (٢) مفرج الكروب: ٣/ ١٧٥ فما بعد. ١٤ وتَحصَّن بالبلد واستنجدَ بطُغرل شاه السلجوقي صاحب أرزَن الروم، فجاء وهُزم عنه الأوحد، ثم سار السلجوقي وبلبان فحاصرا حصن موش، فغدر السلجوقي ببلبان وقتله وساقَ إلى خلاط ليملكها فمنعه أهْلُها، فساقَ إلى منازكرد(١) فمنعه أهلُها، فَرَدَّ إلى بلاده، واستدعى أهلُ خلاط الأوحد فملَّكوه، وملك أكثر أرمينية. فهاجت عليه الكُرْج وتابعوا الغارات على البلاد، واعتزل جماعة من أمراء خِلاط وعصوا بقلعة، فسارَ لنجدته الأشرف موسى في جيوشه، وتَسَلَّموا القلعة بالأمان. ثم سار الأوحد ليقرر قواعد ملازكرد، فوثب أهل خلاط وعصوا، فكرَّ الأوحد وحاصرهم، ودخلَ وبذلَ السيف فقتل خلقًا، وأسر الأعيان. وكان شَهمًا سَفاكًا للدماء فتوطدت له الممالك. وفيها اتفق الفرنج من طرابلس وحصن الأكراد على الإغارة بأعمال حمص، ثم حاصروها، فعجز صاحبها أسد الدين عنهم، ونَجَده الظاهر صاحب حلب بعسكر قاوموا الفرنج. ثم إن السُّلطان سيف الدين سار من مصر بالجيوش وقصد عَكا فصالحهُ صاحبُها، ثم سار فنزل على بحيرة حمص (٢) فأغار على بلاد طرابلس وأخذ حِصنًا صغيرًا من أعمالها، وقد مَر ذلك استطرادًا في سنة إحدى وست مئة. سنة خمس وست مئة فيها قدِمَ الشام شهاب الدين السُّهْرَوردي في الرُّسلية ورجع ومعه شمس الدين ألدُكز بالتَّقادُم والتُّحف، فأُعرِضَ عن السُّهروردي ونقموا عليه حيثُ مَذَّ يدَهُ إلى الأموال بالشام وقبل العطايا وحَضَر دعوات الأمراء، فأُخذت منه الرُّبط ومُنِعَ من الوعظِ، فقال: ما قبلتها إلا لأفرقها في فُقراء بغداد، وشَرَع يُفْرِّق ذلك. قال أبو شامة(٣): وفيها زُلزلت نَيْسابور زلزلة عظيمة دامت عشرة أيام فمات تحت الردم خلق عظيم. (١) ويقال فيها: ملازكرد - باللام - كما هو معروف، وكما سيأتي بخط المؤلف بعد أسطر قليلة . (٢) هي بحيرة قَدَس التي مر ذكرها في حوادث سنة ٦٠١هـ. (٣) ذيل الروضتين: ٦٥. ١٥ وفيها نازلت الكُرْج مدينة أرجيش فافتتحوها بالسيف ثم أحرقوها، وأصبحت خاوية على عروشها ولم يبقَ بها أحد، ولم يروع الكُرْج أحدٌ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وعجز عنهم الملك الأوحد ابن العادل وهي له(١). وفيها خرجَ كيخسرو صاحب الروم وقصد بلاد سيس وافتتح حصنًا بالأمان، ونجده عسكر حلب وأغار وسبى وغنم. وفيها افتتح خوارزم شاه مدينة هراة مرة ثانية. سنة ست وست مئة فيها نزلت الكُرج على خلاط فضايقوها وكادوا يأخذونها، وكان بها الأوحد ابن الملك العادل، فقال لملك الكُرج إيواني مُنَجِّمه: ما تبيت الليلة إلاّ في قلعة خلاط. فاتفق أنه شرب وسكر وركب في جيوشه وقصد باب البلد، فخرج إليه المسلمون، ووقع القتال، فعثر به فرسُهُ فوقع فتكاثرَ عليه المسلمون، وقُتِل حوله جماعةٌ من خواصه، وأُسر، فما باتَ إلا بالقلعة، وهرب جيشه. وقيل: جرى ذلك في سنة سبع . وفيها نزل السلطان الملك العادل على سنجار بجيوش عظيمة، وضربها بالمجانيق أشهرًا، وكاد أن يفتحها، فأرسل الملك الظاهر من حلب أخاه المؤيد مسعودًا إلى العادل يشفع في أهل سنجار وصاحبها قطب الدين محمد ابن زنكي بن مودود فلم يشفعه. ومات المؤيد في السفر برأس عين، وكرهت المشارقة مجاورة الملك العادل فاتفقوا عليه مع صاحب إربل وتشفعوا إليه، فرحل بعد أن أخذ نصيبين والخابور ونزل حران، وكانت هذه من سيئات العادل؛ يدع جهاد الفرنج ويقاتل المسلمين، فإنا لله. وقال ابن الأثير في ((الكامل))(٢): لما استقر أمر خراسان لخوارزم شاه محمد بن تكش عَبَر جيحون في هذه السنة في جحفل عظيم، فجمع الخطا (١) من كامل ابن الأثير باختصار: ٢٧٩/١٢. (٢) في حوادث سنة ٦٠٤ : ١٢/ ٢٦٧ - ٢٧١ بتصرف كبير. ١٦ جموعهم والمُقَدَّم عليهم طاينكو(١) ، وكان شيخًا مسنًا لقي الحروب. وكان مؤيدًا فيها مُدَبِّرًا، فكانت وقعةٌ لم يُشهد مثلها، انكسر فيها الخطا وقُتل خلقٌ كثير، وأُسر طاينكو فجيء به إلى خوارزم شاه فأجلسهُ معه على السرير واحترمه، ثم سَيَّرهُ إلى خوارزم، وافتتح خوارزم شاه بلاد ما وراء النهر قَهْرًا وصُلْحًا حتى بلغ أوزكند وجعل نائبه عليها، ورجع إلى خوارزم وفي خدمته ملك سمرقند، وكان من أحسن الناس صُورة، فزوجه خوارزم شاه بابنته، ورَدَّهُ ورَدَّ معه شحنةً يكون بسمرقند على قاعدة ملك الخطا مع صاحب سمرقند. فتعب صاحب سمرقند بالخوارزمية وندمَ لما رأى من سوء سيرتهم وقُبح معاملتهم الناس، وأرسل إلى ملك الخطا يدعوه إلى سمرقند ليسلمها إليه ويعود إلى طاعته. ثم أمرَ بقتل كل من عنده من الخوارزميين ووسط جماعة من أعيانهم وعَلَّقَهُم في الأسواق، ومضى إلى القلعة ليقتل زوجته بنت خوارزم شاه، فأغلقت الأبواب ومنعت عن نفسها هي وجواريها، وبعثت تقول له: أنا امرأة، وقَتْل مثلي قبيح فاتق الله فيَّ. فتركها وضَيَّقَ عليها. وجاء الخبر إلى السلطان والدها، فغضب وقامت قيامته، وأمر بقتل كل من بخوارزم من الغرباء فمنعتهُ أُمُّه وخَوّفته، فاقتصر على قتل كل سمرقندي بها فنهته أيضًا فانتهى. وأمرَ جيشه بالتجهز إلى ما وراء النهر فسار وسار في ساقتهم، ونازل سمرقند، وأرسل إلى صاحبها يقول له: قد فعلتَ ما لم يفعله مسلم ولا كافر ولا عاقل، وقد عفا الله عما سلف فاخرج عن البلاد إلى حيث شئت. فامتنع، فزحفَ علیه، ونصبَ السلالم على السور، وأخذَ سمرقند، ووقع القتل والنهب ثلاثة أيام، فيقال: إنهم قتلوا بها مئتي ألف، وسلم دَرْب الغُرباء والتجار بحماية. ثم زحفوا على القلعة، فأُخذت، وأُسر الملك، فلما أُحضر قَبَّل الأرض وطلب العفو، فقتله صبرًا. واستعمل نوابًا على سمرقند. وأما الخطا فلما ذهبوا مهزومين اجتمعوا عند ملكهم ولم يكن شهد الوقعة. وكان طائفة من التتار قد خرجوا من بلادهم أطراف الصين قديمًا فنزلوا وراء بلاد تُركستان، فكان بينهم وبين الخطا حروب في هذا القُرب، فلما (١) هكذا بخط المؤلف، وفي المطبوع من تاريخ ابن الأثير: ((طاينكوه)) وفي نسخة منه: طاینکوا . تاريخ الإسلام ١٣ / م ٢ ١٧ سمعوا أن خوارزم شاه كسر الخطا قصدوهم مع مُقَدَّمهم كشلوخان(١)، فلما رأى ذلك ملك الخطا كتبَ إلى خوارزم شاه: أما ما كان منك من أخذ بلادنا وقتل رجالنا فمعفو عنه، فقد أتانا من هذا العدو ما لا قبَل لنا به، فإن انتصروا علينا وأخذونا فلا دافع لهم عنك، والمصلحة أن تسير إلينا في عساكرك وتنجدنا على حربهم، فكاتب خوارزم شاه مَقدَّم التتار كشلوخان: إنني معك على قتال الخطا. وكاتب ملك الخطا: إنني قادم لنصرتكم. وسار في جيوشه إلى أن نزل بقرب مكان المصاف، فلم يخالطهم، بل أوهمَ كُلّ من الطائفتين أنه معهم وأنه كمين لهم، فالتقوا فانهزم الخطا أقبح هزيمة، فمال حينئذٍ خوارزم شاه مع التتار عليهم قَتْلاً وأسرًا، فلم يُفلت منهم إلا القليل مع ملكهم لجؤوا إلى جبال منيعة وتحصنوا بها، وانضم إلى خوارزم شاه منهم طائفة كبيرة وصاروا في جيشه. فأرسل يَمُن على كشلوخان، فاعترف له وأرسل إليه بأن يتقاسما مملكة الخطا كما اتفقا على إبادتهم، فقال خوارزم شاه: ليس لك عندي إلا السيف، فإن قنعت بالمُسالمة وإلاّ سرتُ إليك. ثم سارَ حتى قاربه، ثم تبين له أنه لا طاقة له بالتتر، فأخذ يراوغهم ويُبيتهم ويتخطفهم، فأرسل إليه كشلوخان: ليس هذا فِعْل الملوك، هذا فِعْل اللصوص، فإن كُنتَ سلطانًا فاعمل مصافًّا، فجعل يغالطه ولا يجيبه، لكنه أمرَ أهل فرغانة والشاش وأسبيجاب(٢) وكاسان وتلك البلاد النَّزهَة العامرة بالجلاء والجفل إلى سمرقند وغيرها، ثم خرَّبها جميعها خوفًا من التتار أن يملكوها. ثم اتفق خروج جنكزخان والتتار الذين أخربوا خُراسان على كشلوخان، فاشتغل بحربهم مدة عن السلطان خوارزم شاه فرجع إلى بلاد خراسان. قلتُ: وكان هذا الوقت أول ظهور الطاغية جنكزخان، وأول خروجه من أراضيهم إلى نواحي التُّرك وفرغانة. وأراضيهم براري من بلاد الصين. قال الموفق عبداللطيف بن يوسف في خبر التتار: هو حديث يأكل الأحاديث، وخبر يطوي الأخبار، وتاريخ يُنْسِي التواريخ، ونازلة تُصَغِّر كُلَّ نازلة، وفادحة تطبق الأرض وتملؤها ما بين الطول والعرض. وهذه الأمة (١) ويقال فيه: كشلي خان. (٢) ويقال فيها: أسفيجاب - بالفاء - وهو من قلب الباء الفارسية إلى فاء. ١٨ لغتهم مشوبة بلغة الهند لأنهم في جوارهم، وبينهم وبين تَنْكُت (١) أربعة أشهر. وهم بالنسبة إلى الترك عراض الوجوه، واسعو الصدور، خفاف الأعجاز، صغار الأطراف، سمر الألوان، سريعو الحركة في الجسم والرأي، تصل إليهم أخبار الأمم ولا تصل أخبارهم إلى الأمم، وقلما يقدر جاسوس أن يتمكن منهم؛ لأنَّ الغريب لا يتشبه بهم، وإذا أرادوا جهةً كتموا أمرهم ونهضوا دفعةً واحدةً، فلا يعلم بهم أهل بلد حتى يدخلوه، ولا عسكر حتى يخالطوه، فلهذا تفسد على الناس وجوه الحيل، وتضيق طُرق الهرب، ويسبقون التأهب والاستعداد. ونساؤهم يقاتلن كرجالهم، وربما كان للمرأة رضيع فتعلقه في عنقها وترمي بالقوس. يَرِد على البلد منهم أولاً نفرٌ يسير حتى يطمع فيهم أهله فينشرون وراءهم حتى يُبْعِدوا وذاك النفر منهزمون بين أيديهم، ثم ينهالون عليهم كقطع الليل فيعجلونهم عن المدينة فيجعلونهم كالحصيد، ويدخلون المدينة فيقتلون النساء والصبيان بغير استثناء. وأما الرجال فربما أبقوا منهم من كان ذا صنعة أو له قوة في الخدمة . قال: والغالب على سلاحهم النشاب وكلُّهم يَصْنعه، ونصُولهم قرون وحديد وعظام، ويطعنون بالسيوف أكثر مما يضربون بها. ولهم جواشن من جلود وخفاف واقية. وخيلهم تأكل الكلأ رطبًا ويابسًا وما وَجَدت من ورق وخشب، وإذا نزلوا عنها أطلقوها. وسروجهم صغار خفاف ليس لها قيمة . وأكلهم لحم أي حيوان وُجِدَ وتمسه النار تحلة القسم. وليس في قَتْلهم استثناء ولا إبقاء. وكأنَّ قصدهم إفناء النوع، وفعلوا ذلك بجميع خُراسان ولم يسلم منهم إلاّ أصبهان وغزنة . قال: ويظهر من حالهم أنهم لا يقصدون المُلْك والمال بل إبادة العالم لیرجع یبابًا . وقال غيره: هذه القبيلة الخبيثة تعرف بالتمرجي سكان البراري قاطع الصين، ومشتاهم بموضع يُعرف بأرغُون. وهم طائفة مشهورة بالشر والغدر. وسبب ظهورهم أن إقليم الصين متسع مسيرة دورة ستة أشهر، ويقال: إنه (١) مدينة من مدن الشاش، وراء نهر سيحون. ١٩ يحويه صور(١) واحد لا ينقطع إلا عند الجبال والأنهار. قلت: وهذا بعيد وهو ممكن(٢). والصين ست ممالك ولهم ملك حاكم على الممالك الستة وهو قانهم(٣) الأكبر المقيم بطمخاج(٤)، وهو كالخليفة للمسلمين. وكان سلطان أحد الممالك الستة وهو دوس خان قد تزوج بعمة جنكزخان فحضر زائرًا لعمته وقد مات زوجها. وكان قد حضر مع جنكزخان كشلوخان، فأعلمتهما أن الملك لم يخلف ولدًا، وأشارت على ابن أخيها أن يقوم مقامه، فقام وانضم إليه خلق من المغول. ثم سَيّر التقادم(٥) إلى الخان الكبير، فاستشاط غضبًا وأمرَ بقطع أذناب الخيل التي أهديت وطردها، وقتلَ الرُّسل، لكون التتار لم يتقدم لهم سابقة بتملك، إنما هم بادية الصين. فلما سمع جنكزخان وصاحبه كشلوخان تحالفا على التعاضد وأظهرا الخلاف للخان، وأتتهما أمم كثيرة من التتار. وعلم الخان قوتهم وشرّهم فأرسل يؤانسهم ويظهر مع ذلك أنه ينذرهم ويُهددهم فلم يُغْن ذلك شيئًا، ثم قصدهم وقصدوه، فوقع بينهم ملحمة عظيمة، فكسروا الخان الأعظم أقبحَ كَسْرة، ونجا بنفسه، وملك جنكزخان بلادَهُ واستفحلَ شره. فراسله الخان بالمسالمة، ورضي بما بقي في يده من الممالك، فسالموه. واستمر المُلْك بين جنكزخان وكشلوخان على المشاركة. ثم سارا إلى بلاد ساقون من نواحي الصين فملكاها. فمات كشلوخان، فقام مقامه ولده، فاستضعفه جنكزخان ووقعت الوحشة، فطلب ابن كشلوخان قبالَق والمالق، فصالحه ملكها ممدود خان بن أرسلان وملك كاشغر من التُّرك، وقوي، وبَعُد صيته، فجَرَّد لحربه جنكزخان ولده دُوشي خان في عشرين ألفًا، فحاربه وظفر به دوشي خان. واستقل جنكزخان ودانت له التتار وانقادت له، ووضع لهم قواعد يرجعون إليها، فالتزموا بها وأوجبوها على نفوسهم بحيث إنه مَنْ خالفَ شيئًا منها فقد ضَلَّ ووجب قتله. واعتقدوا فيه وتألهوه، وبالغوا (١) هكذا بخط المؤلف والنسخ التي نقلت عنه، والمشهور (سور)) بالسين. (٢) بل هو موجود معروف مشهور، وهو سور الصين العظيم. (٣) ويكتب بالخاء المعجمة ((الخان)) كما سيأتي. (٤) هكذا هي في تاريخ ابن الأثير أيضًا، وكتب المؤلف في الحاشية قراءة أخرى لها وهي: ((طوغاج)). (٥) التقادم: الهدايا. ٢٠