Indexed OCR Text

Pages 921-940

٤٢٢- الوليد بن محمد بن أحمد بن جَهْور، أبو محمد القُرْطُبيُّ،
كبير الشُّهود المُعدَّلين بِقُرْطُبة.
كان فاضلاً مُتواضعًا على منهاج السَّلَف. سمع من أبي مَروان بن مَسَرَّة،
وأبي بكر بن سَمَجُون. وعاش قريبًا من ثمانين سنة(١).
٤٢٣- يحيى بن عبدالجبار بن يحيى بن يوسف، أبو بكر الأنصاريُّ
المالَقيُّ، المعروف بالأبار، قاضي مالَقة.
ذكره أبو عبدالله الأبار في ((تاريخه))، فقال(٢): كان جَزْلاً في أحكامه،
مَهيبًا، وَرعًا، فقيهًا، بصيرًا بالشُّرُوط. سمع أبا عبدالله بن الأصْبغ، وأبا جعفر
ابن عبدالعزيز، وأبا عبدالله بن نجاح الذَّهبي بقُرْطُبة. ورحل إلى إشبيلية فسمع
((صحيح البخاري)) من أبي الحسن شُرَيح. وسمع من أبي بكر ابن العربي.
حدَّث عنه أبو سُليمان بن حَوْط الله، وأبو يحيى بن هانىء، وغيرُهما. وتوفي
سنة تسعين في ذي الحجة، وله خمسٌ وثمانون سنة.
٤٢٤- يحيى بن منصور بن أبي القاسم، أبو زكريا البِجَائِيُّ المالكيُّ
الزَّاهد.
حكى عنه الزاهد أبو النون عبدالنُّور بن علي التَّميمي(٣).
وفيها وُلد :
السَّيف يحيى ابن الناصح ابن الحنبلي، والشَّرَف سُليمان بن بنيمان
الإربليُّ الشاعر، والشَّرَف محمد بن محمد ابن البَكْري، ومحمد بن مُرتضى بن
أبي الجُود، والصَّفِي خليل المَرَاغيُّ، والجمال ابن شعيب التَّميميُّ، وقاضِي
نابُلَس نجم الدين محمد بن سالم القُرَشيُّ، وعبدالعزيز بن إسماعيل بن مَسْلَمة
الدِّمشقيُّ.
(١) من تكملة ابن الأبار ١٥٣/٤.
(٢) التكملة ٤ /١٨٤.
(٣) من تكملة المنذري ١/ الترجمة ٢٥٨.
٩٢١

وممن كان في هذا الوقت ولم تتصل بي وفاته
٤٢٥-أحمد بن علي بن أحمد الأنصاريُّ، أبو العباس ابن الفقيه
السَّرَ قُسطي، نزيل الإسكندرية.
سمع الكَرُوخي، وابن ناصر، وجماعةً. وحدَّث ((بالتيسير)) عن أبي
عبدالله بن سعيد الدَّاني ابن الفَرَس. وله شِعرٌ جَيِّدٌ.
حدَّث عنه أبو الحَجَّاجِ ابن الشيخ، وعلي بن المُفَضَّل الحافظ، وأبو بكر
ابن علي الإشبيلي.
وكأنه توفي بعد الثمانين(١).
٤٢٦- إسحاق بن محمد بن إسحاق بن محمد بن هلال بن
المُحسِّن، أبو نَصر ابن الصابىء الكاتب البغداديُّ.
من بيت كتابةٍ وبلاغةٍ وترسُّلٍ. كان شيخًا حسنًا .
قال ابن الدُّبيثي(٢): توفي بعد الثمانين.
٤٢٧- الحسن بن منصور بن محمود البخاريُّ الحَنَفَيُّ، العَلاَّمة شيخ
الحنفية قاضي خان الأُوُزْجَندي صاحب التَّصانيف.
رأيتُ مجلّدًا من أماليه في سنة سبع، وسنة ثمانٍ، وسنة تسع وثمانين
وخمس مئة.
وسمع كثيرًا من الإمام ظهير الدين حسن بن علي بن عبدالعزيز،
وإبراهيم بن إسماعيل الصَّفَّاري .
روى عنه العَلَّمة جمال الدين محمود بن أحمد بن عبدالسَّيِّد الحَصِيري
تلميذه .
٤٢٨- شعيب بن الحُسين، أبو مَدين الأندلسيُّ الزَّاهد، شيخ أهل
المغرب رحمة الله عليه.
أصله من أعمال إشبيلية من حِصن مَنتوجَب، جال وساح وسكن بِجَاية.
مدةً، ثم سكن تِلِمسان. وكان كبيرَ الصُّوفية والعارفين في عَصره.
(١) من تكملة ابن الأبار ١/ ٧٤.
(٢) تاريخه، الورقة ٢١٢ (شهيد علي).
٩٢٢

ذكره أبو عبدالله الأبار، ولم يؤرِّخ له مَوتًا، وقال(١): كان من أهل العَمَل
والاجتهاد، منقطعَ القرين في العبادة والتُّسك.
قال: وتوفي بتلمسان في نحو التسعين وخمس مئة. وكان آخر كلامه:
الله الحَيُّ. ثم فاضت نفسه .
٤٢٩- عبدالله بن علي بن خَلَفَ المُحاربيُّ الغَرْناطيُّ، أبو محمد.
روى عن أبيه، وشَرَيح، وابن العربي. وعنه سُليمان بن حَوْطَ. وتوفي
سنة بضع وثمانين(٢) .
٤٣٠- عبدالله بن محمد بن عبدالله بن سفيان التُّجيبيُّ الشاطبيُّ الفقيه
النَّحويُّ، قاضي لُورقة .
سمع أبا الوليد ابن الدَّبَّاغ، وابن هُذَيل، وطبقتهما.
وكان بليغًا مُفوَّهًا، له النَّظم والنَّثر.
روى عنه أبو عيسى بن أبي السَّدِّاد، وأبو الربيع بن سالم.
بَقِيَ إلى حدود التسعين وخمس مئة(٣).
٤٣١- عبدالله بن محمد بن علي بن وَهب القُضاعيُّ المُؤدِّب، أبو
محمد الإشبيليُّ، نزیل سَبْتة.
أخذ عن أبي الحسن شُرَيح، وعمرو بن بَطَّال.
وكان عارفًا بالقراءات والنَّحو، جيِّدَ التَّفهيم. أخذ عنه أبو العباس العزفي
والد صاحب سَبْتة(٤) .
٤٣٢- عبدالرحمن بن يحيى بن الحُسين(٥)، أبو القاسم الأمويُّ
الإشبيليُّ الزَّاهد.
روى عن أبي محمد بنِ عَتَّاب، وأبي القاسم الهَوْزني، وشُرَيح، وجماعةٍ .
ونزل بِجَاية من المغرب، وألّف ((الجمع بين الصحيحين)) وأتى فيه بالأسانيد.
روى عنه أبو ذَرِّ الخُشني، وغيرُه. وبالإجازة أبو علي الشَّلَوبيني.
(١) التكملة ١٣٨/٤.
(٢) من تكملة ابن الأبار ٢/ ٢٧٧.
(٣) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٩٠ هـ (الترجمة ٣٩٠).
(٤) من تكملة ابن الأبار ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٥) في المطبوع من التكملة لابن الأبار: ((الحسن))، وما أثبتناه من النسخ كافة.
٩٢٣

قال الأبار (١): كان مقرئًا، مُحدِّثًا، زاهدًا، وَرعًا .
توفي بعد الثمانين وخمس مئة.
٤٣٣- عربي بن مسافر الحِلَّيُّ الشِّيعيُّ، عالم الشّيعة وفقيههم
بالحِلَّة.
رحلت إليه الرَّوافض من النواحي للأخذ عنه. وروى عن العماد أبي
جعفر الطَّبري، وغيرِهِ. وهَلَكَ بعد الثمانين.
٤٣٤- علي بن عبدالله بن عبدالرحيم الفِهريُّ، أبو الحسن البَلَنسيُّ
المقرىء .
أخذ القراءات عن ابن هُذيل. وروى عن أبي الوليد ابن الدَّبَّاغ،
وطبقته .
وكان صالحًا مُنقطعًا عن الناس.
روى عنه أبو الربيع بن سالم، وقال: توفي في حدود التسعين وخمس
مئة(٢).
٤٣٥- علي بن عبدالكريم بن أبي العلاء، أبو الكَرَم العَطّار العباسيُّ
الهَمَذَانِيُّ مُسند هَمَذَان في وقته.
كان بها في سنة خمسٍ وثمانين وخمس مئة في قَيد الحياة، فحدَّث عن
فِنْد بن عبدالرحمن الشَّعْراني، وأبي غالب أحمد بن محمد العَدْل صاحب ابن
شبابة، وجماعةٍ .
روى عنه علي بن إسْفَهْسِلاَّر الرازي، والشمس أحمد بن عبدالواحد
البخاري، والحافظ عبدالقادر الرُّهاوي، وغيرهم.
وسماعاته بعد الخمس مئة.
أخبرنا إسماعيل ابن المنادي، قال: أخبرنا أحمد بن عبدالواحد، قال:
أخبرنا علي بن عبدالكريم بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أحمد بن محمد العَدْل
سنة ستٍّ وخمس مئة، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن محمد بن شبابة، قال:
حدثنا أبو القاسم عبدالرحمن بن الحسن بن عُبيد، قال: حدثنا إبراهيم بن
(١) التكملة ٣/ ٣٤.
(٢) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ٥٨٩ هـ (الترجمة ٣٥٥).
٩٢٤

الحُسين، قال: حدثنا أبو اليَمَان، قال: حدثنا عُفَير، عن سُليمان بن عامر، عن
أبي أُمامة، قال: قال رسول الله وَله: ((لا يقطع الصلاة شيء)).
عُفَير هو ابن مَعْدان، كُنيتُه أبو عائذ، ضعيف(١).
٤٣٦- علي بن المظفَّر بن عباس، أبو الحسن الواسطيُّ المقرىء،
خطيب شافيا .
قرأ بالرِّوايات العَشر على أبي العزِّ القَلانِسِي. وتصدَّرَ للإقراء؛ قرأ عليه
القراءات أبو الحسن علي بن باسُوية، والموفَّق علي بن خَطَّاب بن مقلد
الضَّرير .
٤٣٧- محمد بن إبراهيم بن حِزْب الله، الإمام أبو عبدالله ابن النَّقَّار
الفاسئُّ.
أخذ عن أبي عبدالله ابن الرمَّامة المُتوفى سنة سَبع وستين، وعن أبي
عبدالله بن خليل، وجماعةٍ .
وكان فقيهًا متفننا، مُحدِّثًا، زاهدًا.
روى عنه أبو الحسن ابن القَطَّان الحافظ، وتفقه به، وأجاز له في سنة
اثنتين وثمانين وخمس مئة (٢).
٤٣٨- يزيد بن عبدالرحمن بن أحمد بن محمد، أبو الوليد
المَخْلَدِيُّ البَقَويُّ القُرْطَبِيُّ، والد أبي القاسم أحمد بن بَقِي.
روى عن جَدِّه أحمد بن محمد، وأبيه، وأبي بكر ابن العربي، وشُرَيح بن
محمد، وأبي القاسم بن رضا، وجماعةٍ سواهم.
حدَّث عنه ابنه أبو القاسم، وأبو سُليمان بن حَوْط الله، وأبو زيد
الفازازي .
ووَليَ القضاء ببَسْكرة، بُلَيدة من بلاد الزَّاب.
قال الأبار(٣): توفي بعد الثمانين وخمس مئة.
(١) أخرجه الطبراني في الكبير (٧٦٨٨)، والدار قطني ٣٦٨/١ من طريق عُفير، به.
(٢) من تكملة ابن الأبار ١٥٩/٢ - ١٦٠.
(٣) التكملة ٢٣٤/٤.
٩٢٥

٤٣٩- يوسف بن عبدالرحمن بن جَزْء، أبو الحَكَمِ الكَلْبِيُّ
الغَرْناطيُّ.
روى عن أبيه أبي بكر، وعَمِّ أبيه أبي الوليد بن جزء، وأبي الحسن بن
الباذش، والقاضي أبي بكر ابن العربي، والقاضي عياض، وجماعةٍ. حدَّث عنه
ابنه أبو العباس.
وتوفي في حدود التسعين(١).
آخر الطبقة
(١) من تكملة ابن الأبار ٢١٥/٤.
٩٢٦

الطبقة الستون
٥٩١ - ٦٠٠ هـ

مِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحِيَـ
بشـ
(الحوادث)
سنة إحدى وتسعين وخمس مئة
أنبأنا ابن البُزوري، قال: في المحرَّم وصل الخَبَر على جناحِ طائرٍ
باستيلاء الوزير مؤيّد الدين محمد ابن القَصَّاب على هَمَذَان، وضُرِبت الطَّبُول.
قلت: واعتنى الناصر لدين الله هذه المدة بالحَمام اعتناءً زائدًا .
قال: ووَلَّى مؤيّد الدين كلَّ بلدٍ أميرًا، واجتمع بختلغ إنج فخَلَعَ عليه،
واتَّفقا على الخُوارزمية وقتالهم، فقصد الوزير دامَغان وقصد خلتغ إنج الرَّيَّ
فدخلها وتحصَّنَ بها، وخالف فيها الوزير فحَصَرَه، ففارقها خلتغ إنج، ودخلها
الوزير وأنهبها عسكر بغداد. ثم وَلاَها فَلَك الدين سُنْقُر النَّاصري.
ثم سار فحارب ختلغ إنج، فانكسر ختلغ إنج ونَجًا بنفسه، ورجع الوزير
فدخل هَمَذان. فنَفَّذَ خُوارزم شاه يعتب على الوزير، ويتهذَّدُه لِمَا فعله في
أطراف بلاده، فاستعدَّ الوزير للمُلتقى، فتُوفي دون ذلك، وجَيْش خُوارزم شاه،
وقَصَدَ هَمَذَان، وحارب العسكر فهَزَمهم، ونبش الوزير ليشيعَ الخَبَرُ أنَّ قُتِلَ في
المعركة. ثم عاد إلى خُراسان. ثم إن المماليك البهلوانية أمَّروا عليهم كوكج،
وملَكوا الرَّيَّ، وأخرج فَلَك الدين سُنْقُر.
وفيها سار الملك العزيز من مصر ليأخذ دمشق، فبادر الملك الأفضل
منها وساق إلى عَمِّه العادل، وهو بقَلْعة جَعْبَر، وطلب نَجْدته، ثم عَطَفَ إلى
أخيه الظَّاهر يستنجده. فساق العادل وسبق الأفضل إلى دمشق، وقام معهما
كبار الأمراء، فردَّ العزيز منهزمًا، وسار وراءه العادل والأفضل فيمن معهما من
الأسدية والأكراد، فلمَّا رأى العادل انضمام العساكر إلى الأفضل وقيامهم معه،
خاف أن يملك مصر، ولا يُسَلِّم إليه دمشق، فبعث في السِّرِّ إلى العزيز يأمره
بالثَّات، وأن يجعل على بِلْبيس من يحفظها، وتكفَّلَ بأنه يمنع الأفضل، فجَهَّزَ
العزيز الناصرية مع فخر الدين جركس، فنزلوا ببلبيس، وجاء الأفضل والعادل
فنازلوهم، فأراد الأفضل مُناجزتهم أو دخول مصر، فمَنَعَه العادل من الأمرين،
تاريخ الإسلام ١٢ / م ٥٩
٩٢٩

وقال: هذه عساكر الإسلام، فإذا قُتِلوا في الحَرْب فمن يردُّ العَدُوَّ، والبلاد
فبحكمك. وأخذ يرواغه. وجاء القاضي الفاضل في الصُّلْح، ووقعت
المطاولة، واستقرَّ العادل بمصر عند العزيز، ورجع الأفضل. هذا مُلخّص ما
قاله ((ابن الأثير))(١).
وفي هذه المدة جَدَّدَ العزيز الهُدْنة مع ملك الفِرَنج كنْدهري، وزاد في
المدة ثم لم يلبث كندهري أن سقط من مكانٍ بعَكًا فمات، واختلفت أحوال
الفِرَنج قليلاً.
قال ابن واصل(٢)، وغيرُه: لمَّا عزم العزيز على قَصْد الشام ثانيًا، أشار
العُقلاء على الملك الأفضل بمُلاطَفة أخيه العزيز، ولو فعل لَصَلُح حاله،
ولرضي منه العزيز بإقامة السِّكَّة والخُطْبة له بدمشق، لكن قبل ما أشار به وزيره
الضِّياء ابن الأثير من اعتصامه بعَمِّه العادل والالتجاء إليه، وكان ذلك من فاسد
الرَّأي، حتى استولى عَمُّه على الأمر، وغلب على السَّلْطنة. ولمَّا رجع الأفضل
من بِلْبيس إلى دمشق أقبل أيضًا على الزُّهد والعبادة وفَوَّض الأمور إلى ابن
الأثيرَ، فاختلَّت به غاية الاختلال.
وفيها قَدِمَ بغداد شمس الدين علي بن سوسيان بن شَمْلة، ومعه نساء أبيه
وجواريه، فتُلُقِّيَ بالمَوْكب الشَّريف. وكان صَبِيًّا بديعَ الجمال، تُضْرَب بحُسْنه
الأمثال .
وقال أبو شامة(٣): فيها قدم العزيز إلى الشام أيضًا ونزل على الفوار، ثم
رحل إلى مصر لمَّا سمع بقدوم العساكر مع عَمِّه العادل وأخيه الأفضل، فتَبِعاه
إلى مصر، وخرج القاضي الفاضل فأصلحَ الحال، فدخل العادل مصر مع
العزيز وأقام عنده، وردّ الملك الأفضل إلى دمشق .
وفيها كانت بالمغرب وقَعْة الزَّلاقة، وكانت مَلْحمةً عظيمةً بين يعقوب بن
يوسف بن عبدالمؤمن، وبين الفُنْش مَلِك ◌ُلَيْطُلَة لَعَنه الله. كان الفُنْش قد
استولى على عامة جزيرة الأندلس، وقَهَرَ وُلاتَها، وكان يعقوب بيَرِّ العُدْوة
مشغولاً عن نُصْرة أهل الأندلس بالخوارج الخارجين عليه، وبين الأندلس وبين
(١) الكامل ١٢ / ١١٨ - ١٢٠ .
(٢) مفرج الكروب ٣/ ٤١ .
(٣) ذيل الروضتين ٧.
٩٣٠

سَبْتَة كان أدقُّ ما يكون من عُرْض البحر، وعُرْضه ثلاثة فراسخ، ويُسَمَّى
العُدْوة، وزُفاق سَبْتة، وغير ذلك. ومنه دخل المسلمون في المَرَاكب لمَّا
افتتحوا الأندلس في دولة الوليد بن عبدالملك. واستَضْرَى الفُنْش واستفحل
أمره، واتَّسع مُلْكه، وكتب إلى يعقوب يحثه في الدُّخول إليه، فأخذته حَمِيَّة
الإسلام، وسار فنزل على زُفاق سَبْتَةٍ، وجَمَع المَرَاكِب، وعَرَضَ جيوشه،
فكانوا مئة ألف مرتزقة، ومئة ألف مُطَّوِّعة، وعَدَّوا كلُّهم، ووصل إلى مَوْضع
يُقال له الزَّلاَقة، وجاء الفُنْش في مئتي ألف وأربعين ألفًا، فالتقوا، فنصَرَ الله
دينه، ونَجَا الفُونش في عَدَدٍ يسير إلى طُلَيْطُلَة، وغَنِمَ المسلمون غَنِيمةً لا
تُخْصَی .
قال أبو شامة(١): كان عدة من قُتِلَ من الفِرَنج مئة ألف وستة وأربعين
ألفًا، وأُسِرَ ثلاثون ألفًا، وأُخذ من الخيام مئة ألف خَيْمة وخمسون ألفًا، ومن
الخيل ثمانون ألف رأس، ومن البغال مئة ألف، ومن الحمير أربع مئة ألف
حمار، تحمل أثقالهم، لأنهم لا جمال عندهم، ومن الأموال والجواهر
والقِمَاش ما لا يُحْصَى.
قال: وبِيعَ الأسير بدِرْهم، والسَّيف بنصف، والحِصَان بخمسة دراهم،
والحِمَار بدرهم. وقسم يعقوب المُلقّب بأمير المؤمنين الغنائم على مقتضى
الشَّريعة فاستغنوا للأبد. وأما الفُنْش فوصل بلدَه على أسوأ حال، فحَلَق رأسه
ونَكَّسَ صَلِيبه، وآلى أن لا ينام على فراشٍ ولا يَقْرَب النِّساء، ولا يَرْكبَ حتى
يأخذ بالثأر. وأقام يجمعُ من الجزائر والبلاد ويستعدُّ.
قال(٢): وقيل: إنما كانت هذه الوَقْعة في سنة تسعين.
وذلك وَهْمٌ، إنما كانت في سنة إحدى وتسعين في تاسع شعبان .
سنة اثنتين وتسعين وخمس مئة
فيها استُنِيب في الوزارة قاضي القضاة أبو طالب علي بن علي ابن البخاري .
وفيها أُفرج عن الأمير مُجير الدين طاشْتِكين الحاج (٣)، ووُلِي مَمْلكة بلاد
(١) ذيل الروضتين ٧ - ٨.
(٢) ذيل الروضتين ٨.
(٣) يعني: أمير الحاج.
٩٣١

خُوزستان، ووُسِمَ بالمَلِك، وأُنْعِمَ عليه بكوسات وأعلام.
وقال أبو شامة(١): وفيها قدم العزيز ثالثًا إلى الشام ومعه عَمُّه الملك
العادل .
قلتُ: فحاصرا دمشق مدة يسيرةً، ووقعت المُخَامَرة من عسكر دمشق
ففتحوا الأبواب، ودخل العزيز والعادل في رجب .
قال ابن الأثير (٢): كان أبلغ الأسباب في ذلك وُثوق الأفضل بعَمِّه، وقد
بلغ من وُثوقه به أنه أدخله بلده وهو غائب عنه. وقد كان أرسل إليه أخوه
الظاهر يقول له: أخرج عَمَّنا من بيننا، فإنَّه لا يجيء علينا منه خير، وأنا أعْرَف
به منك، وأنا زَوْج بنته. فردَّ عليه الأفضل: أنتَ سَيِّيُ الظَّنِّ، وأيُّ مَصْلحةٍ
لعَمِّنا في أن يؤذينا؟ ولما تقرَّرَ العادل بمصرِ استمال الملك العزيز، وقَرَّر معه
أنه يخرج إلى دمشق، ويَمْلِك دمشق ويُسلِّمَها إليه، فسار معه وحصروها،
واستمالوا أميرًا فسلَّمَ إليهم باب شرقي، وفتحه ودخل منه العادل ووقف العزيز
بالميدان. فلمَّا رأى الأفضل أن البلد قد مُلِكَ، خرج إلى أخيه ودخل به البلد،
واجتمعا بالعادل وقد نزل في دار أسد الدين شيركوه، فبقوا أيامًا كذلك. ثم
أرسلا إلى الأفضل ليتحوَّل من القَلْعة، فخرج وسَلَّم القَلْعة إلى أخيه.
قلتُ: رجع العزيز إلى مصر، وأقام العادل بدمشق، فتغلَّبَ عليها،
وأخرج أولاد أخيه صلاح الدين عنها، وأنزل الأفضل في صَرْخَد.
وقال أبو شامة(٣): انفصلِ الحال على أن خرج الأفضل إلى صَرْخد،
وتَسلَّم البلد الملك العزيز، وسَلَّمها إلى عَمِّه، وأسقط ما فيها من المُكُوس،
وبَقِيَت بها الخُطبة والسِّكَّة باسم الملك العزيز.
وقال في ((الرَّوْضتين)) (٤): فيها نزل العزيز بقَلْعة دمشق، ودخل هو
وأخوه الأفضل مُتصاحِبين إلى الضَّرِيحِ النَّاصري، وصَلَّى الجُمُعة عند ضرِيح
والده. ودخل دار الأمير سامة في جوار التُّربة، وأمر القاضي محيي الدين أن
يبنيها مدرسةً للتُّرْبة، فهي المدرسة العزيزية. ووقف عليها قرية مُحَجَّة.
(١) ذيل الروضتين ٨.
(٢) الكامل ١٢/ ١٢٢ - ١٢٣.
(٣) ذيل الروضتين ٨.
(٤) الروضتين ١٠.
٩٣٢

قلتُ: ما أحسن قَوْل مَلِك البلاغة القاضي الفاضل: أمَّ هذا البيت فإنَّ
الآباء منه اتَّفقوا فمَلَكوا، وأن الأبناء منه اختلفوا فهَلَكوا، وإذا غَرَبَ نَجْمٌ فما
في الحيلة تَشْريقهُ، وإذا خُرِقَ ثَوْبٌ فما يليه إلا تمزيقهُ، وإذا كان الله مع
الخَصْم فمن يُطيقُه؟
قال أبو شامة(١): وأُخذَت قَلْعة بُصْرَى من الملك الظافر خَضِر ابن صلاح
الدين، أخذها أخوه .
قال(٢): وفيها بعد خروج الناس من مكَّة هَبَّت ريحٌ سَوْداء عَمَّت الدنيا،
ووقع على الناس رَمْلٌ أحمر، ووقع من الرُّكْن اليَماني قِطْعة، وتجرَّدَ البيت
مرارًا .
قال(٣): وفيها سار عَسْكر خوارزم شاه على مقدمته مملوك له جاء فكسَرَ
عسكر الخليفة، وكان في مقدمته، وهو عشرون ألفًا، ابن القصَّاب الوزير،
أشنع من كسرة ابن يونس. وعاد العسكر إلى بغداد عرايا جياعًا، وقُطع رأس
الوزير وبُعث به وبأعلام الخليفة والخزائن، وكان ذلك على باب همذان.
ومن خبر خُوارزم شاه أنه كان قد قطع نهر جَيْحون في خمسين ألفًا، ثم
وصل هَمَذَان وشَحَنَ على البلاد إلى باب بغداد، وبعث إلى الخليفة يطلب
السَّلْطنة، وإعادة دار السَّلْطنة إلى ما كانت، وأن يجيء إلى بغداد، وأن يكون
الخليفة من تحت يده كما كانت الملوك السُّلُجوقية. فانزعج الخليفة وأهل
بغداد، وغَلَت الأسعار.
قال (٤): وفيها كانت وَقْعة أخرى ليعقوب بن يوسف مع الفُنْش. وكان
الفُنْش قد حَشَدَ وجَمَعَ جَمْعًا أكثر من الأول، ووقع المصافُّ، فكَسَرَه يعقوب،
وساق خلفه إلى طُلَيْطُلة ونازلها، وضربها بالمَنْجنيق، وضَيَّق عليها، ولم يَبْقَ
إلا أخذُها، فخرجت إليه والدة الفُنْش وبناته وحريمه، وبَكَيْن بين يديه،
وسألنَه إبقاءَ البلد عليهنَّ، فرَقَّ لهنَّ ومَنَّ عليهنَّ بالبلد، ولو فتح طُلَيْطُلَة لفتح
إلى مدينة النُّحاس. وعاد إلى قُرْطبة وَسَمَ الغنائم، وصالح الفُنْش مدة.
(١) ذيل الروضتين ٨.
(٢) نفسه .
(٣) نفسه .
(٤) نفسه .
٩٣٣
.

وقيل: إن هذه الوَقْعة كانت في سنة إحدى وتسعين.
وفيها وفي التي قبلها عاث ابنُ غانية المُلَّم، وخَلَت له إفريقية، وكان
بالبَرِّية مع العرب، فعاود إفريقية، وخَرَّبت عساكرُه البلادَ. فلهذا صالَحَ يعقوب
الفِرنج ورجع إلى المغرب لحَرْب المُلثّم .
سنة ثلاث وتسعين وخمس مئة
فيها وصل الأمير أبو الهَيْجاء الكُرْدي، المعروف بالسَّمين؛ كان مُفْرِطَ
السِّمَن، ومن أعيان أمراء الشام. ترك خِدْمة الملك العزيز عثمان ابن صلاح
الدين وقدم بغدادَ، فتُلُقِّيَ وأُكرِمَ، وبالغُوا في احترامه. ثم جرت من أجناده
ناقصةٌ لمَّا جرَّدوا وحاربوا عسکرِ الدِّیوان، وكان هو ببغداد.
وفيها خُطِب بالسلطنة وضُربت السِّكَّة للملك العزيز، كما خُطِب له عامَ
أول بدمشق، وتَمَّت له سَلْطنة مصر والشام، مع كون عَمِّه العادل صاحبَ
دمشق، وأخيه صاحبَ حلب .
وفي جمادى الآخرة جَرَى بَرَكة الساعي من واسط إلى بغداد في يوم
وليلة، وهذا لم يُسْبق إلى مثله، وخُلِعَ عليه خِلَعٌ سَنِيَّةٌ، وحصل له مال.
ثم خُلِعَ على أبي الهَيْجاء السَّمين، وأُمِر أن ينزل بهَمذَان، وتُوفي بعد
شهر .
وفيها وُجِّه محيي الدين الحسن بن الربيع رسولاً إلى شهاب الدين
الغُوري صاحب غزنة.
أنبأنا ابن البُزُوري، قال: وانقضَّ في شوَّال کَوْكبٌ عظيمٌ سُمِعَ لانقضاضه
صوتٌ هائل، واهتزَّت الدُّور والأماكن، فاستغاث الناس، وأعلنوا بالدُّعاء،
وظَنُّوا ذلك من أمارات القيامة.
قال: وفيها مَلَكَ إسماعيل بن سيف الإسلام طُغْتكين بلد اليَمَن بعد أبيه،
وأساء في ولايته، وادَّعى أنه قُرَشي، وخطب لنفسه، وتَسمَّى بالهادي، ثم
قُتل.
قال أبو شامة(١): وفي شوالها فتح العادل يافا عَنْوة وأخربها، وكان قد
(١) ذيل الروضتين ١٠ - ١١.
٩٣٤

أتاها أربعون فارسًا نَجْدةً، فلمَّا عاينوا الغَلَبَة دخلوا الكنيسة وأغلقوا بابها، ثم
فَتَلَ بعضُهم بعضًا، فكَسَرَ المسلمون الباب فوجدوهم صَرْعی .
وهذا ثالثُ فتح لها، لأنها فُتحت في أيام فتح بيت المقدس، ثم
استرجعها الإنكتير، ثم أخذها ثاني مرة صلاح الدين، ثم افتتحها في هذا
الوَقْت الملك العادل، ثم مَلَكَتها الفِرَنج، ثم افتتحها السُّلْطان الملك الظاهر
رابعًا، ثم خُرِّبت.
كتب الفاضل إلى محيي الدين ابن الزكي يقول: ((ومما جَرَى من
المُعْضِلات بأسٌ من الله طَرَق ونحن نيام، وظنَّ الناس أنه اليوم المَوْعود، ولا
يحسب المجلس أني أرسلتُ القَلَم مُحرَّفًا، والقول مجزَّفًا، فالأمر أعظم،
ولكنَّ الله سَلَّم. إن الله أتى بساعةٍ كالساعة، كادت تكون للدنيا السَّاعة، في
الثُلث الأوّل من ليلة الجُمُعة تاسع عشر جُمادى الآخرة، أتى عارض فيه
ظُلُمات مُتكاثفة وبُرُوق خاطفة، ورياح عاصفة، قَوِيَ أُلْهُوبُها، واشتدَ هُبُوبها،
وارتفعت لها صَعْقات، فرجفت الجُدْران، واصطفقت، وتَلاَقت على بُعدها
واعتنقت، وثار عَجَاج، فقيل: لعلَ هذه على هذه انطبقت. وتوالت البُرُوق
على نظام، فلا يُحسب إلا أن جَهنَّم قد سال منها وادٍ، وزاد عَصْف الرِّيح إلى
أن تغطَّت النُّجوم، وكانت تسكن وتعود عَوْدًا عنيفًا، ففرَّ الناس والنِّساء
والأطفال، وخرجوا من دُورهم لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً، بل
يستغيثون ربّهم، ويذكرون دينهم، ولا يستغربون العذاب، لأنهم على مُوجباته
مُصِرُون وفي وَقْت وقوع واقعاته باستحقاقه مُقرُّون، معتصمين بالمساجد
الجامعة، ومُلْتَقِين الآية النَّازلة من السَّماء بالأعناق الخاضعة، بوجوه عانية،
ونفوس عن الأموال والأهل سالية قد انقطعت من الحياة عُلَقهم، وعَمِيَت عن
النَّجاة طُرُقُهم، فدامت إلى الثُّلُث الأخير، وأصبح كلٌّ يُسلِّم على رفيقه، ويُهَنِّيه
بسلامة طريقه، ويرى أنَّه بُعِثَ بعد النَّفْخة، وأفاق بعد الصيحة والصَّرْخة.
وتكسَّرت عدة مَرَاكب في البحار، وتقلَّعت الأشجار الكبار، ومن كان نائمًا في
الطُّرُق من المسافرين دَفَتته الرِّيح حيًّا، ورَكِبَ فما أغنى الفِرار شيئًا، والخَطْبُ
أشق، وما قضيتُ بعض الحق. فما من عباد الله مَن رأى القيامة عيانًا إلا أهل
بلدنا، فما اقتصَّ الأولون مثلَها في المَثلات، والحَمْد لله الذي جعلنا نُخْبِر عنها
ولا يُخْبَرُ عنَّا)». في كلام طويل.
٩٣٥

وفيها أخذت الفِرَنج بَيْروت، وكان أميرها الأمير عز الدين سامة لمّا سمع
بوصول العَدُوِّ إلى صَيْدا هَرَبَ، فمَلَكها الفِرَنج ثاني يوم، وفيه صُنِّف:
سلِّم الحِصْن ما عليك مَلامَهْ ما يُلام الذي يرومُ السَّلامهْ
فعَطاءُ الحُصُونِ من غيرِ حَرْبٍ سنَّةٌ سنَّها بِبَيْروت سامهْ
سنة أربع وتسعين وخمس مئة
فيها نزلت الفِرَنج على تِبْنين، وقدم منهم جَمعٌ كبير في البحر، فانتشروا
بالسَّاحل، وكَثُرُوا، وخاف الناس، فنَفَّذ الملك العادل صاحب دمشق القاضي
محيي الدين إلى صاحب مصر الملك العزيز مُستصرخًا به، فجاء العزيز،
فترخَّلَ الفِرَنج بعد أن قُرِّرت معهم الهُدْنة خمس سنين وثمانية أشهر.
وحجَّ بالنّاس من الشام قراجا.
وفيها ملَكَ علاء الدين خُوارزم شاه، واسمه تكش بن إيل رسلان
بخارى، وكان لصاحب الخَطَا، وجرى له معهم حروبٌ وخطُوب، وانتصر
عليهم، وقَتَلَ خَلْقًا منهم، وساق وراءهم، ثم حاصرها مدة، وافتتحها عَنْوة،
وعَفَى عن الرَّعِيَّة، وكان يقع في مدة الحصار بين الفريقين سَبٌّ. وتقول
الخُوارزمية: يا أجناد الكُفَّار أنتم تُعينون الخَطَا علينا، أنتم مُرْتَّدة. وكان
خُوارزم شاه أعورَ، فَعَمَدَ أهل بُخارى إلى كَلْب أعور، وألبسوه قَبَاءً، ورَمَوُه في
المَنْجنيق إليهم، وقالوا: هذا سُلْطانكم تكش.
وفيها مات سُنْقُر الكبير أمير القُدس، ووَلِيَ بعده صارم الدين خطلو
الفَرُخْشاهي .
وفيها سار ملك المَوْصل نور الدين أرسلان شاه بن مسعود بن مَوْدود
فنازل نَصِيبين، وأخذها من ابن عَمِّه قُطْب الدين، فسار إلى الملك العادل
واستنجد به، فسار معه بعسكره، وقصدا نَصيبين، فتَرَكها أرسلان شاه، وسار
إلى بلده ودخلها، وعاد قُطْب الدين فدخل نَصِيبين شاكرًا للعادل. وأراد
الرجوع في خدمته إلى دمشق فردَّه.
ونازَلَ العادل مارِدين، وحاصَرَها أشهرًا، ومَلَكَ رَبَضَها، ثم رحل
عنها .
٩٣٦

سنة خمس وتسعين وخمس مئة
في ربيع الأوَّل قَصَدَ علاء الدين خُوارزم شاه الرَّيَّ، وكان قد عَصَى عليه
نائبه بها، فحاصره وظَفَرَ به، وهمّ بقتله، ثم حَبَسه .
وفيه نَفَّذَ الخليفة إلى علاء الدين خُوارزم شاه تشريفًا وتقليدًا بما في يده
من الممالك، فقبَّلَ الأرض ولَبِسَ الخِلْعة. ثم سار وفتح قَلْعةً من قلاع
الإسماعيلية على باب قَزْوين، وحصر ألموت، ثم عاد، فوثبت الباطنية على
وزيره نظام المُلْك مسعود بن علي فقتلوه. وقتلت الإسماعيلية في حصار
الألموت رئيس الشافعية صَدْر الدين محمد ابن الوَزَّان.
وفيها تُقُدِّم بعمارة سورٍ ثانٍ على بغداد، وجَدُّوا في بنائه إلى أن فرغ.
وفيها ولِيَ سَلْطنة المغرب والأندلس محمد بن يعقوب بن يوسف بن
عبدالمؤمن بعد موت والده.
وفي وسط السَّنة أُخرج أبو الفَرَج ابن الجَوْزي من سِجن واسط مُكْرَّمًا،
وتَلَقّاه الأعيان، وخُلِعَ عليه، وأُذِن له في الجلوس، فجلس وكان يومًا
مشهودًا .
وفيها كانت بخُراسان الفتنة الهائلة للفخر الرَّازي صاحب التَّصانيف .
أنبأني ابن البُزُورِي، قال: سَبَبُها أنه فارَقَ بهاء الدين صاحب بامِیَان،
وقصدَ غياث الدين الغُوري خال بهاء الدين، فالتقاه وبَجَّله وأنزله، وبَنَى له
مدرسةً، وقصده الفقهاء من النَّواحي، فعَظُمَ ذلك على الكَرَّامية، وهَمَّ خَلْق
بهَرَاة. وكان أشد الناس عليه ابن عمّ غياث الدين وزَوْج بنته، وهو الملك ضياء
الدين، فاتّفق حضور الفقهاء الكَرَّامية والحنفية والشافعية، وفيهم فخر الدين
الرَّازي، والقاضي مجد الدين عبدالمجيد بن عُمر بن القُدْوة، وكان مُحتَرمًا،
إمامًا، زاهدًا، فتكلَّم الفَخر، فاعترضه ابن القُدْوة، واتَّسع الجِدَال والبَحْث
وطال، فنهض السُّلْطان غياث الدين، واستطال الفخر على ابن القُدْوة بحيث
إنه شَتَمه وبالَغَ في إهانته، وانقضى المجلس، فشَكًا الملك ضياء الدين إلى ابن
عَمِّه ما جرى من الفخر بعد انقضاء المجلس، وذمَّ الفَخْرِ، ونَسَبهُ إلى الزَّنْدَقة
والفَلْسفة، فلم يحتفل السُّلطان بقوله، فلما كان من الغَدِ جلس ابن عَمِّ المجد
٩٣٧

ابن القُدوة في الجامع للوَعْظ فقال في وعظه: لا إله إلا الله ربنا آمنًا بما أنزلتَ
واتَّبعنا الرسول فاكتبنا مع الشَّاهدين. أيها الناس إنَّا لا نقول إلا ما صحَّ عندنا
عن ربنا وعن رسول الله وَّه، وأما قَوْل أرسطا طاليس وكُفريات ابن سينا
وفَلْسفة الفارابي، فلا نعلمها، فلأي شيء يُشْتم بالأمس شيخٌ من شيوخ
الإسلام يذبُ عن دين الله؟ وبَكى، فضجَّ الناس، وبَكَى الكرّامية، واستغاثوا،
وثار الناس من كل جانب واستَعَرت الفتنة، وكادوا يقتتلون ويجري ما يهلك به
خَلْقٌ كثيرٌ، فبلغ ذلك السُّلْطان، فأرسل الأجناد وسَكَّنهم، ووعدهم بإخراج
الفخر، وأحضره وأمره بالخروج.
وفيها كانت بدمشق فتنة الحافظ عبدالغني بينه وبين الأشعرية، وهَمُّوا
بقَتْله. ثم أخرجوه من دمشق. وتفصيل ذلك في تَرْجمته إن شاء الله .
وفي أولها مات الملك العزيز. وكان سيف الدين أركش الأسدي
بالصَّعيد، فقدم القاهرة فوجد الملك المنصور سُلطانًا، وقد استولى فخر الدين
شركس على الأمور، فحَلَّفَ أركش الأُمراء على أن يُسَلْطِنوا الأفضل، وأرسلوا
التُّجُب بالكُتب إليه. وانعزل عنهم شركس، وزين الدين قَراجا وقَراسُنْقُر، ثم
لمَّا قَرُب الأفضل من مصر هَرَبوا إلى القُدْس، فسار الأفضل من صَرْخد ودخل
مصر، فأخذ ابن العزيز وصار أتابكه، وسارا بالجيوش فحاصرا دمشق وبها
العادل قد ساق على البريد من ماردين، وترك عليها الجيش مع ولده الكامل
محمد، ودخل دمشق قبل أن يصل الأفضل بيومين. وأحرق جميع ما كان
خارج باب الجابية من الفنادق والحوانيت، وأحرق النَّيرب وأبواب الطّواحين،
وقُطِعت الأنهار، واشتدَّ الأمر، وأُحرقت بيادر غلَّة حَرَسْتَا. ودخل الأفضل من
باب السَّلامة، وضجَّت العَوَامُ بشعاره، وكان محبوبًا إلى الناس، وبلغ الخبر
العادلَ، فكاد يستسلم فتماسك، ووصل الذين دخلوا إلى باب البريد، وكانوا
قليلين، فوثَبَ عليهم أصحاب العادل وأخرجوهم. ثم قدم صاحب حلب
وصاحب حِمْص، وهَمّوا بالزَّحْف. ثم قَوِيَ العادل بمجيء الأمراء الذين كانوا
بالقُدْس، وضَعُفَ الأفضل. ثُمَّ وقعت كُبْسة على عسكره المصريين، وبَقيَ
الحصار إلى سنة ستٍّ وتسعين.
وفيها ظهر بدمشق الدَّاعي العَجَمي المُدَّعي أنه عيسى ابن مريم، وأفسد
طائفةً، وأضلَّهم، فأفتى العلماء بقَتْله، فصَلَبه الصَّارم بزغش العادلي.
٩٣٨

وفيها قامت العامة على الرَّافضة، وأخرجوهم إلى باب الصّغير من
دمشق، ونَبَشوا وثَّابًا المُرخَّل من قبْره، وعلَّقوا رأسه مع كَلْبين مَيِّين.
وفيها ولِي قضاء القضاة بالعراق ضياء الدين أبو القاسم ابن الشَّهْرِزُوري.
سنة ست وتسعين وخمس مئة
فيها مات السُّلطان علاء الدين خُوارزم شاه تكش، وقام بعده ابنه محمد .
وفيها كان الملك الأفضل والملك الظَّاهر على حصار دمشق، والعساكر
قائمة بمنزلتهم، قد حَفَروا عليها خَنْدقًا من أرض اللوان إلى يَلْدا احترازًاً من
مهاجمة الدِّمشقيين لهم. وعَظُمَ الغلاء بدمشق، وزاد البلاء، وكادت أن تُعدم
الأقوات بالكُلِّية، ونفذت أموال الملك العادل على الأمراء والجُنْد، وأكثر
الاستدانة من الثُّجَّار والأكابر. وكان يدبِّر الأمور بعَقْلِ ومَكْر ودَهَاء، حتى
تماسك أمره. ثم فارقه جماعة أمراء، فكتب إلى ابنه الكامل: أن أسرع إليَّ
بالعساكر، وخُذ من قَلْعة جَعْبَر ما تنفقه في العساكر. فسار الكامل ودخل
جَعْبر، وأخذ منها أربع مئة ألف دينار، وسار إلى دمشق، وتَوانى الأخوان عن
معارضته، فدخل البلد وقَوِيَ به أبوه، وضَعُفَ أمر الظاهر والأفضل، ووقع
بينهما على مملوك للظَّاهر كان مليحًا أخذه الأفضل وأخفاه. ثم رحل الأفضل
والظاهر إلى رأس الماء وافترقا. وهَجَمَ الشِّتاء، وردّ الأفضل إلى مصر،
والظّاهر إلى حلب، فخرج العادل يتبع الأفضل، فأدركه عند الغرابي من رَمْل
مصر، ودخل العادل القاهرة، فرجع الأفضل إلى صَرْخَد مَنْحوسًا .
وكان في أول السنة قد وَصَلَ ابن أخي السُّلطان خُوارزم شاه مستغفرًا عن
عمِّه مما أقدم عليه من مواجهة الدِّيوان بطلب الخُطْبة، فأكرم مورده.
وقال القاضي جمال الدين ابن واصل(١): ثم سار الأفضل والظاهر إلى
رأس الماء، وعَزَما على المُقام به إلى أن ينسلخ الشِّتاء، فتواترت الأمطار،
وغلت الأسعار، فاتَّفقا على الرَّحيل وتأخير الحصار إلى الربيع. ودخل الأفضل
مصر، وتفرَّق عسكره لرعي دوابِّهم، بعد أن خامَرَ منهم طائفةٌ كبيرةٌ إلى
العادل. ورحل العادل فدخل الرَّمْل، فرام الأفضل جمعَ العساكر، فتعذَّرَ عليه،
(١) مفرج الكروب ٣/ ١٠٧.
٩٣٩
:

فخرج في عسكر قليل، ونزل السائح، وعَمِلَ المصاف مع عَمِّه، فانكسر
وولَّى، والمصريون منهزمين، وكان بعضهم مخامرين وتخاذلوا عنه. فاضطرّ
إلى أن تَرَكَ مصر، وتعوَّض بمَيَّافارِقين وحاني وسُمَيْساط. ودخل العادل
القاهرة في الحادي والعشرين من ربيع الآخر. واجتمع به الأفضل، ثم سافر
إلى صَرْخَد. ثم طلب العادل ابنه الكامل، ومَلَكَ الدِّيار المصرية، وجعل ابنه
الكامل نائبًا عنه، فناب عنه قريبًا من عشرين سنة، ثم استقلّ بالملك بعده
عشرين سنة وأشهُرًا .
وأنبأنا ابن البُزُوري، قال: في ربيع الآخر التقى عسكر العادل وعسكر
الأفضل، فانهزم عسكر الأفضل وهو إلى القاهرة، فساق العادل ونزل مُحاصرًا
القاهرة، فأرسل الأفضل إلى عَمِّه العادل يقنع منه ببعض بلاده، فقال للعادل:
أريد دمشق، فلم يُحِبْه. ثم آل الأمر إلى أن رَضِيَ بمَيَّافارِقين وخرج من مصر،
ودخلها العادل فعمل أتابيكة الملك المنصور عليّ ابن العزيز، ثم لم يبرح
يتلطّفُ ويتألَّفُ الأمراء إلى أن مَلَكَ الديار المصرية، وخطب لنفسه وقال: هذا
صَبِيٌّ يحتاج إلى المَكْتب. ثم قطع خُطْبة الصَّبيِّ.
وفيها قدم بغدادَ من المغرب رسول المُلَئِّمة من مخدومه إسحاق بن
يحيى بن إسحاق بن غانية المُلثَم المايُرقي الخارج على بني عبدالمؤمن،
فَتُلُقِّي بالمَوْكب الشَّريف، وأخبرَ أنَّ مُرْسِلَهُ أقام الدَّعوة للخليفة ببلاده بلاد
المغرب .
أنبأني ابن البُزُوري، قال: أُخبرتُ أنَّ الرَّسول المذكور كان مُلَّمًا لا يظهر
منه سوى عينيه. وأقام ببغداد أيامًا، وأُعطي لواءً أسودَ وخِلَعًا، وأُعيد إلى مُرْسِله.
وحجَّ من العراق بالناس سُنْقُر الناصري، ويُعرف بوجه السَّبُع .
ولمَّا تمكَّن السُّلطان الملك العادل سيف الدين أبو بكر من مَمْلكة مصر
سَيَّر الأميرين عَلَم الدين كرجي الأسَدي، وأسد الدين سراسُنْقُر ليُحضِرا ولده
الملك الكامل، فدخل الكامل إلى القاهرة في أواخر رمضان من السنة. وخرج
العادل بأمراء الدَّولة المصرية بأن يبرزوا معه ليسيروا إلى خِلاط، وحَثَّهم على
ذلك. فلمَّا كان سابع عشر شوال ركِبَ بالسناجق والسيوف المُجذَّبة في
الدَّسْت، فلم يَجْسُر أحدٌ من الأمراء أن ينطق. وأمر الخُطباء أن يخطبوا باسمه
٩٤٠