Indexed OCR Text

Pages 701-720

ومنهم مَلِك الألمان في جموع جماهيرها مُجمهرة وأموالها مُقنطرة وإن الله
سبحانه وتعالى قد قَصَمَ طاغية الألمان، وأخذه أخذ فرعون بالإغراق في نهر
الدُّنيا، وإنهم لو أرسل الله عليهم أسطولاً قويًّا مُستعدًّا يقطع بَحره، ويمنع
ملكه، لأخذنا العَدُوَّ بالجوع والحَصر، أو القتال والنَّصر. فإن كانت بالجانب
الغربي الأساطيل مُيسَّرة، والرجال في اللِّقاء فارهة غير كارهة، فالبِدَارَ البِدَارَ.
وأنتَ أيُّها الأمير أول من استخار الله وسار، وما رأينا أهلاً لخطابنا، ولا كفؤًا
لإنجادنا، إلا ذلك الجناب، فلم ندعه إلا لواجب عليه. فقد كانت تتوقَّعُ منه
همَّةٌ تَقِدُ في الغرب نارها، ويستطير في الشَّرْق سناؤها، ويغرس في العُدوة
القُصوى شجرتها، فينال من في العُدوة الدنيا جناها، فلا ترضى همَّته أن يعين
الكُفرُ الكُفرَ، ولا يعين الإسلامُ الإسلامَ، واختُصَّ بالاستعانة لأن العَدُوَّ جاره،
والجار أقدر على الجار، وأهل الجنة أولى بقتال أهل النار. ولأنه بَحر والنَّجدة
بَحرية، ولا غرو أن تجيش البحار. وإن ذكَرَ ما فعل بوزبا وقراقوش في
أطراف المغرب، فيعرِّفه أنهما ليسا من وجوه الأمراء، ولا من المعدودين في
الطَّواشية والأولياء، وإنما كسدت سوقهما، وتبعتهما ألفافٌ أمثالُهما. والعادة
جارية أن العساكر إذا طالت ذيولها، وكَثُرت جُمُوعها، خرج منها وانضاف إليها
فلا يظهر مزيدها ولا نقصها. ولا كان هذان المملوكان ممن إذا غاب أُحضر،
ولا إذا فُقدَ افْتُقد، ولا يُقَدَّر في مثلهما أنهما ممن يستطيع نكايةً، ولا يأتي بما
يوجب شَكْوى من جناية. ومَعَاذ الله أن نأمر مفسدًا يفسد في الأرض. والله
يوفِّقُ الأمير، ويهدي دليله، ويسهّل سبيله. وكُتِبَ في شعبان سنة ستّ
وثمانين))(١).
وأما الكتاب إلى صاحب المغرب فعنوانه: ((بلاغٌ إلى محلِّ التَّقوى
الطَّاهر من الذَّنب، ومستقرٍّ حِزْب الله الظَّاهر من الغرب، أعلا الله به كَلِمة
الإيمان، ورفع به مَنَار الإحسان)). وأوله: بسم الله الرحمن الرحيم. الفقير إلى
رحمة ربه يوسف بن أيوب. أما بعد، فالحمد لله الماضي المشية، المُمضي
القضية، البَرِّ بالبرية، الحَفِيِّ بالحنيفية، الذي استعمل عليها من استعمر به
الأرض، وأغنى من أهلها من سألهُ القرض، وآخر من أجرى على يده النافلة
(١) نص الكتاب في الروضتين ٢/ ١٧٠ - ١٧١ ومنه ينقل المصنف.
٧٠١

والفَرض، وصلَّى الله على محمد الذي أنزل عليه كتابًا فيه الشِّفاء والتبيان. إلى
أن قال: وهذه الشَّحية الطَّيبة وفادة على دار الملك، ومدار التُّسك، ومحل
الجلالة، وأصل الأصالة، ورأس الرياسة، ونفس النفاسة، وعلم العلم، وقائم
الدين وقَيِّمه، ومقدَّم الإسلام ومقدِّمه، ومُثبّت المُتَّقين على اليقين، ومُعلي
المُوحِّدين على المُلْحدين، أدامَ الله له النُّصرة، وجَهَّز به العُسرة، وبَسَطَ له باع
القُدرة. تحية أستنيرُ منها الكتاب، وأستنيبُ عنها الجواب. وحفز لها حافزان،
أحدهما شَوق قديم كان مَطْل غريمه ممكنًا إلى أن تتيسَّر الأسباب، والآخر مُرام
عظيم ما كُره إذا استفتحت به الأبواب. وكان وَقْتِ المُوَاصلة ومَوسم المُكاتبة
هناؤه بفتح بيت المقدس وعدة من الثُّغور، ولم تتأخّر المُكاتبة إلا ليُتِمَّ الله ما
بدا من فَضْله، والمُفْتَتَحُ بيد الله مُدُن وأمصار، وبلاد كبار وصغار، والباقي بيد
الكُفر منها أطرابُلُس وصور وأنطاكية، يَسَّرَ الله أمرها بعد أن كَسَرَ الله العَدُوَّ
الكَسرة التي لم يُجبر بعدها، ولم يؤخر فتح هذه المُدُن الثلاثة، إلا أنَّ فَرْعَ
الكُفَّار بالشام استصرخ بأصله، فأجابوهم رجالاً وفُرسانًا، وزرافات ووحدانًا،
وبَرًّا وبَحرًا، ومَرْكَبًا وظَهْرًا، وسَهْلاً ووعِرًا. وخرج كلٌّ يُلِّي دَعوة بطْرَكه، ولا
يحتاج إلى عزمة مَلِكه. ونزلوا على عَكَّا يمذُّهم البحرُ بأمداده، ويصل إلى
المقاتل ما يحتاجه من سلاحه وأزواده، وعدَّتهم مئة ألف أو يزيدون، كلَّما
أفناهم القَتل أخلفتهم النَّجدة.
قال: واستمرَّ العَدُوُّ يحاصر الثَّغر محصورًا منا أشدَّ الحَصر، لا يستطيع
قتال الثَّغر لأنا من خَلْفه، ولا يستطيع الخروج إلينا خَوْفًا من حَتْفه، ولا نستطيع
الدُّخول إليه لأنه قد سَوَّرَ وخَنْدَقَ، وحاجزَ من وراء الحُجُرات وأغلقَ. ولمَّا
خرج ملك الألمان بجيشه وعاد على رسم قديم إلى الشام، فكان العَوْد لأُمَّة
أحمد أحمد، فظنُّوا أنه يزعجنا، فبعثنا إليه من تلقَّاه بعسكرنا الشِّمالي، فسلك
ذات الشمال مُتوعِّرًا، وأظهر أنه مريض. وكان أبوه الطاغية قد هَلَكَ في طريقه
غَرَقًا، وبقي ابنه المُقَدَّم المُؤخَّر، وقائد الجَمْعِ المُكسّر، وربما وَصَلهم إلى
ظاهر عَكَّا في البحر، تَهِيِّبًا أن يسلك البَرَّ، ولو سبق عساكرنا إلى عساكر
الألمان قبل دخولها إلى أنطاكية لأخذوهم، ولكن الله المشيئة. ولما كانت
حضرة سُلطان الإسلام، وقائد المجاهدين إلى دار السلام، أولى من توجه إليه
الإسلام بشَكْواه وبَثِّه، واستعانَ به على حماية نَسله وحَرثه، وكانت مساعيه
٧٠٢

ومساعي سَلَفه في الجهاد الغُر المُحجَّلة، الكاشفة لكل مُعضلة، والأخبار
بذلك سائرة، والآثار ظاهرة.
إلى أن قال: وكان المُتوقَّع من تلك الدَّولة العالية، والعزمة الغادية، مع
القُدرة الوافية، والهمَّة المهدية الهادية، أنْ يمدَّ غَرْبُ الإسلام المسلمين بأكثر
مما أمدَّ به غَرْب الكُفَّار الكافرين، فيملؤها عليهم جواري كالأعلام، ومُدُنًا في
اللُّجج كأنها الليالي مقلعة بالأيام، تطلع علينا آمالاً، وعلى الكُفَّار آجالاً،
وتَرُدنا إما جُملةً وإما أرسالاً، ولما استُبْطئت ظُنَّ أنها قد توقفت على
الاستدعاء، فصرَّحنا به في هذه التحية، وسُيِّر لحصون مجلسه الأطهر، ومحلِّه
الأنور، الأمير الأجل المجاهد شمس الدين أبو الحَرَم عبدالرحمن بن مُنقذ،
الهدية إليه خَتْمة في رَبَعة، وثلاث مئة مثقال مِسك، وست مئة حبة عنبر،
وعشرة أمنان عود دهن بَلَسان مئة درهم، مئة قوسٍ بأوتارها، عشرون سَرجًا،
عشرون سيفًا، سبع مئة سهم.
وكان دخوله على يعقوب في العشرين من ذي الحجَّة بمَرَّاكُش، فأقام
سنة وعشرين يومًا، وخرج وقدم الإسكندرية في جُمادى الآخرة سنة ثمانٍ
وثمانين، ولم يحصل الغَرَض، لأنه عزَّ على يعقوب كونه لم يُخاطب بأمير
المؤمنین .
وقد مَدَحهُ ابن مُنقذ بقصيدةٍ منها :
سأشكر بَحرًا ذا عُباب قطعتُهُ إلى بَحْر جود ما لنعماه ساحلُ
إلى مَعْدن التَّقوى إلى كَعبة الهُدى إلى من سَمَت بالذِّكر منه الأوائلُ
وكان السُّلطان صلاح الدين قد همَّ بأن يكتب إليه بأمير المؤمنين، فكتب
إلى السُّلطان القاضي الفاضل يقول: ((والمملوك ليس عند المَوْلى من أهل
الاتّهام، والهدية المغربية نجزت كما أمر به)). وكتب الكتاب على ما مثل،
وفخَّم الوَصف فَوْق العادة. وعند وصول الأمير نجم الدين فاوضتُهُ في أنَّه لا
يمكن إلا التَّعريض لا التَّصريح بما وقع له أنه لا تنجح الحاجة إلا به من لَفظة
أمير المؤمنين، وأنَّ الذين أشاروا بهذا ما قالوا نَقْلاً، ولا عرفوا مُكاتبة
المصريين قديمًا. وآخر ما كُتِبَ في أيام الصالح بن رُزِيك، فخُوطب به أكبر
أولاد عبدالمؤمن ووَليَ عَهده بالأمير الأصيل النجار، الجسيم الفخار. وعادت
٧٠٣

الأجوبة إلى ابن رُزِِّك الذي في أتباع مولانا مئة مثله، مُترجمة بمعظّم أمره،
وملتزم شُكره. هذا والصالح يتوقَّعُ أن يأخذ ابن عبدالمؤمن البلاد من يديه، ما
هو أن يهرب مملوكان طريدان منا فيستوليان على أطراف بلاده، ويصل المُشار
إليه بالأمر من مَرَّاكُش إلى القَيْروان، فيَلْقاهم فيُكْسر مرة ويتماسك أخرى.
وأُعلم نجم الدين بذلك، فأمسك مقدار عشرة أيام. ثم أنفذ نجم الدين إليه
على يد ابن الجليس بأن الهدية أُشير عليه بأن لا يستصحبها، وإن استصحبها
تكون هدية برسم من حواليه، وأن الكتاب لا يأخذه إلا بتصريح أمير المؤمنين،
وأن السُّلطان - عزَّ نَصرُهُ - رَسَمَ بذلك، والملك العادل بأن لا يشير إلا بذلك،
وأنه إذا لَقِيَ القَوْم خاطبهم بهذه التَّحية عن السُّلطان من لسانه، فأجابه
المملوك بأن الخِطاب وحده يكفي، وطريق جحدنا له مُمكن، وأن الكتابة حجَّةٌ
تقيّد اللِّسان عن الإنكار، فلا ينبغي. ومتى قُرئت على منبر الغرب جُعلنا
خالعين شاقِين عَصَا المسلمين، مُطيعين من لا تجوز طاعته، ويُفتح بابٌ يَعجز
موارده عن الإصدار، بل تمضي وتكشف الأحوال، فإن رأيت للقوم شَوْكة،
ولنا زُبدة، فعِدهم بهذه المُخاطبة، واجعل كلَّما نأخذه ثَمَنًا للوَعْد بها خاصة،
فامتنع وقال: أنا أقضي أشغالي، وأتوجَّهُ للإسكندرية، وأنتظر جواب السُّلطان.
وإلى أن أنجز أمر المركب وأمر الركاب، فسيَّر المملوك التُّسخة فإن وافقت
فيتصدَّق المَوْلى بترجمة يلصقها على ما كتبه المملوك، ويأمر نجم الدين
بتسلُّم الكتاب مع أنَّ ابن الجليس حدثه عنه أنَّه ممتنع من السَّفَر إلا بالمُكاتبة
بها. فأما الذي يترجم به مولانا فيكون مثل الذي يُدعى به على المنبر لمَولانا،
وهو الفقير إلى الله تعالى يوسف بن أيوب. وإذا كتب إليهم ابن رُزِّيك من
السَّيِّد الأجَلِّ الملك الصالح، قَبُحَ أن يكتب إليه مولانا الخادم. وهذا مبلغ
رأي المملوك، وقد كتبت النُّسخة، ولم يبق إلا تلك اللفظة، وليست كتابة
المملوك لها شرطًا، والمملوك وعقبه مستجيرون بالله ثم بالسُّلطان من
تعريضهم لكدر الحياة، ومُعاداة من لا يخفى عنه خَبر، ولا تُقال به عَثْرَة.
والكُتَّاب الذين يشتغلون بتبييض النُّسخة مَوْجودون، فينوبون عن
المملوك)»(١) .
(١) هذا كله من الروضتين ١٧٣/٢ - ١٧٥ كما أشرنا غير مرة، وكذلك الذي بعده.
٧٠٤

ومن كتاب له إلى السُّلطان: ((تبرَّم مولانا بكَثْرة المُطالبات، لا أخلاه الله
من القُدرة عليها، وهنيئًا له. فالله تعالى يطالبه بحِفظ دينه، ورسول الله وَاهـ
يطالبه بحفظ حُسن الخلافة في أُمته، والسَّلَف يطالبونه بمُباشرة ما لو حضروه
لما زادوا على ما يفعله المَوْلى، وأهل الحرب يطالبونه بالذَّهب والفِضَّة
والحديد، والرعية تطالبه بالأمن في سِربهم والاستقامة في كَسبهم والسَّلامة في
سُبُلهم، ونفسه الكريمة تطالبه بالجنَّة، فهل عدم من الله نُصرةً؟ أم هل استمرّت
به عُسرةً. أم هل تمَّت عليه لعَدُوِّه كرَّة؟ هل بات إلا راجيًا؟ هل أصبح إلا
راضيًا»؟ إلى أن قال: والمشهور أنَّ ملك الألمان خرج في مئتي ألف، وأنه
الآن في دون خمسة آلاف.
قلتُ: وأُنبئتُ عن العماد الكاتب، قال: ووصلت في مراكب ثلاث مئة
إفرنجية من مِلاَحهم الزَّوَاني قد سَبَّلْنَ أنفسهنَّ لعسكر الفِرَنج تغريةً لإسعاف
الشَّباب من كل تائِقة شائقة، مائِقة رائِقة، رامِقة مارقة، تميسُ كأنها قضيب،
وتزيَّنت وعلى لبَّتها صليب، فَتَحْنَ أبواب المَلَاَذِّ، وسَبَّلنَ ما بين الأفخاذ.
وفيها في المحرَّم خرجت جيوش بغداد، ومقدّمها نجاح الشَّرابي إلى
دَقُوقا لقتال الملك طُغرِّل، فوجدوه بعد أيام أدخل ولده ابن سَبع سنين، يطلب
العَقْو لأبيه، فعفا عنه.
وأنبأنا ابن البُزُوري، قال: في ربيع الأول وَلَدت امرأة ابنين وبنتين في
جَوْفٍ واحد.
وفي (١) جمادى الآخرة في العشرين منه خرجت جيوش الفِرَنج من وراء
خنادقهم، وحملوا على الملك العادل والمصريين فالتقوهم، واشتدَّ القتال،
فتقهقر المصريُّون، ودخل الفِرَنج خِيَامهم ونَهَبوها، فَكَرَّ المصريون عليهم
فقاتلوهم بين الخِيّام، وذهبت فرقة من المسلمين، فوقفت على فَمِ الخندق
تمنع من يخرج مَدَدًا، وأخذت الفِرَنجَ الشُّيوفُ من كل ناحيةٍ، فقُتل منَهم مقتلةٌ
عظيمةٌ فَوْق العشرة آلاف، وقيل(٢): ثمانية آلاف، وأقل ما قيل خمسة آلاف.
(١) من هنا إلى نهاية السنة نقله المصنف بتصرف من الكامل لابن الأثير ٥١/١٢ فما بعدها.
(٢) من هنا إلى قوله: ((وكان يومًا مشهودًا)) ليس في أ، ولا في الكامل لابن الأثير فكأن
المصنف أضافها بأخرة من مصدر آخر .
تاريخ الإسلام ٤٥٣/١٢
٧٠٥

وقُتل من المسلمين نحو عشرة أنفس فقط. وكان يومًا مشهودًا حاز فَضْله
المصريون .
وجاءت الأخبار من الغَدِ بمَوت ملك الألمان، وبالوَبَاء في أصحابه،
وتباشَرَ المسلمون، وفَرِحوا بنَصر الله، فجاءت الفِرَنجِ نَجدٌ كبيرةٌ لم تكن في
حُسبانهم مع مَلِكهم كندهري، وجاءتهم أموالٌ كثيرةٌ ومِيرةٌ وأسلحةٌ، فقَوِيَت
نفوسهم. وأنتنت منزلة المسلمين بريح القَتْلى، فانتقل صلاح الدين، إِلى
الخَرُّوبة في السابع والعشرين من جمادى الآخرة، كما انتقل عام أول. وقلَّت
الأقوات بعَكًا، فبعث السُّلطان إلى مُتولِّي بيروت فجهّز بُطْسة عظيمة وألْبَسَ
الرجال لُبس الفِرَنج، ورفعوا الصُّلبان بالبطسة، فوصلت إلى عَكَّا، فلم يشكَّ
الفِرَنج أنها لهم، ولم يتعرَّضوا لها، فلمَّا حاذت ميناءَ عَكَّا ودخلت نَدِمت
الفِرَنج، وانتعش المسلمون.
وفي شوال خرجت الفِرَنج من وراء خنادقهم في أكمل أُهبة وأكثر عَدَد،
فالتقاهم السُّلطان في تَعْبئةٍ حَسَنة، فكان أولاده في القلب، وأخوه الملك
العادل في المَيْمنة، وابن أخيه تقي الدين عُمر، وصاحب سنجار عماد الدين
في المَيْسرة. واتَّفق للسُّلطان قولنج كان يعتريه، فنُصبت له خَيْمة على تَلِّ،
فرأى الفِرَنج ما لا قِبَلَ لهم به فتقهقروا.
قال ابن الأثير (١): لولا الألم الذي حدث لصلاح الدين لكانت هي
الفَيْصل، وإنما لله أمر هو بالغُه. فلمَّا دخل الفِرَنج خنادقهم ولم يكن لهم
بعدها ظهور منه، عاد المسلون إلى خِيَامهم وقد قتلوا من الفِرَنج خَلْقًا يومئذٍ .
إلا أن في الثالث والعشرين من شوال تعرَّض عسكر من المسلمين للفِرَنج،
فخرج إليهم أربع مئة فارس فناوشوهم القتال وتطاردوا، فتَبِعتهم الفِرَنج،
فخرج كمينٌ للمسلمين عليهم فلم يفلت منهم أحد.
واشتدَّ الغلاء على الفِرَنج، وجاء الشتاء، وانقطعت مادَّة البحر لِهَيْجه،
ولولا أن بعض الجُمَّال كانوا يجلبون إليهم الغلات لأن الغرارة بلغت عندهم
ألف درهم، لكانوا هَلَكوا جُوعًا .
وأرسل أهل عَكَّا يَشكون الضَّجَر والسَّآمة، فأمر السُّلطان بإخراجهم،
(١) الكامل ١٢ / ٥٤ - ٥٥ .
٧٠٦

وإقامة البَدَل، وكان ذلك من أسباب أخذها. فأشار الجماعة عليه بأن يرسل
إليهم النَّفقات الواسعة والذَّخائر، فإنهم قد تدرَّبوا، واطمأنَّت نفوسهم، فلم
يفعل وتوهَّمَ فيهم الضَّجَر، وأن ذلك يحملهم على العَجز. وكان بها أبو
الهَيْجاء السَّمين، فنزل الملك العادل تحت جبل حَيفا، وجَمَعَ المَرَاكب
والشَّواني، فكان يبعث فيها عسكرًا، ويردُّ عِوَضهم من عَكًّا في المراكب، لكن
كان بها ستون أميرًا، فخرج أولئك، ودخل بدلهم عشرون أميرًا، فكان ذلك من
التَّفريط أيضًا. وتَوَانى أيضًا صلاح الدين، واتَّكل على غيره. وكان رأس الذين
دخلوا سيف الدين علي المَشْطوب، وكان دخولهم في أول سنة سَبع وكان بها
زهاء عشرين ألفًا. ولم يخرج قراقوش. وجَهَّزَ السُّلطان لعَكًا إقامةً كبيرة وقُوتَ
سنة، ولكن كان البحر في هيجه، فتكسَّرت عامة المَرَاكب.
سنة سبع وثمانين وخمس مئة
دخلت وقد اشتدَّت مُضايقة الفِرَنج لعَكًّا، والقتال بينهم وبين السُّلطان
مستمرٌّ، وكل وقتٍ يأتيهم مَدَدٌ في البحر، فوصل ملك الإنكلتير في جُمادى
الأولى، وكان قد دخل قبرس وغَدَرَ بصاحبها وتملَّكها جميعًا، ثم سار إلى
عَكًّا في خمسٍ وعشرين قِطْعة مملوءة رجالاً وأموالاً، وكان رجلَ وَقته مَكرًا
ودَهاءً وشجاعة، ورُمي المُسلمون منه بحَجَرٍ ثقيل، وعَظُمَ الخَطب، وعملت
الفِرَنج تَلَّ عظيمًا من التراب لا تُؤْثِّر فيه النار ولا غيرها، فنفعهم في القتال
وأوهى المسلمين خروجُ أميرين في الليل ركِبوا في شيني ولَحِقوا بالمسلمين،
فضَعُفَت الهِمَم ووَجِلَت القلوب، وراسلوا صلاح الدين، فبعث إليهم أن
اخرجوا من البلد كلَّكم على حَمِيَّة، وسِيروا مع البحر، واحملوا عليهم، وأنا
أجيء من الجهة الأخرى فأكشف عنكم، وذَرُوا البلد بما فيه. فشَرَعوا في هذا،
فلم يتهيأ لهِم، ولا تمكَّنوا منه، فلما اشتدَّ البلاء على أهل عَكَّا وضَعُفت
قلوبهم، وقلَّت مَنَعتهم، ونُقبت بدنة من الباشورة، خرج الأمير سيف الدين
علي بن أحمد المَشْطوب الهَكَّاري إلى ملك الفِرَنج وطلب الأمان، فأبى عليه
إلا أن ينزل على حُكمه، فقال: نحن لا نُسلِّم البلد إلا أن نُقتل بأجمعنا، ورجع
مغاضبًا .
فلما كان يوم الجُمُعة لثلاث عشرة بَقِيَت من جمادى الآخرة زحف الفِرَنج
٧٠٧

زَحْفًا شديدًا، وأشرفوا على أخذ البلد، فطلب المسلمون منهم الأمان على أن
يُسلِّموا إليهم عَكًا، ومئتي ألف دينار، وألفًا وخمس مئة أسير، ومئة أسير من
الأعيان، وصليب الصَّلَبوت. فوقع الأمان على ذلك، وأخذوا رهائن على تمام
القطيعة، ومَلَكوا عَكَّا. فلمَّا كان في ثامن رجب جاءت رُسُلُهم لذلك، فأحضر
السُّلطان مئة ألف دينار، وصليب الصَّلَبوت، والأسارى، فأبوا إلا جميع
المال، واختلف الأمر نحو شهر، ثم كمل لهم المال، وأحضر إليهم صليبهم،
وكانوا قد ظنّوا أن السُّلطان فرَّط فيه، فلمّا عاينوه خرُّوا له سُجَّدًا. ثم ظهر
للسُّلطان غَدْرُهم ومَكْرُهم، فتوقّف في إمضاء المُقرَّر.
قال ابن شَدَّاد في ((سيرة صلاح الدين))(١): إن الذين بعَكًا بذلوا للفِرَنج
البلد بما فيه من السِّلاح والآلات والمراكب، ومئتي ألف دينار، وخمس مئة
أسير، ومئة أسير يقترحونهم معروفين، وصليب الصَّلَبوت، على أن يخرجوا
بأموالهم وأهلهم، ويعطوا للمركيس الذي توسّط بينهم أربعة آلاف دينار(٢).
فلما وَقَفَ السُّلطان على هذا أنكره وعَظُمَ عليه، وجَمَعَ أهل الرأي، واضطربت
آراؤهم، وتقسّم فِكره، وعزم على أن يكتب في تلك الليلة ينكر عليهم
المُصالحة، وبَقِيَ مُتردِّدًا، فلم يشعر إلا وقد ارتفعت صُلْبان الكُفر على البلد،
ونارهم وشعارهم على الشُّور، وذلك ظُهرِ يوم الجُمُعة سابع عشر من جمادى
الآخرة. وصاح الفِرَنج صيحةً واحدةً، وعَظُمت المُصيبة على المسلمين، ووقع
فيهم البُكاء والنَّحيب، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وخيَّمَ ملك الأنكتير بيافا، وشَرَعوا في عِمَارتها. ثم راسل ملك الأنكتير
السُّلطان في طلب الهدنة، فكانت الرُّسُل تتردّدُ إلى الملك العادل، فتقررَّت
القاعدة أن ملك الأنكتير يزوِّج ◌ُخته بالملك العادل، ويكون القُدْس وما بأيدي
المسلمين من بلاد السَّاحل للعادل، وتكون عَكَّا لأُخت ملك الأنكتير مُضافًا
إلى مَمْلكةٍ كانت لها داخل البحر قد وَرِثَتها من زوجها. وأجاب صلاح الدين
إلى ذلك، فاجتمع الرُّهبان والقِسِّيسون، وأنكروا على المَلِكة، ومنعوها من
الإجابة. ثم إن الفِرَنج نَوَّهوا بقَصْد بيت المقدس، فساقَ صلاح الدين إلى
(١) النوادر السلطانية ١٣١ فما بعد.
(٢) الذي في النوادر لابن شداد: ((وضمنوا للمركيس عشرة آلاف دينار لأنه كان واسطة،
ولأصحابه أربعة آلاف دينار)).
٧٠٨

الرَّملة جريدةً، وجرت بين المسلمين وبين الفِرَنج عدة وقعات صِغار في هذه
الأيام، في سائرها يكون الظَّفرُ للمسلمين. ثم دخل صلاح الدين القُدس لكَثْرة
الأمطار، وتقدَّمت الفِرَنج إلى النَّطرون على قَصد بيت المقدس. واشتدَّ الأمر،
وجرى بينهم وبين يَزَك المسلمين عدة وقعات. وجدَّ صلاح الدين في تحصين
القُدس بكل مُمكن، حتى كان ينقل الحجارة على فَرَسه بنفسه .
ومما جرى أن مَلِك الأنكتير رَكِبَ بالفِرَنج في البحر، فَرَكِبَ السُّلطان
في البَرِّ لقتالهم. فأحضر الفِرَنج جماعة من أسارى المسلمين، فقتلوهم صَبْرًا،
فحمل المسلمون عليهم وأزالوهم عن مواقفهم، وقتلوا منهم جماعةً واستُشْهِد
من المسلمين جماعةٌ. ثم تصرف السُّلطان في المال المُقرَّر. فلما دخل شعبان
رحلت الفِرَنج بخيلهم ورَجِلهم، فعرف السُّلطان أن قَصدهم عَسْقلان، فرحل
بالجيش في قبالتهم، وبَقِيَ يَزَكُ المسلمين يقاتلونهم في كل مَرحلة. ثم كانت
بينهم وبين السُّلطان وَقعة نهر القَصَب، استُشْهِد فيها إياز الطَّويل وكان أحدَ
الأبطال. ثم كانت وقعة أرسُوف، فكانت الدَّبَرة على الفِرَنج خَذَلهم الله .
ووصل السُّلطان إلى عَسْقلان فأخلاها، وشَرَعَ في هَدْمها في أثناء شعبان. ثم
رحل إلى الرَّملة، فأمر بتخريب حِصنها، وتخريب لُّدِّ. ثم مَضَى جريدةً إلى
القُدس زائرًا وعاد.
أنبأنا ابن البُزُوري، قال: في ربيع الأول حضر عبدالوهاب الكردي
السَّارق قَلعة الماهكِي مُصفَّدًا بالحديد، فرَحِمَه الخليفة وخَلَعَ عليه وأُعطي
كوسات وأعلامًا، وأُقطع الدِّينَوَر.
وفي جمادى الأولى عُزل عن أُستاذ دارية الخلافة علي بن بختيار، ووَليَ
جلال الدین عبيدالله بن يونس .
وفي جُمادى الآخرة عدا بركة الساعي من تكريت إلى بغداد في يومٍ ولم
يُسبق إلى هذا، وحصل له خِلَعٌ ومالٌ طائلٌ.
وفيه رُقِّب المَوصلي النَّصْراني جائليق النَّصارى، وخُلع عليه بدار
الوزارة، وقُریء عهده في كنيسة درب دینار.
وفي شوال خرج العَسْكر الخليفتي مع مؤيّد الدين ابن القَصَّاب نائب
٧٠٩

الوزارة، وعز الدين نجاح الشَّرابي إلى بلاد خوزستان، ورجعوا في ذي
الحجّة .
وفيها ظهر بحلب الشِّهاب السُّهْروردي الفَيْلسوف الساحر. وكان فقيهًا
واعظًا، ملعونَ الاعتقاد، بارعًا في علوم الأوائل، خبيرًا بالسيمياء، فعقد
صاحب حلب الملك الظاهر له مجلسًا، فأفتوا بكُفره، فخُبس في هذه السنة ثم
أُحرق بعد أن ميت جُوعًا.
وفيها، في آخرها، تأخّرَ الفِرَنج إلى الرَّملة لقِلَّة الميرة عليهم. وقال
ملك الأنكتير لمن معه: إني ما رأيتُ القُدس، فصوِروها لي: فرأى الوادي
يحيط بها ما عدا مَوضع يسير من جهة الشِّمال. فقال: هذه مدينة لا يمكن
حَصرها مع وجود صلاح الدين، ومع اجتماع كَلِمة المسلمين .
وفيها، قال لنا ابن البُزُوري في ((مُذَيَّله)): قدم بغداد تاجر حلبي بمالٍ
طائل، فعشق واحدةً فأنفق عليها ماله حتى أفلس، ولم يَبْقَ يقدر عليها، ولا له
صَبْرٌ عنها، فدخل عليها فضربها بسِكِّينٍ، وضرب نفسه فمات. وأما هي فخِيط
جُرحُها وعاشت.
وحجّ بالناس من بغداد طاشتِکین علی عادته.
وفيها أخذ داود أمير مكة ما في الكَعبة من الأموال وطَوقًا كان يمسك
الحَجَر الأسود لتشقُّثه، إذ ضربه ذاك الباطني بعد الأربع مئة بالدَّبُّوس. فلمَّا
قدم الرَّكبُ عَزَلَ أمير الحاجِّ داود، ووَلَّى أخاه مُكَثِّرًا، وهما ابنا عيسى بن فُلَيتة
ابن قاسم بن محمد بن أبي هاشم الحسني. فأقام داود بنَخْلة إلى أن توفي في
رجب سنة تسع وثمانين، وهو وآباؤه الخمسة أمراء مكة (١).
سنة ثمان وثمانين وخمس مئة
قال ابن البُزُوري: في صَفَر كُفَّت يد عبد الوهاب ابن الشيخ عبدالقادر عنٍ
وَقف الجهة الأخلاطية سُلْجُق خاتون. ووُجد عند ابنه عبدالسلام كُتُب بخطّ
والده عبدالوهاب فيها يتخيّرُ الكواكب، فَسُئل: هل هي بخطّك؟ فأقرَّ، فأفتوا
بقِلَّة دينه، وأن الكاتب لها والقارىء لها مُخطىء، ومُعتقدَها كافر. وعُرِضت
(١) قارن العقد الثمين للفاسي ٣٥٤/٤ و٢٧٤/٧ .
٧١٠

الفتاوى على الخليفة فاستثيب. وأُحْرقت الكُتُب في محفل. وكان فيها أنْ لا
مُدبِّر للعالم سوى الكواكب، وأنها هي الرَّازقة. ووَهَت حرمة بني عبدالقادر،
وأُخرجوا عن مدرستهم، وسُلِّمت إلى ابن الجَوْزي.
وفيها عُزل قاضي القُضاة العباسي لأنَّه حَكَم في كتابٍ زَوَّره حاجبه أبو
جعفر وابن الحَرَّاني.
وفيها نُفِّذ شهاب الدين السُّهْروردي رسولاً إلى زعيم خِلاَط بكتمر.
وفي رجب عُقد مجلسٍ بدار أستاذدار الخليفة، وأُحضر أمير الحاجِّ مُجير
الدين طاشتِكِين مُتولِّي الحِلَّة، ثم أُخرج مكتوب فيه الخادم طاشتِكِين يخدم
السُّلطان، ويقول: أنا مشدود الوسط في خدمتكم، وهذا وقتكم، والبلاد
خالية، فإذا هادنت الفِرَنج وعدت إلى الشام فأنا أتولَّى الخدمة. وقد توَّج
المكتوب بالقَلَم الشَّريف: إنا ما أسأنا إلى طاشتِكِين قط ولِه حقوق، غير أن
باطنه رديء ما يحبنا. فأنكر طاشتِكِين، وزعم أن هذا الخطَّ لا يعرفه. فشَهدَ
عليه جماعة ممن يَختصُّ به وكذَّبوه. فحُبس، وكان له إلى هذه السنة تسع
عشرة حَجَّة. ووَليَ أيلبا إمرة الحاجِّ.
وبنى الخليفة دارًا هائلة مُزَخرفة في بستانها من الطَّير والوَحْش ما يَبْهتُ
الرَّائي. فلما انتهت وَهَبها لولده أبي نَصر محمد.
وفيها في المُحَرَّم، أعني سنة ثمانٍ، نَزَل الفِرَنجِ بعَسْقلان وهي خراب،
فأخذوا في عِمَارتها .
وفي ربيع الآخر قُتلَ المركيس صاحب صُور، وكان من شياطين الفِرَنج
قَدِمَ من البحر في مَرْكبٍ بمالٍ وتجارة أيام فتح بيت المقدس، فدخل صور
وأهلها في هَرَج ومَرَج، وليس لهم رأس، فملّكوه عليهم، فقام بأمرهم أتمَّ
قيام، وضَّبَط البلد وحَصَّنها، وحاصرهم صلاح الدين مدة بعد فتح بيت
المقدس فلم يقدر عليهم، فجرَّد على البلد من يُضيِّق عليهم ورحل .
وكان المركيس أحدَ من بالَغَ في حصار عًَّّا. وكان سَبَب قَتْله أنَّ سنانًا
مُقدَّم الإسماعيلية بعث إليه صلاح الدين أن يرسل من يقتل ملك الإنكلتار،
وإنْ قتل المركيس فله عشرة آلاف دينار. فأرسل رجلين في زِيِّ الرُّهبان،
فاتَّصلا بصاحب صَيدا، فأظهرا العبادة، فأنسَ بهما المركيس، ووَثِقَ لهما
٧١١

فقتلاه، وقُتلا معه. وتملَّك صور بعده كندهري ابن أُخت ملك الإنكلتار، فبَقِيَ
إلى سنة أربع وتسعين، فسقط من سَطح ومات. وكان لما رحل خاله إلى بلاده
أرسل يستعطّف صلاح الدين ويطلب منه خِلْعةً، وقال: أنتَ تعلم أن لُبس
القَبَاء والشَّرَّبُوش عندنا عَيب، وأنا ألبسهما منك محبةً فيك. فنَفَّذ إليه خِلْعةً
سَنِيَّة بشَرَبُوش، فَلَبِسَها بعَگًا .
وفيها في صَفَر نَهَبت بنو عامر البصرة؛ تجمّعوا مع أميرهم عُمَيرة، وكان
بها أمير فحاربهم، فلم يَقْوَ بهم، وقتل جماعة، ودخلوها وفعلوا كل قبيح،
وذهبت أمتعةُ الناس .
وفيها في جُمادى الأولى استولت الفِرَنج على حِصن الدَّاروم، ثم ساروا
حتى بقوا على فرسَخَين من القُدس، فصبَّ المسلمون عليهم البلاء، وتابعوا
إرسال السَّرَايا، وبُليَ الفِرَنجِ منهم بداهيةٍ، فرجعوا وتخطّفهم المسلمون.
وكان شهاب الدين الغُوري غَزَا الهِنْد في سنة ثلاثٍ وثمانين فانهزم، فلمَّا
كان في هذه السنة خَرَج من غَزْنة بجيوشه، وقَصَدَ عَدُوه، فتجهّز الكافر ملك
الهند وسار نحوه، فلما قاربه تَقَهقر شهاب الدين، وتَبِعه ملك الهند إلى أن
قارب بلاد المسلمين، فندب شهاب الدين شَطر جيشه، فداروا في الليل حتى
صاروا من وراء الهُنُود، وحمل من الغَدِ هو من بين أيديهم وأولئك من
خلفهم، وكَثُرَ القَتلُ في الهُنُود وأُسر مَلِكهم في خَلْقِ من جُنده، وَغَنِمَ
المسلمون ما لا يُوصف. ومن ذلك أربعة عشر فيلاً، فقال ملك الهند: إنْ كنتَ
طالبًا بلادنا فما بَقِيَ فيها من يَحفظُها، وإنْ كنتَ طالب مالٍ فعندي أموال تُحَمِّل
منها جمالك كلها. فسار شهاب الدين، وهو معه، إلى قَلْعته واسمها أجمير،
فتملَّكها شهاب الدين وتملَّكَ جميع نواحيها، وأقطع الجميع لمَمْلوكه قُطب
الدين أيبك، وقَتَلَ ملك الهِنْد، ورَجَعَ إلى غَزْنة مُؤْيَّدًا منصورًا .
وكان عسكر مصر قد خرجوا للغَزَاة فأقاموا بِلْبيس حتى اجتمعت إليهم
القوافل، وساروا في الرَّمل، فتهيَّأت الفِرَنج لكَبْسهم وكَمَنوا لهم، ثم بَيَّتوهم
بأرض الحسا فطاف الإنكلتير حول القَفَلِ في صورة بَدَوي، فرآهم ساكنين،
فكَبَسَهم في السَّحر بخيله ورَجله، فكان الشُّجاعُ من نجا بنفسه. وكانت وَقعة
شَنعاء لم يُصب الناس بمثلها في هذه السنين. وتبدَّدَ الناس في البَرِّية وهَلَكوا،
٧١٢

وحازت الفِرَنج أموالاً وأمتعةً لا تُحصى، وأسروا خمس مئة نفس، ونحو ثلاثة
آلاف جَمَلٍ مُحمَّلة، فَقَوِيَت نفوس الملاعين بِالظَّفَر والغنائم، وعزموا على
قَصد القُدس. وسار كندهري إلى صُور وطرابُلُس وعَكَّا يستنفرُ الناس، فهيَّأ
السُّلطان القُدس وحَصَّنها للحصار، وأفسد المياه التي بظاهر القُدس كلها،
وجَمَعَ الأمراء للمشورة(١). قال القاضي بهاء الدين بن شدَّاد(٢): فأمرني أن
أحْثَهم على الجهاد، فذكرتُ ما يسَّر الله، وقلتُ: إن النبي ◌ِّ لمَّا اشتدَّ به الأمر
بايَعَ الصَّحابة على المَوْت، ونحن أول من تأسَى به، فنجتمع عند الصَّخرة،
ونتحالَفُ على المَوْت. فوافقوا على ذلك. وسَكَتَ السُّلطان طويلاً، والناس
كأنَّ على رؤوسهم الطَّير، ثم قال: الحمد لله والصَّلاة على رسول الله، اعلموا
أنكم جُند الإسلام اليوم ومَنَعته، وأنتم تَعْلمون أن دماء المسلمين وأموالهم
وذراريهم مُتعلِّقة في ذِمَّتكم، وأنَّ هذا العَدُوَّ ليس له من يَلْقاه غيركم، فلو
لَوَيَتم أعِنَّتكم، والعياذُ بالله، طوى البلاد، وكان ذلك في ذِمَّتكم، فإنكم أنتم
الذين تَصدَّيتم لهذا، وأكلتم بيت مال المسلمين. فانتدب لجوابه سيف الدين
المَشْطوب، وقال: نحن مماليكُكَ وعَبِيدُكَ، وأنت الذي أنعمتَ علينا
وعَظَّمتَنا، وليس لنا إلا رقابنا، وهي بين يديك، والله ما يرجع أحدٌ منّا عن
نُصرتك إلى أن يموت. فقال الجماعة مثل ما قال، فانبسطت نَفسُ السُّلطان
وأطعمهم، ثم انصرفوا. فلمَّا كان عشاء الآخرة اجتمعنا في خدمته على العادة
وسَمَرنا وهو غير مُنبسط. ثم صَلَّينا العشاء الآخرة، وكانت الصَّلاة هي الدُّستور
العامَّ، فصَلَّينا وأخذنا في الانصراف فاستدعاني وقال: أعَلمتَ ما تجدّد؟ قلتُ:
لا. قال: إنَّ أبا الهَيْجاء السَّمين نَفَّذَ إليَّ اليوم وقال: اجتمع اليوم عنده
الأمراء، وأنكروا موافقتنا على الحصار وقالوا: لا مَصلحة في ذلك، فإنا
نُحصر ويَجري علينا ما جَرَى على أهل عَكَّا، وعند ذلك تُؤخذ بلاد الإسلام
أجمع. والرأي أنْ نَعمل مَصافًا، فإنْ هَزَمناهم مَلَكنا بقية بلادهم، وإنْ تكن
الأخرى سَلِم العسكر وذهب القُدس. وقد انحفظت بلاد الإسلام وعساكرها
مدة بغير القُدس. وكان السُّلطان رحمه الله عنده من القُدس أمرٌ عظيمٌ لا تحمله
الجبال، فشقَّت عليه هذه الرِّسالة. وبت تلك الليلة في خِدمته إلى الصَّباح،
(١) ينظر مفرج الكروب ٣٨٤/٢ - ٣٨٥، والمصنف ينقل من الروضتين ١٩٨/٢.
(٢) هذا من الروضتين أيضًا ١٩٨/٢ فما بعد.
٧١٣

وهي من الليالي التي أحياها في سبيل الله .
وكان مما قالوه في الرِّسالة: ((إنك إنْ أردتنا نقيمُ بالقُدس فتكون أنت
معنا أو بعض أهلك، وإلا فالأكراد لا يدينون للأتراك، ولا الأتراك يدينون
للأكراد)). فانفصل الحال على أن يقيم من أهله الملك مجد الدين صاحب
بَعْلَبك.
وكان رحمه الله يحدِّثُ نفسه بالمُقام، ثم امتنع من ذلك لِمَا فيه من خَطَر
الإسلام، فلمَّا صلَّينا الصُّبح قلتُ له: ينبغي أن ترجع إلى الله تعالى، وهذا يوم
جُمُعة، وفيه دَعوة مُستجابةٍ، ونحن في أبرك مَوضع. فالسُّلطان يغتسل الجُمُعة
ويتصدَّق بشيء سرًا، وتُصلِّي بين الأذان والإقامة ركعتين تناجي فيهما ربَّك،
وتفوّض مقاليد أمورك إليه وتعترف بعَجْزك عمَّا تصدَّيتَ له، فلعلَّه يرحمك
ويستجيب لك. وكان رحمه الله حَسنَ الاعتقاد، تامَّ الإيمان يتلقَّى الأمور
الشَّرْعية بأحسن انقياد. فلما كان وَقت الجُمُعة صلَّيتُ إلى جانبه في الأقصى،
وصَلَّى ركعتين، ورأيتُهُ ساجدًا ودموعه تتقاطر. ثم انقضت الجُمُعة. فلمّا كان
العَشيُّ وَصَلت رُقعة من عز الدين جرديك، وكان في اليَزَك يقول فيها: إنَّ
القوم قد ركِبوا بأسرهم، ووَقَفوا في البَرِّ على ظَهر، ثم عادوا إلى خِيَامهم، وقد
سَيَّرنا جواسيس تكشف(١).
ولما كان من الغَدِ يوم السبت، وهو الحادي والعشرين من جُمادى
الآخرة، وَصَلت رُقعةٌ أخرى تُخبر أن الجواسيس رجعوا، وأخبروا أنَّ القوم
اختلفوا في الصُّعود إلى القُدس أو الرحيل إلى بلادهم، فذهب الفرنسيسة إلى
الصُّعود إلى القُدس وقالوا: إنما جئنا بسَبَبه ولا نرجع. وقال الإنكلتير: إن هذا
المَوضع قد أُفسدت مياهُه ولم يَبْقَ حوله ماء، فمن أين نشرب؟ قالوا: نشرب
من نهر نقوع، وهو على فرسخ من القُدس. فقال: كيف نذهب إليه؟ قالوا:
نتقسّمُ، فقسمٌ يذهب إلى السَّقَي، وقسم يَبْقى على البلد، فقال: إذًا يأخذ
العسكر البَرَّاني الذي لهم من يذهبِ مع الدَّوابِّ، ويخرج عسكر البلد على
الباقين. فانفصل الحال على أنهم حَكَّموا ثلاث مئة من أعيانهم، وحَكم الثلاث
مئة اثني عشر منهم، وحَكْم الاثنا عشر ثلاثة منهم، وقد باتوا على حُكم
(١) يعني: تكشف أخبارهم، كما في الروضتين ١٩٩/٢، ومفرج الكروب ٣٨٩/٢.
٧١٤

الثلاثة. فلمَّا أصبحوا حَكَموا عليهم بالرحيل، فلم يُمكنهم المخالفة، فرحلوا
ليومهم، وهو يوم السبت المذكور، نحو الرَّملة، ناكصين على أعقابهم. ثم
نزلوا الرَّملة، وتواتَرَ الخَبَرُ بذلك إلى السُّلطان، وكان يوم فَرَحِ وسُرُور.
ثم وَرَدَ رسول الإنكلتير في الصُّلح يقول: قد هلكنا نحن وأنتم،
والأصلح حَقن الدِّماء، ولا تغترَّ بتأخيري عن منزلتي، فالكَبش يتأخَّر لينطح.
وهذا ابن أختي كُندهري قد ملَّكتُه هذه الدِّيار، وسلَّمتُه إليك يكون بحُكمك.
وإن جماعة من الرُّهبان قد طلبوا منك كنائس، فما بخلت بها عليهم، وأنا
أطلب منك كنيسةً في القُدس، وما راسلتُكَ به مع الملك العادل قد تركتُهُ،
يعني من طلبه القُدس وغيرها، ولو أعطيتَني قرية أو مقرعة لقَبِلْتُها. فاستشار
السُّلطان الأمراء، فأشاروا بالصُّلْح لِمَا بهم من الضَّجَر والتَّعَب وعلاهم من
الديون. فاستقرَّ الحال على أنَّ الجواب ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وابن
أختك يكون كبعض أولادي، وسيبلغُكَ ما أفعله معه، وأنا أعطيك أكبر
الكنائس، وهي القُمامة، والبلاد التي بيدك بيدك، وما بأيدينا من القِلاع الجبلية
يكون لنا، وما بين العَمَلين يكون مُناصفةً، وعَسْقلان وما وراءها يكون خَرَابًا .
فانفصل الرسول طَيِّبَ القَلب. ثم وَرَدَ رسوله يقول: أن يكون لنا في القُدس
عشرون نَفَرًا، وإنَّ من سَكَن من النَّصارى والفِرَنج في القُدس لا يُتعرّض لهم،
وأما بقية البلاد (فلنا منها الساحليات والوطاة، والبلاد الجبلية لكم)(١). فأجابه
السُّلطان بأن القُدس ليس لكم فيه سوى الزِّيارة. فقال الرسول: وليس على
الزُّوَّار شيء؟ فقال السُّلطان: نعم. وأطلق لهم بلاد عَسْقلان يزرعونها، وأن
تكون قُرَى الدَّاروم مُناصفةً .
وفيها قَسَمَ السُّلطان صلاح الدين عمارة سور بيت المقدس على أخيه
وأولاد أخيه. ولم يزل مُجدًا في عمارتها حتى ارتفعت .
وفيها كان خلاص سيف الدين علي المَشْطوب أمير عَكَّا من الأسر على
مالٍ قرَّره، ثم مات في آخر شوال. فعيَّنَ السُّلطان ثُلث نابُلُس لمصالح بيت
المقدس وباقيها للأمير عماد الدين أحمد ابن المرحوم سيف الدين المَشْطوب.
(١) ما بين الحاصرتين من الروضتين ٢٠٠/٢، ومفرج الكروب ٣٩١/٢، ولا يستقيم النص
من غيرها .
٧١٥

وفيها نازل الفِرَنج قَلعة الدَّاروم وافتتحوها بالسَّيف. ثم كانت وقعات
بينهم وبين المسلمين، كلها للمسلمين عليهم إلا وَقعةً واحدةً كان العادل أخو
السُّلطان مُقدَّمَها، ودَهَمَهم العَدُوُّ فهزموهم.
وفيها نزل السُّلطان على يافا وأخذها بالسَّيف، وأخذ القَلعة بالأمان، ثم
طولوا ساعات الانتقال وأمهلوا وسَوَّفوا، حتى جاءهم ملك الإنكلتير نَجْدةً في
البحر بَغْتَةً، ودخل القَلعة وغَدَروا، فأسَرَ السُّلطان من كان خرج منهم، وسار
إلى الرَّملة.
ثم وَقَعت الهُدنة بينه وبين الفِرَنج مدة ثلاث سنين وثمانية أشهر، وجعل
لهم من يافا إلى قَيْسارية إلى عَكَّا، إلى صُور. وأدخلوا في الصُّلْح طرابُلُس
وأنطاكية، واستعاد منهم الدَّاروم، ودخل في هذا الصُّلْح وهو كارهٌ يأكل يديه
منِ الحَنَقِ والغَيْظِ ولكنه عَجَزَ وكَثُرَت عليه الفِرَنج. وكُتب كتاب الصُّلح بين
المِلَّتين في الثاني والعشرين من شعبان. ووَقَعت الأيمان والمَوَاثيق على ذلك
من الفريقين، ونُودي بذلك.
وكان في جُملة من حَضَرَ عند صلاح الدين صاحب الرَّملة، فقال لصلاح
الدين: ما عمل أحدٌ ما عملتَ، إننا أحصينا من خرج إلينا في البحر من المُقاتلة
فكانوا ست مئة ألف رجل ما عاد منهم إلى بلادهم من كل عشرة واحد،
بعضهم قُتلوا، وبعضهم مات، وبعضهم غَرِقَ.
وأذِنَ صلاح الدين في زيارة القُدس للفِرَنج، وتردَّدت الرُّسُل بين
السُّلطان وبين الفِرَنج. ثم سار فنزل بالعَوْجاء، وبلغه أنَّ الإنكلتير بظاهر يافا
فِي نَفَرٍ يسيرٍ، فساق ليَكبسه، فأتى فوجد نحو عشر خِيَم، فحمل السُّلطان
عليهم، فثبتوا ولم يتحركوا، وكَشَّروا عن أنياب الحَرب، فارتاع عسكر
السُّلطان وهابوهم، وداروا حولهم حَلقة. وكانت عدة الخيل سبعة عشر،
والرَّجَّالة ثلاث مئة. فوَجَدَ الشُّلطان من ذلك وتألَّمَ، ودار على جُنده يُنَخِّيهم
على الحَملة، فلم يُجب دعاءه سوى ولده الملك الظاهر، وقال للسُّلطان
الجناح أخو سيف الدين المَشْطوب: قُل لِغِلْمانك الذين ضربوا الناس يوم فتح
يافا وأخذوا منهم الغَنيمة يحملون. وكان في نفوس العسكر غَيظ على السُّلطان
حيث فوّهم الغَنِيمة. فغَضِبَ السُّلطان وأعرض عن القتال. وذُكر أن الإنكلتير
٧١٦

حَمَلَ يومئذٍ برُمحه من طرف المَيْمنة على طرف المَيْسرة، وما تعرَّض له أحد.
فردَّ السُّلطان وسار إلى النَّطرون ثم إلى القُدس.
ومَرِضَ الإنكلتير، وكانت رُسُله تتردّدُ في طلب الخَوْخِ والكُمَّثْرى، وكان
الشُّلطان يمدُّه بذلك وبالثَّلج. ثم عُقدت الهُدنة وتوثَّقَ من الفريقين، فحَلَفَ
جماعة من ملوك الفِرَنج ومن ملوك الإسلام من آل السُّلطان ومن أمرائه
الأعيان، وكان يوم الصُّلح يومًا مشهودًا، عمَّ الفَرَح هؤلاء وهؤلاء. ورجع إلى
القُدس فتمَّمَ أسواره ودخل دمشق في شوال.
وفيها قُتل سُلطان الرُّوم قَلج أرسلان.
سنة تسع و ثمانين وخمس مئة
فيها قَدِمَ عليٍّ ابن الأمير شَملة إلى الخليفة بمفاتيح قلاع أبيه، فخُلع
عليه .
وفيها وَلَيَ إمرة الحاجِّ قُطب الدين سَنْجَر الناصري.
وفيها أُعيد إلى القضاء أبو طالب علي ابن البُخاري.
وفيها قُتل بكتمر المُتغلّب على مدينة خِلاَط على يد الباطنية. وكان قد
تَسَلطن وضرب لنفسه الطَّبل في أوقات الصَّلوات الخمس.
وفيها سار السُّلطان طُغرُل إلى الرَّيِّ، فقتلَ بها ألف نفس، وعاد إلى
هَمَذَان، فمَرِضَ وبطل نصفه.
وفيها خُلعَ على قَيْماز شِحنة أصبهان القادم في صُحبة مؤيّد الدين ابن
القَصَّاب وأُعطي ستة آلاف دينار، وتوجه إلى بلده وفي صُحبته الأميران سُنقُر
الطَّويل وإيلبا .
وتوفي السُّلطان صلاح الدين، فوَصَلَ إلى بغداد في رمضان الرسول
وصُحبتُه لأَمَة الحَرب التي لصلاح الدين وفَرَسه ودينار واحد وستة وثلاثون
درهمًا، لم يُخلِّف من المال سواها. وصُحبة ذلك صليب من الذَّهب الأحمر
كان أخذه من القُدس .
وفيها فُتحت المدرسة التي بُنيت ببغداد لوالدة الناصر لدين الله، ودرَّس
بها أبو علي النُّقاني.
٧١٧

وفيها غَزَا السُّلطان شهاب الدين صاحب غَزْنة وتقدَّم مملوكه أيبك
بالجيوش، فافتتح ما أمكنه، وسَبَى وَغَنِمَ شيئًا كثيرًا، ورجع سالمًا .
قال ابن الأثير(١): وفيها انقضَّ كَوْكبان عظيمان واضطرما(٢)، وسُمع صوت
هَدَّةٍ عظيمةٍ، وذلك بعد طلوع الفَجر، وغلب ضوؤهما ضوء القَمَر وضوء النَّهار.
سنة تسعين وخمس مئة
في ربيع الأول وَلَيَ مُجاهد الدين ياقوت الرُّومي شِخْنكية بغداد، فأقام
سياسة البلد وأخلاه من المفسدين.
وفيها كان الحَرب بين السُّلطان شهاب الدين الغُوري مَلِك غَزْنة وبين
بنارس سُلطان الهند؛ وذلك أن أيبك مملوك شهاب الدين لمَّا دخل عام أول
الهندَ فأغار على الأطراف تنمَّرَ بنارس وغَضِبَ، وهو أكبر ملوك الهند.
قال ابن الأثير (٣): وولايته من حدِّ الصِّين إلى بلاد ملاو طولاً، ومن
البحر إلى مسيرة عشرة أيام من لهاوور عَرْضًا، فحَشَدَ وجَمَعَ وقَصَدَ الإسلام،
فطلبه شهاب الدين بجيوشه، فالتقى الجَمْعان على نهر ماجون. قال: وكان مع
الهندي سبع مئة فيل - كذا قال ابن الأثير - قال: ومن العسكر على ما قيل ألف
ألفَ نفس، ومن جُملة عسكره عدة أمراء مسلمين كانوا في تلك البلاد. فصَبَرَ
الفريقان، واشتدَّ الحَرب، وكان النَّصر لشهاب الدين، وكَثُرَ القَتل في الهنود
حتى جافت منهم الأرض، وأخذ شهاب الدين تسعين فيلاً. وقُتل بنارس ملك
الهِند، ولم يعرفه أحد، إلا أنه كان قد شدَّ أسنانه بالذَّهَب، فبذلك عُرف.
ودخل شهاب الدين بلاد بنارس وحمل من خزائنها ألفًا وأربع مئة حمل (٤)،
وعاد إلى غَزْنة. ومن جُملة الفِيَلَة التي أخذها فيل أبيض؛ حدثني بذلك من رآه
فلما عُرضت الفِيَلَة على شهاب الدين خدمت جميعها إلا الفيل الأبيض فإنه لم
يخدم.
وفيها، في جُمادى الأولى، وَصَلَ رسول من خُوارزم شاه وصُحبته ابن
الكامل ١٠٤/١٢ .
(١)
هذه اللفظة وضعها محقق الكامل في الحاشية فما أحسن.
(٢)
(٣)
الكامل ١٠٥/١٢ - ١٠٦.
يعني : حمل جمل، كما في الكامل.
(٤)
٧١٨

عبدالرشيد الذي سار في رسالة الخليفة إلى خُوارزم شاه يأمره بمحاربة المارق
◌ُغْرُل السُّلْجُوقِي. فمَرِضَ عبدالرشيد وأحسَّ بالمَوْت، فأمر ولده بالمسير إلى
خُوارزم شاه لأداء الرِّسالة، فقابل الرِّسالة بالسَّمع والطاعة، وسار بجيوشه
فحارب طُغرُل وانتصر عليه، وهَزَمَ عساكره ونَهَبَ أمواله، وقَتَله، وحمل رأسه
إلى بغداد صُحبة رسوله، فأُبرز للقيه المَوْكب، وأُتي بالرأس على رُمح، ودخل
قاتله وهو شابٌ تُركي من أمراء خُوارزم شاه. وأول كتابه: ((الحمد لله الذي
جعل الملوك من أخلصِ المماليك عقيدةً ونيةً، وأصحِّهم ولاءً وعُبُوديةً،
وأصفاهم سريرةً وطَويةً)).
وفيه: «ولمّا وردت المراسيم برَدع ذلك المارق المنافق، أرسل المملوك
داعيًا له إلى الطريق اللَّحب، ومشيرًا عليه باعتماد الواجب، ليعود إلى طاعة
الإمام، وعارضًا عليه تجديد الإسلام، أو الاستعداد للمَصَافِّ، والرُّجوع إلى
حُكم الاستئناف. وكان بالرّيِّ، فزلف المملوك إليه في كتيبةٍ شَهباء من جنود
الإمام، مُقنَّعة بالزَّرَد المحبوك، مُحْتَفَّة بالملائكة، محفوفة بالملوك، يتألَّقُ
حديدها، وتتذمر أُسودها، وهي كالجبل العظيم، والليل البهيم، خلفها السِّباع
والذئبان وفوقها النُّسور والعُقبان، وبين أيديها شخص المنون عُريان، إلى أن
وافت ذلك المخذول، وهو في جيش يُعجز عن الإحصاء، ويضيق عنهم
الفَضَاء، فصبَّ الله عليهم الخِذْلان لمَّا تراءى الجَمْعان، وبرز الكُفر إلى
الإيمان، فتلا المملوك: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤])).
إلى أن قال: ((وأنفذَ اللهُ حُكمه في الطاغية، وعجَّل بروحه إلى الهاوية،
وملك المملوك بلادَهُم» .
قال ابن الأثير(١): وكان الخليفة قد سَيَّر نَجدة لخُوارزم شاه، وسيَّر له مع
وزيره ابن القَصَّاب خِلَعَ السَّلطنة، فنزل على فَرْسخ من هَمَذان، فأرسل إليه
خُوارزم شاه بعد الوَقعة يطلبه إليه، فقال مؤيّد الدين ابن القَصَّاب: ينبغي أن
تحضر أنت وتلبس خِلْعة أمير المؤمنين من خَيْمتي. وتردَّدت الرُّسُل بينهما،
فقيل لخُوارزم شاه. إنها حيلة على القَبض عليك. فرحل خُوارزم شاه ليأخذه،
فاندفع بین یدیه، والتجأ إلى بعض الجبال، فامتنع به .
(١) الكامل ١٠٨/١٢.
٧١٩

وفيها عُزل أبو المظفر عبيدالله بن يونس من الأستاذ دارية، وحُبس إلى
أن مات، وولي مکانه تاج الدين أبو الفتح بن رِزِین.
وفيها قُبض على ألب غازي مُتولِّي الحِلَّة وأُخذت أمواله، وقُتل جزاءً بما
كذب على الأمیر طاشتکین.
وفي رمضان أُحضر مؤيّد الدين ابن القَصَّاب وشافهه الخليفة بالوزارة،
وقال له: يا محمد قد قَلَّدتك ما وراء بابي، وجعلته في ذِمَّتك، فاعمل فيما تراه
برأيك. وخَلَعَ عليه وضُربت النوبة على بابه على قاعدة الوزراء، ثم توجَّه إلى
تُسْتر، فافتتح بلاد خُوزستان.
وفي شوال وقع الرِّضا عن أولاد الشيخ عبدالقادر وأُخذ ابن الجَوْزي إلى
واسط، فحُبس بها مدَّة خمس سنين.
وكان سُلطان مصر في هذه السنة: الملك العزيز عماد الدين عثمان ابن
صلاح الدين، وسُلطان دمشق: الملك الأفضل نور الدين علي ابن صلاح
الدين، وسُلطان حلب: الملك الظاهر غياث الدين غازي ابن صلاح الدين،
والكَرَك وناحيتها حَرَّان والرُّها وتلك الناحية بيد الملك العادل سيف الدين أبي
بكر، وحَماة والمَعَزَّةِ وسَلَمْية ومَنْبج بيد الملك المنصور محمد ابن تقي الدين
عُمر بن شاهنشاه، وبَعْلَبك بيد الأمجد بَهْرام شاه بن فَرُخْشاه، وحِمص بيد
المجاهد أسد الدین شِیرَكُوه .
وكان الملك العادل بالكَرَك عند موت أخيه وهي مُسْتَقرُّهُ وحِصنُه، فتوجَّه
نحو دمشق لمَّا بلغه مجيء الملك العزيز يحاصر أخاه الأفضل، ووافقه الظاهر
غازي، فأصلح بينهم عَمُّهم، ورجع العزيز إلى مصر في رمضان من السنة
الماضية. ثم إن العزيز قَصَدَ دمشق في هذه السنة في شعبان .
وقال الإمام أبو شامة(١): وفيها استعادت الفِرَنج حِصن جُبَيل بمعاملة من
شخص گُردي.
قلتُ: ثم افتتحها الملك الأشرف بعد مئة سنة.
قال(٢): وفيها قدم العادل من الشرق وطلع إلى قَلْعة حلب وبات بها
(١) ذيل الروضتين ٦ .
(٢) نفسه.
٧٢٠