Indexed OCR Text
Pages 461-480
جماعةٌ بين الفريقين. ثم آل الأمرُ إلى أن صِيح في الناس: الغَزَاةِ الغَزَاة إلى مكة . قال ابن الجَوْزي(١): فحدثني بعض الحاجِّ أن زَرَّاقًا ضَرَبَ بالنِّفط دارًا فاشتعلت، ولا حَوْل ولا قوَّة إلا بالله، وكانت تلك الدَّار لأيتام، ثم سَوَّى قارورة نِفط ليضرب بها، فجاءَهُ حَجَرٌ فَكَسَرها، فعادت عليه وأحرقته. وبَقيَ ثلاثة أيام منتفخَ الجَسَد(٢)، ورأى بنفسه العجائب، ثم مات. قال(٣): ثم إنَّ ذلك الأمير الجديد قال: لا أجسُر أن أُقيم بعد الحاجِّ بمكة. فأمَّروا غيرَه. وفيها كانت وَقْعة تلِّ السُّلطان، وحديث ذلك أنَّ عَسْكر الموصل نكَثُوا وحَنَثُوا ووافوا تلَّ السُّلطان بنواحِي حَلَب في جُمُوعٍ كثيرةٍ، وعلى الكُلِ السُّلطان سيف الدِّين غازي بن مَوْدود بن زَنْكي، فالتقاهُم السُّلطان صلاح الدِّينِ في جَمْع قليلٍ، فَهَزَمَهم وأَسَرَ فيهم، ونَهَبَ، وحَقَنَ دِماءَهم. ثم أحضر الأمراء الذينّ أسرهم فأطلقهم ومَنَّ عليهم. قال ابن الأثير(٤): لم يُقتل من الفريقين - على كَثْرتهم - إلا رجلٌ واحدٌ. ووقفتُ على جريدة العَرْض، فكان عَسْكر سيف الدين غازي في هذه الوَقْعة يزيدون على ستة آلاف فارس، والرّجَّالة أقل من خمس مئة. قلتُ: ثم سار صلاح الدِّين إلى مَنْبج فأخذها، ثم سار إلى عَزَاز، فنازل القَلْعة ثمانيةً وثلاثين يومًا، ثم قَفَزَ عليه وهو مُحاصرُها قومٌ من الفداوية، وجُرح في فخذه، وأُخذوا فقُتلوا. ثم افتتحَ عَزَاز. ومن كتابٍ فاضليٍّ عن صلاح الدين إلى الخليفة: «يطالع بأنَّ الحَلَبيين والمَوْصليين، لمَّا وضعوا السِّلاح، وخَفَضوا الجناح، اقتصرنا بعد أن كانت البلاد في أيدينا على استخدام عَسْكر الحَلَبيين في البَيكارات(٥) إلى الكفر، (١) المنتظم ٢٦٠/١٠. (٢) في المطبوع من المنتظم: ((بسفح الجبل)) وهو تحريف. (٣) المنتظم ٢٦١/١٠. في الكامل ٤٢٨/١١ - ٤٢٩. (٤) (٥) البيكارات: جمع بيكار، وهي لفظة فارسية تعني الحرب. ٤٦١ وعَرَضنا عليهم الأمانةَ فحَمَلوها، والأيمانَ فبَذَلوها. وسار رسولنا، وحَلَّف صاحب المَوْصل يمينًا، جَعَلَ الله فيها حَكَمًا. وعاد رسوله ليسمع مِنَّا اليمين، فلمَّا حَضَر وأحْضَرَ نُسْختَها أوْمأ بيده ليُخرجها، فأخرج نُسخةَ يمينٍ كانت بين المَوْصليين والحَلَبيين على حَرْبنا، والتَّداعي إلى حَرْبنا. وقدَ حَلفَ بها كمُشْتِكين الخادم بحَلَب وجماعةٌ معه يمينًا نَقَضت الأُولى، فردَدنا اليمين إلى يَمين الرَّسول، وقلنا: هذه يمينٌ عن الأيمان خارجةٌ وأردتَ عَمْرًا وأراد الله خارجة، وانصرف الرَّسول، وعَلِمنا أنَّ النَّاقد بصيرٌ، والمَواقف الشَّريفة مُسْتخرجة الأوامر إلى المَوْصلي إما بكتابٍ مُؤكّد بأن لا ينقض العهد، وإما الفُسْحَة لنا في حَرْبه))(١). وقال ابن أبي طَيِّيء: لمَّا مَلَكَ صلاح الدِّين مَنْبج في شوال صَعِدَ الحِصْنَ، وجلس يَستعرضُ أموال ابن حَسَّان وذخائرهُ، فكانت ثلاث مئة ألف دينار، ومن أواني الذهب والفضّة والذخائر والأسلحة ما يناهز ألفي ألف دينار فرأى على بعض الأكياس والآنية مَكْتوبًا (يوسف))، فسَألَ عن هذا الاسم، فقيل: له وَلَدٌ يحبُّه اسمه يوسف، كان يَدَّخر هذه الأموال له. فقال السُّلطان: أنا يوسف، وقد أخذتُ ما خُلِّىء لي. ومن كتاب السُّلطان إلى أخيه العادل يقول: ولم يَنَلني من الحشيشي المَلْعون إلا خَدش قَطَرَت منه قَطَرَاتُ دَم خفيفة، انقطعت لوَقْتها، واندملت لساعتها . وأما صلاح الدِّين فسار من عَزَاز فنازل حَلَب في نصف ذي الحجّة، وقامت العامة في حِفظها بكُلِّ مُمكن، وصابَرَها صلاح الدِّين شهرًا، ثم تردَّدتِ الرُّسُل في الصُّلْحِ، فترخَّلَ عنهم، وأطْلق لابنة نور الدين قَلْعة عَزَاز. قال ابن الأثير(٢): وفي رمضان انكسفت الشمس ضَحْوة نَهار، وظَهَرت الكَوَاكب، حتى بَقيَ الوَقْت كأنه ليلٌ مُظلم وكنت صبيًا حيئنذٍ. (١) النص من كتاب الروضتين ٢٥٤/١. (٢) الكامل ٤٣٣/١١. ٤٦٢ سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة في المحرَّم وَعَظَ ابن الجَوْزي، وحَضَرَ الخليفة في المَنْظَرة، وازدحم الأُمَم. قال(١): وكان عُرس بنتي رابعة، وحَضَرت الجِهَة المُعظَّمة، وجهَّزَتها من عندها بماٍ کثیرٍ . وفي صَفَر نَقَصت دجلة واخترقت حتى ظَهَرت جزائرٌ كثيرةٌ، وكانوا يجرُّون السُّفن في أماكن. وجاء في آب بَردٌ شديد ببغداد، فنزلوا من الأسطحة، ثم عاد الحَرُّ وطلعوا . وفي جمادى الآخرة وَعَظتُ بجامع القَصْر، واجتمع خلائق، فَحُزِرَ الجَمعُ بمئة ألفٍ، وكان يومًا مَشهودًا. وفيها قارَبَ بغدادَ بعضُ السُّلْجُوقية مِمَّن يَرُوم السَّلطنة، وجاء رسوله ليُؤذن له في المَجيء، فلم يُلْتَفَت إليه، فجَمَعَ جَمْعًا، ونَهبَ قُرى، فخرج إليه عَسْكر فَتَوَافَعُوا، وخَرَجَ جماعةٌ، ورجع العَسكر فعاد هو إلى النَّهب، فردَّ إليه العَسكر وعليهم شُكر الخادم، فترحل إلى ناحية خُراسان(٢). وفيها كانت بالرَّيِّ وقَزْوين زلزلةٌ عظيمةٌ. وفيها قال رجلٌ لطَخَّان: أعْطني كارةَ دقيقٍ. فقال: لا. فقال: واللهِ ما أبْرحُ حتى آخُذ. فقال الطَّخَّان: وحَق عليّ الذي هو خَيْر من الله ما أُعطيك. فشَهِدَ عليه جماعةٌ، فَسُجن أيامًا. ثم ضُرب مئة سَوْط، وسُوِّد وجهُهُ وصُفعَ والنَاسِ يَرْجُمونه، وأُعيدَ إلى الحَبْس(٣). وجلس ابن الجَوْزي في السَّنة غير مرة يَحْضُر فيها الخليفة. وفيها كانت وَقْعة الكنز مُقَدَّم السُّودان بالصَّعيد؛ جَمَعَ خَلقًا كبيرًا، وسار إلى القاهرة في مئة ألف ليُعيد دَولة العُبَيديين، فخرج إليه العادل سيف الدِّين (١) المنتظم ٢٦٢/١٠، وكل الحوادث منه ما لم يُصرِّح بغيره. (٢) المنتظم ٢٦٤/١٠. (٣) المنتظم ٢٦٧/١٠. ٤٦٣ وأبو الهَيْجا الهَكَّاري وعزّ الدين مُوسَك فالتقوا، فقُتل الكَنز، وما انتطح فيها عَنْزان، وقُتل خَلْقٌ كثيرٌ من جُموعه، حتى قيل: إنه قُتل منهم ثمانون ألفًا. كذا قال أبو المُظفَّر بن قزغلي(١)، فالله أعلم بذلك(٢). وفيها أخذَ صلاحُ الدِّين مَنْبجَ من صاحبها قُطب الدِّين ينال بن حَسَّان المَنْبجي، وكان قد وَلأَه إيَّاها المَلِكُ نورُ الدِّين لمَّا انتزعها نور الدين من أخيه غازي بن حَسَّان(٣) . وفيها حاصَرَ صلاح الدين خَلَب مدة، ثم وَقَعَ الصُّلح وأبْقَى حَلَب على المَلِك الصَّالح إسماعيل ابن نور الدين وردَّ عليه عَزَاز. وعاد إلى مِصْياب (٤) بَلَد الباطنية، فَنَصَبَ عليها المجانيق، وأباح قَتْلهم، وخرَّب بلادهم، فضَرَعوا إلى شهاب الدين صاحب حَماةَ خال السُّلطان، فسَأَلَ فيهم، فترحل عنهم، وتوجه إلى مصر وأمَرَ ببناء السُّور الأعظم المُحيط بمصر والقاهرة، وجعل على بنائه الأمير قراقوش؛ قال ابن الأثير(٥): دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاث مئة ذراع بالهاشمي(٦)، ولم يزل العَملُ فيها إلى أن مات صلاح الدين. وقال أبو المُظفَّر ابن الجَوْزي (٧): ضَيَّعَ فيه أموالاً عظيمةً، ولم يَنتفع به أحدٌ . وأمَرَ بإنشاء قَلعة بجبل المقطَّم وهي التي صارت دار السَّلطنة . قال ابن واصل(٨): شَرَعَ بهاء الدين قراقوش الأسدي فيها(٩)، وقَطع (١) مرآة الزمان ٣٣٨/٨. (٢) إنما يقول ذلك لما هو معروف عن سبط ابن الجوزي من المجازفة التي صَرَّح بها المصنف، وسيصرح غير مرة. (٣) ينظر زبدة الحلب ٢٨/٣، وتلخيص مجمع الآداب لابن الفوطي ٤ / الترجمة ٢٩٥٥. (٤) آخره باء قيده ياقوت في معجم البلدان، وقال (١٤٤/٥ ط. بيروت): ((حصن حصين مشهور للإسماعيلية بالساحل الشامي قرب طرابلس، وبعضهم يقول: مصياف»، ووجدناه في النسخ بالباء الموحدة. وكذلك هو في مراصد الاطلاع ٣/ ١٢٨٠. (٥) الكامل ١١/ ٤٣٧. (٦) في أ ود: ((بالقاسمي))، وما هنا من النسخ الأخرى، وهو الذي في الكامل ومفرج الکروب ٥٢/٢، وغيرهما. (٧) مرآة الزمان ٣٣٨/٨. (٨) يعني: في بناء القلعة. (٩) مفرج الكروب ٢/ ٥٣ - ٥٤ . ٤٦٤ الخَندق وتَعميقه، وحفر واديه، وهناك مَسجد سَعد الدَّولة، فدخل في القَلعة، وحَفَرَ فيها بئرًا كبيرًا في الصَّخر. ولم يتأثَّ هذا بتمامه إلا بعد موت السُّلطان بمدة. وبعد ذلك كَمَّلَ السُّلطان المَلِك الكامل ابن أخي صلاح الدين العِمَارات بالقَلعة وسَكَنها، وهو أول من سَكَنها، وإنما كان سُكناه وسُكنى من قبله بدار الوزارة بالقاهرة. ثم سافر إلى الإسكندرية، وسمع فيها من السِّلَفي، وتردّد إليه مرَّاتٍ عديدةً، وأسمع منه وَلَديه؛ المَلِك العزيز والمَلِك الأفضل. ثم عاد إلى مصر وبَنَى تُربة الشافعي. سنة ثلاث وسبعین وخمس مئة في أولها دَخَل بغداد تتامش الأميرِ الذي خرج مع قَيْماز، ونَزَلَ تحت التَّاج، وقَبَّلَ الأرض مرارًا، فعُفي عنه، وأُعطي إمرية(١). وحَضَرَ ابن الجَوْزي مرتين فوَعَظَ، وأميرُ المؤمنين يَسمعُ، واجتمع خَلقٌ لا يُخْصّون . وجَرَت ببغداد هَمْرَجة، وقُبضَ على حاجب الحُجَّاب وعلى جماعةٍ. قال ابن الجوزي(٢): وجاءتني فَتوى في عَبدٍ وأمةٍ، أعتقهما مَولاهما، وزوَّج أحدهما بالآخر، فبقيت معه عشرين سنةً، وجاءت منه بأربعة أولاد، ثم بانَ الآن أنها أُختُهُ لأَبَوَيه، وقد وَقَعا في البُكاء والنَّحيب. فعجبتُ من وقوع هذا، وأعلمتُهما أنه لا إثمَ عليهما، وبوجوب العدَّة، وأنه يجوزُ له النَّظرُ إليها نَظَرَه إلى أُخته، إلا أن يخافَ على نفسه. وفي ليلة رجب تكلمتُ(٣) تحت المنظرة الشَّريفة، والخليفةُ حاضرٌ ومن الغَدِ حَضرنا دعْوةَ الخليفة التي يَعْملُها كلَّ رجب، وحَضَرَ الدَّولة والعُلماء والصُّوفية، وخُتمت خَتمةٌ، وخُلعَ على جماعةٍ كثيرةٍ، وانصرفَ من عادتُهُ الانصراف، وبات الباقون على عادتهم لسماع الأبيات، وفُرِّق عليهم المال. (١) المنتظم ٢٦٩/١٠، والأخبار كلها منه ما لم يصرح بغيره. (٢) المنتظم ٢٧١/١٠. (٣) المتكلم هو ابن الجوزي. تاريخ الإسلام ٣٠٣/١٢ ٤٦٥ وفيها عَمِلَ الخليفةُ مَسجدًا عظيمًا ببغداد، وجَعَلَ إمامهُ حنبليًا، وزَخرفه، وتقدَّم إليَّ فصليتُ فيه التَّراويح. وتكلَّمتُ في رمضان في دار صاحب المَخْزن وازدحموا، وكان الخليفةُ حاضرًا. وفي شوال هَبَّت ريحٌ عظيمةٌ ببغداد، فَزَلْزَلت الدُّنيا بتُرابٍ عظيمٍ، حتى خِيفَ أن تكون القيامة. وجاء بَرَدُ ودامَ ساعةً، ووَقَعت مَواضع على أقْوام، ومات بعضُهم. وتهيَّأ الوزير ابن رئيس الرُّؤساء للحجِّ، فقيل: إنه اشترى ست مئة جَمَل، منها مئة للمُنقطعين. ورحل في ثالث أو رابع ذي القَعْدة، فلمَّا وَصَلَ في المَوْكب إلى باب قَطُفتا قال رجل: يا مَوْلانا أنا مَظْلومٌ، وتقرَّبَ، فزجره الغِلْمان، فقال: دعوه. فتقدَّم إليه، فضَرَبه بسِكِّين في خاصرته، فصاح الوزير: فَتَلني. ووَقَعَ وانكشف رأسُهُ، فغطّى رأسَهُ بكُمِّه على الطريق، وضَرب ذلك الباطني بسيف، فعاد وضَرَبَ الوزير، فَهَبَرُوه بالسُّيوف وقيل: كانوا اثنين، وخرج منهم شابٌ بيده سِكِّين فقُتل، ولم يعمل شيئًا، وأُحرقَ الثَّلاثة. وحُمل الوزير إلى دارٍ، وجُرح الحاجب. وكان الوزير قد رَأى أنه مُعانق عثمان رضي الله عنه، وحَكَّى عنه ابنه أنه اغتسل قبل خُروجه، وقال: هذا غُسل الإسلام فإني مَفْتولٌ بلا شك. ثم مات بعد الظُّهر، ومات حاجبُهُ باللَّيل. وعُمل عَزَاء الوزير، فلم يَخْضره إلا عددٌ يسيرٌ، فتُعُجِّب من هذه الحال فإنه قد يكون عَزَاءُ تاجر أحسنَ من ذلك. وكان انقطاع الدَّولة إرضاءً لصاحب المَخْزن. ولما كان في اليوم الثاني لم يَقْعد أولادُهُ، فلمَّا عَلمَ السُّلطان بالحال أمَرَ أرباب الدَّولة بالحُضور فحَضَروا، وتكلَّمتُ على كُرسي(١). ثم وَلَيَ ابن طَلحة حِجَابة الباب، وبَعَثَ صاحب المَخْزن بعلامة بعد ثلاثٍ إلى الأمير تتامش فحَضَرَ، فوَكَّل به في حُجرةٍ من داره، ونَقَّذَ إلى بيته، فأُخذت الخَيْلِ والكُوسات وكل ما في الدَّار. واختلفت الأراجيف في نيَّته، وقيل: إنه الُّهم بالوزير، وخِيفَ أن تكون نِيَّتُه رديئة للخليفة، فقيل: إنه كاتَبَ (١) المنتظم ١٠/ ٢٧٣ - ٢٧٤. ٤٦٦ أُمراء خُراسان، وما صحَّ ذلك. وناب صاحب المخزن في الوزارة(١). وجاء أهلُ المدائن فشَكَوا من يهود المَدائن، وأنَّهم قالوا لهم: قد أَذَيتمونا بكثرة الأذان. فقال المُؤذِّن: لا نُبالي تأذَّيتم أم لا. فتناوشوا وجَرَت بينهم خُصومةٌ استظهر فيها اليهود، فجاء المسلمون مُسْتصرخين إلى صاحب المَخزن، فأمَرَ بحَبْس بعضهم، ثم أطلقهم فاستغاثوا يوم الجُمُعة بجامع الخليفة، فخفَّفَ الخطيب. فلمَّا فرغت الصَّلاة استغاثوا، فخَرَجَ إليهم الجُند فضَرَبوهم ومَنَعوهم، فانهزموا، وغضبَ العوامُ نُصرةً للإسلام، فضَجُوا وشَتَموا، وقَلَعوا طَوابيق الجامع، وضَرَبوا بها الجُند وبالآجُرِّ، وخرجوا فنَهَبُوا المخلطين، لأن أكثرَهم يهود. فوقف حاجب الباب بيده السيف مَجْذوبًا، وحَمَلَ على الناس ثانية فَرَجموه، وانقلب البَلَد، ونهبوا الكنيسة، وقَلَعوا شَبَابِيكَها، وقَطَّعوا التوراة، واختفى اليهود. فتقدَّم الخليفةُ بإخراب كنيسة المدائن، وأن تُجعل مَسجدًا(٢). وبعد أيام أُخرج من الحَبس لُصوص قطعوا الطَّريق، فَصُلبوا بالرَّحبة، و کان منهم شابٌ هاشميٌّ. وفيها وَقْعة الرَّملة، فسار السُّلطان صلاح الدين من القاهرة إلى عَسْقلان فَسَبِى وغَنِمَ، وسار إلى الرَّملة، فخرج عليه الفِرَنج مطلبين وعليهم البِرنس أرناط صاحب الكَرَك، وحَمَلوا على المُسلمين، فانهزموا، وثَبَتَ السُّلطان وابن أخيه المُظفَّر تقي الدين عُمر، ودَخَل الليل، واحْتَوَت المَلاَعينُ على أثقال المسلمين، فلم يَبْقَ لهم قُدرةٌ على ماءٍ ولا زادٍ، وتعسَّفوا تلك الرِّمال راجعين إلى مصر، وتمَّقوا وهَلَكت خيلُهم. ومن خَبَر هذه الوَقْعة أنَّ الفقيه عيسى أُسرَ، فافتداه السُّلطان بستين ألف دينار، وكان مَوْصوفًا بالشَّجاعة والفضيلة، أُسرَ هو وأخوه ظهير الدين، وكانا قد ضَلَّ عن الطريق بعد الوَقْعة. ووَصَلَ صلاح الدين إلى القاهرة في نصف جُمادى الآخرة. (١) المنتظم ٢٧٤/١٠. (٢) المنتظم ٢٧٥/١٠. ٤٦٧ قال ابن الأثير (١): رأيتُ كتابًا بخطُّ يده كَتَبه إلى شمس الدَّولة تُورانشاه، وهو بدمشق، يذكرُ الوَقعة، وفي أوله: ذكرتكَ والخَطِّيُّ يخطُرُ بِينَنَا وقد نَهَلَت منا المثقَّفَةُ السُّمرُ ويقول فيه: لقد أشرفنا على الهَلاك غير مرة، وما نجَّانا الله إلا لأمرٍ یریدُهُ. وما ثبتت إلاّ وفي نفسها أمرٌ وقال غيره: انهزم السُّلطان والناس، ولم يكن لهم بَلَدٌ يَلْجؤون إليه إلا مصر، فَسَلِكوا البَرِّية، ورأوا مَشَاقًا، وقَلَّ عليهم القُوتُ والماءُ، وهلكت خيلُهم، وفُقد منهم خَلقٌ. ودخل الشُّلطان القاهرةَ بعد ثلاثة عشر يومًا، وتَواصَلَ العَسْكر، وأسَرَ الفِرَنج منهم، واستُشهِد جماعةٌ، منهم أحمد وَلَدُ تقي الدين عُمر المَذْكور، وكان شابًا حَسنًا له عشرون سنة. وكان أشدَّ الناس قتالاً يومئذٍ الفقيه عيسى الهَكَّاري. وحَمَلت الفِرَنج على صلاح الدين، وتكاثَروا عليه، فانهزم يسيرُ قليلاً قليلاً. وكانت نَوبةٌ صَعبةً. وفيها نزلت الفِرَنج على حَمَاة، وهي لشهاب الدین محمود بن تِکِش خال السُّلطان، وكان مريضًا، وكان الأميرُ سيفُ الدين المَشْطوب قريبًا من حَماة، فدخلها وجَمَعَ الرِّجال، فزحفت الفِرَنج على البَلَد، وقاتَلَهم المسلمون قتالاً شديدًا مدَّةَ أربعة أشهر، ثم ترحلوا عنها. وأما السُّلطان فإنه أقام بالرّملة أيامًا بمن سَلِمَ معه، ثم خرج من مصر، وعيّد بالبِرْكة، ثم كَمَّل عدة جيشه، فَبَلَغْهُ أمرُ حَماة، فأسرع إليها، فلمَّا دخل دمشق تحقَّق رحيل الفِرَنج عن حَماة. وعَصَى الأمير شمس الدين محمد بن المُقدَّم ببَعْلَبك، فكاتَبَه السُّلطان وترقّق به، فلم يُجب، ودام إلى سنة أربع . وجاء كتاب ابن المَشْطوب أنَّ الذي قُتل من الفِرَنج على حَماة أكثر من ألف نَفس . ووردت مطالعة القاضي الفاضل إلى صلاح الدين تتضمَّنُ التَّوَجُّع لقَتل الوزير عضُد الدين ابن رئيس الرُّؤساء، وفيها: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِّلْعَبِيدِ [فصلت] فقد كان - عفا اللهُ عنه - قَتَلَ وَلَدي الوزير ابن هُبَيرة، وأزهق أنفُسَهما (١) الكامل ٤٤٣/١١ . ٤٦٨ وجماعةً لا تُحصى، وهذا البيت، بيت ابن المُسلمة، عريقٌ في القَتل. وجَدُّهُ هو المَقْتول بيد البَسَاسِيري. ثم قال: وقد خُتمت له السَّعادة بما حُتِّمت له به الشَّهادة لاسيَّما وهو خارجٌ من بيته إلى بيت الله، ووَقَعَ أجرُه على الله : إِنَّ المَساءةَ قد تَسُرُّ وربما كان السُّرورُ بما كَرِهتَ جَديرا إنَّ الوزيرَ وزيرَ آلِ محمدٍ أوْدَى فمن يَشناكَ كان وزيرا وهما في أبي سلمة الخَلَّل وزير بني العباس قبل أن يستخلفوا(١). سنة أربع وسبعين وخمس مئة قال ابن الجَوْزي(٢): تكلَّمتُ في أول السَّنة وفي عاشوراء تحت المَنظرة، وحَضَرَ الخليفة، وقلتُ: لو أني مَثُلت بين يَدَي السُّدَّة الشريفة لقلتُ: يا أمير المؤمنين، كُن الله سبحانه مع حاجتك إليه، كما كان لك مع غِناه عنك. إنه لم يجعل أحدًا فوقك، فلا تَرْضَ أن يكون أحدٌ أشكرَ له منك. فتصدَّقَ أميرُ المؤمنين يومئذٍ بصَدَقات، وأَطْلَقَ مَخْبوسين. وانكسفَ القمر في ربيع الأول، وكُسفت الشمس في التاسع والعشرين منه أيضًا. ووَلَدت امرأةٌ من جيراننا ابنًا وبنتين في بطن، فعاشوا بعض يوم. وفيها جَدَّد المُستضيء قَبْرَ أحمد بن حنبل رحمه الله، وعُملَ له لَوْحٌ فيه: (هذا ما أمَر بعَمَله سيِّدُنا ومَوْلانا الإمامُ المُستضيء بأمرِ الله أمير المؤمنين)). هذا في رَأْس اللَّوح. وفي وَسَطه: ((هذا قَبْرُ تاج السُّنَّة، ووحيد الأمة، العالي الهِمَّة، العالم، العابد، الفقيه، الزَّاهد، الإمام أبي عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل الشَّيباني رحمه الله، توفي في تاريخ كذا وكذا)). وكُتب حَوْل ذلك آية الگُرسي(٣). وتكلَّمتُ (٤) في جامع المنصور، فاجتمع خَلائق، وحُزر الجَمع بمئة ألف (١) والبيتان لسليمان بن المهاجر البجلي. ينظر وفيات الأعيان ١٩٦/٢. والخبر نقله المصنف من الروضتين ٢٧٨/٢ . (٢) المنتظم ٢٨٣/١٠. (٣) المنتظم ٢٨٣/١٠ - ٢٨٤. (٤) المتكلم هو ابن الجوزي. ٤٦٩ وتاب خَلقٌ، وقُطِّعت شُعورهم. ثم نزلتُ فمضيتُ إلى قَبْر أحمد بن حنبل، فتَبِعني من حُزر بخمسة آلاف. وفيه أُطلق الأمير تتامش إلى داره. وتقدَّم المُستضيء بعَمَل دَكَّة بجامع القَصر للشّيخ أبي الفَتح بن المَنِّي الحنبلي، وجلس فيها، فتأثَّر أهل المذاهب من عَمَل مَوَاضع للحنابلة . · وكان الوزير عضُد الدين ابن رئيس الرُّؤساء يقول: ما دخلتُ قط على الخليفة إلا أجْرَى ذِكرُ فلان، يَعنيني، وصارَ لي اليوم خمسُ مدارس، ومئة وخمسون مُصنَّفًا في كلِّ فنٌّ. وقد تاب على يدي أكثر من مئة ألف، وقُطّعتُ أكثر من عشرة آلاف طائلة، ولم يَرَ واعظْ مثل جَمعي، فقد حَضَرَ مَجلسي الخليفةُ والوزيرُ وصاحبُ المَخزن وكبارُ العُلماء، والحمد لله. وفي رجب عَمِلَ المُستضيء الدَّعوة، ووَعَظتُ وبالَغتُ في وَعظ أمير المؤمنين، فمما حكيتهُ أنَّ الرشيد قال لشيبان: عِظْني. قال: لأنْ تَصحبَ من يُخوِّفك حتى يُدْركك الأمنُ خيرٌ لك من أن تَصحب من يُؤْمِّنك حتى يُدركك الخَوْف. قال: فَسِّر لي هذا. قال: من يقول لك أنت مَسْؤول عن الرَّعية فاتَّقِ الله، أنْصحُ لك ممن يقول: أنتم أهلُ بيتٍ مغفورٌ لكم، وأنتم قَرابةُ نبيِّكم. فبَكَى الرشيد حتى رحمَه من حوله. وقلت له في كلامي: يا أميرَ المؤمنين إن تكلَّمتُ خِفتُ منك، وإن سكتُ خِفتُ عليك، وأنا أُقَدِّم خَوْفي عليك على خوفي منك. وفي رمضان جاء مُشَعبذ فذكر أنه يُضْرَب بالسَّيف والسكين، ولا يؤثر فیه، لکن بسیفه، وسِكِّینه خاصة. وفيه أُخذ ابن قرايا الذي ينشدُ على الدَّكاكين من شِعر الرَّافضة، فوجدوا في بيته كُتُبًا في سَبِّ الصحابة، فقُطع لسانُهُ ويدُهُ، وذُهبَ به إلى المارستان، فَرَجَمته العوامُ بِالْآَجُر فهَرَبَ وسَبَحَ وهم يضربونه حتى مات. ثم أخرجوه وأحرقوه، وعَمِلَت فيه العامةُ كان وكان. ثم تُتُبِّع جماعةٌ من الرّوافض، وأُحرقت كُتُبُّ عندهم، وقد خَمَدت جَمرتُهم بمرة، وصاروا أذلَّ من اليهود(١). (١) المنتظم ٢٨٥/١٠ - ٢٨٦. ٤٧٠ ولم يخرج الرَّكبُ العراقيُّ لعَدَم الماءِ والعُشبِ، وكانت سنة مُقحطة. وحجَّ من حجَّ على خَطَر. ورجع طائفةٌ فنزلت عليهم عَرَبٌ، فأخذوا أكثر الأموال، وقُتل جماعةٌ. وفي ذي القَعدةِ هَبَّتِ ببغداد ريحٌ شديدةٌ نصف اللَّيل، وظهرت أعْمدةٌ مثل النار في أطراف السَّماء كأنها تتصاعدُ من الأرض، واستغاثَ الناسُ استغاثةً شديدةً، وبَقيَ الأمر على ذلك إلى السَّحَر. قال ابن الجوزي: وجلستُ يوم الجُمُعة بباب بَدْر، وأمير المؤمنين يسمعُ. وفيها اجتمعت الفِرَنج عند حِصْن الأكراد، وسار السُّلطان المَلِك الناصر صلاح الدين فنزل على حِمْص في مُقابلة العدوِّ. فلما أمنَ من غاراتهم سار إلى بَعْلَبَك، فنزل على رَأْس العَيْن، وأقام هناك أشهرًا يُراود شمسَ الدين ابن المُقدَّم على طاعته، وهو يَأْبى. ولم يزل الأمرُ كذلك إلى أن دخل رمضان، فأجاب شمس الدين إلى تَسْليم بَعْلَبَك على عِوَضٍ طَلَبه. فتسلَّمها السُّلطان، وأَنْعمَ بها على أخيه المُعظّم شمس الدولة تُورانشاه بن أيوب. وسار إلى دمشق في شوال. ثم أقطعَ أخاه شمسَ الدَّولة تُورانشاه بمصر، واستردَّ منه بَعْلَبك. قال ابن الأثير(١): وفي ذي القَعدة أغارت الفِرَنج على بلاد الإسلام وعلى أعمال دمشق، فسارَ لحَرْبهم فَرُخشاه ابن أخي السُّلطان في ألف فارس، فالتقاهم وألْقَى نفسه عليهم، وقَتَلَ من مُقدَّميهم جماعةً، منهم هنفري، وما أدراك ما هنفري! به كان يُضرب المَثَلَ في الشَّجاعة . وفيها أغار البرنس صاحب أنطاكية على ناحية شَيْزَر. وأغار صاحب طَرَابُلس على الُّرْكُمان . وفيها أنْعمَ السُّلطان على ابن أخيه المَلِك المُظفَّر تقي الدين عُمر بن شاهنشاه بن أيوب بحَماة، والمَعَزَّة وفامِيَة ومَنْبج وقَلْعة نَجم، فتسلَّمها وبعث نُوَّابه إليها، وذلك عند وَفَاة صاحب حَماة شهاب الدين محمود خال السُّلطان. ثم تَوَجَّه إليها المَلِك المُظفَّر تقي الدين، ورُبِّب في خِدْمته أميران كبيران شمس الدين ابن المُقدَّم، وسيف الدين علي ابن المَشْطوب، فكانوا في مُقابلة صاحب (١) الكامل ٤٥٢/١١ - ٤٥٣. ٤٧١ أنطاكية. ورُبِّب بحِمْص ابن شيركوه في مُقابلة القومص. وجاء من إنشاء الفاضل: وأما ما أمَرَ به المَوْلى من إنشاء سُور القاهرة، فقد ظهر العَملُ، وطلع البِناءُ، وسلكت به الطريق المؤدية إلى الساحل بالمقسم. والله يُعَمِّر المَوْلى إلى أن يراه نِطَاقًا على البَلَدين، وسورًا بل سِوارًا يكون الإسلام به مُحَلَّى اليَدَين، والأمير بهاء الدين قراقوش مُلازم للاستحثاث بنفسه ورجاله (١). قلتُ: وهذه السَّنة هي آخر ((المُنتظم)). سنة خمس وسبعين وخمس مئة أجاز لنا شيخُنا أبو بكر مَحْفوظ بن معتوق بن أبي بكر بن عُمر البَغْدادي ابن البُزُوري التاجر(٢) قد ذيَّل ((المُنتظم)) في عدة مُجلَّدات ذهبت في أيام الَّار الغازانية سنة تسع وتسعين وست مئة من خِزانة كُتُبه المَوْقوفة بتُربته بسَفح قاسِيون، ثم ظَفَرْناً ببعضها. فذَكَرَ في حوادث هذه السَّنة، سنة خمس وسبعين وخمس مئة، أن أبا الحسن علي بن حمزة بن طَلحة حاجب باب الثُّوبي عُزل بعَمِيد الدين أبي طالب يحيى بن زيادة. وفي صفر وَصَلَ إلى بغداد ثلاثة عشر نجَّابًا نَفَّذَهم صلاح الدين يُبشِّرون بكَسرة الفِرَنج، فضُربت الطُّبول على باب الثُّوبي، وخُلع عليهم. وأخبروا أن صلاح الدين حارب الفِرَنج ونُصرَ عليهم، وأسَرَ أعيانهم، وأسَرَ صاحبَ الرَّملة وصاحبَ طَبَرِيَّة . قلتُ: وهي وَقعة مَرج العيون. ومن حديثها أنَّ صلاح الدين كان نازلاً بتلِّ بانياس يبثُ سَرَاياه، فلما استَهلَّ المُحرَّم ركبَ فرأى راعيًا، فسأله عن الفِرَنج، فأخبر بقُربهم، فعاد إلى مُخيَّمه، وأمَرَ الجيش بالرُّكوب، فرَكِبوا وسار بهم حتى أشرف على الفِرَنج وهم في ألف قنطارية، وعشرة آلاف مُقاتل من فارس وراجل، فحملوا على المسلمين فثبت لهم المسلمون وحملوا عليهم، فوَلَّوا الأدبار، فقُتل أكثرُهم، وأُسر منهم مئتان وسبعون أسيرًا، منهم بادين (١) الخبر من الروضتين ٢/٢، وهو في مفرج الكروب ٦٧/٢ . (٢) توفي سنة ٦٩٤ هـ. وينظر معجم شيوخ الذهبي ١٢٧/٢ - ١٢٨. ٤٧٢ مقدَّم الدَّاويَّة، وأود بن القومصة، وأخو صاحب جُبَيل، وابن صاحب مَرَقِيَّة، وصاحب طَبَرِيَّة. فأما بادين بن بارزان فاستَفَكَّ نفسه بمَبلغ وبألف أسيرٍ من المسلمين. واستَفَكَّ الآخرُ نفسه بجُملة. ومات أود في خَبس قَلْعة دمشق. وانهزم من الوقعة مَلكُهم مَجْروحًا. وأبلى في هذه الوَقعة عِزُّ الدين فَرُّخشاه بلاءً حَسنًا. واتفقَ أن في يوم الوَقعة ظَفَرَ أُسطول مصر ببُطْسَتين، وأسَروا ألف نَفس، فلَّله الحَمد على نَصْرِه. وكان قَليج أرسلان سُلطان الرُّوم طالب حِصْن رَعبان، وزَعَمَ أنه من بلادهم، وإنما أخذه منه نور الدين على خلاف مُراده، وأن وَلَده الصالح إسماعيل قد أنْعمَ به عليهم. فلم يفعل السُّلطان، فأرسل قَلِيج عشرين ألفًا لحِصار الحِصْن، فالتقاهم تقي الدين عُمر صاحب حَماة ومعه سيف الدين علي المَشْطوب في ألف فارس، فهزمهم لأنه حَمَل عليهم بَغْتَةً وهم على غير تَعْبئة، وضُربت كُوساته، وعَمِلَ عَسكره كراديس. فلمَّا سَمِعت الرُّومِ الضَّجَّة ظنُّوا أنَّهم قد دَهَمَهم جَيشٌ عظيمٌ، فرَكِبوا خيولَهم عُرِيًا، وطَلَبوا النَّجاة وتَرَكوا الخِيام بما فيها. فأسَرَ منهم عَدَدًا، ثم مَنَّ عليهم بأموالهم وسرَّحهم. ولم يزل تقي الدين يُدلُّ بهذه النُّصرة، ولا ريب أنها عظيمة . ووَرَدَ بغداد رسولُ صلاح الدين، وهو مُبارز الدین کشطغاي، وجلس له ظهير الدين أبو بكر ابن العَطَّار، وبين يديه أرباب الدَّولة، فجاؤوا بین یدیہ اثنا عشر أسيرًا عليهم الخُوَذ والزَّرَدِيَّات، ومع كل واحدٍ قنطارية، وعلى كَتفه طارقة منها طارقة مَلِك الفِرَنج، وعلى القنطاريات سُعف الفِرَنج. وبين يديه أيضًا من التُّحف والنَّفائس، من ذلك صَنَم حجر طولُهُ ذراعين، فيه صناعة عجيبة، قد جعل سَبَّابته على شَفَته كالمُتبسِّم عَجَبًا. ومن ذلك صينية مَلأَى جَوَاهر، وضِلع آدمي نحو سبعة أشبار، في عَرْض أربع أصابع، وضِلع سَمَكة، طوله عشرة أَذْرُع، في عَرض ذراعين. وفيها رُبِّب حاجب الحُجَّاب أبو الفَتح محمد ابن الدَّاريج، وكان من حُجَّاب المناطق. وفيها قَدِمَ رسولُ صلاح الدين، وهو القاضي أبو الفضائل القاسم ابن الشَّهرزوري، وبين يديه عشرة من أسرى الفِرَنج، وقدَّم جَواهر مثمَّنَة . ٤٧٣ وفيها عُزل عن نَقابة النُّقباء أبو العباس أحمد ابن الزَّوال بأبي الهَيْجا نَصر ابن عَدنان الزَّينبي . وفي شوال مَرِضَ الخليفة وأُرْجف بموته، وهاش الغَوْغاء ببغداد، وِوَقَعَ نَهبٌ، ورَكِبَ العَسكر لتَسْكينهم، فتفاقَمَ الشَّر، واتَّسع الخَرق، ورَكِبَت الأُمراء بالسِّلاح، وصُلب جماعةٌ من المؤذين على الذَّكاكين. وكانت العامة قد تسوَّروا على دار الخلافة، ورموا بالتُّشَّاب فوَقَعت نُشَّابةٌ في فَرَس النائب ومعه جماعةٌ، فتأخَّروا من مكانهم. وفيه وُقِّعَ للأمير أبي العباس أحمد بولاية العَهد. وقال الوزير لمن حَضَرَ من الدَّولة: اليوم الجُمُعة، ولابُدَّ من إقامة الدَّعوة والجهة بنَفْشا، يعني امرأة الخليفة قد بالغت في كَتْم مَرَض أمير المؤمنين، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتيقُّن الأمر، فإنْ كان حيًا جَرَت الخطبة على العادة، وإنْ كان قد توفي خَطَبنا لوَلَده حيث وُقِّع له بولاية العَهْد. ثم عين الشَيْخ أبو الفضل مسعود ابن النَّادر ليَحْضُر بين يدي الخليفة، فدخل صُحبة سَعد الشَّرابي، وقَبَّل الأرض وقال: المَمْلوك الوكيل، يُشير بقَوله إلى ظهير الدين ابن العَطَّار يُنهي أنه وُقِّع بالخُطبة للأمير أحمد بولاية العَهْد، وما وَسِعَ المَمْلوك إمضاء ذلك بدون المشافَهة. فقال المُستضيء: يُمضى ما كنَّا وَقَعنا به. فقبَّلَ الأرض، وعاد فأخبر الوزير ظهير الدين فسجدَ شُكرًا لله تعالى على عافيته، وخُطبَ بولاية العَهْد لأبي العباس، ونُثرت الدَّنانير في الجوامع عند ذكره. وفي شوال مَلَكَ عبدالوهاب بن أحمد الكُردي قَلْعة الماهكي، وعَمِلَ سلالم مَوْصولة، ونَصَبها عليها في ليلةٍ ذات مَطَرٍ ورعدٍ، فَشَعَرَ الحارس، فذهب وعرَّف المُقدَّم كمشتِكِين، فقام بيده طَبَر وبين يديه المِشْعَل، فوثَبوا عليه فقتلوه وقتلوا الحارس، ونادَوا بشِعَار عبدالوهاب. وفي سَلْخ شَوَّال مات الخليفة. وبُويع ابنه أحمد، ولَقَّبوه الناصر لدين الله، فجلس للمُبايعة في القُبَّة، فبدأ أخوه وبنو عَمِّه وأقاربُهُ، ثم دخل الأعيان، فبايعه الأُستاذدار مَجْد الدين هبة الله ابن الصاحب، ثم شيخ الشُّيوخ، ثم فَخْر الدولة أبو المُظفَّر بن المُطَّلب، ثم قاضي القُضاة علي ابن الدَّامغاني، وصاحب ٤٧٤ ديوان الإنشاء أبو الفَرَج محمد ابن الأنباري، والحاجب أبو طالب يحيى بن زيادة(١). ثم طُلب الوزير ظهير الدين ابن العَطَّار، وكان مريضًا، فأُركب على فَرَسٍ، ثم تعضَّده جماعةٌ، وأُدخل فصَعِدَ وبايَعَ، ووقف على يمين الشُّبَّاك الذي فيه الخليفة، فعَجَزَ عن القيام، فأُدخل إلى التَّاج ثم راح إلى داره. وبايَعَ مِنَ الغَدِ من بَقِيَ من العُلماء والأكابر. وتُقُدِّم بعَزل الثَّقيب أبي الهَيجا، وبإعادة ابن الزَّوال، وتَوَجَّهت الرُّسُل إلى النَّواحي بإقامة الدَّعوة الناصرية . وفي اليوم الخامس من البَيعة تُقُدِّم إلى عماد الدين صَنْدل المُقْتَفوي، وسَعد الدَّولة نَظَرَ المُستنجدي الحَبَشي بالمُضيِّ إلى دار ابن العَطَّار في عدةٍ من المماليك للقَبض عليه، فجاؤوا ودخلوا عليه من غير إذن، وقَبَضوا عليه من الحريم، وترسَّم بداره أُستاذدار، فنَهَبت العامةُ فيها، وعَجَزَ الأُستاذدار. وفي سادس ذي القَعدة خلعَ على طاشتِكِين خِلْعة إمرة الحاجِّ، وتوجَّه إلى الحجِّ وتقدَّمه خروج الرَّكب. وفُيِّد ابن العَطَّار، وسُحب وسُجن في مُطبق، فهَلَكَ بعد ثلاثٍ، وحُمل إلى دار أُخته، فغُسِّل وكُفِّن، وأُخرج بسَحَرٍ في تابوت، ومعه عدةٌ يَحْفظونه، فعرفت العامة به عند سوق الثلاثاء، فَسَبُّوهُ وهُّوا برَجمه، فدافعهم الأعوان، فكثُرت الغَوْغاء، وأجْمعوا على رَجمه، وشَرَعوا، فخاف الحَمَّالون من الرَّجم، فوضعوه عن رُؤُوسهم وهربوا، فأُخرج من التابوت وسُحبَ، فتعرَّى من أكفانه، وبدت عَوْرتُه، وجعلوا يصيحون بين يديه: بسم الله، كما يفعل الحُجَّاب، وطافوا به المَحَال والأسواق مَسْلوبًا مَهْتوكًا، نَسألُ الله السِّتر والعافية. قال ابن البُزُوري: وحَكَى التَّيمي(٢)، قال: كنتُ بحضرته وقد وَرَدَ عليه (١) بالباء الموحدة بعد الزاي، قيده المنذري في التكملة ١/ الترجمة ٤٥٨، وستأتي ترجمته في وفيات سنة ٥٩٤ من هذا الكتاب. (٢) يشير بذلك إلى أبي بكر عبيدالله بن علي بن نصر المعروف بابن المارستانية المتوفى سنة ٥٩٩ هـ والذي كتب تاريخًا لبغداد، وهو مُتكلّم فيه (ينظر كتابنا: تواريخ بغداد التراجمية، ص ١٠ - ١١) ولم يصل إلينا هذا الكتاب. ٤٧٥ شيخٌ يَلُوحُ عليه الخَيْرِ، فجعل يعظُه بكلام لطيفٍ، ونهاه عن مُحرَّماتٍ، فقال: أخرجوہ الكلب سَحْبًا. وكَرَّره مرارًا. وقال المُوفَّق عبداللطيف: صَحَّ عندي بعد سنين كثيرةٍ أنَّ ابن العَطَّار هو الذي دَسَّ الحَشِيشية على الوزير عَضُد الدين حتى قَتَلوه. وَلَيَ المَخزن وسَكَنَ في دار قُطب الدين قَيماز الذي هَلَكَ بنواحي الرَّحبة، وأخذ يجيب على الوزير، وانتصب لعداوته . قال ابن البُزُوري: ثم في آخر النَّهار خَلَّص مماليك الحاجب ابن العَطَّار من باب الأَزَج بعد تغيُّر حاله وتجرُّد لَحمه عن عَظمه فحُمل على نَعْشٍ مکشوف، فوارتهُ امرأةٌ بازار خلیع. ثم دُفن. وكان الوَبَاء والغَلاء والمَرَض شديدًا ببغداد، وكَرُّ القَمح بمئة وعشرين دینارًا . وفي سَلخ الشَّهرِ خُلع على جميع الدَّولة، وأُرسلت الخِلَع إلى مُلوك الأطراف، وركِبوا بالخِلَع في مُستِهَل ذي الحجّة، وجَلَس الناصرُ لدين الله للهناء، فدخل إلى بين يدي سُدَّته أُستاذ الدَّار مجد الدين ابن الصَّاحب، وتلاه نائب الوزارة شَرَف الدين سُليمان بن ساروس، فقبَّلا الأرض. ثم خرج نائب الوزارة فرَكِبَ، وخُلع على ابن الصاحِب قميصٌ أطلس أسود، وفرجية نسيج، وعِمامة كُحلية بعراقي، وقُلِّد سيفًا مُحَلَّى بالذَّهب، وركبَ فَرَسًا بمَرْكب ذَهب، وكَنْبُوش إبريسم، وسيف رِكاب، وضُربت الطُّبُولُ على بابه. وجاءت ببلاد الجَبَل زلْزلةٌ عظيمةٌ سقطت قِلاعٌ كثيرةٌ، وهَلَكَ خَلقٌ. سنة ست وسبعين وخمس مئة في أولها عُزل شَرَف الدين سليمان بن ساروس عن نيابة الوزارة لأجل عُلُوِّ سِنْه وثِقَل سمعه، ووَلِيها جلال الدين هبة الله بن علي ابن البخاري. وفي المحرَّم ركِبَ الناصر لدين الله إلى الكشك، وصلَّى الجُمُعة بجامع الرُّصافة . وفيه قَدِمَ رسول المَلِك ◌ُغْرُّل السُّلْجُوقي. وفيه تُقُدِّم إلى أُستاذالدار بالقَبْض على كمال الدين عُبيدالله ابن الوزير ٤٧٦ عضُد الدين محمد ابن رئيس الرُّؤساء، فنفَّذ للقَبض عليه عِزَّ الدَّولة مَسعود الشرابي في جماعةٍ من المماليك، فحُمل مَسحوبًا إلى بين يديه، فأمَرهم أن يَرْفُقوا به، وقُيِّدَ وسُجنَ. وفي صَفَر وَصَل أمير الحاجِّ وفي صُحبته صاحب المدينة عِزُّ الدين أبو سالم القاسم بن مُهَنَّا للمُبايعة. وفيها توجه السُّلطان صلاح الدين قاصدًا بلاد الأرمن وبلادَ الرُّوم ليُحارب قَلِيج رسلان بن مَسعود بن قَليج رسلان. والمُوجب لذلك أن قَلِيج زوَّج بنته بمحمد بن قرا رسلان بن داود صاحب حصن كَيْفا، ومَكَثَت عنده حينًا، وأنَّه أحبَّ مُغَنِّيّةً وشغف بها، فتزوَّجها، وصارت تحكم في بلاده، فلما سمع بذلك حَمُوه قَصَدَ بلادَهُ عازمًا على أخذ ابنته منه، فأرسل محمد إلى صلاح الدين يستنجدُ به، وكرَّرَ إليه الرُّسل. ثم استقرَّ الحال أن يَصْبروا عليه سنةً، ويُفارق المُغَنِّية(١) . ونزل صلاح الدين على حِصْنٍ من بلاد الأرْمَن فأخذه وهدَّه. ثم رجع إلى حِمْص فأتاه التَّقليد والخِلَع من الخليفة الناصر، فرَكِبَ بها بحِمْص، وكان يومًا مَشهودًا. ومن كتاب السُّلطان صلاح الدين إلى الخليفة: ((والخادم - ولله الحمد - يعدِّد سَوَابقَ في الإسلام والدولة العباسية لا يعدها أوليَّةُ أبي مسلم لأنه وَالى ثم وارى، ولا آخريَّةُ طُغرُلبك لأنه نَصَر ثم حَجَر. والخادم خَلَعَ من كان يُنازع الخلافة رداءها، وأساغ الغُصَّة التي ذخر الله للإساغة في سيفه ماءها، فرجَّل الأسماء الكاذبة الرَّاكبة على المَنابر، وأُعِزَّ بتأييدٍ إبراهيمي، فكسر الأصنام الباطنة بسيفه الظَّاهر(٢). وقال العماد الكاتب: توجه السُّلطان إلى الإسكندرية، وشاهد الأسوار التي جدَّدها، وقالٍ نَغْتنمُ حياةَ الإمام أبي طاهر بن عوف. فحَضَرنا عنده وسمعنا عليه ((المُوطَّأ)). وكتب إليه القاضي الفاضل يُهنِّيه ويقول: أدام الله دَولة المَلِك الناصر سُلطان الإسلام والمسلمين، مُحيي دَولة أمير المؤمنين، وأسعدَهُ (١) الكامل ١١ / ٤٦٤ . (٢) من الروضتين ٢٣/٢ - ٢٤. ٤٧٧ برِحلته للعِلم، وأثابه عليها. ولله وفي الله رحلتاه، وفي سبيل الله يوماه؛ يوم سَفَك ◌َمَ المَحابر تحت قَلَمه، ويوم سَفَك دَمَ الكافر تحت عَلَمه. ففي الأول يطلبُ حديث المُصطفى بََّ، فيجعل أثره عَيْنَا لا تُستَر، وفي الثاني يحفلُ لنُصرة شريعة هُداه على الضَّلال فيجعلُ عَينه أثرًا لا يظهر. إلى أن قال: وما يحسب المَمْلوك أنَّ كاتب اليَمين كتب لمَلِكِ رِحِلةً قط في طَلَب العِلْم إلا للرَّشيد، فرَحَلَ بولديه الأمين والمأمون لسماع هذا ((المُوطأ)) الذي اتَّفقت الهمَّتان الرَّشيدية والناصرية على الرَّغْبة في سماعه، والرِّحلة لانتجاعه. وكان أَصَل ((المُوطَّأ)) بسماع الرَّشيد على مالك في خزانة المصريين، فإنْ كان قد حَصَلَ بالخزانة الناصرية فهو بركة عظيمة، وإلا فَلْيُلْتَّمَس (١) وفيها أُرسل شيخُ الشُّيوخِ صَدر الدين عبدالرحيم وبشيرٌ المُستنجدي الخادم إلى السُّلطان صلاح الدين بتَقْليد ما بيده من البلاد، وهو من إنشاء قوام الدين بن زبادة(٢)، فمنه: «ولما كان الملك الأجل السَّيِّد صلاح الدين، ناصر الإسلام، عماد الدولة، جمال المِلَّة، فَخِر الأمة، صَفِي الخلافة، تاج المُلوك والسَّلاطين، قامع الكَفَرة والمُتمرِّدين، قاهر الخَوارج والمُشركين، عِز المُجاهدين، ألب غازي بك أبو يعقوب يوسف بن أيوب، أدام الله عُلُوَّه على هذه السَّجايا مُقبلاً)). وذكر التَّقليد، وفيه: آمُرُه بتَقْوى الله، وآمُرُه أنْ يتخذ . القرآن دليلاً، وآمُرُه بمحافظة الصَّلاة وحُضور الجماعة ولزوم نزاهة الحُرُمات، وآمُرُه بالإحسان وبإظهار العَدْل، وأن يَأْمر بالمعروف، وأن يَخْتاط في الثُّغور، وأنْ يجيب إلى الأمان. وآمُرُه بكذا وآمُرُه بكذا. وكُتب في صفر سنة ستٍّ وسبعین)) . وفيها وصل الفقيه هبة الله بن عبدالله من عند صاحب جزيرة قَيس رسولاً. وقَدَّم هدایا. وفي جمادى الأولى يوم الجُمُعة رَكِبَ الخليفة في الدَّست تُظله الشَّمسية (١) من الروضتين ٢٤/٢ - ٢٥ لكنه يذكر ذلك في حوادث سنة ٥٧٧، وكذلك فعل ابن واصل في مفرج الكروب ٢/ ١١٢. (٢) بالباء الموحدة، وهو يحيى بن سعيد أبو طالب البغدادي الآتية ترجمته في وفيات سنة ٥٩٤ من هذا الكتاب. ٤٧٨ السوداء وعلى كريمه(١) الطَّرْحة، والكُل مُشاة، وخَرَجَ إلى ظاهر السور، ثم ردَّ إلى جامع المنصور وصِلَّى، وأقام بكشك الملكية أسبوعًا. ورَكِبَ الجُمُعة الأخرى في مَوكبه، وصلَّى بجامع الرُّصافة، ورَكِبَ في الشَّبَّارة الطَّويلة، تُظلُّهُ القُبَّة السَّوداء، وأربابُ الدَّولة قيامٌ في السُّفُن والخَلقُ يَدْعون له. وفيها أُقطع طُغرُل الناصري الخاص البصرةَ بعد موت مُتولِيها قَسِيم الدولة بهاء الدين. وفي جمادى الآخرة ركِبَ الناصر لدين الله في مَوكبه، وخرج إلى الصَّيد، وطاف البلاد والأعمال، وغاب أُسبوعًا. وفيها وَلَيَ نيابةَ دمشق عِزّ الدين فَرُّخْشاه ابن أخي السُّلطان، وكان حازمًا، عاقلاً، شُجاعًا، مِقْدامًا كثيرَ الحُرمة. سنة سبع وسبعين وخمس مئة فيها قَصَدَ عِزُّ الدین فَرُخشاه بن شاهنشاه الگرَك بالعساکر وخرَّبها، وعاد. وكانٍ ملك الفرنج بِرِنس - لعنه الله - قد سَوَّلت له نفسه قَصد المدينة النَّبوية ليتملَّكها، فسار فَرُوَخَشاه إلى بَلَد المذكور ونَهَبه، فَآب البِرِنسُ بالخَيْبة. وفي رجب ركِبَ الخليفة في مَوكبه إلى الكشك، فنزل به، وقدم إلى بغداد بزرافة من صاحب جزيرة قَیس . وفيها أُرسل من الدِّيوان رسالة إلى السُّلطان صلاح الدين يأخذ عليه في أشياء، منها تَسَمِّيه بالمَلِك الناصر، مع عِلمه أنَّ الإمام اختار هذه السِّمَة لنفسه . وفي شعبان ساق عِزُّ الدين مَسعود، وأخذ حَلَب، وكان الصالح إسماعيل ابن نور الدین قد أوصی له بها . وفي شوال تزوَّج بأُم الصالح، ثم قايَضَ أخاه عمادَ الدين بسِنْجار، وقَدِمَ عماد الدين فتَسلَّم حَلَب . (١) أي: رأسه. ٤٧٩ سنة ثمان وسبعين وخمس مئة فيها تراخت الأسعار بالعراق . وفيها وَثَبَ على عبدالوهاب الكُردي صاحب قَلْعة الماهكي ابن عَمِّه جوبان، فأخرجه منها، ونادى بشِعار الدولة العباسية، فأُرسلت إليه الخِلْعة والتّقليد بولايتها . وفيها وَصَلَ قاضي الموصل ووزيرُها ابن الشَّهرزوري إلى الدِّيوان العزيز يطلبُ أن يتقدَّم إلى السُّلطان صلاح الدين بالارتحال عن المَوْصل، فإنَّه نزل مُحاصِرًا لها، ذاكرًا أنَّ الخليفة أقطعه إياها. فأُجيب سُؤاله، وكُتبَ إلى السُّلطان بالارتحال عنها. وسار إليه في الرسلية شيخُ الشَّيوخ صَدْر الدين عبدالرحيم . وفيها افتتح مَلِك الرُّوم قَلِيج رسلان بن مسعود بَلَدًا كبيرًا بالرُّوم كان للنصارى، وكُتب إلى الدِّيوان بالبِشارة. وافتتح فيها صلاح الدين حَرَّان وسَرُوج وسِنْجار ونَصِيبين والرَّقَّة والبيرة، ونازلَ المَوْصل وحاصَرَها، فبَهَره ما رَأى من حَصانتها (١)، فرحل عنها، وقَّصَده شاه أرْمَن بعساكر جَمَّة، واجتمع في مارِدين بصاحبها، وفَتَحَ آمد. ثم رجع إلى حَلَب فتملكها، وعَوَّض صاحبها سِنْجار. وفيها تفتَى الناصر لدين الله إلى الشيخ عبدالجبار، ولُقِّب بشَرَف الفُتُوة عبدالجبار، وخَلَعَ عليه. وكان النَّقيب لهم أبا المكارم أحمد بن محمد بن دادا ابن النِّيلي. وفتَّى الناصر لدين الله في ذلك الوَقت وَلَد رفيقه علي بن عبدالجبار، وخَلَعَ عليه وعلى النقيب. وكان عبدالجبار هذا في مبدأ أمره شُجاعًا مَشهورًا، تَهابُهُ الفِتْيان، وتخافُهُ الرِّجال، ثم تَرَكَ ذلك ولَزِمَ العبادةَ، وبَنَى لنفسه مَوضعًا، فأمَرَ الخليفة بإحضاره حين تَضَوَّع عبير أخباره، وتفتَّى إليه، وجَعَلَ المُعوَّل في شَرْعها عليه . وفيها خَرَجَ صلاح الدين من مصر غازيًا، وما تهيَّأْ له العَودُ إليها، وعاش بعد ذلك اثنتي عشرة سنة . (١) في أ: ((محاصرتها)). ٤٨٠