Indexed OCR Text
Pages 141-160
والفَلَّكي يُغيِر على نَوَاحِي الُّوس وأَغْمات، وهم كلُّهم تَنْمو أحوالُهم وتستفحل. قال صاحب ((المُعْجِب))(١): قبل وفاة ابن تُومَرْت بأيام استدعَى المُسَمَّين بالجماعة، وأهلَ الخمسين، والقُوَّاد الثلاثة: عُمر بن عبدالله الصِّنْهاجي المَعْروف بعُمر أرتاج، وعُمر بن وُمْزَال ويُعرف بعُمر إيْنتي، وعبدالله بن سُليمان، فحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: إنَّ الله سُبْحانه، وله الحَمْد، مَنَّ عليكم أيُّها الطَّائفة بتأييده، وخصَّكُم من بين أهل هذا العَصْر بحقيقة تَوْحيده، وقيّض لكم مَن ألْفاكُم ضُلَّلاً لا تَهْتدون، وعُمْيًا لا تُبْصِرون، لا تَعْرفون معروفًا ولا تُنكِرونَ مُنْكرًا. قد فَشَتْ فيكم البِدَعُ، واستهوتْكُمُ الأباطيل، وزيَّن لكم الشَّيْطانُ أباطيلَ وتُزَهات أُنزِّه لِساني عن النُّطْق بها، فهداكم الله به بعد الضَّلالة، وبَصَّرَكم به بعد العَمَى، وجَمَعَكُم بعد الفُرْقَة، وأعزَّكم بعد الذِّلَّة، ورَفَعَ عنكم سُلْطان هؤلاء المارِقين، وسَيُورِثُكم أرضَهم وديارَهُم، ذلك بما كَسَبَتْ أيديهم، وأضمرته قلوبهم، فجَدِّدوا لله خالصَ نِيَّاتكم، وأروه من الشُّكْر قولاً وفِعلاً مما يُرْكِّي به سَعْيَكم، واحذروا الفُرْقة، وكونوا يدًا واحدةً على عَدُوِّكم، فإنكم إِنْ فعلتم ذلك هابكم النَّاسُ وأسرعوا إلى طاعتكم، وإنْ لا تفعلوا شَمَلكم الذُّلُّ واحتقرتكم العامَّةُ، وعليكم بمَزْج الرَّأْفة بالغِلْظة، واللِّين بالعُنف. وقد اخترنا لكم رجلاً منكم، وجعلناه أميرًا عليكم بعد أن بَلَوْناه، فرأيناه ثَبْتًا في دينه، مُتبصِّرًا في أَمْره، وهو هذا، وأشار إلى عبدالمُؤمن، فاسمعوا له وأطيعوا، ما دامٍ سامعًا مُطيعًا لربِّه، فإن بدَّلَ ففي المُوحِّدين بَرَكَةٌ وخَيْرٌ، والأَمْرُ أَمْرُ الله يُقْلَّده مَن يشاء. فبايَعَ القومُ عبدَالمؤمن، ودعا لهم ابن تُومَرْت، ومَسَحَ صُدورهم . وأما ابن خَلِّكان، فقال(٢): لم يَصِحَّ عنه أنه استخلفه، بل راعَى أصحابَهُ في تقديمه إشارتَهُ، فَتَمَّ له الأَمْرُ. قال: وأوَّل ما أَخَذَ من البلاد وَهْران، ثم تِلِمْسان، ثم فاس، ثم سَلاً، ثم سَبْتَة، ثم إنَّه حاصَرَ مَرَّاكُش أحَدَ عشرَ شهرًا، ثم أَخَذَها في أوائل سنة اثنتين وأربعين، وامتد مُلْكُه إلى أقصى المَغْرب وأدناه وبلادٍ إفريقية وكثيرٍ من (١) المعجب ٢٦٢ - ٢٦٤. (٢) وفيات الأعيان ٢٣٩/٣. ١٤١ الأَنْدَلُس، وسَمَّى نفسَهُ أميرَ المؤمنين، وقصدته الشُّعَراءُ وامتدحوه. ولمّا قال فيه الفقيه محمد بن أبي العباس التّفاشي هذه القصيدة وأنشده إيَّاها: مِثْلُ الخَلِيفةِ عبدِالمُؤمن بن علي ما هز عِطْفَيْهِ بين البيضِ والأَسَلِ فلمَّا أنشده هذا المطلع أشار إليه أن يقتصر عليه، وأجازَهُ بألف دينار. وقال صاحب ((المُعْجِب))(١): ولم يَزَل عبدُالمُؤْمن بعد مَوْت ابن تُومَرْت يَقْوَى ويَظْهر على النَّوَاحي ويُدوِّخِ البِلاد، وكان من آخر ما استولى عليه مَرَّاكُش كُرْسي مُلْك أمير المُسْلمين عليّ بن يوسف بن تاشفين. وكان لمَّا تُوفي عليّ عَهد إلى ابنه تاشفين، فلم يتّفق له ما أَمَّلَهُ فيه من استقلاله بالأُمور، فخَرَجَ قاصدًا نحو تِلِمْسان، فلم يتهيَّا له من أهلها ما يُحِبُّ، فقصدَ مدينة وَهْران، وهي على ثلاثة مَراحل من تِلِمْسان، فأقامَ بها، فحاصَرَهُ جَيْش عبدالمُؤمن، فلمَّا اشتدّ عليه الحِصَار خَرَجَ راكبًا في سلاحِهِ، فاقتحم البَحْر، فهَلَكَ. ويقال: إنَّهم أخرجوه، وصَلَبوه، ثم أحرقوه في سنة أربعين، فكانتِ ولايتُهُ ثلاثةَ أعوام في نَكَدٍ وخَوْفٍ، وضَعْفٍ. ولمَّا مَلَكَ عبدالمُؤمِن مَرَّاكُش طَلَبَ قَبْر أمير المُسلمين عليّ وبَحَثَ عنه، فما وَقَعَ به. وانقطعت الدَّعْوة لبني العباس بمَوْت أمير المُسلمين وابنه تاشفين، فإنهم كانوا يخطبون لبني العباس، ثم لم يُذكروا إلى الآن خَلا أعوام يسيرة بإفريقية فقط، فإنَّه تملَّكها الأمير يحيى بن غانية الثائر من جزيرة مَيُورِقَة . وقال ابن الجَوْزي في ((المرآة))(٢): استولى عبدالمُؤمن على مَرَّاكُش، فقتَلَ المُقاتِلة، ولم يتعرَّضِ الرَّعية، وأحضر الذِّمِّية، وقال: إنَّ المَهْدي أَمَرني أن لا أُقِرَّ الناسَ إلا على مِنَّة الإسلام، وأنا مُخَيِّرُكم بين ثلاث: إمّا أنْ تُسْلِموا، وإمَّا أنْ تَلْحَقُوا بدار الحَرْب، وإمَّا القَتْل. فأسلم طائفةٌ، ولحِق بدار الحَرْب آخرون، وخَرَّب الكنائس وردَّها مَسَاجد، وأَبْطَل الجِزْية، وفَعَلَ ذلك في جميع مَمْلكته. ثم فَرَّقَ بين الناس بَيْت المال وكَنَسَه، وأَمَرَ النَّاس بالصَّلاة فيه اقتداءًا بعلي رضي الله عنه وليُعْلِم الناس أنَّه لا يُؤثِرِ جَمْعَ المال، ثم أقامَ معالم الإسلام مع السِّياسة الكاملة، وقال: مَن تَرَكَ الصَّلاة ثلاثة أيام فاقْتُلُوه، ولم يدع منكرًا (١) المعجب ٢٧٠ - ٢٧٢. (٢) مرآة الزمان ١٩٥/٨ - ١٩٦، وهو سبط ابن الجوزي، وهذه عادته في تسميته سيكررها المصنف في غير موضع من هذا الكتاب. ١٤٢ إلا وأزالَهُ، وكان يُصلِّي بالنَّاسِ الصَّلَوات، ويقرأ كلَّ يوم سُبْعًا، ويَلْبَس الصُّوف، ويصوم الاثنين والخميس، ويَقْسِم الفَيْءَ على الوَجْهَ الشَّرْعي، فأحبَّهُ النَّاسُ. وقال عَزِيز في كتاب ((الجَمْع والبيان)): كان يأخذُ الحقَّ إذا وَجَبَ على وَلَده، ولم يَدَعَ مُشْرِكًا في بلادِهِ؛ لا يهوديًّا ولا نَصْرانيًّا، ولا كنيسةً في بُقْعة من بلادِهِ ولا بِيعةٍ، لأنَّه من أول ولايته كان إذا مَلَكَ بَلَدًا إسلاميًّا لم يَتْرك فيه ذِميًّا إلا عَرَضَ عليه الإسلامَ، ومن أَبَّى قُتِل، فجميعُ أهلِ مَمْلكته مُسلمون لا يُخالطُهم سِواهم. قال عبدالواحد بن عليّ (١): ووَزَرَ لعبدالمُؤمن أوَّلاً عُمر أرتاج، ثم أجلَّهُ عن الوزارة ورَفَعه عنها، واستوزر أبا جعفر أحمد بن عَطِيَّة الكاتب، وجمع له بين الكتابة والوزارة، فلمّا افتتح بِجَاية استكتب من أهلها أبا القاسم القالمي. ودامت وزارة ابن عَطِيَّة إلى أن قَتَلُه في سنة ثلاثٍ وخمسين، وأَخَذَ أموالَهُ، ثم استوزر بعده عبدالسَّلام الكُومي، ثم قَتَلَه سنة سَبْع وخمسين، واستوزر ابنه عُمر. وكان قاضيه أبو محمد عبدالله بن جَبَل الوَهْراني، ثم عبدالله بن عبدالرحمن المَالَقي، فلم يَزَل قاضيًا له وصَدْرًا من أيام ابنه يوسف بن عبدالمؤمن . قال(٢): ولمَّا دان له أقطار المَغْرب مما كان يَمْلِكُه المُرابطون قبله، سار من مَرَّاكُش إلى بِجَايَةٍ، فحاصَرَ صاحبَها يحيى الصِّنهاجي، فَهَرَبَ يحيى في البحر حتى أتى مدينةَ بونة وهي أوَّل حَدِّ إفريقية، ومَضَى منها إلى قُسَنطينة المَغْرب، فأرسلِ عبدالمُؤمن وراءَهُ جَيْشًا، فأخذوه بالأمان، وأتوا به عبدَالمؤمن. وتَملَّك عبدالمُؤمن بِجَاية وأعمالَها، وكان يحيى بن العزيز، وأبوه وجَدُّه المنصور وجَدُّ أبيه المُنتصر وجَدُّهم حَمَّاد من شيعة الرَّافضة بني عُبَيْد والقائمين بدعوتهم، وطالت أيامُهم حتى أخرجهم عبدالمُؤمن. واستعمل عبدُالمُؤمن على مَمْلِكة بِجَاية ابنَهُ عبدَالله، ورَجَعَ إِلى مَرَّاكُش ومعه يحيى بن العزيز وجماعةً من أُمراءَ دَوْلة يحيى، فَأَمَرَ لهم بخِلَع وبَوَّأهم المَنَازل، وخصَّ يحيى بأموالٍ وعطايا، ونال يحيى عنده رتبةً لا مَزِيدَ عليها . (١) في المعجب ٢٦٦ - ٢٦٩. (٢) نفسه ٢٧٢ - ٢٧٥ . ١٤٣ قال(١): وكان عبدُالمُؤمن مُؤْثِرًا لأهل العِلْم، مُحِبًّا لهم، يستدعيهم من البلاد، ويجزل لهم الصِّلات، ويُنَوِّه بهم. قال(٢): وتسمَّى المَصَامِدة بالمُوحِّدين، لأجل خَوْض ابن تُومَرْت بهم في علم الاعتقاد. وكان عبدُالمُؤمن في نفسه كاملَ السُّؤدد، خليقًا للإمارة، سَرِيَّ الهمَّة، لا يرضى إلا بمَعَالي الأُمور، كأنَّه وَرِث المُلْك كابرًا عن كابر، وكان شديدَ السَّطْوة، عظيمَ الهَيْبة. قال عَزِيز في ((تاريخِه)): أخبرني رجلٌ من أهل المَهْدِية سنة إحدى وخمسين وخمس مئة بصِقِلِّية، قال: افتتحَ عبدُالمُؤمن بِجَايةَ، فأتيتُها بأحمالٍ لنبتاع، فلمَّا كُنَّا على مَرْحلةٍ منها سُرِقت لي شَدَّةٌ من المَتَاعِ، فدخلتُ وبعتُ المَتَاعِ، وأفدتُ منه فائدةً يسيرةً. فقلتُ لتاجرِ: سُرِقت لي شَدَّةٌ، وأخلفَ الله عليَّ في الباقي. فقال: وما أَنْهَيْتَ ذلك إلى أمير المؤمنين عبدِالمُؤمن؟ قلتُ: لا. قال: والله إنْ عَلِمَ بك للحِقَك ضَرَرٌ. فرحتُ إلى القَصْر، فأدخلني خادمٌ عليه، فأعلمتُهُ ورجعتُ. فلمَّا كان صبيحة اليوم الثَّالث جاءني غُلامٌ فقال: أجِبْ أميرَ المؤمنين. فخرجتُ معه، فإذا جماعةٌ كبيرةٌ، والمَصَامدة مُحيطةٌ بهم، فقال الغُلام لي: هؤلاء أهلُ الصَّفْع الذي أُخِذَ رَحْلُكَ فيه. فدخلتُ وأُجْلِستُ بين يديه، فاستدعى مَشايخَهم، وقال: كم صلُح لكَ في الشَّدَّة التي فَقَدْتَ أُخْتَها؟ قلتُ: كذا وكذا. فَأَمَرَ مَن وَزَنَ لي المَبْلَغ وقال: قُم، أنتَ أخذتَ حقَّكَ، وبَقيَ حَقِّي وحقُ الله. وأمر بإخراج المَشَايِخ، وبقَتْل الجميع، فأقبلوا يتضرَّعون ويبكون وقالوا: يُؤاخذُ سَيِّدنا الصُّلَحاء بالمُفْسدين؟ فقال: يُخرج كلُّ طائفةٍ منكم مَن فيها مِن المُفْسِدين. فصار الرجل يُخْرِج وَلَده وأخاه وابن عَمِّه، إلى أن اجتمع نحو مئة نَفْسٍ، فَأَمَر أهلَهم أن يتولّوا قَتْلهم، ففعلوا ذلك. فخرجتُ من المَغْرب إلى صقِلِّةً خَوْفًا على نفسي من أهل المَقْتولين. قال عبدالواحد: قلتُ: كان عبدُالمُؤمن من أفراد العالم في زمانه على هَنَاته. قال عبدالمُؤمن بن عُمر الكَخَّال في أخبار ابن تُومَرْت: توجَّه أمير المُؤمنين عبدالمؤمن إلى بلاد إفريقية، فسار في مئة ألف فارس مُحصاةٍ في (١) نفسه ٢٦٩ . (٢) نفسه . ١٤٤ ديوانه، سِوَى ما يتبعها، وكانوا يُصَلُّون كلُّهم خَلْفَ إمام واحد. قال: وكان هو يُصَلِّي الصُّبْحِ مُبكرًا، ثم يَرْكبُ وَيِقفُ عند باب خَيْمَته، وبين يديه مُنادٍ يقول بصَوْتٍ عالٍ: الاستعانة بالله، والتَّوكُّلُ عليه. فينتظم حَوْله الكُبَراء على خَيْلهم فيدعو ويُؤْمِّنون، ثم يأخُذُ في قراءة حِزْبٍ من القُرآن، وهم يقرؤون معه بصَوْتٍ واحدٍ يُسِرُّون، فإذا فرغ أَمْسِك عِنان فَرَسه، فيدعو ويُؤْمِّنون، ثم يلحقُ أولئك الأعيان، ويُلقَّبون بالطَّلَبة والحُفَّاظ لا بالأُمَراء والقُوَّاد، إلى عَسَاكرهم، ويَبْقى وَحْده وحَوْله أُلُوفٌ من عَبِيده السُّود رَجالةً بالرِّماح والدُّرَق. وكان إذا مَزَّ على قوم سَلَّم ودعا لهم فيُؤمِّنون، وكان فصيحًا بالعربية، حَسَنَ العِبارة . قال: وكان في جُوده بالمال كالسَّيْل، وفي حُبِّه لحُسْن الثَّاء كالعاشق، مَجْلسُه مَجْلس وَقَار وهَيْبة، مع طَلَاقة الوَجْه. انعمرت البلادُ في أيَّامه، وما لَبِسَ قط إلا الصُّوف طُولَ عُمُره، وما كان في مَجْلسه حَصِيرٌ، بل مفروشٌ بالحَصْباء، وله سجَّادة من الخُوص تحته خاصة. وأما الأَنْدَلُس فاختلَّت أحوالُها اختلالاً بَيِّنَا أَوْجَب تخاذُلَ المُرابطين ومَيْلهم إلى الرَّاحة، فهانوا على النَّاس واجترأ عليهم الفِرنْج، وقام بكُلِّ مدينة بالأَنْدِلُس رئيسٌ منها، فاستبدَّ بالأَمْر وأخرج مَن عنده من المُرابطين . وكادت الأَنْدلُس تَعودُ إلى مِثْل سيرتها بعد الأربع مئة عند زوال دَوْلة بني أُمَيَّة. فأما بلاد إفراغة (١) فاستولى عليها صاحبُ أرغِن لَعَنه الله، ثم أَخَذَ سَرَقُشْطة ونواحيها، فلا قُوَّة إلا بالله. وأما أهلُ شَرْق الأَنْدَلُس بَلَنْسية ومُرْسِية، فاتَّفقوا على تقديم الزَّاهد عبدالرحمن بن عِياض، بَلَغَني عن غير واحدٍ أنّه كان مُجابَ الدَّعوة، بَكَّاءً، رقيقًا، فإذا رَكِبَ للحَرْب لا يقومُ له أحدٌ. كان الفِرَنْج یَعُدُّونه بمئة فارس، فحَمَی الله بابن عِیاض تلك النَّاحية مدَّة إلى أن تُوفي رحمه الله، ولا أَتحقَّقُ تاريخَ وفاته، فقام بعده خادمُهُ محمد بن سَعْد وهو خليفتُهُ على النَّاس، فاستمرَّت أيَّامه إلى أن مات سنة ثمانٍ وستين وخمس مئة. وأمَّا أهل المَرِيَّة فأخرجوا عنهم أيضًا المُرابطين، ونَدَبوا للَّمْر عليهم الأمير أبا عبدالله بن مَيْمون الدَّاني، فَأَبَّى عليهم، وقال: إنَّما وظيفتي البَحْر وبه عُرِفتُ. فقدَّموا عليهم عبدالله بن محمد (١) مدينة من أعمال ماردة. تاريخ الإسلام ١٢ / م١٠ ١٤٥ ابن الرَّميمي، فلم يَزَل على المَرِيَّة إلى أن دَخَلَها الفِرَنْج واستباحوها. وأمَّا جَيَّان وحِصْن شَقُورة، وتلك النَّاحية فاستولى عليها عبدالله بن هَمُشْك، وربما تَمَلَّك قُرْطُبة أيَّامًا يسيرةً. وأما إشبيلية، وغَرْناطة فأقامت على طاعة المُرابطين. وأما غَرْب الأَنْدَلُس، فقام به دُعاةُ فِتَنِ ورُؤوس ضَلَالة، منهم أحمد بن قسي، وكان في أول أَمْره يَدَّعي الولايةَ، وكان ذا حِيَلٍ وشَعْوذة ومعرفةٍ بالبلاغة، فقام بحِصْن مارتلة، ثم اختلف عليه أصحابُهُ وتحيَّلوا فأخرجوه من الحصن وأسلموه إلى جُنْد عبدالمُؤمن، فأتوه به، وهو الذي قال له عبدُالمُؤمن: بَلَغني أنَّكَ دعيتَ إلى الهداية. فقال: أليس الفَجْر فجرَيْن، كاذب وصادق؟ فأنا كنتُ الفَجْرَ الكاذب. فضحِك وعفا عنه. وجهَّز عبدالمُؤمن الشيخ أبا حفص عمر إينتي، فعدَّى البحر إلى الأندلس، فافتتحَ الجزيرة الخضراء، ثم رُنْدة، ثم افتتح إشبيلية، وغَرْناطة، وقُرْطُبة. وسار عبدالمُؤمن في جيوشه وعَبَرَ من زُقَاق سَبْتَة، فنزل جبل طارق، وسمَّاه جبل الفتح. فأقام هناك أشهرًا، وابتنى هناك قصورًا عظيمة ومدينة، فوفد إليه رؤساء الأندلس، ومدحه شعراؤها، فمن ذلك: ما للعِدَى جُنَّةٌ أَوْقَى من الهربِ أين المفرُ وخَيْل الله في الطَّلبِ وأين يذهبُ مَن في رأس شاهقةٍ وقد رمَتْه سهامُ الله بالشُّهُبُ حدِّث عن الرُّوم في أقطار أندلسٍ والبحر قد ملأ البَرَّينِ بالعربِ(١) فلما أتَمَّ القصيدة قال عبدالمُؤمن: بمثل هذا تُمدح الخلفاء. ثم استعملَ على إشبيلية ولَدَه يوسف الذي ولي الأمر من بعده، واستعمل على قُرْطُبة وبلادها أبا حفص إينتي، واستعمل على غَرْنَاطة ابنه عثمان بن عبدالمُؤمن، ورجع إلى مَرَّاكُش وتركَ بالأندَلُس جيشًا كثيفًا من المصامِدَة والعرب. وكان قد استخدم العرب الذين ببلاد بِجَاية، وهم قبائل من بني هلال بن عامر، خرجوا إلى البلاد حين خلَّى بنو عُبيد بينهم وبين الطريق إلى المغرب، فعاثوا في القيروان عَيْئًا شديدًا أوجب خرابَها إلى اليوم، ودوَّخوا مملكة بني زيري بن مَنَاد، وهذا كان بعد موت المُعِزِّ بن باديس، فانتقل ابنه تميم إلى (١) الأبيات في المعجب ٢٨٥، وفيه: ((العِبْرينِ)) بدل ((البَرَّينِ)). ١٤٦ المهدية، وسار هؤلاء العُرْبان حتى نزلوا على المنصور الحمادي، فصالحهم على أن يجعل لهم نصف غلة البلاد، فأقاموا على ذلك إلى أن حاربوا عبدالمُؤمن في سنة ثمانٍ وأربعين، فتحَّبوا عليه، وهم بنو هلال وبنو الأثبج، وبنو عَدِي، وبنو رَبَاح وغيرهم من القبائل، وقالوا: إن جاوَرَنا عبدُالمُؤمن أَجْلانا، وتحالفوا عليه. فبذل لهم رُجار الفِرَنْجي مَلِك صِقلِّية نَجْدةً بخمسة آلاف مُقاتل، فقالوا: لا نستعينُ إلا بمُسلم. وساروا في عَدَدٍ عظيم، وسار جَيْش عبدالمُؤمن في ثلاثين ألفًا، عليهم عبدالله بن عُمر الهِنْتاتي، فالتقوا فانهزمت العَرَب، وأخذت البَرْبرُ جميعَ مَتَاعِهم ونسائِهم وأطفالِهم، فأتوا بها عبدالمُؤمن، فَقَسَمِ المَتاعَ والمالَ، وصانَ الحَرِيمَ وأَحْسنَ إليهم، وكاتَبَ العَرَبَ واستمالهم وحَلَفَ لهم، فأتوا مَرَّاكُش فخَلَعَ عليهم وبالَغَ في إكرامهم، ثم استخدمهم عبدُالمُؤمن، وأنزلهم بنواحي إشبيلية وشريش، فهم باقُون إلى وَقْتنا . قال: وكان عُبور عبدِ المُؤمن إلى الأَنْدَلُس في سنة ثمانٍ وأربعين وخمس مئة، وكان قد كَتَبَ إلى أُمَراء هؤلاء العُزْبان رسالةً فيها أبياتٌ قالها هو، وهي: أَقيموا إلى العَلْياءِ هُوْجَ الرَّوَاحلِ وقُودُوا إلى الهَيْجاءِ جُرْدَ الصَّوَاهِلِ وشُدُّوا على الأَعْداء شَدَّة صَائِلِ وأَبيضُ مأثورٌ وليسَ بسائِلِ وما جَمَعت من باسلِ وابن باسِلٍ عواقِبُها منصورةٌ بالأوائلِ تَنَجَّزَ من بعد المَدَى المُتَطَاوِلِ بها نُنْصِفُ التَّحْقيقَ من كلِّ باطِلٍ وقُوموا لِنَصْرِ الدِّينِ قَوْمَةَ ثائَرٍ فما العِزُّ إلاَ ظهْرُ أجْرَدَ سابحٍ بني العَمِّ من عَلْيا هلال بن عامرٍ تعالَوْا فقد شُدَّت إلى الغَزْو نيَّة هي الغَزْوةُ الغَرَّاءُ والمَوْعِدُ الذي بها نفتحُ الدُّنيا بها نبلُغُ المُنَى فلا تَتَوانَوا فالبِدارُ غَنيمةٌ وللمُذْلجِ السَّاري صَفَاءُ المَناهِلِ (١) قال عبدالواحد بن عليّ المُرَّاكُشي(٢): أخبرني غيرُ واحدٍ ممن أرضى نَقْلَه، أنَّ عبدَالمُؤمن لمَّا نَزَلَ مدينة سَلاَ، وهي على البَحْرِ المُحيط ينصبُّ إليها نَهْرٌ عظيمٌ يصبُّ في البَحْرِ، عَبَرَ النَّهْرَ وضُرِبت له خَيْمَةٌ، وجَعَلت الجُيوش تَعْبُر قبيلةً قبيلةً، فخرَّ ساجدًا ثم رَفَعَ رأسَهُ وقد بلَّ الدَّمْعُ لحيَتَه، والتفَّ إليه (١) الأبيات في المعجب ٢٩٤ - ٢٩٥. (٢) المعجب ٢٩٦ فما بعدها. ١٤٧ الخَواصُّ، وقال: أعرفُ ثلاثة وَرَدوا هذه المدينة لا شيء لهم إلا رغيفٌ واحدٌ، فراموا عُبور هذا النَّهْر، فبذَلُوا الرَّغيفَ لصاحب القارب على أن يُعدِّي بهم، فقال: لا آخذُهُ إلا على اثنين خاصَّة. فقال له أحدُهم، وكان شابًّا: خُذ ثيابي، وأنا أَعْبُر سِباحةً. ففَعَلَ ذلك فكان كُلَّمَا أَعْيا من السِّباحة دنا من القارب ووَضَعَ يَدَه عليه ليستريح، فيضربُهُ صاحبُهُ بالمِجْذاف الذي معه، فما عَدَّى إلا بعد جَهْد. قال: فما شَكَّ السَّامعون أنَّه هو العابرُ سِباحةً، وأنَّ الآخَرَين ابنُ تُومَرْت، وعبدالواحد الشَّرقي. ثم نَزَلَ عبدُالمُؤمن مَرَّاكُش، وأَقْبل على البِنَاء والغِرَاس وتَرْتيب المَمْلكة، وبَسْطِ العَدْل، وجَعَلَ ابنَهُ عبد الله الذي على بِجَاية يَشُنُّ الغاراتِ على نواحي إفريقية وضَيَّق على تونس، ثم تجهز في جيش عظيم وسار حتى نازل تونس وهي حاضرة إفريقية بعد القَيْروان. فحاصَرَها، وقَطَعَ أشجارَها، وغَوَّر مِياهَها، وبها يومئذٍ عبدالله بن خُراسان نائب صاحِبها لُوجار ابن الدَّوقة الرُّومي، لَعَنه الله، وهو صاحب صِقِلّية. فلمَّا طال على ابن خُراسان الحِصارُ، أَجْمع رأيَهُ على مُنَاجَزَة المَصَامدة، فخَرَجَ فالتقوا، فانهزم المَصَامدة وقُتِل منهم خَلْقٌ، ورَدَّ ابن خُراسان إلى البَلَد، فَكَتَبَ عبدالله بن عبدالمُؤمن إلى أبيه يُخْبره، فلمَّا كان في آخر سنة ثلاثٍ وخمسين تَهيَّأ عبدالمُؤمن لتُونُس، وسارَ حتى نازَلَها، ثم افتتحها عَنْوةً، وفَصَلَ عنها إلى المَهْدية وبها النَّصَارى أصحاب ابن الدَّوقة وهي له، لكن نائبه بها يحيى بن حسن بن تميم بن المُعِز بن باديس، فحاصَرَها عبدالمُؤمن أَشَدَّ الحِصار، لأنَّها حَصِينَةٌ إلى الغاية. بَلَغني أنَّ عَرْض سُورِها مَمَرُّ ستة أفراس، وأكثرها في البَحْر، فكانت الأمدادُ تأتيها في البَحْر من صِقِلِية، فأقام يُحاصِرها سبعة أشهر . فنقل ابن الأثير (١): نازل عبدالمُؤمن المَهْدية، فكانت الفِرَنْجِ تُخْرِج شُجْعانَهم فتنال من العَسْكر ويعودون، فَأَمَرَ ببناء سُورٍ من غَرْبِيِّها، وأحاط أُسطوله بالبَحْر، ورَكِبَ عبدالمُؤمن في شيني، ومعه الحسن بن عليّ بن باديس الذي كان صاحِبَها، وأخذتها الفِرَنْج منه من سَنَوات، فطاف بها في البَحْر، فهال عبدَالمُؤمن ما رَأَى من حَصَانتها، وعَرَفَ أنَّها لا تُوخَذ بقتالٍ، وليس إلا المُطَاوَلَة، وأَمَرَ بجَلْب الأقوات وترك القِتال، فلم يَمْض إلا أيَّام حتى صار في (١) الكامل ١١/ ٢٤١ - ٢٤٥. ١٤٨ العَسْكر كالجَبَلين من القَمْح والشَّعير، فكانِ مَن يَجِيء من بعيدٍ يقول: متى حدثت هذه الجبال هنا؟ فيُقال: إنَّما هي غلَّة. وتمَادَى الحِصَار، وفي مُدَّته أَخَذَ بالأمان بَلَد سَفاقُس، وبَلَد طَرَابُلُس وقُصور إفريقية، وافتتح قابس بالسَّيْف. وكانت عساكرُهُ تُغار، وجاءت جُيوش صاحب صِقِلِّية، لَعنه الله، فكانت مئتين وخمسين شِينيًّا، فنَصَرَ الله عليهم أسطول عبدالمُؤمن. قال عبد الواحد(١): واشتدَّ على جَيْشه الغَلاَء، بَلَغني عن غير واحدٍ أنَّهم اشتروا سَبْع باقِلاَّت بدرهم مُؤمني، وهو نصف درهم النصاب، ثم افتتحها بعد أن أَمَّن النَّصَارى على أن يلحقوا بصِقِلِّية. ثم جَهَّزَ إلى قابِس من افتتحها ، ثم افتتح أطْرَابُلُس المَغْربِ، وأرسل إلى تَوْزَرَ وبِلاد الجريد، فافتُتحت كُلُّها، وأخرج الفِرَنْج منها وأَلْحقهم ببلادِهم، وتطهَّرت إفريقية من الكُفْرِ، وتمَّ له مُلْك المَغْرب من طَرَابُلُس إلى سُوس الأقصى، وأكثر جزيرة الأَنْدَلُس. قال: وهذه مَمْلكة لا أعلمها انتظمت لأحدٍ قبله منذ أيام مروان الحِمَار. وقيل: إنَّه بَدَا له أن يَمُزَّ في هذا الوَجْه على قريةِ تاجرا، وبها وُلد، ليزورَ قَبْرَ أُمِّه وليَصِلَ مَن هناك من ذوي رَحِمه، فلمَّا أطلَّ عليها والجُيوشُ قد انتَشَرت بين يديه، والرَّايات قد خفقت على رأسِهِ، أكثر من ثلاث مئة راية من بنود وأَلْوية، وهزَّت أكثر من مئتي طَبْل، وطُبولهم في نهاية الكِبَر وغاية الضَّخامة، يُخَيَّلُ لسامعها إذا ضُرِبت أنَّ الأرض من تحته تهتزُ، فخَرَجَ أهلُ القرية للقائه، فقالت عجوزٌ منهم: هكذا يعودُ الغريب إلى بَلَده، ورَفَعت صوتَها . وفي سنة ثمانٍ وخمسين أَمَرَ النَّاسَ بالجِهاد لغَزْو الرُّوم بالأَنْدَلُس، واستنفر أهلَ مَمْلكته ثم سار حتى نَزَلَ مدينة سَّلاً، فمَرِضَ ثم مات بها في السَّابع والعشرين من جُمادَى الآخرة، وكان قد جَعَل ولَيَّ عَهْده محمدًا وَلَدَه الكبير، وكان لا يَصْلح لإدمانه الخُمور وكَثْرة طَيْشه، وقيل: كان به جُذَامٍ. فلمَّا مات اضطرب أمرُ محمد هذا، وخَلَعوه بعد شهر ونصف، وأجمعت الدَّوْلة على تَوْلية أحد أخَوَيَه يوسف أو عُمر، فأباها عُمر، فبايَعوا أبا يعقوب يوسف، فبَقِيَ في الخلافة اثنتين وعشرين سنة. وخَلَّف عبدالمُؤمن ستة عشر ابنًا، وهم: محمد المَخْلوع، وعليّ، (١) المعجب ٢٩٩ - ٣٠٣. ١٤٩ وعُمر، ويوسف، وعُثمان، وسُليمان، ويحيى، وإسماعيل، والحَسَن، والحُسين، وعبدالله، وعبدالرَّحمن، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ويعقوب. قال صاحب ((الجَمْع والبيان)): وقفتُ على كتابٍ كَتَبه عنه بعض كُتَّابه، يقول بعد البَسْملة: من الخليفة المَعْصوم الرَّضِيِّ الَّكي الذي وردت البشارة به من النَّبِي العَرَبي، القامع لكلِّ مُجَسِّمٍ غَويٍّ، النَّاصر لدين الله الكبير العَلِي، أمير المؤمنين الوَلي، عبدالمُؤمن بن عليّ. ٢٨٣- عليّ بن أحمد، أبو الحسن ابن الدَّلاَء الدِّمشقيُّ. روى عن نَصْر المقدسيِّ مَجْلسًا، سَمِعه منه أبو القاسم ابنُ عَسَاكر، وقال(١): تُوفي في شعبان، وله ثلاثٌ وثمانون سنة. ٢٨٤- عليّ بن عبدالرحيم بن محمد بن عليّ بن أبي موسى الهاشميُّ الشَّريف، أبو المظفر. بغداديٌّ نبيلٌ، ذَكَرَ وفاتَهُ أبو بكر محمد بن مَشِّق. ٢٨٥- كمال بنت المُحدِّث أبي محمد عبدالله بن أحمد بن عُمر ابن أبي الأشعث ابن السَّمَرْقندي، أُمُّ الحَسَن. امرأةٌ صالحةٌ خَيِرةٌ، وهي زَوْجة أبي الفَرَج عبدالخالق بن أحمد اليُوسُفَيّ. سَمَّعها أبوها من طِراد الزَّيْنبي، وأبي عبد الله النِّعالي، وابن البَطِرِ، وجماعةٍ في سنة إحدى وتسعين. ومَوْلدُها سنة نيِّقٍ وثمانين وأربع مئة. روى عنها إبراهيم بن محمد بن برهان النَّسَّاج. ٢٨٦- محمد بن أحمد بن محمد بن سُفيان، أبو بكر السُّلَميُّ المُرْسيُّ. روى عن أبي محمد بن أبي جعفر الفقيه، وأبي القاسم بن الجنان. روى عنه أبو عبدالله بن عبدالحقّ التِّلِمْساني. تُوفي في هذا العام ظنًّا أو قبله (٢). ٢٨٧- محمد بن أحمد بن محمد الدَّبَّاس المُقرىء. هو ابن أخي أبي عبدالله البارع. كان صالحًا مُقرئًا، ورَاقًا. سَمِعَ مالكًا (١) تاريخ دمشق ٤١ /٢٠٨. (٢) من تكملة ابن الأبار ٢٤/٢. ١٥٠ البانِياسيَّ، والنِّعاليَّ. وعنه ابن الأخضر. عاش ثمانين سنة، مات في صَفَر . ٢٨٨- محمد بن أحمد بن محمد بن أبي العافية، أبو عبدالله اللَّخميّ المُرْسيُّ، يُعرف بالقَسْطَلي. روى عن أبي عليّ بن سُكَّرة، وتفقَّه عليه، وكان بصيرًا بمَذْهب الإمام مالك، مَوْصوفًا بذلك؛ تفقَّه عليه أبو عبدالله محمد بن سُليمان بن بَرْطَلَةٍ (١). ٢٨٩- محمد بن الحُسين، المَلِك سَيْق الدِّين ابن المَلِك علاء الدِّين، الغُوريُّ، صاحب الغُور. تملك بعد أبيه فلم تطل سلطنته. سار بعساكره لغزو الغز وهم ببلخ، فاتفق أنه انفرَد من عَسْكره يتفرَّج ويتصيَّدُ، فَشَعرَ به أُمَراء الغُز، فأسرعوا إليه وأحاطوا به، فقاتَلَهم أشدَّ قِتال، إلى أن قُتل هو وجماعةٌ، وأُسِرَ الباقون، وبَلَغَ جَيْشَه الخَبَرُ، فانهزموا. وكان عادلاً، حَسَن السِّيرة، لما مَلَكَ هراة مَنَعَ جُنْدَه من أذِيَّة المُسلمين. قُتل في رَجَب من هذه السنة وله نحوٌ من عشرين سنة(٢). ٢٩٠- محمد بن حماد، أبو غالب المُوسَويُّ المَرْوَزِيُّ. سَمِعَ أبا المظفَّر ابن السَّمعاني وخَدَمه مدَّة، وإسماعيل بن محمد الزَّاهري . قال أبو سَعْد الحافظ: اتَّصل بالأتراك، وكان يُوافقُهم على شُرْب الخَمْرِ، وكان رافضيًا مبالغًا. تُوفي في جُمادَى الآخرة وله ثمانون سنة(٣). ٢٩١- محمد بن عبدالله بن سُفيان بن سيدالَّه، أبو بكر التُّجِيبيُّ الشَّاطبيُّ. روى عن أبي القاسم بن الجنان، وأبي بكر بن أسود. وتفقَّه بصِهْره أبي بكر بن أَسَد. وكان عارفًا بالحديث، له مَجْموعٌ في رجال الأَنْدَلُس ذيَّلَ به على ((الصِّلة)) لابن بَشْكُوَال، وتُوفي قبله سنة ثمانٍ هذه (٤). (١) من تكملة ابن الأبار ٢٥/٢. (٢) من كامل ابن الأثير ٢٩٣/١١ - ٢٩٤. (٣) ينظر التحبير ١٢٤/٢ - ١٢٥. (٤) من تكملة ابن الأبار ٢٤/٢ - ٢٥. ١٥١ ٢٩٢- محمد بن عبدالله بن محمد بن محمد بن محمد بن عبدالله ابن البَيْضاويّ، القاضي أبو عبدالله. بغداديٌّ فاضلٌ نبيلٌ، وُلِد سنة ستٍّ وثمانين وأربع مئة، وحَدَّث، وتُوفي في شَوَّال. روى عن ابن طَلْحة النِّعالي، وابن البَطِر، وأبي الحسين ابن الطُّيُوري. وعنه أبو الفَرَج ابن الجَوْزي(١)، وأبو محمد ابن الأخضر، وإسماعيل بن حمدین . ٢٩٣- محمد بن عبدالكريم بن إبراهيم بن عبدالكريم بن رفاعة، سديدُ الدَّوْلة الشَّيْانيُّ، المعروف بابن الأنباريِّ، كاتبُ الإنشاء بالدِّيوان العَزيز. أقامَ بدِيوان الإنشاء خمسين سنة، ونابَ في الوَزارة، ونُفِّذ رَسُولاً إلى مُلوك الشَّام وخُراسان، وكان ذا رأي وتَذْبيرٍ وحُسْنٍ سيرة، وكانت بينه وبين أبي محمد الحريري مُصنَّ ((المَقاماتٌ)) رسائل قد دُوَّنَت. حدَّث عن ابن الحُصَيْن، وأبي محمد ابن السَّمَرْقَنْدي، وسَمِعَ من أحمد ابن محمد الخَيَّاط، وأبي عبدالله محمد بن نصر القَيْسراني بعضَ شِعْرهما. سَمِعَ منه أحمد بن صالح بن شافع، والمُبارك بن عبدالله بن النَّقُور، وعبدالمحسن بن خطلخ. وعاش نيًِّا وثمانين سنة. وشَيَّعه ابن هُبَيْرة الوزير فَمَن دونه، وكان رائقَ اللَّفْظ، بليغَ الكتابة، مَلِيحَ الخَطِّ . وقد مَدَحه إبراهيم الغَزِّي، وأبو بكر الأَرَّجَاني، ومحمد بن نَصْر القَيْسَراني، وللأَرَّجاني فيه أشعارٌ لو دُوِّنت لجاءت مُجَلَّدة وسطى. وله قصَّةٌ في كتابته للإنشاء، فأنبأني أحمد بن سَلَامة، عن أحمد بن طارق أنَّه سَمِعَ سديدَ الدَّوْلة ابن الأنباري يقول: كَتَبَ إليَّ صديقي هِبَة الله ابن السَّقَطي المُحدِّث سنة ستٍّ وخمس مئة رُقْعةً، وقد مات كاتب الإنشاء ابن رضوان: قُلْ لسديدِ الدَّوْلة المُجْتَبَى في الأَصْل والأفضال والمغرسِ قد عَنَّت الرُّتبة فانهضْ لها واخطُبْ جديدًا كتبة المجلس (١) ينظر المنتظم ٢٠٦/١٠. ١٥٢ فكتبتُ على ظَهْرها: يا مَن حوى مع فَضله همَّةً بغير ثَوْب الشُّكْر لا تَكْتسي أرْهَقْتُ عَزْمي في طلاب العُلا أن رغبوا في كاتب مُفْلس ودفعتُها إلى الرَّسول، وكان صَبيًّا، فخَرَجَ في الحال، فاجتاز بباب العامَّة والرُّقعة بيده، والخَطُّ رَطْب، فأخَذَ تُرابًا يُنشِّفه، فصادف ابن الحلواني صاحب الخَبْرِ فقال: يا صَبِي ما هذه الرُّقْعة؟ قال: كَتَبها ابن السَّقَطي إلى سديدِ الدَّوْلة ابن الأنباري. فكَتَبَ نُسختَها وعَرَضها على الإمام المُستظهر بالله، فلمَّا كان من الغَدِ إذا رُقْعةُ ظهيرِ الدِّين صاحب المَخْزَن جاءتني إلى داري، يذكرُ فيها: إن رأى التَّجشُّم إلى دارِهِ التي أنا ساكنُها لألقي إليه ما رُسِم فقل إن شاء الله، فرَكِبتُ إليه في الحال، فحين دخلتُ قام مُتمثلاً وقال للجماعة: الخَلْوة، فانصرفوا، فقال: أمير المؤمنين يهدي إليك السَّلام ويقول: قد رغبنا في کاتبٍ مُفْلس. فقلتُ في الحال: التَّصْرِيح بطَلَب الرُّتَب ما لا يقتضيه الأَدَب، فقُلِّدتُ يومئذٍ ديوان الإنشاء، وأنعم عليَّ بالخلع والمواهب. قلت: وکان عمره يومئذٍ خمسًا وثلاثين سنة . وأنبأني أحمد، عن ابن طارق، قال: حدَّثني سديدُ الدَّوْلة أنَّ الحريريَّ صاحبَ ((المَقامات)) كَتَبَ إليه رُقْعةً، فكتَبَ إليه في الحال بديهًا : أَهْلاً بمَن أَهْدَى إليَّ صحيفةً صافَحْتُها بالرُّوح لا بالرَّاحِ وتَبَلَّجَتْ فتأرَّجَتْ نَفَحاتُها كالمِسْكِ شِيبَ نَسِيمُه بِالرَّاحِ فَكَتَبَ إليَّ جواب هذه: لقد صَدَقَتْ رُواةُ الأخبار: إنَّ مَعْدِن الكتابةِ الأنبارُ. وقد ذكر وفاتَهُ ابن الأثير في ((الكامل)) (١) في سنة خمسٍ وثلاثين، والتُّسخةُ سقيمةٌ فلعل بدل ((تُوفي)): ((عُزِل))، أو نحوه(٢). ٢٩٤- محمد بن عليّ بن خَطَّاب بن أبي الفَتْح، أبو شُجاع الدِّينَوَريُّ ثم البَغْدادُّ الخِيَميُّ، أخو یحیی. سَمِعَ أبا الفَضْل أحمد بن خَيْرون، وأبا غالب الباقلَّني، ومحمد بن (١) الكامل ٧٩/١١. (٢) وقد أعاد ابن الأثير وفاته على الصحيح في وفيات سنة ثمان وخمسين وخمس مئة (الكامل ١١/ ٢٩٧). ١٥٣ عبدالسَّلام. روى عنه أبو محمد ابن الخَشَّاب، وعُمر القُرَشي، وابن أخيه عبد اللَّطيف بن يحيى، وابن الحُصْري. تُوفي في شوَّال(١). ٢٩٥- المُبارك بن أبي طاهر، أبو نَصْر ابن المَلاَح. بغداديٌّ. روى عن الحُسين بن عليّ ابنٍ البُسْري، وغيرِه. ٢٩٦- مكِّ بن عليّ بن المُبارك بن طَلَيْب الحَرْبيُّ. شيخٌ صالحٌ سَمِعَ من أبي الحُسين ابن الطُيُوري، وغيرِهِ، روى عنه عبدالله بن جَحْشُوية، وعبدالعزيز ابن الأخضر. وتُوفي في رَجَب. ٢٩٧ - نَصْر الله بن أحمد بن أبي العِزِّ محمد بن المُختار بن المُؤيَّد بالله، أبو العباس بن أبي تَمَّام الهاشميُّ الحَرِيمِيُّ التَّاجر. سَفَّارٌ كثيرُ المال، من بَيْتِ العِلْم والشَّرَف، حدَّث بمَرْو عن جدِّه، ومات بِسَمَرْقند، روى عنه ابن السَّمْعاني، وابنُهُ عبدالرَّحیم. ٢٩٨- هبة الله بنِ الفَضْلِ بن عبدالعزيز بن محمد بن الحُسين بن عليّ، أبو القاسم ابن القَطّان المَتُّوثِيُّ الشَّاعر. سَمِعَ أباه الفَضْل، وأبا الفَضْل بن خَيْرون، وأبا طاهر أحمد بن الحَسَن الباقِلاَّني، وأبا عبدالله النِّعالي، وغيرهم. وكان شاعرًا مُحْسِنًا، بليغَ الهِجاء. روى عنه أبو سَعْد السَّمْعاني، فقال: سألتُهُ عن مَوْلده، فقال: سنة ثمانٍ وسبعين. وتُوفي يوم عيد الفِطْر. قلتُ: وكان يَعْرف الطِّبَ والكحالة، وديوانُهُ مشهورٌ، وقد هَجَا الحَيْصَ بَيْص، وهو الذي شَهَره بهذا اللَّقب، وله قصيدةٌ طَنَّانةٌ في كاتب الإنشاء سدیدِ الدَّوْلة محمد ابن الأنباري، أولها: هل ترجعُ دولة الوِصالِ يا مَن هَجَرْت فلا تُبالي ما أطمعُ يا حياةَ قَلْبي أن يَنْعَمَ في هَواك بالي الجِسْمُ كما تَرَيْنَ، بالي الطَّرْفُ من الصُّدِود باكِ يا قاتلتي، فما احتيالي أهواكِ وأنتِ حظّ غيري واللُّوَّمُ فيكِ يَزْجُروني عن حُبِّكِ ما لهم، ومالي (١) ينظر تاريخ ابن الدبيثي ١١٥/٢ - ١١٦. ١٥٤ طلَّقْتُ تجلُّدي ثلاثًا والصَّبْوة بعدُ في خيالي(١) روى عنه أبو الفُتوح ابن الخُصْري، وثابت بن مُشَرَّف، وابن الأخضر. وكان عَسِرًا في الرِّواية. ٢٩٩ - ياقوت المُسترشديُّ. عن أبي غالب ابن البنَّاء. وعنه أبو الفُتُوح ابن الحُصْري. ورَّخه ابن (٢) الدُّبِيثي(٢). ٣٠٠- يحيى بن سالم بن أسْعَد بن يحيى، الفقيه أبو الخَيْر بن أبي الخَيْرِ العِمْرانيُّ الشَّافعيُّ، مُصنَّ كتاب (البيان)) في المَذْهب. قيل: إنَّه كان يُكرِّر على ((المُهَذَّب)) لأبي إسحاق، فكان يقرؤه في ليلةٍ واحدةٍ. وله مُصنَّفات مفيدةٌ منها: ((غرائب كتاب الوسيط)) للغَزَّالي. نَشَرَ العِلْم باليَمَن، ورَحَل النَّاسُ إليه وتفقّهوا عليه. تُوفي في هذه السَّنة . ٣٠١- يَغْمر بن أَلْب سارج، الفقيه أبو البَدْر التُّركيُّ المُقرىء. كان أبوه ◌ُنْدِيًّا، قال ابن عَساكِر(٣): كان يَعْمِلُ في القَرِّ ويُلَقِّن القرآنَ، وتفقَّه على شَيْخنا أبي الحَسَن بن مُسَلَّم، وكان يحفظُ قطعةً صالحةً من الأخبار والأشعار، وكان يَحُثُني على تَبْبيض ((التَّاريخ)). وكان قد حَصَلَ عندي فُتُورٌ عن تَبْبيضه، فلمَّا مات في هذه السَّنة وكنتُ في جِنازِهِ فَكَّرتُ وقلتُ: أنا والله أحقُّ بالاهتمام بهذا التّاريخ فَصَرَفتُ هِمَّتِي إليْهِ وَشَرَعتُ في تَبْبيضه . ٣٠٢- يوسف بن محمد بن مُقَلَّد بن عيسى، أبو الحَجَّاج الدِّمشقيُّ، المعروف بابن الدَّوانیقيِّ. قال ابنُ عَساكر (٤): سَمِعَ معنا من هِبة الله ابن الأَكْفاني، وطاهر بن سَهْل ابن بِشْر، ورَحَلَ فسَمِعَ ببغداد أبا القاسم بن الحُصَيْن، وأبا غالب ابن البَنَّاء، وتفقَّه على أبي منصور ابن الرَّزَّاز، واستوطن بغداد، وتَصوَّفَ وصَحِبَ أبا (١) الأبيات في خريدة القصر ٢٧٤/٢ - ٢٧٥ (القسم العراقي). (٢) في تاريخه، كما في مختصره ٣/ ٢٥٥، ولم يصل إلينا هذا القسم منه، فهو اليوم في عداد المفقود. (٣) ينظر مختصره لابن منظور ٦٢/٢٨ - ٦٣. (٤) مختصره لابن منظور ٢٨/ ٩١. ١٥٥ النَّجيب السُّهْرَ وَرْدِي، ووعَظَ وناظَرَ، وقَدِمَ دمشقَ ومَرِضَ بالاستسقاء فعُدْته، وقرأ لابني أبي الفَتْح ثلاثة أحاديث من حِفْظه، ومات في عاشر شهر صَفَر. وأنشدنا أبو الحُسين أحمد بن حَمْزة، قال: أنشدنا يوسف بن محمد التَّنوخي لنفسه : أَنَوْمٌ بعدَما هَجَعَ النِّيَامُ وظُلْمٌ بعدما انقشَعَ الظَّلامُ فهذا الصُّبْحِ في الفودين بادٍ يُنَادي ما بَقِيَ إلاَّ مَنَامُ فَبَادِرْ يا فتى قبل المَنَايا فما لَكَ بعد ذا عُذرٌ يُقامُ فِعِند الله موقِفُنا جميعًا وبين يديه يَنْفَصِلُ الخِصَامُ ١٥٦ سنة تسع وخمسين وخمس مئة ٣٠٣- أحمد بن محمد بن هُذَيْل، أبو العباس الأنصاريُّ البَلَنْسيُّ. سَمِعَ أبا الوليد ابن الذَّبَّاغ، وابن النِّعْمة، وتفقَّه عند أبي محمد بن عاشر، ورَحَلَ فَلَقِيَ بقُرْطبة أبا عبدالله بن الحاجِّ، وغيرَهُ، ووَلِيَ قضاءَ بَلَدِه فلم تُحْمَد سِيرتُهُ، وكان عارفًا بالأَدَب والكتابة، وتُوفِي كَهْلاً(١). ٣٠٤- أحمد بن مَسْعود بن سَعْد بن عليّ، أبو الرِّضا ابن النَّاقد الجَصَّاص. بغداديٌّ ثقةٌ جليلٌ سَمِعَ أبا غالب الباقِلَني، وأبا سَعْد بن خُشَيْش، وأبا الحسن العَلَّف، روى عنه أحمد بن طارق، وعبدالعزيز ابن الأخضر، وابنه عبدالعزيز بن أحمد، وتُوفي في ذي الحجة؛ سَقَطَ من بناءٍ للدَّوْلة فمات صائمًا . ٣٠٥- إبراهيم بن مَوْهوب بن عليّ بن حَمْزة، أبو إسحاق ابن المُقَصِّص السُّلَميُّ الدِّمشقيُّ. سَمِعَ من أبي الحسن عليّ بن الحَسَن بن الحَزَوَّر، وإبراهيم بن يونس المَقْدسي، ونَصْر بن أحمد الهَمَذاني المُؤدِّب؛ سَمِعَ من المُؤدِّب في سنة إحدى وتسعين وأربع مئة. وكان شيخًا مُبارَكًا من قُرَّاء السُّبع الكبير؛ سَمِعَ منه الحافظُ ابن عساكر، وابنُهُ، وأبو المَوَاهب، وأخوه أبو القاسم، ودُفِن بمَقْبرة باب الصَّغير(٢). ٣٠٦- أسْعَد بن إسماعيل بن حُسين، العَميد أبو الفَتْحِ النَّسَويُّ المُسْتوفي . ساكِنٌ وَقُورٌ مُتَصِلٌ بِالذَّوْلة، سَمِعَ ((التَّرْغيب)) لحُمَيْد بن زَنْجُوية من أبي بكر بن خُزَيْمة. روى عنه عبدالرحيم ابنِ السَّمْعاني، وتُوفي في ذي الحجَّة. ٣٠٧- بُنَيِّمان بن محمد بن الفَضْل، أبو القاسم الكَنْدوج الأصبهانيُّ. تُوفي في الثَّاني والعشرين من شوال. وكان عَدْلاً مُتميّزًا، سَمِعَ الرَّئيس (١) من تكملة ابن الأبار ١/ ٦٢. (٢) جله من تاريخ دمشق ٢٢٩/٧. والمُقَصِّص، بالقاف وبعدها صادين مهملتين، قيده ابن حجر في التبصير ٤ / ١٣٨٣ . ١٥٧ الثَّقْفي. أخذ عنه السَّمْعاني، وغيرُه(١). ٣٠٨- سَعْد الله بن محمد بن عليّ بن أحمد بن حَمْدي، أبو البَرَكَات البَغْدادِيُّ الدَّقَّاقِ البَزَّاز. روى عن أبي عبدالله بن طَلْحة النِّعالي، ونَصْر ابن البَطِر، وأحمد بن عليّ الطُّرَيْئيني، وكان من أهل الخَيْر. روى عنه أبو سَعْد ابن السَّمْعاني، وعبدالخالق بن أَسَد، وأبو الفَرَج ابن الجَوْزي، وجماعةٌ. تُوفي في شعبان(٢). ٣٠٩- ضِرْغام بنِ عامر بن سِوار، المَلِك المَنْصور فارس المُسلمين، أبو الأشبال اللَّخْميُّ المُنْذُريُّ. الذي استولى على الدِّيار المصرية، وهَرَبَ منه شاور إلى نور الدِّين يستنجدُ به عليه، فسَيَّرَ معه أَسَد الدِّين شيركوه، فدَخَلوا مصر في رَجَب من هذا العام، فوجدوا الضِّرْغام قد قُتل في الثَّمن والعشرين من جمادى الآخرة من السنة؛ قُتِل عند قَبْر السِّت نفيسة، وطافوا برأسه، وبَقِيَت جُثَتُّه حتى أكَلَتها الكِلَب، ثم دُفِنَ ويُنِيَ عليه قُبَّةٌ معروفةٌ عند بِرْكة الفيل بها القَلَنْدَرِية. وفي التاريخ لدخولهم وهمٌ؛ لأنَّ الضِّرغام ما قُتِل إلا بعد دُخول أَسَد الدِّین. ٣١٠- ظافر بن معاوية بن خُلَيْق، أبو السعادات الحَرْبِيُّ الخَيَّاط. صَالِحٌ، ساكنٌ من أهل القرآن والصَّلاح، سَمِعَ أبا سَعْد بن خُشَيْش، وأبا عليّ محمد بن محمد ابن المهدي، وغيرهما. قال ابن السَّمْعاني: كتبتُ عنه، وكان كخَيْرِ الرِّجال. وقال ابن مَشِّق: تُوفي في سابع جُمادَى الآخرة. وكان مولده سنة خمسٍ وثمانين وأربع مئة . قلتُ: روى عنه أحمد بن سَلْمان السُّكّر. ٣١١- عبدالرحمن بن هبة الرحمن بن عبدالواحد ابن الأستاذ أبي القاسم القُشَيْرِيُّ، أبو خَلَف. (١) من التحبير ١٤١/١. (٢) تقدمت ترجمته في وفيات سنة سبع وخمسين وخمس مئة (الترجمة ٢٤٣). ١٥٨ نَيْسابوريٌّ، وَرِعٌ عالمٌ خَيِّرٌ، مليحُ الوَعْظ، وَلِيَ خطابةَ نَيْسابور بعد والدِهِ، وكان ضريرًا، سَمِعَ أعمام أبيه، وعليّ بن عبدالله بن أبي صادق، وعبدالغَفَّار الشِّيروبي، وإسماعيل بن عبدالغافر الفارسي. روى عنه عبدالرحيم ابن السَّمْعاني، وتُوفي بنسا في يوم عاشوراء. ٣١٢- عبدالرحمن بن محمدٍ بن أحمد بن عليّ ابن الإخوة، أبو الفَتْحِ بن أبي الغَنائم البغداديُّ البَيِّعِ اللُّغَويُّ الأَديب، نزيلُ أصبهان. روى عن أبي الحسن بن فتحان الشَّهْرزُوي مَجْلسًا من ((أمالي ابن بِشران)»، سَمِعَه منه ابن السَّمْعاني، وقال: شابٌ، له معرفةٌ تامةٌ باللُّغة والأدب. تُوفي في صَفَر . ٣١٣- عبدالوَهَّاب بن الحَسَن بن عبدالله، أبو سَعْد الكِرْمانِيُّ الرَّمْجاريُ(١). شيخٌ صالحٌ من أهل نَيْسابور، سَمِعَ أبا بكر بن خَلَف الشِّيرازي، وأبا المظفَّر موسى بن عِمْران، وأبا سَهْل عبدالمَلِك بن عبدالله الدَّشْتي، وغيرهم. ووُلِد في ربيع الأول سنة ثمانين وأربع مئة. وهو آخر مَن روى عن هؤلاء الثَّلاثة فيما أعلم. روى عنه أبو سَعْد ابن السَّمْعاني، وابنه عبدالرحيم، ومحمد بن ناصر بن سَلْمان الأنصاري، وجماعةٌ. ٣١٤- عليّ بنِ حَمْزة بن إسماعيل بن حَمْزة بن حَمْزة بن محمد، السَّيِّد أبو الحَسَنِ العَلَوي المُوسَويُّ الهَرَويُّ . قال ابن السَّمْعاني: كان سَيِّدًا، عالمًا، زاهدًا، عفيفًا، مُواظبًا على الجماعات، سَمِعَ الكثيرَ بهَرَاة من أبي عبدالله محمد بن عليّ العُمَيْري، ونَجيب ابن مَيْمون، ومحمود بن القاسم الأزْدي، والحافظ عبدالله بن يوسف الجُرْجاني، وصاعد بن سَيَّر الكِنَاني، وجماعةٍ، وخَرَّج له أبو النَّضْر عبدالرحمن الفامي جُزءًا ضَخْمًا عن شيوخه. وحدَّث بمَرْو وهَرَاة، وحدَّث (١) منسوب إلى ((رمجار)) محلة كبيرة بنيسابور. ١٥٩ بكتاب ((العَوالي)) لابن عَدِي، وهو مُجَلَّد. ووُلِد سنة ثمانٍ وستين وأربع مئة(١). قلتُ: وقد ذَكَرَه في كتاب ((ذَيْل تاريخ الخطيب))، فقال: عَلَويٌّ، حَسَنُ السِّيرة، مَرْضِيٍّ جميلُ الظَّاهِرِ والباطنِ، كثيرُ العبادةِ والخَيْرِ، يتفقَّدُ الفُقَراء ويُراعيهم، مُحترَمٌ عند أهل بَلَده. قلتُ: روى عنه هو وابنُهُ، وعبدالله بن عيسى بن أبي حبيب الأنصاري، وحفيدُهُ محمد بن إسماعيل بن عليّ المُوسَوي، وحفيدُهُ عليّ بن محمد بن علي المُوسَوي، ويحيى بن محمد بن عبداللَّطيف المَرْوَزِي، وأبو رَوْح عبدالمُعِزِّ الهَرَوي، وآخرون. وعاش إحدى وتسعين سنة، وكان مُسْنِدَ هَرَاة في عصره؛ سَمِعَ ((الجامع)) لأبي عيسى، من أبي عامر الأزْدي. ٣١٥- عُمر بن عليّ بن نَصْر، أبو المَعالي الصَّيْر فيُّ البغداديُّ الخَفَّاف. سَمِعَ رِزْقَ الله التَّميمي، وغيرَهُ. روى عنه القاضي عُمر بن علي القرشي، وإبراهيم بن محمود الشَّعَّار، وعبدالوهاب بن عبدالله الصُّوفي القَصَّار، وآخرون. وآخر مَن روى عنه بالإجازة كَرِيمة بنت عبدالوَهَّاب. تُوفي في شهر ربيع الأول. وآخر من روى عنه بالسَّماع إسماعيل بن باتکین. ٣١٦- محمد بن أحمد بن محمد بن عُمر الأصبهانيُّ المُقدِّر البَنّاء، أبو الخَيْرِ البَاغْبَان. شيخٌ مُسْنِدٌ عالي الإسناد، مَشْهورٌ، سَمِعَ أبا عَمْرو بن مَنْدة، وأبا عيسى ابن زياد، والمُطَهر البزَّاني، وأبا بكر بن ماجة، وحكيم بن محمد الإسْفَرَاييني؛ حدَّث عنه ((بمُسْنَد الشَّافعي)) بسَمَاعه من جَدِّه لأُمِّه عليّ بن محمد السَّقَّاء. روى عنه ابن السَّمْعاني، وجامع بن خُمارتاشٍ، وصالح بن أحمد، ومحمد بن أحمد بن أبي الفَتْح النَّجَّار، ومحمد بن مَكِّي الحنبلي، وأحمد بن صالح بن أحمد الهَرَوي، وداود بن مَعْمَر، وأحمد بنِ عُبَيْدالله المُسْتملي الخاني، وعبدالبَرِّ بن أبي العَلَاَء، ومحمود بن أحمد المُعلِّم، ومعمر بن محمد (١) ينظر التحبير ١ /٥٦٨. ١٦٠