Indexed OCR Text

Pages 761-780

أربع، وراسل مُجِير الدين، والرئيس يقول: إنني ما قصدتُ بنزولي هنا طَلَبًا
لمحاربتكم، وإنما دَعَاني كثرة شكاية أهل حَوْران والعُرْبان؛ أُخِذَت أموالُهم
وأولادُهم، ولا يَنْصرُهم أحدٌ فلا يَسَعني مع القُدرة على نُصْرتهم القُعُودُ عنهم،
مع عِلْمي بعجزكم عن حِفْظ أعمالكم والذَّبِّ عنها، والتَّقْصير الذي دعاكم إلى
الاستصراخ بالإفْرنج على مُحاربتي، وبذلكم لهم أموالَ الضُّعَفاء من الرَّعيَّة
ظُلْمًا وتَعَدِّيًّا. ولابد من المعونة بألف فارس تُجَرَّد مع مُقَدَّم لتخليص ثَغْر
عَسْقلان وغيره. فكان الجواب: ليسَ بيننا وبينك إلا السيف. فكثر تعجُّب نور
الدين، وأنكرَ هذا، وعَزَمَ على الزَّحْف إلى البَلَد، فجاءت أمطارٌ عظيمة منعته
من ذلك. ثم تقرَّر الصُّلْح في أول سنة خمسٍ وأربعين، فإنَّ نور الدين أشفق
من سَفْك الدِّماء، فبذلوا له الطَّاعة، وخَطَبُوا له بجامع دمشق بعد الخليفة
والسُّلْطان، وحَلَفوا له. فخلَع نور الدين على مُجِير الدين خِلْعةً كاملةً بالطَّوْق،
وأعاده مُكْرَمًا، مُحْتَرمًا. ثم استدعى الرئيس إلى المُخَيَّم، وخَلَعَ عليه، وخرج
إليه المُقَدَّمون، واختلطوا به، ورَدَّ إلى حَلَب.
وجاء الخبر بأن الملك مَسْعود نزل على تل باشر وضايقها.
ثم قدم حُجاج العراق وقد أُخذوا، وحَكَوا مُصيبةً ما نزل مثلُها بأحدٍ .
وكان رَكْبًا عظيمًا فيه من وجوه خُراسان وتُنَّائِها وعلمائها، وخواتين الأمراء
خَلْق. فأُخذ جميع ذلك، وقُتل الأكثر، وسَلِم الأقل، وهُتكت الحُرَم، وهَلَكَ
خَلْقٌ بالجُوعِ والعَطَش.
وأما مسعود، فإنه ترحل عن تل باشِر.
وتوجه مجاهد الدين بُزَان إلى حِصْن صَرْخَد، وهو له، لترتيب أحواله.
وعرضت له نَفْرةٌ من صاحب دمشق ورئيسها، ثم طُلب، واصطلَحُوا على شرط
إبعاد الحاجِب يوسف عن دمشق، فأُبعد، فقصد بَعْلَبَك، فأكرمه متوليها عطاء.
وأما مصر، فالأخبار واصلة بالخُلْف المُسْتَمر بين وزيرها ابن مَصَال،
وبين المُظَفَّر ابن السَّلار، فتَمَّت حروبٌ أسفرت عن قتل ابن مَصَال واستيلاء
ابن السَّلار على الأمر، فسكَنَت الفِتْنة. ثم ثار الجُنْد، وجَرَت أمور، وقُتل
جماعة، نسأل الله العافية.
٧٦١

سنة خمس وأربعين وخمس مئة
جاءت الأخبارُ بما جَرَى على رَكْب العِراق، طَمَعَ فيهم أمير مكة،
واستهون بقَيْماز، وطمعت فيهم العَرَب، ووقفوا يَطْلبون رسومَهُم، فأشار
بذلك قَيْماز، فامتنع النَّاسُ عليه، ولما وصلوا إلى الغُرابي خرجت عليهم
العَرَب، في رابع عشر المُحرَّم، فاقتتلوا وظهرت عليهم العَرَب، فأخذوا ما لا
يُحصى، حتى أنه أُخذ من خاتون أخت السُّلطان مسعود ما قيمته مئة ألف
دينار. وذهب للتجار أموال كثيرة. واستَغْنَتَ العربُ، وتمزَّق الناس، وهربوا
مُشاةً في البَرِّية، فماتَ خَلْقٌ جُوعًا وعَطَشًا وبَرْدًا، وطَلَى بعضُ النِّساء أجسادهن
بالطِّين سترًا للعورة. وتَوَصَّل قَيْماز في نَفَرٍ قليل.
وفيها كان الصُّلْح، فإنَّ نور الدين نازلَ دمشق وضايقَها، ثم اتقَى اللهَ في
دِماء الخَلْق، وخرجَ إليه مُجير الدين أبق صاحب البَلَد، ووزيره الرئيس ابن
الصُّوفي، وخَلَع عليهما، ورحل إلى حَلَب والقُلُوب معه لما رأوا من دينه.
قال ابن الجوزي(١): وجاء في هذه السنة باليَمَن مطر كلُّه دم، وصارت
الأرض مرشوشة بالدَّم، وبقي أثره في ثياب النَّاس.
وفيها جَهَّز عبدالمؤمن بن عليّ ثاني مرة جيشًا من المُوَحدين في اثني
عشر ألف فارس إلى قُرْطُبة، لأنَّ الفِرَنج نازلوها في أربعين ألفًا ثلاثة أشهر،
وكادوا أن يملكوها، فكشف عنها الموحدون، ولَطَفَ الله .
وفيها مرض ابن البَلَنْكري، وهو خاص بك التُّركماني أتابك جَيْش
السُّلطان مسعود، فلما عُوفي أسقط المُكُوس .
ثم مات بعد أيام ببغداد مختص الحضرة مَكَّاس البلد، وكان يبالغ في
أذى الخَلْق ويقول: أنا قد فرشت حَصِيرًا في جهنّم.
سنة ست وأربعين وخمس مئة
في عاشوراء نزل أوائل عَسْكر نور الدين بعَذْرا ونَوَاحيها، ثم قصد من
الغد طائفةٌ منهم إلى ناحية النَّيْرَب والسَّهْم، وكَمنوا عند الجَبَل لعسكر دِمَشق،
فلما خَرَجوا جاءهم النَّذِير، فانهزموا إلى البَلَد وسَلِمُوا. وانتشرت العَسَاكر
(١) المنتظم ١٠/ ١٤٣.
٧٦٢

الحلبية بنواحي البَلَد، واستؤصلت الزُّرُوع والفاكِهَة من الأوباش، وغَلَت
الأسعار. وتأهبوا لحِفْظ البَلَد. فجاءت رُسُل نور الدِّين يقول: أنا أؤثر
الإصلاح للرَّعِيَّة وجهاد المُشْركين، فإنْ جئتم معي في عَسْكر دمشق وتعاضدنا
على الجهاد، فذلك المُراد. فلم يُجيبوه بما يُرضيه، فوقعت مناوشة بين
العَسْكرين، ولم يزحف نور الدين رِفْقًا بالمُسلمين. ولكن خربت الغُوطة
والحَوَاضر إلى الغاية بأيدي العساكر وأهل الفَسَاد، وعدم التبن، وعَظُم
الخَطْب، والأخبار متوالية باحتشاد الفِرَنج، واجتماعهم لإنجاد أهل البَلَد.
فضاقت صُدُور أهل الدِّين، فدامَ ذلك شَهرًا، والجَيْش النُّوري في جَمْع لا
يُحصى، وأمداده واصلة، وهو لا يأذن لأحد في التسوّع إلى القِتال، ولكن
جُرِحَ خَلْق.
ثم تَرَخَّل بهم إلى ناحية الأعوج لقرب الفِرَنْج، ثم تَحَوَّل إلى عَيْن الجر
بالبقاع، فاجتمعت الفِرَنْج مع عَسْكر دمشق، وقَصَدوا بُصْرَى لمنازلتها، فلم
يتهيأ لهم ذلك، وانكفأ عَسْكر الفِرَنْج إلى أعمالهم، وراسلوا مُجِير الدِّين
والرئيس المؤيد يَلْتَمسون باقي المُقاطعة المَبْذولة لهم على تَرْحيل نُور الدين،
وقالوا: لولا نحن ما تَرَحل. وورد الخَبَر بمجيء الأسطول المِصْري إلى ثُغور
السَّاحل في هيئةٍ عظيمة وهم سبعون مركبًا حربية مَشْحونة بالرِّجال، قد أُنفق
عليها على ما قيل ثلاث مئة ألف دينار. فقربوا من يافا، فقَتَلُوا وأسروا،
واستولوا على مَرَاكب الفِرنج، ثم قَصُدوا عَكا، ففعلوا مثل ذلك، وقتلوا خَلْقًا
عَظِيمًا من حُجَّاجِ الفِرَنج، وقصدوا صَيْدا، وبَيْروت، وطرابُلُس، وفعلوا بهم
الأفاعيل، ولولا شغل نور الدين بدمشق لأعان الأسطول. وقيل إنه عرض
عَسْكره، فبلغوا ثلاثين ألفًا .
ثم عاد نحو دمشق، وأغارت جنودُه على الأعمال، واستاقوا المواشي،
ونزل بداريا، فنوديَ بخروج الجُنْد والأحداث، فقَلَّ من خَرَج، ثم إنه قرُب من
البَلَدِ، ونزل بأرض القَطِيعة، ووقعت المُنَاوشة. فجاء الخبر إلى نور الدين
بتسلُّم نائبه الأمير حسن تلّ باشر بالأمان، ففرحَ، وضُربت في عَسْكره
الكُوسات والبُوقات بالبشارة. وتوقف عن قتال الدِّمشقيين ديانةً وتَحَرُّجًا.
وترددت الرسُل في الصُّلْح على اقتراحاتٍ تردد فيها الفقيه برهان الدين
٧٦٣

البَلْخِي، وأسد الدين شيركوه، وأخوه، ثم وقعت الأيمان من الجِهَتَين، فَتَرَخَّلَ
إلى بُصْرَى لمضايقتها، وطَلَب من دمشق آلات الحِصَار، لأن واليها سُرخاك قد
عَصَى، ومال إلى الفِرَنْج، واعتضدَ بهم، فتألَّم نُور الدين لذلك، وجَهَّز عَسْكرًا
لقصده .
وفيها كان الوباء المُفْرط بدِمْياط، فهلكَ في هذا العام والذي قبله بها
أربعة عشر ألفًا، وخَلَت البُيُوت.
وفي شهر رَجَب سارَ صاحب دمشق مُجِير الدِّين أبق في خواصه إلى
حَلَب، فأكرمه نُور الدِّين، وقَرَّر معه تَقْرِيرات اقترحها بعد أن بَذَل الطّاعة
والنِّيابة عنه بدمشق، ورجعَ مَسْرِورًا.
وفي شعبان قصدت التُّركُمان بانياس، فخرجت الإفرنج فالتقوا، فعمل
السَّيف في العَدو، وانهزمَ مقدَّمُهم في نَفَرٍ يسير .
وأغارت الفِرَنْج على قُرى البقاعِ، فاستباحوها، فنهضَ عَسْكر من بَعْلَبَك
وخَلْق من رجال البقاع، فلحقوا الفِرَنْج وقد حَبَستهم الثلوج، فقتلوا خَلْقًا من
الفرنج، واستنقذوا الغنائم.
وافتتح نور الدِّين أنْطَرَطُوس في آخرها.
وقَدم السُّلطان بغداد في رمضان، وسأل الواعظ ابن العُبَادي أن يَجْلس
في جامع المنصور، فقيل له: لا تَفْعل، فإن أهلَ الجانب الغربي لا يمكنون إلا
الحَنَابلة. فلم يقبل، وضمن له نَقِيب الثُّقباء الحِمَاية. فجلسَ في ذي الحجة
يومِ جُمُعة، وحَضَر أُستاذ الدار، والنقيبان، وخَلائقُ، فلما شَرَع في الكلام كثُر
اللَّغط والصَّيْحات، ثم أُخِذت عمائم وفُوَط، وجُذبت السُّيوف حول ابن
العُبَادي، فثبت، وسكنَ النَّاسُ ثم وعظَ.
وفيها أسر نور الدين الملك جوسلين فارس الفِرَنج وبطَلَها المَشْهور،
وأخذَ بلادَهُ وهي عَزَاز، وعَيْنتاب، وتل باشِر.
سنة سبع وأربعين وخمس مئة
فيها جاءت الأخبار بموت السُّلطان مسعود بباب هَمَذَان.
وذكر ابن هُبَيرة في ((الإفصاح)) قال: لمَّا تطاول على المُقْتَفي أصحابُ
٧٦٤

مسعود، وأساؤوا الأدب، ولم يمكن المجاهرة بالمُحاربة. اتفق الرأي على
الدُّعاء عليه شَهْرًا، كما دَعَا النبي بََّ على رِعْل وذكوان شَهْرًا، فابتدأ هو
والخَلِيفة سرًّا، كل واحدٍ في موضعه يدعو سَحَرًا، من ليلة تسع وعشرين من
جمادى الأولى، واستمر الأمر كل ليلةٍ، فلما تكمل الشَّهْر، ماتَّ مسعود على
سريره، لم يزد على الشَّهر يومًا، ولا نقص يومًا، فتبارك الله رب العالمين .
واتفق العَسْكر على سَلْطَنة مِلِكْشاه، وقامَ بأمره خاص بَك. ثم إنَّ خاص
بك قَبَض على مَلِكشاه، وطلبَ أخاه محمدًا من خُوزستان، فجاءه فسلَّم إليه
السَّلْطَنة. فلما استقر قَتَل خاص بَك. وهرب شِحنةُ بغداد لما سمع بموت
مَسْعود. وأمر الخليفة: أيُّ من تخلَّفَ من الجُنْد عن الخِدْمة أُبيح دَمُه. وأمر
الخليفة ابنَ النِّظامِ أن يمضي إلى مَدْرستهم، ويُدَرِّس بها وأحْضِرَ الشيخ أبو
النَّجيب مدرسها وأُهين وحُبِسَ، لأنه دَرَّس بها من جهة السُّلطان. وقبضوا على
الحَيْص بَيص، وأخرجوه من بيته حافيًا مُهانًا، وحُبس في حَبس اللُّصوص. ثم
أُحضِر الشيخ أبو النَّجيب إلى باب الثُّوبي، وكُشف رأسُه، وضُرب خَمْسَ دِرَرَ،
ثم حُبِسَ. ثم أُخِذَ البَدِيع الصُّوفي الواعظ صاحب أبي النَّجيب، واثُّهم
بالرّفْضَ، فَشُهِّر وصُفِع.
وبلغَ الخليفةَ أنَّ في نواحي واسط تَخْبِيطًا، فسارَ بعسكره وراءه الناس،
وسارَ إلى واسط، فرَب بها شِخْنةً، ثم مَضَى إلى الحِلة، والكُوفة، ثم عاد إلى
بَغْداد مُؤَيَّدًا مَنْصورًا، فغُلِّقت بغداد، وزُيَّنت، وعُملت القِباب، وعَمِلَ
الذَّهبيون بباب الخان العتيق قُبة، عليها صورة مَسْعود، وخاص بك، وعَباس،
بِحَرَكاتٍ تَدُور، وعُملت قباب عديدة على هذا النَّموذج. وانطلقَ أهلُ بغداد في
اللعب والخَبَال، واللَّهْو إلى يوم عيد النَّحْر.
وفيها كان خروج الغُورية، وحاربهم السُّلطان سَنْجَر. وملكهم حُسين بن
حُسين ملك جِبَال الغور، وهي من أعمال غَزْنَة. فأوَّل ما ملكوا بَلْخ، فقاتله
سَنْجَر، وأسرهُ وعَفَا عنه وأطلَقَهُ، فسارَ حُسين إلى غَزْنَة، ومَلكها بهرام شاه بن
مَسْعود بن إبراهيم بن مَسْعود بن محمود بن سُبُكْتِكين، فانهزم من غیر قِتال،
وتَسَلَّم علاءُ الدِّين حُسين الغُوري غَزْنَة، واستعملَ عليها أخاه سيف الدين،
ورد إلى الغُور. فلما جاءَ الشِّتاء قَدِمَ بَهرام، وقامَ معه أهل غَزْنَة، فقبضَ على
سيف الدِّين وصَلَبه. ثم لم يلبث بهرام شاه أن مات، فأقاموا بعده ولده
٧٦٥

خُسْروشاه، فقصدَهُ علاءُ الدين حُسين، فهربَ منه إلى لهاوور (١) سنة خمسين،
وملك علاء الدين غَزْنَة، ونهبها ثلاثة أيام، وقتل جماعةٌ وبَدَّع، وتَلَقَّب
بالسُّلطان المُعَظَّم. وشال الجتر فوق رأسه على عادة السَّلاطين السُّلْجوقية،
واستعمل ابني أخيه، وهما السُّلطان غياث الدين أبو الفتح محمد بن سام،
وأخوه السُّلطان شهاب الدِّين أبو المظفر محمد، فأحسنا السِّيرة في الرَّعية،
وأحبهما الناس، وانتشر ذِكرهما، وطالَ عُمرهما، ومَلَكا البلاد.
وأول أمرهما أنهما أظهرا عِصْيان عَمِّهما، فبعث إليهما جَيْشًا فهزموه،
فسارَ بنفسه إليهما والتقوا، فأُسر عَمهما علاء الدين فأحسنا إليه، وأجلساه على
التَّخْت، وَوَقَفا في الخِدْمة، فبكى، وقال: هذان صَبِيان فَعَلا ما لو قدرت عليه
منهما لم أفعله. وزوَّجَ غياثَ الدين بابنته، وفوَّضٍ إليه الأمورَ من بعده فلما
مات استقل غياث الدين بالمُلْك. ثم ملكت الغُز غَزْنَة خمس عشرة سنة،
وعسفوا وظَلَموا مدة، ثم حاربهم غياث الدين ونُصر عليهم فافتتحَ البلاد،
وأحسنَ، وعَدَل.
وفيها جاءت الأخبار بافتتاح أنْطَرَطُوس وقَتْل من بها من الفِرَنج، وأُمّن
بعضُهم، وافتتحَ نُور الدين ◌ِدَّة حُصون صغار. وظَفر أهلُ عَسْقلان بِفِرَنجِ غَزَّة
وقتلوا خَلْقًا .
سنة ثمان وأربعين وخمس مئة
فيها خَرَجت الثُّرك على السُّلطان سَنْجَر وهم الغُز، يدينون بالإسلام في
الجُملة، ويفعلون فعل التَّتار. فكانت بينهم وبينه مَلْحمة عظيمة، فكُسر
سَنْجَر، واستُبيح عَسْكره قَتْلاً وأسْرًا، ثم هَجَمَت الغُز نَيْسابور، فقُتل معظم من
فيها من المُسلمين، ثم ساروا إلى بَلْخ، فملكوا البَلَد، وكانت عِدَّتهم فيما قيل
مئة ألف خَرْكاه. ثم أسروا سَنْجَر واحتاطوا به، وذاقَ الذُّلَّ، وملكوا بلاده
وبقَّوا الخطبة باسمه، وقالوا: أنتَ السُّلطان ونحن أجنادُك، ولو أمِنَّا إليك
لمكنّاك من الأمر؛ وبقي معهم صورةٌ بلا مَعْنَى.
(١) هي المعروفة اليوم بلاهور.
٧٦٦

وكانت الغُز تركمان ما وراء النهر، قال ابن الأثير (١): لما تَمَلَّكت الخَطَا
ما وراء النَّهر، طَرَدُوا الغُز، فنزلوا بنواحي بَلْخ على مراعيها، واسم مقدَّميهم:
دينار، وبختيار، وطوطى، وأرسلان، وجغر، ومحمود، فأرادَ قُماج نائب
سَنْجَر على بَلْخ إبعادهم، فصانَعُوه، وبذلوا له مالاً، وأقاموا على حالةٍ حَسَنة لا
يُؤذون ويُقيمون الصَّلاة، ويؤتون الزّكاة. ثم عاودهم قُماج، وأمرهم بالتَّرخُل،
فامتنعوا وتَجَمَّعوا، فخرج قُماج إليهم في عشرة آلاف فهزموه، ونَهَبوا عَسْكره
وأموالَهُ، وأكثروا القَتْل في العَسْكر والرَّعايا، وأسروا النِّساء والأطفال، وقتلوا
الفُقهاء، وعَملوا العَظائم، وخَرَّبوا المَدَارس، وانهزم قُماج إلى مَرْو.
وأرسل السُّلطان سَنْجَر يتهددهم، فاعتذروا، وبذلوا له مالاً، فلم
يُجِبْهم، وجمع عساكره من النَّواحي، فاجتمع معه ما يزيدُ على مئة ألف
فارس، والتقاهم فهزموه، وتبعوا عسكره قَتْلاً وأسرًا، فصارت قَتْلى العَسْكر
كالتِّلال. وقُتل الأمير علاء الدِّين قُماج وأُسر السُّلطان وجماعة من أمرائه،
فَضَربوا أعْنَاق الأمراء. ونزلت أمراء الغُزْ فَقبَّلوا الأرضَ بين يدي سَنْجَر،
وقالوا: نحن عبيدك، ولا نخرجُ عن طاعتك، فقد عَلِمنا أنك لم تُرِدْ قِتَالنا،
وإنما حُمِلتَ عليه، فأنتَ الُّلطان، ونحن العَبِيد، فمضَى على ذلك شَهْران أو
ثلاثة، ودخلوا معه إلى مَرْو، وهي كُرسي المُلَّك، فطلبها منه بختيار إقطاعًا،
فقال: هذه دار المُلْك، ولا ينبغي أن تكون إقطاعًا لأحد. فصَفَّى له واحِدَةَ،
فلما رأى ذلك، نزل عن سريره، ثم دخل خانكاه مَرْو، وتابَ من المُلك،
واستولى الغُز على البلاد، وظهرَ من جورهم ما لم يُسمع بمثله، وولوا على
نَيْسابور واليًا، فَعَلَّق في السوق ثلاث غَرَائر، وقال: أريد ملء هذه ذَهبًا، فثار
عليه العامة فقَتَلُوه، وقتلوا من معه فركبت الغُز، ودخلوا بلد نَيْسابور،
ونَهَبُوها، وقتلوا الكِبار والصِّغار، وأحْرَقُوها، وقتلوا القُضاة والعُلماء في البلاد
كُلها. ويتعذَّر وَصْفُ ما جَرَى منهم على تلك البلاد، ولم يسلم منهم شيء
سوی هَرَاة ودهستان فامتنعت بحصانتها .
وساق بعضُهم قصة الغُز وفيها طُول، قال: وفارق السُّلطان سَنْجَر جميعُ
أمراء خُراسان، ووزيرهُ طاهرُ ابن فخر المُلْك ابن نظام المُلْك، ولم يبق عنده
(١) الكامل ١٧٦/١١ فما بعد.
٧٦٧

غيرُ نَفْرٍ يسيرٍ من خَوَاصه، فلما وصلت الأمراء إلى نَيْسابور، أحضروا سُليمان
شاه بن محمد بن ملكشاه، فدخلَ نَيْسابور في جمادى الآخرة من سنة ثمانٍ
وأربعين، وخَطَبوا له بالسَّلْطنة، وساروا فواقعوا الغُز، وقتلوا منهم مَقْتلة.
فتجمّعت الغُز للمصاف، فلما التقى الجَمْعان انهزم الخُراسانيون يقصدون
نَيْسابور، وتبِعَتْهم الغُز، ودخلوا طُوس فاستباحوها قَتْلاً وسَبْيًّا، وقتلوا إمامها
محمد المارشكي، ونقيب العلويين عليًّا المُوسوي، وخطيبها إسماعيل بن
عبدالمحسن، وشيخ الشيوخ محمد بن محمد. ووصلوا إلى نَيْسابور سنة تسع
وأربعين في شوال، فلم يجدوا دونها مانعًا، فنهبوها نهبًا ذَريعًا، وقَتَلوا أهلها،
حتى أنه أُحْصيَ في محلتين خمسة عشر ألف قتيل. وكانوا يطلبون من الرَّجل
المالَ، فإذا أعطاهم المال قتلوه. وقتلوا الفقيه محمد بن يحيى الشافعي، ورثاه
جماعة من العلماء؛ وممن قُتل الشيخ عبدالرحمن بن عبدالصمد الأكاف
الزَّاهد، وأحمد بن الحسن الكاتب سِبْط القُشَيْري، وأبو البركات ابن الفُرَاوي،
والفقيه الصَّبَّاغ أحد المتكلمين، وأحمد بن محمد بن حامد، وعبدالوهاب
المُولْقاباذي، والقاضي صاعد بن عبدالملك بن صاعد، والحُسين بن عبدالحميد
الرَّازي، وخَلْق. وأحرقوا ما بها من خزائن الكُتُب، فلم يسلم إلا بعضُها،
وفعلوا ما لا تفعله الكفار، وانحل أمر السلطان بالكُلية، فاجتمع الأمراء،
وراسلوا محمود بن محمد ابن أخت السُّلطان سَنْجَر، وخطبوا له بخُراسان،
وأحضروه ومَلَّكوه، وانقادوا له في شَوَّال سنة تسع. وساروا معه إِلى الغُز،
وهم يحاصرون هَرَاة، فَجَرت بينهم حروب في أكثرها الظَّفَر للغُز. وكان
لسَنْجَر مملوك اسمه أي أبَه، ولَقَبُه المؤيّد، استولى على نَيْسابور، وطوسٍ،
ونَسَا، وأبِيْوَرْد، وأزاح الغُز، وقتل منهم خَلْقًا، وأحسن السيرة، وعظُم شأنُه،
وكثُرْ جَمْعُه، والتزم بحمل مالٍ إلى الخاقان محمود بن محمد ابن أختِ سَنْجَر.
قال ابن الأثير(١): وفيها أخذت الفِرَنج عَسْقلان، وكانت للظَّافر بالله
وكان الفِرَنج كل سنةٍ يقصدونها ويحصرونها، وكان المصريون يرسلون إليها
الأسلحة والذخائر والأموال. فلمَّا قُتل ابن السَّلار في هذا العام اغتنم الفِرَنج
اشتغالَ المصريين، ونازلوها، وجَدُّوا في حِصَارها، فخرجَ المُسلمون
وقاتلوهم وطَرَدوهمٍ، فأيسوا من أخذها، وعزموا على الرحيل عنها، فأتاهم
الخَبَر بأن أهل البَلَد قد اختلفوا، وذلك لأنهم لما قهروا الفرنج داخَلَهُم
العجب، وادعى كل طائفة أن النُّصْرة على يده، ووقع بينهم خصامٌ على ذلك،
(١) الكامل ١٨٨/١١ - ١٨٩.
٧٦٨

حتى قُتل بينهم رجل، فعظُمت الفِتْنة، وتفاقم الشر، وتحاربوا، فقُتل بينهم
جماعة، وزحفت الفِرَنْج في الحال، فلم يكن على السور من يمنعهم، فملكوا
البَلَد، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وفيها بعث المُقْتفي عَسْكِرًا يحاصرون تَكْريت، فاختلفوا وخامر ترشك
المُقْتفوي، واتفق مع متولي تَكْريت، وسَلَكوا دَرْب خُراسان، ونهبوا وعاثوا،
فخرجَ الخليفة لدَفْعهم، فهربوا، فسارَ إلى تَكْريت، وشاهد القَلْعة ورجع، ثم
برزَ السُّرادق للانحدار إلى واسط لدفع مَلِكشاه عنها، فانهزم إلى خُوزستان،
فنزل الخليفة بظاهر واسط أيامًا، ورجعَ إلى بغداد.
وسَلِمَ يوم دخوله الوزير ابن هُبَيرة من الغَرَق، انفلقت السَّفينة التي كان
فيها، وغاصوا في الماء، فأعطى للذي استنقذه ثيابه، ووقّع له بذَهَبٍ كثير.
وفيها قتلةُ العادل عليّ بن السَّلَّر بمصر.
وفيها حاصر الملك غياث الدين الغُوري مدينة هَرَاة، وتَسَلَّمها بالأمان،
وكانت للسُّلطان سَنْجَر.
وفيها سار شهاب الدِّين الغُوري أخو غِياث الدِّين، فافتتح مدينةً من
الهند، فتحَّبت عليه مُلوك الهند، وجاؤوا في جَيْشِ عَرَمْرَمٍ، فالتقوا، فانكسر
المُسلمون. وجاءت شهابَ الِدِين ضَرْبةٌ في يده اليَّسرى بطلت منها. وجاءته
ضربةٌ أخرى على رأسه فسقطُ، وحَجَزَ اللَّيل بين الفريقين، والتُمس شهاب
الدين بين القَتْلَى، فحمله أصحابه ونجوا به، فغَضِبَ على أُمرائه لكونهم
انهزموا، وملأ لكل واحدٍ منهم مِخْلاة شعير، وحلفَ لئن لم يأكلوه ليَضْربن
أعناقهم، فأكلوه بعد الجَهْد. ثم نجده أخوه بجيش ثقل(١)، فالتقى الهندَ ونُصر
عليهم.
قال ابن الأثير(٢): عاد الهنود، وسارت ملكتهم في عددٍ يضيق عنه
الفضاء فراسلها شهاب الدين الغُوري بأنه يتزوجها، فأبت فبعثَ يُخادعها،
وحفظ الهنود المَخَاضات. فأتى هِنْدي إلى شهاب الدِّين، فذكر أنه يعرف
مخاضةً، فجهّز جَيْشًا عليهم حُسين بن خرميك(٣) الغورِي الذي صار صاحب
هَرَاة بعد. وكان شُجاعًا مَذْكوِرًا، فساروا مع الهِنْدي، وكَبَسوا الهنود، ووضعوا
فيهم السَّيف، واشتغلَ الموكَّلون بحِفْظ المخَاضات، فعبرَ شهاب الدِّين في
(١) في الكامل لابن الأثير ١١/ ١٧٣ الذي ينقل منه المصنف: ((وأنفذ إليه جيشًا عظيمًا)).
(٢) الكامل ١١/ ١٧٣ - ١٧٤ .
(٣) في المطبوع من الكامل: ((خرميل)) آخره لام وما هنا من خط المصنف.
تاريخ الإسلام ٤٩٥/١١
٧٦٩

العَسْكر، وأكثروا القَتْل في الهُنود، ولم ينج منهم إلا من عَجَزَ المُسلمون عنه.
وقُتلت ملكتهم. وتمكن شهابِ الدِّين من بلاد الهِنْد، والتزموا له بحَمْل
الأموال وصالَحُوه. وأقطعَ مملوكَهُ قُطْب الدين أيْبَك مَدينة دَهْلي، وهي كرسي
مملكة الهند، وجَهَّز جَيْشًا، فافتتحوا مواضع ما وصلَ إليها مُسلمٌ قبله، حتى
قاربوا جهة الصِّین.
وفي صفر توجه صاحب دمشق مُجير الدين، ومعه مؤيّد الدين الوزير،
فنازل بُصْرى لمخالفته له ولجَوْره على أهل النَّاحية، وسَلم إليه مُجاهد الدين
مفاتيح صَرْخَد، فأعطاهُ جُملةً. ثم صالحه سُرخَاك نائب بُصْرَى.
وجاءت الأخبار بأنَّ نُور الدِّين يجمع الجيوش للغزو، وليكشف عن أهل
عَسْقلان، فإنَّ الفِرَنْج نزلوا عليها في جَمْعَ عَظيم، فتوجه مُجير الدِّين صاحب
دمشق إلى خدمة نُور الدِّينِ، واجتمعَ به في أمر الجهاد، وساروا إلى بانياس،
فبلغهم أخذُ عسقلان وتَخَاذُل أهلها واختلافهم.
ومر من شرح حال الرَّئيس وتمكنه من وزارة دمشق، فعرض الآن بينه
وبين أخويه عِز الدَّولة وزين الدَّولة مشاحنات وشر أفضت إلى اجتماعهما
بمُجير الدين صاحب دمشق، فأنفذَ يستدعي الرئيس للإصلاح بينهم، فامتنعَ،
فآلت الحال إلى أن تمكن زين الدَّولة منه بإعانة مُجير الدِّين عليه، فتقرَّر بينهما
إخراج الرئيس من دمشق وجماعته إلى قَلْعة صَرْخد مع مجاهد الدين بُزان، وتَقَلَّد
زين الدولة الوزارة. فلم يلبث إلا أشهرًا، فظلم فيها وعَسَف، إلى أن ضَرَبَ
عنقه مجيرُ الدين، ورَد أمرَ الرياسة والنَّظر في البَلَد إلى الرئيس رضي الدين أبي
غالب عبدالمُنعم بن محمد بن أسد بن عليّ التميمي، فاستبشر الناس قاطبةً.
وكان الغلاء بدمشق شَدِيدًا، بلغت الغرارة خمسة وعشرين دينارًا، ومات
الفُقِراء على الطُّرُق، فعزمَ نُور الدين على منازلتها، وطمع لهذه الحال في
تملُکھا .
وأما رضي الدينِ التَّمِيمي، فإنه طُلِبٍ إلى القَلْعة، وشُرِّف بالخِلَع المكملة،
والمَرْكوبِ بالسّخت(١)، والسَّيف المُحَلَّى، والتُّرس، وركب معه الخَواص إلى
داره، وكُتب له التَّقْليد، ولُقِّب بالرئيس الأجل وجيه الدولة شرف الرؤساء.
وَنفَّذَ مُجيرُ الدِّين إلى بَعْلَبَك، فاعتقلَ وقيّد متولِيها عَطاء الخادم، وكان
جَبَّارًا، ظالمًا، غَشُومًا، فسُرَّت بمصرعِه النُّفوس، ونُهِبَت حَوَاصله، ثم ضُربت
عُنُقه .
(١) السخت: قطعة من الجلد، كأنها كانت توضع على ظهر الحيوان.
٧٧٠

سنة تسع وأربعين وخمس مئة
فيها نَفَّذَ الخليفة عَسْكرًا، فما أخذوا تَكْريت بعد حصار ومجانيق وتَعَب،
وقُتل من الفريقين عِدَّة، ثم رأى الخليفة أن أخذها يطول، فرجع بعد أن نازلها
مدة أيام. ثم بعد شهر عرض جيشه، فكانوا ستة آلاف، فجهزهم لحصارها مع
الوزير ابن هُبَيرة، وأنفق في الجيش نحو ثلاث مئة ألف دينار، سوى الإقامة،
فإنها كانت تزيد على ألف كُرٍّ، فوصلَ الخَبَرُ بأنَّ مسعود بلال جاءَ في عَسْكرٍ
عظيم إلى شهرابان، ونَهَبُوا النَّاس، وطلب ابن هُبيرة للخروج إليهمٍ.
وكان مسعود بلال وألْبقش قد اجتمعا بالسُّلطان محمد، وحَثَّه علىٍ قَصْد
العراق، فلم يتهيأ له، فاستأذناه في التَّقدُّم أمامه، فأذن لهما، فجمعا خَلْقًا من
التّركمان، ونزلا في طريق خُراسان، فخرجَ الخليفة إليهما، فتنازلوا ثمانية عشر
يومًا، وتَحَصَّن الثُّركمان بالخَرْكاوات(١) والمَوَاشِي. ثم كانت الوقعة في سَلْخ
رجب، فانهزمت ميسرة الخليفة وبعض القَلْب، كسرهم مسعود الخادم،
وتُرْشك. وثبتَ الخَليفة، وضربوا على خِزانَتِهِ، وقتلوا خازنه يحيى بن يوسف
الجَزَري، فجاء مَنْكورس، وأمير آخر، فقبّلا الأرض، وقالا: يا مولانا، ثَبِّتْ
علينا ساعة حتى نحمل، فقال: لا والله إلا مَعَكُما. ورفع الطَّرْحة، وجذب
السَّيف، ولبسَ الحَدِيد هو وولى العهد وكَبَّرا، وصاحَ الخليفة: يا آلَ مُضَر (٢)،
كذب الشيطان وفر ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب ٢٥] فحمل
العَسْكر بجُملته، وَوَقَع القتال، حتى سُمِعَ وَفْع السيوف كوقع المَطارق على
السَّنادين، وانهزم القوم وسُبِيَ الثُّركمان، وأخذت مواشيهم وخَيْلهم، فقيل:
كانت الغنم أربع مئة ألف رأس، فبيعت كل ثمانينٍ بدائق. ثم نُودي برد من
سُبِيَ من أولادهم، وأخذ ألْبقشُ أرسلان شاه بن طُغْرُل، وهرب به إلى بلده،
وانهزم تُرْشك، ومسعود الخادم إلى القَلْعة. ثم أغارا بعد أيام على واسط،
ونهبوا ما يختص بالوزير ابن هُبَيرة فنَدَبَهُ الخليفة إلى القتال، فخَّرِجَ بالعَسْكر،
فانهزمَ العدو، فأدركهم، ونهبَ منهم، وعاد منصورًا، فخلع عليه الخليفة،
ولَقَّبه: سُلطان العراق، مَلِك الجُيوش. وعرض الجيش في أُبَّهَة كاملة .
ولما كان يوم الفِطْر، جاء مطرٌ ورعدٌ وبَرْق، وزُلْزلت بغداد من شدة
الرَّعد، ووقعت صواعق، منها صاعقة في التاج المُسْتَرشدي.
(١) جمع خركاه، وهي الخيمة.
(٢) هذه رواية ابن الجوزي في المنتظم ١٥٧/١٠. أما رواية ابن الأثير فإنه صاح: ((يا آل هاشم)).
٧٧١

وجاءت الأخبار بمجيء محمد شاه، وبإنفاذه إلى عَسْكر المَوْصل
يَسْتنجد بهم، وإلى مَسْعود بلال صاحب تَكْريت يستنجد به، فأخرجَ الخليفة
سُرَادقه، واستعرِضَ الجَيْش، فزادوا على اثني عشر ألف فارس، فجاء الخبر
بموت ألبقش، فَضَعُف محمد شاه وبَطَّل، فَتَسْخَب جماعةٌ من أمرائه، ولجؤوا
إلى الخليفة، وحَصَلَ الأمنُ.
ثم جَرَّد الخليفة ألفي فارس إلى جهة هَمَذَان.
وفيها حدث بنواحي واسط ظهورُ دم من الأرض، لا يُعلم له بسببٍ .
وجاءت الأخبار أنَّ السّلطان سَنْجَر تحت الأسر وتحت حكمية الغَز، وله
اسم السَّلْطنة، وراتبه في قدر راتبِ سائسٍ من سياسه، وأنه يَبْكي على نَفْسِه.
ودخلت الغُز مرو وغيرها، فَقَتلوا خَلْقًا، ونهبوا، وبَدَّعوا.
وفيها قُتل بمصر خليفتُها الظَّافر بالله العُبَيدي وهو شاب، وأقاموا الفائز
صبيًّا صغيرًا، ووَهَى أمر المصريين. فكتب المُقْتفي لأمر الله عَهْدًا لنور الدِّين
محمود بن زَنْكي، وولاه مصر، وأمرَهُ بالمَسِير إليها، وكان مَشْغولاً بحرب
الفِرَنج، وهو لا يُفتر من الجهاد، وما له إلا أيامًا قد تَمَلَّكَ دمشق في صَفَر،
وأخذها من صاحبها مجير الدين أبق بن محمد بن بُوري بن طُغْتِكين .
وكانت الفِرَنْج قد ملكوا عَسْقلان، وطمعوا في دمشق، حتى أنهم
استعرضوا من بها من الرَّقيق، فمن أراد المُقام تَرَكوه، ومن أراد العَوْد إلى
وطنه أخذوه قَهْرًا من مالكه. وكان لهم على أهلها كل سنة قطيعة، فتجيء
رُسُلُهم ويأخذون من النَّاس. فراسل نور الدين مالكها مجير الدِّين واستماله،
وواصَلَه بالهَدَايا، وأظهرَ له الموذَّة حتى رَكَن إليه، وكان يرسل إليه أن فلانًا قد
بعث إليَّ وكاتبني في تَسْليم دمشق فاحذره. فكان مجير الدين يقبض على ذلك
الرجل، أو يقطع خَبَره، إلى أن قبض على نائبه عطاء بن حَفاظ وقتلَهُ. وكان
نور الدِّين لا يتمكن مع وجود عطاء من أخذ دمشق. ثم كاتب نور الدين من
بدمشق من الأحداث، فاسْتَمالهم وَوَعَدَهُم، ومَنَّاهم، فوعدوه بأن يسلموا إليه
البَلَدِ، فلما وصل نُور الدِّين إلى دمشق بعث مُجيرُ الدين يستنجد بالفِرَنجِ،
فَتَسَلَّم نور الدين البَلَد من قبل أن يَقْدَمُوا، وذلك أن نور الدين حاصرها، فسلّم
إليه أهلُ البَلَد من ناحية الباب شرقي، وحصر مجير الدِّين في القَلْعةِ، وبذل له
إِنْ سَلم القلعةَ بلدَ حِمْص، فنزل، فلما سار إلى حِمْصِ أعطاه عِوَضَها بالِس،
فَغَضِبَ ولم يرضها، وسار إلى بغداد، فبقي بها مدةً، وبنى بها دارًا فاخرة
بقُرب النّظامية .
٧٧٢

وفيها ثارت الإسماعيلية، واجتمعوا في سبعة آلافٍ مقاتل من بين فارس
وراجل، وقَصَدُوا خُراسان ليملكوها عندما ينزل بها من الغُز، فتجمع لهم أمراءً
من جُنْد خُراسان، ووقعَ المَصاف، فهزمَ الله الإسماعيلية، وقتل رؤوسهم
وأعيانَهُم، ولم ينج منهم إلا الأقلِ. وخَلَت قلاعهم من الحُماة. ولولا أن
عَسْكر خُراسان كانوا مشغولين بالغُز لَمَلكوا حصونهم، واستأصلوا شأفَتَهم.
وفي أولها قدم شيركوه رسولاً من نور الدِّين، فنزل بظاهر دمشق في ألف
فارس، فوقعَ الاستيحاش منه، ولم يخرجوا لتلقِّيه. وترددت المُرَاسلات، ولم
يَتَّفق حال. ثم أقبل نور الدين في جيوشه، فنزل ببيت الآبار وزحفَ على
البَلَد، فوقعت مُناوشة، ثم زحف يومًا آخر، فلما كان في عاشر صَفَر باكَرَ
الزَّحف، وتهيَّأ لصِدْق الحرب، وبرز إليه عَسْكر البلد، ووقع الطّراد، وحَمَلوا
من الجهة الشرقية من عدة أماكن، فاندفعوا بين أيديهم، حتى قربُوا من سُور
باب كَيْسان والدَّبَّاغة، وليسَ على الشُّور آدمي، لسوء تدبير صاحب دمشق،
غير نَفَرٍ يسير من الأتراك لا يُعَوِّل عليهم، فتسرع بعض الرَّجالة إلى السُّور،
وعليه يهودية، فأرسلت إليه حَبْلاً، فصعد فيه، وحصل على السُّور، ولم يَدْر
به أحد، وتَبِعه من تَبِعه، ونَصَبُوا عَلَمًا وصاحوا: نُور الدِّين يا منصور. فامتنع
الجُند والرَّعَية من الممانعة محبةً في نور الدين، وبادر بعض قَطَّاعي الخَشَب
بفأسه، فكسر قُفل الباب الشَّرقي، فدخل العَسْكر. وفتح باب توما، وِدِخل
الجُنْد، ثم دخل نور الدين، وسُرَّ الخلق. ولما أحس مُجير الدين بالغَلَبَة،
انهزمَ إلى القَلْعة، وطلبَ الأمان على نفسه وماله، ثم خرج إلى نور الدين، فطيّب
قلبه. وتَسَزَّع الغوغاء إلى سوق عليّ وغيره، فنهبوا، فنودي في البلد بالأمان.
وأخرجَ مُجيرُ الدِّين ذخائره وأموالَهُ من القلعة إلى الدَّار الأتابكية دار جده، ثم
تُقدِّم إليه بعد أيام بالمسير إلى حِمْص فِي خَوَاصه، وكُتِبَ له المَنْشور بها .
وقد كان مجاهد الدين بُزَان قد أُطلق يوم الفتح من الاعتقال، وأُعيد إلى
داره .
ووصل الرئيس مؤيَّ الدِّين المُسَيَّب ابن الصُّوفي إلى دمشق متمرضًا،
فمات ودُفن في داره. وفرح الناس بهلاكه.
سنة خمسين وخمس مئة
في أولها جاءت الأخبار إلى بغداد بدخول الغُز التركُمان نَيْسابور،
والفتك بأهلها، فقتلوا بها نَحْوًا من ثلاثين ألفًا، وكان سَنْجَر معهم، عليه اسم
٧٧٣

السَّلْطَنَةِ، وهو في غاية الإهْنَة بين الغُز، ولقد أرادَ يومًا أن يركب، فلم يجد من
يحمل سلاحه، فَشَدَّه على وسَطه وإذا قُدِّم إليه الطعام خَبأ منه شيئًا لوقتٍ
آخر، خوفًا من انقطاعه عنه.
وفيها كانت وقعة بين شَمْلة التّركماني وبين عَسْكر الخليفة، فهزموه
وتبعوه، ثم خرج له كمينٌ فهزمهم، ثم أذعن بطاعة الخليفة، وأطلق الأسرى.
وفيها سار المُقْتفي إلى الكوفة، واجتاز في سُوقها، ودخلَ جامعها .
وفي أولها سارَ الصَّالح طلائع بنِ رُزِّيْكِ(١) من الصَّعيد على قَصْد القاهرة
للانتقام من عباس صاحب مصر الذي قَتَلَ الظَّافر بالله. فلما سمع بمجيئه عباسٌ
خرِجَ من مصر لقلة من بقي معه من الجُنْد، وسارَ نحو الشام بما معِه من
الأموال والتُّحف التي لا تُخْصَى، لأنه كان استولى على القَصْرِ، وتَحَكَّم في
ذخائره ونَفَائسه. فخرّجت عليه الفِرَنْج من عَسْقلان، فقاتلوه وقتلوه، واستولوا
على جميع ما معه، وأسروا ابنه نَصْرًا، وباعوه للمصريين.
وأما طلائع فدخل القاهرة بأعلام مسودة، وثيابٍ سُود في هيئة الحُزْن،
وعلى الرِّماح شعور النِّساء مُقَطَّعة حُزْنًا على الظَّافر. ثُم نَبَشَ الظَّافر من دار
عباس، ونقلهُ إلى مقبرة آبائه.
وجاءت مراكب الفِرَنْج من صِقِلِّية، فأرسوا على تِنِيس وهَجَمُوها، فقتلوا
وأسروا، وردُوا بالغنائم، وخافَ أهلُّ مصر من استيلاء الفِرَنْج، فإنا لله وإنا إليه
راجعون، حتى عزم ابن رُزِّيك وزيرُها على موادعة الفِرَنج بمالٍ يُحمل إليه من
الخزانة، فأنكر ذلك الأمراءُ، وعَزَموا على عَزْله.
وأما المُقْتفي لأمر الله، فإنه عَظُم سُلْطانه، واشتدَت شَوْكته، واستظهر
على المُخالفين، وأجمعَ على قَصْد الجهات المُخالفة لأمره.
وأما نور الدين، فإنه سارَ بجَيْشه، فملك عِدَّة قلاع وحُصُون بالسَّيف
وبالأمان من بلاد الرُّوم، من نواحي قُونية وعَظُمت ممالكه وبَعُدَ صِيتُه، وبعث
إليه المُقْتفي تقليدًا، وأمره بالمَسِير إلى مِصْرَ، ولُقِّب بالمَلِك العادل.
(١) قيده ابن خلكان في وفيات الأعيان ٢/ ٥٣٠ فقال: ((بضم الراء وتشديد الزاي المكسورة
وسكون الياء المثناة من تحتها وبعدها كاف)).
٧٧٤

بِسْمِ اللَّهِ الرََّنِ الرَّحـ
(الوفيات)
سنة إحدى وأربعين وخمس مئة
١- أحمد بن حامد بن أحمد بن مَحْمود الثَّقَفيُّ، أبو طاهر
الأصبهانيُّ، حفيد الشَّيْخ أبي طاهر.
تُوفي في هذه السنة؛ قاله عبدالرحيم الحاجي(١).
قلت: هو والد أبي المجد زاهر الثقفي، من أعيان طلبة الحديث
بأصبهان يلقَّب بالرَّفيع، من بيت علم ورياسة وجلالة، وله شعر حسن، وخط
مليح، قرأ الكثير لولده.
قال ابن السَّمعاني: لما قدمتُ صادفتُه يقرأ لولده (مُسْند أبي يَعْلَى))، على
أبي عبدالله الخلال. سمع القاسم الثَّقَفي، وأبا مطيع. وُلد سنة ثمانين تقريبًا .
٢- أحمد بن محمد بن أحمد، أبو نصر الحَديثِيُّ المُعَدَّل البَغْداديُّ.
تفقه على أبي إسحاق الشيرازي. وكان من أوائل شهود قاضي القضاة
الزَّيْنبي، تُوفي في جمادى الآخرة، وحَضَرَهُ القضاة والكبار.
روى عنه ابن السَّمْعاني، وقال: وُلد سنة سَبْع وخمسين وأربع مئة.
وتُوفي في جمادى الآخرة، وصلى عليه ابنه أبو طالبَ رَوْح. حدثنا عن أبي
الفَضْلِ بن طَوْق(٢) .
٣- أحمد بن محمد بن محمد بن إبراهيم بن الإخْوة، أبو العباس
البَغْدادِيُّ العَطَّار الوكيل .
سمع أبا القاسم ابن البُسْري، وأبا منصور العُكْبَري. وهو آخر من حدَّث
بكتاب ((المُجْتَنَى)) لابن دُرَيْد، عن العُكْبَري.
(١) الوفيات، الترجمة ١٤٣ .
(٢) ينظر المنتظم ١٢١/١٠.
٧٧٥

روى عنه ابن السَّمْعاني، وقال: شيخٌ بَهيٌّ، حسنُ المنظر، خَيِّرٌ، متقرِّبٌ
إلى أهل الخَيْر، وهو أبو شَيْخَيْنا عبدالرحيم وعبدالرحمن. تُوفي في خامس
رمضان .
وروى عنه جماعة آخرهم أبو الفَرَج الفتح بن عبدالسَّلام الكاتب. عاش
ستًّا وثمانين سنة .
٤- إبراهيم بن محمد بن أحمد بن مالك، أبو أحمد العاقُوليُّ،
الوَزَّان.
شيخٌ من أهل باب الأزج لا بأس به، سمع عاصم بن الحسن، وجماعة.
وكان مولده في سنة ثلاثٍ وستين وأربع مئة.
روى عنه أبو سَعْد السَّمْعاني، وقال: تُوفي في جمادى الأولى هو وأخوه
محمد في يوم واحد.
وروى عنه يوسف بن المبارك الخَفَّاف. وأجازَ لأبي منصور بن عُفَيْجَة
وغيره.
٥- إسماعيل بن أبي سَعْد أحمد بن محمد بن دُوست، أبو البَرَكات
النَّيْسابوريُّ الصُّوفيُّ، شیخُ الشیوخ ببغداد.
وُلد سنة خمسٍ وستين وأربع مئة ببغداد، وسمع من أبي القاسم
عبدالعزيز الأنماطي، وأبي القاسم ابن البُسْري، وأبي نصر الزَّيْنَبِي، ورِزْق الله
التَّمِيمي، وجَمَاعة.
قال ابنُ السَّمْعاني(١): كان على شاكلةٍ حَمِيدة إلى أن طعن في السِّنِّ.
وكان وَقورًا، مَهِيبًا، ما عُرفت له هَفْوَة. قرأتُ عليه الكثير، وكنتُ نازلاً عنده
في رباطه .
قلت: وروى عنه ابناه عبدالرحيم وعبداللَّطيف، وعبدالخالق بن أسد،
وأبو القاسم ابن عَسَاكر، وسِبْطُه عبد الوَهَّاب بن سُكَيْنة، وأحمد بن الحسن
العاقُولي، وسُليمان بن محمد المَوْصلي، وطائفة سواهم.
تُوفي في عاشر جُمَادى الآخرة، وعُمل له عُرْس على عادة الصُّوفية، غُرِم
علیه نحو ثلاث مئة دينار.
(١) في ((ذيل تاريخ مدينة السلام))، كما في مختصره لابن منظور، الورقة ١٤٢.
٧٧٦

قال ابن النَّجَّار: سمعتُ ابن سُكَيْنة يقول: لمَّا حضَرَتْ جَدي الوفاةُ كنت
حاضرًا، وأولاده حوله، وهو في السِّياق، فقالت له والدتي: يا سَيِّدي، ما
تجد؟ فما قدر على النُّطْق، فكتب بيده على يدها: ﴿فَرَوْعٌ وَرَتِجَانٌ وَحَنَّتُ
نَعِيمٍ ﴾﴾ [الواقعة] ثم ماتَ رضي الله عنه.
٦- إسماعيل بن عليّ بن طاهر، أبو عليّ المَوْصليُّ ثم البَغْدادُّ.
سمع أباه عن أبي الحسن بن مَخْلَد. روى عنه ابنُ السَّمْعاني، وابنُ
طَبَرْزَد، تُوفي سنة إحدى وأربعين في جُمادى الأُولى(١).
٧- أمينُ الدَّولة، نائب قَلْعة صَرْخد، وقَلْعة بُصْرَى، واسمه
کمشتکین.
أميرٌ جليلٌ كثيرُ الحُرْمة. وَلاه على القَلْعتين. الأتابك طُغْتكين، فامتدت
أيامه إلى أن تُوفي في ربيع الآخر سنة إحدى وأربعين.
وهو واقف المدرسة الأمينية بدمشق.
ولما ماتَ تَوَّب مملوكه ألْتُنْنَاش فتملَّك بُصْرى، وصَرْخد، وانتصرَ
بالفِرَنج وحالَفَهُم، فسار لحربهم نائبُ دمشق مُعين الدِّين أُنر فهزمهم، وانهزم
معهم إلى بلادهم ألْتُنْناش. ونازل أُنْر قلعتي بُصْرَى وصَرْخد، فافتتحهما.
٨- بختيار بن عبدالله، أبو الحسن (٢) الهنديُّ، عَتِيق أبي بكر محمد
ابن منصور السّمعاني .
سمع ببغدادَ، وأصبهان، وهَمَذَان كثيرًا مع مولاه. وحدَّث عن أبي سعد
محمد بن عبدالملك الأسدي، وأبي سعد محمد بن عبدالكريم بن خُشَيش.
روى عنه أبو سَعْد ابن مُعْتقه، وقال(٣): تُوفي في ثاني صَفَر.
(١) لعله من ((ذيل تاريخ مدينة السلام)) للسمعاني، كما يدل عليه مختصره لابن منظور، الورقة
٠١٤٥
(٢) هكذا بخط المصنف، وهو وهم لا أشك فيه، فهو في مختصر ذيل تاريخ مدينة السلام
لابن السمعاني بخط ابن منظور: ((أبو محمد»، وكذلك في ((الهندي)) من أنساب
السمعاني فكأنه سبق قلم من المصنف، توهم فيه بالذي بعده، فهو الذي يكنى («أبا
الحسن)) .
(٣) في ((ذيل تاريخ مدينة السلام))، كما في مختصره لابن منظور، الورقة ١٥٥ - ١٥٦.
وينظر ((الهندي)) من أنسابه .
٧٧٧

٩- بختيار بن عبدالله الهنديُّ، أبو الحسن الصوفيُّ، عتيق القاضي
أبي منصور محمد بن إسماعيل البُوشَنْجي .
رحل مع مولاه إلى بَغْداد، وسمع أبا نَصْر محمد بن محمد الزَّيْنبي،
وعاصم بن الحسن. روى عنه أبو القاسم ابن عساكر، وأبو سَعْد السَّمعاني.
وقد سَمَّاه مولاه بعد العِثْق عبدالرحيم بن عبدالرحمن(١).
قال أبو سَعْد(٢): رحلَ إلى بغداد، والحِجَاز، والبَصْرة، وأصبهان،
وعُمِّر، وهو شيخ، صالح، متعبد، مُتَخَلٍّ من الدُّنيا. سمع أيضًا بالبَصْرة من
أبي عليّ التُّسْتري، وانتخبتُ عليه بفوشَنْج ثلاثة أجزاء. وحُملٍ من فوشنج إلى
هَرَاة، ونزل في دار الحافظ أبي النَّضْر الفامي، وكانت محطّ رحال الشيوخ
الطارئين، وقُرىء عليه كتاب ((الشُّنَّة)) للالكائي. وكان شيخًا متيقظًا، قد ناطح
الثمانين، تُوفي بفوشنج في سنة إحدى وأربعين أو سنة اثنتين(٣).
١٠- الحسن بن محمد بن أحمد بن عليّ، أبو محمد الإسْتراباذيُّ
الحَنفَيُّ الفقيه، قاضي الرَّي.
قَدِمَ بغداد سنة ستٍّ وسبعين، وتَفَقه على قاضي القُضاة أبي عبد الله
الدَّامَغاني حتى برعَ في الفقه، وسمع من أبي نَصْر الزَّيْنبي، وعاصم بن
الحسن، وابن خَیْرون، وطِرَاد.
قال ابن السمعاني (٤): كتبتُ عنه بالري، ووُلد في جمادى الأولى سنة
خمسٍ وخمسين وأربع مئة بإستراباذ وتُوفي بالزّي في أواخر جمادى الآخرة.
وكان يرى الاعتزال، وفيه بُخْل، فقالوا فيه :
وقاضٍ لنا خُبزه رَبّهُ ومذهبُهُ أنه لا يُرَى
١١- الحُسين بن الحسن بن أبي نَصْر بن يوسف المَرْوَروذيُّ، أبو
محمد الصَّائغ، المعروف بالحاجي.
دخلَ بغداد، وسَمِعَ مع أبي بكر السَّمْعاني من ثابت بن بُنْدار، وبهَمَذَان
(١) سيعيده المصنف باختصار بهذا الاسم ويشير إلى هذه الترجمة (الترجمة ٣٥).
(٢) في ((ذيل تاريخ مدينة السلام))، كما في مختصره لابن منظور، الورقة ١٥٥. وينظر
((الهندي)) من أنسابه.
(٣) ذكر في ((الهندي)) من الأنساب أنه توفي سنة اثنتين وأربعين أو ثلاث.
(٤) في ((ذيل تاريخ مدينة السلام))، كما في مختصره لابن منظور، الورقة ٢٠١ .
٧٧٨

من مكي بن بنجير الحافظ، وعبدالرحمن الدُّوني، وبأصبهان من أبي الفَتْح
أحمد بن محمد الحَدَّاد.
تُوفي في العشرين من رمضان؛ روى عنه أبو سَعْد(١).
١٢ - حنبلُ بن عليّ بن الحسين بن الحسن، أبو جعفر البُخاريُّ ثم
السِّجِسْتانيُّ الصُّوفيُّ.
قدم هَراة، وأدركَ بها شيخَ الإسلام أبا إسماعيل، وصحبه، وسمع منه.
ومن أبي عامر محمود بن القاسم الأزدي، وأبي نَصْر التِّرياقي، ونَجِيب بن
مَيْمون، وأحمد بن عُبيدالله بن أبي سعيد الأرُزِّي، وببغداد من ابن طلحة
النِّعالي، وابن البَطِر، وأبي بكر الطُّرَيْثيثي.
روى عنه أبو سَعْد السَّمْعاني، وابنُ عساكر، وأبو رَوْح عبدالمُعز،
وجماعة، وأجازَ لعبدالرحيم ابن السَّمعاني.
وكان شيخًا، كيسًا، ظَرِيفًا حدَّث بِمَرْو، وهَرَاة. ووُلد بسِجِسْتان في سنة
أربع وستين وأربع مئة، ورحل وهو ابن بِضْع عشرة سنة، وتُوفي بهَرَاة في
السَّاَبع والعشرين من شَوَّال .
١٣- خَلفُ بن محمد بن أبي الحسن بن أبي الحُسين بن هارون
البُوشَنْجِيُّ، أبو عليّ المُحْتَسب، نزيلُ هَرَاة.
كان يخدم جَمال الإسلام أبا الحسن الدَّاودي، وسمع منه مجلسين.
وأجازَ لعبدالرحيم ابن السَّمْعاني. وعُمِّر دَهْرًا طويلاً. وآخر من رَوى عنه أبو
رَوْح الهروي.
قال أبو سَعْد السَّمْعاني(٢): وجدنا له مَجْلسين من أمالي الدَّاودي،
فقرأناهما. وُلد في غرة ربيع الأول سنة ثلاثين وأربع مئة، وكان صالحًا مُعَمَّرًا،
رحمه الله .
١٤- زَنْكي بن آقسُنْقُر، الملك عماد الدِّين صاحب المَوْصل،
ويُعرف أبوه بالحاجب قسيم الدولة التُّركي وقد تَقَدَّم ذكره.
وزنكي فَوَّض إليه السُّلطان محمود بن محمد بن مَلِكشاه السُّلْجوقي ولاية
(١) التحبير ٢٢٨/١ - ٢٢٩.
(٢) التحبير ٢٦٦/١.
٧٧٩

بَغْداد وشُرطتها في سنة إحدى عشرة وخمس مئة، ثم نقله إلى المَوْصل، وسَلَّم
إليه ولده فَرُّوخ شاه المُلَقب بالخَفَاجي ليربيه، ولهذا قيل له أتابك، وذلك في
سنة اثنتين وعشرين. واستولى على البلاد، وقوي أمره، وافتتح الرُّها في سنة
تسع وثلاثين. وَتَرَقَّت به الحال إلى أن مَلَك المَوْصل، وحلب، وحَمَاة،
وحِّمْص، وبَعْلَبَك، ومدائن كثيرة يطول تَعْدادها. وسار بجيشه إلى دمشق
وحاصرها، ثم استقرَّ الحال على أن خُطب له بدمشق. واسترجعَ عدة حصون
من الفِرَنْج، مثل كَفَرْطاب والمَعَرَّة والرُّها.
وكان بَطلاً، شُجاعًا، صارمًا. وقد نازل قلعة جَعْبَر، وصاحبها يومئذٍ
عليّ بن مالك، فحاصرَها، وأشرفَ على أخذها، فأصبحَ يوم الأربعاء خامس
ربيع الآخر مَقْتولاً، قتلَهُ خادمُه غيلة وهو نائم، ودُفن بصِفِّين عند الرَّقَّة. وسار
ولده الملك نور الدِّين محمود، فاستولَى على حَلَب، واستولى ولده الآخر
سيف الدِّين غازي أخو قُطْب الدين مَوْدود الأعرج على المَوْصل.
قال ابن الأثير (١): نزلَ أتابك زَنْكي على حِصْنَ جَعْبرِ المُطل على
الفُرات، وقاتله من بها، فلما طالَ أرسلَ إلى صاحبها ابن مالك العُقَيْلي رسالة
مع الأمير حَسَّان المَنْبِجي، لمودةٍ بينهما في مَعْنَى تَسْليمها، ويبذل له الإقطاع
والمال، ويتهدده إن لم يَفْعِل، فما أجاب؛ فقُتل أتابك بعد أيام، وَثَب عليه
جماعة من مماليكه في اللَّيل، وهربوا إلى القَلْعة، فدخلُوها، فصاحَ أهلُها
وفرحوا بقتله، فدخل أصحابه إليه. حدَّثني أبي، عن بعض خواصه، قال:
دخلتُ إليه في الحال وهو حي، فظن أني أريد قَتْله، فأشار إليَّ بإصبعه
يَسْتَعطفني، فقلت: يا مولانا من فَعَل هذا؟ فلم يقدر على الكلام، وفاضَت
نفسه .
قال: وكان حسن الصُّورة، أسمرَ، مليحَ العينين، قد وَخَطَه الشَّيْبُ،
وزادَ عمره على السِّتِّين، وكان صَغِيرًا لما قُتل أبوه. وكان شديد الهَيْبة على
عَسْكره ورَعِيَّته، وكانت البلاد خَرَابًا من الظُّلم ومجاورة الفِرَنجِ، فَعَمَّرها .
حكى لي والدي، قال: رأيتُ المَوْصل وأكثرها خَرَاب، بحيث يقف
الإنسان قريب محلة الطَّبَّالين، ويرى الجامع العَتِيق، ودار السُّلطان، ولا يقدر
(١) الكامل ١٠٩/١١ فما بعد.
٧٨٠