Indexed OCR Text

Pages 341-360

على الشَّامِ، فسار بعساكره، فبدأ بالرَّحْبة، فحاصَرَها، ومرض مرضًا حادًّا،
فتسلم القَلْعة، ومات بعد ساعة، وبقي مَطْروحًا على بساط، وتَفَرَّق جيشُه،
ونهبَ بعضُهم بعضًا، فأرادَ غِلْمانه أن يُقيموا ولدَه، فأشارَ الوزير أنوشروان
بالأتابك زَنْكي لحاجة الناس إلى من يقوم بإزاء الفِرَنج، لعنهم الله .
وفيها سُئل أبو الفتوح الإسْفراييني في مجلسه ببغدادَ عن الحديث: (( لم
يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات)). فقال: لم يصح، والحديث في
((الصحيح))(١).
وقال يومًا على المنبر: قيل يا رسول الله كيف أصبحت؟ فقال: أعمى
بين العُميان، ضالاً بين الضُّلّل. فاستحضره الوزير، فأقرَّ، وأخذَ يتأوَّل
تأويلات فاسدة، فقال الوزير للفُقهاء: ما تقولون؟ فقال ابنُ سَلْمان مُدَرِّس
النّظامية: لو قال هذا الشافعي ما قبلنا منه، ويجب على هذا أن يجدِّد إيمانَهُ
وتوبتَهُ، فمُنع من الجُلوس بعد أن استقرَّ أنه يجلس، ويشد الزِّنَّار، ثم يقطعه
ويَتُوب، ثم يرحل. فَنَصَرَهُ قومٌ من الأكابر يميلون إلى اعتقاده، وكان أشعريًّا،
فأعادوه إلى الجلوس، وكان يتكلّم بما يُسْقِط حُرْمة المُصْحَف من قُلُوب
العوام، فافتتن به خَلْقٌ، وزادت الفِتَن ببغداد، وتَعَرَّض أصحابه لمسجد ابن
جَرْدة فرجموه، ورُجِم معهم أبو الفتوح. وكان إذا ركب يلبس الحديد ومعه
الشُّيوف مُسَلَّلَة، ثم اجتاز بسُوق الثُّلاثاء، فرُجِمَ ورُميت عليه الميتات، ومع
هذا يقول: ليس هذا الذي نتلوه كلام الله، إنما هو عبارة ومَجَاز(٢). ولما مات
ابن الفَاعُوس انقلبت بغداد، وغُلِّقت الأسواق، وكان عوام الحنابلة يصيحون
على عادتهم: هذا يوم سُنِّي حنبلي لا أشعري ولا قُشَيْرِي ويُصَرِّحُون بسَبِّ أبي
الفتوح هذا. فمنعه المسترشد بالله من الجلوس، وأمره أن يخرج من بغداد.
وكان ابنُ صَدَقة يميلُ إلى السُّنَّة، فَنَصرهم.
(١) هو في البُخاري من طريق الأعرج عن أبي هريرة ١٠٥/٣ و٢١٨ و٢٧/٩، ومن طريق
محمد بن سيرين عن أبي هريرة ١٧١/٤ و٧/٧، وهو عند مسلم أيضًا ٧/ ٩٨.
(٢) كتب تاج الدين السبكي بخطه على نسخة المؤلف فقال: ((أبو الفتوح الإسفراييني رضوان
الله عليه من كبار أهل السنة، ومن ذوي الكرامات الظاهرة، وما نَسَبه إليه من الاستخفاف
بالقرآن كذب وزور، فهو وغيره من الأشاعرة يُصَرِّحون بتكفير من استخف بالمصاحف،
وشيخنا الذهبي لا يرجع عن عاداته، عفا الله عنه)).
٣٤١

ثم ظهر عند إنسان كُرَّاس قد اشتراها، فيها مكتوب القرآن، وقد كُتِب
بين الأسطر بالأحمر أشعار على وزن أواخر الآيات. ففُتِّش على كاتبها، فإذا
هو مودِّب، فكُبِسَ بيتُه، فإذا فيه كراريس كذلك، فحُمِل إلى الدِّيوان، وسُئِل
عن ذلك، فأقرَّ، وكان من أصحاب أبي الفُتُوح، فنُودي عليه على حِمَار،
وشَهِرَ، وهَمَّت العامة بإحراقه، ثم أُذِن لأبي الفتوح، فجلسَ.
وظهر في هذه الأيام الشيخ عبدالقادر الجيلي، فجلس في الحَلْبة،
فتشبّث به أهل السُّنة، وانتصروا بحُسْنِ اعتقاد(١) النَّاس فيه(٢).
سنة اثنتين وعشرين وخمس مئة
فيها تُوفي ابن صَدَقة الوزير، ونابَ في الوزارة عليّ بن طِرَاد.
وفيها ذهب السُّلطان محمود إلى السُّلطان سَنْجر، فاصطلحا بعد خُشونة،
ثم سَلَّم سَنْجَر إليه دُبَيْسًا، وقال: تعزل زنكي ابن آقْسُنْقُر عن المَوْصِل والشَّام.
وتُسَلِّم البلادَ إلى دُبَيْس، وتسأل الخَلِيفة أن يَرْضى عنه، فأخذَهُ ورحلَ.
وقال أبو الحسن ابن الزَّاغوني: تُقُدِّم إلى نَقِيبِ النُّقباء ليخرج إلى
سَنْجر، فرفع إلى الخزانة ثلاثين ألف دينار، ليُعْفَى، فَتُقُّدِّم إلى شيخ الشيوخ
ليخرجَ، فرفع إلى الخزانة خمسة عشر ألف دينار ليُعْفَى.
وتطاولَ للوزارة عزّ الدَّولة بن المُطَّلب، وابن الأنباري، وناصحُ الدَّولة
ابن المُسْلِمة، وأحمد ابن نظام المُلْك، فمُنِعوا من الكلام في ذلك.
وفي أوَّل السنة سارَ عمادُ الدِّين زَنْكي فملك حَلَب، وعَظُم شأنه،
واتسعت دولته.
سنة ثلاث وعشرين وخمس مئة
في المحرَّم دخلَ السُّلطان محمود بغداد، وأقامَ دُبَيْس في بعض الطَّريق،
واجتهد في أن يُمَكَّنَ دُبَيْسٌ من الدخول فلم يُمَكَّن، ونفذ إلى زنكي ليسلم
البلاد إلی دُبَيْس فامتنع .
(١) كتب المصنف بخطه أنه في نسخة أخرى من المورد الذي ينقل منه: «وحَسُنَ اعتقادُ)).
(٢) كتب المصنف بعد هذا وقعة مرج الصفر المذكورة في السنة الماضية، وأولها: ((وقيل:
كانت وقعة مرج الصفر المذكورة سنة عشرين في هذه السنة، فساقها ابن الأثير ...
إلخ))، ثم ضرب عليها.
٣٤٢

وأمرَ السُّلطان بالخَتْم على أموال وقف مدرسة أبي حنيفة ومطالبة العُمَّال
بالحِساب، ووَكَّلَ بقاضي القُضاة الزَّيْنَبِي لذلك. وكان قد قيل للسُّلطان إن دَخْلَ
المكان ثمانون ألف دينار، ما يُنفق عليه عُشره.
وفي ربيع الآخر خَلَع المُسْترشد على أبي القاسم عليّ بن طِرَاد
واستوزَرهُ.
وضمن زَنْكي أن ينفّذَ للسُّلطان مئة ألف دينار، وخَيْلاً، وثيابًا، على أن
يُقَرَّ في مكانه. واستقَرَّ الخليفةُ على مثل ذلك، على أن لا يُولَّى دُبَيْسٌ
شيئًا. وباع الخليفةُ عقارًا بالحَرِيم، وقُرَّى لذلك، وما زال يُصَحِّح. ثم إن دُبَيْسًا
دخلَ إلى بغداد بعد جُلوس الوزير ابن طِراد، ودخل دار السُّلطان، وركب في
الميدان ورآه النَّاسُ.
وجاء زَنْكي فخدمَ السُّلطان، وقَدَّم تُحَفًا، فخلع عليه، وأعاده إلى
المَوْصل ورحل السلطان، وسُلِّمت الحِلَّة والشِّخْنكية إلى بَهْروز.
وكانت بنت سَنْجر التي عند ابن عَمِّها السُّلطان محمود قد تَسَلَّمت دُبَيْسًا
من أبيها، فكانت تشد منه وتمانع عنه، فماتت، ومرضَ السُّلطان محمود،
فأخذ دُبَيْس ولدًا صغيرًا لمحمود، فلم يعلم به حتى قَرُب من بغداد، فهربَ
بَهْروز من الحلة، فقصَدها دُبَيْس ودخَلها في رمضان وبعثَ بَهْروز عَرَّف
السلطان، فطلب قُزل والأجهيلي، وقال: أنتما ضمنتما دُبَيْسًا، فلا أعرفه إلا
منکما .
وساق الأجهيلي يطلبُ العراقَ، فبعث دُبَيْس إلى المُسْترشد: إن رضِيتَ
عَني رددْتُ أضعافَ ما نفذ من الأموال، فقال النَّاسُ: هذا لا يُؤْمن، وباتوا
تحت السِّلاح طول رمضان، ودُبَيْس يَجْمع الأموال، ويأخذ من القُرَى، حتى
قيل: إنه حَصَّل خمس مئة ألف دينار، وإنه قد دَوَّن عشرة آلاف، بعد أن كان
قد وصل في ثلاث مئة فارس. ثم قَدِمَ الأجهيلي بغداد، وقَبَّل يد الخليفة،
وقَصَدَ الحِلة. وجاء السُّلطان إلى حُلْوان، فبعث دُبَيْس إلى السُّلطان رسالة
وخمسين مهرًا عربية، وثلاثة أحمال صناديق ذَهَب، وذُكِرَ أنه قد أعدَّ إن رَضي
عنه الخليفة ثلاث مئة حصان، ومئتي ألف دينار، وإنْ لم يرضِ عنه دخل
البَرِّيَّة. فبلغه أن السُّلطان حنقَ عليه، فأخذَ الصبي وخرجَ من الحِلَّة، وسار إلى
٣٤٣

البَصْرة، وأخذَ منها أموالاً كثيرةً. وقَدِمَ السُّلطان بغداد، فبعثَ لحربه قُزل في
عشرة آلاف فارس، فسار دُبَيْس ودخل البَرِّيَّة .
وفي سنة ثلاث أظهرَ عمادُ الدِّين زنكي بن آقْسُنْقُر أنه يريد جهاد الفِرَنج،
وأرسلَ إلى تاج المُلُوكِ بُوري يستنجدُهُ، فبعثَ له عَسْكرًا بعد أن أخذَ عليه
العهد والميثاق، وأمر ولدَهُ سونج أن يسير إليه من حماة، ففعل، فأكرمهم
زنكي، وطمَّنهم أيامًا، وغَدَر بهم، وقَبَض على سونج، وعلى أمراء أبيه،
ونهب خيامهم، وحَبَسهم بحلب، وهَرَب جُنْدهم. ثم سار ليومه إلى حَمَاة،
فاستولى عليها، ونازل حِمْص ومعه صاحبها خيرخان(١) فأمسكَهُ، فحاصرها
مدة، ولم يقدر عليها ورجع إلى المَوصل، ولم يُطْلق سونج ومن معه حتى
اشتراهم تاج الملوك بوري منه بخمسين ألف دينار. ثم لم يتمْ ذلك. ومقتَ
النَّاسُ زنكي علی قبیح فِعْله.
وفيها وَثَبت الباطنيةُ على عبداللَّطيف ابن الخُجَنْدي رئيس الشافعية
بأصبهان، ففتكوا به .
وأما بهرام، فإنه عَتَى وتَمَرَّد على الله، وحَذَّثته نفسُهُ بقتل بَرْق بن جَنْدل
من مُقَدمي وادي التَّيْم لا لسبب، فخدَعَهُ إلى أن وقعَ في يده فَذَبَحهُ. وتألم
الناسُ لذلك لشهامته وحُسْنه وحداثة سنه، ولعنوا من قَتَلَهُ علانيةً، فحملت
الحَمِيَّة أخاه الضَّخَّاك وقومه على الأخذ بثأره، فَتَجَمَّعوا وتحالفوا على بَذْل
المُهَج في طلب الثأر. فعرف بهرام الحال، فقصدَ بجموعه وادي التَّيم، وقد
استعدوا لحَرْبه، فنهضوا بأجمعهم نهضة الأسود، وبيَّتوه وبَذَلُوا السُّيوف في
البَهْرامية، وبَهْرام في مُخَيَّمه، فثار هو وأعوانه إلى السِّلاح، فأرهقتهم سيوف
القَوْم وخناجرهم وسهامهم، وقُطِعَ رأسُ بهرام لعنه الله.
ثم قامَ بعده صاحبه إسماعيل العَجمي، فَحَذَا في الإضلال والاستغواء
حَذْوهُ، وعامله الوزير المَزْدقاني بما كان يعامل به بهرامًا، فلم يُمْهله الله، وأمرَ
الملك بُوري بضرب عنقه في سابع عشر رمضان، وأحرقَ بدنَهُ، وعَلَّق رأسه،
(١) جَوّد المصنف ضبطه بخطه بياء آخر الحروف بعد الخاء المعجمة، وهي كذلك في نسخة
من مخطوطات الكامل لابن الأثير كما يدل على ذلك المطبوع منه ٦٥٩/١٠، ومنه ينقل
المصنف، وسيأتي هذا الخبر في حوادث السنة الآتية نقلاً من ذيل تاريخ دمشق لابن
القلانسي.
٣٤٤

وانقلب البَلَد بالشُّرور وحُمِدَ الله وثارت الأحداث والشُّطار في الحال بالشُّيوف
والخناجر يقتلون من رأوا من الباطنية وأعوانهم، ومن يُتَّهم بمَذْهَبهم،
ووتتبعوهم حتى أَفْنَوْهم، وامتلأت الطُّرُق والأسواق بجيفهم. وكان يومًا
مشهودًا أعز الله فيه الإسلام وأهلَهُ. وأُخِذ جماعةُ أعيانٍ منهم شاذي الخادم
تربية أبي طاهر الصَّائغ الباطني الحَلَبي، وكان هذا الخادم رأسَ البلاء. فعُوقب
عقوبةً شَفَت القلوب، ثم صُلِب هو وجماعة على السُّور.
وبقي حاجب دمشق يوسف فيروز، ورئيس دمشق أبو الذَّوَّاد مُفَرِّج بن
الحسن ابن الصُّوفي يلبسان الدُّروع، ويركبان وحولهما العَبيد بالسيوف، لأنهما
بالغا في استئصال شأفة الباطنية .
ولما سَمِعَ إسماعيل الدَّاعي وأعوانُه ببانياس ما جرى انخذلوا وذلُوا،
وسلَّم إسماعيل بانياس إلى الفِرَنج، وتَسَلل هو وطائفته إلى البلاد الإفرنجية في
الذِّلة والقِلة. ثم مرض إسماعيل بالإسهال، وهلك وفي أوائل سنة أربع
وعشرين. فلما عرف الفِرَنج بواقعة الباطنية، وانتقلت إليهم بانياس، قويت
نفوسهم، وطمعوا في دمشق، وحشدوا وتألبوا، وتَجَمَّعوا منِ الرُّها، وأنطاكية،
وطرابُلُس، والسَّواحل، والقُدس، ومن البَحْر، وعليهم كُنْدهر الذي تَمَلَّك
عليهم بعد بَغْدوين، فكانَ نحوًا من ستين ألفًا، من بين فارسٍ وراجلٍ، فتأهَّبَ
تاج الملوك بُوري، وطلب التُّرْكُمان والعرب، وأنفقَ الخَزَائنَ وأقبل الملاعين
قاصدين دمشق، فنزلوا على جسر الخَشَب والمَيْدان في ذي القَعْدة من السنة،
وبرز عَسْكر دمشق، وجاءت التُّرْكُمان والعرب، وعليهم الأمير مري(١) بن
ربيعة، وتَعَبَّوا كراديس في عِدَّة جهات، فلم يبرز أحدٌ من الفِرَنج، بل لزِموا
خيامهم، فأقامَ النَّاسُ أيامًا هكذا، ثم وقعَ المصاف، فحملَ المُسلمون، وثبت
الفِرَنج، فلم يزل عَسْكِر الإسلام يكر عليهم ويفتك بهم إلى أن فشلوا وخُذلوا.
ثم ولى كليام مُقَدَّم شُجعانهم في فريقٍ من الخَيَّالة، ووضعَ المُسلمون فيهم
السَّيف، وغُودروا صَرْعَى، وغَنِم المسلمون غَنِيمةً لا تُحد ولا تُوصف، وهرب
جيش الفِرَنج في اللَّيل، وابتهجَ الخَلْقُ بهذا الفَتْحِ المُبين.
(١) هكذا بخط المصنف، وفي ذيل تاريخ دمشق ٢٢٥: ((مرة)).
٣٤٥

ومنهم من ذكر هذه الملحمة في سنة أربع كما يأتي، وانفرجت الكُرْبة،
وجاء من نصر الله تعالى ما لم يخطر ببال،ً وأمِن الناس، وخرجوا إلى
ضياعهم، وتَبدَّلُوا بالأمن بعد الخوف.
وفيها قُتِل من كان يُرْمَى بمذهب الباطنية بدمشق، وكان عددهم ستة
آلاف. وكان قد قُتل ببغداد من مُدَيْدَة إبراهيم الأَسَدَاباذي، وهرب ابن أخيه
بهرام إلى الشَّام وأضَلَّ خَلْقًا بها. واستَغْواهم، ثم إنَّ طُغْتِكين وَلاه بانياس،
فكانت هذه من سيئات طُغتِكين، عفا الله عنه. وأقام بهرام له بدمشق خليفة
يَدْعو إلى مذهبه، فكَثُر بدمشق أتباعه، وملك بهرام عدة حصون من الجبال
منها القَدْمُوس. وكان بوادي النَّيْم طوائف من الدُّرْزية والتُّصَيْرِية والمَجُوس،
واسم كبيرهم الضَّحَّاك، فسارَ إليهم بهرام وحاربهم، فكبس الضخَّاك عَسْكر
بهرام، وقتلَ طائفة منهم، ورجعوا إلى بانياس بأسوأ حال. وكان المَزْدقاني
وزير دمشق يُعينهم ويُقويهم. وأقام بدمشق أبا الوفاء، فكثُر أتباعه وقويت
شوكتُهُ، وصارَ حُكْمه في دمشق مثل حكم طُغتِكين. ثم إنَّ المَزْدقاني راسلَ
الفِرَنج، لعنهم الله، ليُسَلِّم إليهم دمشق، ويُسَلِّموا إليه صُور. وتواعدوا إلى يوم
جُمُعة، وقَرَّر المَزْدقاني مع الباطنية أن يحتاطوا ذلك اليوم بأبواب الجامع، لا
يُمَكِّنون أحدًا من الخروج، ليجيء الفِرَنج ويملكِ دمشق. فبلغ ذلك تاج
المُلوك بُوري، فطلب المَزْدِقاني وطَمَّنه، وقَتَلَهُ وعَلَّق رأسه على باب القَلْعة،
وبذَل السَّيف في الباطنية، فقتلَ منهم ستة آلاف. وكان ذلك فَتْحًا عظيمًا في
الإسلام في يوم الجمعة نصف رمضان. فخافَ الذين ببانياس وذلُّوا، وسلموا
بانياس إلى الفرنج، وصاروا معهم، وقاسوا ذُلاً وهوانًا .
وجاءت الفِرَنج ونازلت دمشق، فجاء إلى بغداد في النَّغِير عبدالوَهَّاب
الواعظ ابن الحنبلي، ومعه جماعة من الثُّجار، وهَمُّوا بكسر المِنْبر، فوُعِدوا
بأن يُنَفَّذ إلى السُّلطان في ذلك، وتناخَى عسكر دمشق والعرب والتُّركُمان،
فكبسوا الفِرَنج، وثَبَت الفريقان، ونَصَرَ الله دينَهُ وقُتِلَ من الفِرَنجِ خَلْق، وأُسِر
منهم ثلاث مئة، وراحو بشر خَيْبَة، ولله الحمد.
٣٤٦

سنة أربع وعشرين وخمس مئة
وردت أخبار بأنَّ في جُمادَى الأولى ارتفعَ سحابٌ أمطرَ بَلَدَ المَوْصل
مَطَرًا عَظِيمًا، وأمطرَ عليهم نارًا أحرقت من البَلَد مواضع ودُورًا كثيرةً، وهربَ
النَّاسُ.
وفيها كُسِرت الفِرنج على دمشق، وقُتل منهم نحو عشرة آلاف، ولم
يفلت منهم سوى أربعين، وصَل الخبر إلى بغداد بذلك، وكانت مَلْحمة عظيمةً.
وفيها كانت ملحمة كُبرى بين ابن تاشفين، وبين جَيْش ابن تومرت، فقُتِل
من المُوَحدين ثلاثة عشر ألفًا، وقُتِل قائدهم عبدالله الوَنْشَريسي، ثم تَحَيَّز
عبدالمؤمن بباقي المُوَحِّدين. وجاءَ خبر الهَزِيمة إلى ابن تُومرت وهو مريضٌ،
ثم ماتَ في آخر السَّنة .
وفيها راسل زَنْكي بن آقْسُنْقُر صاحب حلب تاج الملوك بُوري يلتمس منه
إنفاذ عَسْكره ليحارب الفرنج، فَتَوثَّق منه بأيْمانٍ وعُهُود، ونَفذ خمس مئة
فارس، وأرسل إلى ولده سُونج وهو على حَمَاة أن يسير إلى زنكي، فأحسن
ملتقاهم وأكرَمَهُم، ثم عَمِل عليهم، وغَدَر بهم، وقَبَضَ على سِونج وجماعة
أمراء، ونَهَب خيامهم، وهربَ الباقون. ثم زَحَفَ إلى حماة فتَمَلَّكها، ثم ساق
إلى حِمْصٍ، وغَدَر بصاحبها خيرخان بن قَراجا واعتقله، ونهب أمواله، وطلبَ
منه أن يُسَلِّمه حمص، ففعل، فأبى عليه نوابه بها، فحاصرها زنكي مدة،
ورجع إلى المَوْصل ومعه سونج، ثم أطلقه بمالٍ كثير(١).
وفيها قُتِل صاحب مصر الخليفة الآمر بأحكام الله .
وفي سنة أربع قُتِل أمير سمرقند، فسار السُّلطان سَنْجر فاستولى عليها،
ونزل محمد خان مِّن قلعتها بالأمان، وهو زوج بنت سَنْجر، وأقامَ سَنْجر
بسمر قند مدة .
وأما أهل حلب فكانوا مع الفِرَنج الذين استولوا على حِصْن الأثارب في
ضُرٍّ شديد لقربهم منهم، والأثارب على ثلاثة فراسخ من غُرْبي حلب، فجاء
عمادُ الدين زَنْكي في هذا العام وحاصَرَهُ، فسارت ملوك الفِرَنج لنجدته
(١) تقدم في حوادث السنة الماضية نقلاً من ابن الأثير، وما هنا من ذيل أبي يعلى القلانسي
٢٢٧ - ٢٢٨.
٣٤٧

وللكشف عنه، فالتقاهم زَنْكي، واشتدَ الحربُ، وثبت الفريقان ثباتًا كُلِيًّا ثم
وقعت الكَسْرة على المَلَاعين، ووُضِعِ السَّيْف فيهمٍ، وأُسِر منهم خَلْقٌ. وكان
يومًا عظيمًا، وافتتح زنكي الحصن عَنْوةً، وجعله دًّا.
ثم نزل على حارِم، وهي بالقُرب من أنطاكية، فحاصرها، وصالحهم على
نِصْف دَخْلها. ومنها ذَلَّت الفِرَنج، وعَلموا عجزهم عن زَنْكي، واشتد أزْر
المُسلمين .
وعَدَّى زنكي الفراة(١)، فنازل بعض ديار بكر، فحشد صاحب ماردين
لقتاله، ونَجَده ابنُ عمِّه داود بن سُقمان من حصن كَيْفا، وصاحب آَمِد، حتى
صاروا في عشرين ألفًا، فهزمهم زنكي، وأخذَ بعضَ بلادهم.
وفيها مات الآمر بأحكام الله صاحب مصر(٢)، ووَلِيَ بعده الحافظ.
وفيها ماتت زوجة السُّلطان محمود خاتون بنت السُّلطان سَنْجر .
وفيها قُتِل بيمُنْد صاحب أنطاكية .
وفيها وَزَرَ بدمشق الرئيس مُفَرِّج ابن الصُّوفي.
وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة، لها شوكتان، وخافَ النَّاس منها وقد
قتلت جماعة أطفال.
وفيها تَمَلَّكَ السُّلطان محمود قلعة ألموت.
سنة خمس وعشرين وخمس مئة
فمن الحوادث أن دُبَيْسًا ضَلَّ في البرية، فقبَضَ عليه مَخْلَد بن حسان بن
مَكْتُومِ الكَلْبِي بأعمال دمشق، وتَمزَّق أصحابُه وتَقَطَّعوا، فلم يكن له مَنْجَى من
العَرَب، فحُمِل إلى دِمَشق، فباعه أميرُها ابن طُغتِكين من زنكي بن آقْسُقُر
صاحب المَوْصل بخمسين ألف دينار، وكان زنكي عدوه، لكنه أكرَمَهُ وخَوَّله
المالَ والسِّلاح، وقَدَّمه على نفسه.
وقد ساق ((ابن الأثير)) قصة دُبَيْس، فقال(٣): لمَّا فارق البَصْرة قَصَد
الشام، لأنه جاءه من طَلَبه إلى صَرْخَد، وكان قد مات صاحبها، وغَلبت سُرِّيتُهُ
(١) الفراة: الشط، وهي مستعملة إلى اليوم في شمال غربي العراق.
(٢) تقدم قبل قليل أنه قُتل.
(٣) الكامل ٦٦٨/١٠ - ٦٦٩.
٣٤٨

على القَلْعة، وحَدَّثوها بما جَرَى على دُبَيْس، فطلبته لتتزوج به، وتُسلِّم إليه
صَرْخَد بما فيها. فجاء إلى الشام في البرية، فَضَلَّ ونزل بأُناس من كَلْب
بالمَرْج، فحملوه إلى تاج الملوك، فحَبَسه، وعرفَ زَنْكي صاحب المَوْصل،
فبعث يطلبه من تاج الملوك، على أن يُطْلق ولده سُونج ومن معه من الأمراء،
وإن لم يفعل جاء وحاصره بدمشق، وفعل وفعل، فأجابَ تاج الملوك، وسَلَّم
إليه دُبَيْسًا، وجاءه ولده والأمراء، وأيقن دُبَيْس بالهلاك للعداوة البليغة التي بينه
وبين زَنْكي، ففعل معه خلاف ما ظَنَّ، وبالغَ في إكرامه، وغَرِمَ عليه أموالاً
كثيرة، وفعل معه ما يُفْعَل مع أكابر الملوك.
ولما جرى على الباطنية ما ذكرناه عام ثلاثةٍ وعشرين تَحَرَّقوا على تاج
الملوك، ونَدَبوا لقتله رجلين، فتوصَّلا حتى خدما في رِكابه، ثم وَثَبا عليه في
جُمادَى الآخرة سنة خمسٍ، فجرحاه، فلم يصنعا شيئًا، وهَبَّرُوهما بالسُّيوف،
وخيطَ جُرْح بعُنْقه فبرأ، والآخر بخاصرته، فَتَنَسَّر، وكان سببًا لهلاكه.
وفيها تُوفي الشَّيخ حَمَّاد الدباس الزَّاهد ببغداد .
قال ابن واصل(١): وفي المحرَّم سنة خمسٍ وعشرين تَوجه زنكي راجعًا
من الشَّام إلى المَوْصل.
وفي ربيع الآخر من السنة رد السلطان محمود أمر العراق إلى زنكي،
مُضافًا إلى ما بيده من الشام والجزيرتين.
وتوفي للمسترشد ابن بالجُدري، عُمره إحدى وعشرون سنة.
وتوفي السلطان محمود فأقاموا ابنه داود مكانه، وأقيمت له الخُطبة ببلاد
الجَبَل، وأذربيجان، وكثرت الأراجيف، وأراد داود قتال عمه مسعود.
سنة ست وعشرين وخمس مئة
فيها سار الملك مسعود بن محمد إلى بَغْداد في عشرة آلاف فارس،
وورد قراجا السَّاقي معه سُلْجُوق شاه بن محمد أخو مَسْعود، وكلاهما يطلب
السَّلْطنة، وانحدر زَنْكي من المَوْصل لينضمَّ إلى مَسْعود أو سُلجوق، فأرجف
النَّاسُ بمجيءٍ عَمِّهما سَنْجَر، فَعُمِلت السُّتُور وجُبِيَ العقار، وخرجوا بأجمعهم
مُتَوجهين لحرب سَنْجر، وألزمَ المُسترشد قراجا بالمَسِير، فكرهه ولم يجد بُدًّا
(١) مفرج الكروب ٤٣/١.
٣٤٩

من ذلك، وبعثَ سَنْجر يقول: أنا العبد، ومهما أُريدَ مني فعلتُ، فلم يُقْبل
منه. ثم خرج المسترشد بعد الجماعة، وقُطعت خُطبة سَنْجر، وقدم سَنْجر
هَمَذان، فكانت الوقعة قريبًا من الدِّینور.
قال ابن الجَوْزي(١): وكان مع سنجر مئة ألف وستون ألفًا، وكان مع
قراجا ومسعود ثلاثون ألفًا، وكانت ملحمة كبيرة، أُحْصِي القتلى فكانوا أربعين
ألفًا، وقُتِل قراجا، وأُجلس طُغْرل على سرير المُلْك بقيام عمه سنجر.
وكان طُغْرل يوم المصاف على ميمنة عَمِّه، وكان على الميسرة خوارزم
شاه بن آتسِز بن محمد، فبدأهم قراجا بالحملة، فحمل على القَلْب بعشرة
آلاف، فعطف على جَنَبتي العشرة آلاف ميمنة سَنْجر وميسرته، فصارَ في
الوسط، وقاتلوا قتال الموت وأُثْخِن قراجا بالجِرَاحات، ثم أسروه، فانهزمَ
الملك مسعود، وذلك في ثامن رجب، وفُتِلَ قراجا وجاء مسعود مستأمنًا إلى
السُّلطان سَنْجر، فأكرَمهُ وأعادَهُ إلى كَنْجَة وصَفَح عنه، وعادَ سنجر إلى بلاده.
وجاء زنكي ودُبَيْس في سبعة آلاف ليأخذا بغدادَ، فبلغَ المسترشد اختلاط
بَغْدا، وكَسْرة عَسْكره، فخرجَ من السُّرادق بيده السَّيفَ مَجْذُوب، وسَكَّنَ
الأمرَ. وخافَ هو، وعاد من خانقين، وإذا بزنكي ودُبَيْس قد قاربا بَغْداد من
غَرْبِيها، فعبرَ الخليفة إليهم في ألفَين، وطلبَ المُهادنة فاشتطا عليه، فحاربهما
بنفسه وعَسْكره، فانكسرت مَيْسَرته، فكشف الطَّرْحَة ولبسَ البُرْدة، وجَذَب
السَّيف، وحَمل، فحمل العَسْكر، فانهزمَ زَنْكِي ودُبَيْس، وقُتِل من جيشهما
مقتلة عَظِيمة، وطلب زَنْكي تكريت، ودُبَيْس الفُرات منهزمين.
وفيها هلك بَغْدوين الرويس ملك الفِرَنج بعَكًا، وكان شيخًا مُسِنًّا،
داهيةً، ووقعَ في أسْر المسلمين غير مرة في الحُروب ويَتَخَلَّص بمكره وحِيَله،
وتملَّك بعده القُومْص كُنْدانجور، فلم يكن له رأي، فاضطربوا واختلفوا ولله
الحمد .
وتملك دمشق شمس الملوك إسماعيل بعد أبيه تاج الملوك بُوري بن
طُغْتِكِين، فقام بأعباء الأمر، وخافَتْه الفِرَنج، ومَهَّد الأمور، وأبطلَ بعضَ
المظالم، وفَرِحَ النَّاسُ بشهامته وفَرْط شَجَاعته، واحتملوا ظُلْمه.
(١) المنتظم ١٠ / ٢٥ - ٢٦.
٣٫٥٠

وفيها كانت وقعة بهَمذان بين طُغرل بن محمد وبين داود بن محمود بن
محمد، فانتصر طُغْرل.
وفيها وَزَرَ أَنُوشُروان بن خالد للمسترشد بعد تمثِّع واستعفاء.
وعاد دُبَيْس بعد الهزيمة يلوذ ببلاده، فجَمَعَ وحَشَدَ، وكانت الحِلة
وأعمالها في يد إقبال المُسْتَرشدي، وأُمِدَّ بعَسْكر من بغداد، فهزم دُبَيْسًا،
وحَصَلَ دُبَيْس في أَجَمةِ فيها ماء وقَصَب ثلاثة أيام، لا يأكل شيئًا، حتى أخرجَهُ
جَمَّاس على ظهره وخَلَّصه.
وقدم الملك داود بن محمود إلی بغداد.
وفيها قبض الخليفة على الوزير شرف الدين، وأخذَ سائر ما في دياره.
سنة سبع وعشرين وخمس مئة
خُطِبَ لمسعود بن محمد بالسَّلْطنة ببغدادَ في صَفَر، ومن بعده لداود،
وخُلِع عليهما وعلى الأمير آقْسُنْقُر الأحْمَدِيِلي مُقَدَّم جيوش السُّلطان محمود،
وهو المُقيم داود بعده في المُلْك، واستقر مسعود بهمذان.
وكانت وقعة انهزم فيها طُغْرُل، ثم قُتِل اقْسُنْقُر، قتلته الباطنية.
وفيها قصد أمراء التُّركمان الجَزَريون بلادَ الشام، فأغاروا على بلاد
طرابلس، وغَنِموا وسبوا، فخرج ملك طرابُلُس بالفِرَنج، فتقهقر الثُّزكمان، ثم
كَرُوا عليه فهزموه، وقتلوا في الفِرَنْج فأكثروا وأطيبوا، فالتجأ إلى حصن
بَعْرين، فحاصرته التُّرْكُمان أيامًا. وخرجَ في اللَّيْلِ هاربًا، فجمعت الفِرَنج وسارَ
لنجدته ملوگھم، وردًّ فواقع التُّزکُمان ونال منهم .
وفيها وقَعَ الخُلْف بين الفرنج بالشام، وتحاربوا وقُتِل منهم، ولم يجر
لهم بذلك سابقة.
وفيها واقع الأمير سوار نائب زَنْكي على حَلَب الفرنج، فقتل من الفِرَنج
نحو الألف، ولله الحمد.
وفيها وَثَب على شَمْسِ المُلوك صاحب دمشق مملوك نجدة، فضربَهُ
بسيفٍ فلم يُغنِ شيئًا، وقَتَلوه بعد أن أقرَّ على جماعة وادعى أنه إنما فعل ذلك
ليريح المُسلمينَ من ظُلْمه وعَسفه، فقُتِل معه جماعة .
وقتلَ شمسُ الملوك أخاه سونج الذي أسرَهُ زَنْكي، فحزن النَّاسُ عليه .
٣٥١

وفيها جمع دُبَيْس جَمْعًا بواسط، وانضمَّ إليه جماعة من واسط، فَنَقَّذ
الخليفة لحربه البازدار وإقبال الخادم، فهزموه وأسروا بختيار.
وعزمَ المُسْترشد على المسير إلى المَوْصل، فعُبِّرَت الكوسات والأعلام
إلى الجانب الغربي في شعبان، ونُودي ببغداد: مَن تخلَّف من الجُنْد حَلَّ دمُهُ.
ثم سارَ أميرُ المؤمنين في اثني عشر ألف فارس، ونَفَّذَ إلى بَهْروز يقول له:
تنزل عن القَلْعة، وتُسلِّم الأموال، وتدخلَ تحت الطَّاعة. فقال: أنا رجل كبير
عاجز، ولكن أنفِّذ الإقامات وتقدمة، ففعل وعُفي عنه. ووصل الخليفةُ
المَوْصل في العشرين من رمضان، فحاصرَها ثمانين يومًا، وكان القتال كُل
يوم. ووصل إليه أبو الهَيْج الكُرْدي من الجَبَل في عساكر كثيرة.
ثم إن زنكي بعثَ إلى الخليفة: إني أُعطيكَ الأموال، وترحل عنا. فلم
يُجْبه، ثم رحل، فقيل: كان سبب رحيله أنه بلغه أنَّ السُّلطان مسعودًا قد غَدَر
وقتل الأحمديلي، وخَلَعَ علی دُبَيْس .
قال ابن الجوزي(١): وتُوفي شيخُنا ابن الزَّاغوني، فأخذَ حلقته بجامع
القَصْر أبو عليّ ابن الرَّاذاني، ولم أُعْطَها لصِغَري، فحضرتُ عند الوزير
أنوشروان، وأوردتُ فَصلاً في الوعظ، فأذن لي في الجُلوس بجامع المَنْصور،
فحضرَ مجلسي أول يوم الكبار من أصحابنا عبدالواحد بن شُنَيْف، وأبو عليّ
ابن القاضي، وابن قشامي، وقوي اشتغالي بفنون العلم. وأخذتُ عن أبي بكر
الدِّينَوري الفقه، وعن ابن الجواليقي اللُّغة، وتتبعتُ مشايخَ الحديث.
وفيها أخذَ شَمْس المُلوك بانياس من الفِرَنج بالسَّيف، وقلعتها بالأمان،
فلما نزلوا أُسروا كلهم. وقَدِمَ شمسُ الملوك دمشق مؤيّدًا مَنْصورًا، والأسرى
بين يديه ورؤوس القتلى، ورأى النَّاسُ ما أقرَّ أعينهم، فلله الحمد، وكان يومًا
مشهودًا .
وفيها مات صاحب مكَّة أبو فُلَيْتة، وولي بعده أبو القاسم.
وفيها نازل ابن رُذْمير مدينة أفراغه، فحاصرها وبها ابن مرديش.
(١) المنتظم ٣٠/١٠.
٣٥٢

سنة ثمان وعشرين وخمس مئة
فيها خُلِع على إقبال الخادم خِلْعةَ المُلْك، ولُقِّب سيف الدّولة ملك
العرب .
ووقع الصُّلح مع زنكي بن آقْسُنْقُر، وجاءَ منه الحمل.
وصُرِف عن الوزارة أنوشروان، وأُعيد أبو القاسم بن طِرَاد، وقُبض على
نَظَر الخادمَ وسُجِن وأُخذت أمواله، وخُلِع على ابن طِرَاد خِلْعة الوزارة،
وأُعطي فرسًا برَقَبَةَ(١)، وثلاثة عشر حِمْل كوسات، وأعلامًا ومهْدًا .
وقَدِمَ رسولُ السلطان سَنْجر، فخُلِعَ عليه، وأُرْسلَ إلى سَنْجر مع رسوله
ومع ابن الأنباري خِلَعٌ عظيمة الخَطَر بمئة وعشرين ألف دينار.
وبعثَ الخليفة إلى بَهْروز الخادم، وهو بالقَلْعة، يطلب منه حمْلاً فأبى،
فبعثَ جيشًا لقتاله، فحاصروه.
وقدِم ألْبقش السِّلحدار التُّرْكي طالبًا للخدمة مع الخليفة .
ثم إنَّ الخليفةَ خلعَ على الأمراء، وعَرَض الجَيْشِ يوم العيد، ونادى: لا
يختلط بالجَيْش أحد، ومن ركب بَغْلاً أو حمارًا أُبِيحَ دَمهُ. وخرجَ الوزير
وصاحبُ المخزن والقاضي ونقيب النُّقباء، وأركان الدَّولة في زِي لم يُرَ مثله
من الخَيْلِ والزِّينة والعَسْكر المُلْبَس، فكان الجيش خمسة عشر ألف فارس.
وعاد طُغْرل إلى هَمذان وانضمت إليه عساكر كثيرة، وتَوَطَّد له المُلْك،
وانحلَّ أمرُ أخيه مسعود. وسببه أنَّ الخليفةَ بعثَ بخِلَع إلى خُوارزم شاه، فأشار
دُبَيْس على طُغْرل بأخذها، وإظهار أنَّ الخليفة بعثها له، ففعل وبعثَ الخليفةُ
يحثُّ مسعودًا على المجيء ليرفع منه، فدخل أصبهان في زِي التُّرْكُمان،
وخاطرَ إلى أن وصل بغدادَ في ثلاثين فارسًا، فبعث إليه الخليفة تُحَفًا كثيرةً.
وعُثِرَ على بعض الأمراء أنه يكاتب طُغْرل، فَقَبِضَ عليه الخليفةُ، فهرب
بقية الأمراء إلى مسعود، وقالوا : نحن عَبِيدك، فإذا خَذَلْتنا قَتَلَنا الخليفةُ.
فطلبهم الخليفةُ، فقال مسعود: قد التجؤوا إليَّ. فقال الخليفة: إنما أفعل هذا
لأجلك، وأنصبك نَوْبة بعد نوبة ووقع الاختلاف بينهما، وشَاشَ العَسْكرُ،
(١) يعني: بطوق، وهذه الأخبار كلها من المنتظم ٣٤/١٠.
تاريخ الإسلام ١١/م٢٣
٣٥٣
٠

ومَدُّوا أيديهم إلى أذى المُسلمين، وتَعَذَّر المشي بين المَحَال، فبعثَ إليه
الخليفة يقول له: تَنْصرف إلى بعض الجهات، وتأخذ العَسْكر الذين صاروا
إليك. فرحلَ في آخر السَّنة والخَوَاطر متوحشة، فأقامَ بدار الغَرَبة. وجاءت
الأخبار بتوجُّه طُغْرُل إلى بغداد. فلمَّا كان يوم سَلْخ السَّنة نَفَّذ إلى مسعود
الخِلَعِ والتَّاج، وأشياء بنحو ثلاثين ألف دينار نِعَم.
وفيها حاصر مَلك الفِرَنج ابن رُذْمير مدينة إفراغة من شرق الأندلس،
وكان إذ ذاك على قُرْطُبة تاشفين ابن السُّلطان، فَجَهَّز الزُبير اللَّمتُوني بألفي
فارس، وتَجَهَّز أمير مُرْسية وبَلَنسية يحيى بن غانية في خمس مئة وتجهز عبدالله
ابن عِياض صاحب لارِدة في مئتين، فاجتمعوا وحَمَلوا المِيْرة إلى إفراغة. وكان
ابنُ عياض فارسَ زمانه، وكان ابن رُذْمير في اثني عشر ألف فارس. فأدركه
العُجْب، وقال لأصحابه: اخرجوا خُذُوا هذه المِيرة. ونَفَّذ قطعة من جيشه،
فهزمهم ابن عِياض، فساقَ ابنُ رُذمير بنفسه، والتحم الحَرْب، واستحر القتْل
في الفِرَنجِ، وخرجَ أهل إفراغة الرِّجال والنِّساء، فنهبوا خِيم الرُّوم، فانهزم
الطاغية، ولم يفلت من جيشه إلا القليل، ولحِق بسَرَقُسْطة، فبقي يسأل عن
كبار أصحابه، فيقال له: قُتل فُلان، قُتل فُلان، فمات غَمَّا بعد عشرين يومًا.
وكان بلية على المُسلمين، فأهلَكَهُ الله .
وفيها خرج عبدالمؤمن في الموحدين من بلاد تينَمَلّ(١) فافتتح تادلة
ونواحيها، وسارَ في تلك الجِبَال يَفْتَتِحِ مَعْمُورها. وأقبل تاشفين من الأندلس
باستدعاء ابنه، فانتُدِب لحرب الموحِّدین.
وفيها سار صاحب القُدس بالفِرَنج، فقصد حَلَب، فخرج إليه عَسْكرها،
فالتقوا، فانهزمَ المُسلمون، وقُتِل منهم مئة فارس، ثم التقوا ونَصَر الله .
وفيها وثب إيليا الطُّغتِكينيُّ في الصَّيد على شَمْس الملوك بأرض صَيْدنایا
فضربه بالسَّيف، فَغَطَس عنها، ورَمَى نفسه إلى الأرض، وضربه ثانية، فوقعت
في رَقَبَة الفَرَس أَتْلَفَتْه، وتلاحق الأجناد، فهرب إيليا، ثم ظَفروا به، فقتله
صبرًا، وقتل جماعة بمجرد قول إيليا فيهم، وبَنَى على أخيه حائطًا، فماتَ
(١) هي تين مَلَّل، جبال بالمغرب، بين أولها ومراكش نحو ثلاثة فراسخ، كما في ((معجم
البلدان)) وغيره .
٣٥٤

جُوعًا. وبالغ في الظُّلْم والعَسف، وبَنَى دار المَسَرَّة بالقَلْعة، فجاءت بديعة
الحُسن .
وفيها جاءت الأخبار من مصر بخُلْف وَلَدي الحافظ لدين الله عبدالمجيد
وهما: حَيْدرة والحسن. وافترق الجُنْد فرقتين، إحداهما مائلة إلى
الإسماعيلية، والأخرى إلى مَذْهب السُّنة. فاستظهرت السُّنَّة، وقتلوا خَلْقًا من
أولئك، واستحرَّ القَتْل بالسُّودان، واستقامَ أمرُ ولي العَهْد حسن، وتتبع من كان
ينصر الإسماعيلية من المُقَدَّمين والدُّعاة، فأباداهم قتْلاً وتشريدًا .
قال أبو يَعْلى حَمْزة(١): فوردَ كتاب الحافظ لدين الله على شمس الملوك
بهذا الحال .
وفيها فَسَخَت الفِرَنج الهُدنة وأقبلت بخُيَلائها، فجمعَ شَمْس المُلوك
جيشه، واستدعى تُرْكُمان النَّواحي، وبرزَ في عسكره نحو حَوْران، فالتقوا،
وكانت الفِرَنج في جَمْع كثيف، فأقامت المناوشة بين الفريقين أيامًا. ثم غافلهم
شمس الملوك، ونهضٌ بِشَطْرِ الجَيْش، وقَصَد عَّا والنَّاصرة، فأغارَ وغَنِمَ،
فانزعجت الفِرَنج، ورَدُّوا ذليلين، وطَلَبوا تجديدَ الهُدْنة.
سنة تسع وعشرين وخمس مئة
قد ذكرنا أنَّ الخليفةَ قال لمسعود: ارحل عنا. وأنَّهُ بعثَ إليه بالخِلَع
والتَّاج، ثم نَفَّذَ إليه الجاولي شِحْنة بغداد مُضَايقًا له على الخُروج، وأمَرَهُ إن هو
دافع أن يرمي خِيَمَهُ. ثم أحسَّ منه أنه قد باطنَ الأتراكَ، واطلع منه على سوء
نِيَّةٍ، فأخرجَ أميرُ المؤمنين سُرَادقه، وخَرَجَ أرباب الدَّولة، فجاءَ الخبرُ بموت
طُغْرِل، فرحلَ مسعود جريدةً، وتلاحَفْته العَسَاكر، فوصل هَمَذان، واختلف
عليه الجَيْش، وانفردَ عنه قُزُل، وسُنْقر، وجماعة، فجهّز لحربهم، وفَرَّق
شَمْلهم، فجاء منهم إلى بغداد جماعة، وأخبروا بسوء نيته، منهم البازدار،
وقُزُل، وسُنْقر.
وسار أنوشروان بأهله إلى خُراسان لوزارة السلطان مسعود، فأُخِذ في
الطريق .
(١) ذيل تاريخ دمشق ٢٤٢ .
٣٥٥

وفيها افتتح أتابك زنكي بن آقْسُنْقُر المَعَرَّة، فأخذها من الفِرَنج. وكان
لها في أيديهم سَبْعٌ وثلاثون سنة، ورَد على أهلها أملاكهم، وكَثُر الدُّعاء له.
وفيها قَدِم من المَوْصل ابن زنكي من عند والده بمفاتيح الموصل مُذْعِنًا
بالطَّاعة والعُبودية للخليفة، فخرجَ الموكب لتلقيه، وأُكْرِمَ مورده، ونزل وقبل
العَتَبة. وجاء رسول دُبَيْس يقول: أنا الخاطىء المُقِر بذنْبه. فمات رسوله،
فذهب هو إلى مسعود.
وجاء السَّديد ابن الأنباري من عند السُّلطان سَنْجر، ومعه كتابه يقول
فيه: أنا العبد المملوك.
ثم تواترت الأخبار بِعَزْم مسعود على بغداد، وجَمَعَ وحَشد، فبعث
الخليفة إلى بكبة نائبِ البَصْرة، فوعدَ بالمجيء. ووصل إلى حُلْوان دُبَيْس وهو
شاليش(١) عسكر مسعود، فجَهَّزَ الخليفة ألفَي فارس تَقْدمةً، وبعث إلى أتابك
زَنْكي، وكان مُنازٍلاً دمشق ليسرع المجيء.
وبعث سَنْجر إلى مسعود إن هؤلاء الأمراء، وهم البازدار وابن برسُق،
وقُزُل، وبرنقش، ما يتركونك تنال غَرَضًا لأنهم عليك، وهم الذين أفسدوا أمر
أخيك طُغْرل، فابعث إليَّ برؤوسهم. فأطْلَعهم على المكاتبة، فَقبَّلوا الأرض
وقالوا: الآن علمنا أنك صافٍ لنا، فابعث دُبَيْسًا في المُقَدمة. ثم اجتمعوا
وقالوا: ما وراء هذا خير، والرأي أن نمضي إلى أمير المؤمنين، فإنَّ له في
رقابنا عهدًا. وكتبوا إليه: إنا قد انفصلنا عن مسعود، ونحن في بلاد برسُق،
ونحنُ معك، وإلا فاخطب لبعض أولاد السلاطين، ونَفِّذه نكون في خدمته .
فأجابهم: كونوا على ما أنتم عليه، فإني سائر إليكم. وتهيأ للخروج، فَلمَّا
سَمِعَ مسعود بذلك ساق ليبيتهم، فانهزموا نحو العراق، فنهب أموالَهُم.
وجاءت الأخبار، فهيأ لهم الخليفة الإقامات والأموال.
وخرج عَسْكر بغداد والخليفة، وانزعجَ البَلَد، وبعثَ مسعود خمسة آلاف
ليكبسوا مُقَدِّمه الخليفة، فبيتوهم وأخذوا خَيْلَهُم وأموالَهُم، فأقبلوا عُراة،
ودخلوا بغداد في حال رَدِيَّة في رَجَب فأُطْلِقَ لهم ما أصلحَ أمرهم. وجاء
الأمراء الكبار الأربعة في دجلة فأكرموا وخُلِع عليهم، وأُطلق لهم ثمانون ألف
(١) الشاليش: هو طليعة الجيش، وحامل البيرق.
٣٥٦

دينار، ووُعدوا بإعادة ما مَضَى لهم. وقُطعت خطبة مسعود، وخُطِب لسَنْجَر
وداود.
ثم بَرَّزَ الخليفة، وسار في سبعة آلاف فارس، وكان مسعود بهَمذان في
ألف وخمس مئة فارس، ثم أفسد نيات نواب الأطراف بالمكاتبة، واستمالهم
حتى صار في نحو من خمسة عشر ألف فارس، وتسلَّل إليه ألفا فارس من
عَسْكر المسترشد. ونَقَّذَ زَنْكي إلى الخليفة نجدةً، فلم تلحق .
ووقع المصاف في عاشر رمضان، فلما التقَى الجَمْعان هرب جميع
العَسْكر الذين كانوا مع المُسْتَرشد، وكان على ميمنته قُزل، والبازدار، ونور
الدَّولة الشِّخنة، فحملوا على عَسْكر مسعود؛ فهزموهم ثلاثة فراسخ ثم عادوا
فرأوا المَيْسَرة قد غَدَرت، فأخذَ كلُّ واحدٍ منهم طريقًا، وأُسِر المسترشد
وحاشيته، وأُخِذَ ما معه، وكان معه خزائن عظيمة، فكانت صناديق الذَّهب
على سبعين بَغْلاً أربعة آلاف ألف دينار، وكان الثقْل على خمسة آلاف جَمَل
وخزانة السَّبَق أربع مئة بَغْل. ونادى مسعود: المال لكم، والدَّمُ لي، فمن قَتل
أَقَدْتُه. ولم يُقتل بين الصَّفَّيْن سوى خمسة أنفُس غَلَطًا. ونادى: من أقام من
أصحاب الخليفة قُتِل. فهربَ النَّاسُ، وأخذتهم الثُّرْكُمان، ووصلوا بغداد، وقد
تشقَّقت أرجلُهم، وبَقِيَ الخليفة في الأسر.
وبُعِثَ بالوزير ابن طِراد وقاضي القُضاة الزَّيْنبي، وبجماعةٍ إلى قَلْعة،
وبُعث بشحنة بغداد ومعه كتاب من الخليفة إلى أستاذ الدَّار، أمره مسعود
بكتابته، فيه: (( ليعتمد الحُسين بن جَهير مُراعاة الرَّعِيَّة وحمايتهم، فقد ظَهَر من
الولد غياث الدنيا والدين، أمتعَ الله به في الخدمة ما صَدَقت به الظُنون،
فلْيجتمع وكاتب الزِّمام وكاتب المخزن إلى إخراج العُمَّال إلى النَّواحي، فقد
ندب من الجانب الغيائي هذا الشِّحْنة لذلك، ولْيَهْتم بكِسْوَة الكَعْبة، فنحن في
إثر هذا المَكْتوب)».
وحضرَ عيد الفِطْر، فنفر أهل بغداد ووثبوا على الخطيب، وكسروا المنبر
والشُّبَّك، ومنعوه من الخُطبة، وحَثَوا في الأسواق على رؤوسهم التُّراب يبكون
ويَضُجون، وخرجَ النِّساء حاسراتٍ يُنْدبْن الخليفة في الطُّرُق وتحت التاج،
وهَقُّوا برَجْم الشِّخنة، وهاشوا عليه، فاقتتل أجناده والعَوَام، فقُتِل من العوام
٣٥٧

مئة وثلاثة وخمسون نَفْسًا، وهرب أبو الكَرَم الوالي، وحاجب الباب إلى دار
خاتون، ورَمَى أعوان الشِّحنة الأبواب الحديد التي على الشُّور، ونَقَبُوا فيه
فتحات، وأشرفت بغداد على النَّهْب، فنادى الشِّخْنة: لا ينزل أحدٌ في دار
أحد، ولا يؤخذ لأحدٍ شيء، والسُّلطان جائي بين يدي الخَلِيفة، وعلى كتفه
الغَاشية، فسكن النَّاس، وطلبَ السُّلطان من الخليفة نَظَرًا الخادم فَنُفِّذ، أطلقه،
وسار بالخليفة إلى داود إلى مَرَاغة.
وقال ابن الجوزي(١): وزلزلت بَغْداد مِرارًا كثيرة، ودامت كل يوم خمس
أو ست مرات إلى ليلة الثلاثاء، فلم تزل الأرض تَمِيد من نصف الليل إلى
الفَجْر، والناس يستغيثون(٢) .
وتَصَرَّف عُمَّال السُّلطان في بغداد، وعَوَّقوا قُرى ولي العهد، وختموا
على غلاتها، فافْتُك ذلك منهم بست مئة دينار، فأطلقوها. وتفاقَمَ الأمر،
وانقطعَ خَبَرُ العَسْكر، واستسلمَ النَّاس.
ثم أرسلَ سَنْجَر إلى ابن أخيه مسعود يقول: ساعة وقوف الولد غياث
الدُّنيا والدِّين على هذا المَكْتوب يدخل على أمير المؤمنين ويُقبل بين يديه،
ويسأله العَقْو والصَّفْحِ، ويَتَنَصَّل غاية التَّنَصُّل، فقد ظهرت عندنا من الآيات
السَّماوية والأرضية ما لا طاقة لنا بسماع مثلها، فَضْلاً عن المُشاهدة من
العواصف والبُرُوق والزَّلازل، ودوام ذلك عشرين يومًا، وتَشْويش العساكر
وانقلاب البُلْدان، ولقد خِفْت على نَفْسي من جانب الله وظهور آياته، وامتناع
النَّاس من الصَّلَوات في الجوامع، ومَنْع الخُطباء ما لا طاقة لي بحمله، فالله الله
بتلافي أمرك، وتُعِيد أمير المؤمنين إلى مَقَرِّ عِزّه، وتُسَلِّم إليه دُبَيْسًا ليحكم فيه،
وتَحْمل الغاشية بين يديه أنت وجميع الأمراء، كما جرت عادتنا وعادة آبائنا .
فنفذ مسعود بهذه المكاتبة مع الوزير، ونظر، فدخلا على الخليفة، واستأذنا
لمسعود، فدخل وقَبَّل الأرضَ، ووقف يسأل العفو، فقال: قد عُفِي عن ذَنْبك،
فاسکُن وطِبْ نفْسًا.
(١) المنتظم ١٠/ ٤٦.
(٢) كتب المصنف بخطه في حاشية نسخته معلقًا: ((صدق و # لما ذُكِر له العراق فقال: هنالك
الزلازل والفتن)) .
٣٥٨

ثم عامله مسعود بما أمره به عَمُّه، وسأل من الخليفة أن يُشَفِّعه في
دُبَيْس، فأجابه، فأحضروه مَكْتُوفًا بين أربعة أمراء، ومع واحد سيف مجذوب،
وكَفَنْ مَنْشور، وأُلقي بين يدي السَّرير، وقال مسعود: يا أمير المؤمنين هذا
السَّبَب الموجب لما تم، فإذا زال السَّبب زال الخِلاف، ومهما تأمر نَفْعل به.
وهو يبكي ويتضرَّع ويقول: العفو عند القُدْرة، وأنا أقَل وأَذَلٍ. فعفى عنه
وقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [يوسف: ٩٢] فَحَلُّوه، وقَبَّل يد
أمير المؤمنين وأَمرَّها على وجهه، وقال: بقرابتك من رسول الله وَلّ إلا ما
عفوت عني، وتركتني أعيشُ في الدُّنيا، فإنَّ الخوفَ منك قد بَرَّح بي .
وأما بكبة شِحنة بغداد، فإنه أمر بنقْض السُّور ببغداد، فنُقِضَت مواضع
كثيرة، وقال: عَمَّرتموه بفرح فانقضوه كذلك. وضُرِبَت لهم الدَّبادب، ورَدُّوا
الباب الحديد الذي أُخِذ من جامع المَنْصور إلى مكانه.
وقدِم رسولٌ ومعه عَسْكر يستحث مسعودًا من جهة عمه على إعادة
الخليفة إلى بغداد، فجاء في العَسْكر سبعة عشر من الباطنية، فذُكر أن مسعودًا
ما علم بهم، فالله أعلم، فركب السُّلطان والعَسَاكِر لتلقي الرَّسُول، فهجمت
الباطنية على الخَلِيفة، ففتكوا به رحمه الله، وقَتَلُوا معه جماعة من أصحابه،
فعلم العَسْكر، فأحاطوا بالسُّرادق فخرجَ الباطنية وقد فرغوا من شُغلهم،
فقُتِلوا. وجلسَ السُّلطان للعَزاء، ووقعَ النَّحيب والبُكاء؛ وذلك على باب
مَرَاغة، وبها دُفن.
وجاء الخَبَرِ، فَطَلَب الرَّاشد الناسَ طُولَ اللَّيل فبايعوه ببغداد، فلما أصبحَ
شاعَ قَتْله، فأُغْلِقَ الِبَلَد، ووٍقعَ البُكاء والنَّحِيبِ، وخرجَ النَّاسُ حُفاةً مُخرِّقين
الثَّاب، والنِّساء مُنشِّرات الشُّعور يلْطِمن، ويَقُلْنِ فيه المَراثي على عادتهن، لأنَّ
المُسْتَرشد كان محبّبًا فيهم بمرة، لما فيه من الشَّجاعة والعَدْل والرِّفْق بهم.
فمن مراثي النساء فيه :
يا صاحب القَضِيب ونور الخاتم صار الحَرِيم بعد قتلك مأتم
بعد الشَّبِي ومن ولي عليها
اهتزت الدُّنيا ومَن عليها
قد صاحت البُومة على السُّرادق يا سيدي ذا كان في السَّوابق
تُرى تراك العينُ في حريمك والطَّرِحة السوداء على كريمك
وعُمِل العزاء في الدِّيوان ثلاثة أيام، تَوَلَّى ذلك ناصحِ الدولة ابن جَهِير،
وأبو الرضا صاحب الديوان(١). ثم شَرَعوا في الهناء، وكَتَب السُّلطانَ إلى
(١) هذا كله من المنتظم ٤٩/١٠- ٥٠، وكذلك كل الأخبار الخاصة ببغداد ..
٣٥٩

الشِّحنة بكبة أن يبايع للرَّاشد. وجلسَ الرَّاشد في الشُّبَّاك في الدَّار المثمَّنة
المُقْتَدوية، وبايعه الشَّحنة من خارج الشُّبَّاك، وذلك في السابع والعشرين من
ذي القَعْدة. وظَهَرَ للناس؛ وكان أبيض جَسِيمًا بحُمرةٍ مُسْتَحسنًا. وكان يومئذٍ
بين يديه أولاده وإخوته، ونادى بإقامة العَدْلَ ورد بعض المظالم .
وفي أيام الغدير ظهرَ التَّشتُّع، ومَضَى خَلْقٌ إلى زيارة مشهد عليّ ومشهد
الحُسين.
وُ
وفيها نازل زَنْكي دمشق، وحاصرها أشدَّ حِصَار، فقامَ بأمر البُلْدان أتم
قيام، وأحبّهُ النَّاسُ، فجاء إلى زنكي رسول المسترشد بالله يأمره بالرَّحيل.
وفي ذي القَعْدِة سارَ السُّلطانِ سَنْجر بالجيوش إلى غَزْنَة فأشرفَ عليها،
وهرب منه مَلكُها، فَأمَّنه ونهاهُ عن ظُلْم الرَّعِية، وأعادَهُ إلی مملكته، وهو بهرام
شاه. ورجع السُّلطان فوصل بَلْخ في شوال من سنة ثلاثين.
سنة ثلاثين وخمس مئة
جاء برنقش بأمور صعبة، فقالوا للراشد بالله: جاء مطالبًا بخطٌّ كَتَبَهُ
المسترشد بالله لمسعود ليتخلّص من أسره بمبلغ، وهو سبع مئة ألف دينار،
ويطالب لأولاد صاحب المخزن بثلاث مئة ألف، وبقسط على أهل بغداد خمس
مئة ألف دينار. فاستشار الراشد الكِبَار، فأشاروا عليه بالتَّجْنيد، وأرسل
الخليفة إلى برنقش: أما الأموال المضمونة فإنما كانت لإعادة الخليفة إلى
داره، وذلك لم يكن، وأنا مطالب بالثّار، وأما مال البَيْعة، فَلَعَمْري، لكن
ينبغي أن تُعاد إليَّ أملاكي وإقطاعي، حتى يتصوَّر ذلك. وأما الرعية فلا سبيل
لكم عليهم، وما عندي إلا السَّيف. ثم أحضر كُجبة وخَلَع عليه، وأعطاهُ ثلاثة
آلاف دينار، وقال له: دَوِّن بهذه عسكرًا، وجمع العساكر، وبعث إلى برنقش
يقول: كُنَّا قد تركنا البلد مع الشِّحنة والعميد، فلما جئت بهذه الأشياء فعلنا
هذا .
وانزعجَ أهلُ بغداد، وباتوا تحت السِّلاح، ونَقَلَ النَّاس إلى دار الخِلافة
ودار خاتون متاعهم، وقيل للخليفة: إنهم قد عزموا على كَبْس بغداد وقت
الصَّلاة، فركب العَسْكر، وحَفِظِ النَّاسُ البَلَد، وقُطِعَ الجَسْر، وجرى في أطراف
البلد قتال قوي.
وفي صَفَر قَدِم زَنْكي، والبازدار، وإقبال، عليهم ثياب العَزَاء، وحَسَّنُوا
للراشد الخروج فأجابهم، واستوزر أبا الرِّضا بن صَدَقة، واتفقوا على حَرْب
٣٦٠