Indexed OCR Text
Pages 421-440
٢٣٨- حمزة بن عليّ بن محمد بن عثمان ابن السَّوَّاق، أبو الغنائم البَغْدادِيُّ البُنْدار. وُلِدَ سنة اثنتين وأربع مئة، وسمع أبا الحُسين بن بِشران، وأبا الفَرَج أحمد بن عُمر الغضاري صاحب جعفر الخُلْدي. وعنه أبو بكر الأنصاري، وأبو القاسم ابن السَّمَرْقندي، وعبدالوهّاب الأنماطي، والمُبارك بن أحمد. مات في شعبان(١). ٢٣٩- زياد بن عبدالله بن محمد بن زياد، أبو عبدالله الأنصاريُّ الأندلسيُّ، خطيبُ قُرْطُبة. أخذ عن يونس بن عبدالله، وحجَّ فسمع من أبي محمد بن الوليد، وأجاز له أبو ذر . قال ابن بشكوال(٢): وكان فاضلاً، ديِّنًا، ناسكًا، خطيبًا، بَلِيغًا، محتَّبًا إلى الناس، معظّمًا عند السُّلطان، جامعًا لكل فضيلة، حَسَن الخُلُق، وافرَ العقل. أخبروني عن محمد بن فَرَج الفقيه، قال: ما رأيتُ أعقل من زياد بن عبد الله. تُوفي زياد في رمضان، وله ستٍّ وثمانون سنة، أخبرنا عنه أبو الحسن ابن مُغيث . ٢٤٠- سليمان بن أحمد الواسطيّ. عن ابن شاذان. وعنه إسماعيل ابن السَّمَرْقَنْدي. ٢٤١- طَلْحة بن عليّ بن يوسف، أبو محمد الرَّازيُّ ثم البغداديُّ الصُّوفيُّ الفقیه. من ساكني رباط أبي سَعْد. كان حسن السِّيرة، سمع أبا الحُسين بن بِشْران، وأبا القاسم الحُرْفي. وعنه ابنه محمد بن طَلْحة، وإسماعيل ابن السَّمَرْقندي. توفي فيِ صَفَر . ٢٤٢ - ظَفَر بن عبدالواحد بن عبدالرحيم، أبو محمد الأصبهانيُّ. في ذي الحجة. (١) ينظر المنتظم أيضًا ٩/ ١٨. (٢) الصلة (٤٣١). ٤٢١ ٢٤٣- عبدالله بن إسماعيل بن محمد بن خَزْرَج، أبو محمد اللَّخْمئُ الإشبيليُّ الحافظ المؤرِّخ. وُلِد سنة سَبْع وأربع مئة، وروى عن أبي عَمْرو المَرْشاني، وأبي الفتوح الجُرْجاني، وأبي عبد الله الخولاني، وخَلْقٍ. وعدد شيوخه مئتان وستون رجلاً. وكان مع حِفْظه فقيهًا مشاورًا، أكثرَ النَّاس عنه؛ روى عنه شُرَيْح بن محمد، وأبو محمد بن يَرْبُوع. مات في شؤَّل بإشبيلية(١). ٢٤٤- عبدالله بن عليّ بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن محمد بن عليّ الباجيُّ، أبو محمد اللَّخْميُّ، من أهل إشبيلية. سمع من جده، وكان فقيهًا فاضلاً، روى عنه أحمد بن عبدالله بن جابر(٢). ٢٤٥- عبدالرحمن بن الحسن، أبو القاسم الشِّيرازيُّ الفارسيُّ. إمامٌ ذو فنون، سافر الكثير، وسكن مِيهَنة، قَصَبة خابران، في آخر عُمُره، وكان من مُريدي أبي سعيد بن أبي الخير المِيهَني. سمع ببغداد أبا يَعْلَى ابن الفَرَّاء وبدمشق الحسين بن محمد الحِنائي، وبالمَعَرَّة أبا صالح محمد بن المهذَّب، وجماعة. روى عنه أبو بكر المُحتاجي الخطيب بمِيهَنة، وحدَّث في هذا العام، ولم نعرف وفاته(٣). ٢٤٦- عبدالرحمن بن مأمون بن عليّ، الإمام أبو سَعْد المُتَولّي النَّيْسابوريُّ الفقيه الشَّافعيُّ. أحد الكبار، قدِم بغداد، وكان فقيهًا محقِّقًا، وحَبْرًا مدقِّقًا، وَليَ تدريس النِّظامية بعد الشيخ أبي إسحاق، ودرَّس وروى شيئًا يسيرًا، ثم عُزِلَ من المدرسة بابن الصباغ في أواخر سنة ستٍّ وسبعين، ثم أُعيد إليها سنة سَبْع وسبعين . وقد تفقه على القاضي حسين بمَرْو الرُّوذ، وعلى أبي سهل أحمد بن (١) من الصلة لابن بشكوال (٦٢٥). (٢) من الصلة لابن بشكوال (٦٢٦). (٣) من تاريخ دمشق ٣٤/ ٣٠٦ - ٣٠٧. ٤٢٢ عليّ الأبيوَرْدي ببخارى، وعلى أبي القاسم عبدالرحمن الفُوراني بمَرو، حتى برع وتميّز . وكان مولده في سنة ستٍّ وعشرين وأربع مئة، وتُوفي ببغداد. وله كتاب ((الَّمَّة)) تمَّم به ((الإبانة)) لشيخه الفُوراني، لكنه لم يُكْمِله، وعاجَلَتْه المَنِيَّة، وانتهى فيه إلى الحدود. وله مختصر في الفرائض، ومصنَّف في الأُصول، وكتاب في الخلاف جامعٌ للمآخذ(١). ٢٤٧- عبدالرحمن بن محمد بن عبدالرحمن بن زياد، أبو عيسى الأصبهانيُّ الأديب الزَّاهد. لا أعرف متى تُوفي، وتُوفي في هذه الحدود، وسمع أبا جعفر بن المَرْزُبان الأبْهري. روى عنه إسماعيل بن محمد الحافظ، ويحيى بن عبدالله بن أبي الرَّجاء، ومحمد بن أبي القاسم الصَّالحاني، ومسعود الثَّقْفي، والحسن بن العباس الرُّسْتُمي، وآخرون. وكان رحمه الله من بقايا الصَّالحين والعُلماء(٢). ٢٤٨ - عبدالرحمن بن محمد بن سَلَمة، أبو المُطَرِّف الطُّلَيْطليُّ. عن أبي عمر الطَّلَمَنكي، وأبي عمر بن عباس الخطيب. وكان من كبار الفقهاء المُفْتين . مات فجاءةً في صَفَر، وله سَبْعٌ وسبعون سنة(٣). ٢٤٩- عبدالكريم بن عبدالصَّمد بن محمد بن عليّ، أبو مَعْشَر الطَّبَرِيُّ القَطَّان المُقرىء، مقریء مكة. كان إمامًا مجوِّدًا، بارعًا، مُصَنّفًا، له كُتُبٌّ في القراءات. قرأ بحران على أبي القاسم الزَّيدي، وبمصر على أصحاب السَّامري، وأبي عدي عبدالعزيز. وقرأ بمكة على أبي عبدالله الكارَزِيني. وسمع بمصر من أبي عبدالله بن نظيف، وأبي التُّعمان تُراب بن عُمر، وعبدالله بن يوسف بتنِيس، وأبي الطَّيِّب الطََّري (١) لعله اقتبسه من ذيل السمعاني، وأكثره في وفيات الأعيان ٣/ ١٣٣ - ١٣٤. (٢) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ست وسبعين من هذه الطبقة (الترجمة ١٧١)، فراجع تعليقنا هناك. (٣) من الصلة لابن بشكوال (٧٣٢). ٤٢٣ ببغداد، وعبدالله بن عُمر بن العباس بغزة. وسمع بمَنْبج، وحَرَّان، وآمد، وحَلَب، وسلَمَاس، والجزيرة. روى عنه أبو نصر أحمد بن عُمر الغازي، ومحمد بن عبدالباقي الأنصاري، وأبو تَمَّام إبراهيم بن أحمد الصَّيْمري. قال ابنُ طاهر: سمعتُ أبا سَعْد الحَرَمي بهراة يقول: لم يكن سماع أبي مَعْشر الطَّبَري في جزء ابن نَظِيف صحيحًا، وإنَّما أخذ نسخةً فرواها. قلتُ: قرأ عليه القراءات خَلْقٌ، منهم أبو عليّ ابن العَرْجاء، وأبو القاسم خَلَف ابن النَّخَّاس، وأبوعليّ بن بَليمة. وله كتاب ((سوق العروس))، يقال: فيه ألف وخمس مئة طريق. تُوفي بمكة. وله كتاب ((الدُّرر)) في التَّفسير، وكتاب ((الرَّشاد)) في شرح القراءات الشَّاذة، وكتاب ((عيون المسائل))، وكتاب ((طبقات القُراء))، وكتاب ((مخارج الحروف))، وكتاب ((العدد))، وكتاب ((هجاء المصاحف))، وكتاب في اللغة . وقد روى كتاب ((شفاء الصُّدُور)) للنَّقَّاش، عن الزَّيدي، عنه، و((مُسْنَد أحمد))، عن الزَّيْدي، عن القَطِيعي، و((تفسير الثعلبي))، رواه عن مؤلفه. وكان فقيهًا شافعيًّا . ٢٥٠- عبدالملك بن عبدالله بن يوسف بن عبدالله بن يوسف بن محمد بن حَيُُّية، إمام الحَرَمَيْن أبو المعالي ابن الإمام أبي محمد الجُوَيْنِيُّ، الفقيه الملقب ضياء الدين، رئيس الشافعية بنيسابور. قال أبو سَعْد السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، المُجْمع على إمامته شرقًا وغربًا، لم تَرَ العيون مثله. وُلِد سنة تسع عشرة وأربع مئة في المحرَّم، وتفقَّه على والده، فأتى على جميع مُصَنَّفاته، وتُوفي أبوه وله عشرون سنة، فأُقعد مكانه للتَّدريس، فكان يُدَرِّس ويخرج إلى مدرسة البَيْهقي. وأحكم الأصول على أبي القاسم الإسفراييني الإسكاف. وكان ينفق من ميراثه ومما يَدخله من مَعْلومه، إلى أن ظهر التَّعَصُّب بين الفريقين، واضطربت الأحوال، واضطر إلى السَّفَر عن نَيْسابور، فذهب إلى المُعَسكر، ثم إلى بغداد. وصَحِب أبا نَصْر الكُنْدُريَّ الوزير مدَّة يطوف معه، ويلتقي في حضرته بالأكابر من العلماء، ويُناظرهم، ويحتك بهم، حتى تهذَّب في النَّظَر وشاع ذكرُه. ثم خرجَ ٤٢٤ إلى الحجاز، وجاورَ بمكّة أربع سنين، يُدَرِّس ويُفتي، ويجمع طُرُق المذهب، إلى أن رجع إلى بلده نَيْسابورِ بعد مُضي نَوْبة التعصب، فأُفعِد للتَّدريس بنظامية نيسابور، واستقامت أمورِ الطَّلَبة، وبقي على ذلك قريبًا من ثلاثين سنة غير مُزاحَم ولا مُدافع، مُسَلَّم له المِحرابُ، والمِنْبَرُ، والخطابةُ، والتَّدريس، ومجلسُ الوعظ يوم الجمعة. وظهرت تصانيفه، وحضرَ درسَه الأكابرُ والجَمْع العظيمُ من الطَّلَبة. وكان يقعد بين يديه كلَّ يوم نحوٌ من ثلاث مئة رجل. وتفقه به جماعة من الأئمة. وسمع الحديث من أبيه، ومن أبي حَسَّان محمد بن أحمد المُزَكِّي، وأبي سَعْد النَّصْروبي، ومنصور بن رامش، وآخرين. حدثنا عنه أبو عبدالله الفُرَاوي، وأبو القاسم الشَّخَّامي، وأحمد بن سهل المسجدي، وغیرُهم. أخبرنا أبو الحسين اليُونيني، قال: أخبرنا الحافظ زكي الدِّين المنذري، قال(١): تُوفي والد أبي المعالي، فأُقعد مكانه، ولم يُكَمِّل عشرين سنةً، فكان يدرِّس، وأحكم الأصول على أبي القاسم الإسكاف الإسفراييني، وجاورَ بمكة أربع سنين، ثم رجع إلى نَّيْسابور، وجلسَ للتّدريس بالنِّظامية قريبًا من ثلاثين سنة، مُسلم له المحراب، والمِنْبَرُ، والخطابة، والتدريس، والتذكير، سمع من أبيه ومن علي بن محمد الطرازي، ومحمد بن أبي إسحاق المزكي، وأبي سعد ابن عليك، وفضل الله بن أبي الخير الميهني، والحسن بن عليّ الجَوْهري البَغْدادي. وأجاز له أبو نُعَيم الحافظ. قال المؤلف: في سماعه من الطِّرَازي نظر، فإنه لم يَلْحق ذلك، فلعله أجاز له . قال السَّمعاني: قرأتُ بخط أبي جعفر محمد بن أبي علي الهمذاني: سمعتُ أبا إسحاق الفيروزابادي يقول: تمتَّعوا بهذا الإمام، فإنه نُزهة هذا الزَّمان، يعني أبا المعالي الجويني. قال: وقرأت بخط أبي جعفر أيضًا: سمعتُ أبا المعالي يقول: قرأتُ خمسين ألفًا في خمسين ألفًا، ثم خليت أهلَ الإسلام بإسلامهم فيها وعلومهم (١) لا أعلم أين ترجم له زكي الدين المنذري. ٤٢٥ الظَّاهر (١)، وركبتُ البحر الخِضَمَّ العظيم، وغُصْتُ في الذي نُهي أهل الإسلام منها، كُل ذلك في طلب الحق. وكنتُ أهربُ في سالف الدَّهر من التَّقليد، والآن رجعتُ من الكل إلى كلمة الحق، عليكم بدين العجائز، فإن لم يدركني الحقُّ بلطيف بره، فأموت على دين العجائز، ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على بُرهة أهل الحق، وكلمة الإخلاص: لا إله إلاّ الله، فالويلُ لابن الجُوَيني - یریدُ نفسه - . وكان أبو المعالي مع تبّره في الفقه وأصوله لا يدري الحديث؛ ذكر في كتاب ((البرهان)) حديث مُعَاذ في القياس، فقال: هو مُدَوَّنٌ في الصِّحاح، متَّفَقٌ على صِحته. كذا قال: وأنَّى له الصِّحَّة، ومَدَارُهُ على الحارث بن عَمرو، مجهول، عن رجالٍ من أهل حِمْص لا يُدْرى من هم، عن معاذ(٢) . وقال المازري في ((شرحِ البُرْهان)) في قوله: ((إنَّ الله تعالى يعلم الكليات لا الجزئيات)»: وَدِدْتُ لو مَحَوْتُها بدمي. قلتُ: هذه لفظة ملعونة. قال ابنُ دِحْية: هي كلمة مكذِّبة للكتاب والسُّنة، مُكَفَّر بها، هَجَرَه عليها جماعة، وحلف القُشَيْري لا يكلمه أبدًا، ونُفي بسببها مدةً، فجاورَ وتاب(٣) . قال السَّمعاني: وسمعتُ أبا رَوْحِ الفَرَج بن أبي بكر الأَرْمَوي مذاكرةً يقول: سمعتُ أستاذي غانم المُوشِيلي يقول: سمعتُ الإمام أبا المعالي الجُوَيْني يقول: لو استقلبتُ من أمري ما استدبرتُ ما اشتغلت بالكلام. وقال أبو المعالي الجُوَيْني في كتاب ((الرسالة النّظامية)) (٤): اختلفت (١) هكذا في النسخ كافة، وفي السير ١٨/ ٤٧١ وإن غيرها المحقق. (٢) هو كما قال المصنف، وقد ضَعَّفه جهابذة أهل العلم، منهم: الإمام البخاري وتلميذه النجيب الترمذي، والعقيلي، والدارقطني، وابن حزم وابن طاهر المقدسي وابن عبدالحق الإشبيلي وابن الجوزي وابن حجر، وما صححه إلا بعض المتأخرين. فانظر تعليقنا على جامع الترمذي (١٣٢٧ - ١٣٢٨). (٣) ليس الأمر على هذا الوجه الصريح، فقد قال المصنف فيما بعد في السير ١٨/ ٤٧٢ : ((وقيل: لم يقل بهذه المسألة تصريحًا، بل ألزم بها لأنه قال بمسألة الاسترسال فيما ليس بمتناه من نعيم أهل الجنة)). وانظر بلا بد تعليق التاج السبكي على مافيه من فظاظة (طبقات الشافعية ٥ / ١٨٨ فيما بعد). (٤) وتسمى العقيدة النظامية ٢٣ فما بعد. ٤٢٦ مسالك العُلماء في الظَّواهر التي وردت في الكتاب والسُّنة، وامتنعَ على أهل الحق اعتقاد فَخْواها، فرأى بعضهم تأويلها، والتزم ذلكَ في آي الكتاب وما يصح من السُّنَن، وذهب أئمةُ السَّلَف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظَّواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرَّبِّ تعالى. والذي نرتضيه رأيًا، ونَدِين الله به عَقْدًا اتّباع سَلَف الأُمَة؛ فالأولى الاتِّباع وترك الابتداع، والدَّليل السَّمعيُّ القاطعُ في ذلك أن إجماع الأُمة حُجة متَّبَعَة وهو مُسْتَنْدُ معظم الشريعة. وقد دَرَج صَحْبُ الرسولِ وَ﴿ على تَرْك التّعريض لمعانيها، ودَرْك ما فيها، وهم صفوة الإسلام المستقلون بأعباء الشَّريعة. وكانوا لا يألُون جهدًا في ضَبْط قواعد المِلَّة، والنَّواصي بحِفْظها، وتعليم النَّاس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الظَّواهر مُسَوَّغًا أو محتومًا، لأوْشَك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشَّريعة، فإذا تصرّم عصرُهم وعَصر التّابعين على الإضراب عن التأويل، كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المُتَّبع، فحقَّ على ذي الدين أن يعتقد تَنَزُّه الباري عن صفات المُحدثين، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرَّبِّ، فلْيُجْر آية الاستواء والمجيء وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىٌّ﴾ [ص ٧٥]، ﴿ وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ﴾ [الرحمن ٢٧]، و﴿ تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١٤]، وما صح من أخبار الرسول كخبر التُّزول وغيره على ما ذكرنا. وقال محمد بن طاهر الحافظ: سمعتُ أبا الحسن القَيْرواني الأديب بنَيْسابور، وكان يسمع معنا الحديث، وكان يختلف إلى دَرْس الأستاذ أبي المعالي الجُوَيني، يقرأ عليه الكلام، يقولُ: سمعتُ الأستاذ أبا المعالي اليوم يقول: يا أصحابنا، لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفتُ أنَّ الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلتُ به . وحكى أبو عبدالله الحسن بن العباس الرُّستمي فقيه أصبهان، قال: حكى لنا أبو الفتح الطَّبري الفقيه، قال: دخلتُ على أبي المعالي في مرضه فقال: اشهَدُوا عليّ أني قد رجعتُ عن كل مقالةٍ تخالف السَّلَف، وأني أموت على ما تموت علیه عجائز نَیْسابور. وذكر محمد بن طاهر أنَّ المحدِّث أبا جعفر الهَمَذاني حَضَر مجلس وعظ أبي المعالي، فقال: كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه. فقال أبو جعفر: أخبِرْنا يا أستاذ عن هذه الضَّرورة التي نجدها، ما قال عارفٌ قَط: ٤٢٧ يا الله؛ إلا وجَدَ من قلبه ضرورة تطلب العُلُوَّ، لا نلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا. أو قال: فهل عندك من دواء لدفع هذه الضَّرورة التي نجدها؟ فقال: يا حبيبي، ما ثَمَّ إلاَّ الحَيْرة. ولَطَمَ على رأسه ونزل، وبقي وقتٌ عجيب، وقال فيما بعد: حَيَّرني الهَمَذاني. ولأبي المعالي من التَّصانيف: كتاب ((نهاية المَطْلَب في المَذْهب)»، وهو كتابٌ جليل في ثمانية مجلَّدات، وكتاب ((الإرشاد في الأصول))، وكتاب ((الرسالة النِّظامية في الأحكام الإسلامية))، وكتاب ((الشَّامل في أُصول الدِّين))، وكتاب ((البُرهان في أصول الفِقه))، و((مدارك العُقُول)) لم يُتمه، وكتاب ((غياث الأمم في الإمامة))، وكتاب ((مغيث الخلق في اختيار الأحق))، و((غُنْية المسترشدين)) في الخلاف. وكان إذا أخذ في علم الصُّوفية وشرح الأحوال أبكى الحاضرين. وقد ذكره عبدالغافر في ((تاريخه)) (١) فأسهب وأطنبَ، إلى أن قال: وكان يذكر في اليوم دروسًا يقع كل واحدٍ منها في عدة أوراق، لا يتلَعثم في كلمةٍ منها، ولا يحتاج إلى استدراك عَثْرةٍ، مرًّا فيها كالبرق بصوت كالرَّعد. وما يوجد في كُتُبه من العبارات البالغة كُنْه الفصاحة غَيْضٌ من فَيْضٍ ما كان على لسانه، وغَرْفةٌ من أمواج ما كان يعهد من بيانه، تفقه في صباه على والده. وذكر التَّرجمة بطولها . وقال عليّ بن الحسن الباخَرْزِي في ((الدُمْية)»، وذكر الإمام أبا المعالي فقال(٢): فالفقه فقه الشَّافعي، والأدب أدب الأصمعي، وفي بصره بالوعظ الحسن البَصْري. وكيف ما هو، فهو إمامُ كل إمام، والمُستعْلي بهمته على كل هُمام. والفائز بالظَّفَرِ على إرغام كل ضِرْغام. إذا تصدَّر للفِقه، فالمُزَني من مُزْنَتِهِ قَطْرَة، وإذا تكلّم فالأشعري من وفرته شَعْرَة، وإذا خطبَ ألْجَمَ الفُصَحاء بالعي شقاشقه الهادرة، ولثم البلغاء بالصَّمت حقائقه البادرة. وقد أخبرنا يحيى بن أبي منصور الفقيه وغيره في كتابهم عن الحافظ عبدالقادر الرُّهاوي أنَّ الحافظ أبا العلاء الهَمَذاني أخبره، قال: أخبرني أبو (١) في السياق، وهو في منتخبه (١٠٩٠). (٢) دمية القصر ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧. ٤٢٨ جعفر الهَمَذاني الحافظ، قال: سمعتُ أبا المعالي الجُوَيني، وقد سُئل عن قوله تعالى: ﴿الرّحمَنُ عَلَى الْعَرْشر [طه] فقال: كان الله ولا عرش، وجعل رْشِ آَسْتَوى يتخبط في الكلام، فقلت: قد علِمْنا ما أشرتَ إليه، فهل عندك للضرورات من حيلة؟ فقال: ما تريد بهذا القول وما تعني بهذه الإشارة؟ فقلتُ: ما قال عارفٌ قط: يا رباه، إلا قبل أن يتحرَّك لسانُه قام من باطنه قصدٌ، لا يلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرةَ، يقصد الفَوق. فهل لهذا القَصْد الضروري عندك من حيلةٍ، فنبِّئنا نتخلّص من الفَوْق والتَّحْت؟ وبكيتُ، وبكى الخَلْقِ، فضرب بكُمِّه على السَّرير، وصاحَ بالحَيْرة. وخَرَّق ما كان عليه، وصارت قيامة في المسجد، ونزل ولم يُجِبْني إلا: بيا حبيبي، الحَيْرة الحَيرة والدَّهشة الذَّهشة! فسمعتُ بعد ذلك أصحابه يقولون: سمعناه يقول: حيَّرني الهَمَذاني. وقد تُوفي أبو المعالي في الخامس والعشرين من ربيع الآخر، ودُفِن في داره، ثم نُقِل بعد سنين إلى مقبرة الحُسين، فدُفن إلى جانب والده وكُسر مِنْبَره في الجامع، وأُغلقت الأسواق، ورَثَوْه بقصائد. وكان له نحوٌ من أربع مئة تلميذ، فكسروا محابرهم وأقلامهم، وأقاموا على ذلك حَوْلاً. وهذا من فعل الجاهلية والأعاجم، لا من فِعْل أهل السُّنة والاتباع. ٢٥١- عليّ بن أحمد بن عليّ، أبو الحسن الشَّهْرستانيُّ، شيخ الصُّوفية برباط شَهْرستان. خدم الكِبار، وعُمِّر وأسنَّ، ولعله نيف على المئة. قال عبدالغافر: اجتمعتُ به وأكرمَ موردي في سنة ثمان، وتُوفي بعدُ بقليل . ٢٥٢- عليّ بن أحمد بن محمد بن أبي سَعد الهَرَويُّ الشُّرُوطِيُّ، أبو الحسن . سمع من الحاكم أبي الحسن الدِّيناري، والقاضي أبي عُمر البسطامي. ٢٥٣- عليّ بن الحسن بن سَلمُوية، أبو الحسن النَّيْسابوريُّ الصُّوفيُّ التَّاجر . روى عن أبي بكر الحِيري، والطِّرازي، والصَّيرفي، وغيرهم. وتُوفي في ٤٢٩ شعبان. روى عنه عمر بن محمد الدِّهستاني(١) . ٢٥٤- عليّ بن عبدالسلام الأرمنازيُّ. له شِعرٌ حَسَن، روى عنه منه ابنه المحدِّث غَيْث، والحافظ محمد بن طاهر(٢). ٢٥٥- عليّ بن عبدالعزيز بن محمد، أبو القاسم النَّيْسابوريُّ الخَشَّاب، من شيوخ الشيعة. سمع الكثير عن أبي نُعَيم الإسفراييني، وأبي الحسن السَّقَّاء الإسفراييني، وعبدالله بن يوسف الأصبهاني، وطائفة. تُوفي في ربيع الأول، وله تسعون سنة(٣). ٢٥٦- عليّ بن محمد، أبو الحسن القَيْروانيُّ الفقيه المالكيُّ المعروف باللَّخْميّ، لأنه ابن بنت اللّخمي. تَفقَّه بابن مُخْرِز، وأبي الفضل بن خلدون، والسيوري. وظهرت في أيامه له فتاوٍ كثيرة. وطال عمره، وصار عالم إفريقية. تفقه به جماعة من السَّفاقُسيين، وأخذ عنه أبو عبدالله المازِري، وأبو الفضل النَّحوي، وأبو علي الكَلاعي، وعبدالحميد السَّفَاقُسي. وله تعليق كبير على ((المدوَّنة))، سماه ((التَّبْصرة))(٤). ٢٥٧- عِوَضُ بن أبي عبدالله بن حمزة، السَّيِّد أبو الرِّضا العَلَويُّ الهَرَويُّ. تُوفي في رمضان. ٢٥٨ - فَرَجُ بن عبدالملك الأنصاريُّ القُرطُبيُّ. روى عن مكي، وصحِب محمد بن عَتَّب، وتقدَّم في الفقه والحديث، و کان يحفظ (٥) . (١) ينظر منتخب السياق (١٣١٣). (٢) من تاريخ دمشق ٤٣ / ٦٨ - ٧٠. (٣) من السياق، كما في منتخبه (١٣٠٢). (٤) من ترتيب المدارك ٤ / ٧٩٧. (٥) من الصلة لابن بشكوال (٩٩٢). ٤٣٠ ٢٥٩- الفضل بن محمد بن أحمد، أبو القاسم الأصبهانيُّ البَقَّال المؤدِّب، عُرِف بتافه(١). سمع محمد بن إبراهيم الجُرْجاني، وعليّ بن مَيْلة. وكان صالحًا عابدًا؛ روى عنه مسعود الثقفي، وأبو عبدالله الرُّسْتُمي. ٢٦٠ - فَيَّاض بن أميرجة، أبو القاسم الهَرَويُّ السَّوْسقانيُّ (٢). مات بالكوفة . ٢٦١ - محمد بن إبراهيم بن سُليمان، أبو الطَّيِّب الأصبهانيُّ. في ذي الحجة بأصبهان . ٢٦٢- محمد بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن الوليد، شيخ المعتزلة أبو عليّ بن الوليد الگرْخيُّ. وُلد سنة ستٍّ وتسعين وثلاث مئة، وأخذ علم الكلام عن أبي الحُسين البَصْري، وحَفِظَ عنه حديثًا واحدًا بإسناده، وهو حديث القَعْنبي: ((إذا لم تستحي فاصنع ما شئت))، رواه عنه أبو القاسم ابن السّمَرْقَندي، وعبدالوهَّاب الأنماطي، وغيرهما. وأخذ عنه ابن عَقِيل شيخُ الحنابلة، وبه انحرف عن السُّنَّة . قال محمد بن عبدالملك في ((تاريخه)): في ذي الحجّة تُوفي أبو عليّ بن الوليد شيخُ المعتزلة وزاهدُهم، ولم نعرف في أعمارنا مثل تورُّعه وقناعته، تورَّع عن ميراثه من أبيه، وقال: لم أتحقق أنه أخذَ حَرَامًا، ولكني أعافُه. ولما كبر وافتقر جعل ينقض دارَهُ، ويبيع منها خَشَبه، يتقوَّت بها، وكانت من حسان الدُّور. وكان يلبس الخَشِن من القُطن. وقال أبو الفضل بن خَيرُون: تُوفي في خامس ذي الحجة، ودُفن في الشُّونيزية، إلى جَنْب أبي الحُسين البَصْري أستاذه. وكان يُدَرِّس الاعتزال والمنطق، وكان داعيةً إلى الاعتزال(٣). (١) قيده الأمير في الإكمال ١/ ٤٩٠، وابن ناصر الدين في التوضيح ٩/ ٢١. (٢) لعله منسوب إلى ((سوسقان))، من قرى مرو يقال لها أيضًا: شاوشكان. (٣) لعله أخذه من ذيل ابن السمعاني، فقد ترجمه فيه، كما دَلَّ عليه مختصر ابن منظور، الورقة ١٦ . ٤٣١ ٢٦٣- محمد بن خيرة، أبو عبدالله بن أبي العافية الأندلسيُّ . من كبار فقهاء المَرِية، وممن شُهِر بالحِفْظ. روى عن حاتم بن محمد(١). ٢٦٤- محمد بن عبدالله بن محمد، أبو بكر القَصَّار المعروف بابن الگُنداجيّ، البغدادييُّ المقرىء. روى عن أبي الحُسين بن بِشْران، وأبي الحسن الحَمَّامي، والحُرْفي. روى عنه قاضي المَرِستان، وإسماعيل ابن السَّمَرْقندي، وأبو بكر ابن الزَّاغوني. تُوفي في صَفَر . ٢٦٥- محمد بن عليّ بن محمد بن المُطَّلب، أبو سعد الكِرْمانيُّ الكاتب، والد الصَّاحب الوزير أبي المعالي هبة الله .. قدم أبوه من كِرْمان، ووُلِد هو ببغداد. ونظر في الأدب وأخبار الأوائل، وسمع من أبي الحُسين بن بِشْران، وأبي عليّ بن شاذان. روى عنه يحيى ابن البنَّاء، وشُجاع الذُّهلي. وكان شاعرًا هجّاءً، بليغ الفُحش، مُقدمًا في ذلك في زمانه، عُزِل لهجوه، فقال : عُزلتُ وما خُنتُ فيما وليتُ وغَيْرِي يَخُونُ ولا يُعْزَلُ فهذا يدلّ على أنَّ من يوَلِّي ويَعْزِل لا يعقِلُ ومن شعره: يا حسرتا مات حظي من قُلُوبكم وللحُظُوظ كما للنَّاسِ آجالُ تَصَرَّم العُمر لم أحظى بقربكم كمْ تحتَ هذه القُبُور الخُرْس آمالُ قال هبة الله السَّقَطي: كنتُ أجتمعُ بأبي سَعْد كثيرًا، فقلَّ أن انفصلتُ عنه إلّ بنادرةٍ أو شِعر، ولم يزل الحالُ به إلى أن تاب، وأُلْهِم الصَّلاة والصَّوم والصَّدقات، وغسَلَ مُسَوَّدات شِعره قبل موته، مات في ربيع الآخر، وله أربعٌ وثمانون سنة (٢). (١) من الصلة لابن بشكوال (١٢١٦). (٢) ينظر المنتظم ٩/ ٢٤. ٤٣٢ ٢٦٦- محمد بن عليّ بن محمد بن حسن بن عبدالوَّهاب بن حسُوية، قاضي القُضاة أبو عبدالله الدَّامَغَانِيُّ الحَنْفَيُّ. شيخُ حَنَفِيَّة زمانه. تفقَّه بخُراسان، ثم قَدِمَ بغدادَ في شبیبته، ودَرَس على القُدُوري، وسمع الحديث من القاضي أبي عبدالله الحُسين بن عليّ الصَّيْمري، والحافظ محمد بن عليّ الصُّوري، وشيخه أبي الحُسين أحمد بن محمد القُدُوري . روى عنه عبدالوهّاب الأنماطي، وعليّ بن طِرَاد الزَّيْنبي، والحُسين المَقْدسي، وغيرهم، وتفقه به جماعة. وكان مولده بدامَغَان سنة ثمانٍ وتسعين وثلاث مئة، وحَصَّل العلمَ على الفقر والقنوع. قال أبو سَعْد السَّمعاني: قال والدي: سمعتُ أحمد بن الحُسين البَصْري الخَبَّز يقول: رأيتُ أبا عبدالله الدَّامغاني كان يحرس في دَرْب الرِّياح، وكان يقوم بعِيشته إنسانٌ اسمهُ أبو العَشَائر الشيْرَجي. قلتُ: ثم آل به الأمر إلى أن وَليَ قضاء القُضاة للمُقْتدي بالله، ولأبيه قبله. وطالت أيامه، وانتشر ذِكره. وكان مثل القاضي أبي يوسف قاضي الرّشيد في أيامه حِشْمةً وجاهًا وسُؤدُدًا وعَقْلاً، وبقي في القضاء نَحْوًا من ثلاثين سنة؛ ولي أولاً في ذي القَعْدة سنة سَبْع وأربعين، بعد موت قاضي القضاة أبي عبدالله ابن ماکولا . وقال محمد بن عبدالملك الهَمَذاني في ((طبقات الفُقهاء))(١): قال قاضي القُضاة الدَّامَغَاني: قرأتُ على أبي صالح الفقيه بدامغان، وهو من أصحاب أبي عبدالله الجُرْجاني، وأصابني جُدَري فاكتحلْتُ، وجئتُ إلى المجلس بعدما بَرأت فقال: أنت مجدُورٌ، فقُم. فقُمتُ وقصدتُ من دامَغَان نَيْسابور، فأقمتُ أربعة أشهر، وصحِبتُ أبا العلاء صاعد بن محمد الأُسْتَوائي قاضيها. وقرأتُ على أبي الحسن المُصْعَبي لدينه وتواضعه. وجَرَت فتنة بين الطوائف هناك، فمنعهم محمود بن سُبُكْتِكِين من الجَدل، فخرجتُ إلى بغداد وورَدْتُها . قال محمد: فقرأ على القُدوري إلى أن توفي سنة ثمانٍ وعشرين وأربع (١) هذا الكتاب ذيل على طبقات أبي إسحاق الشيرازي. تاريخ الإسلام ٢٨٢/١٠ ٤٣٣ مئة، ولازم أبا عبدالله الصَّيْمَري فلما ماتَ، انفرد بالتَّدريس، وصار أحد شهود بغداد. ثم وَلِيَ قضاء القائم بأمر الله، وبعده لابنه ثلاثين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام، وقد شهد عنده شيخ الشافعية أبو الطَّيِّب الطَّبري، وكان أبو الطَّيِّب يقول: أبو عبدالله الدَّامغاني أعرفُ بمذهب الشافعي من كثيرٍ من أصحابنا . قال: وكان عندنا بدامغان أبو الحَسَن صاحب أبي حامد الإسْفَراييني، يعني فاستفاد منه الدَّامغاني. وكان أبو عبدالله الدَّامغاني قد جمعَ الصُّورة البهية، والمعاني الحَسَنة من الدِّين والعَقْل والعِلم والحِلم، وكَرَم المُعاشرة للناس، والتَّعصب لهم. وكانت له صَدَقات في السِّرِّ، وإنصافٌ في العِلم لم يكن لغيره. وكان يورد من المُدَاعبات في مجلسه والحكايات المُضْكحة في تدريسه نظيرَ ما يورده الشَّيخ أبو إسحاق الشِّيرازي، فإذا اجتمعا صار اجتماعهما نزهة . عاش ثمانين سنة وثلاثة أشهر وخمسة أيام، وغسَّلَهُ أبو الوفاء ابن عَقِيل الواعظ، وصاحبه الفقيه أبو ثابت مسعود بن محمد الرَّازي، وصلَّى عليه ولده قاضي القُضاة أبو الحسن على باب داره بنَهر القَلَّئين. ولقاضي القضاة أصحابٌ كثيرون انتشروا بالبلاد، ودَرَّسوا ببغداد، فمنهم أبو سَعْد الحسن بن داود بن بابشاذ المِصري، ومات قبل الأربعين وأربع مئة . ومنهم نور الهُدى الحُسين بن محمد الزَّيْنَبي، ومنهم أبو طاهر إلياس بن ناصر الدَّيْلَمي، ومات في حياته. ومنهم أبو القاسم عليّ بن محمد الرَّحَبي ابن السِّمْناني، وآخرون فيهم كَثْرة ذكرهم ابن عبدالملك الهَمَذاني. تُوفي في رابع عِشري رجب، ودُفن في داره بنهر القَلَّئين، ثم نُقِل ودُفن في القُبة إلى جانب الإمام أبي حنيفة . ٢٦٧- محمد بن عُمر بن محمد بن أبي عَقيل، أبو بكر الكرَجيُّ الواعظ . وُلِدَ بالكَرَج سنة أربع وأربع مئة، ورحل إلى أصبهان فسمع ((مُعْجَم الطَّبَراني))، عن شيوخه، من ابن رِيْذة. وسمع بالشَّام من محمد بن الحُسين بن ٤ ٤٣ التَّرْجُمان، والسَّكَن بن جُمَيْع، وجماعة. روى عنه الفقيه نَصْر، وهبة الله بن طاوس . تُوفي في رجب بدمشق(١). ٢٦٨ - محمد بن محمد بن موسى، أبو عليّ النُّعَيْمِيُّ النَّيْسابوريُّ. حدَّث عن أبي الحسن محمد بن الحُسين العلَوي، وعُمِّرَ أربعًا وتسعين سنة، وتُوفي في رجب (٢). ٢٦٩- مُسلم ابن الأمير أبي المعالي قُرَيش بن بَدْران بن مُقَلَّد حُسام الدَّولة أبي حَسَّان بن المسيب بن رافع العُقَيْليُّ، السُّلطان الأمير شرف الدَّولة أبو المكارم. كان أبوه قد نَهَبَ دار الخلافة مع البَسَاسيري، ومات سنة ثلاثٍ وخمسين كَهْلاً، فقامَ شرف الدَّولة بعده، واستولى على ديار ربيعة، ومُضَر، وتملَّك حَلَبَ، وأخذَ الحمْل والإتاوة من بلاد الرُّوم، أعني من أنطاكية، ونحوها. وسارَ إلى دمشق فحاصرها. وكان قد تَهِيَّأ له أخذها، فبلغه أنَّ حَرَّان قد عَصَى عليه أهلَها، فسارَ إليهم، فحاربهم وحاربوه، فافتتحها وبذل السَّيف، وقتل بها خَلقًا من أهل السُّنَّة . وكان رافضيًّا خبيثاً، أظهرَ ببلاده سبَّ السَّلَف، واتَّسعت مملكتُه، وأطاعته العَرَب، واستفحلَ أمرُه حتى طمعَ في الاستيلاء على بغداد بعد وفاة طُغْرُ لْبَك. وكان فيه أدبٌّ، وله شِعرٌ جيد. وكان له في كُلِّ قريةٍ قاض، وعامل، وصاحب خَبَر. وكان أحول، له سياسة تامّة، وكان- لهيبته- الأمن وبعضُ العدل في أيامه موجودًا، وكان يصرف الجزية في بلاده إلى العلويين. وهو الذي عَمَّ سُور المَوْصل وشَيَّدها في ستة أشهر من سنة أربع وسبعين. ثم إنه جرى بينه وبين الشُّلطان سُليمان بن قُتُلْمش السُّلْجُوقي ملك الرُّوم مصافٍّ في نِصْف صَفَر على باب أنطاكية فقُتِل فيه مُسلم، وله بضعٌ وأربعون (١) من تاريخ دمشق ٥٤/ ٤٣١ - ٤٣٢. (٢) من السياق لعبد الغافر، كما في منتخبه (١٢٩). ٤٣٥ سنة؛ قاله صاحب ((الكامل))(١)، والقاضي شمس الدين ابن خَلِّكلن(٢). وقال المأموني في ((تاريخه)) بل وَثَب عليه خادمٌ في الحَمَّام فخنقه. ثم إنَّ السُّلطان مَلِكشاه رتَّب ولده محمدًا في الرَّحبة، وحَرَّان وسَرُوج، وزَوجه بأخته زُلَيْخا. ٢٧٠- هبة الله بن عبدالله بن أحمد بن محمد، أبو الحَسَن القَصْرِيُّ السِّيْبِيُّ، من أهل قَصْر ابن هُبيرة. قَدِم بغدادَ مع عمه أبي عبدالله ابن السِّيبي، وسمع الحديث من أبي الحُسين بن بِشران، وغيره. روى عنه إسماعيل ابن السَّمَرْقَندي، وأبو نصر أحمد بن عُمر الغازي، وعليّ بن عبدالسّلام. وكان فاضلاً، قرأ طَرَفًا من النَّحو والفقه، ووَلِي القضاء بناحيته. ثم إنه طُلِب لتأديب أمير المؤمنين المُقْتدي بالله وبَنيه من بعده. ووَلِيَ القضاء بالحريم الشَّريف، وكان وَقُورًا مَهِيبًا فَهِمَا عالمًا. تُوفي في ثاني عشر المُحرَّم عن بضع وثمانين سنة (٣). ٢٧١- يحيى بن محمد بن القاسم بن محمد، أبو المُعَمَّر بن طَبَاطَبَا العَلَويُّ الشيعيُّ. من كبار الإمامية، روى عن الحُسين بن محمد الخَلَّل. وشارك في العلم، روى عنه أبو نَصْر الغازي، وإسماعيل ابن السَّمَرْقَنْدي. (١) الكامل ١٠/ ١٣٩ - ١٤٠. (٢) وفيات الأعيان ٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨. (٣) من الذيل للسمعاني، وذكر منه شيئًا في ((السِّيبي)) من الأنساب. ٤٣٦ سنة تسع وسبعين وأربع مئة ٢٧٢- أحمد بن عبدالعزيز بن شَيْيان البَغْداديُّ. روى عن أبي الحسين بن بشران، وعبدالله بن يحيى السُّگري. روى عنه إسماعيل ابن السَّمَرْقندي، وعبدالوهّاب الأنماطي. ٢٧٣- أحمد بن عُبَيدالله، أبو غالب ابن الزَّيَّات البَيِّعَ الخَيَّاط المؤذِّن. سمع ابن شاذان، والحُرفي. وعنه إسماعيل ابن السَّمَرْقَنْدي، وأبو بكر ابن الزَّاغُوني. تُوفي في شعبان . ٢٧٤- أحمد بن محمد بن دوست دَادا، شيخ الشيوخ أبو سَعْد النَّيْسابوريُّ الصُّوفيُّ. صَحِب الزَّاهد القُدْوة أبا سعيد فضل الله بن أبي الخَيْرِ المِيْهَني، وسافر الكثيرَ. وكان ذا هِمَّةٍ شريفةٍ وأخلاق سَنِيَّةٍ. حج على التَّجْريد مرَّات، لأنَّ الطَّريق كان مُنْقطعًا. وكان يجمع جماعة من الفُقراء والصُّوفية، ويدور في قبائل العَرَب، وينتقل من حِلَّةٍ إلى حِلَّةٍ، إلى أن يصل مكَّة. وكان بينه وبين نظام المُلْك موذَّةٌ أكيدة، اتفق أنَّه كان مُنْصرفًا من أصبهان إلى حَضْرة نظام المُلْك، فنزل بنهاوند، وكان قد غَرُبت الشَّمس، فنزل فأتى خانقاه أبي العباس الثَّهَاوَنْدي، فمُنع من الدُّخول وقيل: إنْ كنتَ من الصُّوفية، فليس هذا وقت دخول الخانقاه، وإن كنتَ لست منهم، فليس هذا موضعك. فباتَ تلك اللَّيلة على باب الخانقاه في البرد، فقال في نفسه: إِنْ سَهَّل الله لي بناء خانقاه أمنع من دخولها أهل الجبال، وتكون موضع نزول الغُرباء من الخُراسانيين . قال أبو سعد السَّمْعاني: بَلَغَني أنَّه خرج مَرَّة إلى البادية، فأضافه صاحبه أحمد بن زَهراء، وكانت له زاويةٌ صغيرةٌ يجتمع فيها الفُقراء، فلمَّا دخلها أبو سَعْد، قال: يا شيخ لو بنيت للأصحاب موضعًا أوسعَ من هذا، وبابًا أرفع من هذا، حتى لا يحتاج الدَّاخل إلى انحناء ظهره. فقال له أحمد: إذا بنيت أنتَ رِباطًا للصُّوفية في بغداد، فأجعل له بابًا يدخل منه الجَمَل وعليه الرَّاكب. ٤٣٧ فضربَ الذَّهر ضَرَبانه، وانصرفَ أبو سَعْد، إلى نَيْسابور، وباعَ أملاكَهُ، وجمعَ ما قَدر عليه، وقَدِمَ بغداد، وبَنَى الرِّباط، وحَضَرَ فيه الأصحاب، وأحضر أحمد ابن زَهْراء وركب واحدٌ جَمَلاً حتى دخل من باب الرِّباط. وسمعت ولده أبا البركات إسماعيل يقول: لمَّا غرق جميع بَغْداد في سنة ستٍّ وستين وأربع مئة، وكان الماء يدخل الدُّور من السُّطُوح، وضرب الجانب الشَّرقي بالكُلِّية، اكترى والدي زَوْرقًا، وركب فيه، وحمل أصحابه الصُّوفية وأهله. وكان الزَّورق يَدُور على الماء، والماء يخرب الحِيطان، ويحمل الأخشاب إلى البَحْر، فقال أحمد بن زَهْراء لوالدي: لو أكتريتَ زورقًا ورجلاً يأخذ هذه الجذوع ويربطها في موضع، حتى إذا نقص الماء بنيتَ الرِّباط، كان أخَفَّ عليك. قال: يا شيخ أحمد هذا زمان التَّفْرقة، ولا يمكن الجَمْع في زمن التَّفْرقة. فلمَّا هبط الماء بنى الرِّباط أحسنَ مما كان. تُوفي في ربيع الآخر، وهو الذي تولَّى رباط نهر المُعَلّى. وكان عالي الهمة، كثير التَّعصُّب لأصحابه، جدَّد تُربة معروف الكَرْخي بعد أن احتَرَقت. وكان ذا منزلةٍ كبيرةٍ عند السُّلطان، وحُرْمة عند الدَّولة. وكان يقال: الحمدُ لله الذي أخرج رأس أبي سعد من مرقَّعةٍ، فلو خرج من قباء لهَلَكْنا. وابن زَهراء هذا هو أبو بكر الطُّرَيْثيني(١). ٢٧٥- أحمد بن محمد بن مُفرِّج، أبو العباس الأنصاريُّ القرطُبيُّ، يُعرف بابن رُمَيْلَةً. كان مَعْنيًّا بالعلم، وصُحْبة الشيوخ. وله شِعرٌ حَسَن في الزّهد، وفيه عبادة. واستُشهد بوقعة الزَّلاَقة، مقبلاً غير مُدْبِر رحمه الله وكانت يوم الجُمُعة ثاني عشر رجب على مقرُبةٍ من بَطَلْيوس، قُتِل فيها من الفرنج ثلاثون ألف فارس، ومن الرَّجَّالة ما لا يُحصى؛ وهي من الملاحم المشهورة كما تقدم(٢). ٢٧٦ - أحمد بن يوسف بن أصبغ، أبو عُمر الطَّلَيْطُليُّ. سمع أباه، وعبدالرحمن بن محمد بن عباس. وكان ماهرًا في الحديث (١) الترجمة من الذيل للسمعاني، وينظر المنتظم ٩/ ١١. (٢) في بعض النسخ: ((يأتي)) وكلاهما صحيح، إذ يذكر المصنف الحوادث بعد الوفيات بعض الأحيان. أما ما استقر الأمر عليه فهو ذكر حوادث كل طبقة قبل الوفيات. والترجمة من الصلة لابن بشكوال (١٤٤). ٤٣٨ والفرائض والتَّفسير، ورحل إلى المشرق وحج، وولي قضاء طُلَيْطُلة، ثم عزل . وكان ثقةً رضًا، تُوفي في شعبان(١). ٢٧٧- إبراهيم بن عبدالواحد بن طاهر القَطَّان، أبو الخَطَّاب البغداديُّ. ثقةٌ صالحٌ، سمع البَرْقاني، وأبا القاسم الحُرْفي، وابن بِشْران. وعنه ابن السَّمَرْقندي، والأنماطي. تُوفي في جمادى الأولى. ٢٧٨- إسماعيل بن زاهر بن محمد، أبو القاسم التُّوْقَانيُّ النَّيْسابوريُّ. قال السَّمعانيُ: فقيهٌ صالح، صدوقٌ، كثيرُ السَّماع؛ سمع أبا الحسن العَلَوي، وأبا الطَّيِّب الصُّعْلُوكي، وعبدالله بن يوسف بن بامُوية، وابن مَحْمِش بنَيْسابور، وأبا الحسين بن بشران ونحوه ببغداد، وجناح بن بدر بالكوفة، وابن نظيف وأبا ذَر بمكَّة. روى عنه زاهر الشَّخَامي، وأبو نصر أحمد بن عُمر الغازي، وإسماعيل بن عبدالرحمن القارىء. وقد تفقه على أبي بكر الطُّوسي، وعقدَ مجلس الإملاء، وأفادَ الكثير، وكان مولده في سنة سَبْع وتسعين وثلاث مئة. ومن آخر مَن روى عنه عبدالكريم بن محمد الدَّامغاني. قال عبدالغافر(٢): هو من أركان فُقهاء الشافعية، سمعتُ منه بعض أماليه . وروى عنه أيضًا سعيد بن عليّ الشُّجاعي، وعائشة بنت أحمد الصَّفَّار، وأبو الفتوح عبدالله بن عليّ الخَرْكُوشي، وعبدالكريم بن عليّ العَلَوي، وعبدالملك بن عبدالواحد ابن القُشَيْري، ومحمد بن جامع خَيَّاط الصُّوف، وغيرُهم ومن مسموعاته: كتاب ((تاريخ الفَسَوي))؛ رواه عن ابن الفَضْلِ القَطَّان، عن ابن دَرَسْتُوية، عن الفَسَوي. (١) من الصلة لابن بشكوال (١٤٥). (٢) في السياق، كما في منتخبه (٣١٨). ٤٣٩ ٢٧٩ - إسماعيل بن محمد بن أحمد، أبو سَعْد الحَجَّاجيُّ الفقیه. سمع الحُسين بن محمد بن فنجُوية الثَّقفي، وأبا بكر الحِيري، وأبا سعيد الصَّيْرفي، وابن حيد. وعنه إسماعيل بن أبي صالح، وعبدالغافر الفارسي، وعبدالله ابن الفُرَاوي(١). ٢٨٠- ثابت بن الحُسين بن شراعة، أبو طالب التَّمِيمِيُّ الهَمَذانيُّ الأديب. روى عن أبي طاهر بن سَلَمة، ومنصور بن رامش، وابن عيسى، وجماعة . قال شيرُوية: سمعتُ منه، وكان صدوقًا، تُوفي في صفر . ٢٨١- جَعْبر بن سابق، الأمير سابق الدِّين القُشَيْريُّ. صاحب قلعة جَعْبر، الحصن الذي على الفُرات. قتله السُّلطان ملكشاه السُّلجوقي لما قدم حلب لأنه بلغه أنّ ولديه يقطعان الطَّريق. يُقال لقلعة جَعْبر أيضًا الدَّوْسَرِية، لأنَّ دَوْسَر غلام مَلِك الحيرة النَّعمان ابن المنذر بناها(٢). ٢٨٢- الحسن بن محمد بن القاسم بن زَيْنة، أبو عليّ البَغْداديُّ الدَّقاق الكاتب . قال السَّمعاني: شيخٌ صالحٌ، ثقةٌ مأمونٌ، سَمِعَ الكثير، وتَفَرَّقت كُتُبه. وكان يُسْمع من أصول غيره. روى عن هلال الحَفَّار. حدثنا عنه إسماعيل ابن السَّمَرْقندي، وعبدالوهّاب الأنماطي، وأحمد بن الإخوة، مات في صفر، وله ثمانون سنة . ٢٨٣- حَمْد بن أحمد الحلمقريُّ الھَرَويُّ. یروي عن أبي منصور الأزديّ. ٢٨٤ - سعيد بن فضْل الله بن أبي الخَيْر، الشيخ أبو طاهر ابن الإمام القُدوة أبي سعيد المِيْهنيِّ. تُوفي في شعبان، وهو أكبر أولاد أبيه، وجلس في المشيخة بعد والده (١) ينظر منتخب السياق (٣١٩). (٢) من وفيات الأعيان ١/ ٣٦٣ - ٣٦٤. ٤٤٠