Indexed OCR Text

Pages 601-620

٣٣١- عليّ بن الحسن بن محمد بن فِهْر، الإمام أبو الحسن الفِهْريُّ
المِصْريُّ المالكيُّ، من كبار الفُقهاء.
صنَّف ((فضائل مالك)) فِي مجلَّد، وسَمِعَ بالمشرق من جماعة. سمع منه
أبو العباس بن دِلْهاث، والمُهَلَّب بن أبي صُفْرة، وقال: لقيتُه بمصر ومكة، ولم
ألقَ مثله .
٣٣٢- عليّ بن شُعيب بن عليّ بن شُعيب بن عبدالوهّاب، أبو
الحسن الهَمَذَانيُّ الدَّهَّان.
مُحدِّث رَخَّال، زاهدٌ كبيرُ القَدْر. روى عن أبي أحمد الغِطْرِيفي، وأؤْس
الخَطيب، ومحمد بن جعفر النَّهاونْدي، وإسحاق بن سعد النَّسَوي، وابن
المُقرِىء، وخَلْقٍ. وعنه عليّ بن الحُسين، وعبدالملك، وابن مَمَّان، وأحمد
ابن عُمر، وناصر بن المُشَطبّ الهَمَذَانيون.
وكان ثقةً خَيِّرًا قانعًا باليسير .
وآخر من روى عنه ناصر، بقي ناصر إلى حدود عَشرٍ وخمس مئة.
٣٣٣- محمد بن أحمد بن القاسم، أبو منصور الأصبهانيُّ المقرىءُ،
نزیل آمد.
حدَّث بدمشق وبآمد عن محمد بن عَدي المِنْقري، وجماعة من
البَصْريين. روى عنه أبو القاسم بن أبي العلاء المِصِّيصيُّ، وشيخُ الإسلام أبو
الحسن الهكَّاري، والفقيه نصر المَقْدسي، وغيرُهم(١).
٣٣٤- محمد بن أحمد بن العلاء بن شاه، أبو العلاء الصُّغْديُّ
الأصبهانيُّ الخطيب.
سمع أبا محمد بن حَيَّان، وغيره. وعنه أبو عليّ الحَذَّاد(٢).
٣٣٥- محمد بن أبان بن عُثمان بن سعيد بن فَيْض، أبو عبدالله ابن
السَّرَّاجِ الشَّذُونئُّ.
روى بقُرْطُبة عن عباس بن أصْبَغ، وإسماعيل بن إسحاق الطَّخَان. وكان
متفننًا فاضلاً، له بَصرٌ بالمُعتقدات والجدل والكلام. روى عنه ابن خَزْرج،
وقال: تُوفي في حدود سنة أربعين وأربع مئة وقد نَيَّف على السَّبعين(٣).
(١) من تاريخ دمشق ١٠١/٥١ - ١٠٢.
(٢) معجم شيوخه، الترجمة ٢٢ (نسختي).
(٣) من صلة ابن بشكوال (١١٦٠).
٦٠١

٣٣٦- محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الهَرويُّ المُقرىء.
قرأ بتلقين أبيه حديثًا على القاضي أبي منصور الأزدي وله من العُمر
ثلاث سنين. وهذا من أغرب ما بلغنا، وتوفي شابًّا.
٣٣٧- محمد بن الحسن بن عُمر، أبو عبدالله المِصْرِيُّ البَزَّاز،
ويُعرف بابن عَيْنِ الغَزَال.
روى عن ابن حَيُّوية النَّيْسابوري. وعنه أبو طاهر بن أبي الصَّقْر.
قال ابن ماكولا (١): تُوفي سنة نيٍّ وثلاثين.
٣٣٨- محمد بن عبدالرحيم بن حسن، أبو الحارث الخَبُوشانيُّ،
وخَبُوشان: بُلَيدة من أعمال نَيْسابور، الأثريُّ الحافظ.
رحل، وكتب الكثير، ونَسَخَ الكُتُب المُطَوَّلة. سمع من زاهر بن أحمد،
ومحمد بن مكي الكُشْميهني، وأبيٍ نُعيم عبدالملك بن الحسن. روى عنه
إسماعيل بن عبدالقاهر الجُرْجاني، وظَفَر بن إبراهيم الخَلَّل.
تُوفي سنة نيّ وثلاثين(٢).
٣٣٩- محمد بن عليّ بن محمد بن عليّ بن الحسين بن مِهْرهُرمز،
أبو بكر الأصبهانيُّ الحُلليُّ.
سمع أبا الشيخ. وعنه أبو عليّ الحَذَّاد(٣).
٣٤٠- محمد بن يعقوب بن إسحاق بن موسى بن سَلام، أبو نصر
السَّلاَمِيُّ النَّفيُّ المحدِّث الثَّقَة.
وبُرْجُ السَّلامي في رَبَض نَسَف منسوبٌ إليه، وهو بناه. سمع أباه، وبكر
ابن محمد النَّسفي، وأبا سعيد بن عبدالوهَّاب الرَّازي، وزاهر السَّرْخسي،
وطبقتهم. وعنه جعفر المُسْتَغْفري وهو من أقرانه، وأبو بكر محمد بن أحمد
البَلَدي. وحدَّث ((بصحيح البُجَيري))، عن أبي نصر بن حَسْنُوية، عن المؤلِّف(٤).
٣٤١- مروان بن عليّ الأسديُّ القُرْطَبيُّ، أبو عبدالملك، المعروف
بالبُوني.
روى عن أبي محمد الأصيلي، وأبي المُطَرِّف عبدالرحمن بن فُطَيس.
(١) الإكمال ٧/ ٢٢ ووقع في المطبوع سقط، وكتب بعض النص في الحاشية!
(٢) ينظر المنتخب من السياق (٨١).
(٣) معجم شيوخه، الترجمة ٩ (نسختي).
(٤) ينظر ((السَّلامي)) من أنساب السمعاني.
٦٠٢

ورحل فأخذ عن أبي الحسن القابسي، وأحمد بن نَصْر الدَّاودي وصحبه خمسة
أعوام وأكثر عنه.
وله ((مختصر في تفسير الموطأ)).
روى عنه حاتم بن محمد، وقال: كان حافظًا نافِذًا في الفِقه والحديث.
وروى عنه أبو عمر ابن الحَذَّاء، وقال: كان صالحًا عفيفًا عاقلاً، حسن اللسان
والبيان .
وقال الحُميدي(١): كان فقيهًا مُحدِّثًا. مات قبل الأربعين وأربع مئة(٢) بُونَة .
٣٤٢- مُصْعب ابن الحافظ المؤرِّخ أبي الوليد عبدالله بن محمد بن
يوسف ابن الفَرَضي، أبو بكر الأزديُّ القُرْطبيُّ.
روى عن أبيه، وأبي محمد بن أسد، وأحمد بن هشام. واستجازَ له أبوه
جماعةً سَمَّى بعضَهُم في ((تاريخ الأندلس)» له.
وذكره الحُميدي، فقال(٣): أديبٌ، محدِّثٌ، أخباريٌّ، شاعرٌ، ولي الحُكْم
بالجزيرة. ثم روى عنه الحُميدي، وقال(٤): كان حَيًّا قبل الأربعين وأربع مئة(٥).
٣٤٣- مُعْتمد بن محمد بن محمد بن مَكْحول، أبو المعالي النَّسفيُّ
المَكْحُوليُّ.
يروي عن جده أبي المُعين محمد بن مَكْحول، وأبي سَهْل هارون بن
أحمد الإسْتراباذي الرَّاوي عن أبي خليفة .
وتُوفي سنةٍ نِيٍِّ وثلاثين(٦).
٣٤٤- مُفَضَّل بن محمد بن مِسْعر بن محمد، القاضي أبو المحاسن
التَّنُوخِيُّ المَعرِّيُّ الحَنفيُّ المعتزليُّ الشِّيعيُّ.
رحل إلى بغداد، وسمع من أبي عُمر بن مهدي، وغيره. وتفقّه على
القُدُوري، وأخذ الرَّفْضَ والكلام عن غير واحدٍ. وسمع بدمشق من عبدالرحمن
ابن أبي نَصْر.
(١) جذوة المقتبس (٧٩٨) وفيه: ((مروان بن محمد)).
(٢) نقله من صلة ابن بشكوال (١٣٤٩).
(٣) جذوة المقتبس (٨٢٨).
(٤) نفسه.
(٥) نقله من صلة ابن بشكوال (١٣٨٠).
(٦) ينظر ((المكحولي)) من أنساب السمعاني.
٦٠٣

قال ابن عساكر(١): كان ينوبُ في القَضاء بدمشق لابن أبي الجِن، ووَليَ
قضاء بعْلبك، وصَنَّف ((تارِيخ النَّحْويين))، وكأنَّه كان معتزليًّا شيعيًّا. أخبرنا
الشَّسيب، قال: أخبرنا المُفَضَّل سنة ثمانٍ وثلاثين، فذكرَ حديثاً .
وقال غَيْث الأرِمنازي: ذُكر عنه أنَّه كان يضع من الشَّافعي، وصَنَّف كتابًا
ذكرَ فيه الرَّدَّ على الشَّافعي خالفَ فيه الكِتَابَ والشِّنَّة. وحذَّثني النَّسيب أنه بلغ
أباه أنه ارتَشَى فعزله عن بَعْلبك .
٣٤٥- هشام بن سعيد الخَيْر بن فَتحون، أبو الوليد القَيسيُّ الوَشْقيُّ.
سمع من القاضي خَلف بن عيسى، وهو في هذه الطَّبقة. ثم إن هشامًا
حجَّ وأخذ عن أبي العباس عليّ بن مُنير، وأبي عِمْران الفاسي، والحسن بن
أحمد بن فراس.
حدَّث عنه الحُميدي، وقال(٢): محدِّثٌ جليلٌ، جميلُ الطّريقة، تُوفي
بعد الثّلاثين وأربع مئة.
وحدَّث عنه أيضًا أبو عمر بن عبدالبر، والقاضي أبو زيد الحَشَّاءِ(٣).
٣٤٦- يحيى بن عبدالله بن محمد بن يحيى، أبو بكر القُرشيُّ
الجُمحيُّ الوهرانيُّ.
حدَّث عن أبي محمد الأصيلي، وعباس بن أصْبَغ، وجماعة. كان
متصرفًا في العلوم، قويَّ الحِفْظ، غلبَ عليه علمُ الحديث.
تُوفي في حدود سنة إحدى وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة (٤).
٣٤٧ - أبو حاتم، أحمد بن الحسن بن خاموش الرَّازيُّ الواعظ.
سمع السّلَفي من أصحابه، واجتمع به شيخ الإسلام الهَرَوي. ويروي
عنه الخطيب بالإجازة (٥) .
(آخر الطبقة والحمد لله)
(١) تاريخ دمشق ٩١/٦٠ ومنه نقل الترجمة.
(٢) جذوة المقتبس (٨٦٦).
(٣) نقله من صلة ابن بشكوال (١٤٣٠).
(٤) من صلة ابن بشكوال (١٤٦٤).
(٥) تقدمت ترجمته في موضعين الأولى: في المتوفين على التقريب من أصحاب الطبقة الثالثة
والأربعين (الترجمة ٣٧٤). والثانية: في الطبقة الرابعة والأربعين وفيات سنة (٤٤٠)
الترجمة (٢٧٩).
٦٠٤

الطبقة الخامسة والأربعون
٤٤١ - ٤٥٠ هـ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحـ
(الحوادث)
سنة إحدى وأربعين وأربع مئة
تُقُدِّم إلى أهل الكَرْخِ أن لا يعملوا مأتمًا يوم عاشوراء، فأخلفوا وجَرَى
بين أهل السُّنَّة والشِّيعة ما زاد على الحَدِّ من القَتْل والجِرَاحات.
وفيها ذهبَ الملك الرَّحيم إلى الأهواز وفارس، فلقِيَه عَسْكر فارس
واقتتلوا، فانهزمَ هو وجيشُه إلى أن قَدِمَ واسط. وسار عسكر فارس إلى الأهواز
فملكوها وخَيَّموا بظاهرها.
وفيها قَدِمَ عَسْكرٌ من مصرَ فقصدوا حَلَب، فانهزم منها صاحبها ثمال،
فملكها المصريون .
وفيها وَلَيَ دمشقَ أميرُ الأمراء عدَّة الدَّولة رِفْق المُسْتَنْصري، ثم عُزِل بعد
أيام بطارق المُسْتَنصري، ووَليَ إمرةَ حَلَب. وولي وزارة دمشق معه سديدُ
الدَّولة ذو الكفايتين أبو محمد الحسين الماسِكي (١).
وفيها اهتمَّ أهلُ الكَرْخ وعملوا عليهم سُورًا، وكذا فعل أهل نهر
القلائين، وأنفقَ على ذلك العَوَام أموالاً عظيمة، وبقي مع كل فرقةٍ طائفة من
الأتراك تشد منهم. ثم في يوم عيد الفِطْر ثارت الحرب بينهم، وجَرَت أمورٌ
مُزْعجة يطول تَفْصيلها، وأذنوا في منابر الكَرْخِ بـ ((حي على خير العمل)).
وفي ذي الحجة عَصَفت ريحٌ غبراء تُرابية اظلمت منها الذُّنيا حتى لم يَرَ
أحدٌ أحدًا. وكان النَّاس في أسواقهم فحاروا ودُهِشُوا، ودامت ساعةً، فقلعت
رواشن دار الخَليفة ودار المملكة، ووقع شيء كثير من النَّخْل.
(١) ينظر ذيل القلانسي ٨٥.
٦٠٧

سنة اثنتين وأربعين وأربع مئة
نُدبَ أبو محمد ابن النَّسوي لضَبْط بغدادَ، واجتمعَ العامَّةُ من الشِّيعة
والسُّنَّة على كلمةٍ واحدة، على أنه مَتَى ولي ابن النَّسوي أحرقوا أسواقهم
ونَزَحوا عن البَلَد. ووقعَ الصّلح بين السُّنة والشِّيعة، وصارَ أهلُ الكَرْخِ إلى نهر
القلائين فصلُّوا فيه، وخرجوا كلهم إلى الزِّيارة بالمشاهد. وصار أهلُ الكَرْخ
يترخَّمون على الصَّحابة في الكَرْخِ، وهذا أمرٌ لم يتّفق مثله.
وفي ليلة الجُمُعة ثاني رمضان وقعت صاعقة بالحِلَّة على خيمةٍ لبعض
العرب كان فيها رجلان، فأحرقت نصف الخَيْمة ورأسَ أحد الرَّجُلين، وقَدَّت
نصفَ بَدَنه، وبقي نصفُهُ الآخر، وسقط الآخر مَغْشيًّا عليه ما أفاقَ إلا بعد
يومين.
ورخص السِّعرُ ببغداد حتى أبيع كَر الحنطة بسبعة دنانير .
وفيها سار المَلِك ألْب رسلان السَّلْجُوقي من مَرْو وقَصدَ فارس في
المفازة، فلم يعلم أحد ولا عمه طغرلبك، فوصل إلى فَسَا واستولى عليها،
وقتل من جُنْدها الدَّيْلم نحو الألف وطائفة من العامة، ونهب وأسر وفتك،
وعاد إلى مَرْو مُسرعًا
واستهل ذو الحجة فتهَّأ أهلُ بغداد السُّنَّة والشيعة لزيارة مشهد الحُسين
وأظهروا الزِّينة والفرح، وخرجوا بالبُوقات ومعهم الأتراك.
وفيها نازل طغرلبك أصبهان، وحاصر ابن علاء الدَّولة نحو السنة،
وقاسى العامَّة شدائد. ثم أخذها صُلْحًا وأحسن إلى أميرها، وأقطعه يَزْد
وأبْرقُوه، وأقطع أجنادها في بلاد الجَبَل، وسكنَ أصبهان.
سنة ثلاث وأربعين وأربع مئة
في صَفَر تجدَّدت الفتنة بين الشّيعة والسُّنَّة، وزال الاتِّفاق الذي كان عام
أول. وشرع أهل الكَرْخ في بناء باب السَّمَّاكين، وأهل القَلَّئين في عمل ما بقي
من بابهم. وفرغ أهل الكَرْخ من بنيانهم وعملوا أبراجًا وكتبوا بالذَّهب: ((محمدٌ
وعليّ خير البَشَر، فمن رضي فقد شَكَر، ومن أبَى فقد كَفَر)). وثارت الفتنة
٦٠٨

وآلت إلى أخذ ثياب النَّاس في الطُرق، وغُلِّقت الأسواق، ووقفت المعايش.
وبعد أيام اجتمع للسُّنّة عددٌ يفوق الإِحصاء، وعَبَروا إلى دار الخلافة وملأوا
الشوارع، واخترقوا الذَّهاليز، وزاد اللَّغَط، فقيل لهم: سنبحث عن هذا. فهاج
أهلُ الكَرْخِ ووقع القتال، وقُتل جماعةٌ، منهم واحدٌ هاشمي، ونُهب مشهد باب
التّبْن، ونَبِشت عدة قبور وأحرقوا، مثل: العَوْني، والنَّاشىء، والجُذُوعي،
وطرحوا النار في المَقَابر والُّرَب، وجرى على أهل الكرخ خِزْيٌ عظيم، وقُتل
منهم جماعة، فصاروا إلى خان الفُقهاء الحَنَفيين، فأخذوا ما وجدوا، وأحرقوا
الخان، وقتلوا مدرِّس الحنفية أبا سعد السَّرْخَسي، وكبسوا دُور الفُقهاء،
فاستُدعي أبو محمد ابن النَّسَوي وأُمر بالعبور، فقال: قد جرى ما لم يجرِ مثله،
فإنْ عبر معي الوزيرُ عَبَرْتُ فقُوِّيت يدُه. وأظهرَ أهلُ الكَرْخِ الحُزْن، وقعدوا في
الأسواق للعزاء على المقتولين. فقال الوزير: إنْ واخَذْنا الكُلَّ خَرِب البلد،
والأوْلَى التَّغَاضي. فلما كان في ربيع الآخر خُطب بجامع بَراثًا مأوى الشيعة،
وأُسقط من الأذان ((حيَّ على خير العمل))، ودَقَّ الخطيب المنبر بالسَّيف، وذكر
في خطبته العَبَّاس.
وفي ذي الحجة كبس العَيّرون دار أبي محمد ابن النَّسَوي وجرحوه
جراحات عدة.
وفيها أخذَ السُّلطان طُغرِلْبك أصبهان في المحرَّم، فجعلها دار مُلْكه،
ونقل خزائنه من الرَّي إليها. وكان قد عَمَّرَ الرَّيَّ عمارة جيِّدة.
وفيها كبس منصور بن الحسين بالغُز الأهواز وقتلَ بها خَلْقًا من الذَّيْلم
والأتراك والعامة، وأُحرقت ونُهِبت.
وفيها كانت وقعة هائلة بين المغاربة والمِصْريين بإفريقية، وقُتل فيها من
المغاربة ثلاثون ألفًا .
سنة أربع وأربعين وأربع مئة
في ذي القَعْدة عادت الفِتَن ببغداد، وأُحرقت جماعة دَكاكين، وكتبوا،
أعني أهل الكَرْخ، على مساجدهم: ((محمد وعليّ خير البَشَر)). وأذنوا بحيَّ
على خير العَمَل. فتجمع أهلُ القَلَّئين وحملوا حملةً على أهل الكَرْخِ، فهربَ
ـاريخ الإسلام ٩ / م٣٩
٦٠٩

النَّظَّارة، وازدحموا في مسلكٍ ضيِّق، فَهَلك من النِّساء نيٌّ وثلاثون امرأة وستة
رجال وصبيان، وطُرحت النَّار في الكَرْخِ، وعادوا في بناء الأبواب والقتال.
فلما كان في سادس ذي الحجة جرى بينهم قتال، فجمع الطَّقْطِقَى قومًا من
الأعوان، وكبسَ نهر طابق من الكَرْخِ، وقتل رجلين، ونصبَ الرَّأسين على
حائط مسجد القَلَّئين.
وفيها جرت حروب كثيرة بين عَسْكر خُراسان وعسكر غَزْنَة، وكلهم
مسلمون، وتَمَّ ما لا يليق من القتال على المُلْك، نسأل الله العافية.
وفيها سَيَّر الملك الرَّحيم جيشًا مع وزيره والبَسَاسيري إلى البَصْرة،
وعليها أخوه أبو عليّ بن أبي كاليجار، فحاصروها، واقتتلوا أيامًا في السُّفُن.
ثم افتتحوا البصرة، وهربَ أبو عليّ فتحصَّن بشطُّ عثمان وحَفَر الخَنْدق،
فمضى إليه الملك الرَّحيم وحاربه، فتقهقر إلى عَبَّادان وركب البحر. ثم طلع
منه وسار إلى أرَّجان، وقدم على السُّلطان طغرلبك بأصبهان، فأكرمه وصاهَرَه.
وسَلَّم الملك الرحيم البَصْرة إلى البَسَاسيري، ومضى إلى الأهواز.
وفيها قدم طائفة من جيش طُغرلبك إلى أطراف العراق، فنهبوا واستباحوا
الحريم وفتكوا، ورجفَ أهلُ بغداد.
وفيها عُمل محضر كبيرٌ ببغداد في القَدْحِ في نَسَب صاحب مصر، وأنَّ
أصله من اليهود.
سنة خمس وأربعين وأربع مئة
فيها أُحضر ابن النَّسَوي فَقُوِّيت يدُه، فَضَرب وقَتَلَ وخَرَّبَ ما كتبوا من
((محمد وعليّ خير البشر))، وطُرحت النَّار في الكَرْخ ليلاً ونهارًا .
ثم وردت الأخبار بأن الغُزَّ قد وَصَلُوا إلى حُلْوان، وأنهم على قَصْد
العراق، ففزعِ النَّاس .
وفيها أُعلن بنَيْسابور بلَعْن أبي الحسن الأشعري، فضجَّ من ذلك الشَّيخ
أبو القاسم القُشَيري، وصنَّف رسالة ((شكاية السُّنَّة لما نالهم من المحنة)). وكان
قد رُفع إلى السُّلطان طغرلبك شيء من مقالات الأشعري، فقال أصحاب
الأشعري: هذا مُحال وليس هذا مذهبه. فقال السُّلْطان: إنما نأمر بلعن
٦١٠

الأشعري الذي قال هذه المقالة فإن لم تَدِينوا بها ولم يقُل الأشعري شيئًا منها
فلا عليكم ممَّا نقول. قال القُشَيْري: فأخذنا في الاستعطاف، فلم تُسْمَع لنا
حُجة، ولم تُقْضَ لنا حاجة، فأغضينا على قَذى الاحتمال، وأُحِلنا على بعض
العلماء، فحضرنا وظننا أنه يصلح الحال، فقال: الأشعري عندي مبتدع یزید
على المعتزلة. يقول القُشَيري: يا معشر المسلمين، الغِيات الغِياث.
وفيها استولى الملك الرحيم على أرَّجان ونواحيها، وأطاعه من بها من
العَسْكر ومقدمهم فولاذ الدَّێلمي.
سنة ست وأربعين وأربع مئة
فيها تفاوض الأتراك في الشَّكْوى من وزير السُّلطان، وعزموا على
الشَّغب، فَبَزَّزوا الخِيَم وركبوا بالسِّلاح، وكَثُرت الأراجيف، وغُلِّقت الدُّروب
ببغداد، ولم يُصلِّ أحدٌ جُمُعةً إلا القليل في جامع القَصْر. ونقل النَّاسُ
أموالَهُم، فنودي في البلد. متى وُجد الوزير عند أحدٍ حَلَّ مالُه ودمُه. وركبت
الأتراك فنهبوا دُورًا للنَّصارى، وأخذوا أموالاً من البيعة وأحرقوها. ودافع
العَوام عن نفوسهم، فراسل الخليفة الأتراك وأرضاهم. ثم إنَّ الوزير ظَهَرَ
فطُولب، فجرحَ نفسَه بسِكين، فَتَسلَّمِه البَسَاسيري، وتَقَلِّد الوزارة أبو الحُسين
ابن عبدالرحيم.
وقصد قُريش بن بَدْران الأنبار فأخذها. ورد أبو الحارث البَسَاسيري إلى
بغداد من الوقعة مع بني خَفَاجة، فسار إلى داره بالجانب الغربي ولم يُلم بدار
الخِلافة على رَسْمه، وتأخَّر عن الخدمة، وبانت فيه آثار النَّفْرة. فراسله الخليفة
بما طيّب قلبه فقال: ما أشكو إلاَّ من النَّائب في الدِّيوان. ثم توجه إلى الأنبار
فوصلها، وفتحَ وَقَطَعَ أيدي طائفة فيها، وكان معه دُبَيْس بن عليّ.
وفي سنة ست ملكت العربُ الذين بعثَهُم المُسْتنصر لحرب المُعز بن
باديس، وهم بنو زُغْبَة، مدينة طرابلس المغرب. فتتابعت العرب إلى إفريقية،
وعاثوا وأفسدوا، وأمَّروا عليهم مؤنس بن يحيى المِرْداسي، وحاصروا المُدن
وخرّبوا القُرى، وحَلَّ بالمُسلمين منهم بلاءٌ شديد لم يُعْهد مثله قط. فاحتفل
ابن باديس وجمعَ عساكره، فكانوا ثلاثين ألف فارس، وكانت العرب ثلاثة
٦١١

آلاف فارس، فأرادت العربُ الفِرار، فقال لهم مؤنس: ما هذا يوم فرار.
قالوا: فأين نطعن هؤلاء وقد لبسوا الكزاغَنْدات(١) والمَغَافِر؟ قال: في أعينهم.
فسُمي: ((أبا العَيْنَين)). فالتحم الحرب، فانكسر جيش المُعز، واستَحرَّ القتل
بجُنْده، ورد إلى القَيْروان مهزومًا. وأخذت العربُ الخَيْلِ والخِيام بما حَوَت.
وفي ذلك يقول بعضهم.
وإنَّ ابنَ باديس لأفضلُ مالكٍ ولكن لَعَمْري ما لديه رجالٌ
ثلاثون ألفًا منهم غَلَبتَهُمُ ثلاثة آلاف إن ذا لمُحَالُ
ثم جمع المُعز سبعةً وعشرين ألف فارس، وسار يوم عيد النَّحْر، وهجم
على العَرَب بغتةً، فانكسرَ أيضًا، وقُتل من جُنْده عَالمٌ عظيمٌ، وكانت العرب
يومئذٍ سبعة آلاف، وثبت المُعِزُّ ثباتًا لم يُسمع بمثله، ثم ساق على حَمِيَّة.
وحاصرت العربُ القَيْروان، وانجفل النَّاس في المهدية لعجزهم. وشرعت
العرب في هَدْم الخُصون والقُصور، وقَطْع الأشجار وإفساد المياه. وعم البلاء،
وانتقل المُعز إلى المَهْدية، فتلقَّه ابنه تَمِيم واليها .
وفي سنة تسع وأربعين نهبت العرب القَيْروان.
وفي سنة خمسين خرج بُلُكِّين ومعه العَرَب لحرب زَنَاتة، فقاتلهم
فانهزمت زَنَاتَة وقُتل منهم خلق .
وفي سنة ثلاثٍ وخمسين قتل أهل نَقْيوس من العرب مئتين وخمسين
رجلاً؛ وسببُ ذلك أن العرب دخلت المدينة تتسوَّق، فقتل رجلٌ من العرب
رجلاً محتشمًا مقدَّمًا لكونه سمعه يُثْني على ابن باديس، فغضبَ له أهلُ البلد،
وقتلوا في العرب وهم على غَفْلة.
وقال المختار بن بَطْلان: نقصَ النِّيل في هذه السنة وتزايد الغلاء، وتبعه
وباء شديد. وعَظُم الوباء في سنة سَبْع وأربعين. ثم ذكر أن السُّلطان كَفَّن من
ماله ثمانين ألف نفس، وأنه هلك ثمان مئة قائد، وحصل للسُّلطان من
المواريث مالٌ جليل.
وفيها عاثت الأعراب وأخربوا أكثر سواد العراق، ونهبوا. وذلك
الاضطراب الأمور وانحلال الدَّولة.
(١) نوع من أنواع الدروع.
٦١٢

وفيها استولى طغرلبك على أذَرْبَيْجان بالصُّلْح، وسار بجيوشه فسَبَى من
الرُّوم وغنم وغَزَا .
سنة سبع وأربعين وأربع مئة
فيها استولى أعوان الملك الرَّحيم على شيراز بعد حصارٍ طويل وبلاء
شديد من القَحْط والوَبَاء، حتى قيل: لم يبقَ بها إلا نحو ألف إنسان، فما أمهله
الله في المُلْك بعدها.
وفيها كان ابتداء الدَّولة السَّلْجُوقيّة بالعراق؛ وكان من قصة ذلك أنَّ أبا
المُظَفَّر أبا الحارث أرسلان التُّركي المعروف بالبَسَاسيري كان قد عظُم شأنه
بالعراق، واستفحلَ أمرُه، وبَعُدَ صيتُه، وعظُمَت هَيْبته في النُّوس، وخُطب له
على المنابر، وصار هو الكُل، ولم يبقَ للملك الرحيم ابن بُويه معه إلا مجرد
الاسم. ثم إنه بلغَ أميرَ المؤمنين القائم أنَّ البساسيري قد عزم على نَهْب دار
الخلافة والقبض على الخليفة، فكاتب الخليفةُ القائمُ السُّلطانَ طغرلبك بن
ميكائيل بن سَلْجوق يستنجد به ويعده بالسَّلْطنة، ويَحضه على القُدُوم. وكان
طغرلبك بالرّي، وكان قد استولى على الممالك الخُراسانية وغيرها. وكان
البَسَاسيري يومئذٍ بواسط ومعه أصحابه، ففارقه طائفةٌ منهم ورجعوا إلى بغداد،
فوثبوا على دار البَسَاسيري فنهبوها وأحرقوها، وذلك برأي رئيس الرؤساء
وسَعيه. ثم أبخسه عند القائم بأنه يكاتب المصريين، وكاتب الملك الرَّحيم
يأمره بإبعاد البساسيري فأبعده. وكانت هذه الحركة من أعظم الأسباب في
استيلاء طُغْرُلبك على العراق. فقدم السُّلطان طغرلبك في شهر رمضان
بجيوشه، فذهب البَسَاسيري من العراق وقصد الشَّام، ووصل إلى الرَّحْبَة،
وكاتبَ المُستنصر بالله العُبيدي الشِّيعي صاحب مصر، واستولى على الرَّحْبة
وخطب للمُستنصر بها فأمدَّه المُستنصر بالأموال .
وأما بغداد فخُطب بها للسُّلطان طغرلبك بعد القائم، ثم ذُكر بعده الملك
الرَّحيم وذلك بشفاعة القائم فيه إلى السُّلطان. ثم إنَّ السُّلطان قبضَ على الملك
الرَّحيم بعد أيام، وقُطعت خطبتُه في سَلْخِ رَمَضان، وانقرضت دولة بنيٍ بُويه،
وكانت مدَّتها مئة وسَبْعًا وعشرين سنة. وقامت دولة بني سُلْجُوق. فَسُبحان
٦١٣
:

مُبْدىء الأمم ومُبيدها، ومُرْدي الملوك ومُعيدها. ودخل طغرلبك بغداد في
تَجَمُّلِ عظيم، وكان يومًا مشهودًا دخل معه ثمانية عشر فيلاً. ونزل بدار
المملكة. وكان قدومه على صورة غَرِيبة، وذلك أنه أتى من غَزْو الرُّوم إلى
هَمَذان، فأظهر أنه يريد الحجَّ، وإصلاح طريق مكَّة، والمُضيِّ إلى الشام من
الحج ليأخذها ويأخذ مصر، ويُزيل دولة الشِّيعة عنها، فَرَاجَ هذا على عموم
النَّاس. وكان رئيس الرؤساء يُؤثر تملكه وزوال دَوْلة بني بُويه، فقدم الملك
الرَّحيم من واسط، وراسلوا طغرلبك بالطَّاعة.
وفيها تُوفي ذخيرةُ الدِّين ولي العهد أبو العباس محمد ابن أمير المؤمنين
القائم، فعظُمَت على القائم الرَّزِيَّة بوفاته، فإنَّه كان عضُده، وخَلَّف ولدًا وهو
الذي وَلَيَ الخِلاَفة بعد القائم، ولُقِّب بالمُقتدي بالله .
وفيها عاثت جيوش طغرلبك بالسَّواد ونهبت وفَتَكَت، حتى أُبيع الثَّور
بعشرة دراهم، والحمار بدرهَمَیْن.
وجرت ببغداد فتنة عظيمة قُتل فيها خَلْق. وبسببها قُبض على الملك
الرَّحيم وسُجن في قَلْعة.
وفيها ثارت الحَنَابلة ببغداد ومُقَدَّمهم أبو يَعْلَى، وابن التَّميمي، وأنكروا
الجَهْرِ بالبَسْملة ومنعوا من الجَهْر والتَّرْجيع في الأذان والقُنُوت، ونهوا إمام
مسجد باب الشَّعير عن الجَهْر بالبَسْملة، فأخرجَ مُصْحَفًا وقال: أزيلوها من
المُصْحَف حتى لا أتلوها.
وبقي الملك الرَّحيم محبوسًا إلى أن مات سنة خمسين وأربع مئة بقلعة
الرَّي، سامحه الله .
سنة ثمان وأربعين وأربع مئة
فيها تزوَّج الخليفة القائم بأمر الله بخَدِيجة أخت السُّلطان طُغْرُلبك.
وقيل: خديجة بنت داود أخي طُغْرلبك. وكان الصَّداق مئة ألف دينار.
وفيها سارَ السُّلطان بالجَيْش وآلات الحِصَار والمجانيق قاصدًا الموصل،
فنازل تَكْريت وحاصرها .
٦١٤

وفيها وقعت فِتَنٌ كبار بالعراق، وذلك بتأليب البَساسيري ومكاتباته.
وحاصل الأمر أنَّ الكُوفة وواسط وغيرهما خُطب بها لصاحب مصر المُستنصر
بالله العُبَيدي، وسُرَّت الرَّافضة بذلك سُرُورًا زائدًا.
وفيها كان القَحْط شديدًا بديار مِصْرَ، وشأنه يتجاوز الحَدَّ والوَصْف.
وأمْرُ الوَبَاء عظيمٌ بحيث أنه وردَ كتاب، فيما قيل، من مصر بأن ثلاثة من
اللُّصُوص نقبوا دارًا ودخلوا، فوُجِدُوا عند الصَّبَاح موتى، أحدهم على باب
النَّقب، والآخر على رأس الدَّرجة، والثَّالث في الدَّار.
وفيها كان القَحْط العظيم بالأندلس والوَبَاء، ومات الخَلْقِ بإشبيلية،
بحيث أنَّ المساجد بقيت مُغْلَقةً ما لها من يُصلِّي فيها. ويُسمى عام الجُوع
الكبير.
وفيها خطب قُريش بن بَدْران بالمَوْصل للمُسْتَنصر، وقَويت شوكة
البَسَاسيري. وجاءت الخِلَعِ والتَّقاليد من مصرَ لنور الدَّولة دُبَيْس بن مَزْيَد
الأسدي، وهو أمير عرب الفُرات، ولقُرَيش، وغيرهما.
وعَمَّ الخَلْقَ الضَّرَرُ بالعراق بعَسْكر طُغْرُلْبك، وفعلوا كلَّ قَبيح، فسار بهم
نحو المَوصل وديار بكر، فأطاعوه بها .
سنة تسع وأربعين وأربع مئة
فيها خَلَع القائم بأمر الله على السُّلطان طُغْرُلبك السُّلْجوفِي سَبْع خِلَع
وسَوَّرَهُ وطَوَّقَهُ وتَوَّجَه، وكتبَ له عهدًا مُطْلقًا بما وراء بابه، واستَوْسَق مُلْكه،
ولم يبقَ له منازعٍ بالعراق ولا بخُراسان.
وفيها سَلَّمَ طُغْرُلبك المَوْصل إلى أخيه إبراهيم ينال، وعاد إلى بغداد،
فلم يُمَكِّن جُنْدَه من النُّزول في دُور النَّاس. ولما شافهه الخليفةُ بالسَّلْطنة
خاطبه بمَلِك المَشْرق والمَغْرب. ومن جملة تقدمته للخليفة خمسون ألف
دينار وخمسون مملوكًا من التُّرْك الخاص بخيلهم وسلاحهم وعدتهم، إلى غير
ذلك من النّفائس.
وفيها سَلَّم الأمير مُعِز الدولة ثمال بن صالح بن مِرْداس حبب إلى نُوَّاب
المُسْتنصر صاحب مصر، وذلك لعَجزه عن حِفْظها، وذلك في ذي القَعْدة.
٦١٥

وفيها كان الجَهْد والجُوع ببغدادَ حتى أكلوا الكِلاَب والجِيَف، وعظُم
الوباء، فكانوا يحفرون الخَّفَائر ويُلْقُون فيها المَوْتَّى ويَطُمُّونهم. وأما بُخَارى
وسَمَرْقَنْد وتلك الدِّيار، فكان الوباء بها لا يُحِدُّ ولا يوصفُ، بل يُسْتحى من
ذِكْره حتى قيل إنه مات بيُخَارَى وأعمالها في الوباء ألف ألف وست مئة ألف
نسمة .
سنة خمسين وأربع مئة
فيها خُطب للمستنصر بالله العُبَيدي على منابر العراق، وخُلع القائم بأمر
الله .
وكان من قصة ذلك أنَّ السُّلطان طُغْرُلبك اشتغلَ بحصار تلك النَّواحي
ونازلَ المَوْصل. ثم توجه إلى نَصِيبين لفتح الجَزيرة وتمهيدها. وراسل
البَسَاسيريُّ إبراهيم ينالَ أخا السُّلطان يَعدُه ويُمنيه ويُطْمِعُه في المُلْك. فأصغى
إليه وخالفَ أخاه، وساقَ في طائفةٍ من العَسْكر إلى الرَّي. فانزعجَ السُّلطان
وسار وراءه، وتركَ بعض العَسْكر بديار بكر مع زوجته ووزيره عميد المُلْك
الكُنْدُري وربيبه أنُوشروان، فتفرَّقت العَساكر وعادت زوجتُه الخاتون بالعَسْكر
إلى بغداد .
وأما السُّلطان فالتقى هو وأخوه فظهر عليه أخوه، فدخلَ السُّلطان
هَمَذَان، فنازله أخوه وحاصرَهُ. فعزمت الخاتون على إنجاد زوجها، واختبطت
بغداد، واستفحلَ البلاء، وقامت الفِتْنة على ساق. وتمَّ للبساسيري ما دَبَّر من
المَكْر. وأرجفَ الناس بمجيء البَساسيري إلى بغداد، ونَفَرَ الوزير الكُنْدري
وأنوشروان إلى الجانب الغربي وقطعا الجَسْر، ونَهَبَت الغُزّ دار الخاتون، وأكل
القويُّ الضَّعيفَ، وجَرَت أمور هائلة.
ثم دخل البَسَاسيري بغداد في ثامن ذي القَعْدة بالرَّايات المُسْتَنْصرية عليها
ألقاب المُسْتَنصر فمال إليه أهل باب الكَرْخ وفرحوا به، وتشفَّوا بأهل السُّنَّة.
وشَمخت أنوفُ المنافقين، وأعلنوا بالأذان بحيٍّ على خير العَمَل.
واجتمع خَلْقٌ من أهل السُّنَّة إلى القائم بأمر الله، وقاتلوا معه، ونشبت
الحرب بين الفريقين في السُّفُن أربعة أيام. وخُطب يوم الجمعة ثالث عشر ذي
٦١٦

القَعْدة ببغداد للمُسْتنصر العُبَيدي بجامع المنصور، وأذَّنوا بحي على خير
العمل. وعُقِد الجَسْر، وعَبَرَت عساكر البَسَاسِيري إلى الجانب الشَّرقي، فخندقَ
القائم على نَفْسه حول داره وحَوَّل نهر المُعَلَّى. وأحرقت الغَوْغَاءِ نَهرَ المُعَلَّى
ونُهب ما فيه. وقوي البَسَاسيري، وتقلَّل عن القائم أكثر النَّاس، فاستجار
بقُرَيْش بن بَدْران أميرُ العرب، وكان مع البساسيري، فأجاره ومن معه،
وأخرجه إلى مُخَيَّمه.
وقَبَضَ البساسيري على وزير القائم رئيس الرؤساء أبي القاسم ابن
المُسْلِمة، وقَيَّدهُ وشَهَرَهُ على جَمَلٍ عليه طَرْطور وعباءة، وجعل في رقبته قلائد
كالمَسْخرة، وطيف به في الشَّوارعٌ وخَلْفه من يصفعه. ثم سُلخ له ثور وأُلبس
جلْده وخيط عليه، وجُعلت قرون الثَّور بجلدها في رأسه. ثم عُلق على خَشَبة
وعُمل في فكَّيْه كلوبين، فلم يزل يَضْطَرب حتى مات رحمه الله.
ونُصب للقائم خيمةٌ صغيرة بالجانب الشَّرقي في المُعَسْكر، ونهبت
العامة دار الخلافة، وأخذوا منها ما لا يُخْصى ولا يُوصف. فلما كان يوم
الجُمُعة رابع ذي الحجة لم تُصَلَّ الجُمُعة بجامع الخليفة، وخُطب بسائر
الجوامع للمُسْتَنصر، وقُطعت الخُطْبة العبّاسية بالعراق. ثم حُمل القائم بأمر الله
إلى حديثة عانة، فاعتقل بها وسُلِّم إلى صاحبها مُهارش؛ وذلك لأنَّ البساسيري
وقريش بن بَذْران اختلفا في أمره، ثم وقع اتفاقهما على أن يكون عند مُهارش
إلى أن يَتَّفقا على ما يفعلان به. ثم جمع البَسَاسيري القُضاة والأشراف، وأخذ
عليهم البيعة للمُستنصر صاحب مصر، فبايعوا قَهْرًا، فلا حول ولا قوة إلا
بالله(١).
وقال عزّ الدين ابن الأثير في ((تاريخه))(٢): إن إبراهيم ينال كان أخوه
الشُّلطان طُغْرلبك قد وَلاه المَوْصل عام أول، وأنه في سنة خمسين فارقَ
المَوْصل ورحل نحو بلاد الجَبَل، فَنَسَب السُّلطان رحيله إلى العِصْيان، فبعثَ
وراءه رسولاً معه الفُرجية التي خلعها عليه الخليفة. فلمَّا فارق المَوْصل قَصَدها
البَسَاسيري وقُريش بن بَدْران وحاصراها، فأخذا البَلَد ليومه، وبقيت القَلْعة
(١) أحسن من كتب في هذه الحوادث هو الخطيب في ترجمة القائم من تاريخه ٤٨/١١ - ٥٢
إذ كان شاهد عيان.
(٢) الكامل في التاريخ ٦٣٩/٩ فما بعد.
٦١٧

فحاصراها أربعة أشهُرِ حتى أكلِ أهلُها دوابَهم ثم سَلَّموها بالأمان، فهدمها
البَسَاسيري وعَفَّى أثرها. وسار طُغْرُلبك جريدةً في ألفين إلى المَوْصل، فوجدَ
البَسَاسيري وقُريشًا قد فارقاها، فساقَ وراءهم، ففارقه أخوه وطلب هَمَذَان،
فوصلها في رمضان.
قال: وقد قيل إنَّ المصريين كاتبوه، وأنَّ البَسَاسيري استماله وأطمعه في
السَّلْطَنةِ، فسَارَ طُغْرُلبك في أثره.
قال: وأما البَسَاسيري فوصل إلى بغدادَ في ثامن ذي القَعْدة ومعه أربع
مئة فارس على غاية الضُّر والفَقْر، فنزل بمَشْرعَة الرّوايا، ونزل قريش في مئتي
فارس عند مَشْرَعة باب البَصْرة. ومالت العامَّة إلى البَسَاسيري؛ أما الشِّيعة
فللمذهب، وأما السُّنَّة فلما فعل بهم الأتراك.
وكان رئيس الرُّؤساء لقلة معرفته بالحرب، ولما عنده من البساسيري
يرى المُبادرة إلى الحرب، فاتَّفَقَ أنَّ في بعض الأيام التي تحاربوا فيها حضر
القاضي الهَمَذَاني عند رئيس الرُّؤساء، ثم استأذن في الحَرْب وضَمِنَ له قَتْلَ
البساسيري من غير أن يعلم عميد العراق. وكان رأي عميد العراق المطاوَلَة
رجاء أن ينجدهم طغرلبك. فخرج الهَمَذَاني بالهاشميين والخَدَم والعَوَام إلى
الحَلبة وأبعدوا، والبساسيري يَسْتجُّهُم، فلما أبعدوا حمل عليهم، فانهزموا
وقُتل جماعةٌ وهلك آخرون في الزَّحْمة، ووقع الثَّهْب بباب الأزَج.
وكان رئيس الرؤساء واقفًا، فدخل داره وهرب كلُّ من في الحريم، ولطم
العَميد على وجهه كيف استبدَّ رئيسُ الرؤساء بالأمر ولا معرفة له بالحرب.
فاستدعى الخليفة عميدَ العراق وأمره بالقتال على سُور الحَرِيم، فلم يَرُعْهُم إلا
والزَّعْقَات، وقد نُهِبَ الحريم، ودخلوا من باب التُّوبي، فركب الخليفة لابسًا
السَّواد، وعلى كتفه البُرْدة، وعلى رأسه اللُّواء، وبيده السيف، وحوله زُمرة من
العَبَّاسيين والخَدَم بالسُّيوف المسلولة، فرأى النَّهْب إلى باب الفِرْدَوس من
داره. فرجع إلى ورائه نحو عميدِ العراق، فوجده قد استأمن إلى قُريش، فعاد
وصعد إلى المَنْظَرَة، وصاح رئيسُ الرؤساء: يا عَلَم الدِّين يعني قُرَيِشًا، أميرُ
المؤمنين يَسْتَدْنيك. فَدنا منه، فقال: قد أنالَكَ اللهُ منزلةً لم يَنَلها أمثالُك، أميرُ
المؤمنين يستذمُ منكَ على نَفْسه وأصحابه بذمام الله وذمام رسولهِ وذمام
٦١٨

العَرَبيَّة. قال: نعم. وخَلَعَ قَلَنْسُوَتَهُ فأعطاها للخليفة وأعطى رئيس الرؤساء
مِحْضَرةً ذمامًا، فنزل إليه الخليفة ورئيس الرؤساء وسارا معه. فأرسل إليه
البَسَاسيري: أتُخَالفُ ما استقرَّ بيننا؟ فقال قريش: لا .
ثم اتفقا على أن يُسلِّمَ إليه رئيس الرؤساء ويترك الخليفة عنده، فَسَلَّمه
إليه، فلما مثلُ بين يديه قال: مرحبًا بمُهْلِك الدُّول ومخرِّب البلاد. فقال:
العَفْوُ عند المقدرة.
قال: قد قدرتَ أنت فما عَفَوْتَ، وأنت صاحب طَيْلَسان، وركبتَ
الأفعال الشَّنيعة مع حُرمي وأطفالي، فكيف أعفو أنا، وأنا صاحب سَيْف.
وأما الخَلِيفة فحمله قُريش إلى مُخَيَّمه، وعليه البُرْدة وبيده السَّيْف،
وعلى رأسه اللُّواء، وأنزله في خَيْمةٍ، وسَلم زوجته بنت أخي السُّلطان طغرلبك
إلى أبي عبدالله بن جردة ليقوم بخدمتها. ونُهبت دار الخِلافة وما والاها أيامًا.
وسلَّم قريشُ الخليفةَ إلى ابن عَمِّه مهارش بن مجلي، وهو دَيِّنٌ ذُو مُرُوءة،
فحمله في هَوْدَج وسارَ به إلى حديثة عانَةَ، فنزل بها. وسار حاشية الخليفة على
حامية إلى السُّلطان طغرلبك مستنفرين له. ولما وصل الخليفة إلى الأنبار شكى
البَرْدَ، فبعث يطلب من متوليها ما يلبس، فأرسل إليه جبةً ولحافًا.
وركب البساسيري يوم الأضحى، وعلى رأسه الألْوية المصرية، وعبر
إلى المُصَلَّى بالجانب الشرقي، وأحسن إلى النَّاس، وأجرى الجرايات على
الفُقهاء، ولم يتعصب لمذهبٍ، وأفرد لوالدة الخليفة دارًا وراتبًا، وكانت قد
قاربت التِّسعین .
:
وفي آخرِ ذي الحجة أُخرج رئيس الرؤساء مُقَيِّدًا وعليه طرطور، وفي
رقبته مِخْتَقَة جُلُود وهو يقرأ: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ﴾ .. الآية [آل عمران ٢٦]
فبصقَ أهل الكَرْخِ في وجهه لأنه كان يتعصَّب للسُّنة، ثم صُلِب كما تقدَّم.
وأما عميد العراق فقتله البساسيري أيضًا، وكان شُجاعًا شَهْمًا فيه فُتُوَّة .
وهو الذي بنى رباط شيخ الشيوخ.
ثم بعث البساسيري بالبشارة إلى مِصْر. وكان وزيرها أبا الفَرَجَ ابن أخي
أبي القاسم المَغْربي، وهو ممن هَرَب من البَسَاسيري، فَذَمَّ فِعْلَه، وخوَّف من
سوء عاقبته، فتُرِكت أجوبته مدة، ثم عادت بغير الذي أمله.
٦١٩

وسار البساسيري إلى واسط والبَصْرة فملكها وخَطَب بها للمصريين.
وأما طغرلبك فإنه انتصر على أخيه وقتله، وكرَّ راجعًا إلى العراق ليس له
هم إلا إعادة الخليفة إلى رتبته وعِزِّه.
وحكى الحسن بن محمد القَيْلُولي في ((تاريخه)): أن الذي وصل إلى
البَسَاسيري من جهة المصريين من المال خمس مئة ألف دينار، ومن الثياب ما
قيمته مثل ذلك، وخمس مئة فَرَس وعشرة آلاف قوس، ومن السيوف أُلُوف،
ومن الرِّماح والنشاب شيء كثير. وَصَل كل ذلك إليه إلى الرَّحْبة(١).
وفيها قدم على إمرة دمشق الأمير ناصر الدَّولة وسَيْفُها أبو محمد الحسن
ابن حمدان دفعة ثانية في رجب. والله أعلم.
(١) ذكر ابن ميسر في حوادث سنة ٤٤٨ من تاريخه أنه لم يبق في بيوت الأموال بالقصر شيء
لأخذ فتح بغداد (ص ١٥).
٦٢٠