Indexed OCR Text
Pages 181-200
سنة أربع عشرة وأربع مئة سار السُلطان مُشَرِّفُ الدَّولة مُصْعِدًا إلى بغداد من ناحية واسط، ورُوسل القادر بالله في البروز لِتَلَقيه، فتلقَّاه من الزَّلاَقة، ولم يكن تَلَقَّى أحدًا من الملوك قبله. فركبَ في الطََّّار، وعن جانبه الأيْمَن الأمير أبو جعفر وعن يساره الأمير أبو القاسم، وبين يديه أبو الحسن عليّ بن عبدالعزيز، وحوالي القُبَّة الشريف أبو القاسم المُرْتَضى، وأبو الحسن الزَّيْنبي، وقاضي القُضاة ابن أبي الشَّوارب، وفي الزَّبازب المُسَوِّدة من العَبَّاسيين، والقُضاة، والقُرَّاء، والعُلماء. ونزل مُشَرِّفُ الدولة في زَبّزَبه بخَوَاصِّه وصعد إلى الطَّيَّار، فَقَبَّل الأرض، وأُجْلِسَ على كُرسي، وسأله الخليفة عن خبره وكيف حاله، والعَسْكر واقفٌ بأسره على شاطىء دجلة، والعامّة في الجانبين. ثم قام شرف الدولة فنزل إلى زَّزَبه، وأُصْعِدَ الطَّيَّار. وفيها وَرَدَ كتابُ يمين الدَّولة محمود بن سُبُكْتِكين إلى القادر يذكر أنه أوغل في بلاد الهند حتى جاءَ إلى قلعةٍ فيها ست مئة صنم. وقال: أتيتُ قلعةً ليس لها في الدُّنيا نظير، وما الظَّنُّ بقلعة تَسَعُ خمس مئة فِيْل، وعشرين ألف دابة، وتقوم لهؤلاء بالعُلُوفة. وأعانَ الله حتى طلبوا الأمان، فأمَّنتُ مَلِكَهم وأقْررتُه على ولايته بخراج ضُربَ عليه، وأنفذَ هدايا كثيرة وفِيَلَة، ومن ذلك طائر على شَكْل القُمْري إذا حضر على الخِوان وكان فيه شيءٌ مسموم دمعت عينُهُ وجرى منها ماء وتَحَجَّر، ويُحَكَّ فيُطْلَى بما تحلل من دمعه المُتَحَجِّر الجراحات الكِبار فيلحمها، فقُبلت هديتهُ، وانقلب العبدُ بنعمةٍ من الله وفضل. قلتُ: وهذه وقعة باردين، وهي من الملاحم الكبار، بلغت راية الإسلام في الهند إلى مكان لم تَبلغه قط. ووُجد في بيت بذ(١) عظيم حَجَر منقوش دَلَّت كتابته على أنه مَبْنيٌّ من أربعين ألف سنة. فقضى السُّلطان والنَّاسُ من جهلٍ القوم عَجَبًا، إذ كان بعضُ أهل الشريعة(٢) يقولون إن مدَّة الدنيا سبعة آلاف سنة. وعاد السلطان بتلك الغنائم حتى كان عدد الأرقاء يزيد على عدد (١) يعني: بوذا. (٢) يعني: اليهود، وهو بلا شك قول فاسد. ١٨١ الدَّهْماء، ونزلت قِيَمُهُم حتى اقتناهم أرباب المِهَن الخاملة . وفيها استَوْزَرَ مؤيّدُ المُلْك أبا القاسم المَغْربي الوزير. وحج بالعراقيين أبو الحسن محمد بن الحسن الأقْساسي، وعاد على دَرْب الشام لفساد الذَّرْب العراقي، فأكرمهم والي الرَّمْلة، ونفَّذ لهم الظاهر من مصر ذَهبًا وخِلَعًا، فقبل ذلك أميرُ الرَّكْب. وساروا إلى بغداد، فتألم القادر وهَمَّ بالأقساسي، وسبَّ صاحب مصر وطعن في نَسَبهم، وقال: إنَّما أصلهم يهود. ثم أُحرِقت الخِلَعِ بباب النُّوبي. سنة خمس عشرة وأربع مئة فيها حجَّ بالعراقيين أبو الحسن الأقْساسي، ومعه خُشْك(١) صاحب محمود بن سُبُكْتِكِين، فَنَفَّذ إليه الظاهر صاحب مصر خِلَعًا وصلةً فقبِلَها، ثم خاف ولم يدخل بغداد. فكاتب الخليفةُ محمودًا بما فعل خُشْك، فنفذ مع رسوله الخِلَع المصرية، فأُحرِقت على باب النُّوبي. وفيها وَلَيَ وزارة مصر للظاهر نجيبُ الدِّين(٢) عليُّ بن أحمد ابن الجَرْجرائي . وماتت ستُّ المُلْك أخت الحاكم التي قتلت الحاكم. وفيها تُوفي سُلطان الدَّولة أبو شجاع ابن عَضُد الدَّولة بن بُوَيه بِشيراز، وكانت مدة ولايته اثني عشر عامًا وأشْهُرًا؛ ووَليَ صبيًا ومات عن ثلاثٍ وعشرين سنةٍ . وفيها هلك عدد كثير بعَقَبة وَاقِصَة من الحُجاج العراقيين، عَطَّت عليهم الأعْراب المياه والقُلُب ليأخذوا الرَّكْب، وتُسمى سنة القَرْعاء؛ فروى أبو عليّ البَردَاني الحافظ، عن أبيه، قال: عاد الرَّكْب وليس لهم ماء، فهلكوا جميعًا بعَقَبَة وَاقِصة . (١) هكذا مجود في النسخ جميعًا، ووقع في كامل ابن الأثير والمنتظم والنجوم الزاهرة: ((حسنك)) . (٢) ويقال في لقبه: ((نجيب الدولة)) أيضًا. ١٨٢ سنة ست عشرة وأربع مئة فيها انتشرت العَيَّرون ببغداد، وخَرَقُوا الهَيْبَة، وواصلوا العَمْلات والقَتْلِ. وفي ربيع الأول تُوفي مُشرِّف الدَّولة السُّلطان، ونُهبت خزائنه، وهو مُشَرِّفُ الدَّولة ابن بهاء الدولة ابن عَضُد الدولة بن بُوَيْه الدَّيْلمي. واستقر الأمر على تولية جلال الدولة أبي طاهر، فخُطِب له على المنابر، وهو بالبَصْرة. فخلع على شَرَف المُلْك أبي سَعْد بن ماكولا وزيرَهُ، ولقبه ((عَلَم الدين، سَعْد الدولة، أمين المِلَّة، شرف المُلْك)). وهو أول من لُقِّب بالألقاب الكثيرة . قلتُ: ولعله أول من لُقِّب باسمٍ مُضافٍ إلى الدِّين. ثم إنَّ الجُنْد عَدَلوا إلى المَلِكَ أبي كاليجار ونَوَّهوا باسمه، وكان وَلَيَّ عهد أبيه سُلطان الدَّولة الذي استخلفه بهاء الدَّولة عليهم فخُطب لهذا ببغداد، وكُوتب جلال الدَّولة بذلك، فأصْعَدَ من واسط . وكان قد نَفَّذَ صاحبُ مصر إلى محمود بن سُبُكْتِكين حاجبه مع أبي العباس أحمد بن محمد الرَّشيدي الملقَّب بزَين القُضاة، فجلس القادر بالله بعد أن أحضر القُضاة والأعيان، وحضر أبو العباس الرَّشيدي وأحضر ما كان حمله صاحب مصر، وأدّى رسالة محمود بن سُبُكْتِكين بأنه الخادم المُخْلِص الذي يرى الطّاعة فَرْضًا، ويبرأ من كل من يخالف الدَّعوة العباسية. فلمّا كان بعد اليوم أُحرقت تلك الخِلَع التي من صاحب مصر كما ذكرنا، وسُبِك مركب فِضة أهداه، فكان أربعة آلاف وخمس مئة وستين درهمًا، فتُصَدِّق به على ضُعَفاء الهاشمیین . وتفاقم أمرُ العَيَّارين، وأخذوا الناسَ نهارًا جَهَارًا، وفي الليل بالمشاعل والشَّمْع، كانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره ويعذُّبونه. وزاد البلاء، وأُحْرِقت دار الشريف المرتضى، وغَلَت الأسعار. ولم يحج أحدٌ من العراق. وكانت الأندلس كثيرة الحروب والفِتَن على المُلك في هذا الزَّمانِ، وهُم فِرَق. ١٨٣ سنة سبع عشرة وأربع مئة فيها ورد الإِسْفَهْسلارية إلى بغداد، فراسلوا العَيَّارين بالانصراف عن البَلَد، فما فكَّروا فيهم، وخرجوا إلى خِيَمِ الإسْفَهْسِلارية وصاحوا وشتموهم وتَحَاربوا، ولبس الجُنْد من الحنق السِّلاح، وضَرَبُوا الدَّبادب، وهَجَمُوا على أهل الكَرْخِ، وأحرقوا من الدَّهَّاقين إلى النَّخَاسين، ونُهب الكَرْخ، وأُخِذ شيءٌ كثير من القَطِيعة ودرب أبي خَلَف، وأشرفَ النَّاسُ على خطةٍ صَعْبة. وكان ما نهبته الغَوْغَاء أكثر مما نهبته الأتراك. ومَضَى المُرْتَضى إلى دار الخلافة، فجاء الإسْفهْسِلارية وسألوا التَّقدُّم إليه بالرُّجوع، فخُلع عليه وتقدم إليه بالعَوْد. ثم حُفظتِ المَحَال واشتدَت المصادرات، وقُرِّرَ على أهل الكَرْخ مئة ألف دينار. وفيها شهد الحُسين بن عليّ الصَّيْمري عند قاضي القُّضاة ابن أبي الشوارب، بعد أن استتابه مما ذكر عنه من الاعتزال. وجاء بَرْدٌ شديد، وجَلدت أطراف دِجلة. وأما السواقي والمجاري فکانت تَجْمد کُلُّها . وانقض كوكبٌ عظيمُ الضَّوء، كان له دَوِي كَدَوي الرَّعْد. واعتقل جلالُ الدولة وزيره أبا سَعْد بن ماكولا، واستوزرَ ابن عمه أبا علي ابن ماكولا . ولم يحج ركب العراق. وتُوفي قاضي القضاة ابن أبي الشوارب. سنة ثمان عشرة وأربع مئة في ربيع الأول جاء بَرَدٌ بِقُطْرَبُّل والنُّعْمانية قتل كثيرًا من الغَنَم والوَحْش. قيل: كان في البَرَدة رِطْلان وأكثر. وجاء بعده بأيام بَرَد ببغداد كَقَدر البَيْض وأكبر. وجاء كتابٌ من واسط بأنه وقع بَرَدٌ في الواحدة منه أرطال، فهلكت الغلات، وأمحلت البلاد. وفيها قصد الإسْفهسلارية والغِلْمان دار القادر بالله بأنك مالك الأمور، ١٨٤ وقد كُنَّا عند وفاة الملك مُشَرِّف الدَّولة اخترنا جلال الدَّولة ظنًّا منا أنه ينظر في الأمور، فأغفَلَنا، فعدلنا إلى الملك أبي كاليجار ظنًّا منه أنه يحقق ما يعدنا به، فكنا على أقبح من الحالة الأولى، ولابُد من تدبير أمورنا. فخرج الجواب: بأنكم أبناء دولتنا، وأول ما نأمركم أن تكون كلمتكم واحدة. وقد وقع عقد لأبي كاليجار لا يحسن حَله، ولبني بُويه في رقابنا عُهُود لا نَعْدل عنها، فَدَعُونا حتى نكاتب أبا كاليجار ونعرف ما عنده. وكُتِبَ إليه: إنك إن لم تدارك الأمر خرجَ عن اليد. ثم آل الأمر إلى أن عاودوا وسألوا إقامة الأمر لجلال الدَّولة أبي الطاهر، فأُعيدت الخطبة له. وكتب محمود بن سُبُكْتِكين إلى الخليفة كتابًا فيه ما فتحه من بلاد الهند وكسره للصَّنَم المشهور بسومنات، وأنَّ أصناف الهند افتتنوا بهذا الصَّنم، وكانوا يأتونه من كل فَجِّ عميقٍ، فيتقربون إليه بالأموال، ورُتِّبَ له ألف رجل للخدمة وثلاث مئة يحلقون رؤوس حَجِيجه، وثلاث مئة يُغَنُّون على باب الصَّنم. ولقد كان العبد يَتَمَنَّى قَلْعَ هذا الصنم، ويَتَعَرَّف الأحوال، فتوصف له المفاوز إليه وقلة الماء وكثرة الرِّمال. فاستخار العبدُ الله في الانتداب لهذا الواجب طلبًا للأجر، ونهض في شعبان سنة ست عشرة في ثلاثين ألف فارس سوى المُطَوِّعة، فَفَرَّق في المطوعة خمسين ألف دينار معونةً، وقَضَى الله بالوصول إلى بَلَد الصَّنَم، وأعان حتى مَلَكَ البلد، وقُلِع الوَثَن، وأُوقدت عليه النَّار حتى تقطع، وقُتِل خمسون ألفًا من أهل البلد. وفي رمضان قَدِمَ السُّلطان جلال الدَّولة بعد أن خرج القادر بالله لِتَلَقِّيه، واجتمعا في دِجلة. ثم نزل في دار السَّلْطنة، وأمر أن يُضرب له الطَّبْل في أوقات الصَّلَوات الثلاث. وعلى ذلك جرت الحال في أيام عَضُد الدَّولة وصَمْصَامها وشَرَفها وبَهَائها. فتَقُل هذا الفِعْل على القادر بالله وأرسل إليه يكلمه. فاحتج جلالُ الدولة بما فعله سُلطان الدَّولة، فقيل: كان ذلك على غير أصل ولا إذْنٍ، ولم تجر العادة بمماثلة الخَلِيفة في هذا الأمر. وتردد الأمرُ إلى أن قطع الملك ضَرْبَ الطَّبْلِ بالواحدة، فأذن الخليفة في ضرب الطَّبْلِ في أوقات الصَّلوات الخَمْس . وكان في هذه السنة بَرْدٌ وجليد شديد بالعراق حتى جمدَ الخلُّ وأبوال الدَّواب. ١٨٥ ولم یحج أحدٌ من بغداد. سنة تسع عشرة وأربع مئة في المحرَّم اجتمع الغِلْمان وأكابر الإسْفهسلارية وتحالفوا على اتّفاق الكلمة، وبَرَّزوا الخِيَم، ثم أنفذوا إلى الخليفة يقولون: نحن عبيد أمير المؤمنين، وهذا المَلِك متوفّرٌ على لَذَّاته لا يقوم بأمورنا، ونريد أن تأمره أن يصير إلى البَصْرة ويُنْفذ ولده نائبًا له. فأُجيبوا. فأنفذ إلى السُّلطان أبا الحسن الَّيْنبي، وأبا القاسم المُرْتَضى برسالةٍ. فاعتذر. فقالوا: تُعَجل ما وعدنا به. فأخرج من المصاغ والفِضة أكثر من مئة ألف درهم، فلم تُرْضِهم. ثم بكروا فَنَهَبوا دار الوزير أبي علي بن ماكولا، وعَظُمت الفتنة وزالت الهيبة، ونهبوا بعض العوام، ووكَّلوا جماعة منهم بدار السلطنة ومنعوا من دخول الطّعام والماء. فضاق الأمرُ على من فيها حتى أكلوا ما في البُستان وشربوا ما في الآبار. فخرج جلال الدولة، ودعا الموكَّلين بالأبواب، فلم يجيبوه، فكتب ورقة: إني راجعٌ عن كل ما أنكرتموه. فقالوا: لو أعطيتنا مالَ بغداد لم تصلُح لنا. فقال: أكَرَهْتُموني، فمكنوني من الانحدار. فابتيع له زَّزَب شعِث، فقال: يكون نزولي باللَّيل. قالوا: لا، بل الساعة. والغلمان يَرَوْنَه فلا يُسَلِّمون عليه. ثم حَمَل قوم من الغِلْمان إلى السُّرادق، فظن أنهم يريدون الحُرَم، فخرج من الدار وفي يده طَبَر(١)، فقال: قد بلغ الأمر إلى الحُرَم؟ فقال بعضهم: ارجع إلى دارك فأنت مَلِكُنا. وصاحوا: ((جلال الدولة يا منصور)). وتَرَجَّلوا فقبَّلوا الأرض، فأخرجَ المَصاغ والفَرْش والآلات الكثيرة فأُبيعت، ولم تفِ بمقصودهم. فاجتمعوا إلى الوزير ابن ماكولا، وهَقُّوا بقتله، فقال: لا ذَتْب لي. ومات فيها ملك إقليم كِرْمان قوام الدَّولة ابن بهاء الدَّولة ابن عضُد الدَّولة، فأخذ کِرْمان بعده ابن أخيه أبو كاليجار. (١) سلاح يشبه الفأس، والاسم مستعمل إلى اليوم ببغداد، وهو فارسي معرب من (تبر)). ١٨٦ ٠ وعُدمِ الرُّطَبُ ببغداد إلى أن أبيع ثلاثة أرطال بدينار جلالي. ولم يحج أحدٌ من العراق. وفيها ولي دمشق للعُبَيْديين أمير الجيوش الذَّزْبَري، وكان شجاعًا شَهْمًا سائسًا مُنْصفًا، واسمه أبو منصور أنُوشْتِكين التُّركي، له ترجمة طويلة في سنة ثلاث وثلاثین وأربع مئة. سنة عشرين وأربع مئة فيها وقع بَرَدٌ كبار بالتُّعْمانية، في البَرَدَة أرطال. وجاءت ريح عظيمة قلعت الأصول والزَّيتون العاتية، وكثيرًا من النَّخْل. ووُجدت بَرَدة عظيمة يزيد وزنها على مئة رطل، وقد نزلت في الأرض نحوًا من ذِراع. وفيها ورد كتاب محمود بن سُبُكْتِكِين، وهو: ((سلامٌ على سَيِّدنا ومولانا الإمام القادر بالله أمير المؤمنين، إن كتاب العبد صَدَر عن معسكره بظاهر الرَّي غُرة جُمَادى الآخرة. وقد أزال الله عن هذه البقعة أيدي الظَّلَمة، وطهَّرها من أيدي الباطنيَّة الكَفَرة. وقد تناهَتْ إلى الحضرة حقيقة الحال فيما قصَر العبدُ عليه سعْيَه واجتهاده غزو أهل الكُفْر والضَّلال، وقمع من نبغ بخُراسان من الفئة الباطنية. وكانت الرَّي مخصوصة بالتجائهم إليها، وإعلانهم بالدُّعاء إلى كُفْرهم فيها، يختلطون بالمعتزلة والرَّافضة، ويتجاهرون بشتم الصَّحابة، ويُسِرُّون الكُفْرَ ومذهبَ الإباحة. وكان زعيمهم رُسْتُم بن عليّ الدَّيْلمي. فعطف العبدُ بالعساکر فطلع بجزجان، وتوقف بها إلى انصراف الشتاء. ثم سار إلی دامغان، ووجه غالبَ الحاجب في مُقَدمة العَسْكر، فبرز رُسْتُم على حُكم الاستسلام والاضطرار، فقبض عليه وعلى رؤوس الباطنية من قُوَّاده، وخرج الدَّيالمة معترفين بذنوبهم، شاهدين بالكُفْر والرَّفْض على نفوسهم، فرجع إلى الفقهاء في تعزُّف أحوالهم، فأفْتوا بأنهم خارجون عن الطَّاعة، داخلون في أهل الفَسَاد، يجب عليهم القَتْل والقَطْع والنَّفْي على مراتب جناياتهم إن لم يكونوا من أهل الإلحاد. فكيف واعتقادُهم لا يخلو من التَّشَتُّع والرَّفْض والباطن وذكر هؤلاء الفقهاء أن أكثر هؤلاء القوم لا يُصلُّون ولا يُزكون، ولا يعترفون بشرائط الدين، ويُجاهرون بالقَذْف وشَتْم الصحابة. والأمثَلُ منهم معتقدٌ مذهبَ ١٨٧ الاعتزال، والباطنية منهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. وحكموا - يعني الفقهاء - بأن رُسْتُم بن عليّ في حياله خمسون امرأة من الحرائر، ولَدْنَ له ثلاثةً وثلاثين نَفْسًا. وحَوَّل رايته إلى خُراسان، فانضم إليه أعيان المعتزلة والرَّافضة. ثم نظر فيما احتجنَهُ رستم، فعُثِرَ من الجواهر على ما قيمته خمس مئة ألف دينار. ثم ذكر أشياء من الذَّهَب والسُّتُّور والفَرْش، إلى أن قال: فَخَلَت هذه البُقْعة من دُعاة الباطنية وأعيان الرَّوافض، وانتصرت السُّنَّة. فطالع العبدُ بحقيقة ما يَسَّرَهُ الله تعالى لنصر الدَّولة القاهرة. وفي رجب انقض كوكبٌ عظيم أضاءت منه الأرض، وكان له دَويّ کدوي الرّعد. وفي شعبان اضطرب أمرُ بغداد وكثُرت العَمْلات، وكَبَسَ العَيَّارون المَحَال . وأيضًا غارَ الماء في الفُرات غَوْرًا شديدًا، وبلغ طحن الكارة الذَّقيق دینارًا . وفيه جُمع العلماء والقُضاة في دار الخلافة، وقُرىء عليهم كتابٌ طويل عمله القادر بالله يتضمَّن الوعظ وتفضيل مذهب السُّنة، والطعن على المعتزلة. وفيه أخبار كثيرة في ذلك. وفي رمضان جُمعوا أيضًا وقرأ عليهم أبو الحسن بن حاجب التُّعمان كتابًا طويلاً عمله القادر بالله، فيه أخبار ووفاة النبي بََّ، وفيه ردٌّ على من يقول بخَلْق القرآن، وحكاية ما جرى بين عبدالعزيز وبِشْر المَرِيسي، ثم ختمه بالوعظ والأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر. وفي ذي القَعْدة جُمعوا لكتابٍ ثالث في فضل أبي بكر، وعمر، وسب من يقول بخَلْق القرآن، وأُعيد فيه ما جرى بين عبد العزيز وبِشْر المَرِيسي. وأقام النَّاس إلى بعد العَتَمة حتى فرغ، ثم أخذ خطوطهم بحضورهم وسماع ما سمعوه . وكان يخطبُ بجامع بَرَاثا شيعيٌّ فيُظْهر شِعَارَهم، فَتُقُدِّم إلى أبي منصور ابن تَمَّام الخطيب ليخطب ببراثا ويُظهر السُّنة. فَخَطب وقَصَّر عما كان يفعله من قَبْلَه في ذِكْر عليّ رضي الله عنه، فَرَموه بالآجُر، فنزل ووقف المشايخ دونه ١٨٨ حتى أسرعَ في الصَّلاة. فتألم الخليفة وغاظه ذلك، وطلب الشريف المُرْتَضَى، وأبا الحسن الزَّيْنبي وأمر بمكاتبة السُّلطان والوزير أبي علي بن ماكولا . وكان فيما كتب: ((إذا بلغ الأمير أطال الله بقاءه صاحب الجيش إلى الجرأة على الدِّين وسياسة الدَّولة والمملكة، ثبَّتها الله، من الرُّعاع والأوباش فلا صبر دون المبالغة بما توجبه الحَمِية، وقد بلغه ما جَرَى في يوم الجمعة الماضية في مَسْجِد بَرَاثا الذي يجمع الكَفَرة والزَّنَادقة، ومن قد تبرأ الله منه فصار أشبه شيءٍ بمسجد الضِّرار. وذلك أن خطيبًا كان فيه يجري إلى ما لا يخرج به عند الزَّنْدقة والدَّعوى لعلي بن أبي طالب عليه السلام بما لو كان حيًّا لقد قابله. وقد فعل ذلك في الغُوَاة أمثال هؤلاء الغُثاء الذين يَدَّعون لله ما تكاد السَّموات يَتَفَطَّرْن منه. فإنه كان في بعض ما يورده هذا الخطيب - قَبَّحه الله - يقول بعد الصلاة على الرسول: وعلى أخيه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مُكَلِّم الجُمْجمة، ومُحيي الأموات، البشري الإلهي، مكلُّم أصحاب الكهف. إلى غير ذلك من الغُلُو، فأُنفذ الخَطِيب أبو تَمَّام، فأقامَ الخُطبة، فجاءه الآجُرُّ كالمَطَر، فخُلع كَتِفُهُ، وكُسِر كَنَفه، وأُدْمي وجهُهُ، وأُشيط بدمه، لولا أربعة من الأتراك فاجتهدوا وحموه وإلا كان هلك. وهذه هَجْمةٌ على دين الله وفَتْك في شريعة رسول الله وَّله، والضرورة ماسة إلى الانتقام. ونزل على الخطيب ثلاثون بالمشاعل، فانتهبوا داره وأغروا حريمه، فخاف الوزير والأمراء من فتنةٍ تتولَّد، فلم يخطب أحد ببراثا في الجمعة الآتية. وكثُرت العَمْلات والكَبْسات، وزاد الأمر، وفُتحت الدَّكاكين، وعم البلاء . وفي ذي الحجة قُلِّد قضاء القُضاة أبو عبدالله الحُسين بن ماكولا . ثم أُقيمت الجُمُعة في جامع براثا بعد أشهُر، واعتذر رؤساء الشيعة عن سُفهائهم إلى الخليفة، وعُملت للخطيب نسخة يعتمدها، وأعفاهم الخطيب من دَق المنبر بعَقِب سيفه، فإن الشيعة تُنكر ذلك، وهو منكرٌ. وفي ذي الحجة ورد أبو يَعْلَى المَوْصلي وجماعة من العَيارين كانوا بأوَانا وعُكْبَرًا، فقتلوا خمسةً من الرَّجَّالة وأصحاب المصالح، وظهروا من الغد بالكَرْخ في أيديهم السيوف، وأظهروا أنَّ كمالَ الدولة أبا سنان بعثَهُم لحِفْظ ١٨٩ البلد وخدمة السُّلطان، فثارَ بهم أهل الكَرْخِ وظفروا بهم وصُلِبوا. وفيها جَهَّز صاحب مصر جَيْشًا لقتال صالح بن مِرْداس صاحِب حَلَب، وكان مقدَّم الجيش نُوشتِكين الدِّزْبَري، وكانت الوقعة على نهر الأردن، فقُتل صالح وابنه، وحُمل رأساهما إلى مصر، وأقام نصر بن صالح بحلب، والله أعلم. ١٩٠ اللَّهِ الرَّْنِ أَ 3' (الوفيات) سنة إحدى عشرة وأربع مئة ١- أحمد بن عبدالرحمن بن أحمد، أبو بكر الشِّيرازيُّ الحافظ. وقد مرَّ سنة سبع(١). ٢- أحمد بن عبدالرحمن بن أحمد بن جعفر، أبو بكر القاضي اليَزْديُّ الأصبهانيُّ. له مجلسٌ سمعناه، روى فيه عن الطَّبَراني، وعبدالله بن جعفر بن فارس، وأحمد بن بُنْدار الشَّعَّار، والعَسَّال. ورحل، فسمع بنَيْسابور وهَرَاة وجُرْجان والبَصرة. ولَحِق إسماعيل بن نُجَيْد، وأبا بكر الجِعَابي، وجماعة. وتُوفي في جمادى الآخرة. قال يحيى بن مَنْدَة: مقبول، ثقة، صاحبُ أُصول. روى عنه محمد بن محمد المَدِيني شيخ السِّلَفي، وأبو القاسم بن مَنْدَة، وعليّ بن شجاع. ٣- أحمد بن عليّ بن أيوب، أبو الحُسين، قاضي عُكْبَرًا. وثَّقه الخطيب، وقال(٢): سمع من محمد بن يحيى بن عمر الطَّائي، كتبتُ عنه، وتُوفي في مُسْتَهل جُمَادى الآخرة، ووُلد سنة تسع وعشرين. ٤- أحمد بن عُمر بن عبدالعزيز بن محمد بن إبراهيم ابن الخليفة الواثق بالله، أبو الحُسين الهاشميُّ البَغْداديُّ، المعروف بابن الغَرِيق. (١) في الطبقة السابقة (الترجمة ٢١٦). (٢) تاريخه ٥٢٦/٥ . ١٩١ سمع من جده، ومن أبي بكر النَّجَّاد، وأبي بكر الشَّافعي. قال الخطيب(١): كتبتُ عنه، وكان ثقةً. ٥- أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو عبدالله المُطَرِّفيُّ. روى عن عَمِّ أبيه أبي الحسن المُطَرِّفي، وأبي بكر الإسماعيلي. ٦- أحمد بن محمد بن أحمد بن حَسْنُون، أبو نَصْر النَّرْسيُّ البغداديُّ. سمع أبا جعفر بن البَخْتَري، وعليّ بن إدريس السُّتُوري، وأبا عَمرو ابن السَّمَّاك. قال الخطيب (٢): كتبتُ عنه، وكان صدوقًا صالحًا. مات في ذي القَعْدة. قلت: وروى عنه ابنه أبو الحُسين محمد، وطِرَاد الزَّيْنَبِي، وجماعة، وعبد الواحد بن عُلْوان. ٧- أحمد بن موسى بن عبدالله، أبو عبدالله (٣) الزَّاهد العراقيُّ، الفقيه الحنبليُّ، المعروف بالرُّوشنانيّ(٤). سمع أبا بكر القَطِيعِي، وابن ماسِي. قال الخطيب(٥): کتبتُ عنه، وکان عابدًا ناسگا ◌ُزار. صحب ابن بَطَّة، وابن حامد، وصنَّف في الأُصول. وتُوفي في رجب. شیعه خلائق، رحمه الله . ٨- إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن يوسف، أبو إسحاق الطَّوسيُّ الفقيه . من كبار الشافعية، ومُنَاظريهم، وله الثروة والجاه الوافر. سمع الأصم، (١) تاريخه ٤٨١/٥. (٢) تاريخه ٢٤/٦. (٣) هكذا بخط المصنف، وأرجو أن لا يكون هذا من أوهامه، فإن كنيته في تاريخ الخطيب - وهو مصدره الذي ينقل منه - وفي الكتب التي نقلت عن الخطيب: ((أبو بكر)). (٤) لم يذكر السمعاني هذه النسبة في الأنساب، ولا استدركها عليه أحد ممن عني بالاستدراك عليه، وانظر بلابد تعليقي على تاريخ الخطيب ٣٥٨/٦. (٥) تاريخه ٣٥٨/٦. ١٩٢ وأبا الحسن الكارِزِي، وأبا الوليد الفقيه، والطَّرائفي، وجماعة. وعنه البيهقي، ومحمد بن یحیی. تُوفي في رجب(١). ٩- إسحاق بن إبراهيم بن نَصْرُوية بن سُخْتام، أبو إبراهيم السَّمَرْقَنْديُّ. روى عنه أخوه عليّ، وغيره. وكان شيخ الحنفية وعالمهم في زمانه. حدَّث عن أبي عَمْرو بن صابر، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المُسْتملي، ومحمد بن أحمد بن شاذان، وطائفة(٢) . ١٠ - جعفر بن أبي الذِّكْر المِصْريُّ. وُلد سنة تسع وعشرين وثلاث مئة، وتُوفي في شعبان. ·- الحاکم، اسمه منصور بن نزار. ١١- الحسن بن الحسن بن عليّ بن المنذر، القاضي أبو القاسم البَغْداديُّ . سمع إسماعيل الصَّفَّار، ومحمد بن البَخْتَري، وعثمان ابن السَّمَّاك، وجماعة كثيرة . قال الخطيب(٣): كتبنا عنه، وكان صدوقًا ضابطًا، كثيرَ الكِتَاب، حسنَ الفَهْم، حسن العِلم بالفرائض. خَلف القاضي أبا عبدالله الحُسين الضَّبِّي على القضاء، ثم ولي قضاء مَيَّافارِقين عِدَّة سنين. ثم رجع إلى بغداد فأقامَ يحدِّثُ إلى أن مات في شعبان، وله ثمانون سنة. قلت: روى عنه أبو عبدالله بن طَلْحة النِّعَالي. ١٢ - الحسن بن عمران بن عَبْدُوس بن يوسف، أبو نَصْر الفَسَويُّ الأديب. تُوفِي بِهَرَاة. (١) ينظر المنتخب من السياق (٢٧٠). (٢) ينظر المنتخب من السياق (٣٧٨). (٣) تاريخه ٢٦٢/٨. تاريخ الإسلام ٩ / م ١٣ ١٩٣ ١٣ - الحسين بن عُبيد الله بن إبراهيم، أبو عبدالله البَغْدادِيُّ الفَضَائريُّ. من كبار شيوخ الشيعة، كان ذا زُهْد وورع وحِفْظ، ويقال: كان من أحفظ الشِّيعة لحديث أهل البيت. روى عنه أبو جعفر الطُّوسي، وابن النَّجَاشي. يروي عن الجِعَابي، وسهل بن أحمد الدِّيباجي، وأبي المُفَضَّل محمد بن عبدالله الشَّيْباني . قال الطُّوسي(١): كان كثير السَّماع، خَدَم العِلْم وطَلَب العلم الله، وكان حُكْمُهُ أَنْفَذَ من حُكْم الملوك. وقال ابن النَّجاشي(٢): له كُتُبُّ منها: ((كتاب يوم الغَدِير))، كتاب ((مواطىء أمير المؤمنين))، كتاب ((الرَّد على الغُلاة))، وغير ذلك. تُوفي في منتصف صَفَر .. ١٤- عبدالرحمن بن عبدالله بن خالد بن مُسافر، أبو القاسم الهَمْدانِيُّ الوَهْرانيُّ، المعروف بابن الخَرَّاز، من أهلِ بَجَّانَة. حج، وأخذ عن الحسن بن رَشِيق، ومحمد بن عُمر بن شَبُّوية المَرْوَزي، والقاضي أبي بكر محمد بن صالح الأبهري، وتَمِيم بن محمد القَرَوي. وكان رجلاً صالحًا مُنْقَبِضًا، يتكسَّب بالتِّجارة، تُوفي في ربيع الأول. روى عنه أبو عمر بن عبدالبر، وأبو حفص الزَّهْراوي، وأبو عُمر أحمد ابن محمد ابن الحَذَّاء، وحاتم بن محمد، وأبو عمر بن سُمَيْق، وغيرُهم. قال رحمه الله: لمّا وصلت إلى مَرْو، فذكر حكايةً. وروى عنه ابن حَزْم أيضًا. وكان مولده في سنة ثمانٍ وثلاثين وثلاث مئة، وسمع بمَرْو من ابن شَبُّوية . وقد قرأ عليه ابن عبدالبر ((موطأ ابن القاسم))، بروايته عن تَمِيم بن محمد التَّمِيمي، عن عيسى بن مِسْكين، عن سُحْنُون، عنه. وقد روى ((صحيح البُخاري)). عن إبراهيم بن أحمد البلخي المستملي(٣). (١) الرجال ٥٢ . (٢) الرجال ٥١ . (٣) جل الترجمة من الصلة لابن بشكوال (٦٩٠)، وانظر جذوة المقتبس للحميدي (٦٠٤). ١٩٤ ١٥ - عبدالرحيم بن إلياس بن أحمد ابن المهدي العُبيديّ، الأمير أبو القاسم ابن عم الحاكم ووليُّ عهده. له ترجمة في ((تاريخ دمشق)»(١)، فمن أخباره أنَّ الحاكم جعله وَليَّ عهده من بعده في سنة أربع وأربع مئة، وقُرىء التَّقليد بذلك بدمشق. ثم إنه قَدم متوليًا دمشق في سنة عشرٍ وأربع مئة، فَرَخَّص للنَّاس فيما كان الحاكم نهاهم عنه، وأظهرَ المُنْكَر والأغاني والخُمور، فأَحَبَّهُ أحداثُ البَلَد، ولكن أبغَضَه الأجْناد لبُخْله، وكاتبُوا فيه إلى الحاكم وحذروا من خروجه. ووقع الشَّرُّ بين الجُنْد والأحداث بسببه وازداد البلاء، ووقع الحرب في دمشق والنَّهْب والحريق إلى أن طُلب من مصر، فسار على رأس عشرة أشهر من ولايته، ثم رجع إليها بعد أربعة أشهر، وقد غلب على دمشق محمد بن أبي طالب الجَرار، والتَفَّ عليه الأحداث وحاربوا الجُنْد وقهروهم. فراسَلَه ولي العهد ولاطَفَه فلم يُطعْه. فتوثب الجُنْدُ ليلةً على محمد بن أبي طالب وقبضوا عليه وصلبوه، ودخل ولي العهد وتمكن، فأخذ في مُصادرة الرَّعِيَّة، وبالغَ، فأبغضوه فجاءهم موت الحاكم وقيام ابنه الظَّاهر. ثم جاء كتاب الظاهر إلى الأمراء بالقَبْض على ولي العَهْد فَقَيدوه، وسُجِنَ إلى أن مات. فقيل: إنه قتل نفسه بسكين في الحَبْس. وقد جرت فتنةٌ يوم القبض عليه، وكان يوم عيد النَّحْر، فلم تُصَلَّ صلاةُ العيد، ولا خُطب لأحدٍ البتة . ١٦ - عبدالغني بن عبدالعزيز بن الفأفاء المِصْريُّ السائح. سمع من عثمان بن محمد السَّمَرْقَنْدي، وتوفي في رجب . ١٧- عبدالقاهر بن عبدالعزيز بن إبراهيم، أبو الحُسين الأزْديُّ المقرىء الشَّاهد الصَّائغ. قرأ على جماعة من أصحاب هارون الأخفش من أجلهم محمد بن النَّضْر ابن الأخرم. وقرأ أيضًا على أحمد بن عُثمان غُلام السَّبَّاك. وسمع من ابن حَذْلم، وعليّ بن أبي العَقَب. وأدرك ابن جَوْصا، وغيره. وكان يُعرف أيضًا بالجوهري. روى عنه عليّ الحِنائي، وعليّ بن الخَضِر، والحسن بن عليّ اللَّبَّاد، (١) تاريخ دمشق ١٢٧/٣٦ - ١٢٩. ١٩٥ وعبد العزيز الكَثَّاني، وقال(١): تُوفي في ذي الحجة(٢). ١٨- علي بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عبدالله بن محمد بن اللَّيث، من ولدٌ أُهبان بن صَيْقي(٣) مُكَلِّم الذّئب، أبو القاسم الخُزَاعيُّ البلخيُّ. سمع من الهيثم بن كُلَيْب الشَّاشي ((مُسْنَدَه))، و((غريب الحديث)) لابن قُتَيبة، و((شمائل النبيِّ وَّ)) للتِّرْمذي. وحدَّث عن أبيه، وعن عبدالله بن محمد ابن يعقوب البُخاري الأستاذ، وعبدالله بن محمد بن علي بن طَرْخان البَلْخي، ومحمد بن أحمد بن خَنْب، وأبي عمرو محمد بن إسحاق العُصْفُري، وأبي جعفر محمد بن محمد بن عبدالله البغدادي، ومحمد بن أحمد السُّلَمي، وغيرهم. وحدَّث بِبَلْخ، وبُخَارى، وسَمَرْقَنْد، ونَسَف. وكان مولده في رجب سنة ستٍّ وعشرين وثلاث مئة، وتوفي ببُخَارى في صَفَر . وكان أسند من بقي بما وراء النهر . وآخر من حدَّث عنه أحمد بن محمد الخَلِيليُّ الدِّهْقان(٤). ١٩- عُمر ابن المحدِّث أبي عمر محمد بن أحمد بن سُليمان بن أيوب، العلامةُ النَّحْويُّ، أبو الحسن النُّوقاتيُّ السّجْزيُّ الشاعر، ونُوقات: محلة من سِچستان. كان أبوه أديبا بارعًا علامة مصنفًا، حمل عنه ولده هذا، وعثمان . (١) وفياته، الورقة ٢٥ . (٢) من تاريخ دمشق ٤١٣/٣٦ - ٤١٥. (٣) هكذا بخط المصنف، وكذلك هو في السير ١٩٩/١٧ وإن غيره محققوه، وهو وهم بين من المصنف رحمه الله صوابه ((أوس))، فإنه من ولد أهبان بن أوس كما ذكر السمعاني في ((المراغي)) من الأنساب، وابن نقطة في التقييد ٤٠٣، ومحب الدين ابن النجار في التاريخ المجدد ١٣٤/٣ (من طبعة الهند). وأهبان بن أوس هو مكلم الذئب، كما في تهذيب الكمال ٣٨٤/٣ وغيره، بل قال هو في تجريد أسماء الصحابة: ((أهبان بن أوس الأسلمي مكلم الذئب ... وقيل: إِن مكلم الذئب أهبان بن عياذ الخزاعي)) ١/ ٣٣ فلم يقل أحد أن أهبان بن صيفي هو مكلّم الذئب، فتبين أنه سبق قلم ووهم من المصنف، ولولا أنَّ النسخة بخطه لغيرناها إلى الصواب بحجة أن هذا من أوهام النساخ. (٤) انظر التقييد لابن نقطة ٤٠٢ - ٤٠٣ . ١٩٦ نزل عمر بغداد، وأخذ عن السِّيرافي، وأبي عليّ الفارسي. وأقرأ الأدب، وكتب المَنْسوب، ومدح عَضُد الدَّولة. وديوانه في مجلَّدين. روى عنه من شِعْره جماعة، وقصد ابن عباد ومدحه. وتُوفي في ذي الحجة عن سن عالية . ٢٠-الفضل بن محمد بن الحسن بن إبراهيم، أبو بكر (١) الجُرْجانيُّ، ◌ِبْط الإمام أبي بكر الإسماعيليِّ. مات في جمادى الأولى. روى عن أحمد بن الحسن بن ماجة القَزْويني، وابن عَدِي، وأبي بكر الإسماعيلي، ونُعَيم بن عبدالملك، وولي قضاء جُرْجان(٢) . ٢١- محمد بن أحمد بن عبدالله بن عَبْدُوية، أبو بكر الأصبهانيُّ القَفَّال. تُوفي في صفر . ٢٢- محمد بن سهل بن محمد بن الحسن، أبو عُمر الأصبهانيُّ. في جمادى الآخرة. ٢٣- محمد بن عبدالرحمن بن حَتَشَ، أبو سَعْد الجَوْزقيُّ الهَرويُّ التاجر . في شوال . ٢٤- محمد بن يونس بن هاشم، أبو بكر العَيْن زَرْبيُّ المقرىءُ الإسكاف. روى عن أبي عُمر بن فَضَالة، وأبي بكر الرَّبعي، وأحمد بن عَمرو الدَّاراني. وألَّف عدد الآي. وعنه أبو عليّ الأهوازي، وعبدالعزيز الكَثَّاني، والحُسين بن مُبَشِّر المقرىء. قال الكَثَّاني(٣): ثقةٌ، مضى على سَدَاد، تُوفي في آخر السنة (٤). (١) هكذا بخط المصنف، وفي تاريخ جرجان: ((أبو بشر)). (٢) من تاريخ جرجان ٣٧١ . (٣) وفياته، الورقة ٢٥. (٤) من تاريخ دمشق ٣٤٢/٥٦. وتقدمت ترجمته في الطبقة الماضية وفيات سنة (٤١٠) الترجمة (٣٥٠). ١٩٧ ٢٥- منصور الحاكم بأمر الله، أبو عليّ، صاحب مصر ابن العزيز نِزَار ابن المُعِز بالله العُبَيدي . كان جوادًا سَمْحًا، خبيثًا ماكرًا، رديء الاعتقاد سفَّاكًا للدِّماء، قتل عددًا كثيرًا من كُبراء دولته صَبْرًا. وكان عجيب السيرة، يخترع كلَّ وقتٍ أمورًا وأحكامًا يحمل الرَّعيَّة عليها؛ فأمر بكَتْب سَبِّ الصحابة على أبواب المساجد والشَّوارع، وأمر العُمال بالسَّبِّ في سنة خمسٍ وتسعين وثلاث مئة، وأمرَ فيها بقتل الكلاب فقُتِلَت عامَّة الكلاب في مملكته، وبَطَّل الفُقاع والمُلُوخيا. ونهى عن السَّمك الذي لا قِشْر له، وظفرَ بمن باع ذلك فقتلهم. ونهى في سنة ثنتين وأربع مئة عن بيع الرُّطَب. ثم جمع منه شيئًا عظيمًا فأحرق الكُلَّ، ومنع من بيع العِنَب، وأبادَ كثيرًا من الكُرُوم. وفيها أمرَ النصارى بأنْ تُعْمَلَ في أعناقهم الصُّلْبان، وأن يكون طول الصَّليب ذراعًا، ووزنه خمسة أرطال بالمصري. وأمر اليهود أن يحملوا في أعناقهم قَرَامي الخَشَبَ في زِنة الصُّلْبان، وأن يلبسوا العمائم السُّود ولا يَكْتَرُوا من مُسلمٍ بهيمةً، وأن يدخلوا الحَمَّام بالصُّلْبان. ثم أُفردت لهم حَمَّامات. وفي العام أُمر بهدم الكنيسة المعروفة بقُمَامة، وبهَدْم جميع كنائس مصر، فأسلم طائفةٌ منهم. ثم إنه نهى عن تقبيل الأرض له، وعن الدُّعاء له في الخُطْبة، وفي الكُتُب، وجعل عوض ذلك السَّلام عليه. وقيل: إن ابن باديس أرسل يُنكر عليه أمورًا، فأراد استمالته، فأظهر التَّفَقُّه، وحمل في كُمِّه الذَّفاتر، وطلب إليه فقيهين، وأمرهما بتدريس مذهب مالك في الجامع، ثم بدا له فقتلهما صبرًا، وأذن للنَّصارى الذين أكرههم في الرجوع إلى الشِّرْك. وفي سنة أربع وأربع مئة نَفَى المنجمين من البلاد، ومنع النساء من الخروج في الطُّرُقَ ليلاً ونهارًا، ومنع من عمل الخفاف لهن، فلم يزلن ممنوعات سَبع سِنين وسبعةَ أشهُرٍ حتى مات. ثم إنه بعد مدةٍ أمر ببناء ما كان أمر بَهَدْمه من الكنائس، وارتدَّ طائفةٌ ممن أسلم منهم. وكان أبوه قد ابتدأ الجامع الكبير بالقاهرة، فتممه هو، وكان على بنائه ونظره الحافظ عبدالغني بن سعيد. وكان الحاكم يفعل الشَّيء ونقيضه. ١٩٨ خرج عليه أبو ركوة الوليد بن هشام العُثمانيُّ الأُمويُّ الأندلسي بنواحي برْقَة، فمال إليه خلْقٌ عظيم، فجهزَ الحاكم لحربه جيشًا، فانتصر عليهم أبو رَكْوَة ومَلَك، ثم تكاثروا عليه وأسروه. ويُقال: إنه قُتِل من أصحابه مقدار سبعين ألفًا، وحُمِل إلى الحاكم فذبحه في سنة سَبْعٍ وتسعين . وكان مولد الحاكم في سنة خمسٍ وسبعين وثلاث مئة، وكان يُحبُّ العُزلة، ويركب على بهيمةٍ وحده في الأسواق، ويُقيم الحِسْبةَ بنفسه . وكان خبيثَ الاعتقاد، مضطربَ العقل، يقال: إنه أرادَ أن يدَّعي الإلهية، وشَرَع في ذلك، فكلّمه أعيانُ دولته وخوّفوه بخروج النَّاس کلهم علیه، فانتهى . واتفق أنه خرج ليلة في شوال سنة إحدى عشرة من القصر إلى ظاهر القاهرة، فطاف ليلته كلّها، ثم أصبح فتوجَّه إلى شرقي حُلْوان ومعه رِكابيان، فرد أحدهما مع تسعةٍ من العرب السُّويْديين، ثم أمر الآخرَ بالانصراف، فذكر هذا الرِّكابي أنه فارقه عندَ قبر الفقاعي والمَقْصبة، فكان آخر العهد به. وخرج النَّاسُ على رَسْمهم يلتمسون رجوعه، ومعهم دواب الموكب والجنائب، ففعلوا ذلك جمعةً. ثم خرج في ثاني يوم من ذي القَعْدة مظفَّر صاحب المظلة، ونسيم، وابن نُشتكين، وطائفة، فبلغوا دير القُصَيْرِ، ثم إنهم أمعنوا في الدُّخول في الجبل، فبينا هم كذلك إذْ أبصروا حمارَه الأشهب المدعو بالقَمَر، وقد ضُرِبت يداه فأثَّر فيهما الضَّرْبُ، وعليه سَرْجه ولجامه. فتبعوا أثر الحمار، فإذا أثر راجلٍ خلفه وراجل قُدَّامة. فلم يزالوا يقصُّون الأثر حتى انتهوا إلى البركة التي في شرق حُلْوان، فنزل رجلٌ إليها، فوجد فيها ثيابه وهي سبع جِباب، فوُجدت مُزَرَّرةً لم تُحَل أزرارها، وفيها آثار السَّكاكين، فلم يشكوا في قتله، مع أن طائفةً من المتغالين في حُبه من الحَمْقى الحاكمية يعتقدون حياته، وأنه لابد أن يظهر، ويحلفون بغيبة الحاكم. ويقال: إن أخته دَسَّتْ عليه من قتله الأمورِ بدت منه . وحُلْوان: قرية نَزِهةٌ على خمسة أميال من مصر، كان يسكنها عبدالعزيز ابن مروان، فَوُلد له بها عمر رحمة الله عليه(١). وقد مر في الحوادث بعضُ أمره. (١) جل الترجمة من وفيات الأعيان ٢٩٢/٥ - ٢٩٨. ١٩٩ سنة اثنتي عشرة وأربع مئة ٢٦- أحمد بن الحُسين بن جعفر، أبو الحسن(١) المِصْريُّ النخاليُّ العطار . سمع أحمد بن الحسن بن عُتْبة الرَّازي، وغيره. قال أبو إسحاق الحَبَّال(٢): تُوفي في حادي عشر شعبان، ووُلد في سنة سَبْعٍ وثلاثين في رمضانها، وما أُقدِّم عليه من شيوخي(٣) أحدًا في الثقة، وجميع الخِصال التي اجتمعت فيه. ٢٧- أحمد بن عبدالخالق بن سُوَيد الأنصاريُّ البَغْداديُّ، خال أبي محمد الخلال الحافظ . سمع من أبي بكر النَّجَّاد جزءًا. روى عنه ابن أخيه ووثّقه، وقال (٤): كان حيًّا في سنة اثنتي عشرة وأربع مئة هذه(٥) . ٢٨- أحمد بن عُمر بن القاسم بن بِشْر، أبو الحُسين البَغْداديُّ، عُرف بابن عُدَيْسة. حدَّث عن عليّ السُّتُّوري، وعثمان ابن السَّمَّاك. قال الخطيب(٦): كان ثقةً، وقيل لي إنه كان يحفظ عن الصَّفار حديثاً، لم أسمع منه شيئًا . ٢٩- أحمد بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن حفص بن الخليل الأنصاريُّ، الحافظ أبو سعد الهَرَويُّ المالينيُّ الصُّوفيُّ الصَّالِحِ، طاووس ور الفُقَراء. سمع بخُراسان، والعراق، والشام، ومصر، والنواحي. وحدَّث عن في وفيات الحبال: ((أبو العباس)). (١) (٢) وفياته (١٩١). (٣) في المطبوع من وفيات الحبال: ((شيوخه))، محرفة. (٤) هكذا بخط المصنف، وإنما هذا قول الخطيب أبو بكر، كما في تاريخه، فكأنه سبق قلم من المصنف رحمه الله . (٥) من تاريخ الخطيب ٤٤٤/٥ - ٤٤٥. (٦) تاريخه ٤٨١/٥ - ٤٨٢ وقد لخص الترجمة منه . ٢٠٠