Indexed OCR Text
Pages 621-640
الطبقة الرابعة والثلاثون ٣٣١ - ٣٤٠ هـ مِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّـ بِسْـ (الحوادث) سنة إحدى وثلاثين وثلاث مئة في المحرم كُتِبَ كتاب أبي مَنْصور إسحاق ابن المُتَّقِي على بنت الأمير ناصر الدَّولة بن حَمْدان، والصَّداق مئتا ألف دينار، وقيل: مئة ألف دينار وخمس مئة ألف دِرْهَم. ووَلِيَ العَقْد أبو عبدالله محمدُ بن أبي موسى الهاشميُّ، ولم يحضر أبوها. وفي صَفَر وَصَلتِ الرُّوم إلى أرْزَن، ومَيَّا فَارقين، ونَصِيبين، فقتلوا وسَبَوا، ثم طَلَبُوا مِنْديلاً في كنيسة الُّها يَزْعُمون أنَّ المسيحَ مَسَحَ به وجهَهُ فارتسمت صورتُه فيه، على أنَّهم يُطْلِقون جميعَ مَن سَبَوا، فَأُرسِل إليهم وأطلقوا الأسْرى. وفيها ضَيَّق الأمير ناصرِ الدَّولة على المُتَّقي في نَفَقاته، وأخذَ ضياعَهُ، وصادرَ الدَّواوينَ، وأخذَ الأموال، وكرِهَهُ الناسُ. وفيها وافى الأمير أحمد بن بُوَيْه يقصد قتال البَرِيدي، فاستأمنَ إليه جماعةٌ من الدَّیلم. وفيها هاجَ الأمراءُ على سيف الدَّولة بواسط، فهربَ في البَرِّيَّة يريدُ بغداد. ثمَّ سار إلى المَوْصل ناصرُ الدَّولة خائفًا، لهروب أخيه، ونُهبت دارُه. وفيها نزحَ خلقٌ كثير من بغداد مع الحُجَّاج إلى الشَّام، ومصر، خوفًا من اتصال الفِتَن ببغداد . وفيها بعث المُتَّقِي إلى أحمد بن بُوَيْهِ بِخلَع، فَسُرَّ بها ولَِسَها. وفيها وُلِد لأبي طاهر القِرْمِطِي وَلَدٌ، فأهدى إليه أبو عبدالله البريدي هدايا عظيمة، فيها مَهْدُ ذَهَبٍ مُجَوْهر. وحجَّ بالناس القِرْمِطي على مالٍ أخذَهُ منهم. واستوزر المُتَّقِي أبا الحُسين علي بن أبي علي محمد بن مُقْلَة. ٦٢٣ وسار من واسط توزون، فقصدَ بغداد، وقد هَرَبَ منه سيفُ الدَّولة، فدخلَ توزون بغدادَ في رمضان، فانهزم سيفُ الدولة إلى المَوْصل أيضًا، فخَلَعَ المُتَّقي على توزون ولقَّبه أمير الأُمراء. وفيها وقعت الوَحْشة بين المُتَّقي وتوزون، فَعَادَ إلى واسط . وفيها عَزَلَ المثَّقِي وَلَد ابن مُقْلَة وأخذ منه مئة ألف دينار، ثم استوزَرهُ. وفيها هلك بدمشق بَدْرِ الخَرْشني. وكان قد جَرَت له أمورٌ ببغدادَ، ثمَّ صارَ إلى الأخشيد محمد بن طُغْج، فولاَه إمرةَ دمشق، فولِيَها شهرين ومات. وفي ذي القعدة مات أبو سعيد سِنان بن ثابت المُتَطَبِّب والد مصنّف التاريخ ثابت. وقد أسلم سِنان على يد القاهر بالله. وقد طبَّ جماعةً من الخُلفاء وكان مُتَفَننًا . وفيها مات محمد بن عَبْدُوس مصنف كتاب ((الوزراء)» ببغداد. وكان من الرُّؤساء. وفي حدودها استوزَرَ المُتَّقي غيرَ وزيرٍ من هؤلاء الخاملين، ويعزله، فاستوزرَ أبا العباس الكاتب الأصبهاني وكان ساقط الهمة بحيث أنه كان يركب وبين يديه اثنان؛ وما ذاك إلا لضَعْفٍ دَسْت الخِلافة ووهن دولة بني العباس. سنة اثنتين وثلاثين وثلاث مئة فيها قَدِمَ أبو جعفر بن شيرزاد من واسط من قِبَل توزون إلى بغداد، فحكم على بغداد وأمرَ ونَهَى. فكاتب المُتَّقي بني حَمْدان بالقدوم عليه، فقدِم أبو عبدالله الحُسين بن سعيد بن حَمْدان في جيشٍ كثيفٍ فِي صَفَر، ونزل بباب حَرْب، فخرجَ إليه المُتَّقي وأولادُه والوزير، واستتر ابنٍ شيرزاد. وسار المُتَّقي بآله إلى تَكْريت ظَنَّا منه أنَّ ناصر الدولة يلقاه في الطَّريق ويعودون معًا إلى بغداد. فظهرَ ابن شيرزاد فأمرَ ونَهَى، فَقَدِمَ سيفُ الدَّولة على المتقي بتَكْریت، فأشار عليه بأن يصعد إلى المَوْصل ليتَّفقوا على رأي، فقال: ما على هذا عاهد تموني. فَتَفَلَّل أصحابُ المَثَّقي إلى المَوْصل، وبقي في عددٍ يسيرٍ مع ابن حَمْدان. فقدِم توزون بغداد واستعدَّ للحرب. فجمعَ ناصر الدولة عددًا كثيرًا ٦٢٤ من الأعراب والأكراد، وسارَ بهم إلى تَكْريت. وكان الملتَقَى بينه وبين توزون بِعُكْبَرا، واقتتلوا أيامًا، ثم انهزم بنو حَمْدان والمُتَّقي إلى المَوْصل. وراسل ناصر الدَّولة توزون في الصُّلْح على يد أبي عبدالله بن أبي موسى الهاشمي، وكان توزون على تَكْريت، فَتَسللَ بعض أصحابه إلى ابن حَمْدان، وَردَّ توزون إلى بغداد . وجاء سيف الدولة إلى تَكْريت فرد إليه توزون، فالتقوا في شعبان على حَرْبَى، فانهزم سيفُ الدَّولة إلى المَوْصل، وتَبِعه توزون، ففر بنو حَمْدان والخليفة إلى نَصِيبين، فدخل توزون المَوصل ومعه ابن شيرزاد، فاستخلص من أهلها مئة ألف دينار. وراسلَ المُتَّقي توزون في الصُّلح، وقال: ما خرجتُ من بغداد بأهلي إلا بلغني أنك اتَّفقت مع البَرِيدي عليَّ. والآن فقد آثَرْتَ رضاي فصالح ابنَيْ حَمْدان، وأنا أرجع إلى داري. وأشارَ ابنُ شيرزاد على تُوزون بالصُّلح. وتواترت الأخبار أنَّ أحمد بن بُوَيْه نزلَ واسطًا وهو يريد بغداد. فأجاب توزون إلى الصلح، ورجع إلى بغداد. وكان السَّفيرُ بينهم يحيى بن سعيد السُّوسي، فحصل له مئة ألف دینار. وعَقَد تُوزون للبلد على ناصر الدَّولة ثلاث سنين بثلاثة آلاف ألف درهم. وفيها قتلَ أبو عبد الله البريديُّ أخاه أبا يوسف، ثم مات بعده بیسیر . وفيها وَلَّى الإخشيد الحُسين بن لؤلؤ إمرةً دمشق، فبقي عليها سنةً وأشهرًا. ثم نقله إلى حِمْص، وأمَّرَ عليها يانس المؤنِسي. وفيها وَلَّى ناصرُ الدولة ابنَ عمه الحُسين بن سعيد بن حَمْدان قِنَّسرين والعواصم، فسارَ إلى حَلَب. وفيها كتب المُتَّقي إلى صاحب مصر الإخشيد أن يحضر إليه، فخرجَ من مصر وسار إلى الرَّقَّة، وبها الخليفة، فلم يُمَكَّن من دخولها لأجل سيف الدَّولة، فإنه كان مُبَايِنًا له. فمضى إلى حَرَّان، واصطلح مع سيف الدَّولة، وبانَ للمُتَّقي من بني حَمْدان المللَ والضَّجر منه، فراسلَ توزون واستوثقَ منه. واجتمع الإخشيد بالمُتَّي على الرَّقة، وأهدى إليه تُحَفًا وأموالاً. وبلغه مراسلته لتوزون، فقال: يا أمير المؤمنين أنا عبدُكَ وابن عَبْدك، وقد عرفتَ الأتراك تاريخ الإسلام ٤٠٣/٧ ٦٢٥ وغَدْرَهم وفجورهم، فالله الله في نَفْسِك، سِرْ معي إلى الشَّام ومصر، فهي لك، وتأمنَ على نَفْسِكَ. فلم يقبل، فقال: أقِمْ هُهُنا وأمُّك بالأموال والرِّجال، فلم يقبل. فعَدَل الإخشيد إلى الوزير ابن مُقْلَة، وقال: سِرْ معي. فلم يفعل مراعاةً للمُتَّقي، فكان ابن مُقْلَة يقول: يا ليتني قبِلت نُصْح الإخشيد. ورجع الإخشيد إلى بلادِه. وفيها قُتِل حَمْدي اللِّص، وكان فاتكًا، ضَمَّنه ابن شيرزاد اللُّصوصية ببغداد في الشهر بخمسة وعشرين ألف دينار. فكان يَكْبس بيوت النَّاس بالمِشْعَل والشَّمْع، ويأخذُ الأموالَ. وكان أسكورَج الدَّيْلميَّ قد وَلِيَ شُرطة بغداد، فأخذه ووَسَّطه. وفيها دخل أحمد بن بُوَيْه واسطًا، وهربَ أصحابُ البَرِيدي إلى البَصْرة. وفي شَوَّال كان توزون ببغداد على سرير المُلْك، فعرضَ له صَرَعٌ، فوثب ابن شيرزاد فأرخى بينه وبين القُوَّاد سِتْرًا، وقال: قد حدثت للأمير حُمَّی. ولم يحجَّ في هذه السَّنة أحدٌ لموت القِرْمِطي، وهو أبو طاهر سُليمان بن أبي سعيد الجَنَّابي، بهجَر في رمضان بالجُدَري. وهو الذي قتلَ الحَجِيج واستباحَهُم مَرَّات، واقتلعَ الحَجَر الأسود، وبقي بعده أبو القاسم سعيد، وكان أبوه يُحِبُّه ويُرَجِّحُهُ للأمرِ من بعدِهِ، وأوصى: إن حَدَث بي موتٌ، فالأمرُ إلى ابني سعيد إلى أن يكبر أبو طاهر، فيُعيد سعيد إليه الأمر. وكان أبو سعيد قد عَتَى وتَمرَّد، وأخافَ العبادَ، وهَزَم الجيوشَ، وكان قد أسرَ فيمن أسرَ خادمًا، فحسُنت منزلته عنده حتى صارَ على طعامه وشَرَابه. وكان الخادم ينطوي على إسلام، فلم يَرَ أبا سعيد يُصَلَّي صلاةً، ولا صامَ شهر رمضان. فأبغضَهُ وأضمرَ قَتْلَهُ، فخَلَّه وقد دخل حَمَّامًا في الدَّارِ ووثبَ عليه بخنجر فذبحَهُ، ثمَّ خرج ودعا بعضَ قُواد أبي سعيد، فقال له: كَلِّم أبا سعيد. فلما حَصَل ذَبَحَهُ. ثم استدعى آخر، ففعل به كذلك حتى فعل ذلك بجماعة من الكبار، وكان شُجاعًا قويًّا جَلْدًا. ثم استدعى في الآخر رَجُلاً، فدخلَ في أول الحَمَّام، فإذا الدِّماء تجري، فأدبر مُسْرعًا وصاح، فتجمّع النَّاسُ - وقد مرَّ ذلك في سنة إحدى وثلاث مئة - وأخذ سعيد ذلك الخادم، فقرضَ لحمَهُ بالمقاريض إلى أن مات . ٦٢٦ فلما كان في سنة خمسٍ وثلاث مئة سَلَّم سعيد الأمرَ إلى أخيه أبي طاهر، فاستجابَ لأبي طاهر خَلْقٌ وافتتنوا به، بسبب أنه دَلَّهم على كنوزٍ كان والدُه أطلعَهُ عليها وحده، فوقعَ لهم أنه عِلْمُ غَيْبٍ، وتخيَّر موضعًا من الصَّحْراء وقال: أريد أن أحفر هَهُنا عَيْنًا. فقيل له: هنا لا ينبع ماء. فخالفهم وحَفَر فنبعَ الماءُ فازدادت فتنتهم به. ثمَّ استباحَ البَصْرةَ، وأخذَ الحَجِيج، وفعلَ العظائمَ، وأرعَبَ الخَلائق وكَثُرت جموعُه، وتزلزل له الخَلِيفة . وزعم بعض أصحابه أنه إلهٌ، ومنهم مَن زعَمَ أنه المَسِيح، ومنهم من قال هو نَبِيٌّ. وقيل: هو المهدي، وقيل: هو الممهّد للمهدي. وقد هزم جيش الخليفة المقتدي غير مرة، ثم إنه قصد بغداد ليأخذها فدفع الله شره. وقد قَتَلَ بحرم الله تعالى مقتلةً عظيمةً لم يتم مثلها قط في الحَرَمِ، وأخذَ الحَجَر الأسود. ثم لم يُمْهِلْه الله بعدَ ذلك. فلمَّا أشفى على التَّلَف سَلَّم مُلْكه إلى أبي الفضل بن زكريا المَجُوسي العَجَمِي . قال محمد بن علي بن رِزَام الكوفيُّ: قال لي ابن حَمْدان الطَّبيب: أقمتُ بالقَطِيف أعالجُ مريضًا فقال لي رجلٌ: انظر ما يقول الناس، يقولون: إنَّ ربهم قد ظهر. فخرجتُ، فإذا النَّاسُ يُهْرَعُون إلى أن أتينا دارَ أبي طاهر سُليمان القِرْمِطي، فإذا بغلامِ حَسَنُ الوجه، دُرِّيُّ اللون، خفيفُ العارضَين، له نحو عشرين سنة، وعليهَ عمامةٌ صفراء تَعْميم العَجَم، وعليه ثوبٌ أصفرُ، وفي وسطه منديلٌ وهو راكبٌ فَرَسًا شَهْباء، والنَّاسُ قيامٌ، وأبو طاهر القِرْمِطي وإخوته حوله. فصاح أبو طاهر بأعلى صوته: يا مَعْشَر النَّاس، مَن عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو طاهر سُليمان بنِ الحَسن. اعلموا أنا كُنا وإياكم حَمِيرًا، وقد مَنَّ اللهُ علينا بهذا، وأشارَ إلى الغُلامِ، هذا رَبِّي وربكم، وإلهي وإلهكم، وكلُّنا عباده والأمرُ إليه، وهو يَمْلكنا كلَّنا. ثم أخذَ هو والجماعة التُّراب، ووضعوهُ على رؤوسهم؛ ثم قال أبو طاهر: اعلموا يا مَعْشَر النَّاس، إن الدِّين قد ظهرَ، وهو دين أبينا آدم، وكل دين كنا عليه فهو باطل، وجميع ما توصَّلَتْ به الدُّعاة إليكم فهو باطلٌ وزُور من ذِكْر موسى، وعيسى، ومحمد. ٦٢٧ إنَّما الدين دين آدم الأول، وهؤلاء كُلُّهم دَجَّالون محتالون فالعنوهم، فلعنهم الناس . وكان أبو الفضل المَجُوسي، يعني الغلام الأمرد، قد سَنَّ لهم اللواط ونكاح الأخوات، وأمرَ بقتل الأمرد الممتَنِعِ. وكان أبو طاهر يطوفُ هو والنَّاس عُراةً به ويقولون: إلهنا عزَّ وجل. قال ابن حَمْدان الطَّبيب: أُدخِلتُ على أبي الفَضْل فوجدتُ بين يديه أطباقًا عليها رؤوس جماعة، فسجدتُ له كعادتهم والنَّاسُ حوله قيامٌ وفيهمٍ أبو طاهر، فقال لأبي طاهر: إنَّ المُلوكَ لم تزل تُعد الرؤوس في خَزَائنها فسَلُوه، وأشارَ إليَّ، كيف الحيلة في بقائها بغير تَغْيير؟ فسألني أبو طاهر فقلت: إلهُنا أعلم، ويعلمُ أن هذا الأمر ما عَلِمته، ولكن أقول على التقدير: إنَّ جُملة الإنسان إذا ماتَ يحتاج إلى كذا وكذا صبر وكافور. والرأس جزءٌ من الإنسان، فيؤخذ بحسابه. فقال أبو الفضل: ما أحسن ما قال. قال ابن حَمْدان: وما زلت أسمع النَّاسَ تلك الأيام يَلْعنون إبراهيم، وموسى، ومحمدًا، وعليًّا، وأولادَهُ، ورأيت المُصْحَف يُمْسَح به الغائط . وقال أبو الفَضْل يومًا لكاتبه ابن سَنْبر: اكتب كتابًا إلى الخَلِيفة فصلِّ لهم على محمد، وبَجِّل لهم جناب المنوّرة. قال ابن سَنْبر: والله ما تَنْبَسط يدي لذلك. وكان لأبي طاهر أخت فاقتضها(١) أبو الفضل، وذبحَ ابنًا لها في حُجْرها، وقتل زوجها، ثم عزم على قَتْل أبي طاهر، فبلغ ذلك أبا طاهر، فأجمع رأيه ورأي ابن سَنْبر ووالدة أبي طاهر على أن يمتحنوه ويقتلوه. فأتياه فقالا: يا إلهنا، إنَّ فُرجة أم أبي طاهر قد ماتت، ونَشْتَهي أن تَحْضُرَ لنشق جوفها ونحشوه جَمْرًا، وكان قد شرع لهم ذلك. فَمَضَى معهما، فوجد فُرْجة مُسَجاة، فأمرَ بشق بطنها. فقال أبو طاهر: يا إلهي أنا أشتهي أن تُحييها لي. قال: ما تستحق، فإنها كافرة. فعاوده مرارًا، فاسترابَ وأحسَّ بتغيرهما عليه، فقال: لا تعجلا عليَّ ودعاني أخدم دوابَّكما إلى أن يأتي أبي، فإني سرقتُ منه العلامة، (١) هكذا في النسخ، ولو قال: زنا بها لكان أحسن، لأن هذه اللفظة تستعمل لاقتضاض البكر، فكيف يكون ذلك وللمرأة زوج وابن؟! ٦٢٨ فيرى فيَّ رأيه. فقال له ابنُ سَنْبر: ويْلَك هتكتَ أستارنا وحريمنا، وكشفتَ أمرنا، ونحن نُرَتِّب هذه الدعوة من ستين سنة، لا يُعلَم ما نحن فيه، فأنتَ لو رآك أبوك على هذه الحالة لقتلك، قُمْ يا أبا طاهر فاقتله. قال: أخشى أن يمسخني. فقام إليه سعيد أخو أبي طاهر فقتله وأخرج كبده، فأكَلَتْها أخت أبي طاهر. ثم جمعَ ابن سنبر الناسَ وذكر حقَّه فيهم، لأنه كان شيخَهُم، وقال لهم : إن هذا الغلام وَرَدَ بكذبٍ سَرقه من معدن حق، وعلامةٍ مَوَّه بها، فأطعناه لذلك. وإنا وَجَدْنا فوقه غلامًا ينكحه فقتلناه. وقد كُنَّا نسمع أنه لابُد للمؤمنين من فتنةٍ عظيمة يظهر بعدها الحق، وهذه هي. فارجعوا عن نكاح المُحَرَّمات، وأطفِئوا بيوتَ النِّيران، واتركوا اتخاذ الغِلْمان، وعَظُّموا الأنبياء عليهم السَّلامِ. فضج الناس بالصياح وقالوا: كل يوم تقولون لنا قَوْلاً؟ فأنفقَ أبو طاهر أموالاً، كان جمعها أبو الفضل، في أعيان النَّاس فسكتوا. قال ابن حمدان الطَّبيب: وبعد قَتْل أبي الفضل اتصلتُ بخدمة أبي طاهر، فأخرجَ إليَّ يومًا الحَجَر الأسود، وقال: هذا الذي كان المسلمون يعبدونَه؟ قلتُ: ما كانوا يعبدونه. فقال: بلى. فقلت: أنت أعلم. وأخرجه إليَّ يومًا وهو ملفوفٌ بثياب دَبيقي، وقد طَيَِّهُ بالمِسْكِ، فعرَّفنا أنه مُعَظِّمٌ له. ثم إنه جرت بين أبي طاهر وبين المسلمين حروب وأمور، وضعف جانبه، وقُتِل من أصحابه في تلك الوقعات خَلْقٌ وقَلُّوا، فطلب من المسلمين الأمان على أن يردّ الحَجَرَ الأسود وأن لا يتعرض للحُجَّاج أبدًا، وأن يأخذ على كل حاج دينارًا ويخفرهم. فطابت قلوب النَّاس وحَجوا آمنين، وحصل له أضعاف ما كان ينتهبه من الحاج. وقد كان هذا الملعون بلاءً عظيمًا على الإسلام وأهله، وطالت أيامُه . ومنهم من يقول: إنه هلكَ عَقِيب أخذه الحَجَر الأسود. والظاهر خلاف ذلك. فلما ضعُف أمرُ الأمة، ووَهَت أركان الدَّولة العباسية، وتغلبت القَرَامطة والمُبْتَدعة على الأقاليم، قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبدالرحمن بن محمد الأُموي المَرواني، وقال: أنا أوْلى النَّاس بالخِلافة. وتسمى بأمير المؤمنين، وكان خليقًا بذلك. فإنه صاحب غزوٍ وجهاد وهَيبة زائدة استولى على أكثر الأندلس، ودانت له أقطار الجزيرة. ٦٢٩ فأما أبو يوسف البَرِيدي فكان ينكِر على أخيه أبي عبد الله، ويُطلق لسانَهُ فيه، ويُعامل عليه أحمد بن بُوَيْه وتُوزون، وينسبه إلى الغَدْر والظُلم والجُبْن والبُخْل، فاستدعاه أخوه أبو عبدالله إلى الدَّار بالبَصْرة، وأقعدَ له جماعةً في الدِّهْليز ليقتلوه. فلما دخل ضَرَبُوه بالسَّكاكين، فلامَهُ بعضُ إخوته، فقال: اسكت وإلا ألحقتكَ به. ثم مات بعده بثمانية أشهر؛ وَوُجِدَ له ألف ألف دينار ومئتا ألف دينار، وعشرة آلاف ألف دِرْهم. ومن الفَرْش وغيرها ما قيمته ألف ألف دينار. وألف رِطْل نَد، وألفا رِطْل هندي، وعشرون ألف رِطْل عُود. وقد تقدَّم من أخباره. وسيُذكر في العام الآتي. سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة قد ذُكِرَ أنَّ توزون حَلفَ وبالغَ في الأيمان للمتَّقي، فلما كان رابع محرَّم توجَّه المثَّقي من الرَّفَّة إلى بغداد، فأقامَ بهيت، وبعثَ القاضي أبا الحُسين الخِرَقي إلى توزون وابن شيرزاد، فأعاد الأيمان عليهما. وخرجَ توزون وتقدَّمَهُ ابن شيرزاد، فالتَقَى المتَّقي بين الأنبار وهِيت. وقال المسعودي(١): لما التقى توزون بالمتقي ترجل وقَبَّلَ الأرضَ، فأمره بالركوب، فلم يفعل، ومَشَى بين يديه إلى المُخَيَّم الذي ضربه له. فلما نزلَ قبضَ عليه وعلى ابن مُقْلَة ومن معه. ثم كَخَلَهُ، فصاح المتقي، وصاحَ النِّساءُ، فأمر توزون بضرب الدَّبَادب حول المخيم. وأُدخِل بغدادَ مَسْمُول العينين، وقد أخذ منه الخاتم والبُرْدة والقَضِيب. وبلغ القاهر فقال: صِرْنا اثنين، ونحتاج إلى ثالث، يُعَرِّض بالمستكفي، فكان كما قال، سُمِل بعد قليل. وقال ثابت: أحضر توزون عبدالله ابن المُكْتَفي وبايعَهُ بالخِلافة، ولَقَّبه بالمستكفي بالله، ثم بايعه المُتَّقي لله المسمول، وأشهدَ على نفسه بالخَلْعِ لعَشْرٍ إن بقينَ من المحرَّم سنة ثلاثٍ وثلاثين. ثم أُخرِجَ المُتَّقي إلى جزيرة مقابل السِّنْدية، وسُمِل حتى سالت عيناه. وقيل: إنما خُلِعِ لعشرٍ بقين من صفر. ولم يحل الحَوْل على توزون حتى ماتَ. (١) مروج الذهب ٣٤٢/٤ - ٣٤٣. ٦٣٠ وكُنيةُ المستكفي أبو القاسم، من أمّ وَلَد. بويع وعُمُره إحدى وأربعون سنة. وكان مَلِيحًا، رَبْعةً، معتدلَ الجِسْم، أبيضَ بحُمْرة، خفيفَ العارضين. وعاش المتقي الله بعد خَلْعه خمسًا وعشرين سنة. وفيها استولى أحمد بن بُوَيْه على الأهواز، والبَصْرة، وواسط، فخرجَ إليه توزون فالتقيا، ودامَ الحربُ بينهما أشهرًا، وهي كُلُّها على توزون، والصَّرَعُ يعتريه. فقطعَ الجَسْر الذي بينه وبين أحمد بن بُوَيْه عند ديالى، وضاقَ بابن بُوَيْه الحال وقلت الأقوات، فرجعَ إلى الأهواز. وصُرع توزون يومئذٍ، وعاد إلى بغداد مشغولاً بنفسه . وفي صَفَر استوزرَ المستكفي أبا الفَرَج محمد بن علي السَّامَرِّي، ثم عزله توزون بعد أربعين يومًا، وصادرَهُ وأخذ منه ثلاث مئة ألف دينار. ثم استوزرَ أبا جعفر بن شيرزاد بإشارة توزون . وفيها سار سيفُ الدَّولة بن حَمْدان إلى حَلَب فملكها، وهربَ أميرها يانس المؤنسي إلى مِصْر، فجهّزَ الإخشيد جيشًا إلى سيف الدَّولة، فالتقوا على الرَّسْتَن، فهزمهم سيف الدَّولة وأسرَ منهم ألف رجل، وفتح الرَّسْتَن. ثم سار إلى دمشق فملكها. فجاء الإخشيد ونزلَ طَبَرية، فتسلَّل أكثر أصحاب سيف الدَّولة إلى الإخشيد، فخرجَ سيفُ الدَّولة إلى حلب وجَمَعَ القبائل وحَشَدَ . وسارَ إليه الإخشيد، فالتقوا على قِنَّسرين، فهزمه الإخشيد، فهربَ إلى الرَّقَّة، ودخل الإخشيد حَلَب. وفيها عَظُمَ الغلاءُ ببغدادَ حتى هرب الناسُ وبقِيَ النِّساءُ. فَكُنَّ المُخَذَّرات يخرجن عشرين عشرين من بيوتهن، مُمْسكات بعضهن بعضًا، يَصِحْن: الجوع الجوع. وتَسْقط الواحدة منهن بعد الأخرى ميتة من الجُوع. فإنا لله وإنا إليه راجعون . وكان أبو عبدالله البَرِيدي قد استولى على الأهواز والبَصْرة، ووزر للمثَّقي كما ذكرنا. وكان قد قتل أخاه لكونِه يذكر عيوبَهُ، فلم يُمَثَع بعده، وأخذته الحُمَّى أُسبوعًا، فهلكَ في اليوم الثَّامن من شوال. وقام أخوه أبو الحُسين البَرِيدي مقامه. وكان يانس مقدم جيوشه يبغض أبا الحُسين. ثم إنَّ أبا الحُسين أساء العشرة على التُّرْك والدَّيْلم، وحَطّ من أقدارهم، فشَكَوْه إلى يانس، فقال ٦٣١ لأبي القاسم ولد أبي عبدالله: إن كانَ عندك مال عقدتُ لك الرِّئاسة على عَمِّك. فقال: هذه ثلاث مئة ألف دينار. فأخذَها يانس، فأصلحَ بها قلوب الجُنْد، وعقد لأبي القاسم. فهربَ أبو الحُسين ليلاً ماشيًا متنكرًا إلى هَجَر، فاستجار بالقَرَامطة، فأجاروه، وبعثوا معه جَيْشًا إلى البَصْرة فنازلوها حتى ضجروا. ثم أصْلَحوا بينه وبين ابن أخيه، ثم مَضَى إلى بغداد. ثم إنَّ يانس طمع في المُلك، فَوَاطأ الدَّيْلَم على قَتْل أبي القاسم. وعلم أبو القاسم فاحتال حتى قبضَ على یانس، وأخذَ منه مئة ألف دينار وقتله، واستقام له الدَّسْت. وفيها غزا سيف الدَّولة بلاد الروم، ورَدَّ سالمًا بعد أن بدَّع في العدو. وسبب هذه الغزاة أنه بلغَ الدُّمُسْتُق ما فيه سيف الدّولة من الشُّغْل بحرب أضداده، فسارَ في جيشٍ عظيم، وأوقعَ بَغْرَاس ومَرْعَش، وقتل وأسرَ. فأسرعَ سيفُ الدَّولة إلى مضيق وشِعاب، فأوقع بجيش الدُّمُسْتُقُ وبَيَّتهم، واستنقذ الأُسارى والغَنِيمة، وانهزمَ الزُّوم أقبح هزيمة . ثم بلغ سيف الدولة أن مدينةً للروم قد تهدَّم بعض سورها، وذلك في الشِّتاء، فاغتنم سيف الدَّولة الفرصة، وبادرَ فأناخَ عليهم، وقَتَل وسَبَى، لكنْ ◌ُصیب بعض جَیْشه . سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة في المُحَزَّم تُوفي تُوزون الثُّرکی بھیت، و کان معه کاتبه أبو جعفر بن شیرزاد، فطمعَ في المملكة وحَلَّف العساكر لنفسه، وجاءَ فنزلَ بباب حرب، فخرجَ إليه الدَّيْلم وباقي الجُنْد، وبعثَ إليه المُسْتكفي بالإقامات وبِخلع بيضٍ. ولم يكن معه مال، وضاقَ ما بيده، فشرَع في مصادرات الثُّجَّار والكُتَابِ وَسَلَّطَ الجند على العامة وتَفَرَّغَ لأَذْية الخلق، فهرب أعيان بغداد، وانقطع الجَلْب عنها فخربت. وفيها تزوَّج سيف الدَّولة بن حَمْدِان ببنت أخي الإخشيد، واصطلحَ مع الإخشيد على أن يكون لسيف الدّولة حَلَب، وأنطاكية، وحِمْص. وفيها لقَّبَ المستكفي نفسَه ((إمامَ الحق))، وضرب ذلك على السِّكَّة. وفيها قصد مُعِزِ الدَّولة أحمد بن بُوَيْه بغداد، فلما نزل باجِسْرى استترَ المُستكفي وابن شيرزاد، وتَسَلَّل الأتراك إلى المَوْصل، وبقي الدَّيْلم ببغداد، وظهر الخليفة، فنزل معزُّ الدولة بباب الشَّماسية، وبعثَ إليه الخليفة الإقامات ٦٣٢ والتُّحف. فبعثَ مُعِز الدولة يسأله في ابن شيرزاد، وأن يأذن له في استكتابه. ودخل في جُمَادى الأولى دار الخلافة، فوقف بين يدي الخليفة، وأُخِذَتْ عليه البَيْعة بمحضر الأعيان. ثم خلعَ الخليفة عليه، ولقبه ((مُعِزِ الدَّولة))، ولقَّبَ أخاه عليًّا ((عِمَاد الدَّولة)) وأخاهما الحسن ((رُكْن الدَّولة)). وضُرِبت ألقابهم على السِّكَّة. ثم ظهرَ ابن شيرزاد واجتمعَ بِمُعز الدَّولة، وقرّر معه أشياء منها: كل يوم برسم النَّفَقة للخليفة خمسة آلاف درهم فقط . وهو أول من ملك العراق من الدَّيْلم، وهو أول من أظهر السُّعاة ببغداد ليجعلهم فُيُوجًا بينه وبين أخيه رُكْن الدولة إلى الرَّي. وكان له ركائبيَّان: فَضْل، ومرعوش، فكان كلُّ واحدٍ يمشي في اليوم ستة وثلاثين فرسخًا، فَغَرِيَ بذلك(١) شبابُ بغداد وانهمكوا فيهِ. وكان يُحضِرِ المُصارعين بين يديه في المَيْدان ويأذن للعوام، فمن غلب خَلَعَ عليه وأجازه. وشرعَ في تعليم السِّباحة، حتى صار السَّبَّاح یسبح وعلى يده کانون فوقه قِدْرهُ، فیسبح حتى ينضج اللَّخْم. وفيها وَلِيَ قضاء الجانب الشرقي أبو السائب عُتْبة بن عُبيد الله. وفيها خُلِعِ المُسْتكفي وسُمِل؛ وسبب ذلك أنَّ عَلَمَ القَهْرمانة كانت واصلةً عند الخليفة وتأمر وتنهى، فعملت دعوةً عظيمة حضرها خَرَشِيذ الذَّيْلَمي مُقَدَّم الذَّيْلَم، وجماعة من القُوَّاد. فاتَّهمها مُعِزُّ الدَّولة، وخاف أن تفعل كما فعلت مع توزون وتُحلّف الدَّيلم للمستكفي، فتزول رئاسة مُعِزِ الدَّولة. وكان إصْفَهْد الدَّيلميُّ قد شفع إلى الخليفة في رجل شيعي يثيرُ الفِتَن، فلم يقبل الخليفة شفاعته، فحقد على الخليفة وقال لِمُعز الدَّولة: إنَّ الخليفة يراسلني في أمرك لألقاه في اللَّيل. فقوي سوء ظن مُعِز الدولة. فلما كان في جُمادى الآخرة دخل على الخليفة، فوقفَ والنَّاس وُقُوف على مراتبهم، فتقدَّم اثنان من الدَّيْلَم فطلبا من الخليفة الرِّزْقَ، فمدَّ يده إليهما ظنًا منه أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه من السَّرير وطرحاه إلى الأرض، وجَراه بعمامته. وهجم الذَّيْلَم دارَ الخِلافة إلى الحُرَم، ونهبوا وقبضوا على القَهْرمانة وخواص الخليفة. ومضى مُعِز الدَّولة إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشيًا إليه، ولم يبق في دار الخِلافة شيء. وخُلِع المستكفي، وسُمِلت يومئذٍ عيناه. وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر ويومين، وتوفي بعد ذلك في سنة ثمانٍ وثلاثين وعمره ست (١) أي: أولع بذلك. ٦٣٣ وأربعون سنة . ثم إنهم أحضروا أبا القاسم الفَضْل ابن المُقتدر جعفر وبايعوه بالخلافة، ولَقَّبوه المطيع لله، وسِنُه يومئذٍ في أربع وثلاثين سنةٍ. ثم قدَّموا ابن عَمِّه المستكفي، فسلّم عليه بالخلافة، وأشهدَ عَلى نفسه بالخَلْع قبل أن يُسْمَل. ثم صادر المُطيع خواصَّ المُستكفي، وأخذَ منهم أموالاً كثيرة، ووصَلَ العبَّاسيين والعلويين في يوم، مع إضاقته، بنيٍِّ وثلاثين ألف دينار. وقرّر له مُعِزِ الدولةِ كلَّ يوم مئة دينار ليس إلا نفقةً. وعظُم الغلاء ببغداد في شعبان، وأكلوا الجيفَ والرَّوْث، وماتوا على الطُّرُق، وأكلت الكلاب لحومهم، وبيعَ العقار بالرُّغْفَان، ووجدت الصِّغارِ مشوية مع المساكين، وهربَ النَّاسُ إلى البَصْرة وواسط، فمات خَلْق في الطُّرُقات. وذكر ابن الجَوْزِي(١) أنه اشْتُري لِمُعزِّ الدَّولة كُرُّ دقيق بعشرة آلاف درهم. قلتُ: الكُرُّ سبعة عشر قِنْطارًا بالدِّمشقي؛ لأن الكُرَّ أربعٌ وثلاثون كارة. والكارة خمسون رِطْلاً بالدِّمشقي. ووقعَ ما بين مُعزِّ الدَّولة وبين ناصر الدولة بن حَمْدان، فجمع ناصرُ الدَّولة وجاء فنزل سامَرَّاء، فخرجَ إليه مُعِزِ الدولة ومعه المُطيع في شعبان، وابتدأت الحَرْب بينهم بعُكْبَرا . وكان مُعِزِ الدَّولة قد تغير على ابن شيرزاد واستخانه في الأموال، فأحفظه ذلك، ووقع القتال، فاندفع مُعِز الدولة والمطيع بين يديه، فجاء ناصر الدَّولة فنزل بغداد من الجانب الشَّرْقي فملكها، وجاء مُعِزِ الدولة ومعه المطيع كالأسير، فنزل في الجانب الغربي، وبقي في شدة غلاء حتى اشتُرِيَ له كر حنطة بعشرة آلاف درهم أو بأكثر. وعزم على المسير إلى الأهواز، فقال: رَوِّزوا لنا الشَّطَّ، فإنْ قَدِرْنا على العبور كان أهْوَن علينا. فلمَّا عبرت الدَّيالمة اضطرب عسكر ناصر الدَّولة وانهزموا، وهرب ناصر الدولة فعبر مُعِزِ الدَّولة إلى الجانب الشَّرقي، وأحرق الدَّيْلَم سوق يحيى، ووضعوا السَّيف في النَّاس وسَبَوا الحريم، وهربَ النِّساء إلى عُكْبَرا، ومات منهن جماعة من العطش. ولم يحج أحدٌ من أهل العراق. وفيها تُوفي القاضي أبو الحسن أحمد بن عبدالله بن إسحاق الخِرَقي (١) المنتظم ٣٤٥/٦. ٦٣٤ قاضي قضاة المُتَّقي لله بالشام، وأبو القاسم عُمر بن الحُسين الخِرَقي الحنبلي مصنَّفَ ((المختصر)) بدمشق، وتوزون الذي غلب على العِرَاق وسَمَلَ المُتَّقي لله، وصاحب مصرَ والشَّامِ الإخشيد محمد بنِ طُغْج الفَرْغاني أبو بكر. ويقال: إنَّ جَده جُف ابن ملك فَرْغَانة، وكلُّ من مَلَك فَرْغَانة سُمي الإخشيد، أي ملك الملوك وهي من كبار مُدن التُّرْك، كما أن الإصبَهْبَذْ لَقَب ملّك طَبَرِسْتان، وصول مَلَك جُرْجان، وخاقان ملك التُّرْك، والأفْشين ملك أشروسنة، وسَامان ملك سَمَرْقَنْد. وكان مولد محمد الإخشيد ببغداد، وكان شجاعًا مَهيبًا فارسًا، ولي دمشق، ثمَّ وَلِيَ مصرَ من قِبَل القاهر سنة إحدى وعشرين. وَبدمشق تُوفي في آخر السنة بحُمَّى حادة وله ستون سنة، ودُفِنَ في القُدس، وكان له ثمانية آلاف مملوك. وقيل: إن عِدَّة جيشه بلغت أربع مئة ألف رجل. وقام بعده ابنه أبو القاسم أنوجور مع غَلَبَة كافور على الأمور. وفيها مات القائم أبو القاسم محمد بن عُبيد الله صاحب المغرب. وكان مولده بسَلَمية سنة ثمانٍ وسبعين. ودخلَ مع أبيه المغرب في زيِّ الثُّجَّار فَآلَ بهم الأمر إلى ما آل. وبويع هذا سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة عند موت أبيه. وقد خرج عليه سنة اثنتين وثلاثين مَخْلَد بن كَيْداد، وكانت بينهما وقائع مشهورة، وحصَره مَخْلَد بالمَهْدَية وضَيَّق عليه واستولى على بلاده، فعرضَ للقائم وسواس فاختلطَ عقله، وماتَ في تلك الحال في شؤَّال، وله خمسٌ وخمسون سنة، وسُتِرت وفاته سنة ونصفًا. وقامَ بعده وليُّ عهده المنصور بالله أبو الطّاهر إسماعيل ولده. وكان القائم شرًّا من أبيه المهدي، زنديقًا ملعونًا؛ ذكر القاضي عبدالجبار أنه أظهرَ سبَّ الأنبياء عليهم السَّلام، وكان مناديه ينادي: العنوا الغار وما حَوَى، وقتلَ خَلْقًا من العُلماء. وكان يراسل أبا طاهرِ القِرْمِطي إلى البَحْرين وهَجَر، ويأمره بإحراق المَسَاجد والمصاحف. ولمَّا كَثُر فجوره اجتمع أهل الجبال على رجل من الإباضية يقال له مَخْلَد بن كَيْداد، وكان شيخًا لا يقدر على رُكُوب الخَيْل، فركب حِمَارًا. وكان وزيره أعمى، فاجتمع معه خلائق، فسار فحصرَ القائم بالمَهْدیة . وكان مَخْلَد أعرج يُكْنَى أبا يزيد، وهو من زَنَاتة، قبيلة كبيرة من البَرْبَر، وكان يتنسَّك ويقصر دِلقه الصُّوف، ويركب حِمَارًا، ولا يثبت على الخيل. وكان نافذ الأمر في البربر، زاهدًا، دَيِّنًا، خارجيًّا. قام على بني عُبَيد، والنَّاس ٦٣٥ على فاقةٍ وحاجةٍ لذلك. فقاموا معه وأتَوه أفواجًا، ففتحَ البلاد، ودخل القَيْرِوان. وتَحَيَّزَ منه المنصور وتَحَصَّن بالمهدية التي بناها جده. ونَفَر مع مَخْلَد الخَلْقِ والعلماء والصُّلحاء، منهم الإمام أبو الفضل المَمْسي(١) العباس ابن عيسى الفقيه، وأبو سُليمان ربيع القَطَّان، وأبو العَرَب، وإبراهيم بن محمد. قال القاضي عياض في ترجمة العَبَّاس بن عيسى هذا (٢): وركب أبو العرب وتَقَلَّد مُصْحفًا، وركب الفُقَهاء في السِّلاح، وشَقُوا القَيْروان وِهم يُعْلنون بالتكبير والصَّلاة على النبي ◌ِّر والتَّرضي على الصَّحابة، وركَّزوا بُنُودهم عند باب الجامع. وهي سبعة بُنُود حُمْر فيها: لا إله إلا الله، ولا حُكْم إلا لله وهو خير الحاكمين؛ وبَنْدان أصفران لربيع القَطَّان فيهما: نصرٌ من الله وفتح قريب؛ وبَنْد مَخْلَد فيه: اللهمَّ انصر وليَّك على من سب نَبيك؛ وبَنْد أبي العَرَب فيه: ﴿قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة ٢٩]، وبَنْد أصفر لابن نَصْرون الزَّاهد فيه: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]؛ وبَنْد أبيض فيه: محمد رسول الله، أبو بكر الصِّديق، عمر الفاروق، وبَنْد أبيض لإبراهيم بن محمد المعروف بالعَشاء فيه ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة ٤٠]. وحضرت الجُمُعة فخَطَبَهُم أحمد بن أبي الوليد، وحَضَّ على الجهاد. ثم ساروا ونازلوا المَهْدية. فلما التقوا وأيقن مَخْلَد بالنَّصر غلب عليه ما عنده من الخارجية، فقال لأصحابه: انكشفوا عن أهل القَيْروان حتى ينال منهم عدوهم. ففعلوا ذلك، فاستُشْهِدَ خمسةٌ وثمانون رجلاً من العلماء والزُّهَّاد، منهم ربيع القَطَّان، والمَمْسي، والعشاء. والإباضية فرقةٌ من الخوارج، رأسهم عبدالله بن يحيى بن إباض، خرج في أيام مَرْوان الحِمار. وانتشر مذهبه بالمَغْرب، ومذهبه أن أفعالنا مَخْلوقة لنا، ويكفِّر بالكبائر، وأنه ليس في القُرآن خصوص. ومن خالفه كَفَرَ وحَل له دمه وماله. وفيها توفي الزَّاهد أبو بكر الشِّبلي بالعراق. وفي آخرها توفي الوزير علي بن عيسى. (١) منسوب إلى ((مَمْس)) قرية بالمغرب. (٢) ترتيب المدارك ٣٢٠/٣ - ٣٢١. ٦٣٦ سنة خمس وثلاثين وثلاث مئة ولمّا انهزمَ ناصر الدَّولة بن حَمْدان إلى المَوْصل جدَّد مُعِزِ الدَّولة أحمد بن بُوَيْه الأيمان بينه وبين المُطيع، وأزالَ عنه التَّوكيل، وأعادَه إلى دار الخِلافة. وصُرِف القاضي محمد بن الحسن بن أبي الشوارب عن القضاء بالجانب الغربي، وقُلَّد قضاء الجانبين أبو الحسن محمد بن صالح، ويُعرف بابن أمِّ شيبان. ولمَّا مات الإخشيد بدمشق، سار سيف الدَّولة من حلب فملك دمشق، واستأمن إليه يانس المؤنسي. ثم سار سيف الدَّولة فنزل الرَّمْلة. وجاء من مصر أنوجور بن الإخشيد بالجيوش، والقائم على أمره كافور الخادم. فَرَدَّ سيف الدَّولة إلى دمشق، وسار وراءه المصريُّون، فانهزم إلى حَلَب، فساروا خلفه، فانهزمَ إلى الرَّقَّة. ثم تصالحوا على أن يعود سيف الدَّولة إلى ما كان بيده. قال المُسَبِّحي: وكان بين سَيْف الدَّولة وبين أبي المظفَّر حسن بن طُغْج، وهو أخو الإخشيد، وقعة عظيمة باللجُون، فانكسر ابن حَمْدان ووصل إلى دمشق بعد شدةٍ وتشتُّت، وكانت أمُّه بدمشق. فنزل المرج خائفًا، وأخرج حواصلَهُ، وسار نحو حِمْص على طريق قارا. وسار أخو الإخشيد وكافور الإخشيدي إلى دمشق. ثم سار إلى حَلَب في آخر السنة واستقرَّ أمرُهم. وفيها اصطلح مُعِزِ الدَّولة وناصر الدَّولة على أن يكون لناصر الدَّولة من تَكْريت إلى الشَّام. وكان ناصر الدَّولة قد عاد فنزل عُكْبَرا. فلما علم التُّرك الذين مع ناصر الدَّولة بالمُصالحة جاؤوا إليه ليقتلوه، فانهزم إلى المَوْصل، فقدَّموا عليهم تكين الشِّيرازي. وكانوا خمسة آلاف. وساقوا وراء ناصر الدَّولة. وكان أبو جعفر بن شيرزاد قد هربَ من مُعِزِّ الدَّولة إلى ناصر الدَّولة، فلمَّا قَرُب من المَوْصلِ سَمَلَه وحَبَسه. وبعث ناصر الدَّولة إلى أخيه سيف الدَّولة يستنجده، وتقهقر إلى سِنْجار ونزل الحَدِيْثَةَ والتُّرْك وراءه. ثم إنَّ مُعِز الدولة جهّز له نجدةً، وجاءه عسكر حَلَب، فالتقوا على الحَدِيْثة، فانهزم التُّرْك وقُتِلوا وأُسروا، ورجع ناصر الدَّولة إلى المَوْصل. وفيها استولى رُكن الدَّولة بن بُوَيْه على الرَّي والجبال. ولم یحج أحد. وفيها في غيبة ابن الإخشيد عن مصر، وثبَ عليها غَلْبون متولِي الرِّيف ٦٣٧ في جُمُوعٍ، ووقع الثَّهْب في مِصْرَ، فلم يستقر أمره حتى لَطَف الله، وقَدِمَ الجيش فهرب فاتبعه طائفة فقتِل. وفيها (١) توفي أبو الحَسَن علي بن عيسى بن داود بن الجراح الوزير، وكان من جلة وزراء زمانه عقلاً ورأيًا ودينًا وخيرًا وعدلاً وعبارةً. وقد تقدمت بعض أخباره. وقد أحببت أن أروي هنا من حديثه لعلوه فإنه كان ثقة مسندًا؛ قرأت على أحمد بن إسحاق المقرىء (٢): أخبرك الفتح بن عبدالله الكاتب، قال: أخبرنا هبة الله بن أبي شريك الحاسب، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن النَّقور، قال: أخبرنا عيسى بن علي بن عيسى بن داود إملاءً، قال: حدثني أبي أبو الحسن، قال: حدثنا أحمد بن بديل الكوفي سنة أربع وخمسين ومئتين، قال : حدثنا محمد ابن فضل، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله وَل: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا))(٣). وفيها استُوزِرَ بمصر لولد الإخشيد أبو القاسم جعفر بن الفضل بن الفُرات. وفيها أُقيمت الدَّعوة بطَرَسُوس لسيف الدَّولة، فنفَّذَ لهم الخِلَع والذَّهَب، ونَفَّذَ ثمانين ألف دينار للفِداء. سنة ست وثلاثين وثلاث مئة فيها خرج المُطيع ومُعِزِ الدَّولة من بغداد إلى البَصْرة لمحاربة أبي القاسم عبدالله ابن البَرِيدي، فسلكوا البَرِّيَّة، فلما قاربوها استأمن إلى مُعِزِ الدَّولة جيشُ البَرِيدي، وهربَ هو إلى القَرَامطة، وملك مُعِزُّ الدَّولة البصرةَ، وأقطعَ المطيع منها ضياعًا . وفيها وصل عماد الدَّولة علي بن بُوَيْه إلى الأهواز، فبادَرُه أخوه مُعِز الدَّولة إلى خدمته، وجاء فقبَّل الأرضَ ووقفَ وتأذَب معه. ثم بعد أيام وَدَّعه، (١) هذه الفقرة كلها من أ وليست في د، وكأنها كانت مُلحقة في حاشية النسخة، وستأتي ترجمة علي بن عيسى بن داود في وفيات سنة ٣٣٤ من هذه الطبقة. على أن ابن الجوزي قد ذكره في وفيات هذه السنة من المنتظم ٦/ ٣٥١. (٢) هو الأبرقوهي شيخ الذهبي (معجم الشيوخ ١/ ٣٧). (٣) حديث صحيح كما قال الترمذي بعد أن أخرجه في جامعه (١٩٢٠)، وينظر تمام تخريجه والكلام على تصحيحه في تعليقنا عليه . ٦٣٨ وعاد مُعِزِ الدَّولة وقد أخذَ واسطًا والبَصْرة. وفيها وردت الأخبار بأن نُوحًا صاحب خُراسان كَخَل أخَوَيْه وعَمِّه إبراهيم. وفيها ظَفَرَ المنصور صاحب المَغْرِب بمَخْلَد بن كَيْداد، وقتل قُوَّاده، ومَزَّق جيشَهُ. وفيها تُوفي أبو بكر محمد بن يحيى الصُّولي النَّديم الأخباري العَلامة صاحب الهندسة والبَرَاعة في الشَّطرَنْج. وقع لنا جزءٌ من حديثه بعُلُّو. وفيها أغارت الرُّوم - لعنهم الله - على أطراف الشَّام، فَسَبَوا وأسروا، فسَاقَ وراءهم سيفُ الدَّولة ولحِقَهم، فقتلَ منهم مقتلةً، واستردَّ ما أخذوا، ثم أخذ حِصْن بَرْزَيَة من الأكراد بعد أن نازلَهُ مدةً، ثم افتتحه في سنة سَبْعِ . سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة فيها كان الغَرَق ببغداد؛ زادت دجلة إحدى وعشرين ذِرَاعًا وهربَ النَّاس، ووقعت الدُّور، وماتَ تحت الهَدْمِ خَلْقٌ . وفيها دخل بغدادَ أبو القاسم ابن البَرِيدي بأمانٍ من مُعِزِّ الدَّولة، وأقطعه قُرى . وفيها اختلف مُعِزُّ الدَّولة وناصر الدَّولة، وسارَ مُعِزُّ الدَّولة إلى المَوْصل، فتأخّر ناصرُ الدَّولة إلى نَصِيبين خائفًا. ثمَّ صالحه كُل سنة على ثمانية آلاف ألف درهم. وفيها خرجت الرُّوم، فالتقاهُم سيفُ الدَّولة على مَرْعَش، فهزموه وملكوا مَرْعَش . ولم یحجَّ أحدٌ. وفيها ولي إمرة دمشق أبو المظفَّر الحسن بن طُغْج نيابةً لأخيه الإخشيد. وقد وليها مدةً في أيام القاهر . سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة فيها تَقَلَّد أبو السَّائب عُتْبة بن عُبيد الله الهَمَذَاني قضاء القُضاة ببغداد. وفيها وَصَلت تَقَادُم أنوجور بن الإخشيد من مِصْرَ، ويسأل مُعِزَّ الدَّولة أن يكون أخوه علي مُشاركًا له في الأمرِ، ويكون من بعدِهِ، فأجابَهُ. وفيها تَحَرَّكت القَرَامطة . ولم يحج أحدٌ من العراق. ٦٣٩ وعَمَّر المنصور إسماعيل صاحب المغرب مدينة المنصورية. وتُوفي المستكفي بالله عبدالله ابن المكتفي علي معتقَلاً في دار مُعِزِ الدَّولة بنَفَث الدَّم، وله ستٍّ وأربعون سنة. وفيها تُوفي السُّلطان عماد الدَّولة أبو الحسن علي بن بُوَيْه بن فناخسرو الدَّيْلَمي. وقد ذكرنا مبدأهم في سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة، وكان قد ملك بلاد فارس. وكان عاقلاً شُجاعًا مَهيبًا، اعتلَّ بقُرْحةٍ في الكُلَى أنهكت جسمَه، وتُوفي بشيراز وله تسعٌ وخمسون سنة. وأقام المطيع لله مقامَه أخاه أبا علي رْنَ الدَّولة والد السُّلطان عضُد الدولة. وكان مُعِزِ الدَّولة يُحِبُّ أخاه عمادَ الدَّولة ويحترمه ويكاتبه بالعبودية. وفيها ولي إمرة دمشق شُعْلة بنٍ بَدْر الإخشيدي من قِبل ولد الإخشيد، وكان أحد الأبطال الموصوفين، وفيه ظُلْم. سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة فيها استولى قراتكِين على الرَّي والجِبَال، ودفع عنها عَسْكر رُكْن الدَّولة. وفيها غَزَا سيفُ الدَّولة بن حَمْدان بلاد الرُّوم في ثلاين ألفًا، ففتح حصونًا وَقَتل وسَبَى وَغَنِم، فأخَذ عليه الرُّوم الذَّرْب عند خروجه، فاستولوا على عَسْكره قتلاً وأسرًا، واستردُّوا جميعَ ما أخذ، وأخذوا جميعَ خَزَائنه، وهربَ في عددٍ، يسير . وفيها رُدَّ الحَجَرِ الأسود إلى موضعه؛ بعثَ به القِرْمِطي مع محمد بن سَنْبر إلى المُطيع. وكان بَجْكم قد دَفع فيه قبل هذا خمسين ألف دينار وما أجابوا، وقالوا: أخذناه بأمرٍ وما نَؤُّده إلا بأمر. فلمَّا رُّوه في هذه السَّنة قالوا: رددناه بأمر من أخذناه بأمره. وكذبوا، فإنَّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُوَأَ وَجَدْنَا عَلَيْهَآ ءَابَآَمَّنَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَا﴾ [الأعراف ٢٨]، فَكَذَّبهم الله بقوله: ﴿قُلّ إِنَّ اللّهَ لَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف ٢٨] وأنْ عَنَوْا بالأمر القَدَر، فليسَ ذلك حُجَّةً لهم، فإنَّ الله تعالى قدَّر عليهم الضَّلال والمُرُوقَ من الدِّين، وقَدَّر عليهم أنه يُدْخِلُهم النَّارَ، فلا ينفعهم قولُهم: أخذناه بأمر. وقد أعطاهم المطيع مالاً، وبقي الحَجَر عندهم اثنتين وعشرين سنة. وفِيها-قاله المُسَبِّحيُّ - وافى سَنْبَر بن الحسن إلى مَكَّة ومعه الحجر الأسود، وأمير مكَّة معه، فلما صار بفَنَاء البيت أظهر الحَجَر من سَفط وعليه ضَبَّات فِضة ٦٤٠