Indexed OCR Text
Pages 1-20
تاريخ الإسلام وَوَفِيَاتْ المشاهير والأعلام لِؤَخُ الإِسْلَام ◌َتَّخِالذّيْنِ أَبِ عَبِّدِاللّه مَنْ أَخْشَدُبْعُثَازُالذَّهَبِّ المتوفى ٧٤٨هـ - ١٣٧٤هـ المجَلد السَابع ٣٠١-٣٥٠ هـ حَقّقِه، وَضَطَ نَصَّهِ، وَعَلَّعَلَه الدكتوربشار عواد معروف داغ دار الغرب الإسلامي 1424 هـ -2003 م دار الغرب الإسلامي الطبعة الأولى دار الغرب الإسلامي ص . ب. 5787-113 بيروت جميع الحقوق محفوظة . لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق إستعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية ، أو أشرطة ممغنطة ، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفوتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر. : تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير والأعلام يُؤَخِ الإِسْلام ◌َّخِ الّيْن ◌ِ عَبْدِالله ◌َخْتَ بْ عُثَارُالذَّهَىّ المتوفى ٥٧٤٨ - ١٣٧٤هـ المَجَلّدِ السَابع ٣٠١ - ٣٥٠ هـ الطبقة الحادية والثلاثون ٣٠١ - ٣١٠ هـ بِسْمِ اللَّهِ الرََّمَنِ آَ (الحوادث) سنة إحدى وثلاث مئة في أولها قبض المُقتدر على وزيره أبي علي الخاقاني، وعلى ابنيه، وأبي الهيثم بن ثَوَابَة . وكان قد مضى بليق المُؤنسي في ثلاث مئة راكبٍ إلى مكة لإحضارِ علي ابن عيسى للوزارة، فقَدِمَ في عاشر المُحرَّم، فَقُلِّدَ وسُلّمَ إليه الخاقاني ومن معه فصادَرهم مصادرةً قريبة، ورفقَ بهم، وعَدَل في الرَّعيَّة، وعفَّ عن المال، وأحسنَ السياسة، واتَّقَى الله، وأبطلَ الخُمورَ، قاله ثابتُ بنُ سِنان، فقال: وحدَّثني بعد عزله من الوزارة، قال: قال لي ابنُ الفُرات بعد صَرْفي وتوليته: أبطلتَ الرُّسومَ، وهدمتَ الارتفاعَ. فقلتُ: أيُّ رسم أبطَلْتُ؟ قال: المَكْس بمكة. فقلتُ: أهذا وحده أبطَلْتُ؟ قد أبطلتُ ما ارتفاعه في العام خمس مئة ألف دينار، ولم أستكثر هذا القَدْر في جَنْب ما حَطَطْتُهُ عن أمير المؤمنين من الأوْزار. ولكن انظر مع ما خططتُ إلى ارتفاعي وارتفاعك. فَفَرَّق الخادم بيننا قبل أن يُجيب. وفي صَفَر سألَ عليّ بن عيسى أمير المؤمنين أن يقلِّدَ القضاء أبا عُمر محمد بن يوسف وعَرَّفه فضلَهُ ومحله، فقلده قضاء الجانبين. وبقي على قضاء مدينة المنصور أبو جعفر أحمد بن إسحاق بن البُهْلُول. وفيها ركب المُقتدر من داره إلى الشَّمَّاسية، وهي أول رَكْبة ظهرَ فيها للعامة . وفيها أُدْخِلَ حُسين بن منصور الحَلَّج مشهورًا على جَمَلٍ إلى بغداد، وكان قد قُبض عليه بالسُّوس وحُمِلَ إلى علي بن أحمد الرَّاسبي، فأقدمه إلى الحضرةِ، فصُلِبَ حيًّا، ونُودي عليه: هذا أحد دُعاة القَرَامطة فاعرفوه، ثم حُبِس في دار السُّلطان. وظهر عنه بالأهواز وببغداد أنَّه ادعى الإلهية، وأنَّه ٧ يقول بخُلولِ اللاهوت في الأشراف، وأنَّ مكاتباته تُنْبِىء بذلك. وقيل: إنَّ الوزير علي بن عيسى أحضره وناظَرَه، فلم يجد عنده شيئًا من القرآن ولا الحديث ولا الفقه، فقال له: تَعَلُّمكَ الوضوء والفرائض أوْلى بك من رسائل لا تدري ما فيها - وكان قد وجدوا في منزله رقاعًا فيها رموز - ثم تَذَّعي، ويْلَكَ، الإلهية، وتكتب إلى تلاميذك: ((من النور الشَّعْشعاني))! ما أحْوَجك إلى الأدب. وحُبس، فاستمال بعضَ أهلِ الدار بإظهار السُّنَّة، فصاروا يتبرّكون به، ويسألونه الدعاءَ. وستأتي أخباره فيما بعد. وفيها قُلِّد أبو العباس ابن المقتدر أعمالَ مصر والمغرب، وله أربعُ سِنين، واستُخْلِفَ له مؤنس الخادم. وقُلَّدَ علي ابن المقتدر الرَّيَّ ونواحيها، واستُخْلِفَ له عليها . ونُقِّذَ محمد بن ثَوَابة الكاتب إلى الكوفة وسُلُّمَ إلى إسحاق بن عِمْران، فاعتقله حتى ماتَ. وفيها ورد الخبرُ أن غلمان أحمد بن إسماعيل قتلوه على نهر بَلْخ، وقام ابنه نصر بن أحمد، فبعث إليه المقتدر عهده بولاية خُراسان. وفيها قُتِلَ أبو سعيد الجَنَّابيُّ(١) القِرْمطيُّ المتغلّبُ على هَجَرٍ؛ قتله غلامه الخادم الصَّقْلَبِي، لكونه أرادَهُ على الفاحشة في الحَمَّام؛ قتله ثم خرجَ فدعا رجلاً من رؤساء أصحابه، وقال: السَّيِّد يستدعيك، فلما دخل قتله. قال: وما زال يفعل ذلك بواحدٍ واحدٍ حتى قتل أربعة من الأعيان، ثم دعا بالخامس، فلما رأى القَتْلَى صاح، فصاحَ النِّساءُ، واجتمعوا على الخادم فقتلوه. وكان أبو سعيد الجَنَّابي قد هزمَ جيوشَ المُعْتضد، ثم وادعه المعتضدُ القتالَ فكفَّ عنه، وبقي بهَجَر من ناحية البَرِّيّة إلى هذا الوقت . قال ثابت: وكان علي بن عيسى أشارَ بمكاتبة أبي سعيد الحسن بن بهرام الجَنَّبي والإعذار إليه وحَضِّه على الطَّاعة، ووَبَّخَهُ على ما يُحكى عنه وعن أصحابه من تَرْك الصَّلاة والزَّكاة واستباحة المُحَرَّمات، ثم توعَّدَه وتهدَّدَهُ. فبلغ الرُّسُلَ وهم بالبصرة مقتلُهُ، فكتبوا إلى الوزير، فَرَدَّ عليهم: أنْ سِيروا إلى من قامَ بعده. فساروا وأوصلوا الكتابَ إلى أولاده، فكتبوا جوابه، فكان: للوزير (١) قيده المصنف في المشتبه ١٧٨، وهو منسوب إلى ((جَنابة)) بُليدة بالبحرين. ٨ أبي الحسن من إخوته، سلامٌ على الوزير، فإنا نَحْمد إليه الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله أن يصلي على سيدنا محمد، وفيه: فأما ما ذُكِر عنا من انفرادنا عن الجماعة، فنحن، أيَّدَكَ اللهُ، لم نَنْفرد عن الطَّاعة والجماعة، بل أُفرِدْنا عنها، وأُخْرِجْنا من ديارنا، واستحلُّوا دماءَنا، ونحنُ نشرح للوزير حالنا: كان قديمُ أمرنا أنا كنا مستورين مُقْبلين على تجارتنا ومعايشنا، نُنَزِّه أنفُسَنا عن المعاصي، ونحافظ على الفَرَائض، فَنَقَمَ علينا سُفهاء النَّاس وفُجارهم ممن لا يُعْرَف بدين، وأكثروا التَّشنيعَ علينا حتى اجتمع جميعُ الناس علينا، وتظاهروا وشهدوا علينا بالزُّور، وأنَّ نِساءَنا بيننا بالسَّوِية، وأنا لا نحرِّم حرامًا، ولا نُحِلُّ حلالاً، فخرجنا هاربين، ومن بقيَ منا جعلوا في رقابهم الحِبَال والسَّلاسل. إلى أن قال: فأجْلَونا إلى جزيرة، فأرسلنا إليهم نطلبُ أموالنا وحُرَمنا، فمنعوناها، وعَزَموا على حربنا، فحاكمناهم إلى الله، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ [الحج ٦٠] فَنَصَرَنا اللهُ عليهم. وأما ما اذُّعِي علينا من الكُفْرِ وتركِ الصَّلاة فنحنُ تائبون مؤمنونُ بالله. فكتبَ الوزير يَعِدُهم الإحسانَ. وفيها سار المهدي صاحب إفريقية يريدُ مصرَ في أربعين ألفًا من البَرْبَر في البَرِّ والبَحْر، ونزل لِبْدَة، وهي من الإسكندرية على أربعة مراحل. وكان بمصر تَكين الخَاصة ففجَّر النِّيلَ، فحالَ الماءُ بينهم وبين مصرَ . قال المُسَبِّحيُّ: فيها كانت وقعة بَرْقَة، وكان عليها المنصور، فسلَّمها وانهزم إلى الإسكندرية. وفيها سار أبو داود حَبَاسَة بن يوسف الكُتَامي البَرْبَري في جيشٍ عظيم قاصدًا إلى مصر مقدمةً بين يدي القائم محمد، فوصل إلى الجِيزة، وهَمَّ بالدُّخولِ إلى مصرَ فغلطَ المَخَاضة ونُذِر به، فخرجَ إليه عسكرٌ، فحالوا بينه وبين الدُّخول إلى مصر، وأعانهم زيادة النِّيل، فَرَدَّ إلى الإسكندرية، فقَتَلَ وأفسدَ. ثم سار جيش المقتدر إلى بَرْقَة، وجَرَت لحبَاسة ولهم حروب. وقلَّد المقتدرُ مصرَ أبا علي الحُسين بنِ أحمد، وأبا بكر محمد بن علي المادَرَائيين، وأضافَ إليهما جُنْدَ دمشق وفِلَسطين، فسارا إلى مصر، فكان بينهما وبين الفاطمي وَقعات. ثم رجع إلى بَرْقَة، وأقامَ المادرائي بمصر. ٩ وملكَ الفاطميُّ الإسكندرية والفيوم، ثم ترك ذلك وردًّ. وقَلَّد المقتدرُ حمصَ وقِنَّسْرين والعواصم أبا القاسم علي بن أحمد بن بسطام. وفيها تُوفي علي بن أحمد الرَّاسبي أمير جُنْدَيسابور والسُّوس، وكان شُجاعًا جوادًا، توفي في جُمَادى الآخرة، وخَلَّف من الذَّهَب ألف ألف دينار، وألف فرس، وألفَ جَمَل، وغير ذلك. وفيها تُوفي القاضي عبدالله بن علي بن محمد بن أبي الشَّوارب، وتُوفي بعده بثلاثة وسبعين يومًا ابنُه القاضي محمد المعروف بالأحنف. سنة اثنتين وثلاث مئة في أولها وردَ كتاب نصر بن أحمد أمير إقليم خُراسان أنه وافَعَ عمَّه إسحاق بن إسماعيل وأنَّه أسرَهُ، فبعث إليه المقتدر بالخِلَع واللِّواء. وفيها عادَ المسمى بالمَهْدي الفَاطمي إلى الإسكندرية ومعه صاحبه حَبَاسة، فَجَرَت بينه وبين جيش الخليفة حروب قُتِل فيها حَبَاسة، وعاد مولاه إلى القَيْروان. وفيها طَهَّرَ المقتدرُ خمسةً من أولاده، فغرمَ على الطُّهور ست مئة ألف دينار، وطهَّر معهم طائفةً من الأيتام، وأحسنَ إليهم. وفيها قبضَ المقتدرُ على أبي عبدالله الحُسين بن عبدالله بن الجَصاص الجَوْهريُّ وكُبِسَتْ دارُه، وأُخِذَ له من المال والجواهر ما قيمته أربعة آلاف ألف دینار . وقال أبو الفَرَج ابن الجَوْزي(١): أخذوا منه ما مقداره ستة عشر ألف ألف دينار عَينًا ووَرِقًا وقماشًا وخَيْلاً. وقال غيره: أكثر أموال ابن الجصاص من قَطْر النَّدى بنت خُمارُوية صاحب مصر، فإنه لمَّا حملها من مصر إلى المعتضد كان معها أموال وجواهر عظيمة، فقال لها ابنُ الجَصَّاص: الزَّمان لا يدوم ولا يُؤمن على حال، دعي (١) المنتظم ٦/ ١٢٧. ١٠ عندي بعضَ هذه الجواهر تكون ذخيرةً لكِ. فأودعته، ثم ماتت، فأخذَ الجميعَ. وقال بعضهم: رأيت بين يدي ابن الجصاص سبائكَ الذَّهب تُقَبَّن بالقَبان . وقال التّنُوخي: حدَّثني أبو الحُسين بن عيَّاش أنه سمع جماعةً من ثقات الكُتاب يقولون: إنهم حَضروا ما ارتفعت به مُصادرة ابن الجَصَّاص زمن المُقْتدر، فكانت ستة آلاف ألف دينار، هذا سوى ما قُبض من داره، وبعد الذي بقي له من ظاهره. وفيها خرج الحسن بن علي العَلَويُّ الأُطروش، وتلقَّب بالذَّاعي. ودعا الدَّيْلم إلى الله، وكانوا مجوسًا، فأسْلموا، وبَنَى لهم المساجدَ. وكان فاضلاً عاقلاً له سيرة مدوّنة، وأصلحَ الله الدَّيْلَمَ به. وفيها قَلَّد المقتدرُ أبا الهَيْجاء عبدالله بن حَمْدان المَوْصل والجزيرة . وفيها بَنَى الوزير علي بن عيسى المارستان بالحَرْبية، وأنفقَ عليه أموالَهُ. وفيها في الرَّجعة قطع الطريق على رَكْب العراق الحسنُ بنُ عُمر الحَسَنيُّ مع طيِّىءٍ وغيرهم، فاستباحوا الوفد، وأسروا مئتين وثمانين امرأة، ومات الخَلْقِ بالعطش والجُوعِ في البَرِّيَّة. وفيها وصل إلى مصر القاسم بن سيما في جيشٍ مَدَدًا لِتكين، ونوديَ في مصر بالنَّفير إلى الغَزَاة، فلم يتخلَّف كبيرُ أحدٍ، فقدم حَبَاسة حتى نزلَ الجيزة فكان المَصَافُّ في جُمَادى الآخرة، ثمَّ أصبحوا على القتال، وتعبَّؤوا للحرب، وكثر القتلُ في الفريقين، ثم تراجع حَبَاسة ووَلَّى، فاتَّبعه العامةُ حتى عَدَوا خليجَ نُزْهة، فكرَّ عليهم حَبَاسة فيُقال: قتل منهم عشرة آلاف. ثم خرجوا من اليوم الثالث، فلم یکن قتال. وفيها قَدِمَ مؤنس الخادم إلى مصر مددًا وأميرًا عليها، وخرج عنها تكين الخاصة . وفيها صُلِّيَ العيد في جامع مصر، ولم يكن يُصَلَّى فيه العيد قبلَ ذلك، فَصَلَّى بالناس فيه علي بن أبي شيحة، وخطب من دفتر نَظَرًا، وكان من غَلَطِهِ أنْ قال: «اتَّقُوا الله حَقَّ تُقاتِهِ ولا تَمُوتُنَ إلا وأنْتُمْ مُشْركُون))! نقلها يحيى بن الطَّخَان، عن أبيه، وآخر. ١١ سنة ثلاثٍ وثلاث مئة فيها راسلَ عليّ بن عيسى الوزير القَرَامطة وهاداهم، وأطلقَ لهم لیتألّفهم، فنفع ذلك. وفي ذي الحجة وُلد علي بن عبدالله بن حَمْدان سيف الدّولة . وفيها خلَعَ الطاعةَ الحُسين بنُ حَمْدان، وكان مؤنس مشغولاً بمصر بحرب المغاربة، فندبَ الوزير رائقًا الكبير لمحاربته، فالتقى معه، فهزمه ابنُ حَمْدان، فصار إلى مُؤنس، فسارَ مؤنس مُجِدًّا، وجرت له ولابن حَمْدان خُطوبٌ، وراسَلَه واستمالَ جُنْدَه، فتسرَّبوا إلى مؤنس. ثم سار وراء الحُسين وقاتله، فأسرَهُ ونهَبَ أمواله، ودخلَ به بغداد وهو على جَمَلٍ، وأصحابه على الجِمَال، فحبسهم المقتدر، ثم قبض على أبي الهيجاء بن حَمْدَان وإخوته . وفيها قُلِّد مصر ذكاء الرُّومي، وعُزِلَ مؤنس الخادم. سنة أربع وثلاث مئة في المحرَّم عادَ نصر الحاجب من الحج ومعه العلويُّ الذي قطعَ الطَّريق على الرَّكْب عام أول، فَحُبِس في المُطْبَق. وفي ربيع الآخر غزا مؤنس الخادم بلادَ الرُّوم من ناحية مَلَطْية، فوافاه جنود الأطراف، فافتتح حصونًا وأثرَ أثَرَةً حسنةً . وفيها مات محمد بن إسحاق بن كُنداجق بالدِّينَوَر، وكان متقلِّدَها؛ وصادرَ علي الوزير وَرَئته، فصالحهم على ستين ألف دينار مُعَجَّلَة . وفيها وقعَ الخوفُ ببغداد من حيوان يقال له الزَّبْزَب، ذكر النَّاسُ أنهم يَرَوْنه باللَّيل على الأسطِحة، وأنه يأكل الأطفال، ويقطع ثَدْي المرأة، فكانوا يتحارسون، ويضربون بالصَّواني والطّاسات ليهرب، واتَّخِذَ الناس لأطفالهم مكابَ، ودام عدة ليالٍ، فأخذ الأعوان حيوانًا أبلق كأنه من كلاب الماء، فَذُكِر أَنَّه الزَّبْزَب، وأنه صِيْد، فَصُلبَ على الجَسْر، فلم يُغْنِ ذلك إلى أن انبسط القمر، وتبيَّنَ للنَّاس أنَّ لا حقيقة لما توهموه. وفي آخرها قبضَ المقتدرُ على علي بن عيسى الوزير، وكان قد استعفى ١٢ مِرارًا وضَجر من سوء أدب الحاشية فتنكر المقتدر عليه لذلك. واتَّفق أنَّ أمّ موسى القَهْرَ مانة جاءت إليه لتُوَافِقَه على ما يطلق في العيد للحُرَم من الضَّحَايا، وَصَرفها حاجبه، فغضبت وأغْرت به السَّيِّدة والمُقتدر، فَصُرف ولم يتعرض لشيءٍ من ماله، فاعتُقل. وأُعيد أبو الحسن بن الفُرات، وخُلع عليه سَبْعُ خِلَع يوم التَّرْوية، وركب مُؤنس والقُوَّاد بين يديه، ورُدَّت عليه ضِياعُه. ثم أُطلق ابن عيسى، لكن صودر أخوَاه إبراهيم وعُبيد الله، وأُخذ منهما مئة ألف دينار وُزِلا . وفيها عصى يوسف بن أبي السَّاج بأذْرَبِيْجان، فسار مؤنس، فظفرَ به وأسرَهُ بعد حَرْبٍ طويل . وتُوفي فيها زيادة الله بن عبدالله بن الأغلب الذي كان صاحب القَيْروان، وكان هو وأبوه من أمراء القَيْروان. ورد زيادة الله مُنْهزمًا من المهدي الخارجي إلى مصر فأُكرم. وقيل: إنه مات بالرَّقة، وقيل: بالرَّمْلة. سنة خمس وثلاث مئة فيها قدمت رسُلُ ملك الروم بهدايا يطلبُ عقد هدنة، فأُشحنت رحاب دار الخِلافة والدَّهاليز بالجُنْد والسِّلاح، وفُرِشت سائر القُصور بأحسن الفَرْش، ثم أُحضر الرَّسولان والمقتدر على سريره، والوزير ومؤنس الخادم قائمان بالقُرب منه . وذكر الصُّولي وغيرُه احتفال المقتدر، فقالوا: أقامَ المقتدرُ العساكرَ، وَصَفَّهم بالسِّلاح، وكانوا مئة وستين ألفًا، وأقامهم من باب الشَّمَّاسية إلى دار الخِلافة، وبعدهم الغِلْمان، وكانوا سبعة آلاف خادم، وسبع مئة حاجب . ثم وصف أمرًا مَهُولاً، فقال: كانت السُّتُور ثمانية وثلاثين ألف ستر من الدِّيباج، ومن البُسُط اثنان وعشرون ألفًا. وكان في الدار قِطْعانٌ من الوَحْش قد تأنَّست، وكان فيها مئة سَبُع في السلاسل. ثم أُدْخِلا دارَ الشَّجَرَةِ، وكان في وسطها بِرْكة والشَّجَرة فيها، ولها ثمانية عشر غُصْنَا، عليها الطُيور مذهَّبة ومُفَضَّضَةَ، وورقها مختلف الألوان، وكلُّ طائر من هذه الطَّيور المصنوعة ١٣ يُصَفِّر. ثم أُدْخِلا إلى الفِرْدَوْس، وبها من الفَرْش ما لا يُقَوَّم، وفي الدَّهاليز عشرة آلاف جَوْشن مُذْهَبةٍ مُعَلَّقة(١). وفيها وردت هدايا صاحب عُمان، فيها طير أسود يتكلم بالفارسية وبالهندية أفصح من البَبغاء، وظِباءٌ سُودٌ. وفيها رضي المقتدر على أبي الهيجاء بن حَمْدان وإخوته، وخَلَعَ عليهم. وفيها توفي الأمير غَرِيب، خال المقتدر، بعلَّة الذَّرَب. وفيها حجَّ بالنَّاس الفضل بن عبدالملك الهاشمي، وهي تمام ست عشرة حَجةٍ حَجها بالنَّاس . سنة ست وثلاث مئة في أولها فُتح مارستان السَّيِّدة والدة المُفْتدر ببغداد، وكان طبيبه سِنان بن ثابت، وكان مبلغ الثَّفقة فيه في العام سبعة آلاف دينار. وفي ربيع الأول مات القاضي محمد بن خَلَف وَكيع، فأُضيف ما كان يتولاه من قضاء الأهواز إلى أبي جعفر بن البُهْلول قاضي مدينة المنصور. وفي جمادى الأولى أمر المقتدر بقَتْل الحُسين بن حَمْدان، فَقُتِل في الحبس . وفيها قُبض على الوزير أبي الحسن بن الفرات لكونه أخَّرَ أرزاق الجُنْد، واعتل بضيق الأموال، فقال المقتدر: أين ما ضمنتَ من القيام بأمر الجُنْد؟ وعزلَهُ، وكتب إلى حامد بن العباس كاتب واسط، فقدم في أُبُّهةٍ عظيمةٍ، وخلفه أربع مئة مملوك بالسِّلاح، فخلعَ عليه، وجلس في الدِّيوان أيامًا، فظهرَ منه قلة معرفة وسوء تدبير وحِدَّة؛ فضُم معه علي بن عيسى في الأمر، فمَشَى الحال، وبقي الرَّبْط والحَل والدَّسْتُ لعَلي، فِعزلَ عليُّ بن عيسى عليَّ بن أحمد ابن بِسْطام من جُنْد قِنَّسْرين والعواصم، وقَلَّد الشام ومصر أبا علي الحسن بن أحمد المادرائي، وقرَّر عليه الخراج عن الإقليمين، ثلاثة آلاف ألف دينار، سوى نَفقات الجيوش وغيرهم تُحمل إلى المقتدر. وكَثُر أمرُ حُرَم الخليفة ونهيهم لركاكته، وآل الأمرُ إلى أن أمرت السَّيِّدة (١) نقل ذلك بتفصيل الخطيب في تاريخ مدينة السلام ١/ ٤١٧ - ٤٢٤ . ١٤ أم المقتدر ثَمَلَ القَهْرمانة أن تجلس بتُربتها للمظالم، وتنظر في رقاع النَّاس كلَّ جُمُعة. فكانت تجلس وتُخْضِر القُضاة والأعيان، وتبرز التَّواقيع وعليها خطُّها . وفيها توفي أبو العباس بن سُرَيْج الفقيه؛ قال الدَّارَقُطْني: كان فاضلاً لولا ما أحدثَ في الإسلام من مسألة الذَّور في الطَّلاق. وفيها عاد القائم محمد بن عُبيد الله إلى مصر، فأخذَ الإسكندرية وأكثرَ الصَّعيد، ثم رجعَ. وبنى أبوه المَهْدية وسكنها . سنة سبع وثلاث مئة في صفر تُوفي أمير الموسم الفَضْل بن عبدالملك الهاشمي ببغداد، فولي ابنه عُمر مكانه. وفيها خلع المقتدر على نازوك ووَلاه دمشق، فسارَ إليها . وفيها دخلت القَرَامطة البَصْرة، فقتلوا وسَبَوا ونهبوا. وفي صفر دخلت مُقَدِّمة القائم الإسكندرية، فاضطربَ أهل الفُسْطاط ولحِق كثيرٌ منهم بالقُلْزُم والحجاز، فعَسْكرَ ذَكَاء أمير مصر بالجيزة، ثم إنه مرض وتوفي في ربيع الأول. ثم قدم مصر تكينُ الخاصة واليًا عليها الولاية الثانية، فنزل الجيزة وحَفَر خندقًا. وسار مؤنس الخادم في جيوشه حتى نزل المنية. وسار محمد بن طُغْج في عسكرٍ إلى مَنُوف. واعتلَّ القائم محمد بن عُبيد الله بالإسكندرية علةً صَعْبَة، وكَثُر المرضُ في جُنْده، فمات داود بن حَبَاسة ووُجُوهٌ من القُواد. سنة ثمانٍ وثلاث مئة فيها غلت الأسعار ببغداد، وشغبت العامَّةُ ووقعَ النَّهْبُ، فركبت الجُنْدُ فهاوَشَتْهم العامة؛ وسببه ضمان حامد بن العباس السَّواد وتجديد المظالم، فقصدوا دار حامد، فخرجَ إليهم غلمانُه فحاربوهم، ودامَ القتالُ أيامًا، ثم انكشف عن جماعةٍ من القَتْلى. ثم تجمّع من العامة عشرة آلاف، فأحرقوا ١٥ الجَسْر، وفتحوا السُّجون، ونهبوا النَّاس، فركب هارون ابن غريب الخال في العساكر، وركب حامد في طَيَّارِ فرجموه، واختلت أحوال الدَّولة العبّاسية، وعَلَت الفِتَن، ومُحِقَتْ الخزائن. واستولى عُبيد الله الملقَّب بالمهدي على بلاد المغرب. وتُوفي إبراهيم بن كَيَغْلَغ الأمير في ذي القعدة بالجيزة، فعظُم ذلك على أهل مصر، وحُمِل إلى بيت المقدس فَدُفِن بها . وفيها أُخِذَ ابن المَدِيني القاص في جماعةٍ يدعون إلى المهدي، فضَرَبَ تکینُ عُنقه. وفيها ماتت ميمونة بنت المتوكل عَمَّة المُقتدر. وفيها ملكت جيوش القائم الجزيرة من الفُسْطاط، فاشتد قلق أهل مصر وتأهبوا للهروب، وكَثُر البكاء، وجرت أمورٌ وحروبٌ يطول شرحها . وفيها تُوفي إمام جامع المنصور محمد بن هارون بن العباس بن عيسى بن أبي جعفر المنصور، وكان مُعْرِقًا في النَّسَب، أمَّ بجامع المنصور خمسين سنة. وولي ابنه جعفر بعده، فعاش تسعة أشهر بعد أبيه . سنة تسع وثلاث مئة فيها جرى بين أبي جعفر محمد بن جرير الطَّبَري وبين الحنابلة كلامٌ، فحضرَ أبو جعفر عند علي بن عيسى لمناظرتهم، فلم يحضروا. وفيها قَدِمَ مؤنس من حرب صاحب القَيْروان، فخلع عليه المُقتدر، ولقَّبَهُ بالمظفَّر. وسار ثمل الخادم من طَرَسُوس في البَحْر إلى الإسكندرية فأخذها من جيش المغاربة . وفيها عُزل تكين عن مصر بأبي قابوس محمود بن حمك، فأقام ثلاثة أیام، ثم عُزِل وأُعيد تکِین. وفيها عسكر مؤنس وتَكين والقُوَّاد وساروا إلى الفيوم لحرب عساكر القائم، فرجع القائم إلى إفريقية من غير قتالٍ، وذلك في أوائل السنة. وفيها قُتل الحَلَّجِ، وقد مَرَّ من أخباره في سنة إحدى وثلاث مئة؛ وهو ١٦ أبو عبدالله الحُسين بن منصور بن مَحْمي، وقيل: أبو مُغيث. وكان مَحْمي مجوسیًا فارسیًا . نشأ الحُسين بواسط، وقيل: بِتُسْتَر وتَلْمَذَ لسهل بِن عبد الله التُّسْتَري. ثم قدم بغداد وأخذ عن الجُنَيد والنُّوريَ، وابن عطاء، وأخذَ في المجاهدة، ولَيسَ المُسُوِحَ. ثم كان في وقتٍ يلبسِ الأقبيةَ، وفي وقت يلبس المَصْبوغ. وقيل: كان أبوه حلاجًا، وقيل: إنه تكلّم على الناس، فقيل: هذا حَلاج الأسرارِ، وقيل: إنه مَرَّ على حلاجٍ، فبعثه في شغلٍ له، فلما عاد الرجل وجده قد حَلَج كلَّ قطنٍ في الدُّكان. وقد دخل الهند وأكثرَ الأسفارَ وجاوَرَ. قال حَمْدٌ ابنُه: مولد أبي بطورِ البَيْضاء(١)، ومنشأه بتُسْتَر. ودخل بغداد فكان يلبسُ المُسوح، ومرةً يلبس الدُّرَّاعة والعِمَامة، ومرة القَباءَ، ووقتًا يمشي بخرقتين. وخرجَ إلى عمرو بن عثمان المكي وإلى الجُنَيد وصحِبَهما. ثم وقع بين الجُنيد وبين أبي لأجل مسألةٍ، ونَسَبَهُ الجُنيد إلى أنه مدَّعي. فرجعٍ بأمي إلى تُسْتَر، فوقعَ لِه بها قَبُول. ولم يزل عمرو بن عثمان المكي يكتب الكتُب فيه بالعَظائم، حتى غَضِبَ ورَمَى بِزِي الصُّوفية ولبس قَباءً، وصحِّبَ أبناءَ الدُّنيا. ثمٍ سافرٍ عنا خمس سِنين، بلغ إلى ما وراء النَّهر؛ ثم رجع إلى فارسٍ، وأخذَ يتكلّم ويدعو إلى الله. وصنَّف لهم، وتكلَّمَ على الخواطر، ولُّقِّبَ حلَّج الأسرار. ثم قدم الأهواز فحُمِلتُ إليهِ، ثمَّ خرجَ إلى البصرة ثم إلى مكة، ولبس المرقَّعَة، وخرجَ معه خَلْقٌ، فتكلَّم فيه أبو يعقوب النَّهْرَجُوري وحسدَهُ، فقَدمَ الأهوازَ، وحَمَل أُمي وجماعة من رؤسائها إلى بغداد، فبقي بها سنةً. ثم قصدَ الهندَ وما وراء النَّهر ثانيًا، ودعا إلى الله، وصنَّف لهم كُتُبًا، ثم رجع، فكانوا يكاتبونه من الهند بالمُغِيث، ومن بلاد تُرْكستان بالمُقِيت، ومن خُراسان بالمُمَيَّز، ومن فارس بأبي عبدالله الزاهد، ومن خُوزستان بالشيخ حَلاج الأسرار. وكان ببغداد قوم يسمونه: المصْطَلَم، وبالبصرة المُحَيَّر. ثم كثُرت الأقاويل عليه بعد رجوعه من هذه السَّفْرة، فحجَّ وجاوَرَ سنتين، وجاءَ وتغير عما كان عليه في الأول، واقتنى العَقار ببغدادَ، وبنى دارًا، ودعا الناس إلى معنى لم أقف عليه، بل على شطرٍ منه، حتى خرجَ عليه محمد بن داود وجماعة من أهلِ العلم، وقبَّحوا صوّرَتَه. ووقع بين علي بن عيسى وبينه لأجل نَصْرِ القُشُوري،َ ثم وقع بينه وبين الشِّبْلي وغيره من المشايخ، فقيل: هو (١) مدينة من إصطخر. تاريخ الإسلام ٧/ م١ ١٧ ساحر، وقيل: هو مجنون، وقيل: بل له كرامات، حتى حبسه السُّلطان؛ روى هذا ابن باكوية الشِّيرازي، قال: أخبرني حَمْد بن الحَلاج، فذكره. وقال الحُسين بن محمد المَزَاري: سمعتُ أبا يعقوب النَّهْرَجُوري يقول: دخلَ الحُسين إلى مكة فجلسَ فِي صَحْن المسجد سنةً لا يبرح من موضعه إلا الطهارةٍ أو طَواف، ولا يُبالي بالشَّمس ولا بالمطر، ويُفْطر على أربع عضات من قُرصٍ يؤتَى به، ثم إنه سافر إلى الهند، وتعلَّم السِّحْرَ. وقال أحمد بن يوسف التَّنُوخي الأزرق(١): كان الحَلَّج يدعو كلَّ وقتٍ إلى شيء على حسب ما يَسْتَبْله طائفة؛ أخبرني جماعة من أصحابه أنه لما افتتن الناس به بالأهواز ونواحيها لما يُخْرجه لهم من الأطعمة في غير حِينها والدَّراهم، ويسميها ((دراهم القُدرة)) وحُدِّث أبو علي الجُبَّائي بذلك، فقال: هذه الأشياء يُمكن الحِيَل فيها، ولكن أدخِلُوه بيتًا من بيوتكم، وكلفوه أن يُخرج منه جُرْزتين(٢) شوكًا فبلغ الحلاج، فخرجَ عن الأهواز. وعن محمد بن يحيى الرَّازي، قال: سمعتُ عَمرو بن عثمان المكي يلعن الحلاج ويقول: لو قدرت عليه لقتلته؛ قرأتُ آيةً فقال: يمكنني أن أؤلف مثله. وقال أبو يعقوب الأقطع: زَوجتُ بنتي من الحَلَّجِ، فبانَ لي بعد مُدَيدة أنه ساحرٌ محتالٌ. وقال أبو عمر بن حَيُّويةٍ: لما أُخْرج الحلاج لِيُقْتَل مَضَيْتُ وزاحَمْتُ حتى رأيته، فقال لأصحابه: لا يَهُولَنَّكُم، فإني عائدٌ إليكم بعد شهر. هذه حكاية صحيحة تُوضّح أنه مُمَخْرِق حتى عند القتل. وقال أبو بكر الصُّولي: جالَسْتِ الحَلاجِ، فرأيتُ جاهلاً يتعاقلِ، وعَييًا يتبالغ، وفاجرًا يتزهَّد. وكان ظاهره أنه ناسكٌ، فإذا علم أن أهل بَلَدٍ يرون الاعتزال صارَ معتزليًا، أو يرون التَّشْتُّع تشيَّع، أو يرون التَّستُّن تَسَّن. وكان يعرفُ الشَّعْبَذَةَ والكيمياءَ والطِّبَّ. وكان حينًا ينتقل في البلاد، ويدَّعي الزُّبوبية، ويقول للواحد من أصحابه: أنتَ آدم؛ ولذا: أنت نوح؛ ولذا: أنت محمد. ويدَّعي التَّناسخ، وأن أرواح الأنبياء انتقلت إليه. وروى علي بن أحمد الحاسب، عن أبيه، قال: وجَّهني المعتضد إلى الهند، وكان معنا في السّفينة رجل يقال له الحُسين بن منصور، فقلتُ له: فيم جئت؟ قال: أتعلّم السِّخر، وأدعو الخَلْق إلى الله. (١) رواها التنوخي في النشوار ١٧٢/١ عن الأزرق. (٢) الجُرْزة: الحزمة . ١٨ وقال أبو بكر الصُّولي: قبضَ عليُّ بن أحمد الرَّاسبيُّ الأمير على الحلَّج وأدخله بغداد وغلامًا له على جملين مشهورَيْن سنة إحدى وثلاث مئة. وكتبَ يذكر أنَّ البَيِّنة قامت عنده أنه يدَّعي الرُّبوبية ويقول بالحُلُول. فأحضره علي بن عيسى الوزير، وأحضرَ العُلماء فناظروه، فأسقط في لفظه، ولم يجده يُحسن من القرآن شيئًا ولا من غيره، ثمَّ حُبِس مدة. قال الصُّولي: وكان يُري الجاهلَ شيئًا من شَعْبَذته، فإذا وثق به دعاه إلى أنه إله، فدعا فيمن دعا أبا سعيد بن نُوبَخْت، فقال له: وكان أقرع: أنْبِت في مَقْدَم رأسي شَعْرًا. ثم ترقَّت به الحال ودافع عنه نصر الحاجب لأنه قَيلٍ إِنّه سُنِّي، وإنما تريد قَتْله الرَّافضة. قال: وكان في كُتُبه: إني مُغْرِقُ قومٍ نُوحِ ومُهْلِكُ عادٍ وثمودَ. وكان حامد بن العباس الوزير قد وجد لهُ كتبًا فيها أنه إذاً صام الإنسان وواصل ثلاثة أيام وأخذَ في اليوم الرابع ورقات هِنْدَباء فأفِطر عليها أغناه عن صوم رمضان. وإذا صلَّى في ليلةٍ واحدةٍ رَكْعَتين طول اللَّيل أغنته عن الصَّلاة ما بَقي. وإذا تصدَّق في يوم بجميع ما يملكه أغناه عن الزَّكاة. وإذا بَنَى بيتًا وصامَ أيامًا وطاف به أغْناه عن الحَجِّ. فأحضر حامد القُضاة وأحضرَهُ، وقال: أتعرف هذا الكتاب؟ قال: هذا كتاب ((السُّنَن))، للحسن البَصْري. فقال: ألستَ تدينُ بما فيه؟ قال: بلى. هذا كتابٌ أدينُ اللهَ بما فيه. فقال له أبو عُمر القاضي: هذا فيه نقضُ شرائع الإسلام. ثم جاراه في الكلام إلى أن قال له أبو عُمر: يا حَلال الدَّم، من أيَّ كتاب نقلتَ هذا؟ قال: من كتاب ((الإخلاص)) للحسن البَصْري. قال: كذبت يا حَلال الدَّم، قد سمعنا الكتاب، وليس فيه شيء من هذا. فقال حامد لأبي عمر القاضي: قد أفتيتَ بأنَّه حلال الدَّم، فضع خطَّك بهذا، فدافعَ ساعةً، فمد حامد يده إلى الدَّواة وقَدَّمها للقاضي وأَلَّ عليه، فكتب بأنه حلال الدَّم، وكتب الفُقَهاء والعُلماء بذلك خطوطهم، والحلاج يقول: يا قوم، لا يحل لكم إراقةُ دمي(١). فبعث حامد بخطوطهم إلى المُقْتدر، واستأذنه في قَتْله، فتأخَّر عنه الجواب، فخاف أن يبدو للمقتدر فيه رأي لما قد استمالَ من الخواص بُزُهْده وتعبُّده في الحَبْس، فنفَّذ إلى المقتدر أنه قد ذاع كُفْره وادعاؤه الرُّبوبية، وإنْ لم يُقتل افتتن النَّاسُ، وتجرأ قومٌ على الله تعالى والرُّسُل. فأذِن المقتدر في قتله. فطلبَ حامدُ صاحب الشرطة محمد بن عبدالصَّمد، وأمره أن يضربه ألف سوط، فإن مات وإلا یقطع یدیه ورِجْلیه. (١) تأمل هذا، ولاحظ إصرار حامد على إراقة دمه، فالله أعلم بدوافعه. ١٩ فلما كان يوم الثلاثاء لستٍّ بقين من ذي القعدة أُحضِر الحلاج مقيّدًا إلى باب الطاق وهو يتبختر بقيده ويقول : حبيبي غَيْرُ مَنْسوب إلى شيء من الحَيْفِ سَقَاني مثلَ ما يشربُ فعلَ الضَّيْفِ بالضَّيْفِ فَلَمَّا دارت الكَأسُ دعا بالنِّطْعِ والسَّيفِ كذا من يشرب الرَّاحَ مع التِّين في الصَّيفِ فضُرب ألف سَوْط، ثم قُطعت يده ورِجْله، ثم حُز رأسه وأُحرقت جثته. وذكر ابن حَوْقل، قال: ظهر من إقليم فارس الحُسين بن منصور الحلاج ينتحل الشك والتصوف، فما زال يترقى طبقًا عن طبق حتى آل به الحال إلى أن زعم أنه من هَذَّبَ في الطَّاعة جسمَهُ، وشَغَل بالأعمال الصَّالحة قلبَهُ، وصبرَ على مُفارقة اللَّذَّات، ومنعَ نفسَه عن الشَّهوات يترق في درج المُصافاة حتى يصْفُو عن البَشَرية طبعُهُ، فإذا صَفَى حلَّ فيه روحُ الله الذي كان منه إلى عيسى ابن مريم عليه السَّلام، فيصير مُطَاعًا، يقول للشيء: كُنْ فيكون، فكانَ الحلاجُ يتعاطَى ذلك، ويدعو إلى نفسِه، حتَّى استمال جماعةً من الوزراء والأمراء وملوك الجزيرة والجِبَال والعامة. وقال أبو الفَرَج ابن الجَوْزي(١): قد جمعتُ كتابًا سَمَّته ((القاطع لِمُحَال اللجاج بحال الحلاج))، وقال: قد كان هذا الرجل يتكلم بكلام الصُّوفية فتندر له كلماتٌ حِسان، ثم يخلطها بأشياء لا تجوز، وكذلك أشعاره، قال: فمنها: سبحان من أظهرَ ناسوتُهُ سرَّ سَنا لاهُوتِه الثَّاقبِ ثمَّ بدا في خلْقِه ظاهرًا في صورةِ الآكِلِ والشَّارِبِ حتى لقد عايَنَهُ خَلْقُهُ كَلَحْظَةِ الحاجِبِ بالحاجِبِ قال: ولما حُبس ببغداد استغوى جماعةً، فكانوا يَسْتَشْفون ببَوْلَه، ويقولون: إنه يُحيي الموتى. وقال ثابت بن سِنان(٢): انتهى إلى حامد بن العباس في وزارته أمرُ الحلاج، وأنه قد مؤَّه على جماعةٍ من الخَدَم والحَشَم وأصحاب المُقْتدر، (١) المنتظم ٦/ ١٦٢. (٢) نقله مسكوية في تجارب الأمم ٧٦/١ فما بعدها. ٢٠