Indexed OCR Text

Pages 661-680

الأكْسِية والُّبُود ثم طُرِحُوا في الطُّرُق. ومات من أصحاب محمدٍ بن أبي السَّاج
وأقاربِه سبعُ مئةِ إنسانٍ، وكان ببَرْذَعَةَ؛ ثم تُوفي هو، فقام بعده ابنه دیوداد،
وخالفه أخوه یوسف.
وفيها قدم المعتضد ومعه وصيفٌ خادمُ محمد بن أبي السَّاج، وكان قد
عصى عليه بالثُّغُور، فأسَرَه وأُدْخِلَ على جَمَلٍ، ثم توفي في السِّجْن بعد أيام،
فَصُلِبَتْ جُثَّتُه عند الجَسْر.
وفيها ظهر أبو عبدالله الشِّيعيُّ بالمغرب، ونزل بكُتَامَة، ودعاهم إلى
المهديِ عُبيدالله .
سنة تسع وثمانين ومئتين
فيها توفي: أبو عبدالملك أحمد بن إبراهيم البُسْريُّ، والمعتضد بالله،
وأحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، وإبراهيم بن أحمد الأغلبيُّ أميرُ
القَيْروان، وأنس بن السَّلم، وجماعة كبار.
وفيها فاض ماء البحر على السَّاحل، فأخربَ البلادَ والحصونَ التي عليه،
وهذا لم يُعْهَد.
وفيها ظُفر بسريةٍ للقرامطة، فأُسر جماعة وقائد السرية ابن أبي الفوارس،
فعُذِّبَ وقُتِلَ.
وفي ربيع الآخر اعتلَّ المعتضد عِلَّةٌ صَعْبة، وتماثل، فقال ابن المعتزِّ:
طارَ قلبي بجَنَاحِ الوَجِيبِ جزَعًا من حادثاتِ الخُطُوبِ
وحِذارًا من أن يُشاكَ بسوءٍ أَسَدُ المُلْكِ وسيفُ الحروبِ
ثم انتكس ومات في الشَّهر. وقام بعده ولده المكتفي بالله أبو محمد
عليٌّ، وليس في الخلفاء من اسمه عليٍّ إلا هو، وعليُّ بن أبي طالب رضي الله
عنه. وُلِد سنة أربع وستِين ومئتين، وأُّه تُركِيَّةٌ، وكان من أحسنِ النَّاس.
ولما نُقِل المعتضد اجتمعوا في دار العامَّة، وفيهم مؤنسٌ الخادمُ،
ومؤنسٌ الخازنُ، ووصيف موشكير، والفضلُ بن راشد، ورشيق. وكان بَدْرٌ
المعتضديُّ بفارس، فقالوا للقاسم بن عُبيد الله الوزير: خُذِ البَيْعة. فقال:
المعتضد حيٌّ، ولا آمنُ إفاقَتَه، وقد أطلقْتُ المال، فيُنْكِر عليَّ. فقالوا: إنْ
٦٦١

عُوْفيَ فنحن المناظِرونَ دونَكَ. وكان في عَزْمه أن يزوي الأمر عن المكتفي،
لكن رأى مَيْلَهم إلى المكتفي، فأخذ له البيعةَ بعد العَصْرِ من يوم الجُمُعةِ
لإحدى عشرة ليلةً بقِيَت من ربيع الآخر. وأحضر أحمدُ بنُ محمد بن بِسْطام
أولادَ الخلفاء: عبدالله بن المعتزِّ، وقُصَي ابن المؤيّد، وعبدالعزيز ابن المعتمد،
وعبد الله ابن الموفَّق أبي أحمد، فأخذَ عليهم البَيْعَة للمكتفي .
وتُوفي المعتضد ليلة الاثنين لثمانٍ بَقِينَ من الشَّهْر. وكان المكتفي
بالرَّقَّة، فكتب إليه القاسم بالخلافة، وأنَّ في بُيُوتِ الأموالِ عشرةَ آلاف ألفٍ
دينار، ومن الدَّراهم أضعافَها، ومن الجواهر ما قيمتُه كذلك، ومن الثِّاب
والخيل، وذكرَ أشياءَ كثيرةً.
وقيل: إنَّ الجُنْدَ تحرّكوا ببغدادَ عند موتِ المعتضد، ففرَّق القاسمُ فيهم
العطاءَ، فسَكَنوا.
ووافى المكتفي بغدادَ في سابع جُمَادى الأولى، ومرَّ بدِجلةَ في سُمارِيَّة،
وكان يومًا عظيمًا، وسقط أبو عُمَرَ القاضيِ من الزَّحْمة من الجَسْر، وأُخَّرَجَ
سالمًا. ونزل المكتفي بِقَصْر الخِلافة، وتكلَّمَتِ الشُّعراءُ، وخَلَعَ على القاسم
ابن عُبيد الله سَبْعَ خِلَع، وقلَّده سيفًا، وهدم المطاميرَ التي اتخذها أبوه، وصيّرها
مساجدَ، وأمر بردِّ البساتينٍ والحوانيتِ التي أخذها أبوه من النَّاس ليعملها
قصرًا، وفرَّق أموالاً جزيلةً، وسار سيرةً جميلة، فأحبَّه الناسُ ودعَوا له.
ومات في السّجن عَمْرو بن اللَّيث الصَّفَّار في اليوم الذي دخل فيه
المكتفي بغدادَ. فقيل: إنَّ القاسمَ الوزير قتله سِرًّا، خوفًا من إخراجه، فإنَّه كان
مُحْسِنًا إلى المكتفي أيامَ مقامه بالرَّيِّ.
وفي رجب وَرَدَ الخبرُ إلى بغدادَ أنَّ أهلَ الزَّي كتبوا إلى الأمير محمد بن
هارون الذي كان إسماعيل بن أحمد متولي خُراسانَ بعثه لقتال العلويِّ وولاه
طَبَرِسْتان، فخلع محمدُ بن هارون الطَّاعة ولَبِسَ البياضَ، وسار إلى الرَّي،
وكان واليها أوكرتُمُش قد غشمَ وظلمَ، فالتقيا، فهزمه محمد وقتله، وقتل
ولديه وقُوَّاده، واستولى على الرَّي.
وفي رجب زُلْزِلَتْ بغدادُ زلزلةً عظيمةً دامتْ أيامًا .
وفيها خُلِعَ على أحمدَ بن محمد بن بِسْطام، وأُمِّرَ على آمِدَ، وديارٍ ربيعةً.
٦٦٢

وفيها هبَّت ريحٌ عظيمةٌ بالبَصْرة، قلعت عامةَ نَخْلِها، ولم يُسْمَعْ بمثل
ذلك.
وفيها خرج بالشَّام يحيى بن زَكْرُوية القِرْمِطيُّ، وجَمَعَ الأعرابَ، فقصد
دمشقَ وبها طُغْجُ بنُ جُف نائبُ هارونَ بن خُمَارُوية، فكانت بينهما حروبٌ،
إلى أن قُتِل في أول سنة تسعين.
وسبب خروجه أنَّ زَكْرُوية بن مَهْرُوية القِرْمِطيَّ لما رأى متابعةَ الجيوشِ
إلى مَن بسوادِ الكوفة وضَعُفَ، سعى في استغواء الأعراب الذين بالسَّواد،
فاستجابوا له. وكان طائفةٌ من كَلْب يَخْفُرُون الطَّريق على السَّمَاوَة، فيما بين
دِمَشْقَ والكوفةِ على طريق تَدْمُرَ، ويحملون الرُّسُل وأمتعة التُّجار على إيلِهِم.
فأرسل زَكْرُوية أولاده إليهم فبايعوهم، وخالَطُوهم، وانتسبوا إلى أمير المؤمنين
عليٍّ، وإلى إسماعيل بن جعفر بن محمد الصَّادقِ، فقبِلَوهم، فدَعَوْهم إلى رأي
القرامطة، فلم يقبل منهم إلا طائفةٌ، فبايعوهم. وكانَ المُشارَ إليه في القرامطة
يحيى بن زَكْرُوية أبو القاسم. وذكر لهم أنَّ له بالعراق والشَّرق مئة ألف تابع،
وأن ناقته مأمورة، وأنهم متى اتبعوها في مسيرها ظفروا. فقصدوا الرُّصافةَ،
التي هي غربي الفُرات، فقتلوا أميرها، وأكثروا الفسادَ.
وفيها كانت وقعةٌ بين جيش إسماعيل بن أحمد، وبين محمدِ بنِ هارون
على باب الرَّي، وكان محمد في مئة ألف، فكانت الدَّبَرة عليه، فانهزم إلى
الدَّيْلم في ألف رجل، فاستجار بهم.
وفيها قَوِيَتْ أمورُ أبي عبد الله الشِّيعيِّ بالمغربِ، فصنع صاحبُ إفريقيّةً
صُنْعَ محمدٍ بِنَ يَعْفُر مَلِكِ اليمنِ، فانسلخ من الإمارة، وأظهر توبةً، ولِبِس
الصُّوفَ، وردَّ المَظَالِمَ، وخرج إلَى الرُّوم غازيًا، فقام بعده ابنه أبو العبَّاس.
وكان خروج إبراهيم بن أحمد صاحب إفريقيّة منها وركوبه البحر سنة
تسع وثمانين، فوصل إلى صِقِلَّيَّة، ومنها إلى طَبَرْمِين، فافتتحها في شعبان، ثمَّ
حاصَرَ كنيسةً، فمرض عليها بإسهالٍ، وماتَ في ذي القَعْدةِ. وكانت ولايتُهُ
ثمانيةً وعشرين عامًا ونصفًا، ودُفِنَ بصِقِلِّيَّةٍ .
واشتُهِرَ أمرُ أبي عبدالله بأرض كُتَامة، وسُمِّي المَشْرقي لِقُدُومه من
المشرق. فكان إذا بايعه الواحد قيل: تَشَرَّق، وتَسَارَعِ المغاربةُ إليه. ولما
استفاضت دعوة المهدي كَثُر الطَّلبُ عليه من العراق والشَّام، فسارَ متنكِّرًا من
سَلَمية، ثم إلى الرَّمْلة، ثم مِصْرَ، ومعه ولدُه محمد صبيٍّ، وأبو العبّاس أخو الدَّاعي
٦٦٣

أبي عبدالله بزِيِّ الُّجار، فتوصَّلوا إلى طرابُلُس الغرب. فلمَّا وَصَل المهديُّ إلى
طرابلس الغرب قَدِم أبو العبّاس أخو الدَّاعي إلى القَيْروان فوصلها، وقد جاءت
المكاتبات من مصر بالإنذار بالمهدي وصفته والتَّوكيد في طلبه، فعُنِيَ زيادةُ الله
بطلبه، وتقصَّى أخبارَهُ، فوقع بأبي العبّاس، فقرَّره فلم يعترفْ، فحبسه بِرَفَّادةٍ.
وكتب إلى طرابلس في طلب المهديِّ، وكان قد خرج منها قاصدًا أبا عبد الله
داعيتَهُ، وفات أمره. ثم عَلِمَ في طريقه بحَبْس رفيقه، فَعَدل إلى سِجِلْمَاسَةَ،
وأقام بها يتَّجرُ، فبلغَ زيادةَ الله أنَّه بسِجِلْماسَةَ، فقبض متولِّيها على المهديِّ وابنه.
ثم وقعت الحربُ بين زيادةِ الله وبين أبي عبدالله الدَّاعي، فهزمه أبو عبد الله
مرَّاتٍ، وهرب من الجيش أبو العبّاس، ثم مُسِكَ. ثم سار زيادةُ الله مُنْهَزِمًا إلى
مِصْرَ، ولَحِقَ أبو العباس بأخيه. ثم سارا في جيشٍ كثيفٍ وطلبا سِجِلْماسَةَ،
فخرج اليَسَعُ متوليها للقتال، فهزمه أبو عبدالله سنة ستٍّ وتسعين، كما سيجيء.
وفيها صلَّى المكتفي بالنَّاس يومَ النَّحْر بالْمُصلَّى.
وفيها قُتِل بَدْرٌ المعتضديُّ، وكان المعتضدُ يُحِبُّه. وكان بَدْرٌ جوادًا كريمًا
شُجاعًا، وكان يُؤثر القاسمَ بن عُبيدالله الوزيرَ ويتعصَّبُ له، فقال المعتضد:
والله لا قَتَلَه غيرُه. فكان كما قال؛ وذلك أن القاسمَ همَّ بنقل الخِلافةِ عند موت
المعتضد إلى غير ولده، وناظرَ بَدْرًا في ذلك، فامتنع بَدْرٌ. فلمَّا رأى القاسمُ
ذلك وعَلِم أنْ لا سبيلَ إلى مُخالفةِ بَدْرٍ، إذ كان المستولي على الأمورِ،
اضطَغَنَها على بَدْرٍ. وحَدَثَ على المعتصَدِ الموتُ، وبَدْرٌ بفارس، فعمِل
القاسمُ على إهْلاكِهِ. وكان بين بَدْرٍ وبين المكتفي تباعُدٌ في أيَّام أبيه، فأشار
القاسمُ على المكتفي أنْ يكتبَ إلى بَدْرٍ بأن يُقيمَ بفارس، ويبعثَ إليه بالمال،
وأنْ يختارَ من الولايات ما شاءَ، ولاَ يَقْدَمَ الحَضْرةَ، وخوَّف المكتفيَ منه.
فكتب إليه مع يانِس المُوَفَّقي بذلك، وبعث إليه بعشرةِ آلافٍ ألفِ درهمٍ. فلمَّا
وصل إلى بَدْرٍ فَكَّر وخافَ لبُعدِه من مَكْرِ القاسم، فكتب إلى المكتفي يقول:
لابُدَّ من المَصيرِ إلى الحضرةِ، وأن أشاهدً مولاي. فقال القاسمُ له: قد جاهَرَكَ
بالعصيانِ، ولاَ آمَنُه عليكَ. وكاتَبَ القاسمُ الأمراءَ الذين مع بَدْرٍ بالمصير إلى
باب الخليفةِ، فأوقفوا بَدْرًا على الكُتُب وقالوا: قُمْ معنا حتى نجمَعَ بينَكَ وبينَ
الخليفةِ. فقال: قد كتبتُ إليه، وأنا منتظرٌ جوابَهُ. ففارقوه ووصلوا إلى بغدادَ.
وجاء بَدْرٌ فنزل واسطًا. فندب القاسمُ أبا حازم القاضي، وقال: اذهَبْ
إلى بَدْرٍ برسالةِ أميرِ المؤمنين بالأمان والعُهود. فامتنعّ، وكان وَرِعًا، وقال: لِمَ
٦٦٤

أؤدِّي عن الخليفة رسالةً لم أسمَعْها منه؟ قال: أما تقنعُ بقولي؟ قال: في مثل
هذا ما يكفيني. فندب أبا عمر محمد بن يوسف القاضي، فأجاب مسرعًا
وانحدر إلى واسطَ، فاجتمع ببدر، وأعطاه الأيْمانَ المُغَلَّظةَ عن المكتفي، فنزل
بَدْر في طَيَّارِ وترك أصحابه بواسطَ ليلحقوه في البَرِّ. فبينا هو يَسيرُ، إذ تلَقَّه لُؤلُؤٌ
غلامُ القاسمِ في جماعةٍ، فنقلوا القاضيَ إلى طيار آخرَ، وأصعدوا بَدْرًا إلى
جزيرة. فلما عرف بدرٌ أنهم قاتِلُوه قال: دَعُوني أصلي رَكْعَتَين وأُوصي، فتركوه؛
فأوصى بعثْقِ أرقابه، وصَدَقةِ ما يملك، وذبحوه في الرَّكعة الثانية، في ليلة الجمعة
السابعة والعشرين من شهر رمضان، وقدموا برأسه على المكتفي، فسجد.
وذمَّ الناسُ أبا عُمر القاضي وقالوا: هو غَرَّ بَدْرًا؛ وندم القاضي غايةً
النَّدَم، وقال شاعر :
بمَ أحْلَلْتَ أخْذَ رأسِ الأميرِ؟
قُلَْ لقاضي مدينةِ المَنْصورِ
ــدَ وعَقْدِ الأمان في مَنْشورِ
بَعْدَ إعطائه المواثيقَ والعَهْـ
ـهُ على أنَّها يمينُ فُجُورِ
أيْنَ أيْمَانُكَ التي شَهِدَ اللّـ
إِن كَفَّيْكَ لا تُفارَقُ كَفَّيْــهِ إلى أنْ يُرِى مَلِيكُ السَّرِيرِ
يا قليلَ الحَياءِ يا أكْذَبَ الأُ مةِ يا شاهدًا شهادةَ زُورٍ
أيَّ أمرٍ ركِبْتَ فيِ الجُمْعَةِ الغَرْ راء من خَيْرِ شهرِ هذي الشُّهُورِ
قد مضى مَن قَتَلْتَ في رمضان صائمًا بَعْدَ سَجْدَةِ التَّعْفِيرِ
يا يَنِي يوسفَ بْنِ يَعْقوبَ أضحى أهْلُ بغدادَ مِنْكُمْ في غُرورِ
في أبياتٍ .
سنة تسعين ومئتين
فيها تُوفي: أحمد بن علي الأبارُ، والحسن بن سَهْل المُجَوِّز، والحُسين
ابن إسحاق التُّسْتَري، وعبدالله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن زكريًّا الغَلابِيُّ
الأخباري، ومحمد بن العباس المؤدِّب، ومحمد بن يحيى بن المنذر القَزَّاز؛
شيوخ الطََّرَاني.
وفي أوَّلها قَصَد يحيى بِنِ زَكْرُوية الزَّفَّةَ في جمع، فخرج إليه عسكرُها
فهزمهم وقتلَ منهم، فبعث طُغْجُ لحِربه بَشِيرًا غُلامَه، فالتقوا، فَقُتِل بشير،
وانهزم جُنْدُه، فندب المكتفي أبا الأغَرِّ في عشرة آلافٍ، وجَهَّزه لحربهم. ثم
سار القِرْمِطيُّ فحاصر دمشقَ، وبها طُغْجُ بنُ جُف، فضعُفَ عن مقاومة القرامطة .
٦٦٥

وفيها خرج المكتفي من بغدادَ يريد سامرَاءَ لِيَسْكُنَ بها، فصرفه الوزيرُ
عن ذلك، وقال: نحتاج إلى غَرَامات كثيرة. فعاد إلى بغداد.
وفيها قُتِل الكلبُ يحيى بن زَكْرُوية على حصار دِمَشْقَ فأقاموا مقامه أخاه
الحُسين.
وفيها عَسْكَرَ المكتفي وسار إلى المَوْصل في رمضان لِحَرْبِ القرامطةِ،
وتقدَّم أمامه إلى أرض حَلَب أبو الأغر، فنزل بوادي بُطْنانِ، فكبسهم على غِرَّةٍ
صاحبُ الشَّامة القِرْمطي، فقتل منهم خَلْقًا، وهرب أبو الأغَر في ألف رجلٍ إلى
حلب، وقُتِل تسعة آلاف. وتبعهم صاحب الشَّامة، فحاربه أبو الأغر على باب
حلب، ثم تحاجزوا، ووصل المكتفي إلى الرَّفَّة، وسرَّح الجيوشَ إلى القِرْمِطيِّ.
وفي رمضان وصل القِرْمِطيُّ أيضًا إلى دمشقَ، فخرج لقتاله بَدْرٌ الحَمَامِيُّ
صاحبُ ابن طُولون، فهُزِمَ القِرْمطَيُّ، ووُضِعَ فِي أصحابه السَّيفُ وهرب الباقون
في البادية. وبعث المكتفي في إثْرِ صاحبِ الشَّامةِ الحسينَ بنَ حَمدان والقوَّاد.
وقيل: إنما كانت الوقعة بين بَدْر والقِرْمِطيِّ بأرض مِصْرَ، وأنَّ القِرْمِطيَّ
انهزم إلى الشام في نفرٍ يَسِيرٍ. فسار على الرَّحْبَة وهِيت، فنهب وسَبَى، ومضى
إلى الأهواز.
وفيها قُتِلَ أبو القاسم يحيى بن زَكْرُوية بن مَهْرُوية القِرْمِطي المعروف
بالشَّيخ، وبالمُبَرْقَع، وكان يُسَمِّ نفسَه كَذِبًا وبُهْتانًا: علي بن أحمد بن محمد
ابن عبدالله الحُسيني، وكان من دُعاة القرامطة .
قيل: إن بَدْرًا الحَمَامِيَّ لقيه بِحَوْرانَ في هذه السَّنة، فاقتتلوا قتالاً عظيمًا،
فقُتِل، وقامَ أخوه مَوْضِعَه.
وكان سَبَبُ قَتْله أنَّ بربريًّا رماه بمِزْراقٍ، واتَّبعه نقَّاطٌ فأحرقه بالنار في
وسط القتال، فنصَّب أصحابُه أخاه الحُسينَ بن زَكْرُوية، ويُسمَّى بصاحب
الشَّامة، وزعم بكَذِبه أنه: أحمد بن عبدالله بن محمد بن إسماعيل بن الصادق
جعفرٍ، وأظهرَ شامةً في وجهه زَعَمَ أنها آيَتُهُ. وجاءه ابنُ عمِّه عيسى بن مَهْرُوية
وزعم أنه عبدالله بن أحمد بن محمد بن إسماعيل بن جعفر، ولقبه المُدَّثِّر،
وعهد إليه. وزعم أنه المَعْنِي في السُّورة. ولَقَّبَ غلامًا له المطوَّق بالنُّور.
وظهر على دمشقَ وحِمْصَ والشامَ، وعاث وأفسدَ، حتى قَتل الأطفالَ وسَبَى
الحريم، وتسمَّى أميرَ المؤمنين المهديَّ، ودُعي له على المنابر.
وكان ليحيى بن زَكْرُوية شِعْرٌ جيّدٌ في الحَمَاسة والحرب.
٦٦٦

تراجم رجال هذه الطبقة على حروف المعجم
١- أحمد بن إبراهيم بن فِيل، أبو الحسن البالِسيُّ، نزيلُ أنطاكِيّةَ.
سمع أبا جعفر النُّفَيْلي، وأبا تَوْبة الحلبي، والمُعَافى بن سُليمان،
وعبد الوهاب بن نَجْدة، وسُليمان ابن بنت شُرَحْبيل، وطائفة. وعنه أبو عَوَانَة،
وحاجب بن أركين، وأبو سعيد ابن الأعرابي، وخَيْئمة الأطْرَابُلُسي، وسُليمان
الطبراني، وطائفة .
وقد روى عنه النَّسائي في ((حديث مالك)) تأليفه.
توفي سنة أربع وثمانين(١). وهو والدُ صاحبِ الجُزءِ المشهورِ أبي طاهر
الحسن بن أحمد .
٢- أحمد بن إبراهيم، أبو جعفر الأصبهانيُّ الغَسَّال، والد القاضي
أبي أحمد الحافظ.
سمع إسماعيل بن عَمرو البَجَلي، وسَهْل بن عثمان العسكري. وعنه
ابنه .
توفي سنة اثنتين وثمانين ومئتين(٢).
٣- ن: أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبدالله بن بكَّار، أبو
عبدالملك القُرَشيُّ العامريُّ البُسْريُّ الدِّمشقيُّ، من ولد بُشْر بن أبي أرطاة.
سمع أبا الجُماهر محمد بن عثمان، ومحمد بن عائذ، وجدَّه محمد بن
عبدالله، وجماعة. وعنه النَّسائي وقال: لا بأس به، وابن جَوصا، وأبو عَوَانَة،
وعلي بن أبي العَقَب، والطَّبَراني، وآخرون.
مات في شوال سنة تسع وثمانين(٣).
وسمعنا من طريقه ((مغازي ابن عائذ)).
٤- أحمد بن إبراهيم بن فَرْوة، أبو عبدالله اللَّخْميُّ القُرْطبيُّ.
له رحلة إلى العراق فسمع بمصر من عبدالغني بن أبي عقيل، وغيره.
(١) من تهذيب الكمال ٢٤٧/١ - ٢٤٩.
(٢) من أخبار أصبهان ١/ ١٠٠ .
(٣) من تهذيب الكمال ١/ ٢٥٢ - ٢٥٤ .
٦٦٧

وبالعراق من عُبيدالله القواريري، وبُنْدار. وعنه أحمد بن خالد بن الجَبَّاب،
ومحمد بن عبدالملك بن أيمن. وكان شيخًا مُغَفَّلاً.
عاش تسعين سنة، ومات سنة تسعين(١).
٥- أحمد بن إبراهيم بن مِلحان، أبو عبدالله البَلْخِيُّ الأصل
البغداديُّ.
سمعٍ من يحيى بن عبدالله بن بُكَيْر، وغيره. وعنه أبو بكر الشافعي، وابنُ
قانع، والطّبَراني، وأبو بكر بن خَلاد، وجماعة.
ووثَّقه الدَّار قُطْني(٢) .
مات سنة تسعين ومئتين(٣).
٦- أحمد بن إسحاق بن صالح، أبو بكر البَغْداديُّ الوَزَّان.
عن مسلم بن إبراهيم، وجَنْدَل بن والق، وقُرَّة بن حبيب، وطبقتهم.
وعنه ابن مَخْلَد، وأبو جعفر بن البَخْتَري، وعبدالله بن إسحاق الخُرَاساني، وأبو
عَمرو ابن السَّمَّاك.
قال ابن أبي حاتم (٤): كتبت عنه أنا وأبي، وهو صدوق.
وأثنى عليه الدَّارَقُطْني(٥).
توفي في أول سنة إحدى وثمانين (٦).
٧- أحمد بن إسحاق بن واضح، أبو جعفر المِصْريُّ العَسَّال.
عن سعيد بن أبي مريم، وجماعة. وعنه أبو القاسم الطَّبراني(٧).
توفي في صفر سنة أربع وثمانين.
٨- أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نُبَيْط بن شَرِيط الأشجعيُّ،
صاحب النسخة المشهورة الموضوعة.
من تاريخ ابن الفرضي (٥٧).
(١)
(٢) سؤالات الحاكم (١٤).
من تاريخ الخطيب ١٨/٥ - ١٩.
(٣)
(٤)
الجرح والتعديل ٢/ الترجمة ٩.
(٥) سؤالات الحاكم (١٨).
(٦) من تاريخ الخطيب ٤٨/٥ - ٤٩.
(٧) المعجم الصغير (٤٩).
٦٦٨

روى عن أبيه. وزعم أنه وُلِد سنة سبعين ومئة. وعنه أحمد بن محمد
البَيْروتي، وأحمد بن القاسم بن الرَّيَّان اللُّكي(١)، والطَّبراني(٢)، وغيرهم.
قال أبو سعيد بن يونس: توفي بمصر سنة سبع وثمانين، وهو كوفي قدم
مصر، وكان يكون بالجيزة.
٩- أحمد بن إسحاق البَلَدِيُّ الخَشَّاب.
عن عقَّان بن مسلم، وعبدالله بن جعفر الرَّقي، وغيرهما. وعنه أبو
القاسم الطََّراني(٣) .
١٠ - أحمد بن إسحاق بن يزيد الرَّقِّيُّ الخَشَّاب.
عن عُبيد بن جَنَّاد الحلبي. وعنه الطَّبراني أيضًا (٤). وهو أصغر من
البَلَديِّ الذي قبله(٥) .
١١ - أحمد بن إسحاق الصَّدَفيُّ المِصْريُّ.
روى عن عمرو بن الربيع بن طارق. وعنه الطبراني(٦)، وغيره.
١٢ - أحمد بن إسماعيل العَدَويُّ البَصْريُّ.
روى عن عمرو بن مرزوق، وطبقته. وعنه الطبرانيُّ (٧) .
١٣ - أحمد بن إسماعيل الوَسَاوِسِيُّ البَصْريُّ.
عن شَيْبان بن فَرُوخِ. وعنه الطبراني(٨) .
١٤- أحمد بن أصرم بن خُزَيْمَة، أبو العباس المُغَفَّلِيُّ المُزَنيُّ
البَصْريُّ.
حدَّث بدمشق عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِين، وعبدالأعلى بن
حمّاد، والقواريري. وعنه أبو عَوَانة، وأبو جعفر العُقَيْلي، وأبو بكر النَّجَّاد،
(١) منسوب إلى اللُّك، وهي بليدة من أعمال برقة المغرب.
(٢) المعجم الصغير (٦٤).
(٣) المعجم الصغير (١٥).
المعجم الصغير (١٤).
(٤)
لذلك تقدم في الطبقة الماضية (الترجمة ٤٥).
(٥)
المعجم الصغير (٣٦).
(٦)
(٧) المعجم الصغير (١٣٦).
(٨) المعجم الصغير (١٥٠).
٦٦٩

وأبو عبدالله بن مروان، وجماعة.
وقال أبو بكر الخلال: هو ثقة، كتبنا عن المَرُّوذي، عنه.
وقال ابن أبي حاتم (١): كتبتُ عنه مع أبي، وسمعتُ موسى بن إسحاق
القاضي يُعَظِّمُ شأنه ويرفع منزلته.
قلتُ: كان صاحب سُنَّة، شديدًا على المُبْتَدِعة.
توفي في جمادى الأولى سنة خمسٍ وثمانين ومئتين(٢).
١٥ - أحمد بن بَحْر الدِّمشقيُّ.
سمع من مُنَبِّه بن عثمان. وعنه الطََّراني فقط(٣).
١٦ - أحمد بن بِشْر المَرْتَدِيُّ، أبو عليٍّ البغداديُّ.
عن علي بن الجَعْدِ، والهيثم بن خارجة، وجماعة. وعنه عثمان ابن
السَّمَّاك، وأبو بكر الشَّافعي، وجماعة.
وثقه ابن المنادي، وقال: مات سنة ستٍّ وثمانين(٤).
١٧ - أحمد بن جعفر، أبو عليٍّ الدِّينَوَريُّ النَّحْويُّ، تلميذ أبي عثمان
المازنيِّ.
أخذ عن المازنيِّ ((كتاب سيبوية)). وسكن مصر، وأفادَ أهلها.
وكان زوج بنت ثعلب؛ وله مصنَّف في النَّحْو.
توفي سنة تسع وثمانين.
١٨ - أحمد بن الحسن بن مُكْرَم البَغْداديُّ.
سمع علي بن الجعد. وعنه الطَّبَرانيُّ، وابن قانع. وكان بزازًا(٥).
١٩ - أحمد بن الحُسين بن مُدْرك القَصْريُّ.
عن أبي شُعَيب السُّوسي، وسُليمان بن أحمد الواسطي المقرىء. وعنه
الطَّبراني. توفي سنة تسعين.
(١) الجرح والتعديل ٢ / الترجمة ١٣.
(٢) من تاريخ الخطيب ٧٢/٥ - ٧٤.
(٣) المعجم الصغير (٣١) ووقع في المطبوع منه ((أحمد بن يحيى))، وهو تحريف.
(٤) من تاريخ الخطيب ٨٧/٥ - ٨٨.
(٥) من تاريخ الخطيب ١٢٨/٥.
٦٧٠

وعنه أيضًا الطَّسْتي، وعُمر بن الحسن الشيباني. وكان بقصر ابن هُبَيْرَة (١).
٢٠ - أحمد بن الحُسين، أبو الفضل النَّيَّسابوريُّ المُسْتَملي.
سمع يحيى بن يحيى، وإسحاق بن راهُوية؛ واستملى على إسحاق.
وعنه محمد بن صالح بن هانىء، ومحمد بن يعقوب بن الأخرم، وآخرون.
توفي سنة ستٍّ وثمانين.
٢١ - أحمد بن حماد بن سُفيان، أبو عبدالرحمن الكُوفيُّ الفقيه.
ولي قضاء المِصِّيصة. وروى عن أبي بلال الأشعري، ويزيد بن عَمْرو
الغَنَوي، وأبي بكر بن أبي شَيْبة، ومحمد بن عبدالله بن عمار. وارتحل إلى
مصر فلقي أصحاب ابن وَهْب.
قال الخليلي: صالحٌ في الحديث، له معرفة، وقال: مات سنة ثمانٍ
وثمانين .
قلت: روى عنه أبو الحسن القَطَّان، وابن قانع، ومحمد بن علي بن
حُبَيْش، وآخرون.
مات بالمِصِّيصة(٢).
٢٢ - أحمد بن حَمْدون، أبو نصر المَوْصِليُّ الخفَّاف.
عن مُعَلَّى بن مهدي، ومحمد بن عبدالله بن عمار، وأحمد بن السَّكَن،
وغيرهم. وعنه يزيد بن محمد في ((تاريخه))، وقال: كان صاحبَ حديث حسن
الحِفّظ، توفي سنة تسعين.
٢٣- أحمد بن خالد بن يزيد الآجُرِّيُّ، أبو بكر، وسماه أبو بكر
الشافعيُّ: محمدًا(٣).
سمع أبا نُعَيم، وعَفان، وجماعة. وعنه الشافعي، وعثمان ابن السَّمَّاك،
وجماعة .
(١) من تاريخ الخطيب أيضًا ١٥٥/٥ - ١٥٦.
(٢) كأنه أخذ هذه الترجمة من كتاب شيوخ أبي الحسن القطان للخليلي. وقد ترجمه الخطيب
في تاريخه ٢٠٠/٥ - ٢٠١، وذكر أنه توفي بالمصيصة في المحرم من سنة سبع وتسعين
ومئتين، ولذلك سيعيده في الطبقة الثلاثين (الترجمة ١٦) نقلاً من الخطيب من غير أن
يدري أنه قد تکرر علیه .
(٣) لذلك ترجمه الخطيب في المحمدين أيضًا ١٣٢/٣.
لا
٦٧١

توفي سنة اثنتين وثمانين ومئتين(١).
٢٤ - أحمد بن خالد الدَّامَغانيُّ، نزيلُ نَيْسابور.
عن أبي مُصْعَب الزُّهْري، وداود بن رُشَيْد، وجماعة. وعنه أبو حامد ابن
الشَّرْقي، ومحمد بن الأخرم، ودَعْلَج، وجماعة.
وله رحلة إلى الشام، ومصر، والعراق.
توفي سنة ثمانٍ وثمانين.
٢٥ - أحمد بن خُشْنام الأصبهانيُّ .
عن بكر بن بكار، والحُسين بن حفص، وجماعة.
توفي في عام أربعة وثمانين.
وَثَّقه ابن مَرْدُوية. حدَّث عنه أحمد بن محمد بن عاصم.
وقال أبو الشيخ: كانت فيه غَفْلةٍ (٢).
٢٦- أحمد بن خطاب الأصبهانيُّ.
عن طالوت بن عباد. وعنه عبدالله بن محمد القَبَّاب، وغيره(٣).
٢٧ - أحمد بن خُلَيْد، أبو عبدالله الكِنْدِيُّ الحَلَيُّ.
سمع أبا نُعَيم، وأبا اليَمَان، والوُحَاظي، والحُميدي، ومحمد بن عيسى
ابن الطباع، وزُهَير بن عبّاد، وطبقتهم. وله رحلةٌ واسعة، ومعرفةٌ جيدة. روى
عنه علي بن أحمد المِصِّيصي، وأحمد بن مروان الدِّينَوَري، وسُليمان
الطَّبَراني، وآخرون.
٢٨- أحمد بن داود، أبو حنيفة الدِّينَوَريُّ النَّحْويُّ صاحب ابن
السّگِّیت.
ثقةٌ، بارعُ الأدب، كثيرُ الفنون، كبيرُ الدائرة، طويلُ النَّفَس. له مصنَّفات
عديدة في العربية واللُّغة والهندسة والهيئة، والوقت، وغير ذلك.
ذكره الوزير القفطي، قال(٤): تُوفي لأربع بقين من جمادى الأولى سنة
(١) من تاريخ الخطيب ٢٠٩/٥ - ٢١٠.
(٢) نقله من أخبار أصبهان ١/ ٩٨.
(٣) من أخبار أصبهان ١/ ١٠٣ .
(٤) إنباه الرواة ١/ ٤٣ .
٦٧٢

اثنتين وثمانين ومئتين.
٢٩- أحمد بن داود بن موسى، أبو عبدالله السَّدُوسيُّ البَصْريُّ ثم
المکيُّ، نزيل مصر .
حدَّث عن عبدالله بن أبي بكر العَتكي، ومُسلم بن إبراهيم، وجماعة.
وعنه الطََّراني، وغيره.
قال ابن يونس: ثقة، توفي في صفر سنة اثنتين أيضًا.
٣٠- أحمد بن داود السّمْنانيُّ.
عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، ومحمد بن حُميد الرازي.
توفي سنة تسعين .
٣١- أحمد بن دُبَيْس المَوْصليُّ.
عن غسان بن الربيع، ومُعَلَّى بن مهدي. روى عنه يزيد في ((تاریخه))،
وقال: مات سنة تسع وثمانين .
٣٢- أحمد بن ربيعة بن سليمان بن زَبْر، والد القاضي عبدالله بن
زَبْر، وجد المحدِّث أبي سليمان محمد بن عبدالله.
سمع إبراهيم بن عبدالله بن العلاء بن زَبْر، ومحمد بن المُثَنَّى، وجماعة.
و عنه ابنه .
توفي سنة ست وثمانين.
٣٣- أحمد بن رِضْوان بن حمار البُخاريُّ.
سمع أبا حفص أحمد بن حفص، ومحمد بن سَلام البِيكَنْدي، وغيرهما.
مات سنة ستٍّ أيضًا.
٣٤ - أحمد بن رَوَّاغ(١) بن بُرْد، أبو الحسن الأيْدَعانيُّ المِصْريُّ.
روى عن يحيى بن بُكَيْر، وعمرو بن خالد، وجماعة. وكان كريمًا جوادًا
ثقةً. تُوفي سنة ستٍّ وثمانین، قاله ابن يونس.
٣٥- أحمد بن رَوْح بن زياد، أبو الطَّيِّب الشَّعْرانيُّ البَغْداديُّ.
له مُصنفات في الزُّهْد وغير ذلك. روى عن عبدالله بن خُبَيْق الأنطاكي،
(١) قيده ابن ماكولا ٤/ ١٠٢.
ـاريخ الإسلام ٦/ م٤٣
٦٧٣

ومحمد بن حَرْب النَّسائي، والحسنِ الزَّغْفراني. وأقام بأصبهان. روى عنه أبو
أحمد العَسال، وأحمد بن بُنْدار الشَّعار، والطَّبَراني. وإنما سمع منه الطَّبَراني
ببغداد(١).
٣٦- أحمد بن زياد بن مِهران، أبو جعفر البَغْداديُّ البَزَّاز السَّمْسار.
عن سُليمان بن حَرْب، وزكريا بن عَدِي، وأبي نُعيم، ومعاوية بن عَمرو،
وطائفة. وعنه أحمد بن عُثمان الأدمي، ومحمد بن نَجِيح، وأبو عُمر الزَّاهد،
وغيرُهم. وكان شاهدًا مُعَذَّلاً صدوقًا.
تُوفي في صَفر سنة إحدى وثمانين(٢).
٣٧- أحمد بن زياد الرَّقِّيُّ الحذَّاء.
روى عن حَجاج الأعور. وهو من كبار شيوخ الطَّبَراني(٣).
٣٨- أحمد بن سَلَمة بن عبدالله، أبو الفَضْلِ النَّيَّسابوريُّ البَزَّاز
المُعَدَّل الحافظ .
رفيق مُسلم في الرِّحلة إلى قُتَيبة وإلى البصرة. ثم جمع له مُسلم
((الصحيح)) على كتابه. سمع قُتَيبة، وابن راهُوية، ومحمد بن مِهْران، وأبا
كُرَيْب، ومحمد بن حُميد، وعبدالله بن معاوية، وعثمان بن أبي شَيْبة، وأحمد
ابن منيع، وطبقتهم فأكثر. روى عنه ابن وَارَة، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم وهم
أكبر منه، وأبو حامد ابن الشَّرْقي الحافظ، ويحيى بن منصور القاضي،
وسليمان بن محمد بن ناجية، وعلي ابن عيسى، وأبو الفضل محمد بن إبراهيم
الهاشمي، وطائفة .
قال أبو الفضل الهاشمي: توفي في غُرَّة جُمَادى الآخرة سنة ست
وثمانين .
قال أبو القاسم النَّصْرآباذي: رأيتُ أبا علي الثَّقفي في النوم، فقال:
عليك بصحيح أحمد بن سَلَمة(٤).
(١) من تاريخ الخطيب ٢٥٧/٥ - ٢٥٩.
(٢) من تاريخ الخطيب ٢٦٧/٥ - ٢٦٨.
(٣) المعجم الصغير (٤٦).
(٤) من تاريخ نيسابور للحاكم، وتاريخ الخطيب ٣٠٢/٥ - ٣٠٤.
٦٧٤

٣٩- أحمد بن سُليمان بن أبي الربيع الأندلسيُّ الفقيه.
روى عن سُحْنُون، وسعيد بن حَسَّان، والحارث بن مِسْكين، وغيرهم.
ورحل إلى مصر.
توفي سنة سَبْع وثمانين بحاضرة إلْبِيرة من الأندلس(١) .
٤٠- أحمدَ بن سهل بن الربيع بن سُليمان الجُهَنيُّ، مولاهم،
الإخميميُّ.
عن يحيى بن بُكَيْر، ويحيى بن سُليمان الجُعْفي، وإبراهيم بن الغَمْر.
توفي سنة إحدى وثمانين.
٤١ - أحمد بن سهل، أبو حامد الإسفرايينيُّ.
عن أحمد بن حَنْبل، وإسحاق بن راهُوية، وعلي بن حُجْر. وعنه ابن أبي
حاتم، وقال(٢): صدوق.
٤٢- أحمد بن سَهْل البَلْخِيُّ، الفَقيهُ حَمْدان(٣).
عن القَعْنَبي، ومسلم بن إبراهيم.
وهو صَدُوق؛ تفقَّه عليه محمد بن عَقِيل البَلْخيُّ.
ولَعَلَّه مات قبل هذا الوقت .
٤٣- أحمد بن سَهْل بن بَحْر النَّيْسابوريُّ.
عن داود بن رُشَيْد، ودُحَيْم، وإسحاق بن راهُوية، وطبقتهم. وله رحلة
إلى الشَّام والعراق. روى عنه محمد بن صالح بن هانىء، وأبو عبدالله بن
الأخرم؛ وكان ابن الأخرم يَعْتمدُه أيَّ اعتمادٍ.
تُوفي سنة اثنتين وثمانين .
٤٤- أحمد بن صالح بن عبدالصَّمَد بن أبي خِداش، أبو جَعْفر
المَوْصليُّ.
عن جَدِّه لأمِّه محمد بن علي، وغسّان بن الرَّبيع. وعنه يزيد بن محمد
الأزْدي.
(١) من تاريخ ابن الفرضي (٦٧).
(٢) الجرح والتعديل ٢ / الترجمة ٦٧ .
(٣) ينظر الألقاب لابن حجر ٢١٠/١.
٦٧٥

توفي سنة خمسٍ وثمانين. وكان رجلاً صالحًا صدوقًا.
٤٥- أحمد بن الضَّوْء بن المنذر الشَّيْبانيُّ البُخاريُّ.
تُوفِي بِكَرْمِينية في صَفر سنة اثنتين وثمانين(١).
٤٦- أحمد المُعْتَضِدُ بالله، أمير المؤمنين أبو العباس ابن ولي العهد
أبي أحمد طلحة الموفَّق بالله ابن المتوكّل على الله جعفر ابن المعتصم ابن
الرشيد الهاشميُّ العباسيُّ.
وُلد في ذي القعدة سنة اثنتين وأربعين ومئتين في دولة جدِّه، وقَدِمَ
دمشقَ سنة إحدى وسبعين لحرب خُمَارُوية الطُّولوني، فالتقوا على حِمْص،
فهزمهم أبو العباس. ثم دخل دمشقَ ومرَّ بباب البريد، فالتفت فوقف ينظر إلى
الجامع، فقال: أي شيء هذا؟ قالوا: الجامع. ثم نزل بظاهر دمشق بمحلّة
الراهب أيامًا، وسار فالتقى خُمَارُوية عند الرَّملة .
واستُخْلِفَ بعد عمِّه المعتمد في رجب سنة تسع وسبعين. وكان ملكًا
شجاعًا مَهيبًا، أسمر نحيفًا، معتدلَ الخَلْق، ظاهرَ الْجُبَرُوت، وافرَ العقل،
شديدَ الوَطْأة، من أفراد خُلفاء بني العباس، كان يقدمُ على الأسد وحده
لشجاعته .
قال المَسْعودي(٢): كان المعتضد قليل الرحمة، قيل: إنه كان إذا غضب
على قائد أمر بأن يُحفر له حفيرة ويُلْقَى فيها، ويُطَم عليه. قال: وكان ذا سياسة
عظيمة .
وعن عبدالله بن حمدون: أن المعتضد تَصَيَّد فنزلَ إلى جانب مَقْثأةٍ وأنا
معه، فصاحَ النَّاطور، فقال: عليَّ به. فأُحْضِر فسأله، فقال: ثلاثة غلمان نزلوا
المَفْئأة فأخربوها. فجيءَ بهم فَضُرِبَتْ أعناقهم في المَفْئأة من الغد. فكلَّمني
بعد مدة، وقال: اصْدُقْني فيما يُنكر عليَّ النَّاس؟ قلتُ: الدِّماء. قال: واللهِ ما
سفكتُ دمًا حرامًا منذ وليت. قلت: فلِمَ قتلت أحمد بن الطَّيِّب؟ قال: دعاني
إلى الإلحاد. قلت: فالثلاثة الذين نزلوا المقتأة. قال: والله ما قتلتهم، وإنما
(١) تقدم أحمد بن الضوء بن المنذر الكرميني في الطبقة السابعة والعشرين (رقم ٣٦)، وذكر
هناك وفاته في سنة خمس وستين ومئتين، وهو هذا بلا شك، تكرر على المصنف بسبب
تنوع المصادر.
(٢) مروج الذهب ٢٣٢/٤ - ٢٣٣.
٦٧٦

قتلتُ لصوصًا قد قَتَلُوا، وأوهمتُ أنهم هم.
وقال البَيْهقي، عن الحاكم، عن أبي الوليد حسان بن محمد الفقيه، عن
ابن سُرَيْج، عن إسماعيل القاضي، قال: دخلتُ على المعتضد، وعلى رأسه
أحداثٌ صِباحُ الوجوه رُوم، فنظرتُ إليهم، فرآني المعتضد أتأمَّلهم، فلما
أردتُ القيامَ أشار إليَّ ثم قال: أيها القاضي، والله ما حَلَلْتُ سَرَاويلي على حرامِ
قط. ودَخَلْتُ مَرَّةً، فدفع إليَّ كتابًا، فنظرتُ فيه، فإذا قد جُمع له فيه الرُّخَصَ
من زلل العلماء، فقلت: مصنِّفُ هذا زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟
قلت: بلى، ولكن من أباحَ المُسْكِر لم يُيح المُتْعة، ومن أباح المُتْعة لم يُبح
الغناء. وما من عالِم إلا لَهُ زلة، ومن أخذ بكل زلل العلماء ذهب دِينُه. فأمَرَ
بالکتاب فأُحْرِق.
وقال أبو علي المُحَسِّن التَّنُوخي، عن أبيه: بَلَغَني عن المعتضد أنه كان
جالسًا في بيتٍ يُبنى له، فرأى في جملتهم أسودَ مُنْكَرَ الخِلْقة، يصعدُ على
السلالم درجتين درجتين، ويحمل ضعف ما يحملونه، فأنكرَ أمرَهُ، فأحضره
وسأله عن سبب ذلك، فتلجلجَ، وكلمه ابن حمدون فيه وقال: من هذا حتى
صرفتَ فكرك إليه؟ قال: قد وقع في خَلَدي أمرٌ ما أحسبه باطلاً. ثم أمر بهِ
فَضُرِبَ مئة، وتهدده بالقتل ودعا بالنِّطْع والسَّيف، فقال: لي الأمان؟ قال:
نعم. فقال: أنا أعمل في أتون الآجُرِّ، فأتى عليَّ منذ شهور رجل في وسطه
هِمْيان(١)، فتبِعْتُه. فجلس بين الآجُر ولا يعلم بي، فحلَّ هِمْيانه وأخرج دنانير،
فوثبت عليه وسَدَدْت فاه، وكتَّفْتُه وألقيته في الأتُّون، والدَّنانير معي يقوى بها
قلبي. فاستحضرها فإذا على الهِمْيان اسم صاحبه. فأمر فنوديَ في البلد،
فجاءت امرأة، فقالت: هو زوجي، ولي منه طفل. فسلّم الذَّهَب إليها، وهو
ألف دينار، وضرب عنق الأسود.
قال: وبلغني عن المعتضد أنه قام في الليل فرأى بعض الغلمان المُرْدان
قد وثبَ على غلام أمرد، ثم دَبَّ على أربعة حتى اندسَّ بين الغلمان، فجاءَ
المعتضدُ فوضع يده على فؤاد واحدٍ واحدٍ حتى وضع يده على ذلك الفاعل،
فإذا به يخفق، فو کزه برِجْله فجلس، فقتله.
(١) كيس من الجلد يحفظ فيه المال عادة.
٦٧٧

قال: وبَلَغَنا عنه أن خادمًا له أتاه فأخْبَره أنَّ صيادًا أخرج شَبَكتَه، وهو
يَراه، فثقُلَتْ، فَجَذَبها، وإذا فيها جرابٌ، فظنَّه مالاً، ففتحه فإذا فيه آجُرٍّ، وبين
الآجُرِّ كفتُّ مخضوبةٌ بِحِناء، فأحضرَ الجرابَ، فهالَ ذلك المُعتضدَ، فأمر
الصَّيَّاد، فعاودَ طَرْحِ الشَّبَكةِ، فخرج جِرَابٌ آخَرَ فيه رِجْلٌ. فقال: معي في
بَلَدي من يَقْتُلُ إنسانًا ويُقَطِّعُ أعضاءَهُ وَلا أعلمُ به؟ ما هذا مُلْكٌ. فلم يُفْطِرْ
يومَه، ثم أحضرَ ثِقَةً له وأعطاهُ الجِراب، وقال: طُفْ به على من يَعْملُ الجُرُبَ
بِبَغداد لِمَن باعَه؟ فغاب الرَّجلُ وجَاء، فَذكَرَ أنه عَرَفَ بائِعَهُ بسوقٍ يَحْيى، وأنه
اشترى منه عطَّارٌ جِرابًا. فذهبَ إليه، فقال: نعم، اشترى منِّي فلان الهاشميُّ
عَشْرَةَ جُرُبٍ، وهو ظالمٌ من أولاد المهديِّ. وذَكَرَ طَرَفًا من أخباره إلى أن قال:
يكفيك أنَّه كان يَعْشِقُ جاريةً مغنيةً لإنسانٍ، فاكتَراها منه، واذَّعى أنها هَرَبتْ.
فلما سَمِعِ المُعتضد سجَدَ لله شُكرًا، وأحضَرَ الهاشمي، فأخرج إليهِ اليَدَ
والرِّجْلَ، فامتُقِعَ لونُه واعترَفَ. فأمر المعتضدُ بِدَفع ثَمَن الجاريةِ إلى صاحِبها
ثم سَجَنَ الهاشميَّ، فيقال: إنه قَتله.
قال التّنُوخي: وحدثنا أبو محمد بن سُليمان، قال: حدَّثني أبو جعفر بن
حَمْدون، قال: حدَّثني عبدالله بن أحمد بن حَمدون، قال: كنت قَدْ حَلفتُ لا
أعقلُ مالاً من القِمار، ومَهما حصل صَرَفْته في ثمن شَمْع أو نبيذٍ أو خِذْرِ
مُغَنِّيّةٍ. فَقَمَرْتُ المعتضدَ يومًا سبعينَ ألفًا، فَنهضَ يُصلي سُنَّةً العَصْرِ، فَجَلستُ
أُفكر وأندم على اليمين، فلمَّا سَلَّم، قال: في أي شيءٍ فكَّرتَ؟ فما زال بي
حتى أخبرتُه. فقال: وعندكَ أني أُعطيك سَبعينَ ألفًا في القِمارِ؟ قلتُ له:
فتضغوا(١)؟ قال: نعم، قم ولا تُفكِّر في هذا. ثم قام يصلي، فَنَّدِمْتُ ولُمْتُ
نفسي لكوني أعلمتُهُ، فلما فَرِغَ من صَلاتِهِ قال: اصدُقْني عن الفِكْر الثاني.
فصَدَقْتُه. فقال: أما القمارُ فقد قلتُ إني ضَغَوْت، ولكنْ أهبُ لك من مالي
سبعين ألفًا. فقبّلتُ يده وقبضتُ المال.
وقال ابنُ المُحَسِّن التّنُوخِيُّ، عن أبيه: رأيت المُعتضِدَ وعليه قِباءٌ أصْفَر،
وكنتُ صَبِيًّا، وكان خَرِجَ إلى قتالِ وَصِيف بطَرَسُوس.
(١) ضغا المقامر: خان.
٦٧٨

وعن خَفِيفِ السَّمَرْقَنْدي، قال: خَرَجْتُ مع المُعتضدِ للصَّيدِ، وقد انقَطَعَ
عنَّا العَسْكرُ، فَخَرَجَ علينا أسدٌ، فقال: يا خَفِيفُ أفيكَ خَيْرٌ؟ قُلتُ: لا. قال:
ولا تُمْسِكُ فرسي؟ قلتُ: بلى. فَنَزَل وتَحَّم وسَلَّ سَيْفهُ وقَصَدَ الأسدَ، فقصدهُ
الأسدُ، فتلقَّاهُ المعتضدُ بسَيفهِ، فَطَعَ يدَه، فتشاغلَ الأسدُ بها، فضربه فَلَقَ
هامتَهُ، ومسحَ بسيفه في صوفِهِ. وركب. قال: وصَحِبته إلى أن مات، فما
سمعته يذكر ذلك لقلة احتفاله بما صنع.
قلت: وكان المعتضد يُبَخَّل ويجمع المال. وقد ولي حرب الزنج وظفر
بهم. وفي أيامه سكنت الفِتَن لفرط هيبته.
وكان غلامه بدر على شرطته، وعُبيدالله بن سُليمان على وزارته، ومحمد
ابن شِاه على حَرَسه. وكانت أيامه أيامًا طيبةً كثيرةَ الأمن والرَّخاءِ. وكان قد
أسقطَ المَكُوس، ونشرَ العدلَ، ورفع الظُّلْمَ عن الرَّعية .
وكان يُسمَّى السفاح الثاني، لأنه جدَّد مُلْك بني العبّاس، وكان قد خَلُقَ
وضَعُف وكادَ يزول. وكان في اضطراب بَيِّن من وقت موت المتوكل .
وبَلَغَنَا أنه أنشأ قصرًا أنفق عليه أربع مئة ألف دينار. وكان مزاجه قد تغيَّرَ
من كثرة إفراطه في الجِماع وعدم الحِمْية بحيث إنه أكل في عِلَّته زيتونًا وسَمَكًا.
ومن عجيب ما ذكر المسعوديُّ، إن صحَّ، قال(١): شَكوا في موت
المعتضد، فتقدَّمَ الطَّبيبُ فجسنَّ نبضَهُ، ففتح عينه ورفس الطَّبيب بِرِجْله فَدَخَاهُ
أذْرُعًا، فمات الطَّبيبُ. ثم مات المعتضد من ساعته.
وعن وصيف الخادم، قال: سمعتُ المعتضد يقول عند موته:
تَمَثَّعْ من الدُّنيا فإنَّكَ لا تَبْقَى وخُذْ صَفْوَها ما إن صَفَتْ وَدَع الرَّنْقا
ولا تأمَنَنَّ الدَّهْر إني أمِنْتُهُ فلم يُبْق لي حالاً ولم يَرْع لي حَقًا
عدُوًّا، ولم أُمْهِلْ على ظِنَّة خلقا
قتلتُ صَنَاديدَ الرِّجال فلم أَدَعْ
وشتّتُّهُمْ غَرْبًا وِمَزَّقْتُهُم شَرْقا
وأخْلَيْتُ دُورَ المُلْكِ من كُلِّ بازلٍ
ودانت رِقَابُ الخَلْقِ أجْمَعُ لي رِقا
فها أنَذَا في حُفْرتي عاجلاً مُلْقى
فلمَّا بلغْتُ النَّجْمَ عِزَّا ورِفْعَةً
رماني الرَّدَى سَهْمًا فأخمَدَ جَمْرتي
(١) مروج الذهب ٢٧٤/٤.
٦٧٩

فأفسَدت دُنْياي وديني سفاهةً فمن ذا الذي مِنِّي بمصرَعِهِ أشقَى
فيا ليتَ شِعْري بعد موتي ما أرَى إلى نعمةٍ للهِ أم نارَهُ أَلْقَى؟
وقال الصُّولي: ومن شِعْر المعتضد:
يا لاحظي بالفُتُور والدَّعَج وقاتِلي بالدَّلالِ والغَنَجِ
أشكو إليكَ الذي لَقِيتُ من الـ ـوجْدٍ، فهل لي إليكَ من فَرَج؟
حَلَلْتَ بالظُّرْفِ والجَمَالِ من النَّاسِ مَحَلَّ العُيُونِ والمُهَجِ
ذكر المعتضد من «تاريخ الخُطَبي)»:
قال: كان أبو العباس محبوسًا، فلما اشتدت عِلَّة أبيه الموفَّق عمدَ غِلْمان
أبي العباس فأخرجوه بلا إذن، وأدخلوه إليه، فلما رآه أيقن بالموت. قال:
فبلغني أنه قال: لهذا اليوم خبأتك، وفوَّض الأمور إليه. وضَمَّ إليه الجيش،
وخلع عليه قبل موته بثلاثة أيام.
قال: وكان أبو العباس شَهْمًا جَلْدًا رجلاً بازِلاً، موصوفًا بالرُّجْلة
والجَزَالة. قد لقيَ الحروب، وعُرِف فَضْلُه، فقام بالأمر أحسنَ قيام، وهابه
النَّاسُ ورَهَبُوه أعظم رَهْبة. وعقدَ لَه المعتمدُ العَقْدَ أنَّه مكان أبيه، وأجرَى أمرَه
على ما كان أبوه الموفَّق بالله رسمَهُ في ذلك، ودُعِيَ له بولاية العهد على
المنابر. وجعل المعتمد وَلَده جميعًا تحت يد أبي العباس، ثم جلس المعتمد
مجلسًا عامًا، أَشْهَدَ فيه على نفسه بخَلْع ولده المفوّض إلى الله جعفر من ولاية
العهد، وإفراد المعتضد أبي العباس بالعَهْد في المحرَّم سنة تسع وسبعين.
وتُوفي في رجب من السَّنة- يعني المعتمد - فقيل: إنه غُمَّ في بساط حتى مات.
قال: وكانت خلافة المعتضد تسعَ سنين وتسعة أشهر وأيامًا. وكان أسمر
نحيفًا، معتدلَ الخَلْقِ، أقنَى الأنف، إلى الطُّول ما هو، في مُقَدَّم لحيته امتداد،
وفي مُقَدَّم رأسه شامة بيضاء، تعلوه هَيْبةٌ شديدٌ. رأيتُه في خلافته.
وقال إبراهيم بن عَرَفَة: تُوفي المعتضد يوم الاثنين لِثمانٍ بقين من ربيع
الآخر سنة تسع وثمانين، ودُفن في حجرة الرُّخام، وصلَّى عليه يوسف بن
يعقوب القاضي.
قلت: وبويع بعده ابنه المكتفي بالله علي بن أحمد، وأبْطَلَ كثيرًا من
مظالم أبيه: ورثاه الأمير عبدالله بن المعتز الهاشمي بهذه الأبيات:
٦٨٠