Indexed OCR Text
Pages 1001-1020
وسُئِل عنه أبو حاتم، فقال(١): ثقة كتبت عنه بمصر، ودمشق، وأنطاكية . وقال البخاري: هو ثقة، ما رأيت أحدًا يتكلّم فيه بحُجَّة. وقال يعقوب الفَسَوي: كتبت عن ألف شيخ وكَسْرٍ، حُجَّتي فيما بيني وبين الله رجلان: أحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح. وقال أحمد بن عبدالله العِجْلي(٢): أحمد بن صالح ثقة، صاحب سُنَّة. وقال أبو عُبَيْد الآجُريُّ: سمعت أبا داود يقول: كتب أحمد بن صالح المصريُّ عن سلامة بن رَوْح، وكان لا يُحَدِّث عنه، وكتبَ عن ابن زَبالة خمسين ألف حديث، وکان لا يحدِّث عنه. وقال ابن وارة الحافظ: أحمد بن حنبل ببغداد، وأحمد بن صالح بمصر، والتُّفَيْليُّ بحَرَّان، وابن نُمَيْر بالكوفة؛ هؤلاء أركان الدِّين. وقال البَغَويُّ: سمعت أبا بكر بن زَنْجُوية يقول: قَدِمْتُ مصرَ فأتيت أحمد بن صالح، فسألني: من أين أنت؟ قلت: من بغداد. قال: تكتب لي موضعَ منزلك، فإنّي أريد أن أُوافي العراق، حتَّى تجمع بيني وبين أحمد بن حنبل. قال: فقدم، فذهبت به إلى أحمد ، فقام إليه ورحَّب به وقرَّبه وقال: بَلَغَني أنك جمعتَ حديث الزُّهْري، فتعال حتَّى نذكر ما روى عن الصَّحابة . فتذاكرا، ولم يُغرب أحدهما على الآخر. ثمَّ تذاكرا ما رُويَ عن أبناء الصَّحابة، إلى أن قال أحمد بن حنبل: عندك عن الزُّهْري، عن محمد بن جُبَيْر، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن عَوْف، قال رسول الله بَّه: ((ما يَسُرُّني أنَّ لي حُمْرَ النَّعَم وأني لم أشهد حِلْف المُطيّبين))(٣)؟ فقال أحمد بن صالح: أنت الأستاذ وتذكر مثل هذا؟ فجعل أحمد يتبسَّم ويقول: رواه عنه رجل مقبول أو صالح؛ عبدالرحمن بن إسحاق. فقال: مَن رواه عنه؟ قال: حدثناه رجلان ثقتان: ابن عُلَيَّة، وبِشْر بن المفضَّل. فقال: سألتك بالله إلا ما أمليته عليَّ. فقال: من الكتاب. ثمَّ قام وأخرج الكتاب وأملاه. فقال أحمد بن صالح: لو لم أستَفِدْ من العراق إلا هذا الحديث كان كثيرًا. ثمَّ ودَّعه وخرج. الجرح والتعديل ٢ / الترجمة ٧٣ . (١) (٢) ثقاته (٥) .. أخرجه أحمد فى مسنده ١/ ١٩٠ و١٩٣ من طريق الزهري، به. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الخطيب ٣٢٣/٥، وقد ذكر الخطيب القصة بطولها. (٣) ١٠٠١ وقال أبو زُرْعة الدِّمشقيُّ: حدَّثني أحمد بن صالح، قال: حدَّثت أحمد ابن حنبل بحديث زيد بن ثابت في بيع الثِّمار، فأعجبه، واستزادني مثلَه، فقلتُ: ومن أين مثله؟ وعن أبي نُعَيْم، قال: ما قدم علينا أحدٌ أعلم بحديث أهل الحجاز من هذا الفتى، يعني أحمد بن صالح. وقال عَبْدان: سمعت أبا داود يقول: أحمد بن صالح ليس هو كما يتوهّمه النَّاس . وقال صالح جَزَرَة: حَضرت مجلسَ أحمد بن صالح فقال: حَرَجٌ على كل مبتدع وماجِنٍ أن يحضر مجلسي. فقلت: أمَّا الماجن فأنا هو. وذاك أنَّه قيل له: إنَّ صالَحًا الماجِنَ قد حضَر مجلسك. قال أبو بكر الخطيب(١): يقال كان آفة أحمد بن صالح الكِبْر وشَراسة الخُلُق. ونال النَّسائيَّ منه جفاءٌ في مجلسه، فذلك الذي أفسد بينهما . قال ابن عدي(٢): سمعت محمد بن هارون البَرْقي يقول: حضرت مجلسَ أحمد بن صالح وطَرَدَ النَّسائي من مجلسه، فحمله على أن يتكلم فيه. قال النَّسائي في ((الكنى)): أبو جعفر أحمد بن صالح ليس بثقة ولا مأمون، تركه محمد بن يحيى، ورماه يحيى بنِ مَعِين بالكذب، حدثناه معاوية ابن صالح، عن يحيى، قال: أحمد بن صالح كذَّابٌ يتفلسَف. وقال ابن عدي(٣): سمعتُ محمد بن سعد السَّعْديَّ يقول: سمعت النَّسائيَّ يقول: سمعتِ معاوية بن صالح يقول: سألت ابن مَعِين، عن أحمد بن صالح فقال: رأيته كذَّابًا يَخْطِر في جامع مصر . وروى الحاكم، عن أبي حامد النيسابوري(٤)، قال: حدثنا أبو بكر محمد ابن داود الرَّازي، قال: سمعت أبا زرعة الرازي يقول: ارتحلت إلى أحمد بن صالح، فدخلت فتذَاكَرْنا إلى أن ضاق الوقتُ، ثمَّ أخرجتُ من كُمِّي أطرافًا فيها أحاديث سألته عنها. فقال لي: تعود. فعُدت من الغد مع أصحاب الحديث، (١) تاريخه ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨. (٢) الكامل ١/ ١٨٧ . (٣) الكامل ١ /١٨٤. (٤) هو أحمد بن علي بن الحسن، أبو حامد النيسابوري المتوفى سنة ٣٥٠، وستأتي ترجمته في وفيات هذه السنة . ١٠٠٢ فأخرجتُ الأطرافَ وسألته عنها، فقال: تعود. فقلت: أليسَ قلت لي بالأمس تَعود؟ ما عندك ما يُكتب أو ردَّ عليَّ مُسْنَدًا أو مُرْسَلاً أو حَرْفًا مما أستفيد، فإنْ لم أورد لك عمَّن هو أوْثق منك فلست بأبي زُرْعة. ثم قمتُ وقلت لأصحابنا: مَن ههُنا ممَّن يُكتب عنه؟ قالوا: يحيى بن بُكَيْرِ. فذهبتُ إليه. وروى أبو عَمرو الدَّاني، عن مَسْلَمة بن القاسم الأندلسيِّ، قال: النَّاس مُجْمعون على ثقة أحمد بن صالح. قال: وكان سببُ تضعيف النَّسائي له أنَّه كان لا يحدِّث أحدًا حتَّى يشهد عنده رجلان أنَّه من أهل الخير والعدالة، كما كان يفعل زائدة. فدخل النَّسائيُّ بلا إذْنٍ ولم يأته بمن يشهد له، فلمَّا رآه أنكره وأمرَ بإخراجه . وقال ابن عدي(١): كان النَّسائي يُنكر عليه أحاديث منها: عن ابن وَهْب، عن مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة: ((الدِّين النَّصيحة)). والحديث فقد رواه يونس بن عبدالأعلى، عن ابن وَهْب. قال(٢): وقد كان سمع في كُتُب حَرْمَلة، فمنعه حَرْمَلة، ولم يدفع إليه إلا نصف الكُتُب. فكان أحمد بن صالح بعدُ، كل من بدأ بحَرْمَلة إذا وافى مصر، لم يحدِّثه أحمد. وسمعت بعض مشايخنا يقول(٣): قال أحمد بن صالح: صنَّف ابن وَهْب مئة ألف وعشرين ألف حديث، فعند بعض النَّاس منها الكُلُّ، يعني حَرْمَلة، وعند بعض الناس النِّصف، يعني نفسه. قال (٤): وسمعت القاسم بن مهدي يقول: كان أحمد بن صالح يَسْتعير مِنِّي كُلَّ جُمعة الحمار، فيركبه إلى الصَّلاة وكنتُ جالسًا عند حَرْمَلة في الجامع، فجاء أحمد على باب الجامع، فنظر إلينا وإلى حَرْمَلة ولم يسلّم، فقال حَرملة: انظر إلى هذا، بالأمس يَحمل دَواتي، واليوم يمرُّ بي فلا يُسَلَم! قال القاسم: ولم يحدِّثني أحمد لأني كنت جالسًا عند حَرْمَلة . قال(٥): وسمعت عبدالله بن محمد بن سَلْم المَقْدسي يقول: قدِمتُ (١) الكامل ١/ ١٨٧. (٢) نفسه ١٨٦/١ . (٣) نفسه ١/ ١٨٥ - ١٨٦. نفسه ١٨٦/١ . (٤) (٥) نفسه. ١٠٠٣ مصرَ، فبدأت بحَرْمَلة فكتبتُ عنه كتاب عمرو بن الحارث، ويونس بن يزيد، و ((الفوائد)). ثم ذهبت إلى أحمد بن صالح، فلم يحدثني. فحملت کتاب يونس فخرَّقْته بين يديه لأَرْضيه، وليتني لم أُخَرِّقْهُ، فلم يرض، ولم يحدِّثني. قال ابن عدي(١): وأحمد من حُفَّاظ الحديث، وكلام ابن مَعِين فيه تحامُل وأمَّا سوءُ ثناءِ النَّسائي عليه فلما تَقَدَّم. إلى أن قال: ولولا أني شَرطت أن أذكر في كتابي كل منَ تكلَّم فيه مُتكلُّم لكنت أُجِلُّ أحمد بن صالح أن أذكره . وقال ابن يونس: مات في ذي القعدة سنة ثمانٍ وأربعين. قال: ولم يكن عندنا بحمد الله كما قال النَّسائي، ولم تكن له آفة غير الكِبْر. قلت: وقع لي حديثه عاليًا في ((جزء ابن الطَّلَّية)) وغيره. ٢٤ - أحمد بن صالح المكِّيُّ السوَّاق، يقال له: الشُّموميُّ (٢). عن مؤمَّل بن إسماعيل، ونُعَيم بن حماد، وطبقتهما. وعنه الحسن بن اللَّيْث الرَّازي. قال أبو زُرْعة(٣): صدوق، لكنَّه يحدِّث عن الضُّعفاء والمجهولين. وقال ابن أبي حاتم(٤): روى عن مؤمَّل أحاديث في الفِتَن تدلُّ على توهين أمره. ٢٥ -م ت ن: أحمد بن عبدالله بن الحَكَم، أبو الحُسين ابن الكرديِّ، الهاشميُّ، مولاهم، البَصْريُّ. عن مروان بن معاوية، وغُنْدر، وجماعة. وعنه مسلم، والترمذي، والنسائي، والبزَّار في («مسنده))، وقاسم بن زكريا المطرِّز، وآخرون. تُوفي سنة سَبْع وأربعين(٥) . ٢ - أحمد بنَّ عاصم الأنطاكيُّ الزَّاهد. قد تقدَّم(٦). (١) نفسه ١/ ١٨٧. (٢) فرق ابن الجوزي في الضعفاء (الترجمة ١٨٧ و١٨٩) وابن حجر في التهذيب ١/ ٤٢ و ٤٣ بين أحمد بن صالح المكي السواق، وبين أحمد بن صالح الشمومي. (٣) الجرح والتعديل ٢ / الترجمة ٧٤. (٤) نفسه . (٥) من تهذيب الكمال ٣٦٥/١. (٦) في الطبقة ٢٣ / الترجمة ١٢ . ١٠٠٤ ٢٦ - دق: أحمد بن أبي الحَواري عبدالله بن مَيمون، أبو الحسن التَّغْلبِيُّ الغَطَفانيُّ الدِّمشقيُّ الزَّاهد، أحد الأئمة. أصله من الكوفة. سمع ابن عُيَيْنة، والوليد بن مسلم، وحفص بن غِيَاث، وعبدالله بن إدريس، وأبا معاوية، وعبدالله بن نُمَيْر، وعبدالله بن وَهْب، وأبا الحسن الكِسائي، وخلقًا. وصحِب أبا سليمان الدَّاراني، وأخذ بدمشق عن أبي مُسْهر، وجماعة. وعنه أبو داود، وابن ماجة، وأبوا زُرْعة، وأبو حاتم، وسعيد بن عبدالعزيز الحَلبِي، ومحمد بن خُرَيْم، ومحمد بن المُعَافى الصَّيْداوي، وأبو الجَهْم المَشْغَرائي، ومحمد بن محمد الباغَنْدي، وخَلْق كثير. قال هارون بن سعيد، عن يحيى بن مَعِين، وذُكِر أحمد بن أبي الحواري، فقال: أهل الشَّام به يُمطَرون. رواها ابن أبي حاتم (١)، عن محمد ابن يحيى بن مَنْدَة، عنه. قال ابن أبي حاتم (٢): وسمعت أبي يُحسن الثناء عليه ويُطْنب فيه . وقال فياض بن زُهير: سمعت ابن معين، وذكر ابن أبي الحواري، فقال: أظنُّ أهل الشام يَسْقيهم الله الغيث به . وقال محمود بن خالد، وذُكر أحمد بن أبي الحَواري، فقال: ما أظنُّ بقي على وجه الأرض مثله. وعن الجُنيد، قال: أحمد بن أبي الحَواري رَيْحانة الشَّام. وقال أبو زُرْعةٍ: حدَّثني أحمد بن أبي الحَواري، قال: قلتُ لشيخ دخل مَسْجِد النبيِّ وَّر: دُلَّني على مجلس إبراهيم بن أبي يحيى. فما كَلِّمني، فإذا هو عبدالعزيز الدَّرَاوَرْدي. وقال أحمد بن عطاء الرُّوذبَاري: سمعتُ عبدالله بن أحمد بن أبي الحواري قال: كنا نَسمع بكاء أبي باللَّيل حتَّى نقول: قد مات، ثمَّ نسمع ضَحِكَه حتَّى نقول: قد ◌ُنَّ. وقال محمد بِن عَوْف الحمصيُّ: رأيت أحمد بن أبي الحوارِيٍ عِندنا بطَرَسُوِسٍ، فِلمَّا صَلَّى العَتَمَة قام يصلّي، فاستفتحِ بالحمد إلى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسَتَعِيرٌ ﴾﴾ [الفاتحة] فطُفْتُ الحائطَ كلَّه ثمَّ رَجَعت، فإذا هو لا (١) الجرح والتعديل ٢ / الترجمة ٣٤. (٢) نفسه . ١٠٠٥ يجاوز ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾﴾. ثمَّ نمتُ، ومَرَرْتُ به سَحرًا وهو يقرأ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ُ فلم يزل يردِّدُها إلى الصُّبْح. وقال سعيد بن عبدالعزيز: سمعتُ أحمد بن أبي الحَواري يقول: من عمل بلا اتِّباع سُنَّة فعَمَلُه باطل . وقال: من نَظَر إلى الدُّنيا نَظَرَ إرادةٍ وحُبِّ، أخرج الله نورَ اليقين والزُّهْد من قلبه . قلت: ولأحمد قدم ثابتٌ في العِلم والحديث والزُّهْد والمراقبة. ومن مناقبه: قال أبو الدَّحْداح الدِّمشقيُّ: حدثنا الحسين بن حامد أنَّ كتاب المأمون وردَ على إسحاق بن يحيى بن معاذ أمير دمشق، أن أحْضِر المحدِّثين بدمشق فَأَمْتَحِنْهُم، فأحضر هشام بن عمار، وسليمان بن عبدالرحمن، وعبدالله بن ذَكْوان، وأحمد بن أبي الحَواري، فَأَمْتَحَنَّهُم امتحانًا ليس بالشَّديد، فأجابوا، خلا أحمد بن أبي الحَواري، فجعل يرفق به ويقول: أليس السَّماوات مخلوقة؟ أليس الأرض مخلوقة؟ وأحمد يأبى أن يُطيعه، فسَجَنه في دار الحِجارة، ثُمَّ أجاب بعدُ، فأطلقه . وقال أحمد بن أبي الحَواري: قال لي أحمد بن حنبل: متى مَوْلدُك؟ قلت: سنة أربع وستين ومئة. قال: هي مولدي. وقد ذكر السُّلَمي في ((مِحَن الصُّوفية)) أحمد بن أبي الحَواري فقال: شهد عليه قوم أنه يُفَضِّل الأولياء على الأنبياء، وبذلوا الخُطُوط عليه. فهربَ من دمشق إلى مكَّة، وجاورَ حتى كتب إليه السُّلطان يسأله أن يرجع، فرجع . قلت: هذا من الكذب على أحمد، فإنَّه كان أعلم بالله من أن يقع في ذلك، وما يقع في هذا إلا ضالٌّ جاهل. وقال السُّلَمي في ((تاريخ الصُّوفية))(١): سمعتُ محمد بن جعفر بن مَطر، قال: سمعت إبراهيم بن يوسف الهِسِنْجاني يقول: رَمى أحمد بن أبي الحَواري بكُتُبه في البحر وقال نِعْم الدَّليلُ كنَتِ، والاشتغال بالدَّليل بعد الوصول مُحَال؟ ثم قال السُّلَميُّ: سمعت محمد بن عبدالله الطَّبَري يقول: سمعت يوسف بن الحسين يقول: طلب أحمد بن أبي الحَواري العِلم ثلاثين سنة، ثمَّ حمل كُتُبُه (١) لم يصل إلينا هذا الكتاب، ووصلنا كتاب ((طبقات الصوفية)) وقد ترجم لأحمد بن أبي الحواري ونقل فيه بعض أخباره ٩٨ - ١٠٢ . ١٠٠٦ كلَّها إلى البحر فغَرَّقها وقال: يا عِلْم لم أَفْعَلْ هذا بك استخفافًا، ولكن لمَّا اهتديتُ بك استغَنيت عنك. ثم روى السُّلَميُّ وفاة ابن أبي الحواري سنة ثلاثين ومئتين، وهذا غَلَط . حكاية عجيبة لا أعلم صحَّتها : روى الشُّلَمي، عن محمد بن عبدالله، وأبي عبدالله بن باكُوية، عن أبي بكر الغازي؛ سمعا أبا بكر السَّباك، قال: سمعتُ يوسف بن الحسين يقول: كان بين أبي سليمان الدَّارانيِّ، وأحمد بن أبيِ الحَواري عَقْد لا يخالفه في أمر. فجاءه يومًا وهو يتكلّم في مجلسه، فقال: إنَّ التَّنُّور قد سُجر، فما تأمر؟ فلم يُجبْه. فأعاد قوله مرتين أو ثلاثًا، فقال: اذهب فاقْعُدْ فيه. كأنَّه ضاقَ به. وتَغَافَلَ أبو سليمان ساعةً، ثمَّ ذكر فقال: اطلبوا أحمد، فإنَّه في التُّّور، لأنه على عَقْدٍ أن لا يخالفني. فنظروا فإذا هو في التَّنُّور لم يحترق منه شَعْرةٍ(١). قال عمرو بن دُحَيْم: تُوفي لثلاثٍ بقين من جمادى الآخرة سنة ستّ وأربعين . ٢٧- أحمدُ بن عبدالله بن خالد بن موسى، أبو علي الشَّيْبانيُّ الجُوباريُّ، ويقال: الجُوَيْبَارِيُّ (٢)، الهَرَويُّ، المعروف بسَتُّوق. وجُوبار: من أعمال هَرَاة. روى عن جرير، وابن عُيَيْنة، والفضل بن موسى السِّيناني، ووكيع، وغيرهم أحاديث وضَعَها عليهم. وعنه محمد بن كرَّام السِّجِسْتاني شيخ الكرَّاميَّة، وأحمد بن بَهْرام، وآحاد الناس . قال ابن عَدِي(٣): له أحاديث كثيرة وضعها. وقال الدَّارِقُطْني(٤): كذَّاب. وقال الحاكم أبو عبدالله: لا يَحِلُّ كَتْبُ حديثه بوجهٍ . قلت: ومن موضوعاته: رَوَى عن أبي يحيى المعلِّم، عن حُميد، عن (١) أنكر الذهبي هذه الحكاية في السير ٩٣/١٢. (٢) ذكره السمعاني في الجوباري والجويباري من الأنساب. (٣) الكامل ١/ ١٨٢. (٤) الضعفاء والمتروكين (٣٧). ١٠٠٧ أنس يرفعه، قال: ((يكون في أمَّتي رجلٌ يقال له: التُّعْمان بن ثابت يُكْنى أبا حنيفة، يُجَدِّدُ الله سُنَّتي على يديهِ))(١) . تُوفي في رجب سنة سَبْعٍ وأربعين. ٢٨ - ت ن ق: أحمد بن عبدالرحمن بن بكَّار بن عبدالملك بن الوليد بن بُشْر بن أرطاة، أبو الوليد القُرَشيُّ العامرِيُّ البُسْريُّ الدِّمشقيُّ، نزيلُ بغداد . سمع الوليد بن مسلم، وعِراك بن خالد، ومروان بن معاوية. وعنه الترمذي، والنسائي(٢)، وابن ماجة، وأبو محمد الدَّارمي، وعبدالله بن ناجية، وأبو القاسم البَغَوي، وأبو حامد الحَضْرمي، وحاجب الفَرْغاني، وآخرون. قال أبو حاتم(٣): صدوق. وقال النَّسائيُّ: صالح، مات في رمضان سنة ثمانٍ وأربعين. وقال الباغَنْدي: حدثنا إسماعيل بن عبدالله اليَشْكُري، قال: لم يسمع أبو الوليد مِنَ الوليد بن مسلم شيئًا، وكنت أعرفه شبه قاصٍّ، وكان يحلَل النِّساء الرِّجال، ويُعطى الشَّيءَ، سامحه الله (٤). ٢٩ - م ٤: أحمد بن عَبْدَة بن موسى الضَّبُِّّ، أبو عبدالله البَصْريُّ. سمع حمَّاد بن زيد، وعبدالواحد بن زياد، وحفص بن جُمَيْع، وطائفة . وعنه مسلم والأربعة، وزكريا السَّاجي، وأبو بكر بن خُزَيْمة، وخَلْق كثير. وكان ثقة نبيلاً. تُوفي في شؤَّال سنة خمسٍ وأربعين(٥). ٣٠- م ت ن: أحمد بن عثمان بن عبدالنُّور، أبو عثمان النَّوْفليُّ البَصْريُّ، المعروف بأبي الجَوْزاء. عن أبي داود الطَّيَالِسيِّ، وقريش بن أنس، وأزهر السَّمان، وغيرهم. (١) أخرجه ابن عدي في الكامل ١/ ١٨٢. (٢) قال المزي معلقًا على ((النسائي)): ((لم أقف على رواية النسائي عنه)) قلت: إنما قال ذلك ابن عساكر في المعجم المشتمل (الترجمة ٥٤) وتبعه المؤلف عليه. وانظر تعليقنا على ترجمته من التهذيب ١/ ٣٨٣. (٣) الجرح والتعديل ٢/ الترجمة ٨٩. (٤) من تهذيب الكمال ٣٨٣/١ - ٣٨٥. (٥) لخصه من تهذيب الكمال ١/ ٣٩٧ - ٣٩٩. ١٠٠٨ وعنه مسلم، والترمذي. والنسائي، وأبو بكر بن أبي عاصم، وآخرون. وكان من نُساك أهل البصرة وثقاتهم. تُوفي سنة ستٍّ وأربعين(١). ٣١- م د ن ق: أحمد بن عَمْرو بن عبدالله بن عمرو بن السَّرْح، أبو الطَّاهر الأُمويُّ، مولاهم، المصريُّ الفقیه. عن سُفيان بن عُيَيْنة، وابن وَهْب، وسعيد الأَدَم. وعنه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجة، وطائفة آخرهم أبو بكر بن أبي داود. وكان من جِلة العلماء، شرح ((موطأ ابن وَهْب)). وتُوفي لأربع عشرة خَلَتْ من ذي القعدة سنة خمسین . وتفرَّد عن ابن وَهْب بحديث؛ قال ابن عديٍّ(٢): حدثناه أبو العلاء الکوفيّ، والقاسم بن مهدي، والعباس بن محمد، ومحمد بن زياد بن حبیب، وغيرهم؛ قالوا: حدثنا أبو طاهر بن السَّرْح، قال: حدثنا ابن وَهْب، عن عَمرو ابن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلَه: ((كلُّ بني آدم سيِّد، والرجل سيِّدُ أهلهِ، والمرأة سيِّدةُ بيتها)). هذا حديث صحيح غريب . ٣٢- خ م د ن ق: أحمد بن عيسى بن حسّان، أبو عبدالله المصريُّ المعروف بابن التُّسْتَرِيِّ. سمع ضِمام بن إسماعيل، ومُفضَّل بن فَضَالة، وابن وَهْب، وبِشْر بن بكر، وأزهر السَّمان، وغيرهم. وعنه الجماعة سوى الترمذي، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم، وإبراهيم الحربيُّ، ويوسف القاضي، وأبو القاسم البَغَوي، وأبو يَعْلَى المَوْصلي، وآخرون. قال أبو داود: سألت ابن مَعِين عنه فحلف بالله أنَّه كذَّاب. وقال أبو زُرْعة لمَّا نظر في ((صحيح مسلم)): يَروي عن أحمد بن عيسى في الصَّحيح! وما رأيتُ أهلَ مصر يَشكُّون في أنَّه، وأشارَ إلى لسانه. وأما النّسائي فقال: ليس به بأس . (١) لخصه من تهذيب الكمال ٤٠٦/١ - ٤٠٧. (٢) الكامل ٤/ ١٥٢٠ - ١٥٢١. تاريخ الإسلام ٥/م٦٤ ١٠٠٩ وقال الخطيب(١): ما رأيتُ لمن ترك الاحتجاج بحديثه حُجَّة . مات بسامرَّاء في صفر سنة ثلاث وأربعين ومئتين. وكان أبوه يَتَّجِر إلى تُسْتَرِ، فَعُرِف بالتُّسْتَرِيِّ، وهي شُشْتَر. ٣٣- أحمدُ بن عيسى بن زيد بن علي ابن الشَّهيد الحُسين الحُسَينيُّ. سيّد العلویّة وشیخهم. حَبَسه الرشيد عند الفَضل بن الربيع مدةً، فهرب وتنقَّل واختفى دهرًا طويلاً، وكبر وضعُف بصَرُه. مات بالبصرة سنة سَبْع وأربعين في رمضان . ٣٤- أحمد بن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر ابن الإمام عليٍّ ابن أبي طالب، أبو طاهر العلويُّ المدنيُّ. عن أبيه، وابن أبي فُدَيْك. وعنه محمد بن منصور بن يزيد الكوفي، وأبو يونس المَدِیني، وغيرهما. ذكره ابن أبي حاتم (٢)، وأبو أحمد الحاكم، ولم يضعِّفاه. له غرائب. ٣٥- ع: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبدالله بن حيَّان بن عبدالله بن أنس بن عَوْف بن قاسِط بن مازن بن شيبان ابن ذُهْل بن ثَعْلبة بن عُكابة بن صَعْب بن علي بن بكر بن وائل، الإمام أبو عبدالله الشَّيْبانيُ. هكذا نسَبه ولده عبدالله واعتمده أبو بكر الخطيب(٣)، وغيره. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا صالحٍ بن أحمد، قال: وجدتُ في كتاب أبي نسبَهُ؛ فَسَاقه إلى مازن، ثم قال: ابن هُذَيْل بن شيبان بن ثعلبة بن عُكابة . قلت: قال فيه هُذَيْل بن شَيْبان كما ترى، وهو غَلَط . وقال البَغَوي: حدثنا صالح بن أحمد فقال فيه: ذُهْل، بدل: هُذَيْل. وكذا نقل إبراهيم بن إسحاق الغَسيل، عن صالح، فدلَّ على أنَّ الوَهْم من ابن أبي حاتم. (١) تاريخه ٤٥٣/٥، وقد لخص المصنف هذه الترجمة من تهذيب شيخه واستفاد شيخه المزي عظم الترجمة من تاريخ الخطيب . (٢) الجرح والتعديل ٢/ الترجمة ١١١. (٣) تاريخه ٦/ ٩٢ - ٩٣. ١٠١٠ وأما قَول عبَّاس الدُّوري، وأبي بكر بن أبي داود أنَّ الإمام أحمد كان من بني ذُهل بن شيبان، فغلَّطهما الخطيب، وقال(١): إنَّما كان من بني شيبان بن ذُهْل بن ثَعْلَبة. قال: وذُهْل بنٍ ثعلبة هو عمُّ ذُهْل بن شيبان بن ثعلبة. فينبغي أن يقال فيه: أحمد بن حنبل الذُّهْلي على الإطلاق. وقد نسبه البخاري(٢) إليهما معًا، فقال: الشَّيْباني الذُّهْلِي. وأمَّا ابنِ ماكولا مع بَصَره بالأنساب فَوَهِم، وقال في سياق نَسَبه(٣): مازن ابن ذُهْل بن شَيْبان بن ذُهْل بن ثعلبة، ولم يتابَع عليه . وقال صالح بن أحمد: قال لي أبي: وُلِدْتُ في ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة، قال صالح: وجيء بأبي حَمَلٌ من مَرْو، فتُوفي أبوه محمد شابًّا ابن ثلاثين سنة، فوليت أبي أمُّهُ. قال أبي: وكانت قد ثَقَبَت أُذُني، فكانت أمي تُصَيِّر فيهما لؤلؤتين. فلمَّا تَرَعْرِعت نَزَعَتْهما فكانتا عندها، فدَفَعَتْهما إليَّ، فبعتهما بنحوٍ من ثلاثین درهمًا . وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل، وأحمد بن أبي خَيْثمة: إنَّه وُلِد في ربيع الآخر. وقال حنبل: سمعتُ أبا عبدالله يقول: طلبتُ الحديث سنة تسع وسبعين، وجاءنا رجل وأنا في مجلس هُشَيْم فقال: مات حماد بن زيد. فمن شيوخه هُشَيْم، وسُفيان بن عُيَيْنة، وإبراهيم بن سعدٍ، وجرير بن عبدالحميد، ويحيى القطان، والوليد بن مسلم، وإسماعيل بن عُلَيَّة، وعلي بن هاشم بن البَرِيد، وِمُعْتمر بن سليمان، وعمار بن محمد ابن أخت الثَّوري، ويحيى بن سُلَيْم الطَّائفي، وغُنْدر، وبِشْر بن المُفَضَّل، وزياد البكَّائي، وأبو بكر ابن عيَّاش، وأبو خالد الأحمر، وعَبَّاد بن عباد المُهَلَّبِي، وعَباد بنِ العوَّام، وعبدالعزيز بن عبدالصمد العَمِّي، وعمر بن عُبَيْد الطَّنَّافسي، والمطَّلِب بن زياد، ويحيى بن أبي زائدة، والقاضي أبو يوسف، ووَكيعٍ وابن نُمَيْرٍ، وعبدالرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وعبدالرَّزاق، والشَّافعي، وخَلْق کثیر . وممَّن روى عنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، ومَنْ بَقي بواسطة، (١) نفسه ٦ / ٩٢. (٢) تاريخ البخاري الكبير ٢/ الترجمة ١٥٠٥. (٣) الإكمال ٢ / ٥٦٣ . ١٠١١ والبخاري، وأبو داود أيضًا بواسطة، وابناه صالح وعبدالله، وشيوخه: عبدالرزاق والحسن بن موسى الأشيب والشَّافعي لكنَّه قال: الثقة. ولم يُسَمِّهِ. وأقرانه: علي ابن المَدِيني، ويحيى بن مَعِين، ودُحَيْم الشَّامي، وأحمد بن أبي الحَواري، وأحمد بن صالح المصري. ومن القدماء: محمد بن يحيى الذُّهْلي، وأبو زُرْعة، وعباس الدُّوري، وأبو حاتم، وبَقي بن مَخْلَد، وإبراهيم الحربي، وأبو بكر الأثرم، وأبو بكر المَرُّوذي، وحرب الكِرْماني، وموسى بن هارون، ومُطَيِّن، وخَلْق آخرهم أبو القاسم البَغَوي. وقالِ أبو جعفر بن ذَرِيح العُكْبَري: طلبتُ أحمد بن حنبل لأسأله عن مسألة، فسلَّمت عليه، وكان شيخًا مخضوبًا، طُوالاً، أسمر شديد السُّمْرَة. وقال الخطيب(١): وُلِد أبو عبد الله ببغداد ونشأ بها، وطلب العلم بها، ثم رحل إلى الكوفة، والبَصْرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة. وقال أحمد: مات هُشَيْم سنة ثلاثٍ وثمانين، وخرجت إلى الكوفة في تلك الأيَّام، ودخلت البصرة سنة ستٍ وثمانين. ثم دخلتها سنة تسعين، وسمعت من علي بن هاشم سنة تسع وسبعين، ثم عدت إليه المجلسَ الآخر وقد مات، وهي السنة التي مات فيها مالك. وقال: قدِمْنا مكة سنة سبع وثمانين، وقد مات الفُضَيْل، وفي سنة إحدى وتسعين، وفي سنة ست وتسعيّن. وأقمتُ بمكة سنة سبع، وخرجنا سنة ثمانٍ. وأقمت سنة تسع وتسعين عند عبدالرَّزاق، وحَججت خمسِ حِجَج، منها ثلاث راجلاً. وأنفقّت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهمًا. ولو كان عندي خمسون دِرْهمًا لخرجتُ إلى جَرير بن عبدالحميد. وقال(٢): رأيت ابن وَهْب بمكة، ولم أكتب عنه. وقال محمد بن حاتم: ولي جدُّ الإمام أحمد حنبلُ بن هلال سَرَخْس، وكان من أبناء الدَّعوة، فحُدثت أنَّه ضربه المسيَّب بن زُهير الضَّبي ببخارى، لكونه شغّب الجُنْد . وعن عباس النَّحْوي، قال: رأيت أحمد بن حنبل حسن الوجه، رَبْعَة، يَخْضِب بالحِنَّاء خضابًا ليس بالقاني، وفي لحيته شَعَرات سُود، ورأيت ثيابه غلاظًا إلا أنَّها بِيض، ورأيته مُعْتَمًّا وعليه إزار. وقال حنبل: سمعت أبا عبدالله يقول: ذهبتُ لأسمع من ابن المبارك فلم (١) تاريخ الخطيب ٦/ ٩١. (٢) رواية المروذي وغيره للعلل (٢٥١). ١٠١٢ أُدْركه، وكان قد قدم فخرج إلى الثَّغر، فلم أسمع منه ولا رأيته . وقال عارم أبو النُّعْمان: وضع أحمدٍ عندي نَفَقَتَه، فكان يجيء فيأخذ منها حاجته، فقلت له يومًا: يا أبا عبدالله بَلَغَني أنَّك من العرب. فقال: يا أبا التُّعْمان نحن قوم مساكين. فلم يزل يُدافعني حتى خرج ولم يقل لي شيئًا . وقال صالح: عَزَم أبي على الخروج إلى مكة، ورافق يحيى بن مَعِين، فقال أبي: نحجُّ ونمضي إلى صنعاء إلى عبدالرَّزَّاق. قال: فمضينا حتى دخلنا مكَّة، فإذا عبدالرزّاق في الطَّواف، وكان يحيى يعرفه، فطُفْنا، ثمَّ جئنا إلى عبدالرَّزاق، فسلّم عليه يحيى وقال: هذا أخوك أحمد بن حنبل. فقال: حيَّاه الله، إنه لَيَبْلُغُني عنه كل ما أُسَرُّ بِهِ، ثبَّته الله على ذلك. ثم قام لينصرف، فقال يحيى: ألا نأخذ عليه المَوعد. فأبى أحمد وقال: لم أغيِّر النيّة في رحلتي إليه، أو كما قال، ثمَّ سافر إلى اليمن لأجله، وسمع منه الكُتُب، وأكْثَرَ عنه. فصل في إقباله على العلم واشتغاله وحِفْظه قال الخلَّل: أخبرنا المَرُّذوي أنَّ أبا عبدالله قال له: ما تزوَّجت إلا بعد الأربعين. وعن أحمد الدَّوْرَقي، عن أبي عبدالله، قال: نحن كتبنا الحديث من ستة وُجوه وسبعة وُجوه لم نَضْبطه، كيفَ يَضْبطه من كتبه من وجهٍ واحد؟ وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبا زُرْعَة يقول: كان أبوك يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: وما يُدْريك؟ قال: ذاكَرْتُه فأخذت عليه الأبواب. وقال حنبل: سمعتُ أبا عبدالله يقول: حفظت كلَّ شيء سمعته من هُشَيْمِ، وهُشَيْم حي. وقال عبدالرحمن بن أبي حاتم(١): قال سعيد بن عَمرو البَرْذَعي: يا أبا زُرْعة، أنت أحفظ أم أحمد بن حنبل؟ قال: بل أحمد. قلت: وكيف علمت؟ قال: وجدتُ كُتُبه ليس في أوائل الأجزاء ترجمة أسماء المحدِّثين الذين سمع منهم، فكان يحفظ كل جزء ممَّن سمعَه، وأنا لا أقدر على هذا. (١) تقدمة الجرح والتعديل ٢٩٦. ١٠١٣ وعن أبي زُرْعة، قال: حُزِر كُتُب أحمد يوم مات، فبلغت اثني عشر حملاً وعِدْلاً، ما کان علی ظھر کتاب منها: حدیث فلان؛ ولا في بطنه حدثنا فلان، وكل ذلك كان يَحْفظه عن ظَهرَ قلبه. وقال الحسن بن منبِّه: سمعت أبا زُرْعة، قال: أخرج إليَّ أبو عبدالله أجزاء كلها: سفيان، سُفيان، ليس على حديثٍ منها: حدثنا فلان. فظَننتها عن رجلٍ واحدٍ، فانتخبْتُ منها، فلمّا قرأ عليَّ جعل یقول: حدثنا وكيع، ویحیی، وحدثنا فلان، فعجبت من ذلك، وجَهدت أن أقْدر على شيءٍ من هذا، فلم أقدر . قال المَرُّوذي: سمعت أبا عبدالله يقول: كنت أذاكر وَكيعًا بحديث الثَّوري، وكان إذا صَلى العِشاء الآخرة خرج من المَسْجد إلى منزله. فكنت أُذَاكره، فربَّما ذكر تسعة أو عشرة أحاديث، فأحفظها. فإذا دخل قال لي أصحاب الحديث: أمِلَّ علينا، فأُمِلُّها عليهم. وقال الخلال: حدثنا أبو إسماعيل التِّرْمذي، قال: سمعت قُتَيْبة بن سعيد يقول: كان وَكيع إذا كانت العَتَمَة ينصرف معه أحمد بن حنبل، فيقف على الباب فيُذَاكره. فأخذ وَكيع ليلةً بعُضادَتَي البابِ، ثمَّ قال: يا أبا عبد الله، أريد أن أُلقي عليك حديث سُفيان. قال: هات. قال: تحفظ عن سُفيان، عن سَلَمَة بن كُهَيْل كذا؟ قال: نعم، حدثنا يحيىٍ. فيقول: سَلَمَة كذا وكذا، فيقول: حدثنا عبدالرحمنٍ، فيقول: وعن سَلَمَة كذا وكذا. فيقول: أنت حدَّثتنا. حتى يفرغ من سَلَمة، ثم يقول أحمد: فتحفظ عن سَلَمة كذا وكذا؟ فيقول وكيع: لا. ثمٍ يأخذِ في حديث شيخ شيخ، فلم يزل قائمًا حتى جاءت الجاريةُ فقالت: قد طَلع الكَوْكب. أو قالت: الزُّهْرة. وقال عبدالله: قال لي أبي: خُذْ أيَّ كتاب شِئْت من كُتُب وَكيع. فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك بالإسناد، وإن شئت بالإسناد، حتى أخبرك عن الكلام. وقال الخلال: سمعتُ أبا القاسم بن الخُتُّلي - وكفاك به - يقول: أكثر الناس يظنُّون أنَّ أحمد إذا سُئِل كان عِلْم الدُّنيا بين عينيه. وقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد كأنَّ الله جمع له عِلْم الأولين والآخرين. وعن أحمد بن سعيد الرَّازي، قال: ما رأيتُ أسودَ الرأسِ أحفَظَ لحديث ١٠١٤ رسول الله ◌َا﴾ ولا أعلم بفِقْهه ومعانيه من أحمد بن حنبل. وقال ابن أبي حاتم(١): حدثنا أحمد بن سَلَمة، قال: سمعت إسحاق بن راهُوية يقول: كنت أجالس بالعراق أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِين، وأصحابنا. وكنا نتذاكر الحديث من طريقين وثلاثة. فيقول يحيى من بينهم: وطريق كذا. فأقول: أليس قد صحَّ هذا بإجماع منا؟ فيقولون: نعم، فأقول: ما تفسيره؟ ما فِقْهُهُ؟ فيقفون كلهم، إلا أحمد بن حنبل. وقال الخلال: كان أحمد قد كَتَبَ كُتُبَ الزَّأي وحَفِظها، ثمَّ لم يلتَفت إليها . وقال أحمد بن سِنان: ما رأيت يزيد بن هارون لأحدٍ أشدَّ تعظيمًا منه لأحمد بن حنبل، ولا رأيته أكْرَمَ أحدًا مثله، وكان يُقْعده إلى جَنْبه ويوقِّره ولا يمازحه . وقال عبدالرَّزاق: ما رأيت أفقه من أحمد بن حنبل ولا أورع. وقال إبراهيم بن شَمَّاس: سمعت وَكيعًا يقول: ما قدِم الكوفة مثل ذاك الفتى، يعني أحمد، وسمعت حفص بن غياث يقول ذلك. وعن عبدالرحمن بن مهدي، قال: ما نظرتُ إلى أحمد بن حنبل، إلا تذكَّرت به سُفيان الثَّوري. وقال القَواريري: قال لي يحيى القطّان: ما قدِم عليَّ مثل أحمد بن حنبل، ويحيى بن مَعِين . وقال أبو اليَمَان: كنت أُشبّه أحمد بن حنبل بأرطاة بن المُنْذر. وقال الهَيْثم بن جميل: إنْ عاش هذا الفتى سيكون حُجَّة على أهل زمانه، يعني أحمد. وقال قُتَيْبة: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثمَّ هذا الشَّاب، يعني أحمد بن حنبل . وقال أبو داود: سمعتُ قُتَيْبة يقول: إذا رأيت الرجل يحبُّ أحمد فاعلم أنَّه صاحب سُنةٍ. وقال عبدالله بن أحمد بن شَبُّوية، عن قُتَيْبة: لو أدرك أحمد عصر الثَّوري، والأوزاعي، ومالك، واللَّيث، لكان هو المقدَّم. فقلت لقُتَيْبة: تضمُّ (١) تقدمة الجرح والتعديل ٢٩٣. ١٠١٥ أحمدَ إلى التابعين؟ فقال: إلى كبار التابعين. وسمعت قُتَيْبة يقول: لولا الثَّورِي لَمَاتَ الوَرع، ولولا أحمد بن حنبل لأحْدَثوا في الدِّين. وقال أحمد بن سَلَمَة: سمعتُ قُتَيْبة يقول: أحمد بن حنبل إمام الدنيا. وقال العباس بن الوليد البَيْروتي: حدثنا الحارث بن عباس، قال: قلت لأبي مُسْهِر: هل تعرفُ أحدًا يحفظ على هذه الأمَّة أمر دِينها؟ قال: لا أعلمه إلا شاب في ناحية المشرق، يعني أحمد بن حنبل. وقال المُزَني: قال لي الشافعي: رأيتُ ببغداد شابًّا إذا قال: حدَّثنا، قال الناس كلهم: صَدَق. قلت: من هو؟ قال: أحمد بن حنبل. وقال حَرْمَلَة: سمعت الشافعي يقول: خَرجت من بغداد، فما خَلَّفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وقال الزَّعْفراني: قال لي الشافعي: ما رأيت أعْقَل من أحمد بن حنبل، وسليمان بن داود الهاشمي. وقال محمد بن إسحاق بن راهُوية: سمعتُ أبي يقول: قال لي أحمد بن حنبل: تعال حتى أُرِيكَ رجلاً لم تَرَ مثله، فذهبَ بي إلى الشافعي. قال أبي: وما رأى الشافعي مثل أحمد بن حنبل، ولولا أحمد وبَذْل نفسِهِ لِمَا بذلَها له الذهب الإسلام. وعن إسحاق، قال: أحمد حُجَّة بين الله وبين خَلْقه . وقال محمد بن عَبْدُوية: سمعت عليَّ بن المَدِيني وذكر أحمد بن حنبل فقال: هو أفضل عندي من سعيد بن جُبَيْر في زمانه. لأنَّ سعيدًا كان له نُظَراء، وإنَّ هذا ليس له نظير، أو كما قال. وقال علي بن المَدِيني: إنَّ الله أعَزَّ هذا الدين بأبي بكر الصِّديق يوم الرِّدَّة، وبأحمد بن حنبل يوم المِحْنة. وقال أبو عُبَيْد: انتهى العلمُ إلى أربعة: أحمد بن حنبل وهو أفقههم، وذكر الحكاية . وقال محمد بن نصر الفَرَّاء: سمعت أبا عُبَيْد يقول: أحمد بن حنبل إمامنا، إنِّي لأتزيَّن بذِكره. وقال أبو بكر الأثرم، عن أبي عُبَيْد: ما رأيت رجلاً أعلم بالسُّنة من أحمد. وقال أحمد بن الحسن التِّرْمذي: سمعت الحسن بن الرَّبيع يقول: ما ١٠١٦ شبَّهت أحمد بن حنبل إلا بابن المبارك في سَمْتهِ وهيئته. وقال الطَّبَراني: حدثنا محمد بن الحسين الأنْماطي، قال: كنا في مجلسٍ فيه يحيى بن مَعِين، وأبو خَيْئمة، وجماعة، فجعلوا يُثْنُون على أحمد بن حنبل، فقال رجل: لا تُكْثِرِوا بعض هذا، فقال يحيى بن مَعِين: وكَثْرة الثَّاء على أحمد تُسْتَنْكَر؟ لو جَلسنا مجالسنا بالثَّناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها . وقال عباس، عن ابن مَعِين: ما رأيت مثل أحمد. وقال أبو جعفر النُّفَيْلي: كان أحمد من أعلام الدين. وقال المَرُّوذي: حضرتُ أبا ثَوْر سُئِل عن مسألة فقال: قال أبو عبدالله أحمد بن حنبل شيخنا وإمامُنا فيها: كذا وكذا. وقال إبراهيم الحربي: قال ابن مَعِين: ما رأيتُ أحدًا يُحَدِّثُ الله إلا ثلاثة: يَعْلَى بن عُبَيْد، والقَعْنَبي، وأحمد بن حنبل. وقال عباس الدُّوري: سمعت ابن مَعِين يقول: أرادوا أن أكون مثل أحمد، والله لا أكون مثله أبدًا . وقال أبو خَيْئَمة: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا أشدَّ قلْبًا منه. وقال علي بن خَشْرَم: سمعت بِشْر بن الحارث، وسُئِل عن أحمد بن حنبل فقال: أنا أُسْأل عن أحمد بن حنبل؟ إنَّ أحمد أُدخل الكِيرَ فخرج ذَهَبًا أحمر. رواها جماعة عن ابن خَشْرم. وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل: قال أصحاب بِشْر بن الحارث حين ضُرِب أحمد في المِخْنة: يا أبا نصر لو أنَّك خرجتَ، فقلت: إني على قول أحمد بن حنبل. فقال بِشْر: أتريدون أن أقومَ مقام الأنبياءُ؟ رُويَتْ من وجهين عن بِشْر، وزاد أحدهما: قال بِشْر: حفظ الله أحمد من بین یدیه ومن خلفه . وقال القاسم بن محمد الصَّائغ: سمعتُ المَؤُّوذي يقول: دخلت على ذي النُّون السِّجنَ ونحن بالعَسْكر، فقال: أي شيءٍ حال سيدنا؟ يعني أحمد بن حنبل. وقال إسحاق بن أحمد: سمعتُ أبا زُرْعة يقول: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل في فنون العِلم، وما قام أحدٌ مثل ما قام أحمد به . ١٠١٧ وقال ابن أبي حاتم(١): قالوا لأبي زُرْعة: فإسحاق بن راهُوية؟ قال: أحمدُ بن حنبل أكبرُ من إسحاق وأفْقَه، قد رأيت الشيوخ فما رأيتُ أحدًا أكمل منه. اجتمع فيه زُهْدٌ وفضلٌ وفقهٌ وأشياءُ كثيرة . وقال ابن أبي حاتم(٢): سألت أبي عن علي ابن المَدِيني وأحمد بن حنبل أيُّهما أحفظ؟ فقال: كانا في الحِفْظ متقاربَيْن وكان أحمد أفقه. وقال أبي(٣). إذا رأيت الرجل يحبُّ أحمدَ فاعلم أنَّه صاحب سُنَّة. وسمعت أبي يقول(٤): رأيت قُتَيْبة بمكة فقلت لأصحاب الحديث: كيف تَغْفلون عنه وقد رأيت أحمد ابن حنبل في مَجْلسه؟ فلمَّا سمعوا هذا أخذوا نحوه و کتبوا عنه. وقال محمد بن حماد الطُّهْراني: سمعتُ أبا ثَوْر يقول: أحمد بن حنبل أعلم أو أفقه من الثَّوري. وقال محمد بن يحيى الذُّهْلي: جعلتُ أحمد بن حنبل إمامًا فيما بيني وبین الله . وقال نصر بن علي الجَهْضمي: كان أحمد أفضل أهل زمانه. وقال عَمْرو الناقد: إذا وافَقَني أحمد بن حنبل على حديثٍ لا أبالي مَن خالفني. وقال محمد بن مهران الجمال، وذُكِر له أحمد بن حنبل، فقال: ما بقي غيره . وقال الخلال: حدثنا صالح بن علي الحَلبي: سمعتُ أبا همَّام السَّكُوني يقول: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، ولا رأى أحمد مثله. وقال محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: سمعت محمد بن سَخْتُوية البَرْذَعي يقول: سمعتُ أبا عُمَيْر عيسى بن محمد الرملي، وذكر أحمد بن حنبل فقال: رحمه الله عن الدنيا، ما كان أصْبره، وبالماضين ما كان أشبههُ، وبالصَّالحين ما كان أَلْحَقَه، عُرِضَت له الدُّنيا فأباها، والبِدَع فنفاها. وقال أبو حاتم الرازي(٥): كان أبو عُمَيْر بن النَّحاس الرَّملي من عُباد (١) تقدمة الجرح والتعديل ٢٩٤. (٢) نفسه. (٣) نفسه ٣٠٨. (٤) نفسه ٢٩٩. (٥) تقدمة الجرح والتعديل ٢٩٨. ١٠١٨ المسلمين، فقال لي: كتبتَ عن أحمد بن حنبل شيئًا؟ قلت: نعم. قال: فأمِلَّ عليَّ. فأمليتُ عليه شيئًا. عن حَجاج بن الشاعر، قال: ما كنت أحبُّ أن أُقتل في سبيل الله ولم أُصَلِّ على أحمد بن حنبل. وعنه قال: قبَّلتُ يومًا ما بين عينَيْ أحمد بن حنبل، وقلت: يا أبا عبدالله بلغتَ مبلغ سُفيان ومالك، ولم أظن في نفسي أنِّي بَقيت غاية. فبلغَ والله في الإمامة أكثر من مبلغهما. وعن حَجاج بن الشاعر، قال: ما رأت عيناي روحًا في جسد أفضل من أحمد بن حنبل . وعن محمد بن نصر المَرْوَزي، قال: اجتمعتُ بأحمد بن حنبل وسألته عن مسائل، وكان أكثر حديثاً من إسحاق بن راهُوية وأفقه منه(١) . وعن محمد بن إبراهيم البُوشَنْجي، قال: ما رأيت أجمع في كلِّ شيءٍ من أحمد بن حنبل ولا أعقَل. وقال محمد بن مسلم بن وَارةَ: كان أحمد صاحب فقهٍ، وصاحب حِفْظِ، وصاحب معرفةٍ . وقال أبو عبدالرحمن النَّسائي: جَمع أحمد بن حنبل المعرفة بالحديث، والفقه، والورع والزُّهد، والصبر. وقال خطاب بن بِشْر، عن عبدالوهاب بن الحَكَم الورَّاقِ: لما قال النبيُّ وَالَى: ((فرُدُّوه إلى عالِمه)). رددناه إلى أحمد بن حنبل، وكان أعْلَم أهل زمانه. وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة، لا يُذكر فيها شيءٌ من أمر الدُّنيا، ما رأيته ذكر الدُّنيا قط . وقال صالح جَزَرة: أفقه من أدركت في الحديث أحمد بن حنبل . وقال عبدالله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، وذُكِر الشافعي عنده، فقال: ما استفادَ منا أكثر مما استفدنا منه. قال عبدالله: كلُّ شيء في كتاب الشافعي : أخبرنا الثقة؛ فهو عن أبي. وقال الخلال: حدثنا أبو بكر المَؤُّوذي قال: قدم رجل من الزُّهاد، (١) نقل هذه العبارة ابن الجوزي في مناقب الإمام أحمد بن حنبل ١٧٣، وزاد عنه: ((أحمد فاق أهل زمانه))، وقد استفاد المصنف من هذا الكتاب في هذه الترجمة ونقل منه كثيرًا . ١٠١٩ فأدخلته على أبي عبدالله، وعليه فَرْو خَلقٌ، وخُرَيْقَة على رأسه، وهو حافٍ في بردٍ شديد، فسلّم، وقال: يا أبا عبدالله قد جئت من موضع بعيدٍ، وما أردتُ إلا السلام عليك، وأريد عَبَّادان، وأريد إن أنا رجعتُ أن أَمَزَّ بك وأسلم عليك. فقال: إِن قُدِّر. فقامَ الرجلُ فسلّم، وأبو عبد الله قاعد. قال المَرُّوذي: ما رأيت أحدًا قطّ قام من عند أبي عبدالله حتى يقوم أبو عبدالله له، إلا هذا الرجل. فقال لي أبو عبدالله: ما ترى ما أشبهه بالأبْدال، أو قال: إنِّي لأذْكر به الأبدال. فأخرج إليه أبو عبدالله أربعة أرْغِفة مَشْطورة بكامخ، وقال: لو كان عندنا شيء لَوَاسیناك. قال الخلال: وأخبرنا المَرُّوذي قلت لأبي عبدالله: ما أكثر الدَّاعي لك. قال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا بأيِّ شيءٍ هذا. وقلت لأبي عبدالله: إنَّ رجلاً قدم من طَرَسُوس وقال لي: إنَّا كنا في بلاد الروم في الغَزو، وإذا هدأ الليلُ، رفعوا أصواتهم بالدُّعاء: ادعوا لأبي عبدالله، وكنا نمدُ المَنْجنيق ونَرمي عنه، ولقد رُمي عنه بحجر والعِلْج على الحِصن مُتَتَرِّس بدَرَقَة، فذهبَ برأسه وبالدَّرَقَة، فتغيَّر وجهه، وقال: ليته لا يكون استدراجًا. فقلتُ: كلا. قال الخلاَّل: وأخبرني أحمدُ بن حسين، قال: سمعتُ رجلاً من خُراسان يقول: عندنا لَيَرون أحمد بن حنبل لا يَشْبهُ البَشَر، يظنُّون أنَّه من الملائكة. وقال لي رجل: نَظْرةٌ عندنا من أحمد تَعْدِل عبادةَ سنة . قال الخلاَّل: وقال المَرُّوذي: رأيتُ بعض النَّصارى الأطباء قد خَرج من عند أبي عبدالله ومعه راهبٌ، فسمعت الطّبيب يقول: إنَّه سألني أن يجيء معي حتى ينظر إلى أبي عبدالله. وقال المَرُّوذي: وأدخلت نصرانيًا على أبي عبدالله يُعالجه فقال: يا أبا عبدالله إنِّي لأشْتهي أن أراك منذ ستين سنة، ما بقاؤك صلاحُ الإسلام وَحْدهم، بل للخَلْقِ جميعًا، وليس من أصحابنا أحد إلا وقد رَضي بك. قال المَؤُّوذي: فقلت لأبي عبدالله: إنِّي لأرجو أن يكون يُدعى لك في جميع الأمصار. فقال: يا أبا بكر، إذا عرف الرجلُ نَفْسه فما ينفعه كلام النَّاس . وقال عبدالله بن أحمد: خرج أبي إلى طَرَسُوس ماشيًا، وحجَّ حَجَّتين أو ثلاثًا ماشيًا، وكان أصبر النَّاس على الوحدة، وبِشْر فيما كان فيه لم يكن يصبر على الوحدة، کان يخرج إلى ذا وإلى ذا. ١٠٢٠