Indexed OCR Text

Pages 781-800

بعده فصلَّى عليه الديباج، ثم مات الديباج فقُطع رأسُه وأُرسِل مع جماعة من
الشيعة ليطوفوا به بخراسان ويحلفوا أن هذا رأس محمد بن عبدالله بن فاطمة
بنت رسول الله ﴿ يوهمون الناس أنه رأس محمد بن عبدالله بن حسن الذي
كانوا يجدون في الكتب خروجه فيما زعموا على أبي جعفر.
وقيل: لما أتي بهم المنصور نظر إلى محمد بن إبراهيم بن حسن
فقال: أنت الديباج الأصفر؟ قال: نعم. قال: أما والله لأ قتلنّك قتلةً ما
قُتلها أحد من أهل بيتك، ثم أمر بأسطوانة فنقرت، ثم أدخل فيها ثم شُدَّ
عليه وهو حي، وكان محمد من أحسن الناس صورة.
وقيل: إنَّ المنصور قتل محمد بن عبدالله الديباج، وجاء مُن غير وجه
أنه قتله، فالله أعلم.
وروي عن موسى بن عبدالله بن حسن. قال: ما كنا نعرف في الحبس
أوقات الصلاة إلا بأجزاء كان يقرؤها علي بن الحسن.
وقيل: إنَّ المنصور أمر بقتل عبدالله بن حسن سرًّا.
وقال ابن عائشة: سمعتُ مولى لبني دارم قال: قلت لبشير الرحَّال:
ما تَسَرُّعُك إلى الخروج على هذا الرجل؟ قال: إنَّه أرسل إليَّ بعد أخذِه
عبدالله بن حسن، فأتيته، فأمرني بدخول بيتٍ فدخلته فإذا بعبد الله بن حسن
مقتولاً. فسقطتُ مغشيًّا عليَّ، فلما أفقتُ أعطيتُ الله عهدًا أن لا يختلف في
أمره سيفان إلا وكنتُ عليه، ثم قلت للرسول الذي معي من قبله: لا تخبره
بما أصابني فيقتلني.
ويقال: إنَّ المنصور سَقَى السُّمَّ غيرَ واحد منهم.
سنة خمس وأربعين ومئة
توفي فيها محمد بن عبدالله بن حسن، وأخوه إبراهيم قَتْلاً، والأجلح
الكِنْدي، وإسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل بن عبدالله بن جعفر، وأُنَيْس
ابن أبي يحيى الأسلمي، وحبيب بن الشهيد، وحجاج بن أرطاة والحسن بن
ثوبان، والحسن بن الحسن بن الحسن في سجن المنصور، ورُؤبة بن
٧٨١

العجاج التَّميمي، وعبدالرحمن بن حَرْملة الأسلمي، وعبدالملك بن أبي
سُليمان الكوفي، وعُمر بن عبدالله مولى غُفرة، وعَمْرو بن ميمون بن مِهْران
الجَزَريُّ، ومحمد بن عبدالله الدِّيباج، ومحمد بن عَمْرو بن عَلْقمة، وهشام
ابنِ عروة في قَوْلٍ، ويحيى بن الحارث الذُّماري، ونصر بن حاجب
الخُراساني، ويحيى بن سعيد أبو حيَّان التّيمي.
وفيها بالغ رِياح والي المدينة في طلب محمد بن عبدالله حتى أحرجه،
فعزم على الظهور، فدخل مرة المدينة خفية؛ فعن الفضل بن دُكين، قال:
بلغني أن عُبيدالله بن عمر وابن أبي ذِئب وعبد الحميد بن جعفر قد دخلوا
عليه فقالوا: ما تنتظر بالخروج، والله ما نجد في هذه البلدة أشأم عليها
منك، ما يمنعك أن تخرج، اخرج وحدك. فكان من قصته أن رِياحًا طلب
جعفر بن محمد وبني عمه وجماعةً من وجوه قريش ليلةً، قال راوي القصة:
إِنَّا لِعِنْدَه، إذ سمعنا التَّكبير فقام رِياح فاختفى وخرجنا نحن فكان ظهور
محمد بالمدينة في مئتي رجل وخمسين رجلاً، فمر بالُّوق ثم مرَّ بالسجن،
فأخرجَ من فيه، ودخلَ دارَهُ وأتى على حماره وذلك في أول رجب، ثم أمر
برياح وابني مُسلم فحُبسوا بعد أن مانع أصحابُ رِياح بعض الشيء. ولما
خطب محمد حَمِدَ الله تعالى، ثم قال: أما بعد، فإنه قد كان من أمر هذا
الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم من بنائه القُبَّة الخَضْراء التي
بناها معاندةً لله في مُلْكه وتصغيرًا لكعبةِ الله، وإنما أخذ الله فرعون حين
قال: ﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾﴾ [النازعات] إن أحق الناس بالقيام في هذا الدين
أبناء المهاجرين والأنصار، اللهم إنهم قد فعلوا وفعلوا فاحصهم عددًا
واقتلهم بدَدا ولا تغادر منهم أحدًا.
قال علي بن الجَعْد: كان المنصور يكتب إلى محمد بن عبدالله عن
ألسن قواده يدعونه إلى الظُّهور ويخبرونه أنهم معه فكان محمد يقول: لو
التقينا لمال إليَّ القُوَّاد كلهم. وقد خرج معه مثل ابن عَجْلان وعبدالحميد
ابن جعفر .
وقال محمد بن سَعْد (١): خرج ابن عَجْلان معه فلما قُتل وولي المدينة
(١) طبقاته الكبرى (القسم المتمم لتابعي المدينة: ٣٥٥ - ٣٥٦).
٧٨٢

جعفر بنِ سُليمان أتوه بابن عجلان فكلَّمه جعفر كلامًا شديدًا وقال: خرجت
مع الكَذَّاب وأمر بقطع يده. فلم ينطق إلا أنه يُحرِّك شفتيه. فقام من حضر
من العُلِماء فقالوا: أصلحَ الله الأميرَ، إن ابن عجلان فقيهُ المدينة وعابدها .
وإنما شُبِّه عليه وظن أنه المهديُّ الذي جاءت فيه الرواية، ولم يزالوا يرغِّبون
إلیه حتی ترکه.
ولزم عُبيدالله بن عُمر ضيعةً له واعتزل فيها، وخرج أخواه عبدالله وأبو
بكر مع محمد بن عبدالله ولم يُقتَلا، عفا عنهما المنصور. واختفى جعفر
الصادق وذهب إلى مال له بالفُرع معتِزِلاً للفتنة رحمه الله، ثم إن محمدًا
استعمل عُمَّاله على المدينة ولم يتخلَّف عنه من الوجوه إلاُ نَفَرٌ، منهم
الضخَّاك بن عثمان وعبدالله بن منذر الحِزَاميان، وخُبَيب بن ثابت بن عبدالله
ابن الزبير .
قال سعد بن عبدالحميد بن جعفر: أخبرني غير واحد أن مالكًا
استُفْتي في الخروج مع محمد وقيل له: إن في أعناقنا بيعة للمنصور. فقال:
إنما بايعتم مُكْرَهين وليس على مُكْره يمين، فأسرع النَّاس إلى محمد ولزم
مالكٌ بيته.
قال أبو داود السِّجِسْتاني: كان سفيان الثوري يتكلم في عبدالحميد بن
جعفر لخروجه مع محمد ويقول: إن مرَّ بك المهديُّ وأنت في البيت فلا
تخرج إليه حتى يجتمع عليه الناس. وذكر سفيان صِفِّين، فقال: ما أدري
أخطأوا أم أصابوا.
وقيل: أرسل محمد إلى إسماعيل بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب
وقد شاخ ليُبَايعه فقال: يا ابن أخي، أنتَ والله مقتول، كيف أبايعك؟
فارتدعَ النَّاسُ عنه قليلاً، فأتته حمادة بنت معاوية بن عبدالله فقالت : يا عم،
إن أخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم فلا تثبط عنه الناس فتقتل ابن خالي
وإخوتي. فأبى إلا أن ينهى عنه، فيقال: إنها قتلته، فأراد محمد الصلاة
عليه، فقال ابنه عبدالله: تَقتل أبي وتُصلِّي عليه؟ فنخَاه الحرس وصلَّى
محمد. ثم إنَّه استعمل على مكة الحسن بن معاوية بن عبدالله بن جعفر،
وعلى اليمن القاسم بن إسحاق. فقُتل القاسمُ قبل أن يصل إليها، واستعمل
٧٨٣

على الشام موسى بن عبدة ليذهب إليها ويدعو إلى محمد، فقتل محمد قبل
أن يصل موسى. وكان محمد شديد الأدمة جسيمًا فيه تمتمة .
وروى عباس بن سفيان عن أشياخ له قالوا: لما ظهر محمد قال
المنصور لإخوته: إن هذا الأحمق، يعني عبدالله بن علي وكان في سجنه،
لا يزال يطلع له الرأي الجيد في الحرب فادخلوا عليه فشاوروه ولا تُعْلِموه
إنِّي أمرتُكُم، فدخلوا عليه جميعًا. فلما رآهم قال: لأمر ما جئتم وما جاء
بكم جميعًا وقد هجرتموني من دهر؟ قالوا: استأذَنَّا أميرَ المؤمنين فأذِن لنا.
قال: ليس هذا بشيء فما الخبر؟ قالوا: خرج محمد. قال: فما ترون ابن
سلامة صانعًا؟ يعني المنصور، قالوا: لا ندري. قال: إن البُخْل قد قتله
فمُرُؤُه أن يُخرج الأموال ويُعط الأجناد فإن غلب فما أوشك أن يعود إليه
مالُه.
قال: وجهَّز المنصور عيسى بن موسى لحرب محمد وكتب إليه:
﴿إِنَّمَا جَزَاؤُاْ أَلَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ إلى قوله:
إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُواْ عَلَّهِمْ﴾ الآية [المائدة ٣٣ و٣٤]. ولك
عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله إن تبتَ ورجعت أؤمِّنك وجميعَ أهل
بيتك وأفعل لك وأعطيك ألف ألف درهم وما سألتَ من الحوائج. فكتب
جوابه إلى المنصور: من المهدي محمد بن عبدالله أبي عبدالله: ﴿طنمن
تِلْكَ ءَيَتُ اَلْكِتَبِ الْمُبِينِ ثَ نَتْلُواْ عَلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُواْ
يَحْذَرُونَ ﴾﴾ [القصص ١ - ٦] وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما
عرضت عليَّ، فإن الحق حقُّنا، وإنما ادَّعيتم هذا الأمر بنا، ثم ذكر شرفه
وأبوَّته حتى إنَّه قال: فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وابن أهونهم
عذابًا في النار(١)، وأنا ابن خير الأخيار، وابن خير الأشرار، وابن خير أهل
الجنة، وابن خير أهل النار، وأنا أوفى بالعهد منك لأنك أعطيتني من العهد
والأمان ما أعطيته رجالاً قبلي، فأي الأمانات تعطيني! أمان ابن هبيرة، أم
أمان عمك عبدالله بن علي، أم أمان أبي مُسلم (٢).
(١) يشير إلى جده أبي طالب.
(٢) ينظر نص الكتاب في تاريخ الطبري ٧ / ٥٦٧ - ٥٦٨.
٧٨٤

فأجابه المنصور: جُلُّ(١) فخرك بقرابة النِّساء، لتضلَّ به الغوغاء، لم
يجعل الله النساء كالعمومة، بل جعل العمَّ أبًا، وأمَّا ما ذكرتَ من كذا، فأمره
كذا، ولقد بعث الله محمدًا وَّرَ، وله أعمام أربعة، فأجاب اثنان أحدهما
أبي، وأبى اثنان أحدهما أبوك، فقطع الله ولايتهما منه، ولا ينبغي لك ولا
لمؤمن أن يفخر بالنار، وفخرك بأنَّك لم تلدك أمَةٌ فتعدَّيت طورَك وفخرت
على من هو خيرٌ منك، إبراهيم ابن رسول اللهَ وَّل، وما خيار بني أبيك إلا
بنو إماء، ما ولد فيكم بعد وفاة النبي ◌ّي أفضل من علي بن الحُسين وهو
لأمّ ولد، وهو خير من جَدِّك، وما كان فيكم بعده مثل ابنه محمد بن علي،
وجدَّته أم وَلَد، وهو فخير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر بن محمد، وهو
خير منك. وأما قولك إنَّكم بنو رسول الله بَّ فإنَّ الله قال في كتابه: ﴿مَّا
كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب ٣٣]، ولكنكم بنو ابنته، وأمَّا ما
فخرت به من عليٍّ وسابقته، فقد حضرت رسولَ الله مَّ الوفاةُ فأمر غيرَه
بالصلاة، ثم أخذ الناس رجلاً بعد رجل فلم يأخذوه، وكان في ستة أهل
الشورى فتركوه، ثم قتل عثمان وهو به مُتَّهمٌ، وقاتله طلحة والزبير، وأبى
سعدٌ بيعتَه وأغلق دونَه بابَه، ثم طلبها بكل وجِه، وقاتل عليها، وتفرَّق عنه
عسكرُه، وشكّ فيه شيعته قبل الحكومة، ثُمَّ حكّم حكمين رضي بهما
وأعطاهما عهده وميثاقه، فاجتمعا على خَلْعه، ثم قام بعده حسن فباعها من
معاوية بدراهم وثياب ولحق بالحجاز، وأسلمَ شيعتَهُ بيد معاوية ودفعَ الأمرَ
إلى غيرِ أهله، وأخذ مالاً من غير ولاته، فإن كان لكم فيها شيء فقد
بعتموه. ثم خرج الحسين بن علي على ابن مَرْجانة فكان الناس معه عليه
حتى قتلوه، ثم خرجتم على بني أميّة فقتلوكم وصلَّبوكم حتى قُتِل يحيى بن
زيد (٢) بن علي بخُراسان، وقتلوا رجالكم وأسروا الصِّبية والنساء،
وحملوكم بلا وطاء في المحامل إلى الشام حتى خرجنا على بني أمية فطلبنا
بثأركم وأدركنا بدمائكم وفضَّلنا سلفكم فاتخذت ذلك علينا حجة، وظننت
إنَّما ذكرنا أباك وفضَّلناه للتقدمة منا له على حمزة والعباس وجعفر، وليسَ
(١) في د: ((خل)) مصحفة، وأصل النص في تاريخ الطبري: ((فقد بلغني كلامك وقرأت
كتابك فإذا جُل فخرك بقرابة النساء ... )).
(٢) في د: ((يزيد)) خطأ واضح.
تاريخ الإسلام ٣/م٥٠
٧٨٥

كما ظننت، ولقد خرج هؤلاء من الدنيا سالمين، مجتمع عليهم بالفَضْل،
وابتُلي أبوكم بالقتال والحرب، فكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفَرة في
الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له وذكرنا فضله رضي الله عنه.
وكان محمد قد أخرج من السجن بالمدينة (١) محمد بن خالد
القَسْري، فرأى القسريُّ أن الأمر ضعيف، فكتب إلى المنصور في أمره،
فبلغ محمدًا فحبسه.
قال ابن عساكر(٢): ذَبَحَ ابنُ خُضَير أحد أعوان محمد رياحَ بن عثمان
فى هذه السنة.
وأما ابن معاوية فلما مضى إلى مكة كان في سبعين راكبًا وسبعة
أفراس فقاتل السري أمير مكة فقُتل سبعة من أصحاب السري، فانهزم
السريُّ ودخل ابن معاوية مكة فخطب ونَعى إليهم المنصور، ودعا لمحمد،
ثم بعد أيام أتاه كتاب محمد يأمره باللحاق به، فجمع جموعًا تقدم بها على
محمد، فلما كان بقُدَيد بلغه مصرع محمد فانهزم إلى البصرة فلحق بإبراهيم
ابن عبدالله حتى قتل إبراهيم.
وندب المنصور لقتال محمد ابن عمه عيسى بن موسى وقال في
نفسه: لا أبالي أيُّهما قتل صاحبَه، فجهَّز مع عيسى أربعة آلاف فارس،
وفيهم محمد ابنِ السفاح، فلما وصل إلى فَنْد كتب إلى أهل المدينة فَي
خِرَق الحرير يتألَّفهم، فتفرَّق عن محمد خَلْقٌ. وسار منهم طائفة لتلقِّي
عيسى والتحيُّر إليه، فاستشار محمد عبدالحميد بن جعفر، فقال: أنت أعلم
بضَعْف جمعك وقلَّتهم، وبقوة خَصْمك وكثرة جنده. والرأي أن تلحق
بمصر، فوالله لا يردُّك عنها رادٌّ فيقاتل الرجل بمثل رجاله وسلاحه، فصاح
جُبير بن عبدالله: أعوذ بالله أن تخرج من المدينة وقد ورد أن النبي ◌َّ قال:
(رأيتُني في درع حصينة فأوَّلتُها المدينة)). ثم إنَّ محمدًا استشار: هل يخندق
على نفسه، فاختلف عليه رأي أصحابه، فلما تيقَّن قربَ عيسى بن موسى
منه، حفر خندق رسول الله مَ له وحفر فيه بيده تأسِّيًا بالنبي ◌َّل.
(١) من هنا تنقطع نسخة البشتكي التي في كوتا (١٥٦٣).
(٢) تاريخ دمشق ١٨/ ٢٧٠ - ٢٧١.
٧٨٦

وعن عثمان الزُّبيري، قال: اجتمع مع محمد جمع لم أرَ أکثر منه،
إني لأحسبنا قد كنا مئة ألف، فلما دنا منا عيسى خَطَبَنا محمدٌ فقال: إن هذا
الرجل قد قرب منكم في عدد وعُدَد، وقد حللتُكم من بيعتي، فمن أحبَّ
فلينصرف، قال: فتسلّلوا حتى بقي في شِرذمة. وخرجَ الناس من المدينة
بأولادهم إلى الأعوص والجبال، فلم يتعرَّض لهم عيسى، بل جهز خمس
مئة إلى ذي الحليفة يمسكون طريق مكة على محمد، ثم راسله يدعوه إلى
الطاعة وأن المنصور قد أمَّنه، فأرسل إليه: إياك أن يقتلك من يدعوك إلى
الله فتكون شرَّ قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوِزْرِك. فأرسل إليه عيسى: ليس
بيننا إلا القتال، فإن أبيتَ إلا القتال نقاتلكَ على ما قاتل عليه خير آبائك
عليٌّ طلحة والزبير علی نکث بيعتهم له.
وعن ماهان مولی فَحْطبة، قال: لما صرنا إلى المدينة أتانا إبراهيم بن
جعفر بن مصعب طليعةً فطاف بعسكرنا حتى حَزَره، ثم ذهب عنا فرعبنا
منه، حتى جعل عيسى وحُميد بن قَخْطبة يقولان: فارس واحد يكون طليعةً
لأصحابه! فلما كان عنا مدَّ البصر نظرنا إليه مقيمًا لا يزول، فقال حُميد:
ويحكم انظروا، فوجَّه إليه فارسين، فوجدا دابَّته قد عُثرت به فتقوَّس
الجوشن في عنقه فقتله، فأخذا سَلَبه ورجعا بتنور مُذهَّب لم يُرَ مثله قيل :
كان لمصعب جَدِّه أمير العراق، ثم إنَّ عيسى أحاطَ بالمدينة في أثناء شهر
رمضان، ثم دعا محمد إلى الطاعة ثلاثة أيام، ثمَّ ساق بنفسه في خمس مئة
فوقف بقرب السُّور فنادى: يا أهل المدينة إن الله قد حَرَّم دماء بعضنا على
بعض، فهلُمُّوا إلى الأمان، فمن جاء إلينا فهو آمن، ومن دخل داره أو
المسجد أو ألقى سلاحه فهو آمن، خلُّوا بيننا وبين صاحبنا فإما لنا وإما له،
قال: فشتموه، فانصرف يومئذ ففعل من الغد كذلك، ثم عَبَّأ جيشه في اليوم
الثالث، وزحف فلم يلبث أن ظهر على المدينة، ولما التحم الحرب نادى:
يا محمد إن أمير المؤمنين أمرني أن لا أقاتل حتى أعرض عليك الأمان،
فلك الأمان على نفسك ومن اتَّبعك، وتُعطى من المال كذا وكذا، فصاح:
الْهَ عن هذا، فقد علمتَ أنه لا يثنيني عنكمٍ فَزَع، ولا يقرِّبني منكم طمع، ثم
ترجَّل. قال عثمان بن محمد بن خالد: فإنِّي لأحسبه قتلَ يومئذ بيده سبعين
رجلاً.
٧٨٧

وروى محمد بن زيد، قال: دعا عيسى عشرةً من آل أبي طالبِ منهم
القاسم بن حسن بن زيد بن حسن بن عليٍّ، قال: فجئنا سوق الحطَّابين،
فدعوناهم فسَبُّونا، ورشقونا بالنَّبْل، وقالوا: هذا ابن رسول الله مَلَه معنا
ونحن معه، فقال لهم القاسم: وأنا ابن رسول الله، وأكثر من ترَوْن معي بنو
رسول الله، ونحن ندعوكم إلى كتاب الله وحقن دمائكم، ورجعنا، فأرسل
عيسى حُميد بن قَخْطبة في مئة. وجعل محمد ستور المسجد دراريع
لأصحابه؛ وكان مع الأفطس علم أصفر فيه صورة حية .
وقال عبدالحميد بن جعفر: كنا يومئذ مع محمد بن علي عدة أصحاب
بدر، ثم لقينا عيسى فتبارز جماعة.
وعن مسعود الرجَّال، قال: شهدتُ مقتلٍ محمد بالمدينة، فإنِّي لأنظر
إليهم عند أحجار الزيت، وأنا مشرف من سَلْع، إذ نظرتُ إلى رجل من
أصحاب عيسى قد أقبل على فرس فدعا إلى البراز، فخرج إليه راجل عليه
قباء أبيض، فنزل إليه الفارس، فقتله الراجل ورجع، ثم برز آخر من
أصحاب عيسى، فبرز له ذلك الرجل، فقتله، ثم برز ثالث فقتله، فاعتوره
أصحاب عيسى يرمونه، فأثبتوه، فأسرع فما وصل إلى أصحابه حتى خَرَّ
صريعًا، ودام القتال من بكرة إلى العصر، وطمَّ أصحاب عيسى الخندقَ،
وجازت الخيل، وذهب محمد يومئذ قبل الظهر، فاغتسل وتَحَتَّط، ثم جاء .
قال عبدالله بن جعفر، فقلت له: بأبي أنت وأمي مالك بما ترى طاقة،
فاخرُج تلحق بالحسن بن معاوية بمكة، فإنَّ معه جُلَّ أصحابك، فقال: لو
رحت لقُتِل هؤلاء، فوالله لا أرجع حتى أقتُل أو أُقْتَل، وأنت مني في سعة
فاذهب حیث شئتَ.
وقال إبراهيم بن محمد: رأيتُ محمدًا عليه جُبَّة ممشَّقة وهو على
بِرْذَوْن، وابنُ خُضَير(١) يناشده الله إلا مضى إلى البصرة، ومحمد يقول:
وَالله لا تُبلَونَّ بي مرتين، ولكن اذهب فأنت في حِلِّ. فقال: وأين المذهب
عنك؟ ثم مضى فأحرقَ الديوان وقتل رِياحًا في الحَبْس، ثم لحق محمدًا
بالثنيَّة، فقاتل حتى قُتِلَ.
(١) في د: ((حصين))، محرف.
٧٨٨

وقيل: قَتَل مع رياح أخاه عباس بنٍ عثمان، وكان مستقيم الطريقة،
فعاب الناسُ ذلك عليه، ثم إنَّ محمدًا صلَّى العصر وعَرْقَب فرسه، وعرقب
بنو شجاع دوابَّهم، وكسروا أجفان سيوفهم، فقال لهم: قد بايعتموني
ولست ببائع حتى أُقتل، ثم إنَّه حمل وهزم أصحاب عيسى مرتين، ثم جاء
أصحاب عيّسى من ناحية بني غِفار، وجاؤوا من خَلْف محمد وأصحابه،
فنادى محمد حُميد بن قَحْطَبة: إن كنتَ فارسًا فابرز، فلم يبرز له، وجعل
حُميد يدعو ابن خضير إلى الأمان، ويشخُّ به عن الموت، وهو يشد على
الناس بسيفه مترجِّلاً، وخالط الناس، فجاءته ضربة على ألْيته، وأخرى على
عينه فخرَّ، وقاتل محمد على جثته حتى قُتِلَ. وعهدَ الذين دخلوا المدينة من
ناحية بني غفار فنصبوا علمًا أسود على المنارة، ودخل حُميد بن فَحْطَبة في
زقاق أشجع، فهجم على محمد فقتله وهو غافلٌ، وأخذَ رأسَهُ، وقتل معه
جماعة .
وقيل: جاءت محمدًا ضربة على أذنه، فبرك وجعل يذب عن نفسه
بسيفه ويقول: ويحكم ابن نبيكم مَظْلوم، فنزل حميد فحزَّ رأسه.
وقيل: كان مع محمد سيف رسول الله وَّ ذو الفَقَار، فقدَّ الناس به،
وجعل لا يقاربه أحد إلا قتله، فجاءه سهم فوجد الموت، فكَسَرَ السيف.
وروى عَمْرو مولى المتوكل، وكانت أمه تخدم فاطمة بنت الحُسين،
قال: كان مع محمد يومئذ ذو الفقار، فلما أحس الموتَ أعطى السيفَ رجلاً
كان له عليه أربع مئة دينار، وقال: خذ هذا السيف فإنَّك لا تَلْقى أحدًا من
آل أبي طالب إلا أخذه منك وأعطاك حقك، فبقي السَّيْف عنده حتى وَلي
جعفر بن سُليمان المدينة فأخبر عنه، فدعاه وأعطاه أربع مئة دينار وأخذ
السيف، ثم صار إلى موسى(١) فجرَّبَ به على كلبٍ (٢)، فانقطع السيف.
وقال الأصمعي: رأيت الرشيد بطُوس متقلِّدًا سيفًا، فقال: ألا أُريك
(١) في د: ((أبي موسى))، وكتب الناسخ في الحاشية: ((لعله ابن موسى))، وما أثبتناه
يعضده ما في الطبري ٧/ ٥٩٦، وهو موسی الهادي والد الرشيد.
(٢) في د: ((فجربه على كلب))، وما هنا يعضده ما في الطبري.
٧٨٩

ذا الفقار؟ قلت: بلى. قال: اسلل سيفي هذا. قال: فرأيتُ فيه ثماني عشرة
فقارة .
وكان مصرع محمد عند أحجار الزَّيت بعد العصر يوم الاثنين في رابع
عشر رمضان سنة خمس هذه.
وقال الواقدي: عاش ثلاثًا وخمسين سنة.
وقيل: أذن عيسى في دفنه، وأمر بأصحابه فصُلبوا ما بين ثَنِيّة الوداع
إلى دار عُمر بن عبدالعزيز.
وقيل: لما خرج حمزة بن عبدالله بن محمد بن علي بن أبي طالب مع
محمد، كان جعفر الصادق ينهاه، وكان من أشد الناس مع محمد، وكان
جعفر يقول له: هو والله مقتول.
وبعث عيسى بن موسى بالرأس إلى العراق، ثم طيف به في البُلْدان،
وقبض عيسى على أموال بني الحسن .
وحدث أيوب بن عمر، قال: لقي جعفر بن محمد أبا جعفر
المنصور، فقال: يا أمير المؤمنين رُدَّ عليَّ قطيعتي عين أبي زياد آكل منها،
قال: إياي تكلُّم هذا الكلام! والله لأزهقنَّ نفسك. قال: فلا تعجل عليَّ،
فقد بلغت ثلاثًا وستين سنة، وفيها مات أبي وجدي وعلي بن أبي طالب
رضي الله عنه، فرقَ له، فلما مات المنصور ردَّ المهديُّ على أولاد جعفر
عین أبي زياد.
وقال محمد بن عثمان الزُّبيري: لما قُتل محمد، مَضَى أخوه موسى
وأبي وأنا ورجل من مُزَيْنة، فأتينا مكة، ثم سرنا إلى البصرة، فدخلناها
ليلاً، فمُسِكْنا وأرسلنا إلى المنصور، فلما نظرٍ إلى أبي قال: هيه، أخرَجْتَ
مع محمد؟ قال: قد كان ذلك، فأمر به، فضُربت عُنُقه، وهو عثمان بن
محمد بن خالد بن الزبير، ثم أمر بموسى فضُربَ بالسياطِ، ثم أمر بضرب
عنقي، فكلّمه فيَّ عمُّه عيسى بن علي وقال: ما أحسبَهُ بَلَغ، فقلت: يا أمير
المؤمنين، كنت غلامًا تَبَعًا لأبي، فضُربت خمسين سَوْطًا، ثم حُبستُ حتى
أخرجني المهديُّ.
٧٩٠

وقيل: بل قتل عثمان لأنَّه سأله أين المال؟ قال: دفعته إلى أمير
المؤمنين محمد رحمه الله، فسبَّه، فجاوبه عثمان، فضربَ عُنُقَه .
وقيل: قال له: أنت الخارج عليَّ؟ قال: بايعت أنا وأنت رجلاً بمكة،
فوفيتُ أنا، وغدرتَ أنت(١).
واستعمل المنصور على المدينة عبدالله بن الربيع الحارثي، فثارت
عليه السُّودان بالمدينة، وسبب ذلك أن بعض جُنْده انتهب شيئًا من السوق،
فاجتمع الرؤساء إلى ابن الرَّبيع وكلَّموه، فلم يُنكِر ولا غيَّر، ثم اشترى
جنديٌّ من لخَام وأبى أن يوفِّيه الثمن وشهر سيفه على اللخَّام، فطعنه اللحام
بشَفْرته في خاصرته فسقط، فتنادى الجزَّارون والسودان على الجُنْد وهم
يذهبون إلى الجمعة، فقتلوهم بالعُمُد، فهرب ابن الربيع بالليل، وهذا تم
في آخر العام.
وكان رؤوس السودان ثلاثة؛ وثيق ومعقل وربيعة(٢)، فخرج ابن أبي
سَبْرَة من السجن، فخطب ودعا الناس إلى الطاعة، فسكن الناس، ورجع
ابن الربيع وقطع يد وثيق وأيدي ثلاثة معه(٣).
بناء بغداد (٤)
في هذه السنة أُسِّست مدينة السلام بغداد، وهي التي تدعى مدينة
المنصور. سار المنصور يطلب موضعًا يتَّخذه بلدًا، فبات ليلة، وكان في
موضع القصر بَيْعَة قِسٍّ، فطاب له المَبِيت، وأقام يومًا فلم ير إلا ما يحبٍُّ
فقال: ها هُنا ابنُوا فإنَّه طَيِّب، وتأتيهَ مادة الفرات ودجلة والأنهار، فخطّ
بغداد، ووضع أول لَبِنةٍ بيده، فقال: بسم الله، وبالله، والحمد لله، ابنُوا
على بركة الله. وذلك بعد أن بعث رجالاً لهم فضلٌ يَتَطلَّبون موضعًا، ثم
(١) ينظر الطبري ٧/ ٥٥٢ - ٦٠٩، ومنه استفاد المصنف هذه الأخبار.
(٢) هكذا جاءت، وفي تاريخ الطبري ٧/ ٦١٠: ((يعقل ورمقة)).
(٣) من تاريخ الطبري ٧ / ٦٠٩ - ٦١٤ .
(٤) استوعب الخطيب البغدادي في تاريخ مدينة السلام (١ / ٣٧٥ - ٤٥٠ بتحقيقنا) أخبار
بناء مدينة بغداد ومحالها ونواحيها وغير ذلك، ومنه استفاد المصنف الأخبار الآتية
المتعلقة ببناء مدينة السلام حرسها الله تعالى.
٧٩١

وقع الاختيار على هذه البُقْعة، وسأل راهبًا هناك عن أمر الأرض وصحَّتها
وقال: هل تجدون في كُتُبكم أنه يُبْنَى هاهنا مدينة؟ قال: نعم يبنيها
مِقلاص، قال: فأنا كنت أُدْعَى بذلك، وكذلك لما بنى مدينة الرافقة قال له
راهب: إن إنسانًا يبني هنا مدينةً يقال له: مِقلاص، قال: أنا هو، فبناها
على نحوٍ من بغداد، لكنها أصغر.
وعن سُليمان بن مُجالد، قال: أحضر المنصور الصُّنَّاع والفَعَلة من
البلاد، وأحضر المهندسين والحكماء والعلماء، وكان ممن أحضر حَجَّاج
ابن أرطاة، وأبو حنيفة، ورُسمت له بالرماد، بسورها، وأبوابها، وأسواقها،
ثم أمر أن يُعمل على ذلك الرسم.
وروي من وجه آخر أنَّ المنصور قال لذلك الراهب: أريد أن أبني هنا
مدينة، فقال: إنما يبنيها مَلِك يقال له: أبو الدوانيق، فضحك وقال: أنا
هو، واختطَّها ووكَّل بها أربعة قوَّاد، وولَّى أبا حنيفة القيام بعمل الآجرِّ.
وقيل: كَمُل سورها في أربع سنين. وكانت البقعة مَزْرعة تُدعى
المباركة، لستِّين نفسًا، فعوّضهم المنصور وأعطاهم فأرضاهم، وجَدُّوا في
البناء بعد انقضاء فتنة ابن حسن .
وقيل: ليس في الدُّنيا مدينة مدوَّرة سواها، عَمِلَ في وسطها دار
المملكة بحيث إنه إذا كان في قصره كان جميع أطراف البلد إليه سواء، وقد
تم بناؤها المهم في عام، وسكنها ونقل إليها خزائنه وبيوت المال.
وقيل: سِعَتُها مئة وثلاثون جريبًا، أنفق عليها ثمانية عشر ألف ألف
درهم.
قال بدر المعتضدي: قال لنا أمير المؤمنين: انظروا كم سعة مدينة
المنصور، فحَسَبْنا فإذا هي ميلين مكسَّرَين في ميلين .
وقيل: مسافة ما بين كل باب وباب ألفٌ ومئتا ذراع(١).
وكان في هذا الوقت رَخَاء الأسعار بالعراق حتى أبيع الكَبْش بدِرهم
والحَمْل بأربعة دوانيق، والتَمْر ستون رطلاً بدرهم، والزيت ستة عشر رطلاً
بدرهم، والسَّمْن ثمانية بدرهم.
(١) هذه الأخبار من تاريخ مدينة السلام ١/ ٣٨١ فما بعدها، كما بيناً.
٧٩٢

قال أبو نعيم: أنا رأيت يُنادى في جبَّانة كِندة: لحم الغنم ستون رطلاً
بدرهم، والعسل عشرة بدرهم(١).
وقال غيره: كل بغداد مبنيّة بالآجُرِّ، اللَّبِنَة ذراعٌ في ذراع، زنتها مئة
رطل وسبعة عشر رطلاً، ولها أربعة أبواب، بين الباب والباب ثمانية
وعشرون برجًا، وعليها سوران، ثم بُني الجامعُ والقصرُ، وكان في صدر
القصر إيوان طوله عشرون ذراعًا، عليه القبة الخضراء ارتفاعها ثمانون ذراعًا .
سقط رأسُها ليلة مطر ورعدٍ عظيمٍ في سنة تسع وعشرين وثلاث مئة(٢).
وكان لا يدخل هذه المدينةً أحدٌ راكبًا سوى المنصور وابنه.
قال الصولي: قال أحمد بن أبي طاهر: ذَرْعُ بغداد، يعني الجديدة،
قال: ذرع الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جَرِيب. وفي نسخةٍ أخرى من غير
رواية الصولي: إنها من الجانبين ثلاثة وأربعون ألف جريب وسبع مئة.
ثم قال الصولي: وذكر ابن أبي طاهر أن عدد حمَّاماتها كانت ذلك
الوقت ستين ألفًا. وقال: أقل ما يُدبِّر كلَّ حمَّام خمسةُ أنفس، وذكر أن بإزاء
كل حمَّام خمسة مساجد.
قلت: كذا نقل الخطيب في تاريخه(٣)، وما أعتقد أنا هذا قط ولا
عُشْرَ ذلك.
ثم قال الخطيب (٤): حدَّثني هلال بن المُحَسِّن، قال: كنت بحضرة
جدِّي إبراهيم بن هلال الصابي، فقال تاجر، فذكر أن ببغداد اليوم ثلاثة
آلاف حمَّام، فقال جدي: سبحان الله! هذا سُدُس ما كُنَّا عددناه وحصرناه
زمن الوزير المهلَّبي، ثم كانت في دولة عضدُ الدولة خمسة آلاف وكَسْرًا.
ونقل ابن خَلَّكان(٥): أن استكمال بغداد كان في سنة تسع وأربعين
ومئة، وهي بغداد القديمة التي بالجانب الغربي على دجلة، وبغّداد اليوم
هي الجديدة التي في الجانب الشرقي، وفيها دار الخلافة، وقد كان السفاح
(١) كذلك ١/ ٣٧٨ فما بعدها.
(٢) من تاريخ مدينة السلام ١/ ٣٨٣.
(٣) كذلك ٤٣٩/١.
(٤) نفسه .
(٥) وفيات الأعيان ٢ / ١٥٤.
٧٩٣

بنى عند الأنبار مدينة الهاشمية وسكنها، ثم انتقل إلى الأنبار وبها توفي.
خروج إبراهيم
وخرج إبراهيم بن عبدالله بن حسن، أخو محمد المذكور بالبصرة.
قال مطهر بن الحارث: أقبلنا مع إبراهيم من مكة نريد البصرة، ونحن
عشرة أنفس، فدخلناها، ثم نزلنا على يحيى بن زياد بن حسَّان النبطي.
وعن إبراهيم، قال: اضطرني الطَّلَب بالمَوصل حتى جلست على
موائد أبي جعفر، وكان قد قدمها يطلبني، فتحيَّرت، ولفظتني الأرضُ،
فجعلت لا أجد مساغًا، ووضع عليَّ الطلب والأرصاد، ودعا يومًا بالناس
إلى غَدائه، فدخلتُ في الناس، وأكلت، ثم خرجت وقد كفَّ الطلب.
وقد جرت لإبراهيم أمورٌ في اختفائه، وربما وقع به بعض الأعوان
فيصطنعه ويُطْلِقه لِمَا يعلم من جبروت أبي جعفر، ثم اختفى بالبصرة،
فجعل يدعو الناس فيستجيبون له لشدَّة بُغْضِهم للمنصور لبُخْله وعَسِفِه .
قال ابن سَعْد(١): لما ظهر محمد بن عبدالله وغلب على الحرمين وجَّه
أخاه إبراهيم إلى البصرة فدخلها في أول رمضان من سنة خمس فغلب
عليها، وبيَّض أهلُ البصرة ونزعوا السَّواد، وخرج معه من العلماء جماعة
كثيرة. ثم تأهَّب لحرب المنصور.
قال ابن جرير(٢) وغيرُه: بايعه نُمَيْلة بن مُرَّة، وعفو الله(٣) بن سفيان،
وعبدالواحد بن زياد، وعمر بن سَلَمة الهُجيمي، وعُبيد الله بن يحيى
الرَّقاشي، وندبوا له الناسَ، فأجابَ طائفةٌ حتى قاربوا أربعة آلاف، وشُهر
أمرُه، وقالوا له: لو نهضتَ إلى وسط البصرة أتاك مَن أتاك، فنزل في دار
أبي مروان النَّيْسابوري.
قال عفو الله بن سفيان: أتيتُ إبراهيم يومًا وهو مرعوب، فأخبرته
بكتاب أخيه أنَّه ظهر بالمدينة، وأنَّه يأمره بالخروج، فوجم لها واغتَمَّ
(١) طبقاته الكبرى (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ٣٧٨ - ٣٧٩).
(٢) تاريخه ٧/ ٦٢٨، وخبر خروج إبراهيم، فيه جاء به مطولاً ٧ / ٦٢٢ - ٦٤٩، ومنه
استفاد المصنف سائر ما هنا .
(٣) في د: ((عبدالله)).
٧٩٤

فأخذت أُسهّل عليه وأقول: قد اجتمعَ لك أمرُك؛ معك مضاء التَّغلبي
والطُهوي والمغيرةُ وأنا وجماعة، فنخرجُ إلى السجن في الليل فنفتحه،
ويصبح معك خَلْقٌ من الناس، فطابت نفسُه. وبلغ ذلك المنصور فجهّز
جيشًا إلى البصرة، ثم سار فنزل الكوفة ليكتفي شر الشيعة وفَتْقهم.
قال أبو الحسن الحَذَّاء: ألزم المنصور الناسَ بالسَّواد، فكنتُ أراهم
يَصْبغون ثيابهم بالمِداد، يعني السوقة، ثم جعل يحبس أو يقتُل كلَّ من
يتَّهمه بالكوفة. وكان ابن ماعز الأسَدي يبايع لإبراهيم بالكوفة سِرًّا. وقتل
المنصورُ جماعةً كثيرة عَسفًا وظُلمًا. وكان بالمَوْصل ألفا فارس لمكان
الخوراج، فطلبهم المنصور. فلما كانوا بباحَمْشا (١) اعترضَ أهلُها العسكر،
وقالوا: لا ندعكم تجاوزُونا لِتَنْصُروا أبا جعفر على إبراهيم، فقاتلوهم:
فقُتل منهم خمس مئة(٢).
وأما أمير البصرة سُفيان بن معاوية، فتهاون في أمر إبراهيم حتى
عجز، واتَّسع الخَرْقُ، فبقي كلما قيل له: إبراهيم خارج، لم يعرِّج على قول
أحد، فلما خرج إبراهيم جعل أصحابُه ينادون سفيانَ وهو محصور: اذكرْ
بيعَتَك في دار المخزوميين، فيقال: كان مداهِنًا لإبراهيم مما في قلبه على
المنصور .
وكان ظهور إبراهيم في أول رمضان في الليل، فصار إلى مقبرة بني
يَشْكُّر في بضعة عشر فارسًا، وقَدِمَ تلك الليلة أبو حماد الأثرم في ألفين،
فنزل الرَّحبة، فكان إبراهيم أول شيء أصاب دوابَ أولئك العسكر
وأسلحتهم، فتقوَّى بها، ثم صلَّى بالناس الصُبْح في الجامع، فتحصَّن منه
سفيان في دار الإمارة، وأقبل الخَلْق إلى إبراهيم من بين ناصر وناظر، ثم
نزل إليه سفيان بالأمان، ودخل إبراهيم الدارَ، وعفا عن الجند، وقيّد سفيان
بقَيدٍ خفيفٍ، فأقبل لحربه جعفر بن سُليمان وأخوه محمد بن سليمان في
ست مئة، فنَدَبَ إبراهيم لقتالهم مضاءَ بن جعفر في خمسين من بين فارس
وراجل، فهزمهم مضاء، وجُرح محمدُ بن سُليمان، ووجد إبراهيم في بيت
(١) مكان بين أوانا والحظيرة، على طريق الموصل بغداد.
(٢) من تاريخ الطبري ٧ / ٦٣٢ - ٦٣٣ .
٧٩٥

المال ست مئة ألف أو أكثر، ففرّقها على أصحابه خمسين خمسين، وجهَّز
المغيرة في خمسين مقاتلاً إلى الأهواز، فقدمها وقد صار معه نحو المئتين.
وكان على الأهواز محمد بن الحُصين، فالتقى المغيرة فانكسر ابن
الحُصين، وغلب المغيرةُ على الأهواز.
ثم أراد إبراهيم المسيرَ إلى الكوفة، وبعث إلى فارس عمرو بن
شدَّاد، فسار إليه من رامهرمز يعقوب بن الفضل، فاتَّفقا وغلبا على إقليم
فارس، فلو توجَّه إبراهيم إلى إقليم فارس لتَمَّ له الأمر، واستعمل على
واسط هارون بن سعد العِجْلي عندما قدم إليه من الكوفة، فسار إلى واسط،
فجهّز المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المُسْلِي في خمسة آلاف، فكان
بينهما حرب ووقعات. وقد قُتل من أهل واسط والبصرة في هذه الكائنة عدد
كثير، ثم توادع الفريقان وكَلُّوا. فلما قُتل إبراهيم كما سيأتي، سار هارون
ابن سعد العجلي راجعًا إلى البصرة، فتوفي قبل أن يدخلها. نعم، وبقي
إبراهيم سائرَ شهر رمضان يُنْفِذُ عُمَّالَه إلى البلاد، حتى أتاه نَعيُّ أخيه محمد
بالمدينة، قبل العِيد بثلاثٍ، ففتَّ في عَضُدِه وبُهِتَ لذلك، وخرج يوم العيد
إلى المُصَلی فصلَّى بالناس، يُعرف فيه الحُزن والانكسار.
وقيل: إن المنصور لما بلغه خروج إبراهيم، قال: ما أدري ما أصنع،
ما في عسكري إلا ألفا رجل! فرَّقت عساكري، مع ابني بالرَّي ثلاثون ألفًا،
ومع محمد بن أشعث بإفريقية أربعون ألفًا، ومع عيسى بن موسى بالحجاز
ستة آلاف، ولئن سلمتُ من هذه لا يفارقني ثلاثون ألف فارس، ثم لم
ينشب أن قدم عليه عيسى من الحجاز مَنْصورًا، فوجَّهه على الناس لحرب
إبراهيم، وكتب إلى سَلْم بن قُتيبة فقدم إليه من الرَّي. قال سَلْم: فلما
دخلت على المنصور قال لي: خرج ابنا عبدالله، فاعمد إلى إبراهيم، ولا
يرعبك جَمْعُه، فوالله إنَّهما جَمَلا بني هاشم المقتولان، فابسط يدك وثق.
وكتبَ سَلْم إلى البصرة يلاطفهم فلحقت به باهِلَة، فاستحث المنصور
ابنَه ليجهّز خازم بن خُزيمة إلى الأهواز، فسارَ بأربعة آلاف فارس، ففر منه
المغيرة إلى البَصْرة، ودخل خازم الأهواز فأباحها ثلاثًا، لكونهم نزعوا
الطاعة، ومكث المنصور لا يأوي إلى فراشه نيّفًا وخمسين ليلة .
--
٧٩٦

قال حجاج بن قُتيبة بن مسلم: دخلت على المنصور تلك الأيام وقد
جاءه فَتْق البصرة وفارس وواسط والمدائن وهو مُطرق يتمثل :
إن الرئيس لمثل ذاك فعول
ونصبتُ نفسي للرِّماح دريئةً
وما أظنُّه يقدر على رد السلام، للفتوق المحيطة به؛ ولمئة ألف سيف
كامنةٍ بالكوفة ينتظرون صيحةً فيثبون، فوجدته صَقْرًا أحوَذيًّا (١) مشمِّرًا، قد
قام إلى ما نزل به من النوائب يمرسُها ويعرُّكها .
وعن عبدالله بن جعفر المديني، قال: خرجنا مع إبراهيم إلى باخَمْرا
فعسكرنا بها، فأتانا ليلةً، فقال: انطلق بنا نطوفُ في عسكرنا، قال: فسمع
أصوات طنابير (٢) وغناء، فرجع، ثم أتاني ليلةً أخرى، فانطلقنا فسمعنا مثل
ذلك فرجع وقال: ما أطمع في نصر عسكرٍ فيه مثل هذا.
وعن داود بن جعفر بن سُليمان، قال: أحصى ديوان إبراهيم من أهل
البصرة مئة ألف مقاتل .
وقال آخر: بل كان معه عشرة آلاف، وهذا أشبه .
وكان مع عيسى بن موسى خمسة عشر ألفًا، وعلى طلائعه حُمَيْد بن
قحْطبة في ثلاثة آلاف. وأما إبراهيم فأشاروا عليه أن يسلك غير الدَّرْبِ،
فيَبْغَتَ الكوفةَ، فقال: بل أُبَيِّتُ عيسى.
وعن هريم، قال: قلت لإبراهيم: إنَّك غير ظاهر على المنصور حتى
تأتي الكوفة، فإن صارت لك بعد تحصُِّنِهِ بها، لم تقم له بعدها قائمة، وإلا
فدَعْني أسير إليها فأدعو إليك سرًّا، ثم أجهر، فإنهم إن سمعوا داعيًا
أجابوه، وإن سمع المنصور هَيْعةً بأرجاء الكوفة طار إلى حُلْوان، فقال(٣):
(١) في المطبوع من تاريخ الطبري ٧/ ٦٤١: ((أحوزيًا)) بالزاي، وهو من قلب عوام
المصريين للذال المعجمة زايًا عند لفظها .
(٢) الطنابير: جمع طنبور، وهو ضرب من المعازف.
(٣) ظاهر ما هنا أن هذا القول لإبراهيم، والخبر من تاريخ الطبري ٧/ ٦٤٣، غير أن
سياق الكلام فيه يدل على غير ذلك، قال هريم: ((فأقبل (يعني إبراهيم) على بشير
الرحال، فقال: ما ترى يا أبا محمد؟ قال (يعني بشيرًا): إنا لو وثقنا بالذي تصف
لكان رأيًا، ولكنا لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة فيرسل إليهم أبو جعفر خَيْلاً فيطأ
البريء والنطف ... فقلت البشير: أخرجت حين خرجت لقتال أبي جعفر وأصحابه، =
٧٩٧

لا نأمن أن تجيبك منهم طائفة فتطأ خيلَ المنصور الصغير والكبير، فتكون
قد تعرضت لمأثَم، فقلت: خرجت لقتال مثل المنصور، وأنت تتوقَّى قتل
الصغير والكبير! أليس قد كان رسول الله وَلّه يوجِّه السريّة فتقاتل، فيكون
في ذلك نحو ما كرهت! فقال: أولئك مشركون، وهؤلاء أهلُ قِبْلتنا.
ولما نزل باخَمْرا كتب إليه سَلْم بن قُتيبة: إنَّك قد أصْحَرْت ومثلك
أنفسُ به على الموت، فخندِق على نفسِك، فإن كنتَ لم تفعل، فقد أعرى
المنصور عسكره، فخِفَّ في طائفة حتى تأتيه فتأخذ بقفاه، فعرض ذلك
إبراهيم على قوَّاده فقالوا: أنخندق على نفوسنا ونحن ظاهرون عليهم! والله
لا نفعل. وقال بعضهم: أنأتيه وهو في أيدينا متى أردنا؟ وقال آخر: لما
التقى الجمعان قلت لإبراهيم: إن الصف إذا انهزمت تعبئتُه تَدَاعى، فاجعلنا
كراديس، فإن انهزمَ كُرْدوس ثبت كُرْدوس، فتنادى أصحابه: لا لا، إلا
تعبئة أهل الإسلام(١) وقتالهم؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِهِ»
صَفًا﴾ [الصف ٤].
وقال آخر: أتيت إِبراهيم فقلت: إنهم مُصْبِحوك بما يسُدُّ عليك مغربَ
الشمس في السلاح والكُراع، وإنما معك رجال عُراة، فدعنا نبيّتهم، فقال:
إني أكره القتل. فقلت: تريد المُلْك وتكره القتل! والتقوا بباخَمْرا، وهي
على يومين من الكوفة، فاشتدَّ الحربُ، والتحم القتالُ، فانهزم حُمَيد بن
قَحْطبة، وكان على المقدِّمة، فانهزم الجيش، فناشدهم عيسى بن موسى الله
تعالى، ومَرَّ الناسُ، فثبت عيسى في مئة فارس من خواصِّه، فقيل له: لو
تنخَّيتَ. فقال: لا أزول حتى أُقُتل أو أفتح، ولا يُقال: انهزم.
وعن عيسى، قال: لما رأى المنصور توجيهي إلى إبراهيم، قال: إن
المنجمين يزعمون أنَّك لاقيه، وإن لك جولة، ثم يَفيء إليك أصحابك،
فكان كما قال؛ فلقد رأيتُني وما معي ثلاثة أو أربعة، فقال غلامي: علام
تقف؟ فقلت: والله لا ينظر إليَّ أهلُ بيتي منهزمًا، ثم كان أكثر ما عندي أن
وأنت تتوقى قتل الضعيف والصغير، والمرأة والرجل؟ ... )). وساق نحو ما هنا
=
وجعله من كلام بشير.
(١) في د: ((الشام))، ولا معنى لها هنا، فقد استشهد بعدها بالآية، ثم إن ما أثبتناه يعضده
ما في تاريخ الطبري وابن الأثير.
٧٩٨

أقول لمن مرَّ بي من المنهزمين: أقرئوا أهل بيتي السلام، وقولوا: إنِّي لم
أجد فِداءً أفديكم به أعزَّ عليَّ من نفسي، وقد بذلتُها لكم، فأنا لكذلك، إذ
صَمَد ابنا سُليمان لإبراهيم فخرجا من ورائه، فنظر أصحاب إبراهيم فإذا
القتال من ورائهم، فكرُّوا، فركبنا أعقابهم، فلولا ابنا سُليمان بن علي
لافتضحنا، وكان من صُنع الله أنَّ أصحابنا لما انهزموا، اعترض لهم نهر
دون ثنيَّتين عاليتين، فحالتا بينهم وبين الفرات، ولم يجدوا مَخَاضة، فكروا
راجعين بأنفسهم، ثم انهزم أصحابُ إبراهيم، فثبت هو في نحوٍ من خمس
مئة. وقيل: بل ثبت في سبعين رجلاً، ثم حمل حُمَيد بن فَحْطبة في طائفةٍ
معه، وقاتلوا قتالاً شديداً، حتى أنَّ الفريقين قتلوا بعضهم بعضًا، وجعل
حُميد يبعث بالرؤوس إلى بين يدي عيسى، وثبتوا عامَّةً يومهم يقتتلون، إلى
أن جاء سهم غَربٌ لا يُدرَى من رَمَى بهِ، فوقع في حَلْقِ إبراهيم، فتنخَّى عن
موقفه، فأنزلوه، وهو يقول: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قُدَرًا مَّقْدُورًا .. ﴾ [الأحزاب]،
أردنا أمرًا وأرادَ الله غيرَهُ، فاجتمع عليه أصحابه يحمونه، فأنكر حُمَيد
اجتماعهم، وأمر فحملوا عليه، فقاتلوا أشدَّ قتال يكون، حتى انفرجوا عن
إبراهيم، فنزل أصحابُ حُميد، فاحتزُوا رأس إبراهيم، وأتي به عيسى،
فنزل وسجدَ لله، وبعث به إلى المنصور، وذلك لخمس بقينَ من ذي
القَعْدة. وعمره ثمان وأربعون سنة.
وقيل: كان عليه قباء زَرَد، فَآذاه الحَرُّ، فحلَّ إزارَه، وحَسَرَ عن
صدره، فأصابت صدرَه نشَّابَةٌ، فاعتنق فرسَهُ، وكرّ راجعًا، ووصل أوائل
المنهزمين من عسكر المنصور إلى الكوفة، فتهيَّأ المنصور للهرب، وأعدَّ
النجائب ليذهب إلى الرَّي، فيقال: إن نوبخت المنجِّم دخل عليه فقال:
الظفر لك، وسيُقتل إبراهيم، فلم يقبل منه، فقال: احبسني عندك، فإن لم
يُقتل إبراهيم وإلاّ فاقتلني، فبات طائرَ اللُّب، فلمَّا كانَ الصباح أُتي برأس
إبراهيم. فتمثَّل بيت معقر البارقي :
كما قَرَّ عينًا بالإياب المسافرُ
فألقَتْ عَصَاها واستقرَّ بها النَّوى
قال خليفة بن خيَّاط(١): صلى إبراهيم بن عبدالله العيدَ بالناس أربعًا،
(١) تاريخه ٤٢٢، والخبر فيه مختصر، ولعل ما نقله المصنف من رواية أخرى لتاريخ =
٧٩٩

وخرج معه أبو خالد الأحمر، وعيسى بن يونس، وعبَّاد بن العوام، وهُشَيْم،
ويزيد بن هارون في طائفة من العُلماء ولم يخرج معه شُعبة، وكان أبو حنيفة
يجاهر في أمره ويأمر بالخروج. وحدَّثني من سمع حماد بن زيد يقول: ما
كان بالبصرة أحد إلا وقد تغيَّر أيام إبراهيم إلا ابن عون. وحدَّثني ميسور بن
بكر أنه سمع عبدالوارث يقول: فأتينا شُعبة فقلنا: كيف ترى؟ قال: أرى أن
تخرُجوا وتُعينوه، فأتينا هشامَ بن أبي عبدالله فلم يُحِبْنا بِشيء، فأتينا سعيدَ
ابن أبي عروبة، فقال: ما أرى بأسًا أن يدخل رجلٌ منزلَهُ، فإن دخل عليه
داخلٌ قاتله.
وقال عُمر بن شَبَّة: حدثنا خلاد بن يزيد الباهلي، سمع شعبة بن
الحجاج يقول: باخَمْرا بَدْرٌ الصُّغْرى. وقال أبو عُبيد الآجري: هي وقعة
إبراهيم، وهي بإزاء هزابان داخل الصحراء.
وقال أبو نعيم: فلما قُتل إبراهيم، هرب أهلُ البصرة بحرًا وبرًّا
واستخفى الناسُ، وقُتل معه بشير الرخَّال الأمير، وجماعة كثيرة.
وقال محمد بن عبدالله بن عَمَّار: خرج مع إبراهيم خَلْق، وجميع أهل
واسط، وابنا(١) هشيم، وخالد بن عبدالله الطحان، ويزيد بن هارون،
وغيرهم.
وفيها خرجت التُّرك الخَزَرية، وهم أهل صحراء القَفْجَاق من باب
الأبواب، وقتلوا بأرمينية خلقًا كثيرًا وسَبَوا الحريم.
سنة ست وأربعين ومئة
فيها توفي أشعث بن عبدالملك الحُمْراني، والحارث بن عبدالرحمن
ابن أبي ذُباب المدني، وحبيب بن الشهيد بخُلُف، وسنان الزُّهاوي،
وعبد الله بن سعيد بن أبي هند المدني، وعَوْف الأعرابي، ومحمد بن السائب
الكَلْبِي، ومحمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهشام بن عُروة على الصَّحيح،
خليفة، أو أنه مما سقط من المطبوع.
=
(١) ذكر ابن سعد أحدهما وهو: معاوية بن هشيم بن بشير (طبقاته، القسم المتمم
٣٧٩).
٨٠٠