Indexed OCR Text
Pages 141-160
وقال حمّاد بن زيد، عن عُبيدالله، قال: كان القاسم لا يفسِّر، يعني القرآن . وعن أبي الزّناد قال: ما كان القاسم يجيب إلاَّ في الشيء الظَّاهر. وقال ابن عَوْن: إنَّ القاسم قال في شيء: أرى ولا أقول: إنَّه الحق . وقال عِكْرمة بن عمَّار: سمعت القاسم وسالمًا يلعنان القَدَريَّة . قال زيد بن يحيى الدمشقي: حدثنا عبدالله بن العلاء، قال: سألت . القاسم يُملي عليَّ أحاديثَ، فقال: إنَّ الأحاديث كثُرت على عهد عمر رضي الله عنه فأنشد (١) الناس أن يأتوه بها، فلما أتوهُ بها أمر بتحريقها، ثم قال: مَثْنَاة كَمَثناةِ أهلِ الكتاب! قال: فمنعني القاسم يومئذٍ أن أكتب حديثًا . قال الواقدي: كان مجلسُ القاسم وسالمٍ في المسجد واحدًا، ثم جلس فيه بعدهما عبدالرحمن بن القاسم، وعُبيدالله بن عمر، ثم جلس فيه بعدهما مالكٌ بين القبر والمنبر. أفلحُ بن حُميد، عن القاسم، قال: اختلاف الصَّحابة رحمة . محمد بن معاوية النَّيْسابوري: حدثنا ابن أبي المَوَال، قال: رأيت القاسم يأتي المسجدَ أوَّلَ النهار فيصلِّي رَكْعَتين، ثم يجلس بين النَّاس فيسألونه . سليمان بن بلال، عن ربيعة، قال: كان القاسم قد ضَعُفَ جدًّا، فكان يركب من منزله حتى يأتي مسجدَ مِنى، فينزل عند المسجد، فيمشي من عند المسجد إلى الجمار ويرميها . قال حنظلة بن أبي سفيان: رأيت على القاسم خاتمًا من وَرق حلقة فيها اسمه، في خِنْصَره اليُسرى. وقال محمد بن هلال: رأيت القاسم لا يُحفي شاربه جدًّا . وقال أبو نُعيم: حدثنا خالد بن إياس، قال: رأيت على القاسم جُبَّةَ خٍَّ، وكساءَ خٍَّ، وعمامةَ خَرٍّ . وقال أفلح بن حُميد: كان القاسم يلبس جُبةَ خٍَّ . (١) في السير ٥٩/٥ : فناشد. ١٤١ وقال العَطَّاف بن خالد: رأيت القاسم وعليه جُبَّةَ خَزِّ صفراء، ورداء مُبَتَّت . وقال أبو نُعيم: حدثنا مُعاذ بن العلاء، قال: رأيت القاسم بن محمد، فرأيت على رَحْله قطيفةً من خَزَّ غَبْراءَ، وعليه رداءٌ مُمصَّرٌ. وقال عبد الله بن العلاء بن زيد: دخلت على القاسم بن محمد، وهو في قُبَّة(١) مُعَصفرةٍ، وتحته فراش مُعَصفر . وقال معن: حدثني خالد بن أبي بكر، قال: رأيت على القاسم عمامةً بيضاءَ، قد سَدَلَ خَلْفهُ منها أكثر من شبر. وقال غيره: كان القاسم يَخْضب رأسه ولِحْيَته بالحِنَّاء. وقال آخر: لم أره يَخْضب . وقال فِطرُ بن خليفة: رأيت القاسم يُصَفِّر لِحْيته . وقال القعنبيُّ: حدثنا محمد بن صالح، عن سليمان بن عبدالرحمن، قال: مات القاسم بقُديد، فقال: كفّنوني في ثيابي التي كنت أصلِّي فيها؛ قميصي وإزاري وردائي، هكذا كُفِّن أبو بكر، والحيُّ أحْوَجُ إلى الجديد. وقال خالد بن أبي بكر: أوصى القاسمُ أن لا يُبْنى على قَبْره. وقال عبدالعزيز الماجشُون: مات بقُديد ودُفن بالمُشَلَّل، وبينهما ثلاثةُ أميال . قال الواقدي: مات سنة ثمانٍ ومئة، وكان قد ذهب بَصرُه. وقال خليفة(٢): مات في آخر سنة ستٍّ، أو أول سنة سبع ومئة. وقال الهيثم، وابن بُكير: سنةَ سبع. وقال ابن المديني:َّ وأبو عُبيد، وجماعة: سنة ثمانٍ . وقيل: سنة اثنتي عشر ومئة، وهو قَوْلٌ شاءٌ(٣). (١) في د: ((قبوة))، وما هنا من النسخ الأخرى، والسير ٥/ ٦٠، ويؤيده ما في طبقات ابن سعد ٥/ ١٩٢. (٢) طبقاته ٢٤٤ . (٣) تنظر طبقات ابن سعد ٥ / ١٨٧ - ١٩٤، وتهذيب الكمال ٤٢٧/٢٣ - ٤٣٦. ١٤٢ ٢١١ - القاسم بن محمد الثقفيُّ الشاميُّ. عن معاوية، وأسماءَ بنت أبي بكر. وعنه قَيس بن الأحنف، وعثمان ابن الأحنف، وعثمان بن المنذر. وقيل: إنَّ الذي روى عن معاوية هو القاسم أبو عبدالرحمن(١). · - القاسم بن مُخَيمرة، في الطبقة الآتية(٢). ٢١٢ - القُطاميُّ الشاعر المشهور، عَمرو (٣) بن شِييم، ويقال: شِييم بن عَمرو التَّغلبيُّ. كان نصرانيًا فأسلم، ومدح الوليد بن عبدالملك، وغيره، وهو صاحب هذه الكلمة السَّائرة التي أوَّلها(٤): إِنَّا مُحَيُّوكَ فاسلم أيُّها الطَّلَلُ وإنْ بَليتَ وإنْ طالت بك الطَّيَلُ وما هداني لتسليمٍ على دِمَنِ بالعمر غيرهنَّ الأعصر الأولُ والنَّاس من يلقَ خيرًا قائلونَ لَهُ ما يَشتهي ولأمِّ المخطىءِ الهَبَلُ قد يُدركُ المُتَأْنِّي بعضَ حاجَتِهِ وقد يكون مع المُسْتَعجلِ الزَّلَلُ وربما فات قومًا بعض أمرهم من التأني وكان الحزم لو عجلوا والعيشُ لا عيشَ إلاَّ ما تَقَرُّ به عَينٌ ولا حال إلاَّ سوفَ تَنْتَقِلُ أمّا قريشٌ فلن تَلقاهُمُ أبدًا إلاَّ وهُم خير من يَخْفى ويَنْتعلُ قومٌ هم أمراءُ المؤمنينَ وهُم رَهْطُ الرَّسولِ فما من بعده رُسُلُ(٥) ٢١٣- م٤: القعقاع بن حكيم المدنيُّ. عن عائشة، وابن عمر، وجابر بن عبدالله، وعلي بن الحسين، وأبي صالح السَّمَّان، وجماعة. وعنه سُمي، وسُهيل بن أبي صالح، وزيد بن أسلم، وابن عَجْلان . (١) من تاريخ دمشق ٤٩ / ١٥٥ - ١٥٧. (٢) الترجمة (٢٢٨). (٣) ويقال: ((عمير)). (٤) ينظر ديوانه بتحقيق الدكتورين: إبراهيم السامراتي وأحمد مطلوب، وهي أول قصيدة فیه . (٥) من تاريخ دمشق ٤٦ /٩٦ - ١٠٤. ١٤٣ وثقه أحمد بن حنبل، وغيره(١). ٢١٤ - د: قيس بن الحارث. عن عُبادة بن الصَّامت، وأبي سعيد الخُدري، وغيرهما. وعنه عمر ابن عبدالعزيز، ويحيى بن يحيى الغَسَّاني، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، وغيرهم. وثقه أحمد بن عبدالله العِجْلي (٢). ٢١٥- ٤: قيس بن عَبَاية، أبو نَعَامة الحنفيُّ البصريُّ. عن ابن عباس، وعبدالله بن مُغَفَّل. وعنه أيوب السَّختياني، وسعيد الجُرَيري، وخالد الحذَّاء، وعثمان بن غياث، وغيرهم. وهو بالكنية أشهر، وثقه غيرُ واحد(٣). ٢١٦ - د: كثير بن عُبيد، مولى أبي بكر الصِّدِّيق. عن عائشة، وزيد بن ثابت، وأبي هريرة. وعنه ابنه سعيد، وحفيده عَنْبسة بن سعيد(٤)، وابن عَوْن، ومجالد بن سعيد(٥) . ٢١٧- كُثَيِّرْ عَزَّة، الشاعر المشهور، هو كُثَيِّر بن عبدالرحمن بن الأسود الخُزاعيُّ، أبو صَخْر المدنيُّ. قدم الشامَ، ومدح عبدالملك بن مروان، وغيره. قال الزُبير بن بكّار: كان شيعيًّا يقول بتَنَاسُخ الأرواح، ويقرأ ﴿فِيَ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّكَّبَكَ جَ﴾ [الانفطار]، قال: وكانٌ خَشَبِيًّا (٦) يؤمن بالرَّجْعَة، يعني رجعة عليٍّ رضي الله عنه إلى الدنيا. قال عمرو بن عثمان الحِمْصي: حدثنا خالد بن يزيد عن جَعْوَنَة، (١) من تهذيب الكمال ٦٢٣/٢٣ - ٦٢٤ . (٢) ثقاته (١٥٢٦)، والترجمة من تهذيب الكمال ٨/٢٤ - ١٠. (٣) من تهذيب الكمال ٢٤/ ٧٠ - ٧٢. هو عنبسة بن سعيد بن كثير بن عبيد الحاسب، وروايته عنه عند أبي داود. (٤) (٥) من تهذيب الكمال ٢٤/ ١٤٣ - ١٤٤. (٦) الخشبية: فرقة من فرق الشيعة، وهم أتباع المختار بن أبي عبيد الثقفي في أصح الأقوال . ١٤٤ قال: كان لا يقوم خليفة من بني أُمَيَّة إلاّ سبَّ عليًّا، فلم يسُبَّه عمرُ بن عبدالعزيز حين استُخلف، فقال كُثَيِّرٌ: وليت فلم تَشْتُم عليًّا ولم تُخْف بَنِيهِ ولم تَتْبع سَجيَّة مُجرمٍ وقلتَ فصَدَّقتَ الذي قلتَ بالذي فعلتَ فأضْحَى راضيًا كلٌّ مُسلمٍ وكان قد أحَبَّ عزَّةَ وشَبَّبَ بها، فمن ذلك(١). وإِنِّي لتهيامي بِعَزَّةَ بعد ما تخلَّيتُ ممَّا بينا وتَخَلَّتِ لكَالمرتجي ظِلَّ الغَمَامَةِ كُلَّمَا تَبَوَّأْ منها لِلْمَقيل اضمَحَلَّتِ وقلتُ لها: ياعزُّ كلُّ مُصيبةٍ إذا ذُلِّلَت يومًا لها النفسُ ذَلَّتِ قال يونس بن حبيب النَّحوي: كان عبدالله بن أبي إسحاق يقول: كُثَيِّرٌ أَشْعرُ أهلِ الإسلام، ورأيتُ ابن أبي حَفْصةَ يُعجبهُ مذْهَبهُ في المديح جدًّا، يقول: كان يستقصي المديحَ، وكان فيه خَطَلٌ وعُجبٌ، وكانت له عند قُریشِ منزلةٌ وقدرٌ. وروى سعيد بن يحيى الأموي، عن أبيه قال: لَقيت امرأةٌ كُثَيِّر عَزَّة، وكان قليلاً دميمًا، فقالت: من أنت؟ قال: كُثَيَر عَزَّة، فقالت: تَسمعُ بالمُعَيديِّ خيرٌ من أنْ تراه. قال: مَهِ أنا الذي أقول: فإِنْ أُ مَعْرُوقَ العِظام فإنَّني إذا ما وَزَنتُ القومَ بالقومِ وازنُ قالت: وكيف تكون بالقوم وازنًا وأنتَ لا تُعرف إلاَّ بِعَزَّة! قالَ: والله لَئِن قلت ذاك لقد رَفَعَ اللهُ بها قَدْري، وزَيَّن بها شِعْري، وإِنَّهَاَ لكما قُلتُ : وما رَوْضةٌ بالحُسن طاهرةُ الثََّى يَمُجُّ النَّدَى جَثْجَاتُها وَعَرارُها بأطْيبَ من أردانِ عَزَّةَ مَوْهنًا وقد أُوقدت بالمنْدلِ الرَّطبِ نَارُها من الخفرات البيض لم تلق شِقْوةً وبالحَسبِ المَكْنُون صافٍ نجارُها فإنْ بَرَزت كانت لِعَيْنكَ قُرَّةً وإن غِبتَ عنها لم يعممكَ عارُها(٢) قال الزُبير بن بكَّار: قال عمر بن عبد العزيز: إني لأعرف صلاحَ بني هاشم وفسادهم بحُبِّ كُثَير، فمن أحَبَّهُ منهم فهو فاسدٌ، ومن أبغضهُ فهو صالح، لأنَّه كان خشبيًّا يؤمن بالرَّجْعة. (١) ينظر الأغاني ٢٩/٩ - ٣٠. (٢) ينظر وفيات الأعيان ٤/ ١١٠. تاريخ الإسلام ١٠٣/٣ ١٤٥ قال جُوَيرية بن أسماء: مات كُثَيَر وعِكْرمة في يوم واحد، فاحتفَلَت قريشٌ في جنازة كُثَير، ولم يوجد لِعِكْرمةً من يحمله. قال الغلابي: ماتا في سنة خمسٍ ومئة. وقال جماعة: سنة سبع ومئة (١). ٢١٨ - دن: كُردوسَ الثَّعْلبيُّ الكوفيُّ القاصُّ. روى عن ابن مسعود، وحُذيفة، وأبي موسى، وعائشة. وعنه عبدالملك بن عُمير، وابن عَوْن، ومنصور بن المُعْتمر، وآخرون(٢) . ٢١٩ - دت ق: لِمازة بن زَبَّار، أبو لبيد الجَهْضميُّ البصريُّ. روى عن عمر، وأبي موسى الأشعري. وعنه الزُّبير بن الخِرِّيت، ويَعْلى بن حكيم، وجماعة. حضر وقعةَ الجمل مع عائشة، وقد وثقه ابن سعد(٣). وقال أحمد بن حنبل: صالح الحديث. وقال حمّاد بن زيد: رأيت أبا لَبِيد يُصفّر لِحْيتهُ، وكانت تبلغُ سُرَّتَه. وقال وهب بن جرير، عن أبيه، عن أبي لَبِيد، وكان شَتَامًا؛ قال ابن مَعين (٤): نرى أنَّه كان يشتم عليًّا رضي الله عنه . وروى الزُّبير بن الخِرِّيت، عن أبي لَبِيد، قال: وَفَدنا إلى يزيد فقالوا : هو يشرب الخمر، فهاجت ريحٌ فألقت خيمته، فإذا هو قد نشر المُصْحف وهو يقرأ(٥) . قلت: ما يُلامُ الشِّيعيُّ على بُغض هذا النَّاصبيِّ اليَزِيدي الذي ينال من عليٍّ ويروي مناقبَ یزید . ٢٢٠ - مالك بن أسماء بن خارجة الفَزَاريُّ الشاعر. وَفَدَ على عبدالملك بن مروان، وحكى العُتبي، أنَّه كان عاملاً (١) من تاريخ دمشق ٧٦/٥٠ - ١١١. (٢) من تهذيب الكمال ١٦٩/٢٤ - ١٧١ . (٣) طبقاته ٢١٣/٧. (٤) تاريخ الدوري ٥٠٠/٢ . (٥) من تاريخ دمشق ٢٩٩/٥٠ - ٣٦٠، وينظر تهذيب الكمال ٢٥٠/٢٤ - ٢٥٢. ١٤٦ للحَجَّاج على الحِيرَة، وكان صِهْرًا له، فَبَلغهُ عنه شيءٌ فعزله، فلما ورد عليه قال: أنت القائل : حبَّذا لَيْلتي بحيث نُسَقَّى قهوةً من شَرَابنا ونُغَنَّى حيث دارت بنا الزُّجاجةُ حتى حَسبَ الجاهلونَ أنَّا جُننًا ونَزَلْنا بِنِسْوةٍ عَطراتٍ وَسَمَاعٍ وَقَرْقَفٍ فَنَزْلِنَا (١) فقال: بل أنا القائل: ربَّما قد لُقيتُ أمس كئيبًا أَقْطَعُ اللَّيلَ عَبْرَةً وَنَحِيبا أيُّها المُشْفِقُ المُلُّ حذارًا إنَّ للموت طالبًا ورقيبا فَصلُ ما بين ذي الغِنَى وأخيهِ أن يُعارَ الغَنْيُّ ثَوْبًا قَشِيبا فَرَقَ الحَجَّاجُ ودمعت عينُهُ، ثم حبسه، وبعث إلى أهل عمله يكشف عليه، فقالوا بينهم: هذا صِهْر الأمير، يَغْضبُ عليه اليوم، ويرضى عنه غدًا. فلما دخلوا قال كبيرُهم: ما وَلِينا أحدٌ قطَّ أعَفَّ منه. فأمر بضرب الكبير ثلاث مئة سَوطٍ، ثم سأل أصحابه، فرفعوا كلَّ شيءٍ، فقال له الحَجَّاجِ: ما تقول يا مالك؟ قال: أَصْلحَ اللهُ الأميرَ، مثلي ومَثلُك ومثلُ هؤلاء والمضروبُ، مثلُ أسدٍ كان يخرج إلى الصَّيد فيصحبه ذئبٌ وثعلبٌ، فاصطادوا حمارَ وَحشِ وَتيسًا وأرنبًا، فقال الأسد للذّئب: من يكون القاضي؟ فقال: وما الحاجة إليه! الحمار لك، والتَّيْس لي، والأرنب للثعلب، فضربه الأسد ضربةً وَضعَ رأسه بين يديه، ثم قال للثعلب: من يقسم هذا؟ قال: أنت، أصلحك الله، قال: بل أنت، أنا الأمير، وأنت القاضي. قال: فالحمار لِغَدائك، والتَّيْس لِعَشَائِك، والأرنب تَتَفَكَّهُ به، فقال: وَيْحكَ يا أبا الحُصين، ما أعدلك! منِ عَلَّمكَ القضاءَ؟ قال: عَلَّمَنيه رأسُ الذئب؛ فالشيخ المضروب هو الذي علَّم هؤلاء. فضحك الحَجَّاجُ، ووصل المضروبَ، وخلَّى سبيلَ مالك. رواها أيضًا عبدالله بن أبي سعد الوراق، عن أبي جعفر الضبي، عن عاصم بن الحَدَثان، عمَّن شهد الحجّاج . (١) القرقف : الخمر. ١٤٧ وروى الزُّبير بن بكَّار بإسنادٍ : كان الحَجَاجُ يُنشدُ قولَ مالك بن أسماء : يا مُنزلَ الغَيْث بعدما قَنَطُوا ويا وَليَّ النَّعماء والمِنَنِ يكونُ ما شئتَ أن يكون وما قَذَّرتَ أن لا يكون لم يكن لو شئتَ إذ كان حُبُّها عَرَضًا لم تُرني وَجْهَها ولم تَرَني يا جارة الحيِّ كُنتِ لي سَكنًا وليس (١) بعضُ الجيران بالسَّكنِ أذْكُر من جارتي ومجلسها طَرَائفًا من حديثها الحسنِ ومن حديث يزيدُني مِقَةً ما لحديث المَحْبُوبِ من ثَمنِ ثم يقول الحَجَّاج: فَضَّ الله فاه، ما أشعره! قال مُصعبُ الزُّبيري، وغيره: رأى ابن أبي ربيعة رجلاً في الطَّواف قد بهر النَّاسَ بحُسنه، فسأل عنه، فقيل: هو مالك بن أسماء الفَزَاري، فجاءه وعانقه وقال: أنت أخي، قال: فمن أنا ومن أنت. روى عمر بن شَبَّة عن رجل، لمالك بن أسماء بن خارجة : أمُغَطَّى مِنِّي على بَصَري بالـ ـحُبِّ أم أنتِ أكملُ النَّاس حُسنا وحديثٍ ألذُّه هو ممَّا تشتهيه النفوسُ يُوزنُ وَزْنا مَنطقٌ صائبٌ وتَلْحِنُ أحيا نّا وخَيرُ الحديث ما كان لحنا(٢) ٢٢١ - ع: مُجاهد بن جَبْر، أبو الحَجَّاج المكَّيُّ المُقرىء المفسّر، أحد الأعلام، مولى السَّائب بن أبي السَّائب المخزوميِّ. وُلد في خلافة عمر. وسمع سعد بن أبي وقاصٍ، وعائشة، وأُمَّ هانىء، وأبا هريرة، وأُسيد بن ظَهَير، وابن عباس ولَزمهُ مُدَّةً طويلة، وعبدالله بن عَمرو، ورافع بن خَدِيج، وابن عمر، وخلفًا سواهم. وعنه عِكْرمة، وطاوس، وجماعةٌ من أقرانه، وقتادة، ومنصور، والأعمش، وعمرو بن دينار، وأيوب السَّخْتياني، وابن عَوْن، وعمر بن ذَرٍّ، وعبدالله بن (١) في الأمالي ٩٠/٣ وتاريخ دمشق ٣٥٦/٥٦: ((إذ ليس))، وما أثبتناه من النسخ. (٢) من تاريخ دمشق ٣٤٨/٥٦ - ٣٦٠. ١٤٨ أبي نجيح، ومعروف بن مُشكان، وخَلْقٌ. روى محمد بن عبدالله الأنصاري: حدثنا الفَضْلِ بن مَيْمُون، سمع مجاهدًا يقول: عرضتُ القرآنَ على ابن عباسٍ ثلاثين مرة. محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن مجاهد، قال: عرضتُ القرآنَ على ابن عباس ثلاث عَرْضاتٍ، أقفُهُ عند كلِّ آيةٍ، أسأله: فيمَ نزلت؟ وكيفَ كانت؟ محمد بن عبدالله بن عبدالحكم: حدثنا الشَّافعي، قال: حدثنا إسماعيل بن عبدالله بن قُسْطَنطين، قال: قرأت على شِبل بن عَبَّاد، وقرأ على ابن كثير، وأخبره ابن كثير أنَّه قرأ على مجاهد، وقرأ مجاهد على ابن عباس . قال الثَّوري: خُذوا التفسير، من أربعةٍ؛ مجاهد، وسعيد بن جُبير، وعِكْرمة، والضَّخَّاك. وقال خُصيف: كان مجاهد أعلَمَهُم بالتفسير . وقال قتادة: أعلم من بقي بالتفسير مجاهد. قال أبو بكر بن عياش: قلت للأعمش: ما لهم يتَّقُون تفسيرَ مجاهد؟ قال: كانوا يرون أنَّه يسأل أهلَ الكتاب. قال ابن المديني: سمع مجاهدٌ عائشة. وقال القطّان: لم يسمع منها. قال محمد بن عبدالله الأنصاري: قال ابن جُرَيج: لأن أكون سمعت من مجاهد فأقول: سمعت مجاهدًا، أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي. قال ابن معين وجماعة: مجاهدٌ ثقة. وقيل: سكن الكوفةَ بأخرة. قال سَلَمة بن كُهَيل: ما رأيت أحدًا يريد بهذا العلم وَجْهَ الله إلاَّ هؤلاء الثلاثة؛ عطاء، ومجاهد، وطاوس. بقية، عن حبيب بن صالح: سمعت مجاهدًا يقول: استفرغ علمي القرآن . شُعبة، عن رجلٍ سمع مجاهدًا يقول: صحبتُ ابن عمر، وأنا أريد أن أخدمه، فكان يخدمني . ١٤٩ وروى إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: ربّما أخذ لي ابن عمر بالرِّكاب . وقال الأعمش: كنت إذا رأيتُ مجاهدًا ازْدَرَيتُه، مبتذلاً، كأنَّه خَرْبَندجٌ(١) ضَلَّ حمارُهُ وهو مهتم (٢). الأجْلحُ، عن مجاهد، قال: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه نِيَّة، ثم رَزَقَ الله النِّيَّةَ بعد . وقال منصور: قال مجاهد: لا تُنَوَّهُوا بي في الخَلْقِ . وقال حُصين، عن مجاهد: بينا أنا أصلِّي، إذ قام مثلُ الغلام ذات ليلةٍ، فشددتُ عليه لآخُذه، فوثب، فوقع خلف الحائط، حتى سَمعتُ وقعته، ثم قال: إنَّهم يهابونكم كما تهابونهم من أجل مُلك سليمان. وعن الأعمش قال: كنت إذا نظرت إلى مجاهدٍ كأنَّه جمَّال، فإذا نطق خرج من فيه اللؤلؤ. قال حُميد الأعرج: كان مجاهد يكبِّر من ﴿وَالضُّحَى٠َ﴾ [الضحى]. وروى الواقدي(٣): عن ابن جُريج، قال: بلغ مجاهد ثلاثًا وثمانين سنة . قال أحمد بن حنبل: حدثنا حمّاد بن خالد، سمعت شيوخنا يقولون : توفي مجاهد سنة ثلاثٍ ومئة. وكذا قال الواقدي، عن سيف بن سُليمان، وَتَبعهُ سعيد بن عُفير، وأبو عُبيد. وقال الهَيثمُ بن عدي، والمدائني، وأبو نُعيم، وعثمان بن أبي شَيْبة، وآخرون. توفي سنة اثنتين ومئة، زاد بعضُهُم: توفي وهو ساجد. وقال يحيى القطّان، وغيره: مات سنة أربع ومئة(٤). (١) فارسية معناها حارس الحمار أو مؤجِّره، والجمع: خربندكان. (٢) في السير ٤٥٢/٤: (مغتم))، وما هنا من النسخ، وهو الذي في طبقات ابن سعد ٥ / ٤٦٧ والمعرفة ليعقوب ١/ ٧١١، وتاريخ دمشق ٣٦/٥٧ الذي ينقل منه المصنف. (٣) رواه عنه ابن سعد في طبقاته ٥ / ٤٦٧ . (٤) من تاريخ دمشق ١٧/٥٧ - ٤٤. وينظر تهذيب الكمال ٢٢٨/٢٧ - ٢٣٦. ١٥٠ ٢٢٢ - محمد بن أوس بن ثابت الأنصاريُّ. عن أبي هُريرة. وعنه الحارث بن يزيد، وأبو الأسود محمد بن عبدالرحمن. وغزا مع موسى بن نصير، وكان على بحر تونس، وَليهُ سنة اثنتين ومئة، ولما قُتل أمير إفريقية يزيد بن أبي مسلم اجتمع أهلُها فأمَّرُوا عليهم محمد بن أوس، رحمهُ الله . ٢٢٣- ع: محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر بن الخطاب العدويُّ. روى عن سعيد بن زيد، وابن عباس، وجدِّه. وعنه بنوه الخمسة؛ عاصم وعمر وواقد وزيد وأبو بكر، والأعمش، وغيرهم. وله وفادةٌ على هشام بن عبدالملك. وثقه أبو حاتم، وغيره (١) . ٢٢٤ - ن: محمد بن سُويد بن كُلُثُوم القرشيُّ الفِهْريُّ . وَلي إمرةَ دمشق لسليمان بن عبدالملك، ثم إمرةَ الطائف لعُمر بن عبدالعزيز . روى عن عمِّ أبيه الضَّخَّاك بن قيس. وعنه مكحول، والزُّهري. وثقه أحمد العِجْلي(٢). ٢٢٥ - ع: محمد بن سيرين، أبو بكر الأنصاريُّ البصريُّ، الإمام الربّانيُّ، صاحب التعبير، مولى أنس بن مالك. كان سيرين من سبي جَرْجرايا، فكاتب أنسًا على مالٍ جليلٍ فَوفَّاه . قال أنس بن سيرين: وُلد أخي محمد لسنتين بقيتا من خلافة عثمان، ووُلدتُ بعده بسنة . سمع أبا هريرة، وعمران بن حُصين، وابن عباس، وابن عمر، وعدي ابن حاتم، وأنسًا، وعَبِيدة السَّلماني، وشُريحًا، وطائفة. وعنه قَتَادة، وأيوب، ويونس بن عُبيدً، وابن عَوْن، وخالد الحذَّاء، وعَوْف، وقُرَّة بن خالد، وأبو هلال محمد بن سُلَیم، وهشام بن حسَّان، ومهدي بن ميمون، (١) من تاريخ دمشق ٥٢/٥٣ - ٥٤، وينظر تهذيب الكمال ٢٢٦/٢٥ - ٢٢٨. (٢) ثقاته (١٦٠٥). والترجمة من تهذيب الكمال ٣٣٦/٢٥ - ٣٣٧. ١٥١ وجرير بن حازم، ويزيد بن إبراهيم، وعُقبة الأصمُّ، وخلق سواهم. قال هشام بن حسَّان، عن محمد، قال: حُجَّ بنا ونحن سبعة وَلدُ سيرين، فلما دخلنا على زيد بن ثابت قيل له: هؤلاء بنو سيرين، فقال: هذان لأُمّ، وهذان لأُمّ وهذان لأُمّ، وهذا لأمٍّ، فما أخطأ واحدًا، وكان مَعبد أخا محمد لأبويه(١) . قال هشام: أدرك محمد بن سيرين ثلاثين صحابيًّا . قال عمر بن شَبَّة: حدثنا يوسف بن عطيّة، قال: رأيت محمد بن سيرين، وكان قصيرًا، عظيم البطن، له وفرة، يفرق شعره، كثير المزاح والضَّحك، يَخْضب بالحِنَّاء. قال ابن عَوْن: كان محمد يأتي بالحديث على حروفه، وكان الحسن صاحب معنى . وقال عَوْن بن عُمارة: حدثنا هشام بن حسَّان، قال: حدثني أصدق من أدركتُ من البشر، محمد بن سيرين. وقال حبيب بنِ الشهيد: كنت عند عمرو بن دينار، فقال: واللهِ ما رأيت مثل طاوس قطّ، فقال أيوب، وكان جالسًا: والله لو رأى محمد بن سیرین لم يقُله. وقال مُعاذ بن معاذ: سمعتُ ابن عَوْن يقول: ما رأيت مثل محمد بن سيرين . وعن خُلَيف بن عُقبة قال: كان ابن سيرين نسيجَ وحده. قال حماد بن زيد، عن عثمان البَتِّي، قال: لم يكن بالبصرة أعلم بالقضاء من ابن سيرين(٢). وقال شعيب بن الحَبْحَاب: كان الشَّعبي يقول لنا: عليكم بذلك الأصمِّ، يعني ابن سيرين(٣). (١) هكذا في النسخ، وفي السير ٦٠٧/٤، وتاريخ بغداد ٢٨٥/٣: ((لأمه»، وكله صواب . (٢) هذا القول ساقط من د، وهو ثابت في النسخ الأخرى، والسير ٤ /٦٠٨. (٣) هذا القول ليس في أ، وهو ثابت في النسخ الأخرى، والسير ٤ /٦٠٨. ١٥٢ وقال ابن يونس: كان ابن سيرين أفطن من الحسن في أشياء. وقال جعفر بن سليمان، عن عَوْف، قال: کان محمد بن سپرِین حسن العِلْم بالفرائض والقضاء والحساب، ولكن والله ما رأيت أحدًا قطّ كان أدلَّ على طريق الجنَّة من الحسن . وقال أشعث: كان ابن سيرين إذا سُئل عن الحلال والحرام تغيَّر لونُهُ حتی یکون کأنَّه ليس بالذي كان. وقال مُوَرِّق العِجْلي: ما رأيت أحدًا أفقه في ورعه ولا أورع في فِقْهه من محمد بن سیرین . وقال أبو قلابة: من يستطيع ما يطيق محمد بن سيرين يركب مثل حدّ السِّنان . وقال أبو عَوانة: رأيت ابن سيرين مرَّ في السُّوق، فما رآه أحد إلاَّ ذكر الله . وروى الثَّوريُّ، عن زُهير الأقطع، قال: كان ابن سيرين إذا ذُكر الموت مات كل عُضوٍ منه علی حِدَته. وقال ابن عَوْنَ: ما رأيت رجلاً كان أعظم رجاءً لأهل الإسلام من محمد، ولا رأیت أسخی منه. وقال مهدي بن ميمون: رأيت ابن سيرين يتكلّم بأحاديث النَّاس وينشد الشِّعْرَ ويضحك حتى يميل، فإذا جاء الحديث من السُّنَّة كلح وتقبّض . وقال ثابت البناني: قال لي محمد: لم يكن يمنعني من مُجالستكم إلاَّ خوف الشُّهرة فلم يزل بي البلاء حتى أخذَ بلحيتي، فأقمت على المِصْطبة، فقيل: هذا ابن سيرين أكل أموال النَّاس. قال: وكان عليه دينٌ كثير. وذكر المدائني أنَّه اشترى زيتًا بأربعين ألفًا، فوجد فيه فأرةً فبدده. قلتُ: شكَّ، لأنه وجد الفأرة في زقٌّ وقال: الفأرة كانت في المعصرة . قال يونس بن عُبيد: كان ابن سيرين صاحب ضحك ومزاح. ٠١٥٣ وقال هُشيم عن منصور، قال: كان ابن سيرين يضحك حتى تدمع عيناه، وكان الحسن يحدثنا ويبكي. وقال سُليمان بن حرب: حدثنا عمارة بن مِهْران، قال: كنّا في جنازة حفصة بنت سيرين، فوُضعت الجنازةُ ودخل محمد بن سيرين صِهْرِيجًا يتوضَّأ، فقال الحسن: أين هو؟ قالوا: يتوضَّأ، قال: صَبَّا صَبًّا، دَلْكًا دَلْكًا، عذابٌ على نفسه وعلى أهله . قال حمّاد بن زيد: أخبرنا ابن عَوْن، قال: سمعت ابن سيرين يَنْهى عن الجدال إلاَّ رجاء إنْ كلَّمتَهُ أن يرجع. وقال محمد بن عَمرو: سمعت محمد بن سيرين يقول: كاتب أنسُ ابن مالك أبي أبا عَمْرةَ على أربعين ألف دِرْهم فأذَّاها . قال عُبيدالله بن أبي بكر بن أنس: هذه مُكاتبةُ سيرين عندنا، وكان قَيْنَا . قال ابن شُبرُمة: دخلت على محمد بن سيرين بواسط، فلم أر أجبن عن فُتيا ولا أجرأ على رُؤْيا منه . قال يونس بن عُبيد: لم يكن يَعْرض لمحمد بن سيرين أمران في دينه إلا أخذ بأوثقهما . وقال بكر المُزني: من أراد أن ينظر إلى أورع من أدركنا فلينظر إلى (١). . محمد بن سيرين وقال هشام بن حسَّان: كان ابن سيرين يتَّجر، فإذا ارتاب في شيءٍ تر که . وقال ابن عَوْن: كان محمد من أشدِّ النَّاس إزراءً على نفسه. وقال غالب القطَّان: خذوا بحِلم ابن سيرين، ولا تأخذوا بغضب الحسن . حماد بن سلمة، عن أيوب: كان ابن سيرين يصوم يومًا ويُفطر يومًا . (١) سقط هذا القول من د، وهو ثابت في النسخ الأخرى، والسير ٤/ ٦١٤. ١٥٤ وقال ابن عَوْن: كان يصوم محمد عاشوراء يومين، ثم يُفطر بعد ذلك يومين . وقال جرير بن حازم: كنت عند ابن سيرين فذكر رجلاً فقال: ذاك الأسود، ثم قال: إنَّا لله، أراني قد اغتبتُهُ. وقال مُعاذ، عن ابن عَوْن: إنَّ عمر بن عبدالعزيز بعث إلى الحسن فقبل، وبعث إلى ابن سيرين فلم يقبل . وقال ضَمْرة بن ربيعة، عن رجاء، قال: كان الحسن يجيء إلى السُّلطان ويعيبهم، وكان ابن سيرين لا يجيء إليهم ولا يعيبهم. وقال هشام: ما رأيت أحدًا عند سلطان أصلب من ابن سيرين . وقال حمّاد بن زيد، عن أيوب: رأيت الحسن في المنام مقيّدًا، ورأيت ابن سيرين في النَّوم مقيّدًا . أبو شهاب الحنَّاط، عن هشام: أنَّ ابن سيرين اشترى بَيْعًا من مَنُونيا (١) فأشرف فيه على ربح ثمانين ألفًا، فَعَرض في قلبه شيء فتركه. قال هشام: والله ما هو بربًا . قال ابن سعد (٢): سألت محمد بن عبدالله الأنصاري عن سبب الدَّين الذي ركب محمد بن سيرين حتى حُبس، قال: اشترى طعامًا بأربعين ألف دِرْهم، فأُخبر عن أصل الطعام بشيءٍ فكرهه فتركه، أو تصدَّقَ به، فَحُبس على المال، حبسه مالك بن المُنذر. قال هشام بن حسَّان: ترك محمد أربعين ألفًا في شيءٍ ما ترون به اليوم بأسًا . ويُروى عن ابن سيرين، قال: إنِّي لأعرف الذي حمل عليَّ الدَّينَ، قلت لرجل منذ أربعين سنة: يا مُفْلس. قال أبو سُليمان الدَّاراني وبَلَغَه هذا: قلَّت ذنوبُهُم فعرفوا من أين أتوا، وكثُرت ذنوبُنا فلم ندر من أين نُؤْتی . قال المدائني: كانوا يرون أنَّه عيَّر مرة رجلاً بالفَقْر، فابتُلي به. وقال قُريش بن أنس: حدثنا عبدالحميد بن عبد الله بن مُسلم بن يسار (١) منونيا: قرية من قرى نهر الملك، ونهر الملك كورة واسعة ببغداد. (٢) طبقاته ١٩٨/٧. ١٥٥ أنَّ السَّجَّان قال لابن سيرين: إذا كان اللَّيل فاذهب إلى أهلك، فإذا أصبحت فتعال. قال: لا والله لا أُعينُك على خيانة السُّلطان. وقال السَّري بن يحيى: ترك محمد رِبح أربعين ألفًا، قال لي التيميُّ: والله لقد تركها في شيء ما يختلف فيه العلماء أنَّه لا بأس به . قال مَعْمر: جاء رجل إلى ابن سيرين فقال: رأيت كأنَّ حمامةً التقمت لؤلؤةً فخرجت منها أعظم ممَّا كانت، ورأيت حمامةً أخرى التقمت لؤلؤةً، فخرجت أصغر ممَّا دخلت، ورأيت حمامةً أخرى التقمت لؤلؤةً، فخرجت منها كما دخلت سواء، فقال ابن سيرين: أمَّا التي خرجت أعظم ممَّا دخلت، فذاك الحسن يسمع الحديث فيجوِّده بمنطقه، ويصل فيه من مواعظه، وأمَّا التي خرجت أصغر ممَّا دخلت، فهو محمد بن سيرين يسمع الحديث فيُنقص منه، وأمَّا التي خرجت كما دخلت، فهو قتادة، فهو أحفظ الناس . ابن المبارك، عن عبدالله بن مسلم المَرْوزي، قال: كنت أُجالس ابن سيرين فتركتُهُ وجَالست الإباضيَّة، فرأيت كأنّ مع قوم يحملون جنازة النبيِّ ◌َ ل، فأتيت ابن سيرين فذكرته له فقال: مالك جالستَ أقوامًا يريدون أن يدفنوا ما جاء به النبيُّ وَلَ؟ وعن هشام بن حسَّان، قال: قصَّ رجل على ابن سيرين فقال: رأيت كأنَّ بيدي قدحًا من زجاج فيه ماء، فانكسر القدح وبقي الماء، فقال له : اتَّقِ الله، فإنَّك لم تر شيئًا، فَقال: سبحان الله! قال ابن سيرين: فمن كذب فما عليَّ، ستلد امرأتُك وتموتُ ويبقى وَلَدُها، فلما خرج الرجل قال: والله ما رأيت شيئًا. فما لبث أن وُلد له وماتت امرأتُهُ. قال: ودخل آخر فقال: رأيت كأنِّي وجارية سوداء، نأكل في قَصْعةٍ سمكةً، قال: أتهيءُ لي طعامًا وتدعوني؟ قال: نعم، ففعل، فلما وُضعت المائدة، إذا جارية سوداء، فقال له ابن سيرين: هل أصبتَ هذه؟ قال: لا ، قال: فادخُل بها المخدع، فدخل بها فصاح: يا أبا بكر، رجلٌ والله! قال: هذا الذي شاركك في أهلك. أبو بكر بن عياش، عن مغيرة بن حفص، قال: سُئل ابن سيرين، ١٥٦ فقال: رأيت كأنَّ الجوزاء تقدَّمت الثُّريًّا، فقال: هذا الحسن يموت قبلي ثم أتبعُه، وهو أرفع مني. وقد جاء عن ابن سيرين في التعبير عجائب يطول الكتاب بذكرها، وكان له في ذلك تأييد إلهيٌّ. قال حمَّاد بن زيد: حدثنا أنس بن سيرين، قال: كان لمحمد سبعة أوراد، فإذا فاته شيءٌ من الليل قرأه بالنهار . وقال حمَّاد، عن ابن عَوْن إنَّ محمدًا كان يغتسل كلَّ يوم. قلت: كان عنده وسواس، وقد ذكرنا تطويله في الوضوء يوم وفاة أُخته. قال مهدي بن ميمون: رأيت محمدًا إذا توضّأ فغسل رِجْلَيه بلغ عَضَلةَ ساقيه . وقال قُرَّة بن خالد، وغيره: كان نقش خاتم ابن سيرين كنيتُه؛ أبو بكر . قال مهدي: رأيته يتختَّم في الشِّمال. وقال محمد بن عمرو: سمعت ابن سيرين يقول: عقَقتُ عن نفسي بُختيَّة . وقال مهدي بن ميمون: رأيت ابن سيرين يلبس طَيْلسانًا ويلبس كساءً أبيض في الشتاء وعمامةً بيضاء وفَرْوة. وقال سليمان بن المغيرة: رأيت ابن سيرين يلبس الثياب الثمينة والطيالس والعمائم. وقال يحيى بن خُلَيف: حدثنا أبو خلدة، قال: رأيت ابن سيرين يتعمَّم بعمامة بيضاء لاطية، قد أرخى ذؤابتها من خلفه، ورأيته يَخْضب بالصُّفْرة. وقال أبو الأشهب: رأيت عليه ثياب كَتَّان . وقال مَعْنِ بن عيسى: حدثنا محمد بن عَمرو، قال: رأيت ابن سيرين خَضَبَ بحِنَاء وكَتَم، ورأيته لا يُحفي شاربه. وقال حُميد الطّويل: أمر ابن سيرين سُوَيَدًا أن يجعل له حُلَّة حِبَرَة یُكَفَّن فيها . وقال هشام بن حسّان: حدثتني حفصة بنت سيرين، قالت: كانت أُم ١٥٧ محمد حجازيةً، وكان يُعجبها الصبغ، وكان محمد إذا اشترى لها ثوبًا اشترى ألين ما يجد، فإذا كان عيدٌ صبغ لها ثيابًا، وما رأيته رافعًا صوته عليها، كان إذا كلَّمها كالمُصْغي إليها . قال بكار بن محمد، عن ابن عَوْن: إنَّ محمدًا كان إذا كان عند أُمَّه لو رآه رجلٌ لا يعرفه، ظنَّ أنَّ به مرضًا من خَفْض كلامه عندها . أزهر، عن ابن عَوْن، قال: كانوا إذا ذكروا عند محمد رجلاً بسيئة ذكره هو بأحسن ما يعلم، وجاءه ناس فقالوا: إنَّا نِلْنا منك، فاجعلنا في حلٍّ، فقال: لا أُحلُّ لكم شيئًا حرمه الله . قال جعفر بن بُرقان: حدثنا ميمون بن مِهْران قال: قدمتُ الكوفة وأنا أريد أن أشتري البزَّ، فأتيت ابن سيرين بالكوفة، فساومته، فجعل إذا باعني صنفًا من أصناف البزِّ قال: هل رَضيت؟ فأقول: نعم فيُعيد ذلك عليَّ ثلاثَ مرارٍ، ثم يدعو رجُلَين فيُشهِدُهُما، وكان لا يشتري ولا يبيع بهذه الدراهمِ الحَجَّاجيَّة، فلما رأيت وَرَعَه ما تركت شيئًا من حاجتي أجده عنده إلاَّ اشتريته، حتى لفائف البزِّ . أبو كُدَينة، عن ابن عَوْن، قال: كان ابن سيرين إذا وقع عنده درهم زَيْف أو سَتُّوق(١) لم يشتر به، فمات يوم مات وعنده خمس مئة ستُّوقة وزُيُوف . عارم: حدثنا حماد، عن غالب، قال: أتيت محمدًا، وذكر مزاحه، فسألته عن هشام فقال: توفي البارحة، أما شَعَرتَ؟ فقلت: إنَّا لله وإنّا إليه راجعون فضحك(٢). ذکر وفاته : قال عبدالوهاب بن عطاء: أخبرنا ابن عَوْن، قال: كانت وصيّة ابن سيرين: ذِكر ما أوصى به محمد بن أبي عَمرة يَنيه وأهله، أن يتَّقُوا الله ويُصلحوا ذاتَ بينهم، وأن يُطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم (١) هو الدرهم الزيف الملبس بالفضة، وداخله معدن أردأ من الفضة. (٢) قوله: ((فضحك))، سقط من د، وهو ثابت في النسخ الأخرى. ١٥٨ بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوبُ: ﴿يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ ﴾﴾ [البقرة] وأوصاهم أن لا يدعُوا أن يكونوا إخوانَ الأنصار ومواليهم في الدِّين، فإنَّ العفاف والصِّدْقَ خيرٌ وأبقى وأكرم من الزِّنا والكذب، وأوصى فيما ترك: إنْ حَدَثَ بي حدثٌ قبل أن أغيِّر وصيَّتي . قال ابن سعد(١): أخبرنا بكَّار بن محمد، قال: حدثني أبي، عن أبيه عبدالله بن محمد بن سيرين، قال: لمَّا ضمنتُ عن أبي دَيْنه قال لي: بالوفاء؟ قلت: بالوفاء. فدعا لي بخير، فقضى عبدالله عنه ثلاثين ألف دِرْهم، فما مات عبدالله حتى قَوَّمنا ماله ثلاث مئة ألف دِرْهمٍ أو نحوها . وقال أيوب: أنا زررتُ على محمد، يعني القميص لما كفَّنه. وروى أيوب، عن محمد أنَّه كان يأمر أن يُجعلَ لقميص الميِّت أزرار ويُكفّ. قال غير واحدٍ: مات ابن سيرين بعد الحسن بمئة يوم، وذلك في سنة عشرٍ ومئة، وعاش بِضْعًا وثمانين سنة، وقد مرَّ مولده أنَّه في خلافة عمر . قال خالد بن خداش: حدثنا حمّاد بن زيد، قال: مات ابن سيرين لتسع مَضَين من شؤَّال سنة عشرٍ ومئة. قال أبو صالح كاتبُ اللَّيث: حدثني يحيى بن أيوب أنَّ رجُلَين تآخيا فتعاهدا إنْ مات أحدُهُما قبل صاحبه أن يُخبره بما وجد، فمات أحدُهما فرآه صاحبه في النَّوم، فسأله عن الحسن البَصْريِّ، قال: ذاك ملك في الجنَّة لا يُعْصى. قال: فابن سيرين؟ قال: ذاك فيما شاء واشتهى، وشتّان ما بينهما، قال: فبأيِّ شيء أدرك الحسن؟ قال: بشدّة الخوف والحُزن. وقال المُحاربي: حدثنا الحَجَّاج بن دينار، قال: كان الحَكَم بن جحل صديقًا لابن سيرين، فحزن على ابن سيرين حتى كان يُعاد، ثم قال بعد: رأيته في المنام في حال كذا وكذا، فسألته لمَّا سرَّني: فما صنع الحسن؟ قال: رُفع فوقي سبعين درجة، قلت: بِمَ؟ فقد كنّا نرى أنك فوقه؟ قال: بطُول الحُزن. رواهما جماعة عن المُحاربي (٢). (١) طبقاته ٢٠٥/٧. (٢) من تاريخ دمشق ١٧٢/٥٣ - ٢٤٣، وينظر تاريخ بغداد ٢٨٣/٣ - ٢٩٣، وتهذيب الكمال ٣٤٤/٢٥ - ٣٥٥. ١٥٩ ٢٢٦ - دق: محمد بن طلحة بن يزيد بن رُكانة القُرشيُّ المطلبيُّ المگُّّ، ثم المدنيُّ . عن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص، وعِكْرمة، وسالم بن عبدالله . وعنه عمرو بن دينار مع تقدُّمه، ومحمد بن إسحاق، وجماعة . قيل: توفي في أول خلافة هشام. وثقه يحيى بن معين(١). وتوفي أخوه يزيد بن طلحة بعده بيسير . ٢٢٧- ع: محمد بن عَبَّاد بن جعفر القُرشيُّ المخزوميُّ المكِّيُّ. عن جدِّه لأُمِّه عبدالله بن السَّائب، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وجماعة. وعنه زياد بن إسماعيل، وابن جُريج، والأوزاعي، وآخرون. وكان ثقةً نبيلاً(٢) . ٢٢٨- ع: محمد بن كعب القُرظيُّ، أبو حمزة، ويقال: أبو عبدالله، وهو محمد بن كعب بن حَيَّان بن سُليم. كان أبوه من سَبي بني قريظة فنزل الكوفة، ووُلد له بها محمد، فيما قيل، وقد أخبرنا محمد بن قايماز وغيره، قالوا: أخبرنا ابن اللَّتي، قال: أخبرنا أبو الوَقْت، قال: أخبرنا أبو إسماعيل الحافظ، قال: أخبرنا عبدالجبار بن الجرَّاح، قال: أخبرنا ابن مَخْبوب، قال: حدثنا أبو عيسى(٣) الترمذي، قال: سمعت قُتيبة يقول: بلغني أنَّ محمد بن كعب القُرظي وُلد سھَلالله (٤) في حياة النبيِّ ◌َلَ(٤) . وقيل: نشأ محمد بالكوفة، ثم تحوَّل به أبوه إلى المدينة، واشترى بها أملاكًا . روى عن علي، وابن مسعود، وأبي الدَّرداء، وأبي أيوب، وفَضَالة بن عُبيد، وأبي هريرة، وكعب بن عُجرة، وزيد بن أرقم، وابن عباس، وجابر، (١) من تهذيب الكمال ٢٥/ ٤٢١ - ٤٢٣. (٢) من تهذيب الكمال ٤٣٣/٢٥ - ٤٣٥. (٣) جامعه الكبير، عقب حديث (٢٩١٠). (٤) قال المصنف في السير ٦٥/٥: ((ولم يصحّ ذلك)). ١٦٠