Indexed OCR Text

Pages 741-760

قال همَّامٍ: وحدَّثني بِسطام بن مُسلم، قال: حدثنا مُعاوية بن قُرَّة،
أنَّهم تَذَاكروا ذلك الكتابَ، فمرَّ بهم شَهْر بن حَوْشب فقال: على الخَبير
سَقَطْتُم، إنَّ كعبًا لما احتُضِرَ، قال: ألا رجلٌ أنتمنُه على أمانةٍ؟ فقال رجل :
أنا، فدفع إليه ذلك الكتاب وقال: اركب البُحَيْرة، فإذا بلغت مكان كذا
وكذا فاقذفه، فخرج من عند كَعب فقال: هذا كتاب فيه عِلْم، ويموت
كعب، لا أفرط به، فأتى كعبًا وقال: فعلتُ ما أمرتني، قال: وما رأيتَ؟
قال: لم أر شيئًا، فعلم كذبه، فلم يزل يُناشِده ويطلب إليه حتى ردَّ عليه
الكتاب، فلما أيقنَ كعب بالموت قال: ألا رجل يُؤدِّي أمانتي؟ قال رجل :
أنا، فركب سَفينة، فلمَّا أتى ذلك المكان ذهب ليَقذِفه، فانفرَج له البحر
حتى رأى الأرض، فقَذَفه وأتاه فأخبره، فقال كعب: إنَّها التَّوراة كما أنزلها
الله على مُوسى عليه السلام، ما غُيِّرت ولا بُدِّلت، ولكن خَشِيتُ أن يُتَّكَلَ
على ما فيها، ولكن قولوا: لا إله إلا الله ولقِّنوها مَوتاكم. رواه أحمد بن أبي
خَيْثمة في تاريخه، عن هُذْبة، قال: حدثنا همَّام(١).
١٢٩ - دن ق: أبو رُهْم السَّماعي، ويقال: السَّمَعي.
اسمه أحزاب بن أسيد، ويقال: أُسَيْد، ويقال: أَسَد، الظَّهْري،
ويقال: بكسر الظَّاء وهو غلط، من أولاد السَّمَع ويقال: السّمْع بكسر السين
وإسكان المیم، ابن مالك بن زید بن سهل .
روى عن النَّبِيِّ وَِّ حديثاً خرَّجه ابن ماجةٍ(٢)، فمن قال: لا صُحبة له
جعل الحَديث مُرْسلا(٣). وروى عن أبي أيُّوب الأنصاري، والعِرْباض بن
سارية. روى عنه الحارث بن زياد، وخالد بن مَعْدان، وأبو الخير مَرْثَد
اليَزَني، ومكحول الشَّامي، وشُرَيْح بن عُبَيد، وجماعة .
روى له أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجة(٤).
١٣٠ - ع: أم سَلَمة أم المؤمنين، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن
(١) ينظر تاريخ دمشق ٥٨/ ٣٣٧ - ٣٤٥.
(٢) ابن ماجة (١٩٧٥).
(٣) الصحيح أنه مخضرم لا صحبة له.
(٤) من تهذيب الكمال ٢ / ٢٨٠ - ٢٨١.
٧٤١

عبدالله بن عمر بن مخزوم المخزومية، بنت عمّ أبي جَهل، وبنت عمّ
خالد بن الوليد .
بنى بها النَّبيُّ بَِّ في سنة ثلاثٍ من الهجرة، وكانت قبله عند الرَّجل
الصالح أبي سَلَمة بن عبدالأسد، وهو أخو النَّبِيِّ بِّه من الرَّضاعة.
روت عدَّة أحاديث. روى عنها الأسود بن يزيد، وسعيد بن المسيِّب،
وأبو وائل شَقيق، والشَّعبي، وأبو صالح السَمَّان، وشَهر بن حَوْشَب،
ومُجاهد، ونافع بن جُبير بن مُطْعِم، ونافع مولاها، ونافع مَولى ابن عمر،
وابن أبي مُلَيْكة، وعطاء بن أبي رباح، وخَلق سواهم .
وكانت من أجمل النِّساء، وطال عُمرها، وعاشَت تسعين سنة أو
أكثر، وهي آخر أمَّهاتِ المُؤمنين وفاةً، وقد حَزنت على الحُسين رضي الله
عنه وبَكت عليه، وتُوفِيت بعده بيسير في سنة إحدى وستِّين.
وقال بعضهم: تُوفّيت سنة تسع وخمسين، وهو غلط، لأنَّ في
((صحيح مُسلم)) أنَّ عبدالله بن صَفوان دخّل عليها في خلافة يزيد(١).
وأبوها أبو أميّة يقال: اسمه حُذَيْفة ويلقَّب بزادِ الرَّاكب، وكان أحد
الأجواد، ووَهِم من قال اسمها رَمْلَة.
وروى عطاء بن السَّائب، عن مُحارب بن دثار أنَّ أَمَّ سَلَمة أوصت أن
يُصلَّي عليها سَعيد بن زيد، ورُوي أنّ أبا هريرة صلَّى عليها، ودُفنت
بالبقيع. وهذا فيه نظر لأنَّ سعيدًا وأبا هريرة تُوفّيا قبلها، والله أعلم.
ابن سعد(٢): أخبرنا محمد بن عمر، قال: أخبرنا ابن أبي الزّناد، عِن
هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لمَّا تِزوَّجِ النَّبِيُّ بَِّ أَمَّ سَلَمة
حزِنْتُ حُزْنًا شَديدًا، لما ذكروا لنا من جمالها، فتلطّفْتُّ حتى رأيتُها فرأيتها
والله أضعافَ ما وُصِفَتْ لي في الحُسْن والجمال، فذكرتُ ذلك لحفْصة،
وكانتا يدًا واحدة، فقالت: لا والله، إلا الغيرة، ما هي كما تقولين وإنَّها
الجَميلة، فرأيتها بعد فكانت كما قالت خَفْصة، ولكني كنتُ غَيْرَى.
قال مسلم بن خالد الزَّنْجي، عن موسى بن عُقْبة، عن أمِّه، عن أمِّ
(١) مسلم ٨/ ١٦٦/ (٢٨٨٢) وتُنظر شروحه ففيها كلام على هذه المسألة.
(٢) ابن سعد ٨/ ٩٤، وإسناده فيه محمد بن عمر الواقدي وهو متروك.
٧٤٢

كُلثوم، قالت: لما تَزَوجِ النَّبِيُّ بَّه أَمَّ سَلَمة قال لها: ((إنِّي قد أَهْدَيت إلى
النَّجاشي أواقيَّ من مِسْك وحُلّة، وإنِّي أراه قد مات، ولا أرى الهديّة إلا
سَتُرَد، فإذا رُدَّت فهي لك)). قالت: فكان كما قال، فأعطى كلَّ امرأةٍ من
نسائه أوقيَّةً أوقيةً من مِسْكِ، وأعطى سائِرِه أمَّ سَلَمَة، وأعطاها الخُلَّةِ(١).
القَعْنَبي: حدثنا عبدالله بنِ جعفر الزّهري، عن هشام بن عُرْوة، عن
أبيه، أنَّ رسولَ اللهِ وَّه أمر أمَّ سَلَمَة أن تُصلِّي الصُّبْح بمكَّة يوم النَّحْرِ، وكان
يومها، فأحبّ أن تُوافقهُ(٢) .
الواقدي: عن ابن جُرَيج، عن نافع، قال: صلَّى أبو هُريرة على أمّ
سلمة .
قلت: هذا من غلط الواقديّ، أبو هريرة مات قبلها(٣).
١٣١- ع: أبو شُرَيْح الخُزاعيُّ العَدَويُّ الكعبيُّ .
من عرب الحجاز في اسمه أقوال، أشهرها خُوَيلد بن عَمْرو .
أسلم يوم الفَتح، وصحِب النَّبِيَّ وََّ، وروى عنه. حدَّث عنه نافع بن
جُبير بن مُطْعِم، وأبو سَعيد المَقْبُري، وابنه سعيد المَقْبُري، وسفيان بن أبي
العَوجاء .
تُوفي سنة ثمانٍ وستين بالمدينة (٤).
١٣٢- ع: أمُّ عَطيّة الأنصاريَّة نُسَيْبة، التي أمرها النَّبِيُّ بَلَه أن
تُغسِّل بنته زَینب.
لها أحاديث، روى عنها محمد بن سيرين، وأخته حَفْصة، وأمّ
شراحيل، وعليُّ بن الأقمَر، وعبدالملك بن عُمَير.
هشام بن حسَّان، عن حَفْصة بنت سيرين، عن أمِّ عطيّة، قالت:
غَزَوْتُ مع النَّبِيِّ بَّهِ سَبْع غزواتٍ، فكنت أصنعُ لهم طَعامهم، وأخْلفهم في
(١) أخرجه ابن سعد ٨/ ٩٤.
(٢) كذلك ٨/ ٩٥، وهو مرسل.
(٣) ينظر تهذيب الكمال ٣٥/ ٣١٧ - ٣٢٠.
(٤) من تهذيب الكمال ٣٣/ ٤٠٠ - ٤٠١ .
٧٤٣

رِحالهم، وأداوي الجَرْحى، وأقوم على المَرَضَى(١).
وعن أمِّ شراحيل مَولاة أمِّ عطيّة، قالت: كان عليّ يقيل عندي، فكنت
أنتف أبطه بوَرْسة (٢).
١٣٣- د ت ق: أبو كَبْشة الأنماريُّ المَذْحِجيُّ، اسمه عُمر،
وقيل: عمرو بن سعد.
له صُحبة ورواية، نزل الشام. روى عنه ثابت بن ثَوبان، وسالم بن
أبي الجَعْد، وأبو البَخْتَرِي سَعيد بن فيروز الطَّائي، وعبدالله بن بُسر
الحُبراني، وعبدالله بن لُحي أبو عامر الهَوْزَني(٣) .
١٣٤ - م د ن ق: أبو مالك الأشعريُّ.
له صُحبة ورواية، واسمه مُختَلَف فيه، فقيل: كعب بن عاصم،
وقيل: عامر بن الحارث، وقيل: عمرو بن الحارث.
روى أحاديث. روى عنه عبدالرحمن بن غَنْم، وأُ الدَّرداء، وربيعة
الجُرَشي، وأبو سَلَّم الأسود، وشَهر بن حَوْشب، وعطاء بن يَسَار، وشَرَيح
ابن عُبید. وکان یکون بالشام.
قال ابن سُمَيع: أبو مالك الأشْعري، قديمُ الموت بالشام، اسمه كَعب
ابن عاصم .
وقال ابنُ سعد(٤): تُوفي أبو مالك في خلافة عُمر (٥).
وقال شَهر بن حَوْشَب، عن ابن غَنْم، قال: طُعن مُعاذ، وأبو عُبَيدة،
وأبو مالك في يوم واحد.
قلت: فعلَّّ هذا رواية أبي سَلَّم ومن بعده، عن أبي مالك مُرْسَلَة
مُنْقطعة، وهذا الإرسال كثير في حديث الشاميِين.
(١) أخرجه ابن سعد ٨/ ٤٥٥.
(٢) ينظر تهذيب الكمال ٣٥/ ٣١٥ - ٣١٦.
(٣) من تهذيب الكمال ٣٤/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٤) نقله المصنف عن المزي، ولم أقف عليه في الطبقات وقد ترجمه في موضعين ٤/
٣٥٨ و٧/ ٤٠٠، فلعله ترجمه في مكان آخر .
(٥) وتقدم ذكره في وفيات سنة ثماني عشر في خلافة عمر.
٧٤٤

روى صَفْوان بن عَمْرو، عن شُريَح بن عُبيد، أنَّ أبا مالك الأشعري
· لما حَضَرَتْهُ الوفاةُ قال: يا سامع الأشعرِيِّين إنِّي سمعتُ رسولَ الله ◌ِله يقول:
((حُلْوةُ الدُّنيا مُرَّة الآخرة ومُرَّة الدُّنيا حُلْوة الآخرة))(١).
١٣٥- م ٤: أبو مسلم الخولانيُّ الدَّارانيُّ الزَّاهد، سيِّد التَّابعين
بالشَّام، اسمه عبدالله بن ثُوَب على الأصحِّ، وقيل: اسمه عبدالله بن
عبدالله، وقيل: ابن ثَواب، وقيل: ابن عُبيد، وقيل: ابن مسلم، وقيل :
اسمه يعقوب بن عوف.
قدم من اليمن، وقد أسلم في حياة النَّبِيِّ ◌َِّ، وقَدِم المَدينة في خلافة
أبي بكر. وروى عن عُمر، ومُعاذ، وأبي عبيدة، وأبي ذَرٍّ، وعُبادة بن
الصَّامت. روى عنه أبو إدريس عائِذ الله الخَوْلاني، وأبو العالية الرِّياحي،
وجُبَير بن نُفَير، وعطاء بن أبي رَبَاح، وشُّرَحبيل بن مُسلم، وأبو قِلابة
الجَرْمي، ومحمد بن زياد الألهاني، وعُمَير بن هانىء، وعطيّة بن قيس،
ويونس بن مَيْسَرَة، وفي بعض هؤلاء مَن روايتُهُ عنه مُرْسَلة .
قال إسماعيل بن عيَّاش: حدثنا شُرَحبيل بن مسلم، قال: أتى أبو
مسلم الخَوْلاني المدينةَ وقد قُبضِ النَّبِيُّ ◌َّهِ، واستُخْلف أبو بكر.
وقال إسماعيل: حدثنا شُرَحْبيل، أنَّ الأسود تنبّأ باليمن، فبعث إلى
أبي مُسلم، فأتاه بنارٍ عظيمة، ثم ألقى أبا مُسلم فيها، فلم تضرّه، فقيل
للأسود: إن لم تنف هذا عَنكَ أفسدَ عليك من اتّبعكَ، فأمَرَه بالرَّحيل، فقدم
المدينة وقد قُبض رسولُ الله ◌َّ، فأناخَ راحلته ودخل المَسجد يُصلِّي،
فبصُر به عمر، فقامٍ إليه فقال: ممَّن الرّجل؟ قال: من اليمن، فقال: ما
فعل الذي حرَّقه الكذّاب بالثَّار؟ قال: ذاك عبدالله بن ثوب، قال: فنَشدْتُك
بالله أنت هو: قال: اللَّهمَّ نعم، فاعتَنقه عُمر وبكى، ثم ذهبَ به حتى أجلَسه
فيما بينه وبين الصِّدِّيق وقال: الحَمدُ لله الذي لم يُمِثْني حتى أراني في أمَّة
محمد من صُنع به كما صُنع بإبراهيم الخليل. رواه غيرُ واحدٍ، عن
(١) إسناده منقطع، فإن عبيد بن عمير لم يسمع من أبي مالك الأشعري (جامع التحصيل
١٩٥).
أخرجه أحمد ٥/ ٣٤٢ من طريق صفوان، به .
٧٤٥

عبدالوهاب بن نَجْدة، وهو ثقة، قال: حدثنا إسماعيل، فذكره.
ويُرْوَى عن مالك بن دينار أنَّ كعبًا رأى أبا مُسلم الخَولاني، فقال:
من هذا؟ قالوا: أبو مُسلم الخَوْلاني. قال: هذا حَكِيمُ هذه الأمَّة .
وقال مَعْمَر، عن الزُّهْري، قال: كنتُ عند الوليد بن عبد الملك،
فكان يتناول عائشة رضي الله عنها، فقلت: يا أميرَ المؤمنين ألا أحدِّثُك عن
رجل من أهل الشَّام كان قد أُوتِي حكمةً؟ قال: من هو؟ قلت: أبو مُسلم
الخَوْلانِي، سمع أهلَ الشام ينالُونَ من عائشة، فقال: ألا أُخبركم بمَثَلي
ومَثل أُمّكم هذه، كَمَثل عَيْنين في رأس يُؤذيان صاحبَهما، ولا يستطيع أن
يعاقبهما إلاَّ بالذي هو خير لهما، فسكت. وقال الزُّهري: أخبرنيه أبو
إدريس الخَوْلاني، عن أبي مسلم.
وقال عثمان بن أبي العاتكة: عَلَّق أبو مسلم سَوْطًا في مَسجده، وكان
يقول: أنا أولى بالسَّوْط من البهائم، فإذا دَخَلَتْه فترةٌ مشقَ(١) ساقيه سَوْطًا أو
سَوْطين .
قال: وكان يقول: لو رأيت الجثّة عيانًا والنّار عيانًا ما كان عندي
مُستَزاد .
وقال إسماعيل بن عياش، عن شُرَحبيل: إن رَجلين أتيا أبا مُسلم
الخَولاني في مَنزله، فلم يَجداه، فأتيا المسجد فوجداه يركَع، فانتظرا
انصرافه، وأحصَيا، فقال أحدهما: إنَّه ركع ثلاث مئة ركعة، والآخر: أربع
مئة ركعة، قبل أن ينصرف.
وقال الوليد بن مُسلم: أخبرني عُثمان بن أبي العاتكة، أنَّ أبا مسلم
الخَوْلاني سمع رجلاً يقول: من سبق اليوم؟ فقال: أنا السابق، قالوا:
وكيف يا أبا مسلم؟ قال: أدلَجتُ من داريا، فكنت أول من دخل مسجدكم.
وقال أبو بكر بن أبي مَريم، عن عَطيّة بن قيس، قال: دخل أناس من
أهل دمشق على أبي مُسلم وهو غازٍ في أرض الرُّوم، وقد احتفر جُورة في
فُسْطاطه، وجعل فيها نِطْعًا، وأفرغ فيه الماء، وهو يتصلَّق(٢) فيه، قالوا: ما
(١) أي ضرب.
(٢) أي يتقلب فيه .
٧٤٦

حَمَلَك على الصِّيام وأنت مُسافر؟ قال: لو حَضر قتالٌ لأفطرتُ ولتَهَيَّأْتُ له
وتقوَّيْتُ، إنَّ الخيلُ لا تَجري الغايات(١) وهُنَّ بُدنٌّ، إنَّما تجري وهُنَّ ضُمْر،
ألا وإنَّ أمامنا باقية جائية لها نعمل.
وقال يزيد بن يزيد بن جابر: كان أبو مُسلم الخَوْلاني يُكْثر أن يرفع
صَوته بالتّكبير، حتى مع الصِّبيان، ويقول: اذكر الله حتى يَرى الجاهل أنَّك
مجنون .
وقال محمد بن زياد الألهاني، عن أبي مُسلم الخَوْلاني - وأُراه
منقطعًا- أنه كان إذا غَزا أرض الرُّوم، فمرُّوا بنهر، قال: أجيزوا باسم الله،
ويمُّ بين أيديهم، فيمرُّون بالنَّهر الغمر، فربّما لم يبلغ من الدَّوابِ إلاّ
الركب، فإذا جازوا قال: هل ذَهب لكم شيءٌ، فألقى بعضهم مِخْلاتَه، فلمَّا
جاوزوا، قال: مِخلاتي وَقَعتْ، قال: اتبعني، فاتَّبَعْتُهُ، فإذا بها مُعلَّقة بعودِ
في النَّهر، فقال: خُذها .
وقال سُليمان بن المغيرة، عن حُمَيد الطويل: إنَّ أبا مُسلم أتى على
دِجلة، وهي تَرمي بالخَشب من مَدِّها، فوقَف عليها ثم حمد الله وأثنى
عليه، وذكر مسير بني إسرائيل في البَحر ثم لَهَزَ دابَّته، فخاضت الماء،
وتَبَعَه الناسُ حتى قَطَعوا، ثم قال: هل فقدتم شيئًا، فأدعوا الله أن يردّه
علَيَّ؟
وقال عَنْبسة بن عبدالواحد: حدثنا عبدالملك بن عُمَير، قال: كان أبو
مُسلم الخَولاني إذا استَسقى سُقي .
وقال بقيّة، عن مُحمد بن زياد، عن أبي مسلم الخولاني: إنَّ امرأةً
خَبَّبَتْ(٢) عليه امرأته، فِدعا عليها، فذَهب بصرُها، فأتته فاعترفت، وقالت :
إنِّي لا أعود، فقال: اللَّهمَّ إن كانت صادقةً فاردُد بصرها، فأبصرت .
وقال ضَمرة بن ربيعة، عن بلال بن كَعب، قال: قال الصِّبْيان لأبي
مُسلم الخَولاني: ادعُ الله أن يَحبس علينا هذا الظَّبْيَ فنأخذَه، فدعا الله
فحَبسه عليهم حتى أخذوه .
(١) الغايات: النهايات.
(٢) أي: أفسدت.
٧٤٧

وروى عُثمان بن عطاء الخُراساني، عن أبيه: قالت امرأة أبي مُسلم
الخَولاني: ليس لنا دَقيق. فقال: هل عِندك شيءٌ؟ قالت: دِرهم بِعْنا به
غَزْلاً، قال: ابغِنِيه، وهاتي الجِرَابَ، فدَخل السُّوق، فأتاه سائلٌ وَألحّ،
فأعطاه الدِّرهم، ومَلأ الجُراب من نُحاتة النّجارة مع التُّراب، وأتى وقلبُهُ
مرعوبٌ منها، فرَمى الجراب وذهبٍ، ففتحته، فإذا به دقيق حُوَّارَى،
فَعَجنت وخَبزت، فلما ذَهب من اللَّيل هَوِيٌّ جاء فنقر الباب، فلما دخل
وضعت بين يديه خِوانًا وأرغِفَة، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الدَّقيق
الذي جئتَ به، فجعل يأكل ويبكي. رواها ضَمْرَة بن ربيعة، عن عثمان.
وقال أبو مُسْهر، وغيره: حدثنا سعيد بن عبدالعزيز، أنَّ أبا مُسلم
استبطأ خبرَ جيش كان بأرض الرُّوم، فبينا هو على تلك الحال، إذ دخل
طائِرٌ فوقع وقال: أنا أربيابيل(١) مُسِلُّ الحُزن من صدور المُؤمنين، فأخبره
خبرَ ذلك الجيش، فقال أبو مسلم: ما جئتَ حتى استبطأتك .
وقال سعيد بن عبدالعزيز: كان أبو مسلم الخولاني يَرتجز يوم صِفْين
ويقول :
ما عِلَّتي ما عِلَّتي وقد لبست دِرْعتي
أموت عبدَ طاعتي
وقال إسماعيل بن عيَّاش: حدثنا هشام بن الغاز، قال: حدَّثني يُونس
الهَرِم، أنَّ أبا مُسلم الخَولاني قام إلى مُعاوية وهو على المِنْبر، فقال: يا
مُعاوية، إنَّما أنت قبرٌ من القُبور، إن جئتَ بشيءٍ كان لك شيءٌ، وإلا فلا
شيءَ لك، يا مُعاوية لا تَحسب أنَّ الخِلافة جَمْعُ المال، وتَفْرِقَتُه، إنَّما
الخلافة القول بالحَقِّ، والعمل بالمَعْدَلة، وأخذ الناس في ذات الله، يا
مُعاوية، إنَّا لا نُبالي بكَدَر الأنهار إذا صَفا لنا رأسُ عَيننا، إيَّاك أن تَميل على
قبيلة، فيذهب حَيْفُك بعدلك، ثم جلس. فقال له معاوية: يرحمك الله يا أبا
مسلم .
وقال أبو بكر بن أبي مريم، عن عَطيّة بن قيس، قال: دخل أبو مُسلم
على مُعاوية، فقام بين السِّماطَين، فقال: السَّلام عليك أيُّها الأجير، فقالوا:
(١) في تاريخ دمشق ٢٧ / ٢١٨، والذي نقل المصنف عظم الترجمة منه: ((أرديائيل)).
٧٤٨

مَه. قال: دَعُوه فهو أعرف بما يقول، وعليك السلام يا أبا مُسلم، ثم وَعَظه
وحثَّه على العدل.
وقال إسماعيل بن عيَّش: حدثنا شُرَحْبيل بن مُسلم، عن أبي مسلم
الخَوْلاني، أنَّه كان إذا دَخل الرُّوم لا يزال في المُقدِّمة، حتى يُؤذن للناس،
فإذا أُذِنْ لهم كان في السَّاقة، وكانت الوُلاة يتيمَّنون به، فيُؤمِّرونه على
المُقدِّمات.
وقال سعيد بن عبدالعزيز: تُوفِّي أبو مُسلم بأرض الروم، وكان قد
شتَّى مع بُسر بن أبي أرطاة، فأدركه أجَلَه، فأتاه بُسْر في مَرضه، فقال له أبو
مُسلم: اعقد لي على من مات في هذه الغَزاة من المُسلمين، فإنِّي أرجو أن
آتي بهم يوم القيامة على لوائهم.
وقال الإمام أحمد: حُدّثت عن محمد بن شعيب عن بعض مَشيخة
دِمشق، قال: أقبلنا من أرضِ الرُّوم، فمَررنا بالعُمَير، على أربعة أميالٍ من
حمص في آخر الليل، فاطّلع الرَّاهب من صَوْمَعة، فقال: هل تَعرفون أبا
مُسلم الخَوْلاني؟ قلنا: نعم. قال: إذا أتيتموه فأقْرِتُوه السَّلام، فإنَّا نجده في
الكُتب رفيقَ عيسى بن مريم، أما إنّكم لا تَجدونه حيًّا، فلما أشرفنا على
الغُوطة بَلَغَنَا موتُهُ.
قال الحافظ ابن عساكر(١): يعني سَمِعوا ذلك. وكانت وفاته بأرض
الروم کما حَگیْنا .
وقال ابن عَيَّاش، عن شُرَحْبيل بن مُسلم، عن سعيد بن هانىء، قال:
قال معاوية: إنَّما المُصيبةُ كلُّ المُصيبة بمَوت أبي مُسلم الخَولاني، وكُرَيب
ابن سيف الأنصاري.
هذا حديث حَسن الإسناد، يعني أنَّ أبا مُسلم تُوفي قبل معاوية. وقد
قال المُفَضَّل بن غَسَّان: تُوفي عَلْقمة وأبو مُسلم الخَوْلاني سنة اثنتين
وستين(٢).
(١) تاريخ دمشق ٢٧/ ٢٣٢.
(٢) ينظر تهذيب الكمال ٣٤/ ٢٩٠ - ٢٩٣.
٧٤٩

·- أبو مَيْسرة الهَمْدانِي هو عَمرو بن شُرَحْبيل، مرَّ.
١٣٦ - ع: أبو واقد اللّيْتِي.
له صُحبة ورواية، ورَوى أيضًا عن أبي بكر، وعُمر، وشَهِد فتح مكة،
وكان يكون بالمَدينة وبمكة، وبمكة تُوقِّي. روى عنه عطاء بن يسار، وسعيد
ابن المسيِّب، وعُروة، وعُبيد الله بن عبدالله بن عُتْبة، ويُسْر بن سعيد، وأبو
مُرَّة مولى عَقِيل المَدنيون، وغيرهم، وعاش خمسًا وسبعين سنة.
وقال الواقدي: توفي سنة ثمان وستين وله خمس وستین .
قال أبو أحمد الحاكم: إن أبا واقد هذا شهد بدرًا. وكذا قال قبله
البخاري، وسَمَّاه الحارث بن عوف(١).
وقال يونس بن بُكير عن ابن إسحاق: حدثني أبي، عن رجل من
مازن، عن أبي واقد، قال: إني لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر، فوقع
رأسه قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أن غيري قتلَهُ.
وقال إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سنان بن أبي سنان
الدؤلي : إن أبا واقد الليثي أسلم يوم الفتح.
قلت: فما يبعد أن يكون أبو واقد رجلين.
قال يحيى بن بكير والفلاس: توفي أبو واقد الليثي سنة ثمان وستين
وله سبعون سنة (٢).
·- ابن مُفَرِّغ الحميري الشاعر، اسمه يزيد، تقدم.
(١) تاريخه الكبير ٢/ الترجمة ٢٣٨٤.
(٢) من تهذيب الكمال ٣٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
٧٥٠

الطبقة الثامنة
٧١ - ٨٠ هــ

٧
مِ اللَّهِ الرَّحْرِ
(الحوادث)
سنة إحدى وسبعين
تُوُقِّي فيها عبدالله بن أبي حَدْرَد الأسْلَمي، والبَرَاء بن عازب.
وفيها خَرج عبدالله بن ثَوْر أحد بني قَيس بن ثَعلبة بالبحرين، فوجَّه
مُصْعَبُ بن الزُّبير إلى قتاله عبدَالرَّحمن الإسكاف، فالتقوا بجُواثا، فانهزم
عبدالرحمن والناس.
وفيها حجَّ بالنَّاس أميرُ المؤمنين عبد الله بن الزُّبير.
وعَرَّف بمصر عبدالعزيز بن مروان، وكان أول من عَرَّف بمصر. يعني
اجتمع الناس عشيّة عَرَفَة ودَعا لهم أو وعظهم.
وفيها، أو في التي بعدها، قُتل بخُراسان أميرُها أبو صالح عبدالله بن
خازم(١) بن أسماء بن الصَّلْت السُّلمي، أحد الشجعان المذكورين والأبطال
المَعْدودين، ويقال: له صُحبة ورواية، ثارَ به أهلُ خُراسان وقَتله وكيع بن
الدَّوْرقيَّة. وقيل: إنَّ عبدالملك بن مَرْوان كتب إلى ابن حازم كتابًا بولاية
خُراسان، فمزَّق كتابه وسبَّ رسوله، فكتب عبدالملك إلى بُكَير بن وشاح:
إِنْ قَتلت ابنَ خازم فأنت الأميرُ، فعمل على قَتْله وتأمَّر بُكَيْر على البلاد حتى
قدم أميّة بن عبدالله .
وكان في خلافة عثمان رضي الله عنه قد جَمع قارن بهرَاة، وأقبل في
أربعين ألفًا، فهرب قيس بن الهيثم وتَرِك البِلاد، فقامَ بأمر المُسلمين عبد الله
ابن خازم هذا، وجمع أربعة آلاف، ولَفي قَارنًا فهزم جموعه، وقُتل قارن،
وكتب إلى عبدالله بن عامر بالفتح، فأقرَّه ابن عامر أمير العراق على
خُراسان.
قال الواقدي: فيها افتتح عبدُالملك قَيْساريَّة .
(١) بالخاء المعجمة، انظر توضيح ابن ناصر الدين ٣/ ٢٤.
تاريخ الإسلام ٤٨/٢
٧٥٣

سنة اثنتين وسبعين
تُوفي فيها مَعْبَد بن خالد الجُهَني، والأحنف بن قيس، وعَبيدة
السَّلْماني، والحارث بن سُوَيَد التَّيمي. وقتل فيها مُصْعَب بن الزُّبَير،
وإبراهيم بن الأشتَر، وعيسى وعُروة ولدا مُصْعَب، ومسلم بن عَمْرِو
الباهلي .
وكان مُصْعَب قد سار كعادته إلى الشَّام إلى قِتال عبدالملك بن مروان
واستئِصاله، وسار إليه عبدالملك، فجَرت بينهما وقعةٌ هائلةٌ بدَير الجائَليق،
ومَسْكِن بالقرب من أوَانَا .
وكان قد كاتب عبدُالملك جماعةً من الأشراف المائلين إلى بني أميّة
وغير المائلين يُمنِّيهم ويَعِدُهم إمرةَ العراق وإمرة أصبهان وغير ذلك،
فأجابوه. وأمَّا إبراهيم بن الأشتَر فلم يُجِبْه، وأتى بكتابه مُصْعَبًا، وفيه إنْ
بايَعَهُ وَلاَه العراق. وقال لمُصْعَب: قد كتب إلى أصحابِك بمثل كتابي
فَأَطِعْني واضرب أعناقَهم، فقال: إذًا لا تُناصِحُنا عشائرهم، قال: فأوقِرْهم
حَديدًا واسجُنْهم بأبيض كِسرى، ووكِّلْ بهم من إن غُلبتَ ضَرَبَ أعناقَهم،
وإن نُصرتَ مَنَنْتَ عليهم: قال: يا أبا النُّعمان إِنِّي لفي شُغْلٍ عن ذلك،
يرحم الله أبا بحر - يعني الأحنف- إن كان ليَحْذَر غَدْر العراق.
وقال عبدالقاهر بن السَّريِّ: هَمَّ أهلُ العراق بالغدر بمُصْعَب، فقال
قيس بن الهيثم: ويحكم لا تُدْخلوا أهل الشام عليكم، فوالله لِئْن تَطَعَّمُوا
بِعَيْشكم لتَضِيقنَّ عليكم منازلكم بهم.
وكان إبراهيم أشار عليه بقتل زياد بن عَمْرو ومالك بن مِسْمَع، فلمَّا
التقى الجَمعانِ قَلَبَ القومُ أترِسَتَهم ولحِقُوا بعبد الملك.
وقال الطَّبَري(١): لما تَدانى الجَمْعان حمل إبراهيم بن الأشتَر على
محمد بن مروان فأزاله عن موضعه، ثم هرب عَتَّاب بن وَرْقاء، وكان على
الخَيل مع مُصْعَب. وجعل مُصْعَب كُلَّما قال لمقدَّم من عسكره: تَقَدَّم، لا
(١) تاريخ الطبري ٦ / ١٥٧.
٧٥٤

يُطيعه، فذكر محمد بن سَلَّم الجُمَحَي، قال: أُخْبِر عبدالله بن خازم أميرُ
خُراسان بمَسير مُصْعَب إلى عبدالملك، فقال: أمَعَهُ عُمر بن عُبيدالله التَّيمي؟
قيل: لا، استعَمَلَه على فارِس. قال: فمَعه المُهَلَّب بن أبي صُفْرة؟ قالوا:
لا، استَعمله على المَوصلَ. قال: فمعه عبَّاد بن الحُصَين؟ قيل: لا،
استَعمله على البصرة. فقال ابن خازم: وأنا بخُراسان. ثم تَمثَّل:
خُذيني وجُرِّيني ضِباعٌ وأبشِري بلحم امرىء لم يشهد اليومَ ناصِرُهُ
قال الطَّبري(١): فقال مُصْعَب لابنه عيسى: اركبْ بمن معك إلى
عَمِّك ابنِ الزُّبَيرِ، فأخبِرْه بما صَنع أهلُ العراق، ودَعْني فإنِي مقتول. فقال:
والله لا أُخبر قُريشًا عَنك أبدًا، ولكن الحَقْ بالبصرة فهم على الجماعة
والطّاعة، قال: لا تتحدَّث قُريش أنِّي فَررت بما صَنَعَتْ ربيعةُ من خِذْلانها،
ولكِنْ: أُقَاتِل، فإن قُتلتُ فما السَّيف بعار.
وقال إسماعيل بن أبي المُهاجر: أرسل عبدالمَلك مع أخيه محمد بن
مَروان إلى مُصْعَب: إني معْطِيك الأمان يا ابن العمِّ، فقال مُصْعَب: إنَّ مِثْلي
لا يَنْصَرِف عن مثل هذا المَوقف إلاَّ غالبًا أو مَغلوبًا .
وقيل: إنَّ مُصْعبًا أبى الأمان، وأنَّهم أتخَنوه بالرَّمْي، ثم شدَّ عليه
زائِدة بن قُدامة الثَّقفي، فطَعنه وقال: يا لثارات المُختار. وكان ممَّن قاتل
مع مُصْعب.
وقال عبد الله بن مُصْعَب الزُّبَيْري، عن أبيه، قال: لمَّا تفرَّق عن
مُصْعَب جُندُه قيل له: لو اعتَصَمتَ ببعض القِلاع وكاتبتَ من بَعُدَ عنك
كالمُهلَّب وفُلان، فإذا اجتمع لك من تَرضاه لقيت القوم فقد ضعُفْتَ جدًّا
واختل أصحابُك، فلبس سِلاحه وخَرج فيمن بقي وهو يتمثّل بشِعْر طريف
العنبري الذي كان يُعَدُّ بألفِ فَارِس بخُراسان:
علامَ أقولُ السَّيف يُثْقِلُ عاتِقي إذا أنا لم أركَبْ به المَركبَ الصَّعْبا
سأحميكُم حتى أموتَ ومن يَمُتْ كريمًا فلا لومًا عليه ولا عَتْبا
(١) تاريخ الطبري ٦/ ١٥٨.
٧٥٥

وروى غسّان بن مُضَر، عن سعيد بن يزيد، قال: قال ابن الأشتَر
المُصْعَب: ابعث إلى زياد بن عَمرو ومالك بن مِسْمَعٍ ووجوه من وجوه أهل
البصرة فاضرِب أعناقهم، فإنَّهم قد أجمعوا على أن يَغْدِروا بك، فأبى، فقال
ابن الأشتَر: فإنِّي أخرج الآن في الخيل، فإذا قُتلتُ فأنت أعلم. قال:
فخرج وقاتل حتى قُتل .
وقال الفَسوي(١): قُتل مع مُصْعَب ابنُه عيسى، وجُرح مسلم بن عَمْرو
الباهلي فقال: احملوني إلى خالد بن يزيد، فحُمِل إليه، فاستأمن له. ووَثب
عُبيدالله بن زياد بن ظَبْيان على مُصْعَب فقَتله عند دير الجائَليق، وذَهب
برأسه إلى عبدالملك، فسَجد لله. وكان عُبَيد الله فاتكًا رَدِيًّا، فكان يتلقَّف
ويقول: كيف لم أقتل عبدالملك يومئذٍ حين سجد، فأكون قد قتلت مَلِكي
العرب .
وقال أبو اليقظان وغيره: طَعنه زائِدة واحتزَّ رأسه ابن ظَبْيان.
ولابن قيس الرُّقيَّات :
لقد أورث المِصْرَيَن حُزنًا وذِلَّة قَتيلٌ بدَير الجائَليق مقيمُ
فما قاتلَتْ في الله بكرُ بنُ وائل ولا صَبَرَتْ عند اللَّقاء تميمُ
وكلُّ ثُمالي عند مقتل مُصْعَب غداةَ دَعاهم للوفاء دُحيمُ
وقال ابن سعد (٢): إنَّ مُصْعَبًا قال يومًا وهو يسير لعُرْوة بن المغيرة بن
شُعْبة: أخبرني عن حُسين بن عليٍّ كيف صَنع حين نُزل به، فأنشأ يحدِّثه عن
صَبره، وإبائه ما عَرض عليه، وكراهيته أن يدخل في طاعة عُبيد الله حتى
قُتل، قال: فضرب بسَوطه على مَعرفة فَرسه وقال:
وإنَّ الأُلى بالطَّفِّ من آل هاشم تأسَّوْا فسَنُّوا للكرام التأسِّيا
قال: فعرفت والله أنه لا يفرّ، وأنَّه سيصبر حتى يُقتل. قال: والتقيا
بمَسْكن، فقال عبدالملك: وَيْلَكم ما أصبهانُ هذه؟ قيل: سُرَّة العراق،
(١) هذا في القسم الضائع من المعرفة والتاريخ وقد استدركه محققة نقلاً من تاريخ الإسلام
٣/ ٣٣١ .
(٢) طبقاته، الجزء الذي طبعه محمد صايل السلمي ٢/ ٨٩.
٧٥٦

قال: قد والله كتب إليَّ أكثر من ثلاثين من أشرافِ العراق، وكُلُّهم يقول: إن
خبيت بمُصْعَب فلي أصبهان.
قال ابن سَعْد (١): فكتب إلى كلِّ منهم: أن نعم، فلمَّا التقوا قال
مُصْعَب لرَبيعة: تقدَّموا للقتال. فقالوا: هذه مَخروءة بين أيدينا، فقال: ما
تأتون أنتَن من المخروءة، يعني تَخلُّفَكم عن القتال.
وقد كانت ربيعةُ قبلُ مُجْمِعةً على خِذْلانه، فأظهرت ذلك، فخذله
النَّاس. ولم يتقدَّم أحد يُقاتل دونه، فلمَّا رأى ذلك قال: المرءُ ميت، فلأن
يَموت كريمًا أحسن به من أن يَضْرَع(٢) إلى من قد وَتره، لا أستعينُ بربيعة
أبدًا ولا بأحدٍ من أهل العراق، ما وَجدنا لهم وفاءً، انطلق يا بُنَيَّ إلى عَمِّك
فأخْبره بما صَنع أهل العراق، ودَعْني، فإنِّي مَقتول، فقال: والله لا أخبر
نساءَ قريش بصَرْعتك أبدًا، قال: فإنْ أردتَ أن تُقاتل فتقدَّم حتى أحتسِبُك،
فقاتل حتى قُتل، وتقدَّم إبراهيم بن الأشْتَر فقاتل قتالاً شَديدًا حتى أخذته
الرِّماح فقُتل ومُصْعَب جالس على سرير، فأقبل إليه نفر ليَقْتلوه، فقاتل أشدَّ
القِتال حتى قُتل، واحتزَّ ابن ظَبْيان رأسه. وبايع أهلُ العراق لعبد الملك
ودخلها، واستَخلف على الكوفة أخاه بِشْر بن مَروان.
قيل: إنَّ ابنَ الزُبير لما بَلغه مقتلُ أخيه مُصْعَب قام فقال: الحمد لله
الذي خلق الخَلق، ثم ذكر مَصْرِعَ أخيه وقال: ألا إنَّ أهلَ العراق أهل الغدر
والنَّفاق أسلَموه وباعوه، والله ما نَموت على مَضاجِعنا كما يموت بنو أبي
العاص، فما قُتل منهم رَجَلٌ في زَحْفٍ، ولا نَموت إلا قعصًا بالرِّماح،
وتحت ظلال السيوف .
وفيها خرج أبو فُدَيْك فغلب على البحرين. وقيل: هو الذي قتل نَجدة
الحَرُوريَّ، فسَار إليه جيش من البَصرة، عليهم أُميَّة بن عبدالله بن خالد
الأموي أخو أميرها خالِد، فهَزمه أبو فُدَيْك، فكتب عبدالملك بن مَروانٍ إلى
خالد يعنِّفه لكونه استعمل أُميَّة على حرب الخوارج، ولم يستعمل المُهلَّب،
(١) طبقاته والجزء الذي طبعه محمد صايل السلمي ٢ / ٨٩.
(٢) أي: يخضع ويذل.
٧٥٧

وأمره أن ينهضَ إليهم بنفسه، ويستعينَ برأي المُهلَّب، ولا يعملَ أمرًا دونه.
وكتب إلى بِشْر بن مروان يمدُّه بخمسة آلافٍ، عليها عبدالرّحمن بن محمد
ابن الأَشْعَثَ، فسارَ خالد بالنَّاس حتَّى قدِم الأهواز، وسارت إليه الأزارقةُ،
فتنازل الجيشان نحوًا من عشرين ليلة، ثم زَحف إليهم خالد فأخذوا
يَنْحازون، فاجترأ عليهم الناس، وكرَّت عليهم الخيل، فولَّوا مُدْبرين على
حَميةٍ، وقُتل منهم خلق، واتَّبعهم داود بِن فَحْذَم أميرُ المَيْسَرة وعتَّاب بن
وَرْقاء، وجعلوا يَتَطْلَّبونهم بفارس حتى هَلَكت خيول الجُنْد وجاعوا، ورجع
كثيرٌ منهم مُشاة.
قال الطبري في ((تاريخه))(١): وفيها كانت وقعةٌ بين ابن خازم أميرُ
خُراسان وبين بَحير بن وَرقاء بقرب مَرْو، وقُتل خلقٌ، وقُتل عبدالله بن خازم
في الوَقعة، وَلي قَتْله وكيعُ بن عميرة ابن الدَّورقيَّة. ويقال: اعتَوَر عليه بَحِيرٌ
وعمَّار الجُشمي وابن الدَّوْرقيَّة وطَعنوه فصَرَعوه، فقيل لوكيع: كيف قتلتَه؟
قال: غلبته بفَضْل القَنا، ولما صُرع قَعدتُ على صدرِه، فحاول القيام فلم
يقدر، وقلت: يا ثارات دُوَيْلة- وهو أخو وكيع لأمِّه قُتل تلك المُدَّة- قال:
فتنخَّم في وجهي، وقال: لعنك الله، تقتل كَبْش مُضَر بأخيك عِلْج لا يسوى
كفَّا من نَوَى، فما رأيت أحدًا أكثر رِيقًا منه على تلك الحال عند الموت. ثم
أقبل بُكير بن وشاح، فأراد أخذَ رأسَ عبد الله بن خازم، فمنعهُ بَحِير، فضربه
بُكَير بعمودٍ وأخذَ الرَّأس، وقيَد بَحِيرًا، وبعث بالرأس إلى عبدالملك بن
مروان .
ثم حكى ابن جرير الطبري (٢) الخِلاف في أنَّ ابن خازم إنَّما قُتِل بعد
مَقتل عبدالله بن الزُبير، وأنَّ رأس ابن الزُبير وَرَدَ على ابن خازم، فحَلَف أن
لا يُعطي عبدالملك طاعة أبدًا، وأنَّه دعا بطَسْتِ فغسَّل الرَّأس وكفَّنه
وحنَّطه، وصلى عليه، وبعثَ به إلى آل الزُبير بالمدينة .
قلت: ولعلَّه رأس مُصْعَب بن الزُبير.
(١) تاريخ الطبري ٦ / ١٧٧ .
(٢) تاريخ الطبري ٦ / ١٧٨ .
٧٥٨

وكان عبدالملك بَعث إلى ابن خازم مع سَوْرة النُّمَيري: أنَّ لك
خُرِاسان سبعَ سنين على أن تُبايعني، فقال للرسول: لولا أن أضرب بين بني
سُلَيْم وبني عامر لقَتلتُك، ولكن كُل هذه الصَّحيفة، فأكلها .
وفيها سار الحَجَّاجِ إلى حَرب ابن الزُبير، فأولُ قتالٍ كان بينهما في
ذي القَعْدة، ودام الحِصار أشهُرًا.
سنة ثلاثٍ وسبعين
فيها تُوفِّي عبدالله بن عُمر، وعَوف بن مالك الأشْجعي، وعبدالله بن
الزُبير، وأُّه أسماء بنت الصِّدِّيق، وأبو سَعيد بن المُعَلَّى الأنصاري، ورَبيعة
ابن عبدالله بن الهُدَير التَّيْمي، وعَمرو بن عثمان بن عَفَّان، وعبدالله بن
صفوان بن أميَّة بن خَلف الجُمَحي وعبدالله بن مُطيع بن الأسود العَدَوي
وعبدالرحمن بن عثمان بن عُبيدالله الشَّيميُّ، قُتلوا ثلاثتهم مع ابن الزُّبير .
وفيها تُوفِّي مالك بن مِسْمَعِ الرَّبعي، وأوس بن ضَمْعَجِ بِخُلْفٍ فيه .
وفيها حاصر الحَجَّاجِ مَكَّة وبها ابن الزُبير قد حَصَّنها، ونصب
الحَجَّاج عليها المَنْجَنيق، فروى عبدالملك بن عبدالرَّحمن الذِّماري، قال:
حدثنا القاسم بن مَعْن، عن هشام بن عُروة، عن أبيه بحديثٍ طويل منه:
وقاتل حُصَين بن نُمَير ابنَ الزُّبير أيامًا، وأحرق فِسطاطًا له نَصبه عند البيت،
فطارَ الشَّرر إلى البيت، واحترق فيه يومئذ قَرْنا الكبش الذي فُدي به
إسحاق، إلى أن قال في الحديث: فخَطَب عبدالملك بن مروان وقال: مَن
لابن الزُّبير؟ فقال الحَجَّاج: أنا يا أمير المؤمنين، فأسكتهُ، ثم أعاد قوله،
فقال: أنا، فعقد له على جَيش إلى مكة، فنصب المَنْجنيق على أبي قُبَيْس،
يرمي به على ابن الزُّبَير وعلى من معه في المَسجد، وجعل ابن الزُّبير على
الحَجر الأسود بيضة، يعني خوذة تردُّ عنه، فقيل لابن الزُبير: ألا تكلِّمُهم
في الصُّلْح، فقال: أوَ حين صُلْح هذا، والله لو وَجَدوكم في جوف الكعبة
لذبحوكم جميعًا، ثم قال :
ولست بمُبتاع الحياة بسُبَّة ولا مُرْتَقٍ من خَشية الموت سُلَّما
أُنافس سَهمًا إنَّه غير بارحٍ مُلاقي المنايا أي صرْفٍ تَيَمَّما
٧٥٩

قال: وكان على ظَهر المسجد طائفة من أعوان ابن الزُّبير يَرمون عدوَّه
بالآجُرِّ، وحمل ابن الزُّبير فأصابته آجُرَّة في مَفْرقه فَلَقَت رأسَهُ .
وقال الواقديُّ: حدثنا مُصْعبٍ بن ثابت، عن أبي الأسود، عن عبَّاد
ابن عبدالله بن الزُّبير. قال: وحدثنا شُرَحبيل بن أبي عَون، عن أبيه. وحدثنا
عبدالرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عُروة، عن أبيه؛ قالوا: لما قَتَلَ
عبدالملك مُصْعبًا بعث الحَجَّاج إلى ابن الزُّبير في ألفَين، فنزل الطائفَ،
وبقي يبعث البُعُوث إلى عَرَفة، ويبعث ابن الزُّبير بعثًا فتُهزَمُ خيلُ ابن
الزُبير، ويردُّ أصحابُ الحَجَّاج إلى الطَّائف، فكتب الحَجَّاج إلى عبدالملك
في دُخول الحَرم ومُحاصَرة ابن الزُبير، وأن يمدَّهُ بجيش، فأجابه وكتب
إلى طارق بن عَمرو فقدم على الحَجَّاجِ في خمسة آلاف، فحجَّ الحَجَّاج
بالناس، سنة اثنتين يعني، ثم صدر الحَجَّاج بن يوسف وطارق ولم يطوفا
بالبيت ولا قَرُبا النِّساءَ حتى قُتل ابن الزُبير فطافا. وحُصر ابن الزُّبير من ليلة
هلال ذي القَعْدة ستة أشهر (١) وسبع عشرة ليلة. وقدِم على ابن الزُّبير
حُبْشان من أرض الحَبَشة، فجعلوا يرمون فلا يقع لهم مِزْراق(٢) إلاّ في
إنسان، فقتلوا خَلْقًا. وكان معه أيضًا من خوارج أهل مصر، فقاتلوا قتالاً
شَديدًا، ثم ذكروا عثمان فتبرَّؤوا منه، فبلغ ابن الزُّبير فناكَرَهُم، فانصرفوا
عنه. وألحَّ عليه الحَجَّاجِ بالمَنْجيق وبالقتال من كلِّ وجهٍ، وحَبس عنهم
المِيرة فجاعُوا، وكانوا يَشْرَبون من زَمزم فيعصمهم، وجَعلت الحِجارة تقع
في الكعبة .
وحدثنا شُرَحْبيل، عن أبيه، قال: سمعت ابنَ الزُّبير يقول لأصحابه :
انظروا كيف تَضْربون بسيوفكم، وليَصُن الرَّجل سيفَه كما يصون وَجْهه، فإنَّه
قبيحٌ بالرَّجل أن يخطىءٍ مَضْرِبَ سيفه، فكنتُ أرمقه إذا ضَرب فما يخطىء
مضربًا واحدًا شبرًا من ذُبابَ السَّيف أو نَحوه، وهو يقول: خُذْها وأنا ابن
الحواري.
(١) في تاريخ الطبري ٦/ ١٨٧: أن ابن الزبير حُصر ثمانية أشهر .
(٢) المزراق: الرمح القصير.
٧٦٠