Indexed OCR Text

Pages 681-700

مع سَلْمان بن ربيعة قبل شُرَيْح؛ قاله الشعبي. روى عنه الشَّعبي، ولُمازة بن
زيَّار، والعَيْزار بن حُريث، وشَبيب بن غَرْقدة، وأبو إسحاق السَّبيعي،
وغيرهم.
وقد أعطاه النبيُّ ◌َِّ دينارًا ليشتري له أُضْحية، فاشترى له شاتَيْن،
فباع إحداهما بدينار، وأتى النبيَّ وَّ بشاةٍ ودينار، فدعا له النبيُّ ◌َِّ، فكان
لو اشترى الثُّراب ربح فيه(١).
وقال شبيب بن غَرْقُدة: رأيت في دار عُروة، يعني البارقي، سبعين
فَرَسًا مَربوطة .
قال ابنُ سعد (٢): كان عُروة مُرابطًا وله أفراس، فيها فَرَس أخذه
بعشرين ألف درهم (٣).
٧٢ - ٤: عطيّة القُرَظِيُّ.
له صُحبة ورواية قليلة. روى عنه مُجاهد، وكثير بن السَّائب،
وعبدالملك بن عُمَير .
وقال: كنت من سَبي بني قُرَيْظة، فكان من أنبتَ قُتِل(٤)، فكُنت فيمن
لم ينبت، فتُرِكْتُ(٥).
٧٣- خ دت ن: عُقْبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف
ابن قُصَي، أبو سِرْوَعَة القُرَشيُّ النَّوْفليُّ المكُِّّ.
أسلم يوم الفتح، وروى عن النبيِّ مَثّر، وأبي بكر. روى عنه إبراهيم
=
نواصيها الخير))، والثاني أن النبي وُل( أعطاه دينارًا يشتري له به شاة)). تنظر تحفة
الأشراف ٦/ ٥٩١ - ٥٩٤ حديث ٩٨٩٧ و٩٨٩٨، والمسند الجامع ١٢ / ٥٤٥-
٥٤٩.
(١) حديث صحيح.
أخرجه البخاري ٤/ ٢٥٢ (٣٦٤٢)، وأبو داود (٣٣٨٤) و(٣٣٨٥)، والترمذي
(١٢٥٨) و(١٢٥٨م)، وابن ماجة (٢٤٠٢) و(٢٤٠٢م). والحميدي (٨٤٣)، وابن
أبي شيبة في مسنده ٧٠٣، وأحمد ٤/ ٣٧٥ و٣٧٦.
(٢) ابن سعد ٦ / ٣٤.
(٣) ينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٥ - ٦.
(٤) يعني من أنبت الشعر قُتل.
. (٥) من تهذيب الكمال ٢٠ / ١٥٧ - ١٥٨ .
٦٨١

ابن عبدالرَّحمن بن عَوْف، وعُبيد بن أبي مريم المَكّي، وابن أبي مُلَيْكة،
وغيرهم. وهو قاتل خُبيب.
وأما أبو حاتم الرازي فقال(١): ليس هو الذي روى عنه ابن أبي
مُلَيكة، فإنَّ أبا سِرْوَعَة قديم الوفاة .
حمّاد بن زيد: حدثنا أيُّوب، عن ابن أبي مُلَيكة، قال : : سمعت
عُقْبة بن الحارث. وحدَّثني صاحبٌ لي، وأنا لحديث صاحبي أحفظ، قال
عُقبة: تزوَّجتُ أَمَّ يحيى بنت أبي إهاب، فدخلَتْ علينا امرأة سوداء،
فَزَعَمت أنها أرضَعتنا جميعًا، فذكرت ذلك للنبيِّ بِّ، فأعرض عنّي ثم
قلت: إنَّها كاذبة، قال: ((وما يُدريك أنَّها كاذبة؟ وقد قالت ما قالت، دعها
عنك))(٢).
قلت: فيه دليل على ترك الشُّبُهات، وفيه الرُّجوع من اليقين إلى الظنِّ
احتياطًا وورعًا، واستبراء للعِرْض والدِّين(٣).
٧٤- عُقْبة بن نافع بن عبد قيس بن لَقيط القُرَشيُّ الفِهْرِيُّ،
الأمير .
قال أبو سعيد بن يونس: يقال إنَّ له صُحبة ولم تصحّ، شهد فتحَ مصر
واختط بها، وولي المَغرب لمعاوية ويزيد بن معاوية، وهو الذي بنى قَيْرِوان
إفريقية وأنزلها المُسلمين، قتله البَرْبر بتَهُودة من أرض المَغرب سنة ثلاثٍ
وستين، وولده بمِصر والمغرب.
وقال ابن عساكر(٤): وفد على مُعاوية ويزيد، وحكى عن معاوية،
روى عنه قوله ابنُه أبو عُبيدة مرَّة، وعبد الله بن هُبَيرة، وعُليُّ بن رباح،
وعمَّار بن سَعْد، وغيرهم.
وقال الواقدي: حدثنا الوليد بن كثير، عن يزيد بن أبي حبيب، عن
(١) الجرح والتعديل ٦ / الترجمة ١٧٢٢ .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٦٠٣) من طريق حماد بن زيد، به. وأخرجه البخاري ٧ / ١٣ من
طريق أيوب عن عبدالله بن أبي مليكة من عبيد بن أبي مريم، عن عقبة بن الحارث،
به. وانظر تمام تخريجه في تعليقنا على الترمذي (١١٥١).
(٣) ينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ١٩٢ - ١٩٤.
(٤) تاريخ ابن عساكر ٤٠/ ٥٢٥، ونقل عامة الترجمة منه.
٦٨٢

أبي الخَير، قال: لما فتح المُسلمون مصر بعثَ عَمْرو بن العاص إلى القرى
التي حَولها الخيل يَطأوهم، فبعث عُقْبةَ بن نافع بن عبد قيس، وكان نافع
أخا العاص بن وائل السَّهمي لأمِّه، فدخلت خُيولُهم أرضَ الثُّوَبة غزاةً غَزْوًا
كصوائف الرُّوم، فلقي المُسلمون من النُّوبة قتالاً شديدًا، رشقوهم بالنَّبْل،
فلقد جُرح عامَّتهم، وانصَرفوا بحَدَقٍ مُفَقَّأة .
قال الواقدي: لما وَلِيَ معاويةُ وجَّه عُقْبة بن نافع على عشرة آلاف
إلى إفريقية، فافتتحها واختَطْ قيروانَها، وقد كان موضعه غَيْضَة لا تُرام من
السباع والحَيَّات، فدعا عليها، فلم يبق منها شيء إلا خرج هاربًا بإذن الله،
حتى إن كانت السِّباع وغيرُها لتَحْمِلُ أولادَها، فحدَّثني موسى بن عُلي،
عن أبيه، قال: نادى عُقْبة: ((إنَّا نازلون فأظْعِنوا)) فخَرَجْن من جُجُورهنَّ
هوارب .
وقال محمد بن عَمْرو: عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، قال:
لما افتتحَ عُقبة بن نافع إفريقية وقف، وقال: يا أهل الوادي إنَّا حالُون إن
شاء الله، فأظْعِنوا، ثلاث مرَّات، قال: فما رأينا حَجَرًا ولا شَجَرًا إلاَّ يخرج
من تحتهِ دابَّة حتى هبطنَّ بطن الوادي، ثم قال لنا: انزلوا باسم الله .
وعن مُفضَّل بن فَضَالة، وغيره، قالوا: كان عُقبة بن نافع مُجاب
الدعوة .
وعن عُلَيٍّ بن رباح، قال: قدِم عُقبة بن نافع على يزيد، فردَّه واليًا
على إفريقية سنة اثنتين وستينٍ، فخرج سريعًا لحنقه على أبي المُهاجر
دينار، هو مولى مَسْلَمة بن مُخَلَّد، فأوثق أبا المُهاجر في الحَديد، ثم غزا
إلى السُّوس الأدنى، وأبو المُهاجر معه مُقَيَّد، ثم رجع وقد سبقه أكثر
الجيش، فعرض له كُسَيْلة في جَمْع من البربر والرُّوم، فالتقوا، فقُتل عُقْبة
وأصحابه وأبو المهاجر.
٧٥ - ع: علقمة بن قيس بن عبدالله بن مالك، أبو شِبل النَّخَعيُّ
الكوفيُّ الفقيه المشهور، خال إبراهيم النَّخَعي، وشيخه، وعمُّ الأسود
ابن يزيد .
أدرك الجاهليّة، وسمع عُمر، وعُثمان، وعليًّا، وابن مَسْعود، وأبا
٦٨٣

الدَّرداء، وسعد بن أبي وقَّاص، وعائشة، وأبا موسى، وحُذَيفة، وتفقَّه بابن
مَسْعود وقرأ عليه القرآن.
روى عنه إبراهيم النَّخعي، والشَّعبي، وإبراهيم بن سويد النَّخَعي،
وهُنَي بن نُوَيْرة، وأبو الضُّحَى مُسلم، وعبدالرحمن بن يزيد النَّخْعي أخو
الأسود، والقاسم بن مُخَيْمرة والمُسيَّب بن رافع، وأبو ظبيان. وقرأ عليه
القرآن يحيى بن وثَّاب، وعُبيد بن نُضَيلة، وأبو إسحاق، وغيرهم.
وكان فقيهًا إمامًا مُقرئًا، طيّب الصَّوت بالقرآن، ثَبْتًا حُجَّة، وكان
أعرج، دخل دمشق واجتمع بأبي الدَّرداء بالجامع، وكان الأسودُ أكبر منه،
فإن أبا نُعَيم قال: قال الأسود: إنِّي لأذْكُر ليلة يُنِيَ بأمِّ علقمة.
وقال خليفة(١) وغيره: إنه شهد صِفِّين مع عليّ.
وقال مغيرة، عن إبراهيم: إنَّ عبدالله كَتَّى عَلْقمة أبا شبل، وكان
علقمة عقیمًا لا يُولد له.
وقال حمّاد بن أبي سُليمان الفقيه، عن إبراهيم، عن علقمة، قال:
صلَّيت خَلف عُمر سنتين.
وقال مغيرة، عن إبراهيم: إنَّ الأسود وعَلقَمة كانا يُسافران مع أبي
بكر وعُمر .
وقال أحمد بن حنبل: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم،
قال: كان عَلقمة يُشبَّه بعبدالله بن مسعود في هَدْيه ودلِّه وسَمْته .
وقال الأعمش: حدثنا عُمارة بن عُمَير، عن أبي مَعْمَر، وهو عبد الله
ابن سَخْبَرة، قال: كُنَّا عند عَمْرو بِن شُرَحْبيل، فقال: اذهبوا بنا إلى أشبه
الناس هَدْيًا ودَلاً وأمرًا بعبدالله، فقُمنا معه لم نَدْرِ من هو، حتى دخل بنا
على علقمة .
وقال داود الأؤدي: قلت للشّعبي: أخبرني عن أصحاب عبدالله كأنّي
أنظر إليهم، قال: كان علقمةُ أبْطَنَ القوم به، وكان مَسْروق قد خَلَط منه
ومن غيره، وكان الرَّبيع بن خُثَيم أشدَّهم اجتهادًا، وكان عَبِيدة يُوازي
شُرَيْحًا في العلم والقضاء.
(١) تاريخ خليفة ١٩٦ .
٦٨٤

وقال إبراهيم: كان أصحاب عبدالله يقرأون ويُفْتون: علقمةٌ،
ومَسروق، والأسود، وعَبيدة، والحارث بن قيس، وعَمْرو بن شُرَحْبيل .
وقال مُرَّة بن شراحيل: كان علقمة من الربَّانين .
وقال زائدة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة: قال عبد الله: ما
أقرأ شيئًا إلاَّ وعلقمة يقرأه.
وقال ابن عَوْن: سألت الشَّعبي عن عَلْقمة والأسود، أيُّهما أفضل؟
فقال: كان علقمةً مع البطيء ويُدرك السَّريع .
وقال قابوس بن أبي ظبيان: قلت لأبي: كيف تأتي عَلْقِمة، وتَدَعُ
أصحابَ محمد ◌ِّ﴾؟ قال: يا بُنَيَّ إنَّ أصحاب محمد كانوا يسألونه.
وقال إبراهيم: كان علقمةُ يقرأ القرآن في خمسٍ، والأسود في ستٍّ
وعبدالرَّحمن بن يزيد في سَبْعِ .
وقال الشَّعبي: إن كانَ أهل بيتٍ خُلِقُوا للجنَّة فهم أهل هذا البيت:
علقمة، والأسود.
وقال الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبدالرحمن بن يزيد،
قال: قُلنا لعلقمة: لو صَلَّيتَ في هذا المسجد ونجلس معك فتُسأل، قال:
أكره أن يُقال هذا عَلقمة. قالوا: لو دخلت على الأمراء فعَرفوا لك شَرفك،
قال: أخاف أن ينتَقصوا منّي أكثر ممَّا أنتقصُ منهم.
وقال علقمة لأبي وائل وقد دخل على ابن زياد: إنَّك لم تُصِبْ من
دُنياهم شيئًا إلاَّ أصابوا من دينك ما هو أفضل منه، ما أحبُّ أنَّ لي مع ألفيَّ
ألفين، وإنِّي من أكرم الجُنْد عليه .
وقال إبراهيم: إنَّ أبا بُرْدة كتب علقمة في الوفد إلى مُعاوية، فقال
علقمة : امْحُني امْحُني .
وقال علقمة: ما حفظتُ وأنا شابٌ، فكأني أنظر إليه في قِرْطاس.
قال الهيثم: تُوفي علقمة في خلافة یزید .
وقال أبو نُعَيم: توفي سنة إحدى وستين.
٦٨٥

وقال المَدائني، وأبو عُبيد، وخَليفة(١)، وابن مَعين، ومحمد بن
سَعْد، وابن نُمَير، وأبو حَفْص الفلَّس: تُوفي سنة اثنتين وستِّين.
وعن عثمان بن أبي شيبة وغيره: تُوفي سنة اثنتين وسبعين، وهو
غلط (٢).
٧٦- ن: عُمر بن سعد بن أبي وقَّاص القُّرَشيُّ الزُّهْرِيُّ، أبو
حَفْص المدنيُّ، نزيلُ الكوفة .
روى عن أبيه. وروى عنه ابنه إبراهيم، وابن ابنه أبو بكر بن حفص،
والعَيْزار بن حُرَيث، وأبو إسحاق السُّبيعي. وأرسل عنه قتادة، والزُّهري،
ويزيد بن أبي حَبيب .
ولعُمر بن سعد جماعة إخوة: عَمرو بن سَعْد، أحَد من قُتل يوم
الحرّة. وعُمَير بن سعد قُتل أيضًا يوم الحَرَّة. ومُصْعَب بن سعد، وعامر بن
سعد ماتا بعد المئة. وإبراهيم بن سعد وله رواية، وإسماعيل،
وعبدالرحمن، ويحيى، ذكر تراجمهم ابنُ سعد(٣).
وقد مرَّ أنَّه الذي قاتل الحُسين رضي الله عنه، وشَهد دُومة الجَنْدل مع
أبيه .
وقال بُكَير بن مِسْمار: سمعتُ عامر بن سَعْد يقول: كان سعد في إبله
أو غنمه، فأتاه ابنه عُمر، فلمَّا لاح له، قال: أعوذ بالله من شرِّ هذا الراكب،
فلما انتهى إليه، قال: يا أبتِ أرضيتَ أن تكون أعرابيًا في إبلك والناس
يَتَنازعون في المُلْك؟ فضَرب صَدره بيده، وقال: اسكت، سمعتُ رسول الله
وَّ يقول: ((إنَّ الله يحبُّ العَبد الثَّقيَّ الخفيَّ الغني)»(٤).
وروى ابن عُيَيْنة، عمَّن حدَّثه، عن سالم، إن شاء الله، قال: قال عمر
ابن سعد للحُسين: إنَّ قومًا من السُّفهاء يزعمون أنَّ قاتِلَك، قال: ليسوا
(١) تاريخ خليفة ٢٣٦ .
(٢) ينظر تهذيب الكمال ٢٠/ ٣٠٠ - ٣٠٨.
(٣) تُنظر تراجمهم في طبقات ابن سعد ٥/ ١٦٧ - ١٧٠. ولم يذكر المصنف محمد بن
سعد .
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٨/ ٢١٤ من طريق عامر، به.
٦٨٦

بسُفهاء ولكنَّهم حُلَماء، ثم قال: والله إنَّه ليَقَرُّ عيني أنك لا تأكل بُرَّ العراق
بعدي إلاَّ قليلاً.
وروى هشام بن حسَّان، عن ابن سيرين، عن بعض أصحابه، قال:
قال عليٌّ لعُمر بن سعد: كيف أنت إذا قمتَ مقامًا تُخَيَّر فيه بين الجنَّة
والنار، فتختار النّار.
ويُروَى عن عُقْبة بن سِمعان، قال: كان عُبَيَد الله قد جَهَّزَ عُمر بن سعد
في أربعة آلاف لقتال الدَّيلم، وكتب له عهده على الرَّي، فلمَّا أقبل الحُسين
طالبًا للكوفة دعا عُبيدُ الله عمر وقال: سِر إلى الحُسين، قال: إِن رأيت أنْ
تُعفيني، قال: فرُدَّ إلينا عهدَنا، قال: فأمهِلْني اليومَ أنظر في أمري،
فانصرف يَسْتَشير أصحابه، فنهوه.
وقال أبو مِخْنَف، وليس بثقة لكنْ له اعتناءٌ بالأخبار: حدَّثني مُجالد،
والصَّقْعَب بن زُهير أنَّهما التقيا مِرارًا الحُسين، وعُمر بن سعد قال: فكتب
عُمر إلى عبيدالله: أمَّا بعد، فإنَّ الله قد أطفأ النَّائرة، وجمع الكَلِمة، وأصلحَ
أمر الأمَّة، فهذا حُسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن
يأتي أميرَ المؤمنينَ فيضعُ يده في يده، أو أن يسير إلى ثغرٍ من الثُّغور،
فيكون رجلاً من المُسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم، وفي هذا لكم رِضًا،
وللُمَّة صلاح. فلمَّا قرأ عُبيدالله الكتابَ، قال: هذا كتاب ناصح لأميره،
مُشْفِقِ على قومه، نعم قد قَبْلتُ، فقام إليه شِمْر بن ذي الجَوْشَّن فقال:
أتقبلُ هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك؛ والله لئن خَرج من بلادكِ ولم
يضع يده في يدك ليكوننَّ أولى بالقُوَّة والعزِّ، ولتكوننَّ أولى بالضَّعف
والعَجْز، فلا تُعْطه هذه المنزلة فإنَّها من الوَهْن، ولكنْ لينزل على حُكمك
هو وأصحابه، فإنْ عاقبتَ فأنت وَلي العُقوبة، وإن غفرت كان ذلك لك،
والله لقدٍ بَلغني أنَّ حُسينًا وعُمر بن سَعْد يجلسان بين العَسكرين فيتحدَّثان
عامَّة اللَّيل، فقال له: نِعْمَ ما رأيت الرأي رأيك(١).
وقال البخاري في ((تاريخه))(٢): حدثنا موسى بن إسماعيل، قال:
(١) تاريخ الطبري ٥ /٤١٤ .
(٢) تاريخه الصغير ١ / ١٥٠.
٦٨٧

حدثنا سليمان بن مُسلم العِجْلي، قال: سمعتُ أبي، يقول: أول من طَعن
في سُرداق الحُسين عمرُ بنُ سعد، فرأيت عمرَ وولديه قد ضربت أعناقهم،
ثم عُلَّقوا على الخَشَب، ثم أُلْهب فيهم النار.
وعن أبي جعفر الباقر: إنَّما أعطاه المُختار أمانًا بشرط إلا يُحْدِث
ونوى بالحَدَث دخولَ الخَلاء، ثم قَتله .
وقال عِمْران بن مِيثَم: أرسل المُختار إلى دار عُمر بن سعد من قتله
وجاءَه برأسه، بعد أن كان أمَّنه، فقال ابنه حفص لما رأى ذلك: إنَّا لله وإنّا
إليه راجعون، فقال المُختار: اضرب عُنُقه، ثم قال: عمرُ بالحُسين،
وحفص بعليٍّ بن الحُسين، ولا سَواء.
قلت: هذا عليٍّ الأكبر ليس هو زين العابدين.
قال خليفة(١): وسنة ستٍّ وستِّين قُتل عمر بن سعد على فراشه.
وقال ابن مَعِين(٢): سنة سَبْع(٣).
٧٧- ٤: عُمر بن عليٍّ بن أبي طالب بن عبدالمُطّلب، وهذا عمر
الأكبر قُتل مع المُختار بن أبي عُبيد.
وقد روى عن أبيه. روى عنه بنوه علي وعُبيد الله ومحمد، وأبو زُرْعة
عَمرو بن جابر الحَضْرمي. ولابنه محمد حديثٌ عنه في السُنَّن.
قُتِل إلى رحمة الله سنة سَبْع(٤).
٧٨- ع: عَمْرو بن الحارث بن أبي ضِرار الخُزاعيُّ المُصْطَلقيُّ،
أخو أُمِّ المُؤمنين جُوَيْرية .
له صُحبة ورواية، نَزل الكوفة، وروى أيضًا عن ابن مَسعود وزوجته
زينب. روى عنه مولاه دينار، وأبو وائل، وأبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود،
وأبو إسحاق السبيعي.
(١) تاريخه ٢٦٣، وليس فيه: ((على فراشه)).
(٢)
هو من رواية أبي بكر بن أبي خيثمة .
ينظر تهذيب الكمال ٢١ / ٣٥٦ - ٣٦٠.
(٣)
(٤) ينظر تهذيب الكمال ٢١ / ٤٦٨ - ٤٧٠.
٦٨٨

وهو صهر ابن مسعود (١).
٧٩- عَمْرو بن الزبير بن العوَّام بن خُوَيْلد الأسديُّ، وأمُّه أمُّ خالد
بنت خالد بن سعيد الأمويّة.
سمع أباه وأخاه، ولا نَعلم له رواية، وله وفادة على معاوية وابنه،
وكانت بينه وبين أخيه عبدالله خُصومة.
قال الزبير بن بَكَّار: حذَّثني مُصْعَب بن عثمان قال: إنَّما سُمّي عبد الله
ابن عَمرو بن عثمان بن عفَّن المُطَّرَف لأنَّ الناس لما استَشْرفوا جَماله قالوا :
هذا حسن مُطْرَف بعد عَمرو بن الزُّبير. وكان عَمْرو بن الزُّبير مُنقطع
الجَمال، وكان يقال: من يُكلِّم عَمْرو بن الزُبير يندَم، كان شديدَ العارضة،
منيع الحَوْزة، وكان يجلسُ بالبلاط ويطرح عَصاه، فلا يتخطَّاها أحد إلا
بإذنه، وكان قد اتّخذ من الرَّقيق مئتين .
وقال الواقديُّ: حدَّثني عبدالله بن جعفر، عن عمَّته أمِّ بكر. وحذَّثني
شُرَحْبيل بن أبي عَون، عن أبيه، وابن أبي الزِّناد؛ قالوا: كتَب يزيد إلى
عَمرو بن سعيد أن يوجِّهِ إلي ابن الزُبير جُندًا، فسأل: مَن أعدى الناس له،
فقيل: عمرو أخوه، فولاَه شُرطة المدينة، فضَرب ناسًا من قُريش والأنصار
بالسِّياط، وقال: هؤلاء شيعةُ عبد الله بن الزُبير، ثم توجَّه في ألف من أهل
الشَّام إلى قتال أخيه عبد الله، ونزل بذي طُوى، فأتاه الناس يُسلِّمون عليه،
فقال: جئتُ لأن يُعْطي أخي الطّاعة ليزيد وَيَبرَّ قسَمَه، فإن أبى قاتلتُهُ، فقال
له جُبير بن شَيبة: كان غيرك أولى بهذا منك، تَسيرُ إلى حَرم الله وأمْنه،
وإلى أخيك في سِنِّه وفَضْله، تَجعله في جامعةِ ما أرى الناس يَدعونَك وما
تُريد. قال: أرى أن أقاتل من حال دون ذلك، ثم أقبلَ فنزل داره عند
الصَّفا، وجعل يُرسل إلى أخيه، ويرسل إليه أخوه، وكان عَمرو يخرج
يُصلِّي بالنَّاسِ، وعَسكِرِه بذي طُوى، وابن الزُّبير أخوه معه يُشبِّك أصابعه في
أصابعه ويُكلِّمه في الطّاعة، ويُلين له، فقال عبدالله: ما بعد هذا شيءٌ، إنّي
السامعٌ مُطيعٌ، أنت عامل يزيد، وأنا أُصلِّي خَلفك ما عندي خِلاف، فأمَّا أن
تجعل في عُنقي جامعةً ثم أُقاد إلى الشَّام، فإني نظرت في ذلك، فرأيته لا
(١) من تهذيب الكمال ٢١ / ٥٦٩ - ٥٧٠ .
تاريخ الإسلام ٤٤٣/٢
٦٨٩

يحلُّ لي أن أحلَّه بنَفسي، فراجع صاحبك واكتب إليه، قال: لا والله ما أقدر
على ذلك، فهيّأ عبدالله بن صَفوان قومًا وعَقد لهم لواءً، وأخذَ بهم من
أسفل مَكَّةٍ، فلم يشعُر أُنيس الأسلميُّ إلاَّ بالقوم وهم على عسكر عَمْرو،
فالتقوا، فقُتل أنيس، وركب مُصْعب بن عبد الرحمن بن عَوف في طائفةٍ إلى
عَمرو فلقوه، فانهزم أصحابُه والعَسكر أيضًا، وجاء عُبيدة بن الزُبير إليه،
فقال: يا أخي أنا أُجيرك من عبدالله، وجاءَ به أسيرًا والدَّم يقطر على قَدَميه،
فقال: قد أجَرْتُهُ، قال عبدالله: أمَّا حقِّي فنعم، وأمَّا حقُّ الناس فلأقتصَّنَّ منه
لمن آذاه بالمَدينة، وقال: من كان يطلبُه بشيءٍ فليأت، فجعل الرَّجل يأتي
فيقول: قد نتفَ أشفاري، فيقول: قم فانتف أشفارَهُ، وجعل الرجل يقول:
قد نَتف لحيتي، فيقول: انتف لِحيته، فكان يقيمه كلَّ يوم، ويدعو الناس
للقَصاص منه، فقام مُصْعَب بن عبدالرحمن، فقال: قد جلّدني مئة جلدة،
فأمره فضربه مئة جلدة فمات، وأمر به عبدالله فصُلب. رواه ابن سعد (١)،
عن الواقدي وقال: بل صحَّ من ذلك الضَّرب، ثمَّ مرَّ به ابن الزُّبير بعد
إخراجه من السّجن، فرآه جالسًا بفناء منزله، فقال: ألا أراه حيًّا، فأمر به
فسُحب إلى السِّجن، فلم يبلُغه حتى مات، فأمر به عبدالله، فطُرح في شِعْب
الخَيْف، وهو المَوضع الذي صُلب فيه عبدالله بعد .
٨٠- خ م د ت ن: عَمْرو بن شُرَحْبيل، أبو مَيْسرة الهَمْدانيُّ
الگُوفئُّ.
روى عن عمر، وعلي، وابن مسعود. وكان سيِّدًا صالحًا عابدًا، إذا
جاءه عطاءٌ تصدَّق به رحمه الله. روى عنه أبو وائل، والشَّعبي، والقاسِم بن
مُخَيْمرة، وأبو إسحاق السَّبيعي، وجماعة.
الأعمش، عن شقيق، قال: ما رأيت هَمْدانيًا أحبّ إليّ من أن أكون
في مِسلاخِه، من عَمْرو بن شُرَحْبيل .
شَريك، عن عاصم، عن أبي وائل: ما اشتَملت هَمْدانيّة على مثل أبي
مَيْسرة، قيل: ولا مَسْروق؟ فقال: ولا مَسْروق .
أبو إسحاق، عن أبي مَيْسرة، وقيل له: ما يَحبِسك عند الإقامة؟ قال:
(١) طبقات ابن سعد ٥/ ١٨٥ - ١٨٦.
٦٩٠

إنّي أوتر. ولما احتُضر أوصى أن لا يُؤذن بجنازته أحدٌ، وكذلك أوصى
عَلقمة .
إسرائيل، عن أبي إسحاق، قال: رأيت أبا جُحَيفة في جنازة أبي
مَيْسرة آخذًا بقائمة السَّرير حتى أُخرج، ثمَّ جعل يقول: غفر الله لك أبا
ميسرة .
قال ابن سعد(١): تُوفي في ولاية عُبيد الله بن زياد بالكوفة(٢).
٨١- م٤: عَمرو بن عَبَسَة بن عامر بن خالد، أبو نَجيح السُّلميُّ،
نزيلُ حِمص، وأخو أبي ذَرٍّ لأمِّه.
قدِمِ على رسول الله مَّ مكة، فكان رابعَ من أسلم، ورجع ثم هاجرَ
فيما بعد إلى المدينة. له عدَّة أحاديث.
روى عنه جُبير بن نُفير، وشَدَّاد أبو عَمَّار، وشَرَحْبِيلِ بنِ السِّمْط،
وكَثير بن مُرَّة، ومَعْدان بن أبي طَلحةِ، والقاسِم أبو عبد الرحمن، وسُلَيم
ابن عامر، وحَبيب بن عُبيد، وضَمْرة بن حَبيب، وأبو إدريس الخَوْلاني،
وخلق وقد روى عنه ابن مَسْعود مع جَلالته، وسَهل بن سعد، وأبو أُمامة
الباهلي .
ولا أعلم هل مات في خلافة معاوية أو في خلافة يزيد، وكان أحد
الأُمراء يوم اليرموك.
روى إسماعيل بن عيَّش، عن يحيى بن أبي عمرو السَّيْباني(٣)، عن
أبي سلام الدمشقي وعمرو بن عبدالله، سمعا أبا أمامة، عن عَمْرو بن عَبَسة
قال: رغبتُ عن آلهة قَومي في الجاهلية، رأيت أنَّها آلهة باطِلة لا تَضُرُّ ولا
(٤)
تنفع (٤).
٨٢- م ت ن ق: عَمْرو بن سَعيد بن العاص بن سَعيد بن العاص
ابن أميّة الأمويُّ، أبو أميّة المعروف بالأشدق.
(١) طبقاته ١٠٩/٦.
(٢) ينظر تهذيب الكمال ٢٢ / ٦٠ - ٦٣.
(٣) بفتح السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف، وهو من رجال التهذيب.
(٤) ينظر تهذيب الكمال ٢٢ / ١١٨ - ١٢٢.
٦٩١

وَلِيَ المَدينة ليزيد، ثم سَكَن دمشق، وكان أحد الأشراف من بني
أَميَّة، وقد رام الخلافة، وغَلب على دمشق، وادَّعى أنَّ مَروان جعله وليَّ
العهدِ بعد عبدالملك.
حدَّث عن عُمر، وعُثمان. روى عنه بنوه موسى وأُميَّة وسعيد، وخُثَيْم
ابن مروان .
وكان زوج أخت مَروان أُمّ البنين شَقيقة مَروان .
قال عبدالملك بن عُمير، عن أبيه، قال: لما احتُضِرَ سَعيد بن العاص
جمعَ بنيه، فقال: أيُّكم يَكْفل دَيْني؟ فسَكتوا، فقال: ما لكُم لا تَكَلَّمون؟
فقال عَمْرو الأشْدَق، وكان عظيم الشَّدْقَين: وكم دَيْنُك يا أبتِ؟ قال:
ثلاثون ألف دينار، قال: فيمَ استَدنتَها؟ قال: في كريمٍ سَدَدْتُ فاقَتَه ولئيم
فدَيتُ عِرضي منه، فقال: هي عليَّ.
وعن سعيد بن المُسيِّب، وسُئل عن خُطباء قريش في الجاهليّة فقال :
الأسودُ بن المُطَّلب بن أسد، وسُهيل بن عمرو، وسُئل عن خُطبائهم في
الإسلام فقال: مُعاوية وابنه، وسعيد بن العاص وابنه، وابن الزُبير.
وفي «مُسْنَد أحمد))(١)، من حديث عليٍّ بن زيد بن جُدْعان، قال:
أخبرني من سمع أبا هريرة، يقول: سمعت رسول الله مَّل يقول: ((ليَرْعُفنَّ
على منبري جَبَّار من جبابرة بني أميّة)). قال عليٍّ: فحدَّثني من رأى عَمرو
ابن سعيد رَعَف علی مِنبر رسول الله ◌َالچل.
فقال الزُّبير بن بكَّار: كان عَمْرو بن سعيد ولاَّه مُعاوية المَدينة، ثمَّ
ولاَّه يزيد، فبعث عَمرو بَعثاً لقتال ابن الزُبير. وكان عَمرو يَدَّعي أنَّ مَروان
جعل إليه الأمر بعد عبدالملك، ثم نقض ذلك وجعله إلى عبدالعزيز بن
مَروان، فلمَّا شخَصٍ عبدالملك إلى حَرب مُصْعب إلى العراق، خالف عليه
عَمرو بن سعيد وغَلَّق أبواب دمشق، فرجع عبدالملك وأحاط به، ثم أعطاه
أمانًا، ثمَّ غدرَ به فقَتله، فقال في ذلك يحيى بن الحَكّم عمُّ عبدالملك:
أعَيْنَيَّ جُودي بالدُّموع على عَمْرو عَشِيَّة تُبْتَرُّ الخِلافةُ بالغَدر
كأن بني مروان إذ يقتلونه بغاثٌ من الطَّير اجتمعن على صَقْر
(١) أحمد ٢/ ٥٢٢، وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان.
٦٩٢

غدَرتُم بعمرو يا بني خيط باطلٍ
فَرُحنا وراح الشامتون عشيّة
وأنتم ذوو قُربائه وذوو صِهْر
كأنَّ على أكتافنا فِلَقُ الصَّخْر
لحا الله دُنيا يَدخل النار أهلُها وتَهْتِكُ ما دون المحارم من سِتْر
وكان مَروان يُلقَّب بخيط باطلٍ .
وروى ابن سعد بإسنادٍ(١)، أنَّ عبدالملك لمَّا سار يؤمُّ العراق، جلس
خالد بن يزيد بن معاوية وعمرو بن سَعيد، فتذاكرا من أمر عبدالملك
ومَسيرهما معه على خديعةٍ منه لهُما، فرجع عَمْرو إلى دمشق فدخلها
وسُورُها وثيق، فدعا أهلَها إلى نَفسه، فأسرَعُوا إليه، وفقده عبدالملك،
فرجع بالنّاس إلى دمشق، فنازلها ستَّ عشرة ليلةً حتى فَتحها عَمْرو له
وبايعه، فصفح عنه عبدالملك؛ ثم أجمع على قتله؛ فأرسل إليه يومًا
يدعوه، فوقع في نفسه أنَّها رسالة شرٍّ فركب إليه فيمن معه، لبس درعًا
مكفرًا بها (٢)، ثم دخل إليه، فتحدَّثا ساعة، وقد كان عَهِد إلى يحيى بن
الحكم أن يضرب عُنُقه إذا خرج إلى الصَّلاة، ثم أقبل عبدالملك عليه،
فقال: يا أبا أميّة، ما هذه الغوائِل والزُّبَى التي تُحْفَر لنا؟ ثمَّ ذكَّره ما كان
منه، وخرج إلى الصَّلاة ورجع (٣) ولم يقدم عليه يحيى، فشتمه عبدالملك،
ثم أقدم هو ومن معه عليه فقتله .
قال خليفة(٤): وفي سنة سبعين خَلع عَمرو بن سعيد عبدالملك،
وأخرَج عامِله عبدالرحمن ابن أمِّ الحَكَم عن دمشق، فسار إليه عبدالملك،
ثم اصطَلَحا على أنْ يكونَ الخَليفةَ من بعد عبدالملك، وعلى أنَّ لعَمرو مع
كلِّ عاملٍ عاملاً، وفتح دمشق ودخل عبدالملك، ثمَّ غدر به فقتله، فحدَّثني
أبو اليقظّان، قال: قال له عبدالملك: يا أبا أميّة، لو أعلم أنَّك تبقى وتُصْلِحِ
قرابتي لفَدَيْتُك ولو بدم النَّواظر، ولكنَّه قلَّما اجتمع فَحْلان في إبل إلا أخرجَ
أحدُهما صاحبه .
طبقاته ٥/ ٢٢٧ في ترجمة عبدالملك بن مروان.
(١)
(٢)
أي : مغطاة .
سقطت من د، وهي في ك وظ وطبقات ابن سعد.
(٣)
تاريخ خليفة ٢٦٦ .
(٤)
٦٩٣

وقال الليث: قُتل سنة تسع وسقِين(١).
٨٣ - عَمْرو البِكالي، أبو عثمان.
صحابيٌّ، شَهِد اليرموك. وروى عن النَّبِيِّ بَّ، ثم عن ابن مسعود،
وأبي الأعور الشُّلَميَ وغيرهما.
وعنه مَعْدان بن أبي طَلْحة، وأبو تَميمة الهُجَيْمي طريف، وأبو أسماء
الرَّحَبي، وغيرهم. وأمَّ النَّاس بمَسجد دمشق.
روى الجُرَيْري، عن أبي تَميمة: قدِمْتُ الشامَ، فإذا بهم يَطوفون
برجلٍ، قلت: من هذا؟ فقيل: هذا أفقه من بقي من أصحاب رسول الله
◌ِ *، هذا عَمرو البكالي، ورأيت أصابعه مَقطُوعة، فقيل: قُطِعت يوم
اليرموك .
وقال أبو سعيد بن يونس: قَدِم عَمْرو البِكالي مِصر مع مَروان، فروى
عنه عبدالله بن هُبيرة. وقيل: هو أخو نَوف البِكالي.
وقال أحمد العِجْلي(٢): هو تابعي ثقة.
٨٤ - ت: قَبَاث بن أشْيَم اللَّيثيُّ.
صحابيٌّ، شَهِدَ اليرموك أميرًا، وطالَ عُمُره. روى عنه عبدالرحمن بن
زياد، وأبو الحُوَيْرثُ.
قال ابن سعد(٣): إنه شَهِدَ بدرًا مُشْركًا، وشهد مع النَّبِيِّ بَلّ بعض
المَشاهد، وكان على مَجْنَبةِ أبي عُبيدة يوم اليرموك.
وقال دُحَيْم: مات بالشَّام، وأدركه عبدالملك بن مروان، فسأله عن
سِنِّه، فقال: أنا أسنُّ من رسولِ الله ◌َ له. وكذا قال عبد الصَّمد(٤) بن سعيد
وغيره.
(١) ينظر تهذيب الكمال ٢٢ / ٣٥ - ٤٠.
(٢) ثقاته (١٤١٧).
(٣) طبقات ابن سعد ٧ / ٤١١ .
(٤) في د: ((عبدالرحمن))، خطأ، وهو عبدالصمد بن سعيد القاضي صاحب كتاب:
((تسمية من نزل حمص من الصحابة))، والخبر في تاريخ دمشق ٤٩ / ٢٢٧، ومنه نقل
المصنف، وانظر: الإعلان بالتوبيخ للسخاوي ٦٢٩ .
٦٩٤

وقال إبراهيم بن المنذر: حدثنا عبدالعزيز بن أبي ثابت، قال: حدثنا
الزُبير بن موسى، عن أبي الحُوَيْرث، قال: سمعت عبدالملك بن مروان
يقول لقَباث بن أشيم اللَّيْئي: يا قَباث، أنت أكبر أم رسول الله ◌ِ﴾؟ قال:
رسول الله ◌ٍَّ أكبر، وأنا أسنُّ منه، وُلد رسول الله بَّ عام الفيل ووقفت بي
أمي على رَوْث الفيل مُحِيلاً (١) أعقله. اسم أبي الحُوَيرث عبدالرحمن بن
مُعاوية .
وروى سُفيان بن حُسين الواسِطي، عن خالد بن دُرَيْك، عن قَباث،
قال: انهزمتُ يوم بَدْر، فقلت في نفسي: لم أرَ مثل هذا اليوم قط، فلما
أتيتُ رسول الله مَّةٍ لأسْتَأمنه قال: قلتُ: لم أر مثل أمرِ الله قَطَّ، فرَّ منه إلا
النِّساء، فقلت: أشهد أنَّك رسول الله، ما تَرمرمَتْ به شَفَتاي، وما كان إلاَّ
شيء عرض لي في نفسي (٢).
٨٥ - ن: قبيصة بن جابر بن وَهْب بن مالك الأسديُّ الكوفيُّ، أبو
العلاء .
من كبار التابعين. روى عن عُمر، وعبدالله بن مَسْعود، وطَلْحة بن
عُبيد الله، وعمرو بن العاص، وجماعة. روى عنه الشَّعبي، والعُريان بن
الهيثم، وعبدالملك بن عُمَير .
وشهد خُطبة عُمر بالجابية، وكان أخا مُعاوية من الرَّضاعة وقد وفدَ
عليه، وكان كاتب سعيد بن العاص بالكُوفة، وكان يُعدُّ من الفُصَحاء.
وقال ابن سعد(٣): كان ثقةً له أحاديث.
وروى محمد بن عبَّاد، عن ابن عُيَيْنة، عن عبدالملك بن عُمير، عن
قَبيصة، قال: ألا أخبركُم عمَّن صَحبتُ؟ صَحِبْتُ عُمر رضي الله عنه، فما
رأيت أحدًا أفقَه في كتاب الله منه، ولا أحسن مُدارسةً منه، وصَحِبْتُ
طَلْحة بن عبيدالله، فما رأيت أحدًا أعطى لجَزيل منه عن غير مسألة،
وصحِبْتُ عَمْرو بن العاص، فما رأيت أحدًا أنصع ظرفًا منه أو قال: أتم
(١) أي متغيرًا.
(٢) ينظر تهذيب الكمال ٤٦٦/٢٣ -٤٦٨.
(٣) الطبقات الكبرى ٦ / ١٤٥.
٦٩٥

ظرفًا منه، وصحِبْتُ معاوية، فما رأيت أحدًا أكثر حِلْمًا ولا أبعد أناةً منه،
وصَحِبْت زيادًا، فما رأيت أكرم جَليسًا منه، وصحِبْتُ المُغيرة بن شعبة،
فلو أنَّ مدينةً لها أبواب لا يُخرج من كلِّ باب منها إلاَّ بالمَكر لَخرج من
أبوابها كُلِّها .
قال خليفة(١): مات قَبِيصة سنة تسعٍ وستين(٢).
٨٦- قيس بن ذَرِيحِ، أبو يزيد الَلَّيْيُّ الشاعر المَشْهور، من بادية
الحجاز.
وهو الذي كان يشبِّب بأمِّ مَعْمَر لُبْنَى بنت الحُباب الكَعبية، ثم إنَّه
تزوَّج بها، وقيل: إنَّه كان أخا الحسين من الرَّضاعة .
قال ثعلب: حدثنا عبدالله بن شَبيب، قال: حدثنا موسى بن عيسى
الجَعْفري، قال: أخبرني عيسى بن أبي جَهْمة اللَّيْني، وكان مُسِنًّا، قال: كان
قيس بن ذَرِيح رجلاً منَّا، وكان ظَرِيفًا شاعِرًا، وكان يكون بقُديد بسَرِف
وبوادي مكَّةَ، وخَطب لُبْنَى من خُزاعة، ثمَّ من بني كعب فتزوَّجها وأعجب
بها، وبلغت عنده الغاية، ثم وَقع بين أُمِّه وبينها فأبغَضتها، وناشَدَت قيسًا
في طَلاقها فأبى، فكلَّمت أباه، فأمره بطَلاقها فأبى عليه، فقال: لا جَمعني
وإِيَّاك سقفٌ أبدًا حتى تُطلَّقها، ثم خرج في يوم قيظِ، فقال: لا أستظلُّ حتى
تُطلِّقها، فطَلَّقها، وقال: أما إنه آخر عهدك بي، ثم إنَّه اشتدّ عليه فِراقها
وجَهِد وضَمُر، ولما طَلَّقها أتاها رجالها يتحمّلونها، فسأل: متى هم
راحِلون؟ قالوا: غدًا تَمضي، فقال:
وقالوا غدًا أو بَعد ذاك ثلاثةً فِراق حَبيب لم يَبنْ وهو بائنُ
فما كنت أخشى أن تكون مَنيَّتَي بكفِّي إلاَّ أنَّ ما حان حائنُ
ثم جعل يأتي منزلها ويبكي، فلاموه، فقال:
كيف السُّلُؤُ ولا أزالُ أرى لها رَبْعًا كحاشية اليَماني المُخلقِ
رَبْعًا لواضحةِ الجَبين عَزِيزَةٌ كالشَّمس إذ طلعت رخيم المَنْطق
قد كنت أعهدها به في عزَّةِ والعَيش صافٍ والعِدَى لم تنطق
(١) طبقاته ١٤١ .
(٢) من تهذيب الكمال ٢٣/ ٤٧٢ - ٤٧٥.
٦٩٦

حتى إذا هتفوا وأذَّن فيهم داعي الشَّتات برحلة وتفرّق
خلت الدِّيار فزُرْتُها فكأنَّني ذو حَيَّةٍ من سُمِّها لم يفرق
وهو القائل :
وكلُّ مُلِمَّات الزَّمان وجدْتُها سوى فُرقةِ الأحباب هيئةَ الخَطْبِ
ومن شعره:
ولو أنَّني أسْطِيع صَبْرًا وسَلوةً تناسيت لُبْنَى غيرما مُضْمر حِقّدا
شَتاتًا فما ألفى صَبُورًا ولا جَلدا
ولكنَّ قلبي قد تقسَّمه الهَوَى
سل اللَّيلَ عنِّي كيف أرعى نجومه وكيف أقاسي الهمَّ مُسْتَخْليًا فردا
كأنَّ هُبوب الرِّيح من نحو أرضِكم تُثير فُتات المِسْك والعنبر النَّدا
وعن أبي عَمْرو الشَّيباني، قال: خرج قيس بن ذريح إلى معاوية
فامتدحه، فأدناه وأمر له بخمسة آلاف درهم ومئتي دينار، وقال: كيف
وَجْدُك بلُبنى قال: أشدُّ وَجْدٍ، قال: فَنُرضي زَوْجها؟ قال: ما لي في ذلك
من حاجةٍ، قال: فما حاجَتُك؟ قال: تأذن لي في الإلمام بها، وتكتب إلى
عامِلك، فقد خشيتُ أن يُفرِّق الموتُ بيني وبين ذلك، وأنشده:
أضوءٌ سَنا برْقِ بدا لك لَمْعُهُ بذي الأثل من أجراع بثنة ترقبُ
نعم إنَّني صَبُّ هناك مُوكلٌ بمن ليس يُدنيني ولا يتقرّبُ
مرضتُ فجاءوا بالمُعالج والرُّقى وقالوا: بصيرٌ بالدَّواء مجرَّبُ
فلم يُغْنِ عنِّي ما يعقد طائِلاً ولا ما يُمنِّيني الطبيبُ المجرِّبُ
وأعلم شيءٍ بالهوى من يُجرِّبُ
سيُسْليك عمَّن نفْعُهُ عنك يعزُبُ
لذي الشَّجْو أشفى من هَوی حین یقربُ
وما لاح وهنا في دُجى اللَّيل كوكبُ
وقال أُناسٌ والظُّنون كثيرة
ألا إنَّ في اليأسِ المُفرِّق راحة
فكلُّ الذي قالوا بلَوْتُ فلم أجِد
عليها سلامُ الله ما هَبَّت الصَّبا
فلستُ بمُبتاع وصالاً بوَصْلها ولست بمُفْشِ سرَّها حين أغضبُ
وله :
يقولون لُبُنى فِتنةٌ، كنتَ قبلَها بخيرٍ فلا تَنْدَم عليها وطلِّقِ
فطاوعتُ أعدائي وعاصيتُ ناصِحِي وأقررتُ عين الشامت المُتخلِّقِ
٦٩٧

وَدِدْتُ وبيتِ اللهِ أَنِّي عَصَيْتُهُم وحملت في رضوانها كُلَّ موثق
أبيتُ على أتْباج موج مُغَرِقٍ
وكُلِّمتُ خَوضَ البحر والبحرُ زاخرٌ
عُصارة ماء الحَنظلِ المُتَفَلِّقِ
كأنِّي أرى النَّاسِ المُحِبِين بعدها
فتُنكرُّ عيني بعدها كلَّ مَنظرٍ ويكره سَمعي بعدها كل منطقٍ
فقال معاوية: هذا وأبيك الحبُّ، وأذِن له في زيارتها، فسار حتى نزل
على امرأةٍ بالمَدينة يقال لها: بُرَيْكة، وأهدى لها وللُبْنَى هدايا وألطافًا،
وأخبرها بكتاب معاوية، فقالت: يا ابن عَمِّ ما تُريد إلى الشُّهرة، فأقام أيامًا،
فبلغ زوجَ لُبْنى قدومُهُ، فمنع لُبْنَى من زيارة بُرَيْكة، فأيس قيسٌ من لقائها،
فبقي مُتَردِّدًا في كتاب مُعاوية، فرآه ابن أبي عَتيق يومًا، فقال: يا أعرابي ما
لي أراك مُتحيِّرًا؟ قال: دعني بارَك الله فيك، قال: أخبرني بشأنك، فإنّ
على ما تُريد، وألحَّ عليه، فأخبره، وقال: لا أُراني إلاَّ فِي طَلَب مثلك،
وانطلَقَ به، فأقام عنده ليلةً يُحدِّثه ويُنْشده، فلما أصبحٍ ابن أبي عَتيق ركب
فأتى عبدالله بن جعفر بن أبي طالب فقال: فِداك أبي وأمي، اركب معي في
حاجة، فركبَ معه، واستنهض معه ثلاثةً أو أربعةً من وُجوه قُريش، ولا
يدرون ما يُريد، حتى أتى بهم باب زوج لُبْنى، فخَرج فإذا وجوه قريش،
فقال: جعلني الله فِداكم، ما جاء بكم؟ قالوا: حاجة لابن أبي عَتيق استعانَ
بنا عليك، فقال: اشهدوا أنَّ حُكْمه جائز عليَّ، فقال ابن أبي عَتيق: اشهدوا
أنَّ امرأته لُبْنى منه طالق، فأخذ عبدالله بن جعفر برأسه ثم قال: لهذا جئت
بنا؟ فقال: جُعلتُ فِداكم، يُطلِّق هذا امرأته ويتزوَّج بغيرها خيرٌ من أن
يموتَ رجلٌ مُسلم، فقال عبدالله: أما إذا فعل ما فَعل فله عليَّ عشرة آلاف
درهم، فقال ابن أبي عتيق: والله لا أبرحُ حتى تنقل مَتاعَها، ففعلت،
وأقامت في أهلِها، حتى انقضت عدَّتها وتزوَّج بها قيس، وبقيا دهرًا بأرغد
عیش، فقال قيس :
جَزِى الرَّحمن أفضل ما يُجازي على الإحسان خَيرًا من صديق
فقد جَرَّبتُ إخواني جَميعًا فما ألْفَيْتُ كابن أبي عتيق
سعى في جَمْعِ شَمْلي بعد صَدْع ورأي جرتُ فيه عن الطَّريق
وأطفأ لوعةً كانت بقَلبيّ أغَصَّتني حرارتُها بريقي
٦٩٨

هذه رواية .
وقال سليمان بن أبي شيخ: حدثنا أيُّوب بنٍ عَباية، قال: خرج قيس
ابن ذَريح إلى المدينة يبيع ناقَةً، فاشتراها زوج لُبْنى وهو لا يعرفه، فقال
لقيس: انطلق معي لتأخذ الثَّمن، فمضى معه، فلمَّا فتح الباب إذا لُبْنى قد
استقبلت قيسًا، فلمَّا رآها ولَّى هارِبًا، واتَّبعه الرجل بالثمن، فقال: لا تِركَبْ
لي مَطيِّتين أبدًا، قال: وأنت قيسَ بنِ ذَرِيح؟ قال: نعم، قال: هذه لُبْنَى،
فقف حتى أُخيِّرها، فإن اختارَتْك طِلَّقْتُهَا، وظنَّ الزوج أنَّ له في قَلبها
موضعًا، فخُيِّرت فاختارت قَيْسًا، فطلَّقها فماتت في العدَّة.
ولقد قيل لقيس: إنَّ مِمَّا يُسْليك عنها ذِكْر مَعايبها، فقال:
إذا عِبْتُها شَبَّهْتُها البَدر طالعًا وحَسْبُك من عيبِ بها شَبْه البدر
لقد فُضلت لبنى على النَّاس مِثلما على ألف شهرٍ فُضِّلت ليلةُ القدر
ومَتْنٌ كغصن البان مُضْطمِرُ الخِصْرِ
لها كَفلٌ يرتجُّ منها إذا مَشَتْ
ولقيس :
أريد سُلُوًّا عن لُبَيْنَى وذِكْرها فيأبى فؤادي المُسْتَهامُ المُتَّمُ
وعاودني من ذاك ما الله أعلمُ
إذا قلت أسلوها تعرَّض ذِكْرُها
سِواي فإِنِّي ذاهبُ العَقل مغرَمُ
صَحا كلُّ ذي ودِّ علمتُ مكانَه
وله :
هل الحبُّ إلَّ عَبْرةٌ بعد زَفْرةٍ وحَرٍّ على الأحشاء ليس له بردُ
وفَيْضُ دموع تَسْتَهِلُّ إذا بدا لنا عَلَمٌ من أرضكم لم يكن يبدو (١)
٨٧- م ن: قيس بن السَكَن الأسديُّ الكوفيُّ.
سمع عبد الله بن مسعود، والأشعث بن قيس. روى عنه عمارة بن
عُمَير، وسَعد بن عُبَيدة، والمِنْهال بن عَمرو، وأبو إسحاق .
قال ابن مَعِين : ثقة .
وقال أبو حاتم (٢): تُوِّي في زمن مُصْعَب(٣).
(١) تنظر ترجمته في تاريخ دمشق ٤٩ / ٣٧٩ - ٣٩٦.
(٢)
الجرح والتعديل ٧/ الترجمة ٥٥٧ .
من تهذيب الكمال ٢٤ / ٥٠ - ٥٣ .
(٣)
٦٩٩

٨٨- قيس المَجنون، ومَن به يُقاس المُحبُّون.
هو قيس بن المُلوَّح بن مُزاحم، وقيل: قيس بن معاذ، وقيل: اسمه
البَخْتَري بن الجَعْد، وقيل غير ذلك، وهو مَجنون ليلى بنت مَهدي أم مالك
العامِرِيَّة الرَّبعية، وهو من بني عامر بن صَعْصعة، وقيل: من بني كعب بن
سَعْد.
سمعنا أخباره في جزء ألَّفه ابنُ المَرْزُبان، وقد أنكر بعضُ الناس ليلى
والمجنون، وهذا دفع بالصَّدر، فليس من لا يعلم حُجَّةً على من عَلِم، ولا
المُثْبتُ كالنَّافي، فعن لقيط بن بُكَير المُحاربي: أنَّ المَجنون عَلِقَ ليلى علاقةَ
الصِّبا، وذلك لأنَّهما كانا صغيرين يَرْعَيان أغنامًا لقَومهما، فعلق كلُّ واحدٍ
منهما الآخر، وكبرا على ذلك، فلمَّا كبرا حُجِبتْ عنه، فزال عقله، وفي
ذلك يقول :
تَعلَّقتُ ليلى وهي ذات ذُؤابةٍ ولم يَبْدُ للأتراب من ثَدْيها حَجْمُ
صَغيرين نَرْعى البَهْمَ يا ليتَ أنَّنا إلى اليوم لم نَكْبَرْ ولم تَكْبَرِ البَهُمُ
وذكر ابن دَاب، عن رياح بن حَبيب العامِري، قال: كان في بني عامر
جاريةٌ من أجمل النِّساء، لها عقل وأدبٌ، يقال لها ليلى بنت مَهدي، فبلغ
المَجنون خبرها، وكان صَبَّا بمُحادثة النِّساء، فلبس حُلّة ثم جلس إليها
وتَحادثا، فوقعت بقلبه، فظلَّ يومه يُحادِثها، فانصرف فبات بأطول ليلةٍ، ثم
بكّر إليها فلم يزل عِندها حتى أمسى، فلم تَغْمِضْ له تلك الليلة عينٌ، فأنشأ
يقول :
نهاري نهارُ النَّاسِ حتى إذا بدَا ليَ الليلُ هِزَّتْني إليك المَضاجِعُ
أقضي نهاري بالحَديث وبالمُنَى ويَجْمعني والهمُّ بالليل جامعُ(١)
ووقع في قلبها مثلُ الذي وقع بقلبه، فجاء يومًا يُحدِّثها، فجعلت
تُعْرض عنه، تُريد أن تَمتحنه، فجزع واشتدّ عليه، فخافت عليه، وقالت:
كِلانا مُظْهرٌ للناس بُغْضًا وكلٌّ عند صاحبه مَكينُ
فسُري عنه، وقالت: إنَّما أردتُ أن أمتَحِنك، وأنا مُعْطِية الله عَهدًا؛ لا
(١) الأبيات في الأغاني ٢/ ٤٣ .
٧٠٠